← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وَالسَّلَامُ- كَانَ يَأْمُرُ إِذَا كانَتْ إِحْدَاهُنَّ حَائِضًا أَنْ تَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا، ثُمَّ يُبَاشِرَهَا"). انقسم العلماء في هذه المسألة إلى قسمين: القسم الأول: تشدد في ذلك، ومنع الاستمتاع بالحائض إلا فيما فوق الإزار، ومن هذا القسم أكثر الفقهاء، أو ما نعرفهم فقهًا بجمهور الفقهاء (١). القسم الثاني: خَالَفوا في ذَلكَ، ومن هذا القسم الإمام أحمد في الرواية الأُخرى عنه، ورُوِيَ هذا عن بَعْض التَّابعين (٢). وَسَببُ الخلَاف في ذَلكَ: هُوَ اختلافُهُم في مَفْهوم الآية التي وَرَدتْ في ذلك (وَهي آيةُ الحَيض)؛ وهي قَوْل اللّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، ثمَّ قَالَ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، فقَوْله: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾: وصفٌ، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: حكم رُتِّبَ على الوصف. مثال توضيحي: هذا كقول اللّه : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فالحُكْمُ هُوَ قطعُ يد السَّارق والسَّارقة، والعلةُ في ذلك هي السرقة، فَسَببُ قَطع اليد إنما هي السرقة. مثال توضيحيٌّ آخر: هُوَ قَوْله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فالجَلْدُ: حُكْمٌ، وَسَببُهُ إنَّما هو الزِّنا، ولكلٍّ من السرقة والزنا شروط، فَالسَّرقة لا بدَّ أن تكون من حرزٍ، وأن يكون السارق بالغًا … إلى آخر

стр. 667

شروطها المعروفة (١)، وحِرْزُ كلِّ شيءٍ بسببه بما يناسبه، أو بما هو حرز له بما يعرف في ذلك (٢).

стр. 668

وأما الزنا: فلا بد من ثبوت الزنا بالإقرار، أو بشهادة أربعة شهداء يُحدِّدُون ذلك، ويبيِّنونه، وهذا أمرٌ معروف (١). فالآية التي معنا هنا وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، فلا خلافَ بين العُلَماء في أَنَّ المَحيضَ الأوَّل هو الحَيض؛ وذَلكَ لمَا يَلي: (١) لأنَّ المحيضَ يُطْلق وُيرَاد به موضع الدم. (٢) ويُطْلق ويُرَاد به الأذى. فهنا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾: المَحيضُ هنا باتفاق العلماء إنَّما هو الأذى؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ أَذًى﴾، ثمَّ جَاء بعد ذَلكَ قَوْله تَعالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.

стр. 669

فَمَا المُرَادُ بالمحيض الثَّانِي هنَا؟ (١) هَل المُرَادُ به مَكَان الحيض؛ فيَكُون المنع متعلِّقًا بمكان الحيض -ألا وهو الفرج- فيمنع الرجل من الاستمتاع بامرأته الحائض في موضع الدم وهو الفرج؟ (٢) أو أن المراد به أبعد من ذلك -وهو ما يتعلق بالأذى- فيكون ما في آخر الآية موافقًا لأولها؟ لا شكَّ أن المحيضَ يُطْلق ويراد به الحيض كما في أول الآية، ويطلقُ أيضًا وُيرَاد به مكان الحيض، ولذلك اختلف العلماء في هذه المسألة؟ فيُقَال: حَاضَت المرأة حيضًا ومحيضًا (١)، وعليه: فلو كان المراد بالمحيض الثاني في الآية: مكان الحيض (أي: الفرج)، فيُمْنَع الرَّجُلُ منه، فمَعْنى هذا: أنَّ له أن يستمتع بامرأته بما دون ذلك دون الإزار وفوقه، ولَوْ كَانَ المُرَادُ به الأذَى: فَذَلك محلُّ خِلَافٍ بين العلَماء، والمُؤلِّف ﵀ لم يبحث هذه المسألة بحثًا دقيقًا عميقًا تفصيليًّا. فنقول: من العلماء -وهم أصحاب القول الثاني- مَنْ قال: إن المراد بالمحيض هنا إنما هو مكان الحيض (٢)، قالوا: لأنه يُطْلق ويراد به المحل، فقد يذكر الحال، ويُرَاد به المحل (٣). مثال: كأن تقول: المبيت، والمقيل، فالمبيت يطلق ويُرَاد به مكان البيات (٤)،

стр. 670

والمقيل يقصد به مكان القيلولة (١)، فَكَذلك المحيض هنا، قالوا: يطلق وُيراد به مكان الحيض. وَقَد اعْترَضَ عَلَيهم الآخرون بما يلي: قالوا: مَا المَانع أن يُرَاد به أيضًا نفس الأذى -أي: الحيض- لأن هذا معروف لغةً (٢)، وقد قال اللّه تعالى في أول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، قالوا: فلا شك أن المحيض هنا إنما هو الحيض بدليل وَصْفه بالأذى؛ لأن الأذى هو الحيض. وقالوا أيضًا: لقد قال اللّه تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤]، والمراد بالمحيض في هذه الآية إنما هو الحيض أيضًا، فالمحيض يُطلق ويراد به الحيض -أي: الدم- كما يطلق ويراد به مكان الحيض، أي: الفرج. فمن رأى أن المراد هو المكان، رجَّح ذلك بعدة أمورٍ: منها: أن في الآية ما يدل على أن المراد بذلك إنَّما هو مكان الحيض. قالوا: لأنَّ الآيةَ لها سبب؛ لأنَّ اليهود -لعنهم اللّه- كانت المرأة منهم إذا حاضت لا يؤاكلوها، ولا يجامعوها في البيت، فسأل أصحاب رسول اللّه ﷺ رسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلك؟، فأنزلَ اللهُ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، فقال رسول اللّه ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاحَ" (٣). قالوا: فقَدْ جاء هذا الحديثُ مبيِّنًا ومفسِّرًا للمراد، فتَفْسير المَحيض بأنه مكان الحيض هو الذي يَلْتقي مع سَبَب نُزُول الآية، وهُوَ الذي أؤيده أنا، وذلك لما يلي:

стр. 671

لأنَّه عندما نفسر المحيض بمكان الحيض، فتَصْلح بذلك الآية لأنْ تكون ردًّا على اليهود، وإلا لمَا كان في الآية ردّ عليهم، فهذا سَبب ترجيح هذا القول. وهناك أسبابٌ أُخرى ذَكرَها مَنْ رجَّح هذا القول: ومنها: الأحاديث التي ستأتي إن شاء اللّه تعالى. وَمنها: حديث أُمِّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "إذَا كَانَت إحدانا حائضًا، أمَرهَا رَسُولُ اللّه ﷺ أن تتزرَ، ثمَّ يباشرها، وَهي حائضٌ" (١)، هذا كلُّه فيما يتعلَّق بالاستمتاع بالحائض، وقد بان لك اختلاف العلماء في حكمه. وسَتَأتي بعد ذَلكَ مسألة قريبة من هذه المسألة، ألَا وهي حكم الوطء للحائض في فَرْجها. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ (٢)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاح" (٣). هذا الحديث في "صحيح مسلم"، وَقَد استدل الفريق الآخر -وهم الجمهور- بما يلي: أولًا: استدلوا بحديث عائشة أم المؤمنين عائشة ﵂ وهو قولها: "إذا كانت إحدانا حائضًا، كان رَسُولُ اللّه ﷺ يأمُرُها أن تتَّزر، ثمَّ يباشرها" (٤).

