← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

بقية الطهر الذي طلَّقها فيه - ولو أنها ساعة أو أقل أو أكثر - ثم الحيضة التي تلي بقية ذلك الطهر، ثم طهر ثانٍ كامل، ثم الحيضة التي تليه، ثم طهر ثالث كامل، فإذا رأت أثره أول شيءٍ من الحيض فقد تمت عدتها، ولها أن تُنكح حينئذٍ إن شاءت. قوله: (وَأَمَّا الْأَمَةُ الْمُطَلَّقَةُ الْيَائِسَةُ مِنَ الْمَحِيضِ أَوِ الصَّغِيرَةُ: فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَأكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (٢)، قَالُوا: عِدَّتُهَا ثَلَاتةُ أَشْهُر، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالثَّورِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ (٥): عِدَتُهَا شَهْرٌ وَنِصْفُ شَهْرٍ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ إِذَا قُلْنَا بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ، فَكَأَنَّ مَالِكًا اضْطَرَبَ قَوله، فمَرَّةً أَخَذ الْعُمُوم، وَذَلِكَ فِي

стр. 6407

الْيَائِسَاتِ، وَمَرَّةً أَخَذَ بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ فِي ذَوَاتِ الْحَيْضِ، وَالْقِيَاسُ فِي ذَلك وَاحِدٌ). من إنصاف المؤلف كعادته أن ينتصر للحقِّ الذي يراه ولو خالف إمام مذهبه، وما أحوجنا إلى كثيرٍ من هذا الإنصاف في هذا الزمان. قوله: (وَأَمَّا الَّتي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُها مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ: فَالْقَوْلُ فِيها هُوَ الْقَوْلُ فِي الْحُرَّةِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِك، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ). التي يرتفع الحيض عنها بدون سبب ظاهرٍ أو معلوم، فحكمها حكم الحُرَّة، وكذلك المستحاضة مثلها. قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا عِدةَ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ فِي الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا؛ هَلْ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً أَمْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَار: تَسْتَأْنِفُ، وَقَالَتْ فِرقَةٌ: تَبْقَى فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهَا الْأَوَّلِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ (١)، وَقَالَ دَاوُدُ (٢): لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُتِمَّ عِدَّتَهَا وَلَا عِدةً مُسْتَأنَفَةً). قال الجمهور: لو راجع الزوج زوجته المعتدة في أثناء مدة العدة، ثم قام بطلاقها قبل أن يدخل بها، فإنها تستأنف العِدَّة. وأما الظاهريَّة: ليس على المرأة أن تُتمَّ العدَّة أصلًا، فضلًا عن عدَّةٍ مُستأنفةٍ.

стр. 6408

قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ رَجْعَةٍ تَهْدِمُ الْعِدَّةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسِيسٌ، مَا خَلَا رَجْعَةَ الْمولِي، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ وَقَبْلَ الْوَطْءِ ثَبَتَتْ عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَظْهَر، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ رَجْعَةُ الْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ تَقِفُ صِحَّتُهَا عِنْدَهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ: فَإِنْ أَنْفَقَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ وَهُدِمَتِ الْعِدَّةُ إِنْ كَانَ طَلَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ بَقِيَتْ عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى). مثلًا: راجع الزوج زوجته المعتدة في أثناء مدة العدة، ثم قام بطلاقها بعد الرجعة وقبل أن يدخل بها. فتثبت على العدة الأولى عنده الشافعي، وهو الذي استظهره المؤلف. قوله: (وَإِذَا تَزَوَّجَتْ ثَانِيًا فِي الْعِدَّةِ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (٢): إِحْدَاهُمَا: تَدَاخُلُ الْعِدَّتَيْنِ، وَالْأُخْرَى نَفْيُهُ. فَوَجْهُ الْأُولَى: اعْتِبَارُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَاصِلٌ مَعَ التَّدَاخُلِ، وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: كَوْنُ الْعِدَّةِ عِبَادَةً، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ، إِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ مَضَتْ عَلَى عِدَّةِ الْأَمَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَمْ تَنْتَقِلْ إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): تَنْتَقِلُ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا). طلَّق الزوج زوجته المعتدة ثم في أثناء مدة العدة، قام بطلاقها.

стр. 6409

قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلِ الْعِدَّةُ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ أَمْ مِنْ أَحْكَامِ انْفِصَالِهَا؟ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ قَالَ: لَا تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا، وَمَنْ قَالَ مِنْ أَحْكَامِ انْفِصَالِ الزَّوْجِيَّةِ قَالَ: تَنْتَقِل، كمَا لَوْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ زَوْجَةٌ ثُمَّ طُلِّقَتْ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ فَبَيِّنٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجْعِيَّ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِصْمَةِ، وَلذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ الْمِيرَاثُ بِاتِّفَاقٍ إِذَا مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى عِدَّةِ الْمَوْتِ. فَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ قِسْمَيِ النَّظَرِ فِي الْعِدَّةِ). هل تعتبر العدة من أحكام الزوجية أو من أحكام انفصال الزواج؟ لو قلنا: من أحكام الزوجية؛ فيترتب على ذلك عدم نقل العدة. ولو قلنا: من أحكام انفصال الزواج؛ فيترتب على ذلك القول بنقل العدة. هنا انتهى المؤلف من القسم الأول. [الْقِسْمُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقِسْمُ الثَّانِي: وَأَمَّا النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الْعَدَدِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى (١)، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الرَّجْعِيَّاتِ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]).

стр. 6410

هذا قد وقع عليه الإجماع بين الفقهاء، النفقة والسكن للمعتدة الرجعية، وكذلك للحامل. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي سُكْنَى الْمَبْتُوتَةِ وَنَفَقَتِهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ (١)، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ (٢)، وَدَاوُدَ (٣)، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ (٤)، الثَّالِثُ: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٥)، وَالشَّافِعِيِّ (٦)، وَجَمَاعَةٍ (٧)). معنى البتة هنا: الطلاق. قال بعضهم: للمطلقة المبتوتة النفقة والسكنى على زوجها الذي طلقها، وشبهها سفيان بالحامل.

