أما الشافعية (١): فقولهم في ذلك واحد.
لكن لهم روايةٌ أُخرى: تنص على أنَّ أكثره سبعة عشر يومًا (٢)، وهي رواية للحنابلة (٣)، فَفِي حَيْض الحامل تبقى حائضًا إلى أكثر مدة الحيض، ثمَّ لو استمر معها الدم يصير دمَ فَسَادٍ، وتأخذ حكم المستحاضة.
قوله: (أَعْنِي: إِمَّا أَنْ تَقْعُدَ أَكْثَرَ أَيَّام الحَيْضِ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ).
فَهَذا هُوَ القَول الأول: أنها تعامل معاملة الحائض غير الحامل.
قوله: (وَإِمَّا أَنْ تَسْتَظْهِرَ عَلَى أَيَّامِهَا المُعْتَادَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعُ ذَلِكَ: أَكثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا).
سَبَق بَيَان مَعْنى الاستظهار.
وهنا: فإنها تضيف إلى أيامها المُعْتَادَةِ في الحيض ثلاثة أيام، وهذا أمر- كما قال المؤلف ﵀ انفرد به المالكية.
قوله: (وَقِيلَ: إِنَّهَا تَقْعُدُ حَائِضًا: ضِعْفَ أَكْثَرِ أَيَّامِ الحَيْضِ).
كل هذه الأقوال اجتهادات داخل المذهب المالكي، وكل فريقٍ له وجهة نظر، وقد أراد المؤلف ﵀ أن يشيرَ إليها مجتمعةً.
قوله: (وَقِيلَ: إِنَّهَا تُضَعِّفُ أَكْثَرَ أَيَّامِ الحَيْضِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا
стр. 632
تُضَعِّفُ أَكثَرَ أَيَّامِ الحَيْضِ بِعَدَدِ الشُّهُورِ الَّتِي مَرَّتْ لَهَا، فَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِنْ حَمْلِهَا تُضَعِّفُ أَيَّامَ أَكثَرِ الحَيْضِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي الرَّابعِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَتِ الأَشْهُرُ) (١).
دلالة كلمة "وقيل":
يَظْهَر لي -واللّهُ أَعْلَم- أن المؤلفَ يميل إلى تَضْعيف هذه الأقوال، فَهَذا هو الظاهر من كلامه؛ لتصديره إياها بهذه الكلمة التي تدلُّ على التمريض، خاصةً وأن هذه الأقوال لا أساس لها، لا من النصوص، ولا من التجربة والعادة.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: عُسْرُ الوُقُوفِ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ، وَاخْتِلَاطُ الأَمْرَيْنِ؛ فَإِنَّهُ مَرَّةً يَكُونُ الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الحَامِلُ دَمَ حَيْضٍ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ قُوَّه المَرْأَةِ وَافِرَةً، وَالجَنِينُ صَغِيرًا).
يُشِيرُ المؤلف ﵀ إلى اختلاف دم الحامل حسب اختلاف المرأة نفسها؛ صحةً وضعفًا، فبعض النساء يهبهن الله قوةً في الجسم، وصحةً في البدن، وبعضهن لَسْنَ كَذَلك؛ فيظهر أثر ذَلكَ على الدم الذي يخرج منها في الحالتين.
فالدم الذي يخرج أثناء صحتها وقوتها: هو دم الحيض.
والدم الذي يخرج أثناء ضعفها ومرضها: هو دم استحاضة، وهو دم فساد.
стр. 633
قوله: (وَبِذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَمْلٌ عَلَى حَمْلٍ؛ عَلَى مَا حَكَاهُ أبُقْرَاطُ، وَجَالِينُوسُ، وَسَائِرُ الأَطِبَّاءِ).
المؤلف ﵀ يعني: أنَّه يمكن أن يحصل حَملٌ على حَمْلٍ.
وأبُقْرَاطُ وَجَالِينُوسُ: هَذَان من أطباء اليونان، وهما مَشْهوران، وَالثَّانِي -وَإِنْ كان بعد الأول- إلا أنه أشهر منه.
قوله: (وَمَرَّةً يَكُونُ الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الحَامِلُ؛ لِضَعْفِ الجَنِينِ وَمَرَضِهِ، التَّابعِ لِضَعْفِهَا وَمَرَضِهَا -فِي الأَكثَرِ- فَيَكُونُ دَمَ عِلَّةٍ وَمَرَضٍ، وَهُوَ فِي الأَكثَرِ دَمُ عِلَّةٍ).
قَدْ تقدَّم علم الطب الآن -بلا شك- أكثر مما كان عليه الحال زمن المؤلف أو قبل زمنه، فبسُؤال الأطبَّاء الذين يُوثَق في دينهم وعلمهم: نَسْتطيع الوقوف على إجاباتٍ لمثل هذه المسائل المختلف فيها؛ لأنها بنيت قديمًا على الظن والتخمين؛ بخلاف الحال الان، فقَدْ تيسَّر لأطباء العصر من الأجهزة وكثرة التجارب ما لم يتوفر للسابقين.
فبدَراسَة هذه الأمور الآن من الناحية الطبية: تصحح كثير من مسائل الحيض -والتى هى محل خلافٍ بين الفقهاء- وغيرها ممَّا يُشْبهها، واللّه أعلم.
قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ) (١).
المؤلف ﵀ يتعرَّض هنا لمصطلحين؛ وهما: الصُّفْرَة والكُدْرَة.
стр. 634
وَنَتَعرَّضُ هنا لتَعْريفهما، ثمَّ لتعريف مُصْطَلحاتٍ مُتَعلقةٍ بهما" فنقول التوفيق:
(أولًا): تعريف الصُّفْرَة:
هي: ماءٌ يخرج من فرج المرأة، يشبه الصديد، تعلوه صفرة.
(ثانيًا): تعريف الكُدْرَة:
هي: ماءٌ يخرج من فرج المرأة على شكل الماء الكدر؛ أي: المتسخ.
(ثالثًا): دم الصُّفْرَة ودم الكُدْرَة مغايران لدم الحيض:
دم الحيض -كما سبق بيانه- ثخينٌ، وله رائحةٌ كريهةٌ، وقد تنقطع الرائحة؛ لكن تبقى صفاته كلونِهِ وسماكتِهِ.
وعليه: فَهُوَ مغايرٌ في صفاتِهِ لدم الصُّفْرَة، ولدم الكُدْرَة.
(رابعًا): دَمُ الاستحاضة:
هناك: دمٌ أحمرُ مختلفٌ عن دم الحيض أيضًا؛ وهو دم الاستحاضة.
(خامسًا): القصة البيضاء (١):
سيأتي أيضًا في هذا الباب مصطلح القصة البيضاء، ونتعرَّض لتعريفه هنا.
فنقول: اختَلَف الفقهاء في المراد بها؛ على أقوالٍ، نذكر ثلاثةً منها، القول الأول وهو أشهر الأقوال:
يرى أصحابه أنها الماء الأبيض الذي يخرج من المرأة بعد انتهاء الدم.
стр. 635
فالقصة البيضاء: هي علامة الطهر (١).
وسَمَّوها كذلك: لكونها ماء أبيض يشبه الجص المعروف (٢).
القول الثاني:
يرى أصحابه أن القصة البيضاء: إدخال المرأة قطنةً في محل الدم عقب انتهائه؛ فيخرج معها ماءٌ أبيض (٣).