стр. 672

ثَانيًا: واستدلُّوا بحَدِيثِ أُمِّ المُؤْمنين ميمونة ﵂، وهو متفق عليه (١)، وهو يشهد لذلك أيضًا. ثَالثًا: واستدلُّوا بحديث عُمَر بن الخطاب ﵁: "وذَلكَ أنه سَأل رَسُولَ اللّه ﷺ : ما يحلُّ للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال رَسُولُ اللّه ﷺ : "لَكَ ما فوق الإزار" (٢)، وفي روايةٍ: "فوق الإزار". قالوا: فالتحديد بما فوق الإزار دليل على أنه هو الجائز، فما عداه لَا يكون جائزًا. ونحن حقيقةً لو دَخَلنا في تفصيل المذاهب، لمَا وجدنا القول كما قال المؤلف: فالشافعية ذكروا في مذهبهم عدة أوجه في ذلك (٣): أشهرها عندهم: هو الذي يلتقي مع قول الجمهور (٤). وَالوَجْهُ الآخَر لَهم: يَلْتقي مع قول الحنابلة، وَهُوَ أنَّهم يُجِيزُونَ ذلك، ويُعلِّلونه، ويجيبون عن أدلة الجمهور بإِجَاباتٍ؛ كالحنابلة أيضًا، فيَقُولُون: إنَّ رسول اللّه ﷺ عندما كان يأمُرُ إحدَى نسائِهِ أن تتَّزر: فذَلكَ من بَاب الاستحباب، فَهُوَ مَحْمول على الاستحباب، وأن ما تحت الإزار فإنما هو الجائز. قالوا: فأَمْرُ رسولِ اللّه ﷺ بالاتزار لا يدلُّ على تحريم ما تحت الإزار، وإنما يدلُّ على أن الرسول ﷺ فَعَل ذلك فقط، وَهَذا أقصى ما يدلُّ عليه الحديث، فهو دليل على جَوَاز الاستمتاع من فوق الإزار، ولا يدلُّ على تحريم ما تحت الإزار؛ وذلك دالٌّ على جوازه … هذا أول قولٍ قالوا به.

стр. 673

ومنهم من قال: ما تحت الإزار محمول على الجواز، وما فوقه محمول على الاستحباب. وهناك مِنَ العلماء مَنْ سَلَك مسلكًا وسطًا في هذه المسألة، فقالوا: ثبت من قول الرسول ﷺ جَوَاز الاستمتاع بالحائض مطلقًا، وذَلكَ؛ لأنَّ اللّهَ قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. فاعتزال النساء في المحيض لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: إما أن يُرَاد به اعتزال النساء مطلقًا، وهذا خلاف الإجمَاع؛ فالإجماعُ قائم على أنه ليسَ المراد بالاعتزال هنا اعتزال الحائض مطلقًا. وَعَليه: فالمُرَادُ باعتزال الحائض ما يمنع من الوقوع فيه، ألا وهو الفرج، فخصُّوا ذلك به. فهؤلاء الذين ذهبوا مذهبًا وسطًا قالوا: قد أمر الرسول ﷺ بالاتزار، وهذا دليل على أن الاستمتاع فوق الإزار بدليل فِعْلِ النَّبيِّ ﷺ ، وقَدْ ثبت ذلك من قوله ﷺ أيضًا، حيث قال: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ بِالحَائِضِ إِلَّا النِّكَاح" (١). وينبغي في هذا المقام: أن نجمعَ بين أقوال رسول اللّه ﷺ وأفعاله، وَالجَمْعُ بَيْن قوله وفعله يدلُّ على أن ما فوق الإزار مستحبٌّ، وأن ما تحت الإزار جائز. ثمَّ يختلف العلماء بعد ذلك: هَل الاستمتاع بالحائض لو كان عليها إزار يختلف حكمه لو كان أسفل ذلك دم، أو لا؟

стр. 674

فَمِنَ العُلَماء: مَنْ منع الاستمتاع بما بين السرة والركبة من الحائض (١)، أمَّا مَا عدَا ذلك، فهو جائزٌ بإجماعٍ فوق الإزار. ومنهم من قال: يجتنب الإنسان موضع الدم؛ وهو الفرج (٢)، وأمَّا ما عدَا ذلك، فله أن يستمتعَ بها. والقول الأول: هو قول الجمهور. والقول الثاني: هو قول جَمْع من التابعين والحنابلة، وهو أيضًا تخريجٌ في مذهب الشافعية، وقَدْ أخذ به عددٌ من كبار علماء الشافعية، وَمَالوا إليه (٣). والحقيقة: أن فيه جمعًا بين الأدلة، فهو الأقرب إلى الصواب أيضًا، واللهُ أعلم. فأصل الخلاف يدور حول قول اللّه : ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فَاخْتَلفوا في المراد بالاعتزال في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: (١) هل المراد به الابتعاد عن النساء مطلقًا؟ (٢) أو أن المراد ما يمنع من فعلِهِ، وهو الفرج؟ وهو الذي فسر به أصحاب القول الثاني، وقَدْ ذكرنا أن سبب نزول الآية يؤيد مذهب الذين قالوا بجواز الاستمتاع فوق الإزار وتحته، وأنَّ الذين قالوا بمنع ذلك فإن الأدلة حقيقةً -وإن كانت صحيحةً- ليس فيها أن ما تحت الإزار لا

стр. 675

يجوز، فقد كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: "كَانَتْ إحدانا إذا كانت حائضًا، فأرَاد رسولُ اللّه ﷺ أن يباشرها، كان يأمرها أن تتزر، ثم يباشرها" (١)، فقَدْ بيَّنت السبب في ذلك. وقد ورد في بعض الروايات قولها ﵂: "وأيُّكم يملك إربَه (٢)؛ كما كَانَ يملك رسول اللّه ﷺ إربه؟! " (٣). ولذا، قال بعض العلماء: إن سبب المنع في الاستمتاع تحت الإزار إنما هو خشية وقوع الإنسان في الحرام، فمنع من ذلك حتى لا يقع فيه، قالوا: "فمَنْ حام حول الحمى يوشك أن يخالطه"، وقد جاء في الحديث الصحيح: "كالراعي يرعى حول الحمى؛ يوشك أن يرتع (٤) فيه" (٥). ولذا، وَجَدنا من العلماء من قال: من كان واثقًا من نفسه بأن كان عنده من الورع الشديد ما يَحُولُ بينه وبين الوقوع في المحرم، أو كان ضعيف الشهوة، مطمئنًّا واثقًا ألا يقع في المحرم، يستطيع أن يتصرَّف في شهوته، وأن يملك نَفْسَه في ذلك المقام، فذلك جائزٌ. فمن نفس المذاهب التي منع أصحابها ذلك: نجد أن بعضهم ينص على الجواز في هذه الحالة … هذا باختصار ما يدور في هذه المسألة