стр. 6411

وقال الآخرون: ليس هو كما قال؛ لأن الله يقول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، ثم قال ﵎: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فإن كانت النفقة تجب كما تجب السكنى لما كان للاختصاص معنى، فوجب بهذا النص أنها الحامل التي لا يملك زوجها رجعتها، وأما التي يملك زوجها رجعتها فلها النفقة عليه في العدة، حاملًا كانت أو غير حاملٍ. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لَهُ: فَاسْتَدَلَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْ لَهَا نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: "طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا على عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً" خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (١)، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ" (٢)، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٣)). قال قومٌ: لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة. وذهبوا إلى الحديث الذي ذكر عن فاطمة بنت قيس أنَّ النبي ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، وتأولوا قول الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ أن ذلك إنما هو في المرأة التي تطلق واحدة أو اثنتين ويملك زوجها رجعتها، قال: ولو كان ذلك كما تأولوا لكان: أسكنوهن حيث سكنتم وأنفقوا عليهن، ولم يستثن النفقة على الحامل خاصة؛ لأنَّ التي يملك زوجها رجعتها لها أحكام الزوجات في السكنى والنفقة لا فرق

стр. 6412

بينهما وبين التي لم تطلق في ذلك، فعلمنا أنه لما استثنى النفقة منهن لذوات الأحمال أنها ليست التي يملك زوجها رجعتها. قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ: فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ : "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" (١)، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إِسْقَاطَ السُّكْنَى، فَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وَعَلَّلُوا أَمْرَهُ ﵊ بِأَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بِأَنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهَا بَذَاءٌ (٢)). فاحتجوا في سقوط نفقة المبتوتة: بالحديث المذكور عن فاطمة بنت قيسٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: "ليس لك نفقةٌ" وأوجب عليها السكنى ثم نقلها عن موضعها لعلةٍ قال: وإنما أسكنها في بيت ابن أم مكتومٍ؛ لأنها كان في لسانها ذَرَبٌ. قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ: فَصَارُوا إِلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. وَصَارُوا إِلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا لِكَوْنِ النَّفَقَةِ تَابِعَةً لِوُجُوبِ الْإِسْكَانِ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَفِي الْحَامِلِ وَفِي نَفْسِ الزَّوْجِيَّةِ.

стр. 6413

وَبِالْجُمْلَةِ: حَيْثُمَا وَجَبَتِ السُّكْنَى فِي الشَّرْعِ وَجَبَتِ النَّفَقَة، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ هَذَا: لَا نَدَعُ كتَابَ نَبِيِّنَا وَسُنَّتَهُ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ (١)، يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ سُنَّتِهِ ﵊ أَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ حَيْثُ تَجِبُ السُّكْنَى، فَلِذَلِكَ الْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لَهَا الْأمْرَيْنِ جَمِيعًا مَصِيرًا إِلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْمَعْرُوفِ مِنَ السُّنَّةِ، وَإِمَّا أَنَّ يُخَصَّصَ هَذَا الْعُمُومُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ الْمَذْكورِ). من أثبت لها السكنى والنفقة، فتعلَّق بقول الله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. وأما النفقة فلأنها محبوسة عليه، وهذا عنده توجب لها النفقة. قوله: (وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ إِيجَابِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فَعَسِيرٌ، وَوَجْهُ عُسْرِهِ ضَعْفُ دَلِيلِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَكُونُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: فِي طَلَاقٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوِ اخْتِيَارِ الْأَمَةِ نَفْسَهَا إِذَا أُعْتِقَتْ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فِي الْفُسُوخِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهَا). اتفق الفقهاء كلهم على أنَّ العدة تجب على الزوجة من وقت موت الزوج، سواءٌ كان جامعها أو لم يكن قد جامعها، وسواءٌ كان قد دخل بها أو لم يدخل بها. قوله: (وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ فِي الْعِدَّةِ يَتَعَلَّقُ فِيهِ أَحْكَامُ عِدَّةِ الْمَوْتِ رَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهَا هَا هُنَا، فَنَقُولُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ

стр. 6414

عِدَّةَ الْحُرَّةِ مِنْ زَوْجِهَا الْحُرِّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ (١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ، وَفِي عِدَّةِ الْأَمَةِ إِذَا لَمْ تَأْتِهَا حَيْضَتُهَا فِي الأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَعَشْرٍ مَاذَا حُكْمُهَا؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) إِلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ تَمَامِ هَذِهِ الْعِدَّةِ أَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً وَاحِدَةً فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَهِيَ عِنْدَهُ مُسْتَرَابَةٌ، فَتَمْكُثُ مُدَّةَ الْحَمْلِ. وَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّهَا قَدْ لَا تَحِيضُ، وَقَدْ لَا تَكُونُ مُسْتَرَابَةً، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا فِي الْحَيْضِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَهَذَا إِمَّا غَيْرُ مَوْجُودٍ - أَعْنِي: مَنْ تَكُونُ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ - وَإِمَّا نَادِرٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَنْ هَذِهِ حَالُهَا مِنَ النِّسَاءِ إِذَا وُجِدَتْ، فَقِيلَ: تَنْتَظِرُ حَتَّى تَحِيضَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (٣): تَتَزَوَّجُ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: أَبِي حَنِيفَةَ (٤)،

стр. 6415

وَالشَّافِعِيِّ (١)، وَالثَّوْرِيِّ (٢)). لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ولأن المقصود أصلًا أن نتعرف على درجة براءة الرحم، ومن المعلوم أنه لا توجد البراءة مع وجود حملٍ. ولذلك قال عمر ﵁: "لو وضَعَتْ وزوجها على سريره لانقضت عدتها وحلَّ لها أن تتزوج" (٣). وقوله: "على سريره" يريد النعش الذي يحمل عليه الميت. وهذا القول من عمر ﵁ مبالغة في الحكم بأن العدة تنقضي بالوضع، فإنها تحل للأزواج ولو كان الوضع قبل أن يدفن زوجها - والله أعلم. (وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ الْحَامِلُ الَّتِي يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَجَمِيعُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَار (٤): عِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، مَصِيرًا إِلَى

стр. 6416

عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي الطَّلَاقِ. وَأَخْذًا أَيْضًا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ. "أَن سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ وَفِيهِ: "فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ" (١)). ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف: إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل؛ بدليل: أَن سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ. فهي تقول: فأفتاني رسول الله ﷺ بأني قد حللت للأزواج حين وضعت حملي، وأمرني ﷺ أمر إرشادٍ وبيانٍ - بالتزويج إن بدا لي أن أتزوج، فلا حرج لانقضاء العدة بوضع الحمل. قوله: (وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِدَّتَهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ (٢)، يُرِيدُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ: إِمَّا الْحَمْل، وَإِمَّا انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ عِدَّةِ الْمَوْتِ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٣) ﵁، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ عُمُومِ آيَةِ الْحَوَامِلِ وَآيَةِ الْوَفَاةِ). روي عن عليٍّ وابن عباسٍ: أنها تعتد آخر الأجلين. وتفسيره: أن تمكث حتى تضع حملها، فإن كانت مضت من مدة الحمل من وقت وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرًا فقد حلت، وإن وضعت قبل ذلك تربصت إلى أن تستوفي المدة من الأيام والليالي.

стр. 6417

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي عِدَّةِ مِلْكِ الْيَمِينِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَأَمَّا الْأَمَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا مَنْ تَحِلُّ لَه، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً، أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ غَيْرَ أُمِّ وَلَدٍ، فَأَمَّا الزَّوْجَةُ: فَقَالَ الْجُمْهُورُ (١): إِنَّ عِدَّتَهَا نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ قَاسوا ذَلِكَ عَلَى الْديةِ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢): بَلْ عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ مَصِيرًا إِلَى التَّعْمِيمِ). استدلَّ الجمهور بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. وبأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان" (٣). يعني: أن الحيضة لا تتبعض، فلذلك كانت عدتها حيضتين. وقال أهل الظاهر: الله علَّمنا العدد في الكتاب فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.

