← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

به الفريق الآخر كعمر بن عبد العزيز (١) والقاسم (٢) وابن تيمية (٣) وابن القيم (٤) وغيرهم من المحققين (٥). قوله: (وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ كُلَّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ لَيْسَ نَصًّا فِي إِلْزَامِ السَّكْرَان الطَّلَاقَ لِأَنَّ السَّكْرَانَ مَعْتُوهٌ مَا، وَبِهِ قَالَ دَاوُد، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ (٦) وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ (٧) - أَعْنِي: أَنَّ طَلَاقَهُ لَيْسَ يَلْزَمُ -. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَان (٨) فِي ذَلِكَ، وَاخْتَارَ أَكثَرُ أَصْحَابِهِ قَوْلَهُ الْمُوَافِقَ لِلْجُمْهُورِ (٩)، وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ:

стр. 6337

أَنَّ طَلَاقَهُ غَيْرُ وَاقِعٍ (١)). هذا الحديث مع ضعفه احتج به جمهور العلماء الذين قالوا: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" (٢)، معنى هذا أنَّ طلاق السكران واقعٌ، وهذا يصلح حجةً للفريق الآخر؛ لأن السكران يعتبر معتوهًا، أي: ذهب عقله، وذهاب العقل إما أن يكون بالجنون، وقد يكون بالسكر، واللّه تعالى يقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولذلك يقيد العلماء السكران الذي لا يقع طلاقه؛ لأنه لا يكون مدركًا لما يقول، وهو الذي وصل إلى درجة الهذيان. والذين قالوا بأنَّ السكران مكلفٌ، استدلوا بقصة الكلب عندما جاء إلى عمر ﵁ حين أرسله خالد بن الوليد يسأله عن قصة مع السكران إذا قذف، قصة القذف قالوا: هؤلاء أصحاب رسول اللّه ﷺ فاسألهم، وكان فيهم عليٌّ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وعثمان، فقال عليٌّ: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، حدوه حدَّ المفتري، أي: يجلد حتى الجلدة الثمانين، فقالوا: إذًا يقام عليه حد السكر، وطالما يقام عليه الحد معنى هذا أنه مكلفٌ، إذًا يقع طلاقه (٣). قوله: (وَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي يُطَلِّقُ طَلَاقًا بَائِنًا ويمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ،

стр. 6338

فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَجَمَاعَةً (٢) يَقُولُ: تَرِثُهُ زَوْجَتُه، وَالشَّافِعِيُّ (٣) وَجَمَاعَة (٤) لَا يُوَرِّثُهَا). الأئمة الثلاثة أبو حنيفة (٥) ومالك (٦) وأحمد (٧) يرون: أنَّ من يطلق زوجته في مرضه الذي يموت فيه فإن زوجته ترثه، فيعامل بنقيض قصده؛ لأن الإنسان إذا طلق في مرضه الذي يموت فيه فإنه متهم في هذا المقام، لماذا يطلقها في هذا المرض؟ قد يكون الدافع له أن يطلقها ليحرمها من الميراث، فينبغى أن يعامل بنقيض قصده، فلا تمنع من الميراث؛ لأن ذلك حرمان لها، وسندهم ما حصل من عبد الرحمن بن عوف عندما طلق زوجته في مرض موته فإنَّ

стр. 6339

عثمان ﵁ قد ورثها (١)، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة على عثمان ﵁ ذلك، فكان ذلك إقرارًا منهم فكان حجة. وأما الإمام الشافعي ﵀ فهو يرى أنه طلاقٌ، والطلاق يقع في حالة الجِدِّ والهزل، ولا فرق بين المريض وغيره، فما دام الطلاق يقع، فلماذا نرتب عليه بعض الأحكام، فالطلاق وقعَ وتحقَّق، فلماذا نورث امرأةً من زوجٍ قد طلقها، هذا تعليله. قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا بِتَوْرِيثِهَا انْقَسَمُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فَفِرْقَةٌ قَالَتْ: لَهَا الْمِيرَاثُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَقَالَ قَوْم: لَهَا الْمِيرَاثُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمَدُ (٤)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٥)، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ تَرِثُ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، تَزَوَّجَتْ أَمْ لَمْ تتزَوَّجْ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٦)، وَاللَّيْثِ (٧).

стр. 6340

وَسَبَبُ الْخِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَرِيضُ يُتَّهَمُ فِي أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا طَلَّقَ فِي مَرَضِهِ زَوْجَتَهُ لِيَقْطَعَ حَظَّهَا مِنَ الْمِيرَاثِ، فَمَنْ قَالَ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَوْجَبَ مِيرَاثَهَا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَلَحَظَ وُجُوبَ الطَّلَاقِ لَمْ يُوجِبْ لَهَا مِيرَاثًا، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ تَقُولُ: إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ وَإِنْ كانَ لَمْ يَقَعْ فَالزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةٌ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهَا، وَلَا بُدَّ لِخُصُومِهِمْ مِنْ أَحَدِ الْجَوَابَيْنِ، لِأَنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِي الشَّرْع نَوْعًا مِنَ الطَّلَاقِ تُوجَدُ لَهُ بَعْضُ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَبَعْضُ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَأَعْسَرُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَصِحَّ أَوْ لَا يَصِحَّ، لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ طَلَاقًا مَوْقُوفَ الْحُكْمِ إِلَى أَنْ يَصِحَّ أَوْ لَا يَصِحَّ، وَهَذَا كلُّهُ مِمَّا يَعْسُرُ الْقَوْلُ بِهِ فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنِسَ الْقَائِلُونَ بِهِ أَنَّهُ فَتْوَى عُثْمَانَ (١) وَعُمَرَ (٢)، حَتَّى زَعَمَتِ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ (٣)، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَشْهُورٌ (٤). وَأمَّا مَنْ رَأَى أَنَّهَا تَرِثُ فِي

стр. 6341

الْعِدَّةِ، فَلِأَنَّ الْعِدَّةَ عِنْدَهُ مِنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَكَأَنهُ شبَّهَهَا بِالْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ عَائِشَةَ. وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ فِي تَوْرِيثِهَا مَا لَمْ تَتزَوَّجْ فَإِنَّهُ لَحَظَ فِي ذلِكَ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَرِثُ زَوْجَيْنِ (١)، وَلكنِ التُّهْمَةِ هِىَ الْعِلَّةُ عِنْدَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْمِيرَاثَ). وجهة الذين قالوا أنها ترث ما دامت في العدة؛ لأنها إذا كانت في العدة فهي باقية في عصمة الزوج، له أن يراجعها فتأخذ حكم الزوجة، ومن قال ما لم تتزوج من بعده ولم ترتبط بزوج آخر، فلو أنها ارتبطت بآخر فكيف ترث من اثنين هذه وجهة هؤلاء، ومن قال بأنها ترث مطلقًا، قالوا: أن القصد من توريثها هو من باب سدِّ الذرائع، حتى لا يكون ذلك مدخلًا من بعض الرجال إذا غضب من زوجته فأدرك أنه في مرض موته، فغلب على نفسه مفارقة هذه الحياة، فيقوم فيطلق هذه الزوجة التي أنهكت