стр. 676

فيما يتعلق بالاستمتاع بالحائض فيما دون الفرج، أمَّا ما يتعلق بوطء الحائض، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. قوله: (وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا وَهِيَ حَائِض: " اكشِفِي عَنْ فَخِذِكِ؟ "، قَالَتْ: فَكَشَفْتُ، فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذِي، وَحَنَيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ (١)، وَكَانَ قَدْ أَوْجَعَهُ البَرْدُ). هذا الحديث: فيه كلامٌ للعلماء؛ وقد ضعَّفه أكثر العلماء، والعلماء يخصونه. وهناك أدلة أُخرى، ولكنها عامة؛ فمنها: (١) حديث: "نَاوِلينِي الخُمْرَةَ" (٢). (٢) وحديث: "إِنَّ المُوْمِنَ لَا يَنْجُسُ" (٣). (٣) وحديث: "لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ فِي يَدَكِ" (٤)، فَمَا بين السُّرَّة والرُّكبة: ورد التنصيص عليه … نعم، وردت أحاديث، لكنها ما منعت تحت الإزار. ومن العلل التي ذكرها بعض العلماء من أصحاب القول الثاني: وهذه العلل لا شك بأنها أقرب في نظري أنا إلى روح الشريعة، وإن كانت خلاف قول الأكثر، هو قولهم: إن الإنسان قد يكون الأمرُ أمامه مباحًا؛ ولكنه يترك ذلك الشيء، قالوا: فالرسول ﷺ ربما يَكُون قد أمر الحائض بأن تتَّزر استقذارًا.

стр. 677

مثال يُؤيِّد هذه القاعدة: فَقَدْ ترَك ﷺ الأكلَ من لحم الضَّبِّ (١)، ومن الأرنب (٢) أيضا -كما هو معلومٌ- استقذارًا، وليسَ معنى ذَلكَ أنَّه لا يجوز أكلُهُ؛ فقد بيَّن رسول اللّه ﷺ نفسه جوَاز ذلك، ونص على أنه حلالٌ (٣). وعَلَيه: فقد يَتْرك الإنسان ما يحل، لأن نفسَه لا تميل إليه، ولا ترغب فيه، وليس معنى تركه له أنه لا يجوز. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَأَمَّا الاحْتِمَالُ الَّذِي فِي آيةِ الحَيْضِ، فَهُوَ تَرَدُّدُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾

стр. 678

[البقرة: ٢٢٢] بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الدَّليلُ) (١). قَصَدَ المُؤلِّف ﵀ بقَوْلِهِ: "بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ"، يقصد به قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، فيُرَاد به الإطلاق، ثم يُخَصَّص منه ما دلَّ الدليل عليه، وهو ما فوق السُّرَّة، وما دون الرُّكبة، فَيَظل الخلافُ فيما بين السُّرة والرُّكبة، هَذَا هو مراده، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ قولَه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: عامّ، ولكن هل هو عامّ خُصَّ منه ما ورد به الدليل؛ أو هو أصلًا عام مخصوص؛ والمراد به: موضع الدم، ألا وهو الفرج. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (أَوْ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَاب العَامِّ أُرِيدَ بهِ الخَاصُّ). قصد المؤلف ﵀ بقوله: "أَوْ أَنْ يَكُونَ … "، يقصد به قَوْله تَعَالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، يَعْني: فيما يمنع الوُقُوع فيه، ألَا وهُوَ الفرج. قوله: (بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وَالأَذَى إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ (٢)، فَمَنْ كَانَ المَفْهُومُ مِنْهُ عِنْدَهُ العُمُومَ، أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الوَاجِبُ عِنْدَهُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا القَوْلُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يُخَصِّصَهُ الدَّلِيلُ، اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ بِالسُّنَّةِ،

стр. 679

إِذِ المَشْهُورُ جَوَازُ تَخْصِيصِ الكِتَابِ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ) (١). الرَّأْي الصَّحيح في تَخْصِيصِ الكِتَاب بِالسُّنَّةِ: هذا هو الرأي الصحيح في ذلك، وأما مَذْهبُ الحنفيَّة في هذه المَسألة فمعروفٌ (٢). قوله: (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ العَامِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ، رَجَّحَ هَذه الآيَةَ عَلَى الآثَارِ المَانِعَةِ مِمَّا تَحْتَ الإِزَارِ، وَقَوِيَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالآثَارِ المُعَارِضَةِ لِلآثَارِ المَانِعَةِ مِمَّا تَحْتَ الإزَارِ). هُنَاكَ مَذْهبَان في هَذِهِ المَسْألَة نَعْرضهما باختصارٍ شديدٍ: بَعْد إجْمَاع العُلَماء على جوَاز الاستمتاع بما فوق السُّرَّة، وما دون الركبة من الحائض: اخْتلَفوا في حكم الاستمتاع بما بين السُّرَّة والرُّكبة منها على قولين؟ القول الأول: أن الاستمتاعَ بالحائض جائزٌ مطلقًا فيما عدا الفرج، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول جمعٍ من التابعين، وغيرهم (٣). القول الثاني: أنه لا يجوز إلا فوق الإزار (٤). أدلة مَنْ قال بجواز ذلك مطلقًا باستثناء موضع الدم: استدلوا بقول اللّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾،

стр. 680

وفسَّروا المحيض هنا بأن المراد به هنا هو مكان الحيض (١)، فَهو وَحْده الممنوع من الوقوع فيه، وهو المراد في الآية، وأيَّدوا ذلك بما يلي: أَوَّلًا: بسَبَب نُزُول الآية، كَمَا سَبق ذكرُهُ. وَثانيًا: بقَوْل رَسُول اللّه ﷺ في الحَديث: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ" (٢)، وبالتَّعليلات الَّتي ذكَرناها. أدلَّة مَنْ قال بجَوَاز ما كان فوق الإزار، استدلُّوا بأدلةٍ، منها: أولًا: حديث أمهات المؤمنين (عائشة وميمونة وأم سلمة ﵅؛ وكلها تدور حول: "أن الرسول ﷺ إذا كانت إحدى نسائه حائضًا، يأمرها أن تتزر، ثم يباشرها" (٣). وثانيًا: بحديث عمر بن الخطاب ﵁: "عندما سَألَ رَسُولَ اللّه ﷺ : ما يحلُّ للرَّجل من امرأته؟ قال له: "فَوْقَ الإِزَارِ" (٤)، يريد: له ما فوق الإزار … فَهَذا الحديث -وإن لم يخرج في "الصحيحين" ولا في أحدهما- فهو مخرج في: (١) "سنن البيهقي" (٥). (٢) وعند الإمام أحمد (٦). (٣) وعند غير هؤلاء أيضًا (٧)، وإسناده حسن، فهذه أدلة هؤلاء، وأدلة أولئك، وأكثرُ الخلَاف يَدُورُ حَوْل الآية كما رأيتم.