القول الثالث:
يرى أصحابه أن القصة البيضاء: إدخال المرأة قطنةً في محل الدم، عقب انتهائه؛ فلا يخرج معها شيءٌ؛ بل تخرج القطنة بيضاء.
وهذه الأقوال الثلاثة: تجتمع على انقطاع الدم.
وبرؤية المرأة للقصة البيضاء: يرتفع عنها وَصْفُ الحائض.
ويلزمها: الاغتسال، ثم الصلاة.
стр. 636
قوله: (هَلْ هِيَ حَيْضٌ، أَمْ لَا؟).
المُؤلِّف ﵀ يتعرَّض لاختلاف الفقهاء في توصيف الصُّفْرَة وَالكُدْرَة، وجعلهما حيضًا من عدمه؟ كما سيأتي.
قوله: (فَرَأَتْ جَمَاعَة أَنَّهَا حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ) (١).
المراد بقول المؤلف: (فَرَأَتْ جَمَاعَةٌ): جماهير الفقهاء.
قالوا: الصُّفْرَة وَالكُدْرَة حيض.
والسوال: هل الصُّفْرَة وَالكُدْرَة حيضٌ مطلقًا، أو حيضٌ في زمن الحيض دون غيره؟
للفُقَهاء ثلاثة أقوالٍ في هذه المسألة من حيث الجملة، أو هي أقوالٌ أربعة في الحقيقة:
القول الأول: هو قول جَمَاهير العلماء من الحنفيَّة، والشَّافعيَّة، والحنابلة، وَالمالكيَّة (٢) - وأخَّرت المالكية؛ لأن لهم رواية أُخرى- فهؤلاء يَرَون أن الصفرة والكدرة حيضٌ في زمن الحيض، يعني: في وقته.
وَللمالكيَّة روايةٌ أُخرى يرون فيها أنَّ الصفرةَ والكدرةَ حيضٌ في زمن الحيض، وفي غَيْره أيضًا (٣)، لكن الرواية المشهورة عنهم هي التي وَافَقوا فيها الجمهور.
стр. 637
وقَدْ أشار المؤلف ﵀ إلى أن الإمامَ أبا يُوسُف من الحنفية خالف إمامَه أبا حنيفة في هذه المسألة.
فأبو يوسف (١): يرى -كالجمهور- أن الصفرة حيضٌ في زمن الحيض، لكنه لا يرى الكدرة حيضًا إلا إذا تقدمها دمٌ.
ففرق بين الصفرة والكدرة: فوافق الجمهور في حكم الصفرة دون الكدرة.
أما الإمام أبو ثور (٢): فيرى أن الصفرة والكدرة ليستا من الحيض إلا أن يتقدمهما دمٌ.
وهذا القول: أخذ به الإمام ابن المنذر، وهو من المحققين المعروفين (٣).
قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ) (٦).
وقال به أيضًا: الإمام أحمد (٧)، والإمام مالكٌ في المَشْهور عنه.
стр. 638
قوله: (وَفِي "المُدَوَّنَةِ"، عَنْهُ: أَنَّ الصفْرَةَ وَالكُدْرَةَ حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ، وَفِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ رَأَتْ ذَلِكَ مَعَ الدَّمِ، أَوْ لَمْ تَرَهُ) (١).
تعريف بكتاب "المُدَوَّنَةِ":
المؤلف ﵀ يشير إلى الكتاب العظيم الكبير في مذهب المالكية، وهَذِهِ المُدَونة من رواية الإمام سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالكٍ، وننبه إلى أنَّه ليس كل ما في "المدونة" هو للإمام مالك، فالإمام سحنون يقول مثلًا: سئل الإمام مالك، يَعْني: أنَّ ابن القاسم هو الذي سأل الإمام مالكًا، فيجيب مالك، وأحيانًا لا تَحْصل إجابةٌ من الإمام مالك، وأحيانًا أُخرى توجد مسألةٌ يجيب عليها ابن القاسم، ويُضمنها "المدونة" أيضًا.
وهذه "المُدَونة": تأتي -بلا شكٍّ- في مقدمة الكتب المعتمدة في مذهب المالكية.
وهناك كتبٌ معتمدة أيضًا لديهم، كتبها بعض الأئمة كالمازري وابن رشد جد المؤلف ﵀، وهما من الأئمة المعتد بأقوالهم.
انتقاد لكتب المذهب المالكي:
يرى البعض أن مذهب المالكية يقوم على فروعٍ كثيرةٍ، لم تحرر أدلتها، ولم تحقق، ومع ذلك: فإن كتاب "المغني" الذي هو اسمٌ ومسمًّى كافٍ شافٍ، وكتاب شرح "التلقين" للمازري من أجلِّ الكتب، عُني فيه بالأدلة، لكنه لم يحقق منه إلا أشياء يسيرة، وكتاب "الذخيرة": لا يستدل كثيرًا للمذهب المالكي، وتفوته أيضًا مسائلُ كثيرة لا يعرض لها، بخلاف المذهب الحنفي فقد خُدِمَ من حيث الأدلة، ولو لَمْ يكن فيه إلا كتاب "البناية" للإمام العيني لَكَفى؛ فهو من أجلِّ كُتُب الحنفيَّة، وَكَذلك: كتاب
стр. 639
"شرح الهداية"، والعيني هذا مؤلف "عمدة القاري"، والذي شرح فيه "صحيح البخاري"، وكذلك المذهب الشافعي: قد خُدِمَ من هذه الناحية أيضًا، ولو لم يكن فيه إلا "المجموع" للنووي الذي أتمه بعد ذلك علماء، لَكَفى، فكتاب "المجموع" للنووي، وكتاب "المغني" لابن قدامة هما من أجمع الكتب، ويَنْدر أن تَفُوتهما مسألة إلا المسائل النادرة أو الضعيفة، وقد توجد مَسائلُ فِيهِما في غير مظانها المشهورة، ومع ذلك: فلا نَزْعم أنهما حَويَا كل مسائل الفقه.
قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ (١)، وَأَبُو يُوسُفَ (٢): إِنَّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ لَا يمُونُ حَيْضًا إِلَّا بِأَثَرِ الدَّمِ).
المؤلف ﵀ لم يدقق في رأي أبي يوسف، فقد سبق أن ذكرنا أنه وافق الجمهور في حكم الصفرة، فاعتبرها حيضًا في زمن الحيض، وَخَالفهم في حُكْم الكُدْرة فقال: لا بد من أن يتقدمها دمٌ؛ لتكون حيضًا.
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ) (٣).
стр. 640
الترجيح بين حديث عائشة ﵂ وحديث أم عطية ﵄:
حديث عائشة ﵂ -موقوفٌ عليها قطعًا، بخلاف حديث أم عطية ﵂ ففيه قولها: "كُنَّا".
وَقَد اختلفَ عُلَماءُ الحَديث فيما إذا قال الصحابي: "كنا نفعل"، أو "كنا نؤمر على عهد رسول الله ﷺ "، هل يُعْطى حكم المرفوع للنبي ﷺ ، أو يكون من الموقوف؟ (١).
وعليه: فحديث عائشة ﵂ -من قولها بلا شكٍّ بخلاف حديث أم عطية ﵂، فهو أرفع درجةً؛ لاحتمال أن يكون مرفوعًا للنبي ﷺ .
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ بَعْدَ الغُسْلِ شَيْئًا" (٢).
تَخْريج حديث أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂:
رواه البخاري في "صحيحه" (٣)، ورواه غيره، وورد الحديث بألفاظ متعددة؛ لكنها متقاربة.