стр. 6418

وقد علم الله إذ أباح لنا زواج الإماء أنه يكون عليهن العدد المذكورات فما فرق دين حرةٍ ولا أمة في ذلك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. ونعوذ بالله تعالى من الاستدراك على الله ، والقول عليه بما لم يقل، ومن أن نشرع في الدين ما لم يأذن به الله. فهذه حُجة الظاهريَّة. قوله: (وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ: فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَاللَّيْث، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَجَمَاعَةٌ (٤): عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ (٥)، وَقَالَ مَالِكٌ (٦): وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَلَهَا السُّكْنَى؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابُهُ (٧)، وَالثَّوْرِيُّ (٨): عِدَّتُهَا ثَلَاثُ

стр. 6419

حِيَضٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ (١)، وَابْنِ مَسْعُودٍ (٢)، وَقَالَ قَوْمٌ (٣): عِدَّتُهَا نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. وَقَالَ قَوْمٌ (٤): عِدَّتُهَا عِدَّةُ الحُرَّةِ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا). اختلفوا في عدة أم الولد: ١ - فقال مالك والشافعي وأحمد: عدتها حيضة. ٢ - وقال الأحناف؛ عدتها ثلاث حيض. ٣ - وذهب قومٌ في ذلك إلى حديث عمرو بن العاص وقالوا: تعتد أم الولد أربعة أشهر وعشرًا كالحرة. قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ: أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً فَتَعْتَدَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَلَا مُطَلَّقَةً فَتَعْتَدَّ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اسْتِبْرَاءُ رَحِمِهَا، وَذَلِكَ يَكُونُ بِحَيْضَةٍ تَشْبِيهًا بِالْأَمَةِ يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُهَا، وَذَلِكَ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْعِدَّةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ حُرَّةٌ وَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَلَا بِأَمَةٍ فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ أَمَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَبْرِئَ رَحِمَهَا بِعِدَّةِ الْأَحْرَارِ). أي أنه: لما لم تكن أم الولد من الزوجات المطلقات لم تؤمر إذا توفي سيدها بثلاث حيض، ولما لم تكن من الزوجات المتوفى عنهن

стр. 6420

أزواجهن لم تؤمر بعدة أربعة أشهر وعشرًا، فلما لم تكن مطلقة ولا متوفى عنها زوجها أمرت أن تستبرئ بحيضةٍ كما يفعل بها في البيع، فإن لم تحض فثلاثة أشهرٍ، إلا أن تستريب نفسها فتقعد حتى تذهب الريبة، إلا أن يأتي عليها من الزمان ما لا تكون حاملًا في مثله، فيكون ذلك براءةً لها، وتنكح إن شاءت. قوله: (أَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا لَهَا عِدَّةَ الْوَفَاةِ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: "لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (١)، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ (٢)). قال بعضهم: هذه قصةٌ غير صحيحةٍ. قوله: (لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا): يحتمل وجهين: الأول: أن يريد بذلك سنة كان يرويها عن رسول الله ﷺ نصًّا. والآخر: أن يكون ذلك منه على معنى السنة في الحرائر. ولو كان معنى السنة التوقيف لأشبه أن يصرَّح به، وأيضًا فإنَّ التلبيس لا يقع في النصوص، وإنما يكون غالبًا في الرأي. وتأوَّله بعضهم: على أنه إنما جاء في أم ولدٍ بعينها كان أعتقها صاحبها ثم تزوجها، وهذه إذا مات عنها مولاه الذي هو زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشرًا إن لم تكن حاملًا بلا خلاف بين العلماء.

стр. 6421

قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ تَشْبِيهًا بِالزَّوْجَةِ الْأَمَةِ: فَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّهَا مَسْكُوتٌ عَنْهَا، وَهِيَ مُتَرَدِّدَةُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ، وَأَمَّا مَنْ شَبَّهَهَا بِالزَّوْجَةِ الْأَمَةِ فَضَعِيفٌ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ مَنْ شَبَّهَهَا بِعِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ) (١). قال بعضهم: على الأمة المتوفى عنها زوجها عدة الوفاة؛ لأنها من الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، إلا أن عدتها في الوفاة شهران وخمسُ ليالٍ، وعدتها في الطلاق قرآن، من أجل أن القرء الواحد لا نصف له ولا يتبعض، فإنما عليها قرآن، وقال الله ﵎ في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فلما كان عليها نصف حد الحرة، كانت عدتها مثل نصف عدة الحرة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمُتْعَةِ] اختلف العلماء في المتعة، فقالت طائفةٌ: المتعة واجبةٌ للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يُسمِّ لها صداقًا، وقالوا: ولا يُجمع مهرٌ مع المتعة. وقالت طائفةٌ: لكُلِّ مُطلَّقة متعةٌ مدخولًا بها كانت أو غير مدخولٍ بها، إذا وقع الفراق من قبله ولم يتم إلا به إلا للتي سَمَّى لها وطلَّقها قبل الدخول.

стр. 6422

قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي كُلِّ مُطَلَّقَةٍ (١)، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٢): هِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِهَا فِي بَعْضِ الْمُطَلَّقَاتِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا مُسَمًّى؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): هِيَ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إِذَا كَانَ

стр. 6423

الْفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ إِلَّا الَّتِي سُمِّيَ لَهَا وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ). فمثلًا إن فرض لها بعد العقد، ثم طلقها قبل الدخول، فلها نصف ما فرض لها، ولا متعة عند بعضهم. وقال بعضهم كأبي حنيفة: أن لها المتعة، يسقط المهر؛ لأنه نكاح عري عن تسميته، فوجبت به المتعة، كما لو لم يفرض لها. ولكن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. قوله: (وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فَاشْتَرَطَ الْمُتْعَةَ مَعَ عَدَمِ الْمَسِيسِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فَعُلِمَ أَنَّه لَا مُتْعَةَ لَهَا مَعَ التَّسْمِيَةِ وَالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ؛ لِأنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِبْ لَهَا الصَّدَاقُ فَأَحْرَى أَنْ لَا تَجِبَ لَهَا الْمُتْعَة، وَهَذَا لَعَمْرِي مُخَيِّلٌ، لِأَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يجِب لَهَا صَدَاقٌ أُقِيمَتِ الْمُتْعَةُ مَقَامَه، وَحَيْثُ رَدَّتْ مِنْ يَدِهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ لَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ). كأن أبا حنيفة ﵀ يقول: وجدنا النساء في المتعة على ثلاثة أنواع، فكانت الآية التي فيها ذكر المعين لنوعين منهنَّ من المطلقات بعد الدخول إن كان فُرض لها صداقٌ أو لم يُفرض، والمطلقات قبل الدخول مع تسمية صداقهن، فلأولئك المهور كوامل بالمسيس، ولهؤلاء الشطر منها بالتسمية، فلما صار هذان الحقان واجبين، كانت المتعة حينئذٍ تَقْوى من الله غير واجبةٍ، ووجدنا الآية التي فيها ذكر المُوسِر والمُقْتر هي للنصف الثالث، وهي للمُطلَّقات من غير دخولٍ بهنَّ ولا فَرْضٌ لهُنَّ، وذلك