стр. 6342

نفسها في حياته في خدمته وخدمة أبنائه، فيعامل بنقيض قصده، وهذه وجهة المالكية. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا طَلَبَتْ هِيَ الطَّلَاقَ، أَوْ مَلَّكَهَا أَمْرَهَا الزَّوْج فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا). ربما يأتي الطلب من الزوجة في نفسها فتقول للزوج وهو في مرضه: طلقني، أو تقول: ملكني أمري، فيقول: ملكتك أمرك. قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (١). والشافعيُّ (٢) وأحمد في رواية (٣). قوله: (لَا تَرِثُ أَصْلًا، وَفَرَّقَ الْأَوْزَاعِيُّ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالطَّلَاقِ فَقَالَ: لَيْسَ لَهَا المِيرَاثُ فِي التَّمْلِيكِ، وَلَهَا فِي الطَّلَاقِ (٤)، وَسَوَّى مَالِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (٥)، حَتَّى لَقَدْ قَالَ: إِنْ مَاتَتْ لَا يَرِثُهَا، وَتَرِثُهُ هِيَ إِنْ مَاتَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلأصُولِ جِدًّا).

стр. 6343

وهي أيضًا الرواية الأخرى للإمام أحمد (١)، ولكن الذي يظهر لنا قوة مذهب جمهور العلماء مذهب الشافعية والحنفية وهي الرواية الأقوى في رواية أحمد. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: [الباب الثالث فِيمَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنَ النِّسَاءِ وَمَنْ لَا يَتَعَلَّقُ] سيتحدث المؤلف عن أنواع النساء، ما هي المرأة التي يقع عليها الطلاق، هناك امرأة تزوجها إنسان فلم يدخل بها بعد ولها أحكامٌ تخصها، وهناك امرأة تزوجها فحصل المسيس، وهناك نساء لم يتزوجهن، فهل لو قدر أنه أطلق الطلاق فيما لو تزوج امرأة يقع أو لا؟ قوله: (وَأَمَّا مَنْ يَقَعُ طَلَاقُهُ مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي فِي عِصْمَةِ أَزْوَاجِهِنَّ (٢)). لا شك أنه يقع على المرأة التي في عصمة زوجها؛ لأنها هي التي له ولاية عليها، والرجال قوامون على النساء، وقوامة الرجل إنما هي على زوجته التي في عصمته، أمَّا الأجنبية فلا قوامة عليها.

стр. 6344

قوله: (أَوْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَدُهُنَّ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ (١)). لو طلق زوجتة طلاق رجعيًّا، فله الحق عليها ما دامت في عدتها، لأنَّ المرأة المطلقة طلاق رجعيٌّ كأنها في حكم الزوجة لزوجها، له أن يردها، ولا يحتاج الأمر إلى رضاها، ولا يحتاج إلى موافقة الولي، ولا إلى صداقٍ، وإنما يردها في وقت عدتها، يقول اللّه : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. تْم قال : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والبعل: هو الزوج، إذ الزوج هو الأحق أن يرد هذه المرأة، لكن عندما تنقضي عدتها تتغير الحالة، فيحتاج الأمر إلى أن يتقدم إليها من جديدٍ ما لم تكن طُلِّقت طلاقًا بائنًا. قوله: (وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى الْأَجْنبِيَّاتِ - أَعْنِي: الطَّلَاق المُعَلَّقَ). الطلاق المعلَّق: هو ما يعلق على شيء، كالولادة أو غيرها، كأن يقول: إن ولَدَت زوجتي فهي طالق، أو إن دخلت الدار فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق.

стр. 6345

قوله: (وَأَمَّا تَعْليقُ الطَّلَاقِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ بِشَرْط للتَّزْوِيجِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ نَكَحْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ). لو أنَّ إنسانًا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، وربما يقول؛ إن تزوجت من بيت فلانٍ فهي طالق، وربما يقول من القبيلة الفلانية، وربما يعمم فيقول: أي امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ. قوله: (فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ: قَوْل: إِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَجْنَبِيَّةٍ أَصْلًا، عَمَّ الْمُطَلِّقُ أَوْ خَصَّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي (١)، وَأَحْمَدَ (٢)، وَدَاوُدَ (٣)، وَجَمَاعَةٍ (٤). وَقَوْل: إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِشَرْطِ التَّزْوِيجِ، عَمَّ الْمُطَلِّق جَمِيعَ النِّسَاءِ أَوْ خَصَّصَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٥) وَجَمَاعَةٍ (٦)، وَقَوْل: إِنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ

стр. 6346

النِّسَاءِ لَمْ يَلْزَمْه، وَإِنْ خَصَّصَ لَزِمَه، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (١) - أَعْنِى: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ بَنِي فُلَانِ أَوْ مِنْ بَلَدِ كذَا فَهيَ طَالِقٌ، وَكذَلِكَ فِي وَقْتِ كذَا. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُطَلَّقْنَ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا زُوِّجْنَ -. وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ مِنْ شرْطِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وُجُودُ الْمِلْكِ مُتَقَدِّمًا بِالزَّمَان عَلَى الطَّلَاقِ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟. فَمَنْ قَالَ: هُوَ مِنْ شَرْطِهِ قَالَ: لَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِالْأجْنَبِيَّةِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْمِيمِ وَالتَّخْصِيصِ: فَاسْتِحْسَانٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا عَمَّمَ فَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ. لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى النِّكَاحِ الْحَلَالِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَنَتًا بِهِ وَحَرَجًا). العلماء انقسموا إلى أقسامٍ ثلاثةٍ: ١ - فبعضهم يقول: الطلاق لا يقع على امرأةٍ ليست في عصمة الرجل، فلا يعتد بهذا الأمر. ٢ - ومن العلماء من قال: يقع الطلاق مطلقًا عمَّ أو خصَّ. ٣ - ومنهم من قال: إن خصَّ فلانةً، أو من بني فلانٍ وقع الطلاق، وإن عم فلا. والذين قالوا بأنَّ مثل هذا الطلاق لا يقع هم جمهور العلماء، ومنهم