فَفِي رِوَايةٍ: "كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغسل" (٤).
وفي روايةٍ: "كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا" (٥).
стр. 641
وفي بَعْضها كمَا ذكر المؤلف ﵁، وهَذ الروايات كلها تدور حول معنًى واحدٍ.
قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ).
المؤلف ﵁ أورد الرواية الصحيحة، وهذا حسنٌ، معَ أنه عبَّر بـ "وَرُوِيَ"، وَهي من صِيَغِ التمريض والتضعيف!
قوله: ("أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إِلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ").
نصيحة حول ضبط الكلمات في المطبوعات:
أنصح ألَّا نثق بالتشكيلات في جلِّ المطبوعات إلا التي حققها مَنْ عُرِفَ بقوته في اللغة، فالنشرة الأخيرة لكتاب "المغني" لابن قدامة: مضبوطة ضبطًا جيدًا، لكون مَنْ حقَّقها هو الدكتور الحلو، فيَنْدر أن تجدَ فيها خطأً في الضبط إلا أن يكون خطأً مطبعيًّا.
ضَبْط كَلمَة (الدُّرْجَة)، فيها لغتان (١):
الأولى: بـ (الدُّرْجَة) بضم الدال المشددة.
والثانية: بـ (الدِّرْجَة) بكسر الدال المشددة.
أما الدَّرجة: فهي السُّلَّم الذي يُصْعد عليه.
معنى (الدُّرْجَة) (٢):
هي قطعة قماش بها قطنةٌ، تدخلها المرأة الحائض في فَرْجها، ثم تلفها في شيءٍ أو تضعها في خرقةٍ، ثم ترسلها إلى عائشة ﵂ لتسألها عن
стр. 642
نوع هذا الدم؟ فهي تَعْرف أمور النساء؛ لكونها واحدةً منهن فهي امرأة، هذا أولًا.
وأما ثانيًا: فلكونها خبيرةً في هذه الأمر باعتبار أنها زوج رسول اللّه ﷺ ، وقد كانت تسأل رسول اللّه ﷺ عن ذلك، ولا شك أنها من أعلم النساء في هذا الأمر؛ لمُلَاصقتها لرسول اللّه ﷺ ، ومُلَازمتها له حتى وفاته.
قوله: (فِيهِ الصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ مِنْ دَمِ الحَيْضِ).
وَجْه التعارض الظاهري بين حديث أم عطية ﵂ وحديث عائشة ﵂: سَبَق في حديث أُمِّ عطية ﵂ قولها: "كنَّا لا نعدُّ الصُّفرة والكدرة -يعني: فِي زَمَن رسول اللّه- بعد الغَسل شيئًا" (١).
وعليه: فليست الصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ بحيضٍ.
وفي حديث عائشة ﵂: بيان أن الصُّفْرَة وَالكُدْرَة من الحيض، وقد منعتهنَّ عائشة ﵂ من الصَّلاة حتى يرين القصة البيضاء.
قوله: (يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَتَقُولُ: "لَا تَعْجَلْنَ؛ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ" (٢).
دَفْع التَّعارض الظاهري بين حديث أم عطية ﵂ وحديث عائشة ﵂:
نَذْكر هنا أثرًا -صحَّحه العلماء، وقالوا: إن إسناده جيد عن عائشة -يَرْبط بينهما، ويزول به الإشكال؛ فهو يبين مراد عائشة بقولها: "لَا تَعْجَلْنَ" بأن ذلك في حالة معينة؟ ففيه: "إذا رأت المرأة الدم -يعني: دم الحيض- فلتُمْسك عن الصلاة حتى ترى بياض القصة، فإن كان كَذَلك، فلتَغْتسل ولتصلِّ، فإن رأت صفرةً أو كدرةً فلتتوضَّأ ولتصلِّ" (٣).
стр. 643
فمعنى هذا: أن الصفرةَ والكدرةَ ليستا في زمن الحيض، ولذَا أَفْتَت عائشة ﵂ هنا بأنه لا أثرَ لَهما.
وفي رِوَايةٍ: "فلتَغْتسل ولتصلِّ".
تَعْني بذَلكَ: أنَّ المستحاضةَ تَغْتسل في أول مرةٍ، ثم بعد ذلك تتوضأ لكل صلاةٍ، وبذلك يحصل لقاءٌ بين أثري عائشة وأم عطية.
قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ: جَعَلَ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ حَيْضًا؛ سَوَاء ظَهَرَتْ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ، أَوْ فِي غَيْرِ أَيَّامِهِ مَعَ الدَّمِ، أَوْ بِلَا دَمٍ؛ فَإِنَّ حُكْمَ الشَّيءِ الوَاحِدِ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ يَخْتَلِفُ، وَمَنْ رَامَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ).
قصد المؤلف ﵀ بقوله: "وَمَنْ رَامَ الجَمْعَ" يعني: مَنْ قصد.
قوله: (قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ هُوَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي أَثَرِ انْقِطَاعِهِ، أَوْ إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هُوَ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ، وَحَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ).
قد مر بنا: ذكر المؤلف ﵀ لأحاديث بعضها متفق عليه، ويسميها آثارًا، وهنا يسمي الأثر حديثًا، فأثر عائشة ﵂ يسميه حديثًا، فَهَل هَذَا منهج له ومصطلحٌ؟!
ومَعَ ذَلكَ نقول: هذا الأثرُ الموقوفُ على عائشة ﵂ هو الَّذي رفع الخلاف في هذه المسألة؛ لأنها أَفْتَت بأن المرأة إذا رأت دم الحيض، فلتمسك عن أداء الصلاة؛ لأنَّ أداءَ الصلاة في وقت الحيض لا يَجُوز،
стр. 644
حتى ترى القصة البيضاء، فتغتسل وتصلِّي، فَإِنْ رأت بعد ذلك -أي: بعد زمن الحيض- صفرةً أو كدرةً، فَلْتَتوضأ ولتصلِّ، فهذا الدم الأحمر -صفرةً أو كدرةً- هو دم الاستحاضة.
"فلتغتسل ولتصلِّ": على خلافٍ بين العلماء في أن المستحاضة تقتصر على الوضوء لكل صلاةٍ أو تغتسل؟ (١).
والصحيح: أنها تتوضأ لكل صلاةٍ، ولا يلزمها الغسل لكل صلاة (٢).
ووجه ذلك: أن الشريعة الإسلامية قامت على اليسر والتخفيف ومراعاة أحوال الناس، فالمستحاضة والنفساء ومَنْ به سلس البول، ومن به جرح يستمر خروج الدم منه، ومَنْ يستمر رعافه، ومَنْ يغلب عليه خروج بعض النجاسات إلى غير ذلك، فهؤلاء وَضَعت لهم الشريعةُ أحكامًا خاصةً، وراعت في ذلك أحوالهم.
وَمِنْ هنا: استخرجَ العُلَماء القاعدة المعروفة: "المشقَّة تجلب التيسير" (٣).
стр. 645
قوله: (وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ (١) إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ وَلَمْ يَرَوُا الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ شَيْئًا؛ لَا فِي أَيَّامِ حَيْضٍ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَا بِأَثَرِ الدَّمِ، وَلَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "دَمُ الحَيْضِر دَم أَسْوَدُ، يُعْرَفُ" (٢)، وَلأنَّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ لَيْسَتْ بِدَمٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ سَائِرِ الرُّطُوبَاتِ الَّتِي تُرْخِيهَا الرَّحِمُ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ) (٣).