стр. 681

وقَدْ بيَّنَّا أن أصحابَ الفريق الثاني -ومن ينصر أيضًا هذا الرأي- ذهبوا إلى أن في الآية قرينةً تدلُّ على أن المرادَ بذَلكَ هو مكان الأذى، وبيَان ذلك أنَّ اللهَ تعالَى قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، قالوا: هذا وصفٌ، وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، قالوا: وهذا حكمٌ، فقد نُهِيَ عن الحكم لسببِ، وهذا السبب هو الوصف، وهذا الوصف هو علة الحكم. وسبق أن ذكرنا أدلةً على ذلك: (١) منها قول اللّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فالحُكْمُ: هُوَ القطعُ … وعلةُ الحُكْم هي السرقة. (٢) ومنها قول اللّه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فالحكم: هو الجلد … وعلةُ الحُكْم أو علةُ إيجاب الحكم إنما هو الزنا … هذا هو ملخص ما يدور في هذه المسألة التي أوردها المؤلف ﵀. قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَامَ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآثَارِ وَبَيْنَ مَفْهُومِ الآيَةِ عَلَى هَذَا المَعْنَى الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الخِطَابُ الوَارِدُ فِيهَا، وَهُوَ كوْنُهُ أَذًى؛ فَحَمَلَ أَحَادِيثَ المَنْعِ لِمَا تَحْتَ الإِزَارِ عَلَى الكَرَاهِيَةِ، وَأَحَادِيثَ الإِبَاحَةِ وَمَفْهُومَ الآيَةِ عَلَى الجَوَازِ). مِنَ العُلَماء مَنْ قَالَ ذَلكَ، ومنهم مَنْ حَمَل ما تحتَ الإزار على الجواز، وما فَوْقه على الاستحباب. قوله: (وَرَجَّحُوا تَأْوِيلَهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِسْمِ الحَائِضِ شَيءٌ نَجِسٌ إِلَّا مَوْضِعُ الدَّمِ). هَذَا مما يسهل أدلَّة الذين قالوا بجواز الاستمتاع.

стр. 682

قوله: (وَذَلِكَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ أَنْ تُنَاوِلَهُ الخُمْرَةَ وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ! فَقَالَ ﵊: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ" (١)، وَمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ تَرْجِيلِهَا رَأْسَهُ ﵊. هذا مما يدلُّ على إكرام الإسلام للمرأة. وبيان ذلك: أنه ففي حالة وُرُود الدم عليها، أو سيلانه، فإنَّه لا ينقلها عن الحالة التي كانت عليها، فَهِيَ أيضًا لا تَزَال مؤمنةً، وهي طَاهرةٌ، وكَذَلك الحالُ بالنِّسبة للرَّجُلِ؛ فإنَّ "المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" (٢)، كما قَالَ النَّبيُّ ﷺ في الحديث، فالرَّجلُ -وإنْ أجنبَ- فإنه يظل على حالته، وهو طاهر، وهذا هو القول الصحيح المعروف، وهو الذي أرشد إليه الرسول ﷺ . فالمرأة في الإسلام: مكرمةٌ معززة، وهي جوهرة مصونة في بيتها بخلاف المرأة في الجاهلية، فقد كان يلحقها شيءٌ لا يُطَاق من الذل، والاحتقار، والإهانة والاضطهاد، والتعدِّي، وربما يُرمى عليها ثوب فتوقف السنين! وإذا مات عنها زوجها، حُبست عند أهل زوجها، وكانت السلطة لهم! (٣)، فجاء الإسلام ورفع من مكانتها، وأعطاها المكانة اللائقة بها. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ تَرْجِيلِهَا رَأْسَهُ ﵊ وَهِيَ حَائِض) (٤).

стр. 683

يعني المؤلف ﵀ "ترجيل الرأس": تسريح الشعر. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَقَوْلُهُ ﵊: "إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ") (١). هَذَا الحَديثُ وَالَّذي قبلَه حَديثَان متفق عَلَيهما، وما قَبْلهما صحيح أيضًا. قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (المسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي وَطْءِ الحَائِضِ فِي طُهْرِهَا، وَقَبْلَ الاغْتِسَالِ؟). غَالب مَسَائل الحيض تَدُور حول قول اللّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهَلْ قَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: (١) تأكيد لقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾؟ (٢) أو أن المراد بذلك حتى ينقطع دمهن، أي: دم الحيض؟ وذَلكَ لأنَّ قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: قَدْ جاءت بالتضعيف؛ ففيها مبالغة المرادُ بها الاغتسال؛ فلذَا، اخْتلَف العُلَماءُ أيضًا حول المراد بذلك في هذه الآية إلى جانب ما ورَد في ذلك من أحاديثَ وآثارٍ. قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَالجُمْهُورُ (٤): إِلَى أَنَّ

стр. 684

ذَلِكَ لا يَجُوزُ حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ (١) إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا طَهُرَتْ لأكثَرِ أَمَدِ الحَيْضِ). هَذَا هُوَ قول الأئمة: مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمد أيضًا (٢). وننبِّه على أن اختلاف آراء العلماء في هذه المسائل يدل على أنهم يريدون الحق، فَغَايتُهُم أن يصلوا إلى ما أراد اللّه ، وما أراده رسوله ﷺ ، فسَبَق أن رأينا انفراد الحنابلة، وَنَجد هنا أن الحنفيَّة قَد انفردوا عن الجمهور في رأيهم، وَكُلّ منهم له رأيه، وكلٌّ منهم له وجهته، ووجهتُهُ هي محلُّ تَقْدِيرٍ أيضًا عند العلماء. قوله: (وَهُوَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ). نَذْكُرُ بأنَّ أقلَّ مدة الحيض عند الحنفية هو ثلاثة أيام، وأكثره عشرة (٣)، فالمؤلف ﵀ يبحث هذه المسألة، والتي نعرضها باختصارٍ، فَنَقول: انقسم العلماء في هذه المسألة -كسابقتها- أيضًا إلى قسمين: القسم الأول: وهم جمهور العلماء؛ ومنهم: المالكية، والشافعية،