стр. 6424

قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فصارت المتعة لهن حتمًا واجبًا، ولولا هذه المتعة لصار عقد النكاح إذًا يذهب باطلًا من أجل أنهن لم يمسسن، فيستحققن الصدقات ولم يفرض لهن، فيستحققن أيضًا فيها، فلا بُدَّ من المُتعَةِ على كُلِّ حالٍ. قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَيَحْمِلُ الْأَوَامِرَ الْوَارِدَةَ بِالْمُتْعَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦] عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ مُطَلَّقَةٍ، إِلَّا الَّتِي سُمِّيَ لَهَا وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ: فَحَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى الْعُمُومِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَا مُتْعَةَ لَهَا لِكَوْنِهَا مُعْطِيَةً مِنْ يَدِهَا، كَالْحَالِ فِي الَّتِي طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ فَرْضِ الصَّدَاقِ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَقُولُونَ: هُوَ شَرْعٌ فَتَأْخُذُ وَتُعْطِي). احتج الشافعي بما جاء عن ابن عمر، أنه قال: "لكل مطلقةٍ متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداقٌ ولم تمس، فحسبها نصف ما فرض لها" (١). وكأنَّ ابن عمر استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، فاستدل بالقرآن على أنها مخرجةٌ من جميع المطلقات. ولعله رأى أنه إنما أريد أن تكون المطلقة تأخذ بما استمتع به زوجها منها عند طلاقها شيئًا، فلما كانت المدخول بها تأخذ شيئًا، وغير المدخول بها تأخذ أيضًا إذا لم يفرض لها، وكانت التي لم يدخل بها، وقد فرض لها تأخذ بحكم الله نصف المهر، وهو أكثر من المتعة، ولم يستمتع منها بشيءٍ، فلم تجب لها متعةٌ.

стр. 6425

قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ بِالْمُتْعَةِ عَلَى النَّدْبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أَيْ: عَلَى الْمُتَفَضِّلِينَ الْمُتَجَمِّلِينَ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْإِجْمَالِ وَالْإِحْسَانِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ). احتج من لم يوجب المتعة أصلًا، فقال: قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعوُهُنَّ﴾، وإن كان ظاهره الوجوب، فقد قرن به ما يدل على الاستحباب، وذلك أنه تعالى قرن بين المعسر والموسر، والواجبات في النكاح على ضربين، إما أن يكون على حسب حال المنكوحات كالصداق الذي يرجع فيه إلى صداق مثلها، أو يكون على حسب حالهما جميعًا كالنفقات، والمتعةٌ خارجةٌ من هذين المعنيين؛ لأنه اعتبر فيها حال الرجل وحده بأن يكون على الموسر أكثر مما على المعسر، وأيضًا فإنَّ المتعة لو كانت فرضًا كانت مقدرةً معلومةً كسائر الفرائض في الأموال، ولم نر فرضًا واجبًا في المال غير معلومٍ، فلما لم تكن كذلك خرجت من حدِّ الفرائض إلى حدِّ الندب، وصارت كالصلة والهدية، وأيضًا فإن الله تعالى لما علَّقها بقوم دل على أنها غير واجبةٍ؛ لأن الواجبات ما لزممت الناس عمومًا كالصلاة والصيام والحج والزكاة، فلما قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ سقط وجوبها عن غيرهم. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمُعْتَدَّةِ هَلْ عَلَيْهَا إِحْدَادٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهَا إِحْدَادٌ) (١). قال مالك: لا إحداد على مطلقة، وبه قال الشافعي (٢).

стр. 6426

وقال أبو حنيفة: عليها الإحداد (١). واختُلف عن أحمد (٢). ودليل مالك: ١ - أن هذه مطلقةٌ فلا إحداد عليها؛ كالرجعية. ٢ - أنَّ المُتوفَّى فارق زوجته وهو على نهاية الإشفاق عليها والرغبة فيها، ولم تكن المفارقة من قِبَله فلزمها لذلك الإحداد وإظهار الحزن، والمُطلَّقة فارقها مختارًا لفُراقها مُقابحًا لها فلا يَتعلَّق بها حُكم الإحداد؛ كالملاعِنة. (بَابٌ فِي بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ) قال المصنف رحمه الله تعالى: (اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ إِذَا وَقَعَ التَّشَاجُرُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (٣)؛ وَجُهِلَتْ أَحْوَالُهُمَا فِي

стр. 6427

التَّشَاجُرِ - أَعْنِي: الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِلِ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] الْآيَةَ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ (١): أَحَدُهُمَا مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ، وَالْآخَرُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ، إِلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ فِي أَهْلِهِمَا مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَيُرْسَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا لَمْ يَنْفُذْ قَوْلُهُمَا (٢)، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا نَافِذٌ بِغَيْرِ تَوْكيلٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ (٣)). لو أن رجلًا وامرأته اشتكيا إلى السلطان، وكل واحدٍ منهما يدعي أن صاحبه مضرٌّ به فلم يتبين للسلطان من الناشز منهما، والناشز منهما هو المبغض المسيء الصحبة لصاحبه، فإذا جهل ذلك من أمورهما وجب على السلطان أن يبعث رجلًا صالحًا من أهل الزوجة، وآخر من أهل الزوج، فيحكمهما بين ذلك الرجل وامرأته، ويفوض إليهما أمرهما. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْرِيقِ الْحَكَمَيْنِ بَيْنَهُمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ هَلْ يُحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ مِنَ الزَّوْجِ أَوْ لَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٤): يَجُوزُ قَوْلُهُمَا فِي الْفُرْقَةِ وَالاجْتِمَاعِ بِغَيْرِ تَوْكيلِ الزَّوْجَيْنِ وَلَا

стр. 6428

إِذْنٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَأَصْحَابُهُمَا: لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ الزَّوْجُ إِلَيْهِمَا التَّفْرِيقَ، وَحُجَّةُ مَالِكٍ مَا رَوَاهُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ: إِلَيْهِمَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الزوْجَيْنِ وَالْجَمْعُ (٤)، وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِيَدِ أَحَدٍ سِوَى الزَّوْجِ أَوْ مَنْ يُوَكِّلُهُ الزَّوْجُ). يقول بعض أهل العلم: للحكمين ما رأيا من فرقةٍ بينهما أو اجتماعٍ، وينبغي للحكمين أن يسألا أهل المعرفة بهما، ويكشفان عن أمورهما، فإذا بلغا في الكشف عنهما أكثر ما يستطيعان من ذلك حكما بينهما ولزمهما ذلك. قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْحَكَمَيْنِ يُطَلِّقَانِ ثَلَاثًا، فَقَالَ أبُو الْقَاسِمِ (٥): تَكُونُ وَاحِدَةً، وَقَالَ أَشْهَبُ وَالْمُغِيرَةُ: تَكُونُ ثَلَاثًا