الإمام ابن حزم له آراء خاصة به، ولا ننكر ما وَهَب اللّه ذلكم الرجل من ذكاءٍ وفطنةٍ وعلمٍ ومعرفةٍ بمسالك الفقهاء.
وخير دليلٍ على ذلك: كتابه "المُحلَّى"؛ فهو حقيقةً يَحْوي من الثروة الفقهية ما يجل عن الوصف، وفيه أحاديثُ كثيرة وآثار، وفيه مسائلُ فقهية درسها وناقشها وحرَّرها تحريرًا قَدْ لا تجده في غيره؛ بل أحيانًا قد تبحث عن بعض المسائل فلا تجدها مستقصاةً مستوفاةً إلا في ذلك الكتاب، فهو من الكتب التي يُسْتفاد بها، لكنه لا يخلو حقيقةً من مثالبَ (٤) ومآخذَ، فلَا يَنْبغي تتبُّع شواذ ذلك الفقيه، وَما اتَّجه إليه، ولا يَنْبغي التَّسليم لبعض عباراته التي يطلقها نحو بعض الأئمة، وربما إلى جميعهم، فقَدْ كان ابن
стр. 646
حزم قوي العبارة صعبًا، فيَنْبغي الحذر من منهجهِ وأسلوبِهِ وطريقتِهِ، فلا يخرج المطالع لكتابه عن حد الاتزان، فيَنْبغي وأَنت تدرس الفقه -مثلًا- أن تضعَ نصب عينيك ما يتعلَّق بأمر العقيدة حتى لا تزل قدمك.
فمن العلماء الأجلَّاء الفضلاء: الإمام القرطبي المعروف، وعندما يقرأ طالب العلم الذي وهبه اللّه تعالى سعة أفق ومعرفة وإدراك، يدرك الأمور التي زلَّت بها قدمه في العقيدة، ولا يدرك هذا الإنسان العادي، فكَمْ رأينا مَنْ عُرِفَ بسلامة المنهج، وزلت قدمه بسبب التأثر ببعض الكتب؛ فليحذر ذلك.
فَهَذا الإمام الشوكاني ﵀: وقع في كثير من ذلك؛ لمتابعته من قبله ونقله عنهم، فَطَالب العلم لا بأس أن يقرأ في أي كتاب خلا الكتب المليئة بالسموم، والمحشوة بالأفكار الخارجة عن الطريقة السوية، فليتجنبها؛ ففي القراءة فيها تضييعٌ للوقت بلا فائدة، وخير ما يدرسه طالب العلم كتب أهل العلم القديمة، فقراءة هذه الكتب هي التي خرجت العلماء.
أما الآن -فمع الأسف- أصبح بعض طلاب العلم يطلب السُّهُولة في التَّعلُّم؛ فيأتي المُدرِّس، ويَختار المسائل السهلة الميسورة، وَيسُوغها بعبارته، ويقدمها لهم سهلةً شهيةً، فيتقدم فيها في الاختبار، لكن ما هي النتيجة؟!
مَنْ سبقنا من علمائنا، امتازوا علينا وسبقونا، وَوَهبهم اللّه سعةً في العلم لدراستهم كتب التراث، والعِلْمُ لا ينال بالتمني، و"ياليت" "ولو أني"! كلا، بل لا بد من جَدِّ، واجتهادٍ، ومثابرةٍ (١) في الاطلاع والقراءة، واستماعٍ للمشايخ، إلى غير ذلك من أُمُورٍ.
فالكُتُبُ القَديمةُ جُربَت، وقد أَمل أنا من عباراتها، وقد أجد صعوبةً في التعامل معها، قَدْ لا أجد مدرسًا يُوضِّح لي كل العبارات، لكن ما
стр. 647
لا يدرك كله لا يترك كله، فلنعوِّد أنفسنا على هذه الكتب القيمة التي خرَّجت العلماء على الحقيقة.
فعندما تقرأ مسألةً من المسائل في كُتُب التراث، وتُعمل فكرَك فيها، وتُدقِّقُ النظر، فسيتروض فكرك على ذلك ويتعوَّد بخلاف ما لو عودتَ نفسك على الكتب المعاصرة البسيطة والسهلة؛ فلَنْ يسهل عليك التعامل مع نصوص التراث؛ بل ربما لو جلستَ تفكِّر ساعةً، تتعب وَتملُّ.
وَنَنصح هنا: بالتَّركيز على كِتَاب أو عدَّة كُتُب لبعض أعلام علماء الأمة حتَّى لا يتشتت الذهن لو حاولت قراءة كل الكتب في الموضوع، فَمَا كان العلماء يدرسون كل شيء.
وهناك عبارات تُكْتَب بماء الذهب لابن القيم ﵀ (١)؛ فعندما عرض لقضية الذين يقولون بأن "السلف أسلم، والخلف أعلم"! قال: هذا قول بهتان، يعني: هذا قول باطل غير صحيح؛ بل السلف أسلم وأعلم، ولكن ليست القضية قضية كثرة الكلام، فالرسول ﷺ أُعْطِيَ جوامع الكلم، وقال: "قصر خطبة الرجل مئنة فقهه" (٢)، وَكَانت خطبُهُ ﷺ قصيرةً، وقَدْ نشأ أصحابه الكرام في مدرسته، وتَرَبوا فيها، وتأثَّروا بمنهجِهِ وبأسلوبِهِ
стр. 648
وبطريقتِهِ، فما كانوا يكثرون الكلام، ولذلك نقل -أظنه- عن ابن مسعودٍ أنه قال: "لو أرَادوا لملأوا الدنيا كلامًا! ".
وأَشار إلى أن: "مَنْ كَانَ مستنًّا، فليستنَّ بما قد مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة؛ أولئك كانوا أصحاب رسول اللّه ﷺ ؛ أبر الأمة قلوبًا، وأعْمَقها علمًا، وأقلها تكلفًا" (١).
وكلام ابن القيم ﵀ في هذا المعنى كثير لا أريد عرضه كله، فهو موجودٌ في "إعلام الموقعين" (٢) لمَنْ أراد أن يرجع إليه.
وقَدْ ذَكَره ليُبيِّن فَضْلَ الصَّحابة ﵃؛ فهؤلاء أَثْنَى اللّه عليهم وزكَّاهم في كتابه بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨].
وزكَّاهم رسوله ﷺ فقال: "لو أنفقَ أحدُنا مثل أُحُدٍ ما بلغ مُدَّ أحَدهم (٣)، ولا نصيفه! " (٤)، وقد شاهدوا التنزيل، وأخذوا العلم من مشكاة النُّبوَّة، وتربَّوا في مدرسة الرسول ﷺ ، وكانت إذا نزلت آيةٌ لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فَجَمعوا بين الأمرين؛ العلم والعمل، وقَدْ قال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فَكَانوا يتَّقون اللّه في كلِّ أقوالهم وأعمالهم، فَوَهبهم اللّه علمًا.
стр. 649
لقد ذكر ابن القيِّم ﵀ أن علماء عصره انْشَغلوا بدراسة علوم الآلات، وَهِيَ علوم توصل لغيرها؛ فمَنْ أراد دراسة الفقه، عليه أن يدرس ما يعرف بـ "المدخل لدراسة التشريع الإسلامي"، أو "المدخل لدراسة الفقه"، فمثل هذه الكتب ينفذ الدارس لها إلى تعلم علم الفقه.