стр. 685

والحنابلة (١)، قالوا: لا يجوز للرجل أن يجامع زوجته إذا طهرت -يعني: إذا انقطع دمها- حتى تغتسلَ. القِسْمُ الثَّانِي: وهُمُ الحنفيَّة، وقد فَصَّلوا القولَ في ذَلكَ على النحو التالي: الحالة الأولى: إنْ طَهرت المرأة الحائض لأكْثَر أيام الحيض (وهي عشرة أيام)، فلزَوْجها أن يطأهَا. الحالة الثانية: وَإِنْ كان دون ذلك -أقل أيام الحيض- فليس له ذلك. وسيأتى -إن شاء اللّه- مناقشة الجمهور لهؤلاء، فلمَاذا فرَّقوا بين أقل الحيض وأكثره؟ هم يتلمسون أن أقل الحيض عُرضةً لأَنْ يعود إليها الحيض مرةً أُخرى، لَكن عَوْد الحيض لا يمنع أن يَاتِيَ بعد الاغتسال! فالحَيْضُ محتمل في كل حالةٍ، وإنْ كان في الحالة الثانية أقل منها في الأُولى. قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (وَذَهَبَ الأَوْزَاعِيُّ (٢) إِلَى أَنَّهَا إِنْ غَسَلَتْ فَرَجْهَا بِالمَاَءِ، جَازَ وَطْؤُهَا، أَعْنِي: كُلَّ حَائِضٍ طَهُرَتْ مَتَى طَهُرَتْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ) (٣). هَذَا هو القوله الثالث -غير الأقوال المشهورة السابقة أيضًا- في هذه المسألة، وهذا القول ليس للأوزاعي وحده؛ بل وُجِدَ من العلماء مَنْ

стр. 686

يأخذ بهذا الرأي، بل إن ابن جرير الطبري ذكر الإجماع على هذا: أن المرأة لا تعتبر طاهرةً إلا إذا غسلت فرجها (١)، فمرادُهُ أن يقولَ: العلماءُ مجمعونَ على أنه لا يجوز وطء المرأة بعد انقطاع الدم ما لم تغسل الفرج، ثم بعد ذلك يأتي الخلاف بينهم، فيريد أن يُدخل الحنفية مع الجمهور؛ لأن الحنفية يُجِيزُونَ وَطْأَها بعد أن تغسل فرجها لا أن تغتسل. وقضية الإجماع: أمرها نسبي، فَمِنَ العلماء مَنْ يُعْنى بقضية الإجماع، ويَنْدر أن يحصل خللٌ في نقله الإجماع، وبعضهم قَدْ يحصل منه، لَكن مُرَادي هنا أنَّ ابن جريرٍ ذكر في هذه المسألة أن الإجماع قائمٌ على أنه لا يجوز وطء الحائض إذا انقطع دمها قبل أن تغسل فرجها. ثم يختلفون، فالجمهور قالوا: لا يجوز إلا بعد أن تغتسل الغسل المعروف، والحنفية قالوا: إن كان انقطاع الدم لأكثر الحيض جاز وطؤها، وإلا فلا، فكأن ابن جرير يريد أن يقول: إن الحنفية يُضِيفُونَ إلَى ذلك اشتراط غسل الفرج. أدلة الحنفية على ما ذَهَبوا إليه: هُوَ قول اللّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، قالوا: قَد انْقطَع الدم عن المرأة الحائض، وما مُنِعَ الرجل من أن يطأ زوجته إلا لعلة وجود الأذى، والأذى قد انقطع، وقَاسُوا هذا على الصيام، وعلى الطلاق، فَالحَائضُ إذا انقطع حيضها تصوم، وإذا انقطع حيضها يجوز تطليقها أيضًا.

стр. 687

ورد الجمهور على أدلة الحنفية: قالوا: سبب منع وقوع الطلاق وقت الحيض؛ لأن المرأة تتضرر بذلك، فَتَطول عدتها؛ وليس الأمر كما ذكرتم. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: الاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، هَلِ المُرَادُ بِهِ الطُّهْرُ؟). لَاحظ سَببَ الخلَاف هنا؛ فقد عَادَ مرةً أُخرى إلى هذه الآية: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فَهَل المراد بـ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ انقطاع الدم؟ وهل المراد ب ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ - والتي جاءت على صيغة التفعيل مبالغة - الغسل؟ الجمهور قالوا: المراد با لأولى: انقطاع الدم … وبالثانية: الغسل (١). والحنفية قالوا: بل الثانية تأكيد للأولى. وننبه هنا: إلى أن هناك كلامًا في أول الآية: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أو ﴿يَطَّهرن﴾، أيضًا فتُوجَد قراءة بالتشديد (٢). قوله: (الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ دَمِ الحَيْضِ؟). هَذِهِ المناقشة من المؤلف ﵀، وهذا التفصيل لهذه المسألة أمرٌ جيِّد حقيقة، ومرادُهُ بقولِهِ: "هَلِ المُرَادُ بِهِ الطُّهْرُ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ دَمِ الحَيْضِ؟ "، كما هو مذهب الحنفية؛ كما سبق بيانه. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (أَمِ الطُّهْرُ بِالمَاءِ؟). ومراده بقوله: "أَمِ الطُّهْرُ بِالمَاءِ؟ "، يَعْني: الاغتسال.

стр. 688

وننبه هنا على عادة المؤلف ﵀ في كتابه هذا "بداية المجتهد"، فَكَثيرًا ما يَقُول: الطُّهر، وهُوَ يَعْني به الغسل أو الاغتسال، لكنَّه بالنسبة للوضوء يُسمِّيه وضوءًا. قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (ثُمَّ إِنْ كَانَ الطُّهْرَ بِالمَاءِ، فَهَلِ المُرَادُ بِهِ طُهْرُ جَمِيعِ الجَسَدِ؟ أَمْ طُهْرُ الفَرْجِ؟) (١). مراده بقوله: "فَهَلِ المُرَادُ بِهِ طُهْرُ جَمِيِعِ الجَسَدِ؟ "، يَقْصد تعميم جميع الجسد، وهو الغسلُ المعروفُ، وهَذا هو مذهب الجمهور كمَا سبق. مراده بقَوْله: "أَمْ طُهْرُ الفَرْجِ؟ "، يَقْصد غسل محل الأذى -وهو الفرج- وهَذَا هو قول الأوزاعي ومَنْ معه. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (فَإِنَّ الطُّهْرَ فِي كَلَامِ العَرَبِ وَعُرْفِ الشَّرْعِ: اسْمٌ مُشْتَرَك يُقَالُ عَلَى هَذه الثَّلاثَةِ المَعَانِي) (٢). ما يُطْلق عليه الطُّهْر: لَا شَكَّ أنَّ هذِهِ الثَّلَاثَة المَعَانِي يطلق عليها الطهْر: المَعْنى الأوَّل: يطلق على الاغتسال؛ لأنه طهر. المعنى الثاني: يطلق على غسل الموضع أنه طهر. دَليل الجُمْهور: رَجَّحوا مَذْهبهم بأنَّ صيغةَ التَّفعُّل إنما تنطلق على ما يَكُونُ من فعل المُكلَّفين، لا على ما يكون من فعل غيرهم.