стр. 6429

إِنْ طَلَّقَاهَا ثَلَاثًا، وَالْأَصْلُ أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا أَنَّهُ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: هَلْ تَدْرِيَان مَا عَلَيْكُمَا؟ إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقًا فَرَّقْتُمَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِمَا فِيهِ لِي وَعَلَيَّ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ لَا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّتْ بِهِ الْمَرْأَةُ (١)، قَالَ: فَاعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ إِذْنَه، وَمَالِكٌ يُشَبِّهُ الْحَكَمَيْنِ بِالسُّلْطَانِ، وَالسُّلْطَانُ يُطَلِّقُ بِالضَّرَرِ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا تبَيَّنَ). إن رأيا أن يفرقا بينهما على ألا يأخذ واحدٌ منهما من صاحبه شيئًا فعلاه، وإن رأيا أن يأخذ الرجل من المرأة شيئًا ويطلقاها عليه فَعَلا، وإن رأيا أن يقرَّاهما على نكاحهما فعَلا، فإن رأيا أن يطلقاها عليه بواحدةٍ فَعَلا، ولا يطلقاها عليه بأكثر من واحدةٍ في قول بعضهم. وقال آخرون: ما طلقا به من واحدةٍ أو ثلاثٍ لزم الزوج.

стр. 6430

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [كِتَابُ الإِيلاءِ] (١) (وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وَ"الإِيلَاءُ": هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَلَّا يَطَأَ زَوْجَتَه، إِمَّا مُدَّةً هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، أَوْ بِإِطْلَاقٍ عَلَى الاخْتِلَافِ المَذْكُورِ فِي ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ).

стр. 6431

والإيلاء في اللغة: هو القَسَم، تقول: (آليتُ أن أَفعَل كذا)، أي: أقسَمتُ وحلَفتُ أن أَفعلَه، وتقول: (آليتُ ألا أَفعَل كذا)، أي: أقسَمتُ ألا أَفعَلَه. وفي الشرع: أن يَحلِف الرجل ألَّا يطأ زَوجَتَهُ مدَّة أربعة أشهُرٍ، أو أكثر مِن أربعةِ أَشهُرٍ، وَفْقَ الخلاف الموجود بين العلماء في هذه المسألة. وجمهور أهل العلم قد ذهبوا إلى أن الإيلاء هو الحلف على عدم وطءِ الزوجة أكثر من أربعة أشهر (١)، أمَّا القول الآخر بأن الإيلاء يكون أربعة أشهر إنما هو مذهب الأحناف (٢) كما سيأتي، ولذلك أَوْرَدَ المؤلِّف قول الجمهور أوَّلًا.

стр. 6432

وقد جاء في الحديث الصحيح عن جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ ، حَدَّثَ "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ" (١)، فقوله: "يتألَّى عليَّ" (٢)، أي: يُقسِمُ عليَّ، ولذلك أحبطَ الله عملَهُ وغفرَ للآخَر؛ لأنَّ التعذيب والعفو كلاهما من الأمور التي تخضع لإرادة الله سبحانه تعالى. هذا إلى جانب ما ورد في السُّنة المطهَّرة من حديث رسول الله، أنه ﷺ : "آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ" (٣). وأَصْلُ هذَا الباب: هو الآية الكريمة التي أوردها المؤلف في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، فهي نَصٌّ صريحٌ في الإيلاء، وبالرغم من كونها آيةً واحدةً إلا أن المتأمّل فيها يجدها قد اشتمَلَت على جملةٍ من الأحكام، وهذه الأحكام قد تَناوَلَها المؤلِّف في عشر مسائل، وتناوَلَتها الكُتُب المُطَوَّلة في أضعاف ذلك، وهذه هي عادة المؤلف حيثُ يتناول أُمَّات المسائل ولا يتتبع المسائل الفرعية، ولذا فإن هذه الآية أصلٌ في باب الإيلاء. فقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾. أي: يَحلِفُون، وفي قراءة أُبَيِّ بن كعبٍ وابن عباسٍ جاءت: ﴿لِلَّذِين يُقْسِمُون﴾ (٤)، وقد فسَّرَها ابن عباسٍ بأن معناها أنهم يَحلِفون بالله ، وسيأتي أن هذا التفسير قد احتجَّ به القائلون

стр. 6433

باقتصار الإيلاء على أن يكون باسمٍ من أسماء الله تعالى أو صفةٍ من صفاته ؛ فيُستَفَاد من هذا أن الإيلاء إنما يَحصُل إذا وُجِد يمينٌ، أما إذا لم يكن يمينٌ فإن الإيلاء لا يَحصُل، فلو أن إنسانًا تَرَكَ زَوجَتَه دون أن يُجامِعَها فالصحيح في هذا الفعل منه أنه لا ينطلق عليه اسم الإيلاء، وإن كان في المسألة شيءٌ من الخلاف. ومن المعلوم أن عبد الله بن عباسٍ هو حَبْرُ هذه الأمَّة، وهو الذي دعا له رسول الله ﷺ أن يُفقِّهَه اللّهُ في الدِّين ويُعلِّمَه التأويلَ، فهو مِن أَعلَمِ الصحابة بكتاب الله وأَكثَرِهم له فَهْمًا (١). ومن المسائل التي يتناولها هذا الباب: سبب الإيلاء: بمعنى أن الرجل الذي يُولِي من زوجته ويحلف ألَّا يطأها أربعةَ أشهرٍ أو أكثر من ذلك، هل يُولِي منها بسبب الغضب فقط، أم أن إيلاءَه منها يُعتَبَرُ في كلِّ أحواله. وقد وَرَدَ في هذا أثرٌ عن عليِّ بن أبي طالب (٢) وعبد الله بن عباسٍ (٣) ﵄ أنهما قالا: "الإيلاء في حالة الغضب". والصحيح: أن الإيلاء لا يقتصر على حالة الغضب، وإنما يكون في كلِّ الحالات؛ لأن الآية قد ورَدَت مُطلَقةً في هذا الشأن. ولذلك وَرَدَ عن الإمام التابعي الجليل محمد بن سيرين أنه ناظَرَ رجلًا، فاحتَجَّ الرجل على ابن سيرين بهذا الأثر الوارد عن عليٍّ باقتصار الإيلاء على وقت الغضب، فكان جواب ابن سيرين ﵀ أن أورَدَ له الآية (٤)، فَسَكَتَ الرجلُ حينئذٍ وتوقف لَمَّا تَبَيَّنَ له رجحانُ قول ابن سيرين