ومن علوم الآلة: علم النحو، وعلم الصرف، وعلم البلاغة.
فالسلف الصالح: لَمْ يكونوا بحاجةٍ لتعلم مثل هذه العلوم، لاستغنائهم عنها جبلةً وسليقةً بخلاف العلماء في زمن ابن القيم ﵀، وفيهم أكابر العلماء كابن تيمية ﵀، وبعدهم فطاحلة العلماء وجهابذتهم كابن حجر والعيني وغير هؤلاء، هؤلاء كانوا في ذلك الزمن يَدْرسون علوم الآلة، ويشتغلون بها بإقرار ابن القيم ﵀، فمَا بالكم في وقتنا وزمننا هذا؟! فالطالب اليوم يدرس له في المدارس علم النحو من السنة الرابعة إلى أن يتخرج من الكليَّة، ربما تَسْتغرق دراسته له اثني عشر عامًا! ومَعَ ذَلكَ: قَدْ لا يهضمه نظريًّا، ولا يُحْسن تطبيقه عمليًّا؛ بل ربما يُخْطئ كثيرًا في الكَلَام؛ فَهَذا نُشَاهده في المُتَخرجين في الكليَّات، وَممَّن يحملون مؤهلاتٍ!
ومن أسباب ذلك: أنهم ما كانوا يُعْنون بالتطبيق، بل كانوا يحفظون القواعد فقط ثم ينسونها!
والقصد من تعلُّم النحو: هو تقويم اللسان، بخلاف مَنْ يتعلم النحو ليتخصص فيه، فَهَذا يطلبه نظريًّا، ويحسن تطبيقه عمليًّا.
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي عَلَامَةِ الطُّهْرِ؟ فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ عَلَامَةَ الطُّهْرِ رُؤيَةُ القَصَّةِ البَيْضَاءِ، أَوِ الجُفُوفِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ) (١).
стр. 650
أمَّا رُؤْيَةُ القَصَّةِ البَيْضَاءِ: فَثبَت في أثَر عَائشةَ ﵂ السابق ذكرُهُ (١).
وسواء قلنا برُؤْيَة القَصَّةِ البَيْضَاءِ أَوِ بالجُفُوفِ: فلا تعارض، المهم أن ينقطع دم الحيض وينتهي.
قوله: (وَسَوَاء أَكَانَتِ المَرْأَةُ مِمَّنْ عَادَتُهَا أَنْ تَطْهُرَ بِالقَصَّةِ البَيْضَاءِ، أَوْ بِالجُفُوفِ).
يعني المؤلف ﵀: أن بعضَ النساء بعد الحيض -أو النِّفاس- مباشرةً يجف ذلك الدم وينتهي، وَلَكن لا ترى القصة البيضاء التي هي هذه الرُّطوبة؛ والذي هو ماءٌ أبيضُ يُشْبه الجصَّ، وبعضهنَّ يرين القصة البيضاء، وليسَ هذا الأمرُ قاصرًا على الحيض؛ فإنَّ امرأةً ولَدت على زمن رَسُول اللّه ﷺ ، ولم ترَ الدمَ، فسُمِّيت بالجفوف، لأنها لَمْ تَرَ دمًا في ذلك.
قوله: (أَيُّ ذَلِكَ رَأَتْ، طَهُرَتْ بِهِ. وَفَرَّقَ قَوْم؛ فَقَالُوا: إِنْ كانَتِ المَرْأَةُ مِمَّنْ تَرَى القَصَّةَ البَيْضَاءَ: فَلَا تَطْهُرُ حَتَّى تَرَاهَا، وَإِنْ كانَتِ المَرْأَةُ مِمَّنْ لَا تَرَاهَا فَطُهْرُهَا الجُفُوفُ؛ وَذَلِكَ فِي "المُدَوَّنَةِ" عَنْ مَالِكٍ (٢)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَاعَى العَادَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَاعَى انْقِطَاعَ الدَّمِ فَقَطْ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّتِي عَادَتُهَا الجُفُوفُ، تَطْهُرُ بِالقَصَّةِ البَيْضَاءِ، وَلَا تَطْهُرُ الَّتِي عَادَتُهَا القَصَّةُ البَيْضَاءُ بِالجُفُوفِ، وَقَدْ قِيلَ بِعَكْسِ هَذَا؛ وَكُلُّهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ).
هَذِهِ مسألة أيضًا نعتبرها من فروع مذهب الإمام مالك، وقد ركَّز المؤلف ﵀ فيها على مذهب المالكية.
стр. 651
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي المُسْتَحَاضَةِ إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ؛ مَتَى يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الحَائِضِ؟).
لقَدْ دَرَسنا فيما مضَى حُكْم الحَائض إذا استمرَّ بها الدم، متى تأخذ حكم المستحاضة؟ هَلْ هيَ إذَا بلغت عشرة أيام؟ أو خمسة عشر يومًا؟ أو سبعة عشر يومًا؟ هذا كله مرَّ بنا فيما مضى.
الآن يريد المؤلف ﵀ أن يذكر عكس هذه المسألة، فهذه المرأة التي استُحِيضَتْ، واستمرَّ معها دم الاستحاضة: هل يمكن أن تعود إليها عادتها، وتتحول إلى حائض؟
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الحَائِضِ إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ، مَتَى يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ المُسْتَحَاضَةِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ) (١).
يعني: تقدم ذلك في الحائض التي يستمر بها الدم، وبَقِيَ الآن المُسْتحاضة التي استمرَّ بها الدم، ثم تَوَقَّف، فأحيانًا يتوقف ثمَّ يعود؛ لأن هذا هو شأن الدم، وأحيانًا ينقطع، فإذا انقطع، تغيَّر الأمر، ولعلَّ هذا الذي يريده المؤلف ﵀.
قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (فَقَالَ مَالِكٌ فِي المُسْتَحَاضَةِ أَبَدًا: حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَةِ إِلَى أَنْ يَتَغَيَّرَ الدَّمُ إِلَى صِفَةِ الحَيْضِ، وَذَلِكَ إِذَا مَضَى لاسْتِحَاضَتِهَا مِنَ الأَيَّامِ: مَا هُوَ أكْثَرُ مِنْ أَقَلِّ أَيَّامِ الطُّهْرِ؛ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ حَائِضًا، أَعْنِي: إِذَا اجْتَمَعَ لَهَا هَذَانِ الشَّيْئَان -تَغَيُّرُ الدَّم، وَأَنْ يَمُرَّ لَهَا فِي الاسْتِحَاضَةِ مِنَ الأَيَّامِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا- وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَاضَة أَبَدًا) (٢).
стр. 652
أقل أيام الطهر عند مالك خمسة عشر يومًا، وهي نفسها أكثر أيام الحيض.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَقْعُدُ أَيَّامَ عَادَتِهَا -إِنْ كانَتْ لَهَا عَادَة- وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، قَعَدَتْ أَكْثَرَ الحَيْضِ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَيَامٍ) (١).
عَرَفنا فيما سَبَق مدة أكثر الحيض عند أبي حنيفةَ، وأنَّها عشرة أيام.
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ).
لقَدْ وافَق الإمامُ أحمدُ (٣) الإمامَ الشافعيَّ في ذلك.
стр. 653
قوله: (إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ).