стр. 689

بَيَان مُرَاد المُؤلِّف: يريد المؤلف ﵀ القول بأن لفظة: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ في قول اللّه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، والَّتي هي على صيغة "يفعلن"، عَادةً ما تكون من غير فعل المُكلَّف، فَهَذا أمر ليس من فعل المكلف، ولا من اختياره، فانقطاع دَم الحيض عن الحَائض لا دَخل لها فيه، ولا إرادة، وَهَذا بخلاف لفظة ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ في الآية -والَّتي هي علَى صيغة التَّفْعيل- فَعَادةً ما تكون من فعل المكلف. فَالحَائضُ هي الَّتي تَغْتَسل، وتُبَاشر ذلك بمقدِّماته من إعْدَاد الماء، وَغير ذلك، فاللفظة الأولى ﴿يَطْهُرْنَ﴾: ليست من فعل المكلف، واللفظة الثانية ﴿تَطَهَّرْنَ﴾: من فعله. قوله: (فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، أَظْهَرَ فِي مَعْنَى الغُسْلِ بِالمَاءِ مِنْهُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ، وَالأَظْهَرُ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ) (١). يريد المؤلف ﵀ أن يقول: نحن إذا نظرنا إلى هذه القاعدة المطردة -أو: شبه المطردة- بأن صيغة "يفعلن" عادةً لا تكون من فعل الإنسان، وأن صيغة التفعيل تكون من فعله، فسننتهي من هذا بأن صيغة التفعيل (وهي اللفظة الثانية في الآية وهي قوله تعالى ﴿تَطَهَّرْنَ﴾) يُرَاد بها هنا الغسل، هذا هو الأظهر، فينبغي أن نصير إليه. قوله: (حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، وَرَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبَهُ (٢) بِأَنَّ لَفْظَ "يَفْعُلْنَ" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: هُوَ أَظْهَرُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ دَمِ الحَيْضِ مِنْهُ فِي التَّطَهُّرِ بِالمَاءِ، وَالمَسْأَلَةُ -كَمَا تَرَى- مُحْتَمِلَة).

стр. 690

تَوْضيح كلَام المؤلف في هذه الفقرة: كأنَّ المؤلف ﵀ يشير إلى المثل المعروف الذي يضربه الفقهاء، وَهُوَ قَوْلهم: "لا تُعْطِ فلانًا درهمًا حتى يدخل الدار، فإذا دخل الدار فأعطه درهمًا"، لَكن ما تَقُول: لا تعطِ فلانًا درهمًا حتى يدخل الدار، فإذا دخل مثلًا الدار، أو دخل المدرسة فأعطه. وتَطْبيق هذا المثل على قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ على النحو التالي: الحَنفيَّة يَقُولُونَ: في الآية توافقٌ بين اللفظتين، وهذا يؤيد مذهبنا. وقَوْل الجمهور كَمَنْ يقوله: لا تعط فلانًا درهمًا حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد، أو فإذا دخل المدرسة فأعطه درهمًا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَيجِبُ عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْ لَفْظِ الطُّهْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ مَعْنَى وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ المَعَانِى الثَّلَاثَةِ: أَنْ يَفْهَمَ ذَلِكَ المَعْنَى بِعَيْنِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ لأنَّهُ مِمَّا لَيْسَ يُمْكِنُ، أَوْ مِمَّا يَعْسُرُ أَنْ يُجْمَعَ فِي الآيَةِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مِنْ هَذِهِ المَعَانِي مُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى يُفْهَمَ مِنْ لَفْظَةِ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ النَّقَاءُ). يقصد المؤلف ﵀ أنه ليس من الممكن أن نجمع بين الأمرين: ﴿يَطْهُرْنَ﴾، ﴿تَطَهَّرْنَ﴾؛ بل لا بد من معنًى واحدٍ لكلٍّ منهما. قَالَ المُصنِّف رحمه اللّه تعالى: (وَيُفْهَمَ مِنْ لَفْظِ ﴿تَطَهَّرْنَ﴾: الغُسْلُ بِالمَاءِ- عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ المَالِكِيِّينَ فِي الاحْتِجَاجِ لِمَالِكٍ (١)؛ فَإِنَّهُ

стр. 691

لَيْسَ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ أَنْ يَقُولُوا: لا تُعْطِ فُلانًا دِرْهَمًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا؛ بَلْ إِنَّمَا يَقُولُونَ: وإذَا دَخَلَ الدَّارَ، فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ الجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ هِيَ مُؤَكِّدَة لِمَفْهُومِ الجُمْلَةِ الأُولَى، وَمَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ عَلَى أَنَّهُ النَّقَاءُ، وَقَوْلَهُ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ عَلَى أَنَّهُ الغُسْلُ بِالمَاءِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: لا تُعْطِ فُلانًا دِرْهَمًا؛ حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ، فَإذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي كَلامِ العَرَب إِلا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ، وَبَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلَامِ: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتًّى يَطْهُرْنَ وَيتَطَهَّرْنَ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وَفِي تَقْدِيرِ هَذَا الحَذْفِ بُعْدٌ ما). قَوْلُ المُؤلِّف ﵀: "وَفي تَقْدِيرِ هَذَا الحَذْفِ: بُعْد ما": صحيح، فالأصل عدم الحذف. قوله: (وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: ظُهُورُ لَفْظِ التَّطَهُّرِ فِي مَعْنَى الاغْتِسَالِ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا يُعَارِضُهُ ظُهُورُ عَدَمٍ الحَذْفِ فِي الآيَةِ، فَإِنَّ الحَذْفَ مَجَاز، وَحَمْلُ الكَلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ أظْهَرُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى المَجَازِ). هذا كلُّه لا حاجَةَ له، لأنَّنا قد بيَّنَّا حكمَ المسألة فيما مضى، وعرضنا دليلها. قوله: (وَكَذَلِكَ فَرْضُ المُجْتَهِدِ هَاهُنَا إِذَا انْتَهَى بِنَظَرِهِ إِلَى مِثْلِ هَذَا المَوْضِعِ: أَنْ يُوَازِنَ بَيْنَ الظَّاهِرَيْنِ، فَمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، عَمِلَ عَلَيْهِ، وَأَعْنِي بِالظَّاهِرَيْنِ أَنْ يُقَايِسَ بَيْنَ ظُهُورِ لَفْظِ: ﴿فَإِذَا

стр. 692

تَطَهَّرنَ﴾ فِي الاغْتِسَالِ بِالمَاءِ، وَظُهُورِ عَدَمِ الحَذْفِ فِي الآيَةِ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْمِلَ لَفْظَ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ النَّقَاءِ، فَأَيُّ الظَّاهِرَيْنِ كَانَ عِنْدَهُ أَرْجَحَ عَمِلَ عَلَيْهِ؛ أَعْنِي: إِمَّا أَلَّا يُقَدِّرَ فِي الآيَةِ حَذْفًا، وَيَحْمِلَ لَفْظَ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ عَلَى النَّقَاءِ، أَوْ يُقَدِّرَ فِي الآيَةِ حَذْفًا، وَيَحْمِلَ لَفْظَ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ عَلَى الغُسْلِ بِالمَاءِ، أَوْ يُقَايِسَ بَيْنَ ظُهُورِ لَفْظِ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فِي الاغْتِسَالِ، وَظُهُورِ لَفْظِ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ فِي النَّقَاءِ). عُلِمَ ممَّا بُيِّنَ: (١) أن المراد بلفظة ﴿يَطْهُرْنَ﴾: انقطاع الدم. (٢) وأن المراد بلفظة ﴿يَطْهُرْنَ﴾: الغسل؛ لأن هذه الصيغة من فعل المكلف، وهُوَ - بلَا شَكٍّ - أظهر وأرجح؛ كما ذَهَب إليه جماهير العلماء (١). * قوله: (فَأيُّ كَانَ عِنْدَهُ أَظْهَرَ أَيْضًا، صَرَفَ تَأْوِيلَ اللَّفْظِ الثَّانِي لَهُ، وَعَمِلَ عَلَى أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ فِي الآيَةِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، أَعْنِي: إِمَّا عَلَى مَعْنَى النَّقَاءِ، وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى الاغْتِسَالِ بِالمَاءِ، وَلَيْسَ فِي طِبَاعِ النَّظَرِ الفِقْهِيِّ أَنْ يَنْتَهِيَ فِي هَذِهِ الأشْيَاءِ إِلَى أَكثَرَ مِنْ هَذَا؛ فَتَأَمَّلْهُ! وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ (٢)، وَأَمَّا اعْتِبَارُ أَبِي حَنِيفَةَ أَكثَرَ الحَيْضِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، فَضَعِيفٌ).

стр. 693

متَى يصحُّ قَوْل: " كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ "؟ يَصحُّ هذا القول في المسائل التي لم يظهر المقصود منها. مثال على هذه القاعدة: فعندما قال رسول الله ﷺ لأصحابِهِ: " لا يصلينَّ أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة " (١)، فكلُّ فريقٍ من الصحابة اجتهد: (١) فبعضهم: فَهِمَ من ذَلكَ الحث والإسراع، ولذلك صلى في وقت الصلاة في الطريق. (٢) وبعضهم: أخَذ بالظَّاهر، ولم يَصِلْ إلى الغرض المنشود. وقد أقر رسول الله ﷺ كلا الفريقين على فهمِهِ، ولا شك أن أحد الفريقين قد أصاب السُّنَّة، وهو الذي صلَّى أصحابه في الوقت، وَالفريقُ الآخَرُ اجتهدَ، وقَدْ أراد بذلك تنفيذ قول رسول الله ﷺ ، فعبارة: " كل مجتهدٍ مصيب ": مختلفٌ فيها بين الأُصُوليِّين. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَغْفِرُ اللهَ، وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ: إِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ، فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، وَإِنْ وَطِئَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ). إتْيَانُ الرجل امرأتَه وهي حائضٌ كبيرةٌ من كبائر الذنوب، ومُحرَّمٌ باتفاق العلماء (٢)، وبعضهم ذهب إلى تكفير مَن استحلَّه (٣).

стр. 694

لكن اختلفوا: هل فيه كفارةٌ أم لا؟ إلى عدة أقوال: القول الأول: أنه لا كفارة عليه، وإنما يستغفر الله ويتوب إليه مما وقع فيه من الإثم، وبه قال الجمهور (أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي في الجديد (٣)، وأحمد في غير المشهور عنه) (٤). وحُجَّة الجمهور: قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. إذن، حرمَ الوطء لأجل الأذى، فَمَنْ وقَع في ذلك، فليستغفر الله، ولَا كفَّارة عليه، قياسًا على مَن ارتكب الزنا، أو أتى امرأةً في دبرها، والكفَّارةُ إنما ترفع الإثم، وهذه أمورٌ أعظمُ من أَنْ يرتفع إثمها بالكفارة، فعليه التوبة والاستغفار، والعزم على عدم العود إليه مرةً أخرى.

стр. 695

ونقل عن الشافعي ﵀ أنه قال: " لو صح حديث عبد الله بن عباس لأخذتُ به، والشافعية على أن الحديث لا يصح " (١). القول الثاني: أن عليه كفارةً، فيَتصدَّق بدينار، أو بنصف دينار، وبه قال أحمد ﵀ (٢). وَاستدلُّوا بحديث ابن عباس ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: " أَنَّهُ يَتَصَدَّق بِدِينَارٍ " (٣)، وَرُوِيَ عَنْهُ: " بِنِصْفِ دِينَارٍ " (٤)، وأنَّ هذا على التَّخيير. القَوْل الثَّالث: أنَّ عليه الكفارة، لكن إنْ وطئ في الدم، فَعَليه دينارٌ، وإنْ وَطئ في انقطاع الدم، فنصف دينارٍ. وبه قال جماعةٌ من أهل الحديث (٥). وَاستدلُّوا بحديث ابن عبَّاس السابق، وفهموا أن الأمرَ فيه على التقسيم لا على التخيير، ففي رواية: " إِنْ وَطِئَ فِي الدَّم، فَعَلَيْهِ دِينَارٌ "، وفي أُخرى: " وَإِنْ وَطِئَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَنِصْفُ دِينَارٍ " (٦).

стр. 696

فَإنْ وقع ذلك منه في أول الدم - ويُعْرف بقوَّة الدَّم أو احمراره - فإنه يتصدَّق بدينار، وإنْ كان ذلك في آخره (أي: في وقت ضَعْفه. وَقيل: بعد انقطاعه) فنصف دينار. وفي المسألة أقوال أُخرى غير ما تقدم: * فنقل عن سعيد بن جبير: إنه يعتق رقبة (١). * وعن الحسن البصري: أنه يُكَفِّرُ كما يُكَفِّرُ المجامع في نهار رمضان (٢). * وعنه روايةٌ أُخرى قال: إما أن يعتق رقبةً، أو أن يهدي بدنةً، أو أن يطعم ستين صاعًا (٣). لكن الأقوال الثلاثة الأُولى أَشْهَرُ. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي صِحَّةِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، أَوْ وَهْيِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: " أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ " (٤)،

стр. 697

وَرُوِيَ عَنْهُ: " بِنِصْفِ دِينَارٍ " (١)، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَنَّهُ " إِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ، فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، وَإِنْ وَطِئَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَنِصْفُ دِينَارٍ " (٢)، وَرُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيثُ: " يَتَصَدَّقُ بِخُمْسَيْ دِينَارٍ " (٣)، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ (٤)، فَمَنْ صَحَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، صَارَ إِلَى العَمَلِ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهَا (وَهُمُ الجُمْهُورُ) عَمِلَ عَلَى الأَصْلِ الَّذِي هُوَ سُقُوطُ الحُكْمِ حَتَّى يَثْبُتَ بِدَلِيلٍ). كلُّ الأحاديث التي تتعلق بهذه المسألة جاءت من طريق عبد الله بن عباس ﵄، وأشهرها تلك التي ذكرها المؤلف، قال: " يَتَصَدَّقُ بدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ "، وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٥)، والترمذي (٦)، والنسائي (٧)، وله روايات متعددة، لكن مدار الخلاف إنما هو على الرواية المذكورة (٨)، فمن أهل العلم مَنْ يُصحِّحها (٩)، وأكثر العلماء على أن بها إرسالًا واضطرابًا (١٠).

стр. 698

واختلف القائلون بوجوب الكفارة في المرأة يأتيها زوجها وهي حائضٌ، هل عليها الكفارة؟ فقال بعضهم (١): لا كفارة عليها. وقَالَ بَعْضهم بالتفصيل (٢): فإن طاوعته، فعليها الكفارة، وإن كانت مكرهةً أو نائمةً أو نحو ذلك، فلا كفارة عليها. وهذه مسألة لم يتعرض لها المؤلف. * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي المُسْتَحَاضَةِ). انتقل المؤلف إلى الكلام عن المُسْتحاضة، وهي التي لا ينقطع عنها الدم (٣). وَهِيَ تختلف في الأحكام المُتعلِّقة بها عن الحائض، فلها أن تُصلِّي، وأن تقرأَ القرآن، وأن تطوف بالبيت مع استحاضتها، بخلاف الحائض (٤)،

стр. 699

وقد وفَّى المؤلف ﵀ هذا البحث حقه، واختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال، سيأتي تفصيلها. * قوله: (فَقَوْمٌ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فَقَطْ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا تَرَى أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا بِإِحْدَى تِلْكَ العَلَامَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلَى حَسَبِ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ فِي تِلْكَ العَلَامَاتِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَقَوْمٌ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَوْمٌ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ لَهَا، وَلَمْ يُوجِبُوهُ عَلَيْهَا، وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فَقَطْ هُمْ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، وَاَكْثَرُ هَؤُلَاءِ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا إِلَّا اسْتحْبَابًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ). هَذَا هُوَ القول الأوَّل: أنَّ المستحاضة تغتسل غسلًا واحدًا إذا انقضت حيضتها، فقوله هنا: " طهرًا "، يعني: غسلًا، وهو قول الجمهور (١)،

стр. 700

وهو إحدى الروايتين عن عليِّ بن أبي طالب (١)، وابن عباس ﵄ (٢). ثمَّ اختلفوا في شأن الوضوء: فَذَهَب أبو حنيفة (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥) إلى أنها تتوضأ لكلِّ صلاةٍ وجوبًا. وذهب مالك (٦) إلى أنها تتوضأ إذا أحدثت، ويبقى وضوؤها لكل صلاة استحبابًا.

стр. 701

* قوله: (وَقَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ رَأَوْا أَنَّ عَلَى المُسْتَحَاضَةِ أَنْ تَتَطَهَّرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ). القول الثاني: أنها تغتسل لكل صلاة وجوبًا. وهو قول عبد الله بن عمر (١)، وعبد الله بن الزبير (٢)، وإحدى الروايتين عن عليِّ بن أبي طالب (٣)، وعبد الله بن عباس ﵄ (٤)، وهو قول عطاء (٥)، وغيره من التابعين (٦).

стр. 702

* قوله: (وَقَوْمٌ (١) رَأَوْا أَنَّ الوَاجِبَ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ العَصْرِ، ثُمَّ تَتَطَهَّرَ وَتَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَكذَلِكَ تُؤَخِّرُ المَغْرِبَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَأَوَّلِ وَقْتِ العِشَاءِ، وَتَتَطَهَّرُ طُهْرًا ثَانِيًا، وَتَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَتَطَهَّرُ طُهْرًا ثَالِثًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَوْجَبُوا عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ). القول الثالث: أن تغتسل ثلاثة أغسال في اليوم والليلة، على التفصيل الذي ذكره المؤلف. * قوله: (وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَمْ يَحُدَّ لَهُ وَقْتًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ) (٢). القول الرَّابع: أنها تغتسل غسلًا واحدًا في اليوم والليلة، وهذا مرَوِيٌّ أيضًا عن عائشة ﵂ (٣). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنْ تَتَطَهَّرَ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ) (٤).

стр. 703

وهذا رَاجعٌ إلى القول الثالث، أما قوله: " من طهرٍ إلى طهرٍ "، فهذا خطأ، والصحيح " من ظهرٍ إلى ظهرٍ "، وبه قال الحسن البصري (١)

стр. 704

وسعيد بن المسيب (١)، أي: تَغْتسل في هذا اليوم عند صلاة الظهر إذا أرادت أن تصلي الظهر، وفي اليوم الثاني كذلك. * قوله: (فَيَتَحَصَّلُ فِي المَسْأَلَةِ بِالجُمْلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، قَوْلٌ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا طُهْرٌ وَاحِدٌ فَقَطْ عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الحَيْضِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا الطُّهْرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ … وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ هُوَ اخْتِلَافُ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الوَارِدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ المَشْهُورَةِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ؛ وَاحِدٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَثَلَاثَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا). القَوْل الأوَّل: لَا يجب عليها الغسل إلا مَرَّةً واحدةً عند إدبار حَيْضتها، بأَدلَّةٍ، منها قول النَّبيِّ ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: " إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي " (٢). وأيضًا لحديث حمنة بنت جحش، قال رسول الله ﷺ : " إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ (٣) مِنْ رَكضاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ، فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ

стр. 705

لَيْلَةً، أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ … " (١). القول الثاني: أن تغتسل لكل صلاة، واستدلوا بأدلة، منها: حديث أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة أن امْرَأةً كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرَّحمن بن عوف، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَها أن تغتسل عند كل صَلَاةٍ وتُصلِّي (٢). وَفِي رِوَايةٍ لحديث عائشة أنَّ زينب بنت جحش اسْتُحِيضَتْ على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة، فإن كانت لتدخل المركن مملوءًا ماءً، فتنغمس فيه، ثم تخرج منه، وإن الدم لغالبه، فتخرج فتصلي (٣). القول الثالث: أن تغتسلَ لكلِّ صلاتين مجموعتين، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، واستدلوا بأدلة، منها حديث أسماء بنت عُمَيس قالت: قلت: يا رسول الله، إنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصلي، فقال رَسُولُ الله ﷺ : " سبحان الله! إنَّ هذا من الشيطان، لتجلس في مِرْكَنٍ (٤)، فإذا رأت صفرةً فوق الماء، فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتَغْتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا " (٥). القول الرابع: أن تغتسل في كل يوم غسلًا واحدًا، واستدلوا بأدلة، منها: حديث فاطمة بنت أبي جحشٍ أنها جاءت إلى عائشة فَقَالتْ: إنِّي أخاف أن أقَعَ في النار، إني أدع الصلاة السَّنَة والسنتين لا أصلي، فقالت
следующие страницы →