стр. 6434

وقوةُ ما استدلَّ به؛ لأن هناك فرقًا بين الاستدلال بكلام الله والاستدلال بكلام أيّ إنسان حتى لو كان من الصحابة، فقول الله مُقدَّمُ على قول مَن عداه. قوله: (وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ فِي الإِيلَاءِ فِي مَوَاضِعَ (١)، فَمِنْهَا: هَلْ تُطَلَّقُ المَرْأَةُ بِانْقِضَاءِ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ المَضْرُوبَةِ بِالنَّصِّ لِلْمُولِي، أَمْ إِنَّمَا تُطَلَّقُ بِأَنْ يُوقَفَ بَعْدَ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ؛ فَإِمَّا فَاءَ، وَإِمَّا طَلَّقَ؟). ومعنى "فَاءَ"، أي: رَجَعَ إلى وطءِ زوجته وجِماعِها (٢). والمؤلف هاهنا يُقدِّمُ - كعادته - مَدخلًا لمسائله، أو رؤوس أقلامٍ كما نسميها اليوم. وهذه المسألة تُسَمَّى مسألة الفيئة، فإن الله تعالى يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، وهذه المسألة محلّ خلافٍ بين أهل العلم، حيثُ ذهب الحنفية إلى أن الفيئة يشترط فيها أن تكون أثناء مدّة الإيلاء، بحيثُ إذا انتهت المدَّة وَجَبَ وقوع الطلاق (٣)، أمَّا الأئمة (مالكٌ (٤)، والشافعي (٥)، وأحمد (٦)) فإنهم ذهبوا إلى أن ذلك يتوقَّف على

стр. 6435

مطالَبة الزوجة، بحيثُ إن طالَبَتا بالفيئة أُجبِرَ عليها الزوج، فإن لم يَفِئْ أُمِرَ بالطلاق، وإلا طَلَّقَ عليه الحاكم لوقوع الضرر على الزوجة، عملًا بقوله ﷺ : "لا ضرَر ولا ضرار" (١). قوله: (وَمِنْهَا: هَلِ الإِيلَاءُ يَكُونُ بِكُلِّ يَمِينٍ، أَمْ بِالأَيْمَانِ المُبَاحَةِ فِي الشَّرْعِ فَقَطْ؟). الأصل أن المسلم ينبغي له عدم الحلف بغير الله ؛ لقول الرسول ﷺ : "مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (٢)، وكذلك قال ﷺ : "مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (٣)، وقال ﷺ : "لا تحلِفُوا بآبائكم" (٤)، إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة الثابتة في عدم جواز الحلف بغير الله سبحانه تعالى أو بصفةٍ من صفاته، لا بمخلوقٍ مهما كان ولو كان نبيًّا من الأنبياء أو ملَكًا من الملائكة، فهذه من المسائل العقدية المتفَق عليها. أما محلّ الخلاف الذي يشير إليه المؤلف فهو ما يتعلق بالشروط، فالعلماء يختلفون في تعليق الشروط؛ لأنَّهم يُلحِقونها بالقسَم حتى وإن لم يَرِد فيها قسَمٌ، كأن يقول لزوجته: (إن وطئتكِ فعبدي حُرّ)، أو: (إن وطئتكِ فأنتِ طالِقٌ)، أو: (فأنتِ عَلَيَّ كظَهرِ أمِّي)، أو: (فللّه عَلَيَّ حج أو صيام)، وغير الأقسام التي تأتي على صيغة الشرط. قوله: (وَمِنْهَا: إِذا أَمْسَكَ عَنِ الوَطْءِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، هَلْ يَكُونُ مُولِيًا أَمْ لَا؟). هذا محلّ خلافٍ، والصحيح: أنه لا يكون موليًا بذلك.

стр. 6436

قوله: (وَمِنْهَا: هَلِ المُولِي هُوَ الَّذِي قَيَّدَ يَمِينَهُ بِمُدَّةٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ أَوِ المُولِي هُوَ الَّذِي لَمْ يُقَيِّدْ يَمِينَهُ بِمُدَّةٍ أَصْلًا؟ وَمِنْهَا: هَلْ طَلَاقُ الإِيلَاءِ بَائِنٌ أَوْ رَجْعِيٌّ؟ وَمِنْهَا: إِنْ أَبَى الطَّلَاقَ وَالفَيْءَ، هَلْ يُطَلِّقُ القَاضِي عَلَيْهِ أَمْ لَا؟). إنما القاضي حَكَمٌ، ولذلك فالأمور التي تصل إليه عند احتدام النزاع بين طرفين إما أن تكون أمورًا يستقيم فيها الصلح، وإما أن تكون من الأمور التي لا بد من الحُكم فيها لصالح طرفٍ من الأطراف. ولا شكَّ أن القاضي يسعى إلى الصلح في المقام الأول طالما كان الأمر يمكن الصلح فيه، كما هو الحال في بعض ما يتعلق بالمال أو القصاص؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَألصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، والرسول ﷺ حَضَّ على الصلح ورَغَّبَ فيه وَأَصْلَحَ بين عددٍ من المسلمين (١)، ولأن هذا هو منهج أصحاب رسول الله ﷺ ، ومنهج أئمة الإسلام منذ القِدَم وحتى يومنا هذا. ولا شكَّ أن خروج الخصمين وهما متحابّان متراضيان - إذا أمكن الصلح بينهما - أحسن وأجمل من أن يخرج أحدهما راضيًا ويخرج الآخر غاضبًا، وإن كان الأجدر بالمؤمن أن يرضى بالحُكم ولو كان لخصمه، فالله يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾، ومن شأن المسلم أن يكون مستجيبًا لِحُكم الله دائمًا، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. قوله: (وَمِنْهَا: هَلْ يَتَكَرَّرُ الإِيلَاءُ إِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا مِنْ غَيْرِ إيلَاءٍ حَادِثٍ فِي الزَّوَاجِ الثَّانِي؟).

стр. 6437

مراد المؤلِّف هاهنا: لو أن إنسانًا آلى من امرأته ثم طَلَّقَهَا، ثم عاد بعد ذلك فَتَزَوَّجَهَا مرَّةً أحْرى، فهل يعود حينئذٍ إلى حُكم الإيلاء مرةً أخرى أم لا. وهي مسألةٌ محل خلافٍ أيضًا. قوله: (وَمِنْهَا: هَلْ مِنْ شَرْطِ رَجْعَةِ المُولِي أَنْ يَطَأَ فِي العِدَّةِ أَمْ لَا؟ وَمِنْهَا: هَلْ إِيلَاءُ العَبْدِ حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ إِيلَاءِ الحُرِّ أَمْ لَا؟ وَمِنْهَا: هَلْ إِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِيلَاءِ تَلْزَمُهَا عِدَّةٌ أَمْ لَا؟). هذه عشر مسائل أوردها المؤلف، وهناك الكثير من المسائل الأخرى لم يتعرض لها، كشروط الحَكَمَين والأسباب التي قد يحصل فيها الإيلاء؛ لأن من عادته - كما ذَكَرْنا - أن يتناول أمهات المسائل ورؤوسها دون الفرعيات منها. قوله: (فَهَذِهِ هِيَ مَسَائِلُ الخِلَافِ المَشْهُورَةُ فِي الإِيلَاءِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ الَّتِى تَتَنَزَّلُ مِنْ هَذَا البَابِ مَنْزِلَةَ الأُصُولِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ خِلَافَهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ مَسْأَلَةٍ مِنْهَا، وَعُيُونَ أَدِلَّتِهِمْ، وَأَسْبَابَ خِلَافِهِمْ عَلَى مَا قَصدْنَا). وقول المؤلف هاهنا: (مسألة مسألة) إنما يظهر فيه تأثُّرُه بعلم المنطق الذي اشتغل به، وهذا التأثر نراه ظاهرًا على كلام المؤلف حتى في تَناوُلِهِ لمسائل الفقه. قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا اخْتِلَافُهُمْ هَلْ تُطَلَّقُ بِانْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ نَفْسِهَا، أَمْ لَا تُطَلَّق، وَإِنَّمَا الحُكْمُ أَنْ يُوقَفَ؛ فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ؟ فَإِنَّ مَالِكًا (١)،

стр. 6438

وَالشَّافِعِيَّ (١)، وَأَحْمَدَ (٢)، وَأَبَا ثَوْرٍ (٣)، وَدَاوُدَ (٤)، وَاللَّيْثَ (٥) ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ، فَإِمَّا فَاءَ، وَإِمَّا طَلَّقَ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ (٦)، وَابْنِ عُمَرَ (٧)، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا غَيْرُ ذَلِكَ (٨)، لَكِنَّ الصَّحِيحَ هُوَ هَذَا).

стр. 6439

والخلاف في هذه المسألة ليس كبيرًا، إنما هو خلاف بين الجمهور والحنفية. مذهب الجمهور: أما الأئمة الثلاثة مالكٌ (١)، والشافعيُّ (٢)، وأحمدُ (٣) فَيَرَوْنَ أن الطلاقَ لا يقع إلا بعد تمام الأشهُر الأربعة، فإذا تمت هذه الأشهر الأربعة فللمرأة حينئذٍ أن تطالِبَه بالوطء؛ لأنه حقٌّ من حقوقها، فإن فاءَ ورجَعَ إلى وَطْءِ زَوجَتِهِ فقد رُفِعَ الإشكال هاهنا، إلا أن يكون لديه عُذرٌ كالمرض أو انشغاله بالصلاة أو الطعام أو ما شابه أو أن يكون سجينًا لا يستطيع الوصول لزوجته، فحينئذٍ يُعطَى الفرصةَ حتى يَرتَفِعَ عنه عُذرُه، بِشَرْطِ أَلَّا يُتَّخَذَ هذا وسيلةً إلى التَّهَرُّبِ من الفيئة. أما إذا لم يَفِئْ أُمِرَ بالطلاق، فإن طَلَّقَ وإلا طَلَّقَ عليه الحاكمُ لِرَفْعِ الضَّرَرِ الواقع على الزوجة بعدم الوطء. ولذلك أُثِرَ أن عُمَرَ ﵁ سَأَلَ بعض الزَّوْجَاتِ عن المُدَّةِ التي يمكن فيها للمرأة أن تَصبِرَ عن الزوج، فَذُكِرَ له أنها تَصبِرُ شَهرَيْن، فقال: فإذا كان الثالثُ؟ قيل: بَدَأَ يَقِلُّ صبْرُهَا. قال: فإذا انتهى الرابعُ؟ قيل: نَفَذَ صَبْرُهَا. فَأَرْسَلَ بذلك إلى الأجناد الذين يُرابِطُون على الثغور (٤). وفي هذا دلالةٌ جَلِيَّةٌ على اهتمام خلفاء رسول الله ﷺ بأمور المسلمين، وهو منهجٌ - بحمد الله - لا تزال آثارُه باقيةً وسوف تَبْقَى إلى أن يَرِثَ اللّهُ الأرضَ ومَن عليها، كما قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفةٌ مِن أمَّتي ظاهِرِين على الحقِّ" (٥).

стр. 6440

قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَاُبهُ (١) وَالثَّوْرِيُّ (٢) - وَبِالجُمْلَةِ الكُوفِيُّونَ - إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِانْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ إِلَّا أَنْ يَفِيءَ فِيهَا (٣)، وَهوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ (٤)، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ (٥). وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أَيْ: فَإِنْ فَاؤُوا قَبْلَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ أَوْ بَعْدَهَا؟ فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، قَالَ: يَقَعُ الطَّلَاق، وَمَعْنَى العَزْمِ عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧] أَلَّا يَفِيءَ حَتَّى تَنْقَضِيَ

стр. 6441

المُدَّة، فَمَنْ فَهِمَ مِن اشْتِرَاطِ الفَيْئَةِ اشْتِرَاطَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، أَيْ: بِاللَّفْظِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]). الدليل الأول لأصحاب هذا المذهب: القراءة المنسوبة لعبد الله بن مسعود ﵁: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فيهن فإن الله غفور رحيم) (١)، (فيهن)، أي: في هذه المدة، فقالوا بِعَوْدِ الضمير هاهنا على الأشهُر. وهذا الفريق الذي استَدَلَّ بهذه القراءة إنما احتجَّ بأن هذه القراءة لا تخلو إما أن تكون آحادًا فينبغي العمل بها، وإما أن تكون قد نُسِخَت تلاوةً وبَقِيَت حُكمًا فيتعيّن العمل بها، كما هو الحال في الآية التي في سورة النور ثمٍ نُسِخَت تلاوةً وبَقِيَت حُكْمًا: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله) (٢). الدليل الثاني لأصحاب هذا المذهب: أن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، قالوا: إن الله قد ضَرَبَ في هذه الآية أَجَلًا مُحدَّدًا، وهو الأشهُر الأربعة، فإذا انتهت هذه الأشهُر الأربعة وَجَبَ حينئذٍ وقوع الطلاق. كما أنَّ الحنفيةَ قد تَأَوَّلُوا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، على أن المقصود بعزم الطلاق هاهنا إنما هو الفعل، وهذا التأويل إنما هو حُجَّةٌ على الأحناف لا حُجَّةٌ لهم؛ لأنه يخالف أصولهم.

стр. 6442

أدلة الجمهور: أمَّا جمهور العلماء فلهم عدة أدلةٍ على قولهم في هذه المسألة، والمؤلف هاهنا قد أوردَ بعضَ هذه الأدلة ونَسَبَها إلى المالكية، ولكنها - في حقيقة الأمر - إنما هي طائفةٌ من أدلة الجمهور، ومن هذه الأدلة: أولًا: قال جمهور العلماء: إننا لو سَلَّمْنَا بهذه القراءة فليس في القراءة ما يدلّ على أن الفيئة لا تصحّ بعد الانتهاء وأن الطلاق حينها يقع مباشرةً بانتهاء المدّة، بل هذا يُستَدَلُّ به على أن له الرجوع أثناء هذه المدة؛ لأن الله ذكر في الآية: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، وعزيمة الطلاق إنما تقع بالقول، فمجرد قول الزوج: (لا أَطَؤُكِ) لا يُسَمَّى طلاقًا، وإنما الطلاق يقع بالقول، سواء اجتمعت معه نيةٌ أو لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: "ثلاث جدهن جدّ وهزلهن جدّ"، وذكر الطلاق (١)، ولذا فإن الطلاق يقع باللفظ الصريح، أما الكناية فمنها ما يُرجَع فيه إلى اللفظ، ومنها ما يُرجَع فيه إلى نيَّة من تَلَفَّظَ بها. ثانيًا: أن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، والفاء إنما هي للتعقيب والترتيب، مما يعني أن الفيئة لا تكون إلا بعد انتهاء الأشهر الأربعة، كما هو الحال في قوله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، والإمساك لا يكون إلا بعد وقوع الطلاق. قوله: (وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الآيَةِ أَرْبَعَةُ أَدِلَّةٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَعَلَ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ حَقًّا لِلزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ، فَأَشْبَهَتْ مُدَّةَ الأَجَلِ فِي الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ). والمقصودُ من التَّشبيه بالديون المؤجَّلة هو أن يقول دائنٌ لِلمَدِينِ: (إذا لم تَدفَع لي هذا الدَّينَ خلال أربعة أشهُرٍ سَأَقُومُ بِحَبْسِكَ)، فلا يُفهَمُ من هذا أنه يستحقّ الحبس إذا انقَضَت الأشهُرُ الأربعةُ ثم أعطاه حَقَّهُ.

стр. 6443

قوله: (الدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى فِعْلِهِ، وَعِنْدَهُمْ لَيْسَ يَقَعُ مِنْ فِعْلِهِ إِلَّا تَجَوُّزًا - أَعْنِي: لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ إِلَّا تَجَوُّزًا - وَلَيْسَ يُصَارُ إِلَى المَجَازِ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ). ومراد المؤلِّف هاهنا أن آية: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هي آيةٌ صريحةٌ في أنَّ الطلاق إنما يقع باللفظ، أما الذي ذهَبَ إليه الحنفية إنما هو من باب التَّجَوُّز، والتَّجَوُّزُ إنما هو نوع من أنواع المَجاز. وهناك خلافٌ في المجاز فيما إذا كان ثابتًا في القرآن واللُّغة أم لا، والصحيح في هذه المسألة أن القرآن ليس فيه مجازٌ، وأن الآيات القرآنية التي قد يُفهَم منها وجود المَجاز في كتاب الله إنما الأَوْلى أن يجابَ عنها بأن هذا ليس مجازًا، بل هو إيجازٌ بالحذف، فإن الإيجاز معروف في لُغة العرب وفي أسلوب القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ في قراءة: (ونادوا يا مالِ) (١) حيث حُذِفَت الكاف (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، فقد أجاب العلماء عن كلِّ هذه الآيات بأن فيها إيجازًا بالحذف (٣).

стр. 6444

قوله: (الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧]، قَالُوا: فَهَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى وَجْهٍ يُسْمَع، وَهُوَ وُقُوعُهُ بِاللَّفْظِ لَا بِانْقِضَاءِ المُدَّةِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الفَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ظَاهِرَةٌ فِي مَعْنَى التَّعْقِيبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الفَيْئَةَ بَعْدَ المُدَّةِ، وَرُبَّمَا شَبَّهُوا هَذِهِ المُدَّةَ بِمُدَّةِ العِتْقِ). وكلّ هذه الأدلة التي نَسَبَهَا المؤلّف للمالكية هاهنا إنما هي بعض أدلة الجمهور كما ذَكَرْنَا. قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ تَشْبِيهَ هَذِهِ المُدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، إِذْ كَانَتِ العِدَّةُ إِنَّمَا شُرِعَتْ؛ لِئَلَّا يَقَعَ مِنْهُ نَدَمٌ. وَبِالجُمْلَةِ فَشَبَّهُوا الإِيلَاءَ بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَشَبَّهُوا المُدَّةَ بِالعِدَّةِ، وَهُوَ شَبَةٌ قَوِيٌّ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)). فأبو حنيفة قد شَبَّهَ مدة الإيلاء بالعدة، وهناك شَبَهٌ بالفعل بينهما مِن حيثُ إن العدَّة شرعت لكي تكون فرصةً للزوج في التفكير ومراجعة نفسه في أمر هذا الطلاق كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، فمدة الإيلاء إنما هي كذلك فرصةٌ للزوج في مراجعة نفسه لكي يفيء إلى زوجته ويرجع عن هذا الإيلاء. لكن يفترقان من جانبٍ آخَرَ في أن الفيئة لم يَسبِقْها طلاقٌ، وإنما

стр. 6445

يقتصر الأمر على امتناع الزوج عن جِماع زَوجَتِه، أما الرجعة فقد سَبَقَهَا طلاقٌ، وهذا الطلاق يَتَحَتَّمُ إن لم يَتدارَك الزوجُ الأمرَ ويُراجِع المرأةَ قبل انقضاء العدة؛ لأنه إذا طَلَّقَ طلقةً واحدةً أو اثنتين ثمَّ راجَعَ زَوجَتَه في أثناء العدَّةِ عادت إليه دون الحاجة إلى صداقٍ ولا وليٍّ ولا شهودٍ، بل دون الحاجة إلى رضاها، أمَّا إذا انقَضَت العدة فلا بدَّ حينئذٍ من زواجٍ جديدٍ برغبتها ورضاها ووجود وليٍّ وشهودٍ وصداقٍ جديدٍ، فالأمر في عدة الطلاق الرجعيِّ يختلف فيما إذا كان الأمر قد تمَّ تَدَارُكُهُ قبل انقضاء العدة أم بعد إنتهائها. فهما يتشابهان من حيثُ الفرصة المتاحة أمام الزوج، لكن يفترقان من حيثُ إن العدَّة سُبِقَت بطلاقٍ، والإيلاء لم يُسبَق بطلاقٍ. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي اليَمِينِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الإِيلَاءُ). وهذه المسألة يشير بها العلماء إلى اليمين التي يكون بها الإيلاء فيما إذا كانت هي اليمين المعروفة بأن يحلف الزوج بالله أو بصفةٍ من صفاته ، كأن يقول: (أَقسَمتُ بالله ألَّا أَطَأَكِ أكثر من أربعة أشهُرٍ)، أم أنَّ بإمكان الزوج تَجاوُز ذلك بحيثُ يقول مثلًا: (إن وطئتُكِ فعبدي حُرٌّ، أو: أنتِ عَلَيَّ كظهر أمي، أو: فأنتِ طالقٌ، أو: إذا وطئتُكِ سَأُصَلِّي كذا ركعة، أو: سأفعلنَّ كذا). قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يَقَعُ الإِيلَاءُ بِكُلِّ يَمِينٍ (١)). وهذا هو رأي جمهور العلماء، فإليها يذهب مالكٌ (٢) وأبو حنيفة (٣)،
следующие страницы →