وننبِّه هنا على أن الالتقاء بين الإمامين الشافعي وأحمد في المجمل، فقد اختلفا في بعض قضايا فرعيَّة سيأتي التنبيه عليها.
قوله: (وإنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ العَادَةِ، عَمِلَتْ عَلَى العَادَةِ).
إن كانت ممن تعرف الدم عن طريق التمييز يعني: تستطيع أن تُميِّز عادتها من غيرها، عملت بها، فلَوْ كانت لها عادةٌ ثابتةٌ مستقرةٌ ستة أيام أو سبعة أيام أو أقل أو أكثر، فتأخذ بذلك.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِمَا مَعًا، فَلَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَان).
فلهُمَا أيضًا؛ نَقْصد الإمامين أحمد والشافعي؛ فيلتقيان تمامًا في هذا إلا في مسألة واحدة سيأتي التنبيه عليها.
قوله: (أَحَدُهُمَا: تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ).
هنا بدأ الخلاف يحصل بين الشافعية والحنابلة (١):
فهذا هو المشهور عند الشافعية؛ يعني تعمل على التمييز، وهذا قول للشافعية وللحنابلة أيضًا، لكن هذا هو المشهور في مذهب الشافعية.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَالثَّانِي: عَلَى العَادَةِ).
وهَذَا قول للشافعيَّة وللحنابلة أيضًا: لكن هذَا هو المشهور في مذهب
الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الأَحَادِيثُ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ، فَمَسْكُوت عَنْهَا -أَعْنِي: عَنْ تَحْدِيدِهَا- وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي انْتِقَالِ النِّفَاسِ إِلَى الاسْتِحَاضَةِ).
[الباب الثالث: في الأحكام المتعلقة بالحيض والاستحاضة]
قوله: (البَابُ الثَّالِثُ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الحَيْضِ وَالاسْتِحَاضَةِ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٢]، وَالأَحَادِيثُ الوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا).
سيتكلم المؤلف ﵀ هنا عن أمرين:
الأمر الأول: الأحكام ذات العلاقة بالحائض.
والأمر الثاني: الأحكام المتعلقة بالمستحاضة.
وقَدْ عَرفنا فيما مَضى تعريف الحائض والمستحاضة، وبيَّنَّا ذلك بيانًا مفصلًا في أول مطلع الأبواب المتعلِّقة بكتاب الحيض.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الحَيْضَ يَمْنَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ).
لقَدْ ذَكَرنا فيما سبقَ أن الحيضَ يمنعُ أمورًا عشرةً، وذلك في مطلع حديثنا عندما بدَأنا في كتاب الحيض، وكررناها مرةً أُخرى.
وَقَد اختار المؤلف ﵀ أربعة أَشْيَاءَ ليس فيها أي خلاف، وَاقتصر على ذكرها هنا، ومَرَّ بنا اختلاف العلماء في منع الحيض للطلاق من عدمه، فبَعْضهم قال: يمنع وُقُوعه على السنة، وبعضهم قال: يحرمه، وَهَذا راجع إلى اختلافهم في حكم الطلاق أثناء الحيض، وفي وُقُوعه؟
стр. 657
قوله: (أَحَدهما: فِعْل الصَّلَاةِ، وَوجوبُهَا) (١).
سَبَق أن تكلَّمنا عن هذا، وبيَّنَّا أن الحيض يمنع فعل الصلاة، ويمنع وجوبها، بمعنى أن الحائض لا تصلي، ولا تقضي الصلاة، وقَدْ سبق ذلك حديث عائشة ﵂ المتفق عليه قالت: "كنَّا نُؤْمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (٢).
قوله: (أَعْنِي أَنَّه لَيْسَ يَجِب عَلَى الحَائِضِ قَضَاؤهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَمْنَع فِعْلَ الصَّوْمِ لَا قَضَاءَه) (٣).
стр. 658
فَالحَيْضُ: يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّوْمِ، لَا قَضَاءَهُ، فَقَضاء الحائض للصوم واجبٌ ومتعيِّن؛ كما ورد في حديث عائشة ﵂ السابق.
قوله: (وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّابِتِ أَنَّهَا قَالَتْ: "كنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ" (١)، وإنَّمَا قَالَ بِوُجُوبِ القَضاءِ عَلَيْهَا طَائِفَة مِنَ الخَوَارج!). يشير المؤلف ﵀ هنا إلى قَضيَّةٍ مُهَمةٍ: وَهي مَا يتعلَّق بإنكار فِئَةٍ من الخوارج بعض أحاديث رسول اللّه ﷺ ، ولعلَّكم تَذْكرون أنَّنَا تكلمنا في أوَّل حديثنا عن أحكام الحيض عن الأمور التي يمنعها الحيض، أو يمنع الحيض القيام بها، ومنها ما تعلَّق أيضًا بقَضَاء الصوم والصلاة، وتَذْكرون حديث معاذة العدوية عندما سألت عائشة ﵂: "ما بَال الحَائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟! فقالت لها عائشة ﵂: أحرورية أنتِ؟! "، فردَّت عليها، فقالت: "لَسْت بحرورَّية؛ وَلَكنني أسأل؟ "، فأَجَابتها عائشة بقَوْلها: "كنَّا نحيض على عهد رسول اللّه ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
وَسَبق أن عَلَّقنا بإيجازٍ على قولها: "أحرورية؟ "، وبينَّا أن هذه إشَارة إلى طَائِفَةٍ من الخوارج نزلوا حروراء، وهؤلاء الخوارج هُمُ الذين خرجوا أيام عليِّ بن أبي طالب ﵁، وإنْ كانت أصولُهُم ممتدةً قبل ذلك، وهم- بلا شكٍّ - قد خرجوا على المسلمين، وشَقُّوا عصا الطاعة، وقد أدَّى ذلك إلى تفرق كلمة المسلمين في ذلك الوقت، فقَدْ شغلوا الدولة الإسلامية عن الفُتُوحات، وامتداد رقعة البلاد بانشغالها بقتالهم.
وسَببُ وُقُوعهم في ذلك: تعمقهم في الدِّين، وغلوهم في فهمه
стр. 659
وتطبيقه، بل وَصَل بهم الأمر أن كفروا بعض أصحاب رسول اللّه ﷺ ، وكَانَ فيهم من الشجاعة والمغامرة حتى تكنى أحدهم بأبي حمزة الخارجي!
وكان فيهم أيضًا الخطباء: بل وجدنا فيهم الخطيب المصقَّع (١)!
وَكَانَ أحدُهُم يخطب فيقول: "أتُعَيرونني بأَصْحَابي؟ وتزعمون أنهم شباب؟ وهل كان أصحاب رسول اللّه ﷺ إلا شبابًا؟! شبابٌ -واللّه- مكتهلون في شبابهم، غضيضةٌ عن الطرف أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر" (٢).
فالإنسانُ إذا سَمعهم، قَدْ يتأثر بكلامهم، فلهم عباراتٌ تأخُذُ بالأَلْبَاب، وتَسْتولي على مَجَامع القُلُوب، ولكن قَدْ أخْبَرنا رَسُولُ اللّه ﷺ عَنْهم بقَوْله: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ! " (٣)، وقال أيضًا: "تَحْقِرُونَ صَلَاتكمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ" (٤).
ويَكْفي في ذمِّهم أنه ينطبق علَيهم قول اللّه : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، فلقَدْ سَنُّوا سُنَّةً تأثَّر بها أناسٌ جَاؤُوا بَعْدهم؛ فَعَليهم -بلا شكٍّ- وزرها، ووزر مَنْ جاء بعد ذلك ممَّن عمل بها بعدهم.