стр. 6347

الشافعية والحنابلة وكثير من العلماء، والذين قالوا بوقوع الطلاق مطلقًا عم المطلق أو خص هم الحنيفة، والذين فسروا القول في ذلك فرقوا بين التخصيص والتعميم هم المالكية، فأي هذه الأقوال الذي له حظ من هذه الشريعة أكثر؟ لا شك في نظري أنَّ أظهر الأقوال وأقومها هو رأي جمهور العلماء الشافعية والحنابلة ومن معهم، لأن هذا هو أظهر هذه الأقوال، وهو أولاها؛ لأنه أقرب إلى روح هذه الشريعة، وهو الذي يتفق مع الأسس التي قامت عليها الشريعة. سماحة الشريعة الإسلامية اللّه عندما وضع الشريعة رفع عنا الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فكلما ذكر اللّه حكمًا من الأحكام يذكر التيسير، فعندما ذكر اللّه الصيام وما يتعلق به، قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فعندما أمرنا بالصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ما أراد اللّه أن يشق علينا، ولكن اللّه يريد أن يختبرنا في هذه الدنيا، ليتبين المطيع من العاصى، ومن الملتزم بحدود اللّه ومن الخارج عنها، ولذا قال بعد ذلك: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. واللّه عندما تكلم في سورة المائدة عن أحكام الطهارة، قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ قال في آخر الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وقال في سورة الحج: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 6348

فالشريعة الإسلامية إنما قامت على اليسر وعلى رفع الحرج، ولو أن ذلك طبق على هذا الأمر لكان فيه عنتٌ ومشقةٌ وحرج على المسلم، فلو أنَّ إنسانًا تسرع في هذا الأمر وقال: أي امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ، ثم قيل بإغلاق هذا الباب على أي امرأة أتزوجها فهي طالق، هل هذا يلتقى مع ما جاء في كتاب اللّه من الحث على الزواج؟ اللّه يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، واللّه جعل العلاقة بين الزوجين آية من آياته العظمة، قال شعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فهذا الزواج له فوائد عظيمةٌ، فبهذا الزواج تغض الأبصار وتحصن الفروج، ويولد الأولاد، وربما وجد من بين هؤلاء الأولاد من يوفقه اللّه لخدمة هذا الدين، والجهاد في سبيل اللّه ، ورفع راية الإسلام، ولذلك بيَّن الرسول ﷺ أنَّ ابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقة جاريةٍ أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له (١)، فوجود الأولاد يرفعون ذكر الرجل ويظل نسبه محفوظًا، وهم أيضًا إن وفقهم اللّه وأصلحهم فإنهم سيكونون خيرًا له في هذه الحياة الدنيا وبعد الممات؛ لأن من الأبناء من يشفع، والأطفال الذين يموتون صغارا يشفعون بأهلهم (٢).

стр. 6349

فلو أغلق هذا الباب لكن في ذلك مشقة، وكان في ذلك حرجٌ على المؤمنين، ولذلك نرى أنَّ الذين قالوا بأنه لا أثر لذلك، هذا هو القول الذي نرى أنه يتفق مع روح هذه الشريعة. ولا شك أن من مراعاة مصلحة الناس ألا يحرم أحدهم من الزواج، ولذلك أنكر الرسول ﷺ على هؤلاء الذين يقول بعضهم أنه يقوم الليل ولا ينام، وبعضهم قال: يصوم ولا يفطر، وبعضهم قال أنه لا يتزوج النساء، فقال الرسول ﷺ : "أما أنا فأصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" (١). لا شك أن الزواج هو سنة رسول اللّه ﷺ ، وما أعظم وما أجمل أن يوفق المرء أن يسير على منهج رسول اللّه ﷺ ، وهو الأسوة الحسنة التي أمرنا بأن نتبعه في كل أمرٍ من أمورنا، وفي اتباعنا له صلاح واستقامة لأمورنا وأحوالنا. قوله: (وَكأنَّهُ مِنْ بَابِ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا إِذَا خَصَّصَ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِذَا أَلْزَمْنَاهُ الطَّلَاقَ). ما العلاقة بقوله كنذر المعصية، الرسول ﷺ يقول: "من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه" (٢). والعلماء يختلفون (٣) هل نذر المعصية يحتاج إلى كفارةٍ أم لا يحتاج

стр. 6350

إلى كفارةٍ، ولكن المهم أنَّ نذر المعصية لا يفعله الإنسان، والرسول ﷺ بيَّن أنَّ النذر لا يأتي بخيرٍ وإنما يستخرج به من البخيل، لأنَّ الإنسان بدل أن ينذر ليعمل عملًا طيبًا كأن يتصدق أو يعمل فعلًا من أفعال البرِّ، لا يحتاج الأمر إلى أن ينذر، بل عليه أن يؤدي ذلك بنفس طيبةٍ، لكن لو قدِّر أنه حصل فلا يخلو من أمرين: ١ - إما أن يكون نذر طاعةٍ: كأن ينذر أن يتصدق، أو أن يحسن إلى المساكين، أو يحسن إلى جيرانه، أو أن يعبد اللّه ، أو أن يكثر من الصلوات التطوعية إلى غير ذلك، فهذا عمل خيرٍ وبرٍّ، ويجب عليه أن يوفي به. لكن لو نذر أن يرتكب معصية من المعاصي فلا يجوز له أن يفعل ذلك. ٢ - أن يكون نذر معصيةٍ: والمؤلف يقول هنا: هذا الذي فيه شبه، وإن كان الشبه هو القياس ليس قياس علةٍ، لكنه شبه هذا أيضًا الذي حجر وضيَّق على نفسه فقال: أي امرأة أتزوجها، هو يشبه نذر المعصية فلا يلتفت إليه. قوله: (وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا طَلَاقَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ (١)). أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هي صحيحةٌ، وقد أخذ

стр. 6351

بها العلماء المحققون، وهي مقبولة عند العلماء، ومنها هذا الحديث الذي معنا (١). قوله: (وَفي رِوَايَةٍ أخْرَى: "لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلك وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلك" (٢)). وفي روايةٍ: "لا طلاق إلا من بعد نكاح، وعتق إلا من بعد ملكٍ" (٣). فالطلاق يكون بعد النكاح هذا نص في هذه المسألة، وهذا حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي في سننه الكبرى والطحاوي. هل هناك حجةٌ بعد قول رسول اللّه ﷺ ؟ لا شك أنه لا يلتفت إلى قول أحدٍ بعد أن يصح القول عن رسول اللّه ﷺ ، فإذا جاء الأمر عن اللّه وعن رسوله فلا يعدل عنهما إلى غيرهما. قوله: (وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَمعَاذٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ (٤)، وَرُوِيَ مِثْل قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ (٥)، وَضَعَّفَ قَوْم الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵃ (٦) -).

стр. 6352

وعن ابن عمر، لكنَّ المؤلف أحسن عندما اختار حديث عمرو بن شعيب؛ لأن هذا الحديث مسلَّم به من حيث الصحة، والأحاديث الأخرى فيها كلام للعلماء، ولو لم يرد حديث عمرو بن شعيب لكانت تلك الأحاديث الأخرى كافيةً بمجموعها لتكون حجةً. وبهذا نتبين أن القوله الراجح الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة ومن معهم. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: [الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ] [الْباب الْأَوَّلُ فِي أَحْكَام الرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ] (الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَلَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: بَائِنٍ، وَرَجْعِيٍّ؛ وَكَانَتْ أَحْكَامُ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ غَيْرَ أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِي وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْجِنْسِ بَابَان الْبَابُ الْأوَّلُ: فِي أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِ الارْتِجَاعِ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ).

стр. 6353

الطلاقُ ينقسمُ إلى قسمين: القسم الأول: طلاقٌ بائن: والطلاق البائن ينقسم أقسامًا: فمن النساء من تبين بطلقةٍ واحدةٍ، وتحرم بالثلاثة، وهي الزوجة التي لم يدخل بها زوجها، وأمَّا المرأة المدخول بها فإنها تبين بالطلقة الثالثة، ولذلك على المسلم إذا طلَّق أن يطلِّق طلقةً واحدةً، وإدت كان ولا بدَّ فليطلق طلقتين، واللّه تعالى يقول مخاطبًا النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. ويقول في سورة البقرة: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. القسمُ الثَّاني: طلاقٌ رجعِيٌّ: والملطلقة طلاقًا رجعيًّا لزوجها الحق أن يراجعها، ولا يحتاج الأمر إلى أن ترضى، لأن اللّه تعالى يقول: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (الْباب الْأَوَّلُ: فِي أَحْكَام الرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ رَجْعَةَ الزَّوْجَةِ فِي الطَّلَاق الرَّجْعِيِّ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ مِنْ غيْرِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 6354

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذَا الطَّلَاقِ تَقَدُّمَ الْمَسِيسِ لَه، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْإِشْهَادِ (١). وَاخْتَلَفُوا هَلِ الإشْهَادُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَمْ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ وَكذَلِكَ اخْتَلَفُوا هَلْ تَصحُّ الرَّجْعَةُ بِالْوَطْءِ؟ فَأَمَّا الْإِشْهَادُ: فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ (٣). وَسَبَبُ الْخِلَافِ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلظَّاهِرِ: وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَتَشْبِيهُ هَذَا الْحَقِّ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الْإِنْسَانُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ الْإِشْهَاد، فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَالآيَةِ حَمْلَ الآيَةَ عَلَى النَّدْبِ). هذا أمر لا خلاف فيه، ودليل ذلك الكتاب والسنة والإجماع، إذ الرجعة مشروعةٌ بكتاب اللّه وبسنة رسوله ﷺ ، يقول اللّه في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ

стр. 6355

قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، هذا بالنسبة لغير المدخول بها. لكن المدخول بها التي تطلق طلاقًا رجعيًّا وتعتدٌّ، يبين اللّه أنَّ لزوجها الرد: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، كأن يقول: رددتُ زوجتي، كما في هذه الآية، وكما في قوله : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فهذا نصٌّ في كتاب اللّه على أنَّ للزوج أن يراجع زوجته ما دامت في العدة، وأنها لا خيار لها في ذلك، وأنه لا حاجة لرضاها في هذا الأمر، كما قال رسول اللّه ﷺ عندما طلَّق عبد اللّه بن عمر زوجته فجاء والده إلى رسول اللّه ﷺ يسأله قال له رسول اللّه ﷺ أي لعمر -: "مره فليراجعها" (١)، لا شك أنَّ ذلك ما دامت في العدة، أمَّا إذا انتهت العدة فيتغير الأمر فيحتاج إلى أن يكون خاطبًا من الخاطبين، ولابد من وليٍّ وصداقٍ ورضا الزوجةِ، اللّه قدم دْلك بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ثم قال: ﴿ … وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي أن هذا هو خير، فاللّه بيَّن في سورة الطلاق ورغب في قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، لكن يختلف الأمر إلى الذي لم يدخل الزوج بها؛ لأن هذه لا عدة لها فلا يملك الرجعة، ولو طلقها طلقةً واحدةً بانت منه، ولو قال الإنسان قد راجعت زوجتي فإنه بلا شك راجعها، لكن هل يحتاج الأمر إلى شاهدين؟ ذهب مالك (٢) وأبو حنيفة (٣) والشافعي (٤) .......................

стр. 6356

في قول وأحمد (١) في روايةٍ بأنه مستحبٌّ إذًا هذا هو مذهب الجمهور، والعلماء الذين قالوا بالإشهاد قالوا بأنَّ الإشهاد تتأكد فيه الرجعةُ. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا تَكُونُ بِهِ الرَّجْعَة، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ إِلَّا بِالْقَوْلِ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَقَوْم قَالُوا: تَكُونُ رَجْعَتُهَا بِالْوَطْءِ، وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِالْوَطْءِ إِلَّا إِذَا نَوَى بِذَلِكَ الرَّجْعَةَ، لِأَنَّ الْفِعْلَ عِنْدَهُ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ مَعَ النِّيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٣). وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَأَجَازَ الرَّجْعَةَ بِالْوَطْءِ إِذَا نَوَى بِذَلِكَ الرَّجْعَةَ وَدُونَ النَيَّةَ (٤)). وقال قومٌ: لا تكون إلا بالوطء وهم الحنفية والمالكية والحنابلة (٥)، لكنهم اشترطوا مع الوطء النية، أي أن ينوي أن يردها، وهم المالكية. والحنفية والحنابلة قالوا: هو أصلًا لم يطأها إلا ويقصد بذلك الرجعة، إذًا هذا الأمر كافٍ على أنه يريد الرجعة.

стр. 6357

قوله: (أَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَقَاسَ الرَّجْعَةَ عَلَى النِّكَاحِ، وَقَالَ: قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِشْهَادِ، وَلَا يَكُونُ الْإِشْهَادُ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ (١)). الحقيقه أنا أرى فرقًا كبيرًا بينهما؛ لأن النكاح يختلف فهذه امرأة سيعقد عليها وهو لا يعرفها ولا تعرفه، ولذلك تحتاج إلى وليٍّ وإلى صداقٍ وإلى رضى كلٍّ من الطرفين، ولا بدَّ من الإشهاد، ثم أيضًا ورد فيها نصٌّ: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، أما هذه فهي في حكم زوجته، ولهذا يقول اللّه تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، لماذا وضع اللّه هذه العدة وترك هذه المدة الطويلة؟ ليعطي الزوج مدةً ليفكر ويراجع نفسه، فكثيرًا ما يندم الأزواج على مثل ذلك، فلو لم تكن هذه العدة لكان فرط وفاته الأمر، ولا يستطيع أن يفعل شيئًا كما لو كان قد طلَّقها ثلاثًا. قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ الاخْتِلَافِ بَيْنَ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَلَّلَةُ الْوَطْءِ عِنْدَهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُولَى مِنْهَا وَعَلَى الْمُظَاهَرَةِ وَلأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْفَصِلْ عِنْدَه، وَلذَلِكَ كَانَ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ وَطْءَ الرَّجْعِيَّةِ حَرَامٌ حَتَّى يَرْتَجِعَهَا، فَلَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنَ النِّيَّةِ. فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ). لو أنَّ إنسانًا أقسم على ألا يطأ امرأته مدةً وأكثرها أربعة أشهرٍ، فإذا انتهت هذه المدة هل نقول: تعال واشهد ولا تطأ، أو أنَّ مجرد الوطء يرفع الإشكال؟ الجواب: أنه لو وطأها انتهى؛ لأن اللّه يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]. هنا لا يحتاج إلى إشهادٍ، كذلك بالنسبة إلى المظاهرة أيضًا، فلو أنَّ

стр. 6358

إنسانًا قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، أو أنت علي حرامٌ كظهري، وغير كذلك، حينئذٍ الأمر لا يحتاج .. تعليل المؤلف له وجهٌ من النظر. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): لَا يَخْلُو مَعَهَا وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى شَعْرِهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهَا إِذَا كَانَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا. وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِبَاحَةِ الأكلِ مَعَهَا (٢)). يعني هذه المطلقة طلاقًا رجعيًّا هل تعامل بمثابة الأجنبية، أم أنها في حكم الزوجة فله أن يدخل عليها ويخلو بها ويسافر بها وتتزين له وتواكله وتشاربه، أم أنه ينقطع عنها، وليس له أن يفعل شيئًا من ذلك حتى يردها إليه؟ العلماء مختلفون في هذا الأمر، ومذهب مالكٍ في هذه المسألة فيه نوعٌ من التشديد؛ لأنه يرى ألا يقاربها، وهناك غاية مقصودةٌ من هذه العدة بأن يتذكر الزوج ما بينه وبين تلك الزوجة، فلعله يراجع نفسه ويفكر في الأمر مليًّا، فيحدث ما لم يكن حدث بعد الطلاق، فبذلك تتوق نفسه إلى الرجعة إلى زوجته، ولربما أنَّ هذه الزوجة ذاتُ أولادٍ، ولو حصل الطلاق الذي تتلوه الفرقة وبعُدَ كلُّ واحدٍ منهما عن الآخر لا شكَّ أن ذلك سيترك أثرًا غير محمودٍ بالنسبة للأولاد، ولذلك يلجأ إلى الطلاق عندما تنسد المسالك وإن كان ذلك مما أباحه الله، هذا القول الذي ورد عن الإمام مالكٍ هي روايةٌ عن الإمام أحمد (٣).

стр. 6359

قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا بَأْسَ أَنْ تَتَزَيَّنَ الرَّجْعِيَّةُ لِزَوْجِهَا، وَتَتَطَيَّبَ لَهُ وَتَتَشَوَّفَ وَتُبْدِيَ الْبَنَانَ وَالْكُحْلَ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ (٢). وهذا الذي يتناسب مع العدَّةِ؛ لأنَّ العدة وُضعت لتكون فرصةً للزوج ليفكِّر، فكونها تتزين له وتتشوف أو تتشرف إليه أي تتطلع له وتقابله وتظهر له محاسنها، فإنَّ ذلك ربما يساعد على أن يفكِّر في رجعتها إليه، وتتزين بمعنى أن تلبس ملابس الزينةِ بأن تكتحل وأن تبدى بعض ما يحتاج إلى إبداءهِ، كمثل أطراف الأصابع التي فيها خضاب، كذلك العينين التي فيها الكحل، وبعضهم يرى كالإمام أحمد أنَّ له أن يسافر بها في الرواية الأخرى (٣) وأن يخلو بها، وله أن يطأها، إذًا هذا في نظرنا هو الأقرب من الحكمة في وجود هذه العدة في طلاق الرجعية، إذ الغرض منها كما أشار الله في قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. قوله: (وَكُلُّهُمْ قَالُوا: لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تَعْلَمَ بِدُخُولِهِ بِقَوْلٍ أَوْ حَرَكةٍ مِنْ تَنَحْنُحٍ أَوْ خَفْقِ نَعْلٍ (٤)).

стр. 6360

والقصد ألا يفاجئها، وهو من أداب العلاقات الزوجية، فإذا كان الزوج الذي يقدم من سفرٍ أو من مكان بعيدٍ ينبغي على أهله أن يكونوا على علمٍ بذلك ومعرفةٍ لكي يتهيئوا له، وقد أرشد إلى ذلك رسول الله ﷺ فما بالكم بامرأةٍ طلِّقت وهي تتنتظر من زوجها لعله يردها، وربما تزول أسبابُ الخلاف والفرقة، فيعيدها الزوج إلى عصمته. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْبَابِ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً وَهُوَ غَائِبٌ، ثُمَّ يُرَاجِعُهَا، فَيَبْلُغُهَا الطَّلَاقُ وَلَا تَبْلُغُهَا الرَّجْعَة، فَتَتَزَوَّجُ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا). قد يحصل من زوج غائبٍ أو من غير غائبٍ، لأنَّ المرأةَ قد لا تكون في البيت الذي يعيش فيه زوجها ويراجعها زوجها وهي لا تعلم؛ لأنَّ علمها ليس شرطًا، ورضاها ليس شرطًا، فربما يراجعها أيضًا وتمضي الأيام، وربما يغفل أو تنسى الأيام ويوصي أحدًا بأن ينبئها، فلا يصل الخبر، فإذا انتهت عدتها وتقدَّم لها خاطبٌ من الخطاب ورضي به أوليائها فتزوجت به، أو ربما تمَّ العقد ولم يدخل بها، فما الحكم في هذه المسألة؟ أكثر العلماء على أنها ترد إلى زوجها الأول، ولا فرق بين هؤلاء بين أن يكون الزوج الثاني قد دخل بها أو لم يدخل، فإنها ترد إليه بأيِّ حالٍ من الأحوال، ويعتبرون أن الزواج الثاني فاسد، وأن الزواج الأول هو الصحيح وهو الثابت، ثم يقولون ما الفرق بينها وبين امرأة متزوجةٍ يتزوجها آخر؟

стр. 6361

الفرق بينهما فيما يتعلق بالأحكام؛ لأنه لو أنَّ امرأةً كانت متزوجةً بشخصٍ وتزوجت آخر، هذه لا شك تعتبر زانيةً، وأيضًا الذي يتزوجها إن علم يطبق عليهما ما يطبق على الزاني، لكن هذه إذا لم تعلم هي بأنَّ زوجها قد ارتجعها ولم يعلم الزوج فإنَّ الحالة تختلف، وهناك أمور تتعلق بذلك مثل ما يتعلق بالمهر، هذه لم يتعرض لها المؤلف ما الحكم فيها؟ الرسول ﷺ بيَّن أنه "أيما امرأةٌ تزوجها اثنان فهي للأول منهما" حديث صحيحٌ، وهذا يقع بالنسبة للأولياء يعنى: نفرض أنَّ امرأة لها وليَّان متساويان فجاء أحدهما فزوَّجها، ثم زوَّجها الولي الآخر إلى رجلٍ آخر، ولا يعلم المتقدم منهما فما الحكم؟ هي هذه تدخل ضمن هذه المسألة، أو هذه التي انتهت عدتها، ومثلها المسألة التي مرت بنا قبل دروس بعيدة جدًّا التي تحدثنا عنها بيناها سابقًا لو أن امرأةً فقد عنها زوجها فغاب عنها مدةً فإن العلماء يضربون له المدة المعروفة والتي تكون غالب حياته الهلاك، ثم بعد ذلك تقدر مدة العدة، ثم بعد أن تتزوج يأتيها زوجها والقصة التي حصلت في زمن عمر ﵁ في قصة الأنصاري الذي خرج إلى صلاة العشاء في المسجد فلم يعد إلى أهله، ومضت الأيام فذكر ذلك إلى عمر ﵁ فمضت أربع سنواتٍ ثم بعد ذلك اعتدت زوجته وتزوجت بآخر، وإذا بالرجل يأتي بعد ذلك فيعاتبه عمر ﵁: يتزوج الرجلُ المرأةَ فتكون في عنقه ثم يدعها وراء ظهره ويتركها، فيذكر قصته الغريبة لعمر ﵁ بأنه خرج إلى المسجد فالتقطه جماعةٌ من الجن فذهبوا به إلى أماكنهم وظل عندهم مدةً طويلةً حتى حصل بينهم وبين آخرين من الجن حربٌ، فانتصر الفريق الآخر عليهم، وكان الفريق الذين حاربوهم من المسلمين أي من مسلمي الجن، فأسروا عددًا من أولئك الأقوام، وكان من بينهم هذا الرجل الأنصاري فاستغرب وجوده بينهم؛ لأنهم أخذوه واستخدموه خادمًا لهم فسألوه عن حاجته، فطلب أن يرد إلى أهله في المدينة فوضعوه في الحرةِ، فكان في النهار لا يرى شيئًا إلا ذلك العصوف الذي يراه، وفي الليل يسمع أصواتًا فرجع، فلما جاء إلى عمر ﵁ خيَّره عمر ﵁ بين أن يرد إليه زوجته أو

стр. 6362

أن يأخذ المهر، فاختار أن يأخذ المهر؛ لأنه قد وجد أنها قد تزوجت وحبلت من الآخر، هذا فيما يتعلق بالمفقود، فالمسألة التي بين أيدينا شبيهة بها وإن اختلفت من بعض الوجوه. قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهَا لِلَّذِي عَقَدَ عَلَيْهَا النِّكَاحَ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّأِ (١)، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ (٢)، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ قَالَ: الْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ الثَّانِي، وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ الْمَدَنِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ (٣) قَالُوا: وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ فِي مُوَطَّئِهِ إِلَى يَوْمِ مَاتَ وَهُوَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ (٤)). مالكٌ يرى في هذه الرواية أنها للذي عقد عليها أي: إلى الثاني. ووجهة هذا القول: أن كلًّا منهما عقد على هذه المرأة، وكان أحدهما أولى من الآخر لوجود مزيةٍ قائمةٍ ألا وهي الدخول فهذا قد دخل بها، فمالك ﵀ في هذه الرواية التي أوردها في موطأه والتي حُكي أنه

стр. 6363

رجع عنها، ولكن بعض أصحابه يرون أنه لم يرجع عنها؛ لأنه أقرَّها وأثبتها في موطأه الذي يُقرأ. وابن القاسم من أخصِّ تلاميذ الإمام مالك وأعرفهم بحال الإمام مالكٍ، بل هو الذي نقل عنه ما جاء في مسائل الموطأ، فهو الذي كان يسأل الإمام مالك عن مسائل فيجيب عليها، وإذا لم تكن هناك مسائل أجاب عليها الإمام مالكٍ، فإن ابن القاسم كان يجيب عنها، وهي المسجلة المسطرة في مدونة الإمام مالك التي كتبها الإمام سحنون من المالكية. قوله: (وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَرَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ (١)). وسيأتي أنَّ عمر له رأيٌ آخر يتفق مع الرواية الأخرى مع الإمام مالكٍ، وهي روايةٌ للإمام أحمد أيضًا. قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (٢)، وَالْكُوفِيُّونَ، وَأَبو حَنِيفَةَ (٣) وَغَيْرُهُمْ فَقَالُوا: زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي ارْتَجَعَهَا أَحَقُّ بِهَا دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ

стр. 6364

يَدْخُلْ، وَبِهِ قَالَ دَاوُد، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ (١) وَهُوَ الْأَبْيَنُ). قول جمهور العلماء: أنها ترد إلى الزوج الأول، وأنَّ الزواج الثاني منها يعتبر زواجًا غير صحيحٍ؛ لأنه تزوج امرأةً في عصمة زوجٍ فلا يجوز ذلك، بل يعتبر العقد فاسدًا وترد إلى الأول، وهذا هو قول الإمام أبي حنيفة، والشافعي، وهو الصحيح من مذهب أحمد (٢). لأنه جاء عن رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوي ما يؤيد هذا الرأي (٣)، ولا شك إذا حصل خلافٌ ووجدنا دليلًا من كتاب الله فنقف عند هذا الدليل أو لسنة رسوله ﷺ فلا يجوز أن نعدل عنهما إلى قول أي إنسانٍ كائنًا من كان، فإنَّ هؤلاء الأئمة مهما بلغوا الغاية من العلم ومن الفضل، فليسوا أفضل من الصحابة ﵃، فلا شك أنَّ أفضل هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ إنما هم أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يمكن أن تقدَّم أقوالهم أو قول أحدٍ منهم على قول رسول الله ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. إذًا الرد إلى كتاب الله وإلى رسول الله ﷺ عندما كان حيًّا، وبعد موته ﵊ إنما يكون الرجوع إلى سنته ﷺ ، ولقد حفظ الله لنا هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وكذلك أيضًا عني علماء هذه الأمة بأحاديث رسول الله ﷺ .

стр. 6365

قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِنَّ الزَّوْجَ الَّذِي ارْتَجَعَهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِمَا كَانَ أَصْدَقَهَا (١)، وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثمَّ يُرَاجِعُهَا فَيَكْتُمُهَا رَجْعَتَهَا حَتَّى تَحِلَّ فَتَنْكَحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ أَمْرِهَا شَيْءٌ، وَلَكِنَّهَا لِمَنْ تَزَوَّجَهَا (٢)، وَقَدْ قِيلَ إِن هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَطْ (٣). وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا (٤) عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ صَحِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهَا الْمَرْأَةُ). أجمع العلماء على أنَّ استرجاع الزوج لزوجته صحيحةٌ علمت الزوجة أو لم تعلم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، إذًا ما دام الحق للزوج فلا يحتاج أن يأخذ رضى المرأة، وقوله في

стр. 6366

المطلقة الرجعية: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. قوله: (بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا (١) عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، وإذَا كَانَتِ الرَّجْعَةُ صَحِيحَةً كَانَ زَوَاجُ الثَّانِي فَاسِدًا). لا شك أنَّ كلام المؤلف هو الصحيحُ، وهذا هو التعليل الذي ذهب إليه جمهور العلماء؛ لأنَّ هذه المعتدة أصلًا في حكم الزوجةِ، وعندما ردها إليه أصبحت زوجةً له لا تختلف عن غيرها، فزواج غيره بها هو زواجٌ فاسدٌ غير صحيحٍ، وإذا كان قد تزوج امرأةً في عصمة زوجٍ فهذا غير جائزٍ فيرد الأمرُ إلى الصواب. قوله: (فَإِنَّ نِكَاحَ الْغَيْرِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إِبْطَالِ الرَّجْعَةِ لَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ إِنْ شَاءَ الله، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا اثْنَانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَمَنْ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا"). هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن (٢) والإمام أحمد في مسنده (٣)، والبيهقي في سننه الكبرى (٤)، والحاكم وصححه (٥)، وهو حديث صحيحٌ وحجةٌ، وأما السماع فقد صحَّ السماع من سمرة بن جندب ﵁، إذًا السماع ثابتٌ (٦).

стр. 6367

قال المصنف رحمه الله تعالى: [البَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الارْتِجَاعِ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ] المؤلف بعد أن انتهى من الطلاق الرجعي دخل في الطلاق البائن. قوله: (وَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ: إِمَّا بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ: فَذَلِكَ يَقَعُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِلَا خِلَافٍ) (١). وهذا قد نص الله عليه في سورة الأحزاب، فلا مجال للاجتهاد فيه ولا الاختلاف، فهو أمر مجمعٌ عليه لا خلاف فيه، يقول الله في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]. قوله: (وَفِي الْمُخْتَلِعَةِ بِاخْتِلَافٍ (٢)، وَهَلْ يَقَعُ أَيْضًا دُونَ عِوَضٍ؟

стр. 6368

فِيهِ خِلَافٌ (١)، وَحُكْمُ الرَّجْعَةِ بَعْدَ هَذَا الطَّلَاقِ حُكْمُ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ - أَعْنِي: فِي اشْتِرَاطِ الصَّدَاقِ وَالْوَلِيِّ وَالرِّضَا - إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ). لا يشترط انقضاء العدة بالنسبة للمختلعة؛ لأنَّ المقصود من العدة هي براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وحتى لا يختلط ماء الرجل بماء غيره، والرسول ﷺ حذَّر أن يسقي الرجل ماؤه زرع غيره، فهذه امرأةٌ تعتد حتى يطمئن هل هناك حملٌ أم لا. قوله: (وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: الْمُخْتَلِعَةُ لَا يَتَزَوَّجُهَا زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا غَيْرُهُ) (٢). هذا قول ضعيفٌ وسبق أن رددنا عليه وبينَّا أنه فعلٌ شاذٌّ ولا أثر له.

стр. 6369

قوله: (وَهَؤُلَاءِ كَأَنَّهُمْ رَأَوْا مَنْعَ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ عِبَادَةً). وهذا من باب التضييق، فإذا كانت هناك نفرةٌ وزالت ثم ترجع وتفكر، فيكون ذلك كالحال بالنسبة للرجل إذا طلَّق، فكم من أناس طلقوا وندموا؟! قوله: (وَأَمَّا الْبَائِنَةُ بِالثَّلَاثِ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ كلَّهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ). هذا أيضًا أمرٌ مجمعٌ عليه (١)، وهو نصٌّ في كتاب الله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: الثالثة .. إذًا هو أشد من غيره. فالرجل الذي يطلق امرأته ثلاثًا رجوعه إلي الأجنبيِّ أقرب إليه منها؛ لأنَّ الأجنبي يتقدم ويتزوجها، أما هذا فلا يجوز أن يتزوجها إلا بعد زوجٍ، ولهذا نجد أنَّ شريعة الله وضعت لنا أمورًا لو التزمناها لما انطلق رجلٌ خلف امرأةٍ كما قال علي ﵁. قوله: (إِلَّا بَعْدَ الْوَطْءِ، لِحَدِيت رَفَاعَةَ بْنِ سَمَؤلٍ: "أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثلَاثًا، فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَفَارَقَهَا، فَأَرَادَ رِفَاعَةُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَنْكِحَهَا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا وَقَالَ: "لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ" (٢)).

стр. 6370

طلق رفاعة امرأته ثلاثًا فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير فبقيت عنده فلم يستطع أن يطأها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ وبينت عند رفاعة وأنه بتَّ طلاقها، وأنها عند زوجها الثاني عبد الرحمن وأنها معه مثل هدبة النَوب، أي لم يستطع أن يواقعها، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلتَه ويذوق عسيلتَكِ". ومن هنا وضع العلماء شروطًا ثلاثةً لكي ترجع المطلقة طلاقًا ثلاثًا إلى زوجها الأول: أول هذه الشروط: أن ينكحها زوجًا آخر، أي أن تتزوج بغيره؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ونص العلماء على أنها لو كانت أمةً فطلقها زوجها فوطأها سيدُها فلا يعتبر ذلك تحليلًا (١) لها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذا ليس زوجًا وإنما هو سيدها وله أن يطأها. الشرط الثاني: أن يكون النكاح صحيحًا: وبذلك يخرج نكاح المحلل الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "لعن الله المحلل والمحلل له" (٢)، أي: الذي يتزوج هذه المرأة ليحلها لغيره، ولعن أيضًا الزوج الذي رضي بذلك إن كان قد رضي أن يتزوجها فلانٌ ليحلها له.

стр. 6371

الشرط الثالث: أن يطأها الزوج الآخر: وأن يحصل التقاء الختانين، وفسر العلماء (١) التقاء الختانين بتغيب حشفة الذكر، ولا يشترط الإنزال؛ لأن هذا الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية التي من بينها إقامة الحد. وأضاف المالكية (٢) والحنابلة (٣) شرطًا رابعًا بأن يكون النكاح مباحًا، أي لا يكون الزوجان صائمين، وألا يكونا محرمين بحجٍّ أو عمرةٍ؛ لأن رسول الله ﷺ نهى أن ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب. وثالثًا: ألا تكون المرأة حائضًا أو نفساء، وجمهور العلماء (٤) لا يرون هذا الشرط؛ لأنهم قالوا أن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وهذا قد حصل وقد نكحها وهو صائمٌ أو وهو محرمٌ فهو آثمٌ في

стр. 6372

ذلك العمل وهي أيضًا إن رضيت، لكن وقع وطءٌ صحيح فواجب أن يعتبر. قوله: (وَشَذَّ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ (١) فَقَالَ: إِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وَالنِّكَاحُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْعَقْدِ). سعيد بن المسيب الإمام الكبير الجهبذ اجتهد في هذه المسأله فربما لم يبلغه حديث رسول الله ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فأخذ بظاهر الآية: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وفسر النكاح على أنه العقد ولا يشترط بعد ذلك الوطء، وهذا قد قالته فرقة من الذين ضلوا عن الطريق السوي وخرجوا عن طريق الهداية والتزموا طريق الغواية، ولكن هؤلاء لا يلتفت إلى أقوالهم ولا يعتد بها، من أولئك الأقوام الذين قالوا لا نأخذ الحكم إلا من كتاب الله ، أما سنة رسول الله ﷺ فلا يرجعون إليها، لذلك لا يرون من مانع أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، مع أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" (٢). وهذا لم يرد ضمن الآيات التي ذكرت المحرمات في كتاب الله ، وهذا نصٌّ لا يلتفتُ إليه وإن صدر من إمام جليلٍ؛ لأنه صدر فيه نصٌّ من رسول الله ﷺ .

стр. 6373

قوله: (وَكُلُّهُمْ قَالَ: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ يُحِلُّهَا، إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ (١)، فَقَالَ: لَا تَحِلُّ إِلَّا بِوَطْءٍ بِإِنْزَالٍ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٢) على أَنَّ الْوَطْءَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُفْسِدُ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَيُحِلُّ الْمطَلَّقَةَ وَيُحَصِّنُ الزَّوْجَيْنِ ويُوجِبُ الصَّدَاقَ: هُوَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ). ولا يشترط الإنزال في ذلك فليست قضية تحليل المرأة بأكثر من هذه الأحكام. قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَابْنُ الْقَاسِمِ (٤): لَا يُحِلُّ الْمُطَلَّقَة

стр. 6374

إِلَّا الْوَطْءُ الْمُبَاحُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فِي غَيْرِ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ حَيْضٍ أَوِ اعْتِكَافٍ). والقصد ألا يحصل وطءٌ في وقت منع الزوج والزوجة من حصول ذلك. فلا يجوز للمسلم إذا كان صائمًا أن يطأ زوجته، كذلك من كان محرمًا بحجٍّ أو عمرةٍ أن ينكحَ أو أن ينكح أو أن يخطب إن كان محرمًا أي ليس له أن يتزوج هو أو يزوِّج غيره، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة إذا كانت حائضًا فإنه يحرم على زوجها أن يطأها، ومثل الحائض النفساء. وأضاف المالكية ما يتعلق بالاعتكاف، فإن المعتكلف قد انقطع لعبادة الله تعالى عندهم، فلا ينبغي أيضًا أن يشغل نفسه بأمرٍ قد انصرف عنه (١). قوله: (وَلَا يُحِلُّ الذِّمِّيَّةَ عِنْدَهُمَا وَطْءُ زَوْجٍ ذِمِّيٍّ لِمُسْلِمٍ (٢)). مراد المؤلف لو أنَّ مسلمًا تزوج كتابيةً، والله تعالى يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥]، إذًا الله أباح للمؤمنين طعام أهل الكتاب وكذلك نسائهم، إذًا يجوز للمسلم أن يتزوج كتابيةً، وإن كان ينبغي له أن يتزوج المسلمة، لكن لو تزوجها هل هذا صحيح؟ الجواب: نعم. لو تزوج ذميةً ثم طلقها ثلاثًا فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، هل يشترط في الزوج الذي يحلها أن يكون مسلمًا أم يجوز أن يكون ذميًّا؟

стр. 6375

جمهور العلماء (١) على أنه يجوز أن يكون ذميًّا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولم يضع الإسلام شرطًا في ذلك بالنسبة للزوج .. والمالكية قالوا لا بدَّ أن يكون الزوج الذي يحل المرأة لزوجها السابق دون أن يقصد إلى ذلك لا بدَّ أن يكون مسلمًا. قوله: (وَلَا وَطْءُ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا) (٢). يقصد به المراهق أي الإنسان غير المكلف .. فهل التكليف شرطٌ في ذلك بمعنى أن يصل سنَّ البلوغ؟ والبلوغ كما هو معلوم له علاماتٌ إما أن يحصل بإنبات شعر العانة، وإما أن يحصل ببلوغ خمسة عشرة عامًا، أو بالإنزال أي خروج المني، هذه علامةٌ من علامات البلوغ بالنسبة للرجل. ومن علامات المرأة: الحيض. قوله: (وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الشَّافِعِيُّ (٣)،
следующие страницы →