الشرط الثالث: أن يطأها الزوج الآخر: وأن يحصل التقاء الختانين، وفسر العلماء (١) التقاء الختانين بتغيب حشفة الذكر، ولا يشترط الإنزال؛ لأن هذا الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية التي من بينها إقامة الحد.
وأضاف المالكية (٢) والحنابلة (٣) شرطًا رابعًا بأن يكون النكاح مباحًا، أي لا يكون الزوجان صائمين، وألا يكونا محرمين بحجٍّ أو عمرةٍ؛ لأن رسول الله ﷺ نهى أن ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب.
وثالثًا: ألا تكون المرأة حائضًا أو نفساء، وجمهور العلماء (٤) لا يرون هذا الشرط؛ لأنهم قالوا أن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وهذا قد حصل وقد نكحها وهو صائمٌ أو وهو محرمٌ فهو آثمٌ في
стр. 6372
ذلك العمل وهي أيضًا إن رضيت، لكن وقع وطءٌ صحيح فواجب أن يعتبر.
قوله: (وَشَذَّ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ (١) فَقَالَ: إِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وَالنِّكَاحُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْعَقْدِ).
سعيد بن المسيب الإمام الكبير الجهبذ اجتهد في هذه المسأله فربما لم يبلغه حديث رسول الله ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
فأخذ بظاهر الآية: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وفسر النكاح على أنه العقد ولا يشترط بعد ذلك الوطء، وهذا قد قالته فرقة من الذين ضلوا عن الطريق السوي وخرجوا عن طريق الهداية والتزموا طريق الغواية، ولكن هؤلاء لا يلتفت إلى أقوالهم ولا يعتد بها، من أولئك الأقوام الذين قالوا لا نأخذ الحكم إلا من كتاب الله ، أما سنة رسول الله ﷺ فلا يرجعون إليها، لذلك لا يرون من مانع أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، مع أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" (٢).
وهذا لم يرد ضمن الآيات التي ذكرت المحرمات في كتاب الله ، وهذا نصٌّ لا يلتفتُ إليه وإن صدر من إمام جليلٍ؛ لأنه صدر فيه نصٌّ من رسول الله ﷺ .
стр. 6373
قوله: (وَكُلُّهُمْ قَالَ: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ يُحِلُّهَا، إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ (١)، فَقَالَ: لَا تَحِلُّ إِلَّا بِوَطْءٍ بِإِنْزَالٍ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٢) على أَنَّ الْوَطْءَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُفْسِدُ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَيُحِلُّ الْمطَلَّقَةَ وَيُحَصِّنُ الزَّوْجَيْنِ ويُوجِبُ الصَّدَاقَ: هُوَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ).
ولا يشترط الإنزال في ذلك فليست قضية تحليل المرأة بأكثر من هذه الأحكام.
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَابْنُ الْقَاسِمِ (٤): لَا يُحِلُّ الْمُطَلَّقَة
стр. 6374
إِلَّا الْوَطْءُ الْمُبَاحُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فِي غَيْرِ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ حَيْضٍ أَوِ اعْتِكَافٍ).
والقصد ألا يحصل وطءٌ في وقت منع الزوج والزوجة من حصول ذلك.
فلا يجوز للمسلم إذا كان صائمًا أن يطأ زوجته، كذلك من كان محرمًا بحجٍّ أو عمرةٍ أن ينكحَ أو أن ينكح أو أن يخطب إن كان محرمًا أي ليس له أن يتزوج هو أو يزوِّج غيره، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة إذا كانت حائضًا فإنه يحرم على زوجها أن يطأها، ومثل الحائض النفساء.
وأضاف المالكية ما يتعلق بالاعتكاف، فإن المعتكلف قد انقطع لعبادة الله تعالى عندهم، فلا ينبغي أيضًا أن يشغل نفسه بأمرٍ قد انصرف عنه (١).
قوله: (وَلَا يُحِلُّ الذِّمِّيَّةَ عِنْدَهُمَا وَطْءُ زَوْجٍ ذِمِّيٍّ لِمُسْلِمٍ (٢)).
مراد المؤلف لو أنَّ مسلمًا تزوج كتابيةً، والله تعالى يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥]، إذًا الله أباح للمؤمنين طعام أهل الكتاب وكذلك نسائهم، إذًا يجوز للمسلم أن يتزوج كتابيةً، وإن كان ينبغي له أن يتزوج المسلمة، لكن لو تزوجها هل هذا صحيح؟ الجواب: نعم.
لو تزوج ذميةً ثم طلقها ثلاثًا فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، هل يشترط في الزوج الذي يحلها أن يكون مسلمًا أم يجوز أن يكون ذميًّا؟
стр. 6375
جمهور العلماء (١) على أنه يجوز أن يكون ذميًّا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولم يضع الإسلام شرطًا في ذلك بالنسبة للزوج ..
والمالكية قالوا لا بدَّ أن يكون الزوج الذي يحل المرأة لزوجها السابق دون أن يقصد إلى ذلك لا بدَّ أن يكون مسلمًا.
قوله: (وَلَا وَطْءُ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا) (٢).
يقصد به المراهق أي الإنسان غير المكلف ..
فهل التكليف شرطٌ في ذلك بمعنى أن يصل سنَّ البلوغ؟
والبلوغ كما هو معلوم له علاماتٌ إما أن يحصل بإنبات شعر العانة، وإما أن يحصل ببلوغ خمسة عشرة عامًا، أو بالإنزال أي خروج المني، هذه علامةٌ من علامات البلوغ بالنسبة للرجل.
ومن علامات المرأة: الحيض.
قوله: (وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الشَّافِعِيُّ (٣)،
стр. 6376
وَأَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ (٢)، فَقَالُوا: يُحِلُّ الْوَطْءُ وإِنْ وَقَعَ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَقْتٍ غَيْرِ مُبَاحٍ وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمُرَاهِقِ عِنْدَهُمْ يُحِلُّ، وَيُحِلُّ وَطْءُ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّةَ لِلْمُسْلِمِ (٣)).
هؤلاء الأئمة خالفوا مالكًا في الكل فقالوا: حتى لو كان العقد فاسدًا واختل شرطٌ من شروطه فإنه بذلك يكون الثاني محلًّا للأول، أو كان أيضًا غير مباحٍ كما لو وطأها وهو صائم أو وهي صائمةٌ، أو كانا محرمين أو أحدهما.
قالوا: هذا لا أثر له، لأن الآية ذكرت: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وهنا قد حصل وكونه وطأها في حالي صيام أو إحرامٍ، فإنه بلا شك يأثم بهذا الفعل، ولكنَّ النكاح يُعتبر صحيحًا هكذا يقولون.
قوله: (وَكذَلِكَ الْمَجْنُونُ عِنْدَهُمْ وَالْخَصِيُّ الَّذِي يَبْقَى لَهُ مَا يُغَيِّبُهُ فِي فَرْجٍ (٤)).
стр. 6377
المجنون إذا وطأ وطئًا صحيحًا بأن حصل تغييب الحشفةِ فإنَّ ذلك يعتبر تحليلًا أيضًا.
قوله: (وَالْخِلَافُ فِي هَذَا كلِّهِ آيِلٌ إِلَى: هَلْ يَتَنَاوَلُ اسْمُ النِّكَاحِ أَصْنَافَ الْوَطْءِ النَّاقِصِ أَمْ لَا يَتَنَاوَلُهُ؟).
هل المراهق إذا تزوج يسمى زواجه نكاحًا والذمي والخصي؟
الجواب: نعم.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ: - أَعْنِي: إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى شَرْطِ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ).
أي إنسانٍ يأتي ليتزوج امرأة لا يريد النكاح حقًّا، ولكنه يريد أن يكون سببًا في تحليل هذه المرأة وعودتها إلى زوجها السابق، وهذا الذي يحلها يحلها بدافع رغبةٍ من الزوج الأول، وربما تدفعه العاطفة، كما في قصة عبد الله بن عمر عندما جاء إليه رجلٌ فبين أنَّ أخاه قد طلق امرأته، وأنه يريد أن يتزوجها ليحلها لأخيه، فأنكر عليه عبد الله ابن عمر وبين أنَّ النكاح ما كان عن رغبةٍ، لا أن يكون بقصد التحليل، وهذه المسألة فيها تفصيلٌ، ولا شك أنَّ الرسول ﷺ لعن المحلِّل والمحلَّل له.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): النِّكَاحُ فَاسِدٌ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَه، وَالشَّرْطُ فَاسِدٌ لَا تَحِلُّ بِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ إِرَادَةُ الْمَرْأَةِ التَّحْلِيلَ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَهُ إِرَادَةُ الرَّجُلِ (٢)).
стр. 6378
وأحمد (١).
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): النِّكَاحُ جَائِزٌ، وَلَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ فِي ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ (٤) وَجَمَاعَة (٥) وَقَالُوا: هُوَ مُحَلِّلٌ لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ - أَيْ: لَيْسَ يُحَلِّلُهَا -، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ (٦)).
من صور نكاح المحلل أن يقول الولي لمن يريد أن يزوجه: أنكحتك إياها إلى أن تطأها، أو يقول: أزوجكها بشرطٍ على أن تحلها للأول ثم تطلقها.
стр. 6379
فهناك عدة صورٍ في هذه المسألة التي نازع فيها الشافعية (١) صورة واحدةً، وليس كما ذكر المؤلف.
والواقع أن الحنفية والشافعية عندما أجازوا ذلك ليس على إطلاقه.
فهناك فرقٌ بين أن يأتي إنسانٌ ويقول: أزوجك موليتي على أن تحلها لزوجها الأول، ويكون ذلك شرطًا في العقد، فهنا الصورة مختلفةٌ، فهذا لا يجيزه أحدٌ من الأئمة (٢)، لكن الإمامان أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤) يجيزون ذلك إذا وضع الشرط قبل العقد، وعند الحنفية لو تزوجها ليحلها، فيقولون: يصح العقد ويبطل الشرط.
قوله: (وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٥) بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 6380
مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (١)، وَابْنِ مَسْعُودٍ (٢)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٣)، وَعقبَةَ بْنِ عَامِرٍ (٤) أَنَّهُ قَالَ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" فَلَعْنُهُ إِيَّاهُ كَلَعْنِهِ آكلَ الرِّبَا وَشَارِبَ الْخَمْرِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ، وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (٥)، وَاسْمُ النِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى النِّكَاحِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ).
لا شك أنَّ اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله ، وهذا من أشد الأمور، ومن أشدها إيلامًا لنفس المؤمن، فهل يرضى مسلمٌ أن يدخل تحت لعن رسول الله ﷺ ، أو أن يكون ممن يلعنهم الله ، لا شك أن هذا أمرٌ لا ينبغي أن يفعله المؤمن، إذًا رسول الله ﷺ لعن المحلِّل والمحلَّل له، وهو الذي يعرف في السنة بالتيس المستعار.
والمؤلف هنا دخل في مسألةٍ أصوليةٍ هل النهى يقتضي فساد المنهي عنه؟
بعض العلماء يقولون: النهي يقتضي فساد المنهى عنه فيعتبر ذلك مسلمًا (٦).
стр. 6381
الحكم إذا صدر بالاستفهام في أسلوب الفقهاء.
ومن المعروف بلاغةً وفي أسلوب الفقهاء، أنَّ الحكم إذا صدِّر بالاستفهام فإن ذلك يدل على الخلاف فيه.
فعندما نقول هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها؟ (١).
معنى هذا أنَّ هذه فيها خلافٌ .. هل النهي يقتضى فساد المنهي عنه؟
معنى هذا أنَّ هذه مسألةٌ لم يكن متفقًا عليها بين العلماء.
قوله: (وَأَمَّا الْفَرِيقُ الْآخَرُ: فَتَعَلَّقَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَهَذَا نَاكِحٌ، وَقَالُوا: وَلَيْسَ فِي تَحْرِيمِ قَصْدِ التَّحْلِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ).
الآن هو جعل ذلك حجةً للمالكية والحنابلة بالنسبة لنكاح المحلِّل، وأنه لا يجوز، لأنَّ الرسول ﷺ قد نهى عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وبعضهم استدل بمفهومه للحديث فقال: الرسول ﷺ سماه محلِّلا، ولو لم يكن يحلها لغيره لما سمى محلِّلًا، والجواب عن ذلك أنه سميَ محلِّلًا لأنه قصد التحليل، لا أنه في حقيقة الأمر يكون حلالًا، ولو كان محلِّلًا حقًّا لما لعنه رسول الله ﷺ ، وذكر لعنة الله له؛ لأنَّ الذي يفعل الحلال لا يلعن، وإنما الذي يلعن هو الذي يفعل المنكر.
قوله: (كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ صِحَّةَ مِلْكِ الْبُقْعَةِ أَوِ الْإِذْنَ مِنْ مَالِكِهَا فِي ذَلِكَ).
стр. 6382
ما حكم من اغتصب دارًا وصلَّى فيها؟
بعض العلماء يقولون: الصلاة صحيحةٌ، وأن الجهة منفكةٌ، لأن الصلاة واجبةٌ على المسلم، فهو عندما أداها بهذا المكان أدَّى ما وجب عليه، وفي نفس الوقت وعندما صلى في أرضٍ مغصوبةٍ أو ثوبٍ مغصوب أو ثوب حريرٍ، فإنما كان معتديًا فيأثم على ذلك ويجازى عليه، هذا هو رأي الأئمة الثلاثة أبو حنيفة (١) ومالك (٢) والشافعي (٣)، وأما الحنابلة (٤) فيرون أنه لا يجوز الصلاة في الدار المغصوبة ولا في الثوب المغصوب.
ولا شك أنَّ الظاهر هو قول جمهور العلماء في هذه المسألة وأشباهها، وهذا هو الذي يشير إليه المؤلف، فهو يريد أن يفصل بين الجهتين، هناك نهيٌ فهل النهي يقتضي فساد المنهيِّ عنه؟
المغتصب منهيٌّ أن يغتصب الأرض، ومنهيٌّ أن يغتصب الثوب، لكنه سرق، لكننا نقول: هذه صلاةٌ أداها، وهذه سرقةٌ فحلها ولعاقب عليها.
стр. 6383
قوله: (قَالُوا: وَإِذَا لَمْ يَدُلَّ النَّهْيُ عَلَى فَسَادِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى بُطْلَانِ التَّحْلِيلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتَبِرْ مَالِكٌ قَصْدَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوَافِقْهَا عَلَى قَصْدِهَا لَمْ يَكُنْ لِقَصْدِهَا مَعْنًى، مَعَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِيَدِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي: هَلْ يَهْدِمُ الزَّوْجُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)؛ يَهْدِم، وَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣): لَا يَهْدِمُ - أَعْنِي: إِذَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثةِ غَيْرَ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ ثُمَّ رَاجَعَهَا - هَلْ يُعْتَدُّ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا شيءٌ يَخُصُّ الثَّالِثَةَ بِالشَّرْعِ قَالَ: لَا يُهْدَمُ مَا دُونَ الثَّالِثَةِ عِنْدَه، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا هَدَمَ الثَّالِثَةَ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَهْدِمَ مَا دُونَهَا قَالَ: يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
هل إذا عادت إلى الأول بعد النكاح الصحيح هل تعود إليه على طلاق ثلاثٍ أو على واحدةٍ؟
يقول العلماء: إنها تعود على طلاق ثلاثٍ، بمعنى: أن الزوج الأول يملك ثلاث طلقات، والطلقات الأولى لا تحسب عليه، فإذا طلقها الزوج
стр. 6384
الأول بعد أن عادت إليه فيملك أن يراجع، طلق ثانية يملك أن يراجع، طلق ثالثةً لا يملك، إذًا تعود إلى الزوج الأول على طلاقٍ ثلاثٍ أي: كأنه تزوجها من الآن؛ لأنَّ نكاح الزوج الثاني هدم الطلاق الأول، فإن طلَّقها الزوج طلقتين ثم تزوجت بزوجٍ آخر وجامعها ثم طلقها ثم عادت إلى الزوج الأول فهل تعود على طلاق ثلاثٍ أو على ما بقي من الطلاق؟ فيه خلاف:
١ - يرى بعض العلماء: أن النكاح الثاني يهدم ما سبقه من الطلاق، وعلى هذا فتعود للزوج الأول على طلاقٍ ثلاثٍ.
٢ - ويرى آخرون: بأنه لا يهدم، وعلى هذا فتعود إلى الزوج الأول على ما بقي من طلاقها، عادت إلى الزوج الأول ثم طلقها فلا تحل له مع أن الطلقة التي وقعت واحدة لكنها مبنية على ما سبق.
إذًا إذا طلقت ثلاثًا ثم تزوجت بآخر ثم عادت إلى الأول تعود إليه على طلاق ثلاثٍ، إن طُلقت أقلَّ من ثلاثٍ ثم تزوجت ثم عادت للأول فتعود على ما بقي من الطلاق، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (١).
فإذا قال قائلٌ: كيف يهدم الزوج الثاني ثلاث طلقاتٍ ولا يهدم الطلقتين مثلًا؟ قلنا: نعم، لأنَّ نكاح الزوج الثاني فيما إذا طلقت ثلاثًا صار له تأثيرٌ في الحل للزوج الأول، أما نكاحها للزوج الثاني بعد الطلقتين أو بعد الواحدة فليس له أثرٌ، لا يفيد شيئًا؛ لأنَّ الزوج الأول غير محتاج إليه الآن، فلما لم يكن مؤثرًا شيئًا بقي الطلاق السابق على ما كان عليه، ولعموم قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ … ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الْآيَةَ، وَفي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤] الْآيَةَ).
لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ الحرة المسلمة المطلقة غير الحامل أنها تكون العدة لها ثلاثة قروءٍ، على خلافٍ بينهم في معنى القروء يحكيه المؤلِّف.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذه الْآيَةِ فِي الْأقْرَاءِ، مَا هِيَ؟)
اختلف أهل التفسير والفقهاء في القُرْء الذي عناه الله بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فقال بعضهم: هو الحيض. وقال آخرون: بل القرء الذي أمر الله تعالى ذكره المطلقات أن يعتددن به: هو الطهر.
قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ الْأَطْهَارُ - أَعْنِي: الْأَزْمِنَةَ الَّتِي بَيْنَ الزَّمَنَيْنِ -، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ الدَّمُ نَفْسُه، وَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ: أَمَّا مِنْ فُقَهَاءِ الْأمْصَارِ فَمَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَجُمْهُورُ أَهْلِ
стр. 6388
الْمَدِينَةِ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ (١)، وَأَمَّا مِنَ الصحَابَةِ فَابْنُ عُمَرَ (٢)، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ (٣)، وَعَائِشَةُ (٤)).
واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقال ﵊ لمَّا طلق ابن عمر امرأته وهي حائض: "يرتجعها، فإذا طهرت فليطلِّق أو ليمسكْ" (٥)، قالوا: وهذا يدل على أنَّ العدةَ هي الأطهار.
قوله: (وَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْحَيْضُ: أَمَّا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَأَبُو حَنِيفَةَ (٦)، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ (٧)، وَأَمَّا مِنَ الصَّحَابَةِ فَعَلِيٌّ (٨)، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (٩)،
قضائها" وأقرأ النجم: إذا جاء وقت أفوله، وأقرأ: إذا جاء وقت طلوعه، كما قال الشاعر (١):
شَنِئْتُ الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ … إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ
بمعنى: هبت لوقتها وحين هبوبها.
وسمى بعض العرب وقت مجيء الطهر قرءًا، إذ كان وقت مجيئه وقتًا لإدبار الدم دم الحيض، وإقبال الطهر المعتاد مجيئه لوقتٍ معلومٍ، فقال في ذلك الأعشى ميمون بن قيسٍ:
وَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ … تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا
مُوَرَّثَةٍ مَالًا وَفِي الذِّكْرِ رِفْعَةً … لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا (٢)
فجعل القرء: وقت الطهر.
قوله: (وَأَمَّا مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْفَرِيقُ الثَّانِي مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ظَاهِر فِي تَمَامِ كلِّ قُرْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْقُرْءِ عَلَى بَعْضِهِ إِلَّا تَجَوُّزًا، وَإِذَا وُصِفَتِ الْأَقْرَاءُ بِأَنَّهَا هِيَ الْأَطْهَارُ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ عِنْدَهُمْ بِقُرْأَيْنِ وَبَعْضِ قُرْءٍ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ تَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الَّذِي تُطَلَّقُ فِيهِ وَإِنْ مَضَى أَكْثَرُه، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الثَّلَاثَةِ إِلَّا تَجَوُّزًا، وَاسْمُ الثَّلَاثَةِ ظَاهِرٌ فِي كمَالِ كلِّ قُرْءٍ مِنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَتَّفِقُ إِلَّا بِأَنْ تَكُونَ الْأَقْرَاءُ هِيَ الْحَيْضَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِد عَلَى أَنَّهَا إِنْ طُلِّقَتْ فِي حَيْضَةٍ أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِهَا).
وسمى بعض العرب وقت مجيء الحيض قرءًا، إذا كان دمًا يعتاد
стр. 6392
ظهوره من فرج المرأة في وقتٍ، وكمونه في آخر؛ فسمي وقت مجيئه قرءًا، كما سمى الذين سموا وقت مجيء الريح لوقتها قرءًا، ولذلك قال ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (١)؛ بمعنى: دعي الصلاة أيام إقبال حيضك.
(وَلكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ احْتِجَاجَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ مِنْ جِهَةِ لَفْظِ الْقُرْءِ، وَالَّذِي رَضِيَهُ الْحُذَّاقُ أَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الدَّلِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَمِنْ أَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ رَأَى أَنَّ الْأَقْراءَ هِيَ الْأَطْهَارُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّم، وَقَوْلُهُ ﷺ : "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا إِنْ شَاءَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لهَا النِّسَاءُ" (٢)).
ولما وصفنا من معنى القرء أشكل تأويل قول الله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] على أهل التأويل، فرأى بعضهم أن الذي أمرت به المرأة المطلقة ذات الأقراء من الأقراء أقراء الحيض، وذلك وقت مجيئه لعادته التي تجئ فيه، فأوجب عليها تربصُ ثلاث حيضٍ بنفسها عن خطبة الأزواج.
ورأى آخرون: أن الذي أمرت به من ذلك إنما هو أقراء الطهر، وذلك وقت مجيئه لعادته التي تجيء فيه، فأوجب عليها تربص ثلاثة أطهارٍ.
فإذا كان معنى القرء ما وصفنا لما بينا، وكان الله تعالى ذكره قد أمر المريد بطلاق امرأته ألَّا يطلقها إلا طاهرًا غير مجامعةٍ، وحرم عليه طلاقها حائضًا، كان اللازم للمطلقة المدخول بها إذا كانت ذات أقراءٍ تربص أوقاتٍ محدودة المبلغ بنفسها عقيب طلاق زوجها إياها أن تنظر إلى ثلاثة
стр. 6393
قروءٍ بين طهري كل قرءٍ منهن قرءٌ، هو خلاف ما احتسبته لنفسها قروءًا تتربصهن، فإذا انقضين فقد حلَّت للأزواج وانقضت عدتها؛ وذلك أنها إذا فعلت ذلك، فقد دخلت في عداد من تربص من المطلقات بنفسها ثلاثة قروءٍ بين طهري كلِّ قرءٍ منهن قرءٌ له مخالف، وإذا فعلت ذلك كانت مؤديةً ما ألزمها ربها تعالى ذكره بظاهر تنزيله.
فقد تبين إذا كان الأمر على ما وصفنا أنَّ القرء الثالث من أقرائها على ما بينَّا الطهر الثالث، وأن بانقضائه ومجيء قرء الحيض الذي يتلوه انقضاء عدتها، فإن ظنَّ ذو غباوةٍ إذ كنا قد نسمي وقت مجيء الطهر قرءًا، ووقت مجيء الحيض قرءًا أنه يلزمنا أن نجعل عدة المرأة منقضيةً بانقضاء الطهر الثاني، إذ كان الطهر الذي طلقها فيه، والحيضة التي بعده، والطهر الذي يتلوها أقراءٌ كلها؛ فقد ظن جهلًا، وذلك أن الحكم عندنا في كلِّ ما أنزله الله في كتابه على ما احتمله ظاهر التنزيل ما لم يبين الله تعالى ذكره لعباده، أن مراده منه الخصوص، إما بتنزيلٍ في كتابه، أو على لسان رسول الله ﷺ . فإذا خص منه البعض، كان الذي خص من ذلك غير داخلٍ في الجملة التي أوجب الحكم بها، وكان سائرها على عمومها.
فالأقراء التي هي أقراء الحيض بين طهري أقراء الطهر غير محتسبةٍ من أقراء المتربصة بنفسها بعد الطلاق؛ لإجماع الجميع من أهل الإسلام أنَّ الأقراء التي أوجب الله عليها تربصهن ثلاثة قروءٍ، بين كل قرء منهن أوقاتٌ مخالفات المعنى لأقرائها التي تربصهن، وإذ كن مستحقاتٍ عندنا اسم أقراءٍ، فإنَّ ذلك من إجماع الجميع لم يجز لها التربص إلا على ما وصفنا قبل.
وفي هذه الآية دليلٌ واضحٌ على خطإ قول من قال: إن امرأة المولى التي آلى منها تحل للأزواج بانقضاء الأشهر الأربعة إذا كانت قد حاضت ثلاث حيضٍ في الأشهر الأربعة؛ لأنَّ الله تعالى ذكره إنما أوجب عليها العدة بعد عزم المؤلي على طلاقها، وإيقاع الطلاق بها بقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٧، ٢٢٨]، فأوجب تعالى ذكره على المرأة إذا صارت مطلقةً تربص ثلاثة
стр. 6394
قروءٍ، فمعلوم أنها لم تكن مطلقةً يوم آلى منها زوجها، لإجماع الجميع على أنَّ الإيلاء ليس بطلاقٍ موجبٍ على المؤلي منها العدة.
وإذ كان ذلك كذلك، فالعدة إنما تلزمها بعدُ للطلاق، والطلاق إنما يلحقها بما قد بينَّاه قبل.
وأما معنى قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه: والمخليات السبيل غير ممنوعاتٍ بأزواجٍ ولا مخطوباتٍ، وقول القائل: فلانة مطلقةٌ، إنما هو مفعلة من قول القائل: طلق الرجل زوجته فهي مطلقةٌ، وأما قولهم: هي طالقٌ، فمن قولهم: طلقها زوجها فطلقت هي، وهي تطلق طلاقًا، وهي طالق.
وقد حكي عن بعض أحياء العرب أنها تقول: طلقت المرأة، وإنما قيل ذلك لها إذا خلَّاها زوجها، كما يقال للنعجة المهملة بغير راعٍ ولا كالئ إذا خرجت وحدها من أهلها للرعي مخلاة سبيلها: هي طالق.
فمثلت المرأة المخلاة سبيلها بها، وسميت بما سميت به النعجة التي وصفنا أمرها. وأما قولهم: طلقت المرأة، فمعنى غير هذا إنما يقال في هذا إذا نفست، هذا من الطلق، والأول من الطلاق.
قوله: (قَالُوا: وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ، وَقَوْلُهُ ﵊: "فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"، دَلِيلٌ وَاضِح عَلَى أَنَّ الْعِدة هِيَ الْأَطْهَار، لِكَي يَكُونَ الطَّلَاقُ مُتَّصِلًا بِالْعِدَّةِ (١)، وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَأَوَّلَ قَوْلُهُ: "فَتِلْكَ الْعِدَّةُ"؛ أَيْ: فَتِلْكَ مُدَّةُ اسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ، لِئَلَّا يَتَبَعَّضَ الْقُرْءُ بِالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ).
стр. 6395
فيه دلالة لقول من قال: إن الأقراء التي تعتد بها المرأة هي الأطهار خلافًا لأبي حنيفة في قوله: "إنها الحِيَض"؛ لأنه قال: "فإن شاء طلَّق"، يعني: عند طهرها، ثم قال: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلّق لها النساء".
ومعنى "لها"، أي: فيها، فأثبت ﷺ الطهر عدة ولا تعلق لهم بقوله: "فتلك"، وأن هذا لفظ تأنيث فيحمل على الحيضة، وأنه لو كان المراد الطهر لقال: فذلك؛ لأن المراد هاهنا تأنيث الحالة أو تأنيث العدَّةِ.
قوله: (وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْفَرِيقُ الثَّانِي أَنَّ الْعِدَّةَ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَبَرَاءَتُهَا إِنَّمَا تَكُونُ بِالْحَيْضِ لَا بِالْأَطْهَارِ، وَلذَلِكَ كَانَ عِدَّةُ مَنِ ارْتَفَعَ الْحَيْضُ عَنْهَا بِالْأَيَّامِ، فَالْحَيْضُ هُوَ سَبَبُ الْعِدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْأَقْرَاءُ هِيَ الْحَيْضَ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: الْأَقْرَاءُ هِيَ الْأَطْهَارُ: بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَرَاءَةِ الرَّحِمِ هُوَ النَّقْلَةُ مِنَ الطُّهْرِ إِلَى الْحَيْضِ، لَا انْقِضَاءُ الْحَيْضِ، فَلَا مَعْنَى لاعْتِبَارِ الْحَيْضَةِ الْأَخِيرَةِ، وَإِذَا كانَ ذَلِكَ فَالثَّلَاثُ الْمُعْتَبَرُ فِيهِنَّ التَّمَامُ - أَعْنِي: الْمُشْتَرَطَ - هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَلكِلَا الْفَرِيقَيْنِ احْتِجَاجَاتٌ طَوِيلَةٌ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَحُجَّتُهُمْ مِنْ جِهَةِ الْمَسْمُوعِ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ مُتَسَاوِيَةٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْقَائِلُونَ: أَنَّ الْعِدَّةَ هِيَ الْأَطْهَارُ أَنَّهَا تَنْقَضِي بِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ (١)).
احتجَّ كل فريقٍ باحتجاجات نظريةٍ متعددةٍ، ومن جهة النظر يفوق بعضهم على البعض الآخر في إقامة الحُجَّة.
إلا أنهم من جهة الاستدلال بالكتاب والسنَّة يستوون في ظنيَّة استدلال كل فريقٍ.
стр. 6396
وليس في المسألة حكمًا قطعيًّا، ولعل هذا ما يريد المؤلف قوله.
قوله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهَا الْحَيْض، فَقِيلَ: تَنْقَضِي بِانْقِطَاعِ الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثةِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ، وَقِيلَ: حِينَ تَغْتَسِلُ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الثَّوْرِيُّ وإسْحَاقُ بْنُ عُبَيْدٍ (١)، وَقِيلَ: حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي طَهُرتْ فِي وَقْتِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ، وإنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً، حُكِيَ هَذَا عَنْ شَرِيكٍ، وَقَدْ قِيلَ: تَنْقَضِي بِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ أَيْضًا شَاذٌّ، فَهَذِهِ هِيَ حَالُ الْحَائِضِ الَّتِي تَحِيضُ).
اختلف هؤلاء مع إجماعهم على أنَّ الأقراء الحيض في وقت انقضاء عدة المعتدة بالحيض، فقال بعضهم: لا تنقضي العدة إذا كانت أيامها دون العشر حتى تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت الصلاة، وهذا قول الحسن البصري وحميد الطويل، وهذا لم يقله أحد ممن جعل الأقراء الحيض غير الحسن بن حي.
وقال بعضهم: هو أحقُّ بها وإن انقطع الدم ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.
وقال آخرون: إذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت وبطلت الرجعة ولم يعتبر الغسل.
ولبعضهم قول شاذٌّ: أنها لو فرطت في الغسل عشر سنين لكان زوجها أحق برجعتها ما لم تغتسل.
وقال بعضهم: إذا طعنت المطلقة في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت الرجعة للزوج، إلا أنه لا يحلُّ لها أن تتزوج حتى تغتسل من حيضتها.
стр. 6397
وهو قول ضعيف بدليل قول الله : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدة بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة، فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج، ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك.
قوله: (وَأَمَّا الَّتِي تُطَلَّقُ فَلَا تَحِيضُ وَهِيَ فِي سنِّ الْحَيْضِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رِيبَةُ حَمْلٍ وَلَا سَبَبٌ مِنْ رَضَاعٍ وَلَا مَرَضٍ: فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ عِنْدَ مَالِكٍ (١) تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الثَّلَاثَةَ أَشْهُرٍ اعْتَبَرَتِ الْحَيْضَ، وَاسْتَقْبَلَتِ انْتِظَارَه، فَإِنْ مَرَّ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ الثَّانِيَةَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الثَّلَاثَةَ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَامِ الثَّانِي انْتَظَرَتِ الحَيْضَةَ الثالِثَةَ، فَإِنْ مَرَّ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّت ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ حَاضَتِ الثَّالِثَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَانَتْ قَدِ اسْتَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْحَيْضِ وَتَمَّتْ عِدَّتُهَا، وَلزوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا لَمْ تَحِلَّ).
إذا اعتدت المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا ولم تحض فيها، فلا تحل للأزواج، إلا أن تكون ممن تحيض قبل ذلك، فترتاب بارتفاع حيضتها، فإنها تنتظر تمام تسعة أشهرٍ فقد حلَّت للأزواج، إلا أن ترتاب ريبةً من حس بطن فتقعد، حتى تنقطع عنها الريبة، أو يمر بها خمس سنين من يوم مات زوجها ثم تنكح إن شاءت.
وكذلك تفعل الأمة المتوفى عنها زوجها إذا استرابت نفسها بارتفاع
стр. 6398
الحيضة أنها تقعد تسعة أشهر، تعد فيها الشهرين والخمسة الأيام، ثم تنكح إن شاءت.
ودليل ذلك أنه كان أبو عمرو بن حفص قد طلق فاطمة بنت قيس قبل خروجه في سفره تطليقتين، فلما وجه إليها بالطلقة الثالثة لم يكن له مسكنٌ يسكن فيه، فلذلك أباح لها النبي ﷺ الانتقال في العدة من منزل إلى منزلٍ (١).
قوله: (وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ مَتَى تَعْتَدُّ بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ؟ فَقِيلَ: مِنْ يَوْمِ طُلِّقَتْ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّأ (٢)، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: مِنْ يَوْمِ رَفْعِهَا حَيْضَتَهَا (٣)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥)، وَالْجُمْهُورُ فِي الَّتِي
احتجوا بظاهر القرآن، وظاهر القرآن لا مدخل فيه لذوات الأقراء في الاعتداد بالأشهر، وإنما تعتد بالأشهر: اليائسة والصغيرة، فمن لم تكن يائسةً ولا صغيرةً فعدتها الأقراء وإن تباعدت.
وحجة مالكٍ: أن المرتابة تعتد بالأشهر؛ لأن في ذلك يظهر حملها على كل حالٍ، فلا يمكن أن يستمر الحمل في الشهر التاسع، فإذا استوقن أن لا حمل في هذه المدة، قيل: قد علمنا أنك لستِ مرتابةً، ولا من ذوات الأقراء، فاستأنفي ثلاثة أشهرٍ كما قال الله تعالى فيمن لسن من ذوات الأقراء قياسًا على أنَّ العدة بالشهور لصغرٍ إذا حاضت قبل تمام الثلاثة الأشهر علم أنها من ذوات الأقراء، فقيل لها: استأنفي الأقراء.
قوله: (وَكَانَ قَوْلُهُ: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤] رَاجِعًا إِلَى الْحُكْمِ، لَا إِلَى الْحَيْضِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ مَالِكٌ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّ مَالِكًا لَمْ يُطَابِقْ مَذْهَبُهُ تَأْوِيلَهُ الْآيَةَ، فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنَ الْيَائِسَةِ هُنَا مَنْ تُقْطَعُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ أَهْلِ الْحَيْضِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ السِّنِّ، وَلذَلِكَ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤] رَاجِعًا إِلَى الْحُكْمِ لَا إِلَى الْحَيْضِ - أَيْ: إِنْ شَكَكْتُمْ فِي حُكْمِهِنَّ -، ثُمَّ قَالَ فِي الَّتِي تَبْقَى تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لَا تَحِيضُ وَهِيَ فِي سَنِّ مَنْ تَحِيضُ إِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ).
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ﴾، وقد أنكر ذلك بعض الناس، وقالوا: لو أراد ذلك لقال: (أن ارتبتم) بالفتح، لأن الارتياب ماض، وإنما تتعلق إن المكسورة بالاستقبال، والارتياب قد عدم بتعدد وجود النصِّ، وهذا الذي قاله ليس بصحيحٍ؛ لأن الارتياب لمن لا يعلم حكم الآية أو لمن لا يقرؤها ثابت إلى يوم القيامة.
وقد قال بعض أصحابنا: إن معنى ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤] إذا ارتبتم، ويحتمل أن يريد بذلك (أن ارتبتم) في التأويل على أن العرب
стр. 6401
تستعمل هذا اللفظ على معنى التنبيه على الدليل فتقول: إن ارتبتم في كذا مع ظهوره ووضوحه فيجب أن يمنعك من الارتياب أمر، كذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ومعنى ذلك نفي الشك والارتياب عن مثل هذا لوضوحه وظهور أدلته، ووجه آخر: وهو أن يكون أن ارتبتم الآن، فإنه يجب أن يقطع الارتياب هذا النص، وهذا اللفظ يستعمل بمعنى الحال، ولذلك يقول: إن شئت لأن فعلت كذا، وقد يستعمل بمعنى المضي فتقول: إن كنت تشك في كذا فحكمه كذا، وهذا بينٌ واضحٌ، والأول أظهر.
قوله: (وَأَمَّا إِسْمَاعِيل، وَابْنُ بُكَيْرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ (١)، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الرِّيبَةَ هَاهُنَا فِي الْحَيْضِ، وَأَنَّ الْيَائِسَ فِي كلَامِ الْعَرَبِ هُوَ مَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِمَا يَئِسَ مِنْهُ بِالْقَطْعِ، فَطَابَقُوا تَأْوِيلَ الْآيَةِ مَذْهَبَهُمُ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَنِعْمَ مَا فَعَلُوا، لِأَنَّهُ إِنْ فُهِمَ هَاهُنَا مِنَ الْيَائِسِ الْقَطْعُ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تَنْتَظِرَ الدَّمَ وَتَعْتَدَّ بِهِ حَتَّى تَكُونَ فِي هَذَا السِّنِّ - أَعْنِي: سِنَّ الْيَائِسِ -، وإنْ فَهِمَ مِنَ الْيَائِسِ مَا لَا يقْطَع بِذَلِكَ فَقَدْ يَجِب أَنْ تَعْتَدَّ الَّتِي انْقَطَعَ دَمُهَا عَنِ الْعَادَةِ وَهِيَ فِي سِنِّ مَنْ تَحِيضُ بِالْأَشْهُرِ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ الْيَائِسَةَ فِي الطَّرَفَيْنِ لَيْسَ هِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِدَّةِ لَا بِالأقْرَاءِ وَلَا بِالشُّهُورِ، وَأَمَّا الْفَرْقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا قَبْلَ التِّسْعَةِ وَمَا بَعْدَهَا فَاسْتِحْسَانٌ).
قوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: إن لم تعلموا أتحيض أم لا تحيض (فاللائي قعدن عن المحيض) يئسن منه لكبرهن (واللائي لم يحضن بعد) كذا قالوا: التي كبرت ولم تبلغ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ في غير المتوفى
стр. 6402
عنها زوجها، أما هي فعدتها ما في ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وسقط قوله التغابن إلخ لغير الحموي.
قوله: (وَأَمَّا الَّتِي ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا لِسَبَبٍ مَعْلُومٍ مِثْلَ رِضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهَا تَنْتَظِرُ الْحَيْض، قَصُرَ الزَّمَان أَمْ طَالَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَرِيضَةَ مِثْلُ الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُهَا لِغَيْرِ سَبَبٍ).
إذا ارتفع الحيض لعارضٍ معلومٍ وسببٍ معتادٍ تأثيره في رفع الحيض.
والأسباب المؤثرة منها: المرض: فإذا تأخر حيضها من أجل المرض، فقال بعض المالكية: تعتد بثلاثة أشهر بعد الاستبراء بتسعة.
وقال آخرون منهم: عدتها الأقراء وإن تباعدت كالمرضع.
قوله: (وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ: فَعِدَّتُهَا عِنْدَ مَالِكٍ (١) سَنَة إِذَا لَمْ تُمَيِّزَ بَيْنَ الدَّمَّيْنِ، فَإِنْ مَيَّزَتْ بَيْنَ الدَّمَّيْنِ فَعَنْهُ رِوَايَتَان؛ إِحْدَاهُمَا: أَنَّ عِدَّتَهَا السَّنَة، وَالْأُخْرَى: أَنَّهَا تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ فَتَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): عِدَّتُهَا الْأَقْرَاءُ إِنْ تَمَيَّزَتْ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ لَهَا قَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): عِدَّتُهَا بِالتَّمْيِيزِ إِذَا انْفَصَلَ عَنْهَا الدَّم، فَيَكُونُ الْأحْمَرُ
стр. 6403
الْقَانِي مِنَ الْحَيْضَةِ، وَيكُونُ الْأَصْفَرُ مِنْ أَيَّامِ الطُّهْرِ، فَإِنْ طَبَّقَ عَلَيْهَا الدَّمُ اعْتَدَّتْ بِعَدَدِ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا فِي صِحَّتِهَا).
المستحاضة المميِّزة: هي المرأة إذا ابتدأها الحيض، وعبر الخمسة عشر، إلا أن الدم على لونين: دم قوي، ودم ضعيفٌ، بأن يكون الدم في بعض الأيام ثخينًا محتدمًا قانيًا، وفي بعضها أحمر مشرقًا.
قوله: (وَإِنَّمَا ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى بَقَاءِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا مِثْلَ الَّتِي لَا تَحِيضُ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَيْضِ، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا ذَهَبَ فِي الْعَارِفَةِ أَيَّامَهَا أَنَّهَا تَعْمَلُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "اتْرُكي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ، فَإِذَا ذَهَبَ عَنْكِ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ" (١)). لأنه ﷺ قال لها: "اتْرُكِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ":
فدلَّ أنها كانت مميزةً، فأحالها على أيام أقرائها التي تعرفها مع وجود الدم الذي لا تعرفه؛ لأنه لما قال: أيام حيضتك، أو أيام أقرائك، فلا بدَّ أن تكون عرفت الحيض بلونه ورائحته، وإلا كان مشكلًا؛ لأنها سألت عن الزائد على دمها هل هو حيض أو غيره، ولو أراد أيام حيضتك فيما مضى، لكان أيضًا مشكلًا إن لم تكن تعرف دم الحيض وتميزه، فإنما أحالها على حيضٍ تعرفه، وقد يمكن أن تكون هذه المرأة لها تمييزٌ وظنت مع التمييز أنه إذا انقطع عنها دم الحيض بعد أيامها وتغير أنَّ حكمها واحدٌ في ترك الصلاة، فأعلمها أنه إذا تغير بعد تقضي أيامها التي كانت تحيضها أنها تغتسل وتصلي، وأنها إذا رأت الدم الذي تعرفه في تلك الأيام أنها تترك الصلاة.
الْأَقْسَامِ بِعَيْنِهَا، - أَعْنِي: حُيَّضًا وَيائِسَات وَمُسْتَحَاضَات وَمُرتَفِعَاتِ الْحَيْضِ مِنْ غَيْرِ يَائِسَاتٍ -).
قالوا: إذا استبرأت المعتدة بسبب حِسِّ بطنها تجلس مدة خمس سنين، وهذا في الطلاق والوفاة وغير ذلك.
وقد تعددت الآراء في أكثر مدة الحمل:
فقيل: أربع سنين، وقيل: خمس سنين، وقيل: سبع سنين.
وفائدة الخلاف في هذا: امتداد التربُّص بالمرتابة، وأنَّ المطلقة إذا أتت بولدٍ لأكثر من مدة الحمل من وقت الطلاق لم يُلحق به.
قوله: (فَأَمَّا الْحُيَّضُ اللَّاتِي يَأْتِيهِنَّ حَيْضُهُنَّ: فَالْجُمْهورُ (١) عَلَى أَنَّ عِدَّتهُنَّ حَيْضَتَان. وَذَهَبَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٢): إِلى أَنَّ عِدَّتهُنَّ ثَلَاث حِيَضٍ كَالْحُرَّةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، فَأَهْلُ الظَّاهِرِ اعْتَمَدُوا عُمُومَ قَوْله تَعَالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وَهِيَ مِمَّنْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُطَلَّقَةِ، وَاعْتَمَدَ الْجُمْهُورُ تَخْصِيصَ هَذَا الْعُمُومِ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَبَّهُوا الحَيْض بِالطَّلَاقِ وَالْحَدِّ - أَعْنِي: كوْنَهُ مُتَنَصِّفًا مَعَ الرِّقِّ -، وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا حَيْضَتَيْنِ، لِأَنَّ الْحَيْضَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَتَبَعَّضُ).
قال الظاهرية: عدة المطلقة الموطوءة التي تحيض ثلاثة قروءٍ - وهي
стр. 6406
بقية الطهر الذي طلَّقها فيه - ولو أنها ساعة أو أقل أو أكثر - ثم الحيضة التي تلي بقية ذلك الطهر، ثم طهر ثانٍ كامل، ثم الحيضة التي تليه، ثم طهر ثالث كامل، فإذا رأت أثره أول شيءٍ من الحيض فقد تمت عدتها، ولها أن تُنكح حينئذٍ إن شاءت.
قوله: (وَأَمَّا الْأَمَةُ الْمُطَلَّقَةُ الْيَائِسَةُ مِنَ الْمَحِيضِ أَوِ الصَّغِيرَةُ: فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَأكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (٢)، قَالُوا: عِدَّتُهَا ثَلَاتةُ أَشْهُر، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالثَّورِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ (٥): عِدَتُهَا شَهْرٌ وَنِصْفُ شَهْرٍ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ إِذَا قُلْنَا بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ، فَكَأَنَّ مَالِكًا اضْطَرَبَ قَوله، فمَرَّةً أَخَذ الْعُمُوم، وَذَلِكَ فِي
стр. 6407
الْيَائِسَاتِ، وَمَرَّةً أَخَذَ بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ فِي ذَوَاتِ الْحَيْضِ، وَالْقِيَاسُ فِي ذَلك وَاحِدٌ).
من إنصاف المؤلف كعادته أن ينتصر للحقِّ الذي يراه ولو خالف إمام مذهبه، وما أحوجنا إلى كثيرٍ من هذا الإنصاف في هذا الزمان.
قوله: (وَأَمَّا الَّتي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُها مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ: فَالْقَوْلُ فِيها هُوَ الْقَوْلُ فِي الْحُرَّةِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِك، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ).
التي يرتفع الحيض عنها بدون سبب ظاهرٍ أو معلوم، فحكمها حكم الحُرَّة، وكذلك المستحاضة مثلها.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا عِدةَ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ فِي الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا؛ هَلْ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً أَمْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَار: تَسْتَأْنِفُ، وَقَالَتْ فِرقَةٌ: تَبْقَى فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهَا الْأَوَّلِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ (١)، وَقَالَ دَاوُدُ (٢): لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُتِمَّ عِدَّتَهَا وَلَا عِدةً مُسْتَأنَفَةً).
قال الجمهور: لو راجع الزوج زوجته المعتدة في أثناء مدة العدة، ثم قام بطلاقها قبل أن يدخل بها، فإنها تستأنف العِدَّة.
وأما الظاهريَّة: ليس على المرأة أن تُتمَّ العدَّة أصلًا، فضلًا عن عدَّةٍ مُستأنفةٍ.
стр. 6408
قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ رَجْعَةٍ تَهْدِمُ الْعِدَّةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسِيسٌ، مَا خَلَا رَجْعَةَ الْمولِي، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ وَقَبْلَ الْوَطْءِ ثَبَتَتْ عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَظْهَر، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ رَجْعَةُ الْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ تَقِفُ صِحَّتُهَا عِنْدَهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ: فَإِنْ أَنْفَقَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ وَهُدِمَتِ الْعِدَّةُ إِنْ كَانَ طَلَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ بَقِيَتْ عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى).
مثلًا: راجع الزوج زوجته المعتدة في أثناء مدة العدة، ثم قام بطلاقها بعد الرجعة وقبل أن يدخل بها.
فتثبت على العدة الأولى عنده الشافعي، وهو الذي استظهره المؤلف.
قوله: (وَإِذَا تَزَوَّجَتْ ثَانِيًا فِي الْعِدَّةِ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (٢): إِحْدَاهُمَا: تَدَاخُلُ الْعِدَّتَيْنِ، وَالْأُخْرَى نَفْيُهُ. فَوَجْهُ الْأُولَى: اعْتِبَارُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَاصِلٌ مَعَ التَّدَاخُلِ، وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: كَوْنُ الْعِدَّةِ عِبَادَةً، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ، إِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ مَضَتْ عَلَى عِدَّةِ الْأَمَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَمْ تَنْتَقِلْ إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): تَنْتَقِلُ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا).
طلَّق الزوج زوجته المعتدة ثم في أثناء مدة العدة، قام بطلاقها.
стр. 6409
قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلِ الْعِدَّةُ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ أَمْ مِنْ أَحْكَامِ انْفِصَالِهَا؟ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ قَالَ: لَا تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا، وَمَنْ قَالَ مِنْ أَحْكَامِ انْفِصَالِ الزَّوْجِيَّةِ قَالَ: تَنْتَقِل، كمَا لَوْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ زَوْجَةٌ ثُمَّ طُلِّقَتْ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ فَبَيِّنٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجْعِيَّ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِصْمَةِ، وَلذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ الْمِيرَاثُ بِاتِّفَاقٍ إِذَا مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى عِدَّةِ الْمَوْتِ. فَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ قِسْمَيِ النَّظَرِ فِي الْعِدَّةِ).
هل تعتبر العدة من أحكام الزوجية أو من أحكام انفصال الزواج؟
لو قلنا: من أحكام الزوجية؛ فيترتب على ذلك عدم نقل العدة.
ولو قلنا: من أحكام انفصال الزواج؛ فيترتب على ذلك القول بنقل العدة.
هنا انتهى المؤلف من القسم الأول.
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقِسْمُ الثَّانِي: وَأَمَّا النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الْعَدَدِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى (١)، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الرَّجْعِيَّاتِ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]).
стр. 6410
هذا قد وقع عليه الإجماع بين الفقهاء، النفقة والسكن للمعتدة الرجعية، وكذلك للحامل.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي سُكْنَى الْمَبْتُوتَةِ وَنَفَقَتِهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ (١)، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ (٢)، وَدَاوُدَ (٣)، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ (٤)، الثَّالِثُ: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٥)، وَالشَّافِعِيِّ (٦)، وَجَمَاعَةٍ (٧)).
معنى البتة هنا: الطلاق.
قال بعضهم: للمطلقة المبتوتة النفقة والسكنى على زوجها الذي طلقها، وشبهها سفيان بالحامل.