والخوارج: طوائف، وهم مختلفون بالنسبة للغلو، فمنهم من تجاوز كل حدٍّ، ومنهم من يقرب من ذلك، ومنهم من دون ذلك، لكنهم كلهم - بلا شكّ- من حيث الجملة قَدْ خَرَجوا عن الطريق السوي، وتَخَطَّوا
стр. 660
الجادة، ولم يتبعوا قول اللّه : ﴿ … فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].
وَلَا شكَّ أنَّ تلكَ الحُرُوب الَّتي قاموا بها، وتلكم النَّعرات التي انتشرت في وقتهم قَدْ شَغَلت الدولة الإسلامية عن أمرٍ جللٍ؛ ألا وهو الاشتغال بامتداد الدولة الإسلامية في نشر عَقيدَة التوحيد، وفي بيانها للناس، فبدل أن ينشغلَ المسلمون بدعوة غير المسلمين إلى دين اللّه، انشغلوا بقتال أولئك.
وَقَد امتدوا فَتْرةً من الزَّمن؛ لكنَّهم بعد ذَلكَ ضعفوا، ولا يزال لهم أثرٌ (١)، فَمِنْهُمُ الأزارقة، ومنهم الصفَرِيَّة، وأقلهم ما يعرفون بالإباضية؛ فهؤلاء هم أقْرَبهم إلى أهل السُّنَّة والجماعة بخلاف أولئك، فَلَا يناكحون أهل السُّنة والجماعة؛ بل يُنَابذونهم ويخالفونهم.
ومَنْهجُهُم معروف، وعقيدتُهُم في ذلك فاسدةٌ، وكلُّ الذي دَعَاهم إلى ذلك أنهم تنطَّعوا وتعمَّقوا في الدّين مع أن الدِّينَ يسرٌ، فقَدْ قَال رَسُول اللّه ﷺ : "إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ أَحَد إِلَّا غَلَبَهُ" (٢)، وقال أيضًا ﷺ : "بَشّروا، ولا تنفروا" (٣).
وكان الرسول ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا (٤)،
стр. 661
وقال رسول اللّه ﷺ : "أَحَبُّ الدّينِ إِلَى اللَّهِ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ" (١).
هَذَا هو الذي أشَار إليه المؤلف، وحمَلنا على أن نتطرق لذلك؛ لأهمية مثل ذلك الأمر، فالإنسان عندما يَقْرأ ما يكتب أولئك، أو يقرأ خُطَبهم ومَوَاعظهم: ربما تَجُرُّه تلكم العبارات، فلا ينبغي للإنسان أن يجري وراء الألفاظ، فمن الناس مَنْ يهبه اللّه ذكاءً وفطنةً وقدرةً على التأثير، حيث يعطيه اللّه لسانًا ناطقًا مبينًا يستطيع أن يؤثر به في السامعين، وقد يبكي، أو يتباكى! فلا ينبغي أن يكون ذلك مقياسًا في معرفة الحق.
فلكَي تعرف مَنْ يسلك طريق الحق: عليك أن تقارن بين قوله وفعله، فإن وجدت فعلَه وَفْقَ منهج اللّه ، ومنهج رسوله ﷺ ، فَذَاك هو المهتدي الذي ينبغي أن يُقتدَى به، أمَّا مَنْ خَرَج على ذَلكَ كائنًا مَنْ كان: فلا يُلْتفت إليه؛ فإن دين اللّه لا يُؤْخذ من الرجال على أسمائهم؛ وإنما يُقْتَدَى بأولئك العلماء الذين أخلصوا لدين اللّه، وَوَقفوا حياتَهم في خدمته، وتفانوا في أداء هذا الدين، وإيصاله إلى غيرهم، وتَبْيينه للناس كما أمر اللّه .
هَذه لمحةٌ بسيطةٌ عن أولئك، وإلَّا فالحديث عنهم يَطُول.
ونحن في مَجْلسٍ كهذا المجلس، وفي هذا الدرس بحاجة أيضًا -إلى جَانب بيان الأحكام- إلى التوجيه والنُّصح، فرأيناها مناسبةً طيبةً أن نبيِّنها لبعض الإخوة الَّذين يكونون معنا في هذا الموضع.
قوله: (وَالثَّالِثُ -فِيمَا أَحْسَبُ- الطَّوَافُ (٢)، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ
стр. 662
الثَّابِتِ: "حِينَ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ" (١).
لقَدْ قَالَ النبي ﷺ لعَائِشَةَ ﵂: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" (٢)، وقَدْ سَبَق أن تكلَّمنا عن هذا الحديث أيضًا، وللّه الحمد.
قوله: (وَالرَّابع: الجِمَاعُ فِي الفَرْجِ (٣)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]).
هذا أمرٌ ثبت بالنص والإجماع، فتحريمُ وطء الحائض في الفرج، ثبت تحريمه بأمرين:
الأمر الأول: بالنص القرآني؛ كما في هذه الآية.
стр. 663
والأمر الثاني: بالإجماع أيضًا.
وَسَيأتِي الحديث عنه مفصلًا -إن شاء اللّه- في المسألة التي تلي هذه المقدمة.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَحْكَامِهَا فِي مَسَائِلَ، نَذْكُرُ مِنْهَا مَشْهُورَاتِهَا، وَهِيَ خَمْسٌ، المَسْأَلَةُ الأولَى: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ، وَمَا يُسْتَبَاحُ مِنْهَا؟).
يَعْني المؤلف ﵀ بمُبَاشرة الحائض غَيْر الوَطء، يعني الْتقَاء البَشَرتين بعضهما ببَعْضٍ.
والسؤال: هل هُنَاك حدٌّ؟
قَبْل الجَواب نقول: هناك أمرَان مجمع عليهما؛ وهما:
الأمر الأول: وهو أن وطءَ المرأة الحائض في الفَرج محرمٌ بالنص وبالإجماع.
أما النَّصُّ: فَيَتمثَّل في قَوْل اللّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وأمَّا الإجماعُ: فقَدْ ثَبتَ إجماع المسلمين على حُرْمة ذلك، فَهَذا الأمر ليسَ محلَّ خِلَافٍ.
الأمر الثاني: يتعلَّق بحكم الاستمتاع بالمرأة الحائض فيما فوق السرَّة، وفيما دون الركبة، وهذا جائز؛ فقد ثبت كذلك بالنصِّ وبالإجماع أيضًا.
أما النُّصُوصُ: فهي كثيرةٌ جدًّا، وَسَيأتي ذكر بَعْضها في أَحَاديث رسول اللّه ﷺ ، ومنها الحَديثُ الَّذي قال فيه النبي ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ
стр. 664
بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاحَ" (١).
وأما الإجماع: فقد ثبت إجماع المسلمين على جواز ذلك، فَهَذا الأمر ليس محل خلافٍ أيضًا؛ بل مجمعٌ على استباحته.
يَبْقى بَعْدَ هذَين الأمرين: بيان محلِّ الخلاف في حكم الاستمتاع بما بين السُّرَّة والرُّكبة، وهَذَا هو الذي سيعرض له المؤلف في هذه المسألة.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ) (٤).
وافقهم الإمام أحمد أيضًا في روايةٍ، لكنها ليست الرواية المشهورة (٥).
ونحن لا نستقصي أقوال العلماء في المسألة؛ فهي كثيرة جدًّا، بل ربما لا تُسْتوعب، لكن أحيانًا نضيف إلى ما ذكره المؤلف ما يتعلق بأقوال بعض الأئمة، وقد نحتاج إلى أن نضيف قولَ صحابيٍّ، أو غيره من أهل العلم؛ لأنه يعتبر بمثابة دليلٍ لأي مسألةٍ.
стр. 665
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (لَهُ مِنْهَا مَا فَوْقَ الإِزَارِ فَقَطْ).
تَفْسير هذا: أنه ليسَ له أن يستمتعَ بما بين السُّرَّة والركبة من تحت الإزار؛ وإنما يجوز له ذلك إذا كان فوق الإزار.
قوله: (وَقَالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ (١)، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِىُّ (٢): إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَوْضِعَ الدَّمِ فَقَطْ).
نقول: وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (٣)، ورُوِيَ أيضًا عن جماعةٍ من التابعين (٤).
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ ظَوَاهِرُ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَالاحْتِمَالُ الَّذِي فِي مَفْهُومِ آيةِ الحَيْضِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ عَنْ عَائِشَةَ (٥)، وَمَيْمُونَةَ (٦)، وَأُمِّ سَلَمَةَ (٧): "أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
стр. 666
وَالسَّلَامُ- كَانَ يَأْمُرُ إِذَا كانَتْ إِحْدَاهُنَّ حَائِضًا أَنْ تَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا، ثُمَّ يُبَاشِرَهَا").
انقسم العلماء في هذه المسألة إلى قسمين:
القسم الأول: تشدد في ذلك، ومنع الاستمتاع بالحائض إلا فيما فوق الإزار، ومن هذا القسم أكثر الفقهاء، أو ما نعرفهم فقهًا بجمهور الفقهاء (١).
القسم الثاني: خَالَفوا في ذَلكَ، ومن هذا القسم الإمام أحمد في الرواية الأُخرى عنه، ورُوِيَ هذا عن بَعْض التَّابعين (٢).
وَسَببُ الخلَاف في ذَلكَ: هُوَ اختلافُهُم في مَفْهوم الآية التي وَرَدتْ في ذلك (وَهي آيةُ الحَيض)؛ وهي قَوْل اللّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، ثمَّ قَالَ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، فقَوْله: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾: وصفٌ، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: حكم رُتِّبَ على الوصف.
مثال توضيحي:
هذا كقول اللّه : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فالحُكْمُ هُوَ قطعُ يد السَّارق والسَّارقة، والعلةُ في ذلك هي السرقة، فَسَببُ قَطع اليد إنما هي السرقة.
مثال توضيحيٌّ آخر:
هُوَ قَوْله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فالجَلْدُ: حُكْمٌ، وَسَببُهُ إنَّما هو الزِّنا، ولكلٍّ من السرقة والزنا شروط، فَالسَّرقة لا بدَّ أن تكون من حرزٍ، وأن يكون السارق بالغًا … إلى آخر
стр. 667
شروطها المعروفة (١)، وحِرْزُ كلِّ شيءٍ بسببه بما يناسبه، أو بما هو حرز له بما يعرف في ذلك (٢).
стр. 668
وأما الزنا: فلا بد من ثبوت الزنا بالإقرار، أو بشهادة أربعة شهداء يُحدِّدُون ذلك، ويبيِّنونه، وهذا أمرٌ معروف (١).
فالآية التي معنا هنا وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، فلا خلافَ بين العُلَماء في أَنَّ المَحيضَ الأوَّل هو الحَيض؛ وذَلكَ لمَا يَلي:
(١) لأنَّ المحيضَ يُطْلق وُيرَاد به موضع الدم.
(٢) ويُطْلق ويُرَاد به الأذى.
فهنا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾: المَحيضُ هنا باتفاق العلماء إنَّما هو الأذى؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ أَذًى﴾، ثمَّ جَاء بعد ذَلكَ قَوْله تَعالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
стр. 669
فَمَا المُرَادُ بالمحيض الثَّانِي هنَا؟
(١) هَل المُرَادُ به مَكَان الحيض؛ فيَكُون المنع متعلِّقًا بمكان الحيض -ألا وهو الفرج- فيمنع الرجل من الاستمتاع بامرأته الحائض في موضع الدم وهو الفرج؟
(٢) أو أن المراد به أبعد من ذلك -وهو ما يتعلق بالأذى- فيكون ما في آخر الآية موافقًا لأولها؟
لا شكَّ أن المحيضَ يُطْلق ويراد به الحيض كما في أول الآية، ويطلقُ أيضًا وُيرَاد به مكان الحيض، ولذلك اختلف العلماء في هذه المسألة؟ فيُقَال: حَاضَت المرأة حيضًا ومحيضًا (١)، وعليه: فلو كان المراد بالمحيض الثاني في الآية: مكان الحيض (أي: الفرج)، فيُمْنَع الرَّجُلُ منه، فمَعْنى هذا: أنَّ له أن يستمتع بامرأته بما دون ذلك دون الإزار وفوقه، ولَوْ كَانَ المُرَادُ به الأذَى: فَذَلك محلُّ خِلَافٍ بين العلَماء، والمُؤلِّف ﵀ لم يبحث هذه المسألة بحثًا دقيقًا عميقًا تفصيليًّا.
فنقول: من العلماء -وهم أصحاب القول الثاني- مَنْ قال: إن المراد بالمحيض هنا إنما هو مكان الحيض (٢)، قالوا: لأنه يُطْلق ويراد به المحل، فقد يذكر الحال، ويُرَاد به المحل (٣).
مثال: كأن تقول: المبيت، والمقيل، فالمبيت يطلق ويُرَاد به مكان البيات (٤)،
стр. 670
والمقيل يقصد به مكان القيلولة (١)، فَكَذلك المحيض هنا، قالوا: يطلق وُيراد به مكان الحيض.
وَقَد اعْترَضَ عَلَيهم الآخرون بما يلي:
قالوا: مَا المَانع أن يُرَاد به أيضًا نفس الأذى -أي: الحيض- لأن هذا معروف لغةً (٢)، وقد قال اللّه تعالى في أول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، قالوا: فلا شك أن المحيض هنا إنما هو الحيض بدليل وَصْفه بالأذى؛ لأن الأذى هو الحيض.
وقالوا أيضًا: لقد قال اللّه تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤]، والمراد بالمحيض في هذه الآية إنما هو الحيض أيضًا، فالمحيض يُطلق ويراد به الحيض -أي: الدم- كما يطلق ويراد به مكان الحيض، أي: الفرج.
فمن رأى أن المراد هو المكان، رجَّح ذلك بعدة أمورٍ:
منها: أن في الآية ما يدل على أن المراد بذلك إنَّما هو مكان الحيض.
قالوا: لأنَّ الآيةَ لها سبب؛ لأنَّ اليهود -لعنهم اللّه- كانت المرأة منهم إذا حاضت لا يؤاكلوها، ولا يجامعوها في البيت، فسأل أصحاب رسول اللّه ﷺ رسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلك؟، فأنزلَ اللهُ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، فقال رسول اللّه ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاحَ" (٣).
قالوا: فقَدْ جاء هذا الحديثُ مبيِّنًا ومفسِّرًا للمراد، فتَفْسير المَحيض بأنه مكان الحيض هو الذي يَلْتقي مع سَبَب نُزُول الآية، وهُوَ الذي أؤيده أنا، وذلك لما يلي: