← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

المُدَّة، فَمَنْ فَهِمَ مِن اشْتِرَاطِ الفَيْئَةِ اشْتِرَاطَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، أَيْ: بِاللَّفْظِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]). الدليل الأول لأصحاب هذا المذهب: القراءة المنسوبة لعبد الله بن مسعود ﵁: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فيهن فإن الله غفور رحيم) (١)، (فيهن)، أي: في هذه المدة، فقالوا بِعَوْدِ الضمير هاهنا على الأشهُر. وهذا الفريق الذي استَدَلَّ بهذه القراءة إنما احتجَّ بأن هذه القراءة لا تخلو إما أن تكون آحادًا فينبغي العمل بها، وإما أن تكون قد نُسِخَت تلاوةً وبَقِيَت حُكمًا فيتعيّن العمل بها، كما هو الحال في الآية التي في سورة النور ثمٍ نُسِخَت تلاوةً وبَقِيَت حُكْمًا: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله) (٢). الدليل الثاني لأصحاب هذا المذهب: أن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، قالوا: إن الله قد ضَرَبَ في هذه الآية أَجَلًا مُحدَّدًا، وهو الأشهُر الأربعة، فإذا انتهت هذه الأشهُر الأربعة وَجَبَ حينئذٍ وقوع الطلاق. كما أنَّ الحنفيةَ قد تَأَوَّلُوا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، على أن المقصود بعزم الطلاق هاهنا إنما هو الفعل، وهذا التأويل إنما هو حُجَّةٌ على الأحناف لا حُجَّةٌ لهم؛ لأنه يخالف أصولهم.

стр. 6442

أدلة الجمهور: أمَّا جمهور العلماء فلهم عدة أدلةٍ على قولهم في هذه المسألة، والمؤلف هاهنا قد أوردَ بعضَ هذه الأدلة ونَسَبَها إلى المالكية، ولكنها - في حقيقة الأمر - إنما هي طائفةٌ من أدلة الجمهور، ومن هذه الأدلة: أولًا: قال جمهور العلماء: إننا لو سَلَّمْنَا بهذه القراءة فليس في القراءة ما يدلّ على أن الفيئة لا تصحّ بعد الانتهاء وأن الطلاق حينها يقع مباشرةً بانتهاء المدّة، بل هذا يُستَدَلُّ به على أن له الرجوع أثناء هذه المدة؛ لأن الله ذكر في الآية: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، وعزيمة الطلاق إنما تقع بالقول، فمجرد قول الزوج: (لا أَطَؤُكِ) لا يُسَمَّى طلاقًا، وإنما الطلاق يقع بالقول، سواء اجتمعت معه نيةٌ أو لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: "ثلاث جدهن جدّ وهزلهن جدّ"، وذكر الطلاق (١)، ولذا فإن الطلاق يقع باللفظ الصريح، أما الكناية فمنها ما يُرجَع فيه إلى اللفظ، ومنها ما يُرجَع فيه إلى نيَّة من تَلَفَّظَ بها. ثانيًا: أن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، والفاء إنما هي للتعقيب والترتيب، مما يعني أن الفيئة لا تكون إلا بعد انتهاء الأشهر الأربعة، كما هو الحال في قوله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، والإمساك لا يكون إلا بعد وقوع الطلاق. قوله: (وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الآيَةِ أَرْبَعَةُ أَدِلَّةٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَعَلَ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ حَقًّا لِلزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ، فَأَشْبَهَتْ مُدَّةَ الأَجَلِ فِي الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ). والمقصودُ من التَّشبيه بالديون المؤجَّلة هو أن يقول دائنٌ لِلمَدِينِ: (إذا لم تَدفَع لي هذا الدَّينَ خلال أربعة أشهُرٍ سَأَقُومُ بِحَبْسِكَ)، فلا يُفهَمُ من هذا أنه يستحقّ الحبس إذا انقَضَت الأشهُرُ الأربعةُ ثم أعطاه حَقَّهُ.

стр. 6443

قوله: (الدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى فِعْلِهِ، وَعِنْدَهُمْ لَيْسَ يَقَعُ مِنْ فِعْلِهِ إِلَّا تَجَوُّزًا - أَعْنِي: لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ إِلَّا تَجَوُّزًا - وَلَيْسَ يُصَارُ إِلَى المَجَازِ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ). ومراد المؤلِّف هاهنا أن آية: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ هي آيةٌ صريحةٌ في أنَّ الطلاق إنما يقع باللفظ، أما الذي ذهَبَ إليه الحنفية إنما هو من باب التَّجَوُّز، والتَّجَوُّزُ إنما هو نوع من أنواع المَجاز. وهناك خلافٌ في المجاز فيما إذا كان ثابتًا في القرآن واللُّغة أم لا، والصحيح في هذه المسألة أن القرآن ليس فيه مجازٌ، وأن الآيات القرآنية التي قد يُفهَم منها وجود المَجاز في كتاب الله إنما الأَوْلى أن يجابَ عنها بأن هذا ليس مجازًا، بل هو إيجازٌ بالحذف، فإن الإيجاز معروف في لُغة العرب وفي أسلوب القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ في قراءة: (ونادوا يا مالِ) (١) حيث حُذِفَت الكاف (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، فقد أجاب العلماء عن كلِّ هذه الآيات بأن فيها إيجازًا بالحذف (٣).

стр. 6444

قوله: (الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧]، قَالُوا: فَهَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى وَجْهٍ يُسْمَع، وَهُوَ وُقُوعُهُ بِاللَّفْظِ لَا بِانْقِضَاءِ المُدَّةِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الفَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ظَاهِرَةٌ فِي مَعْنَى التَّعْقِيبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الفَيْئَةَ بَعْدَ المُدَّةِ، وَرُبَّمَا شَبَّهُوا هَذِهِ المُدَّةَ بِمُدَّةِ العِتْقِ). وكلّ هذه الأدلة التي نَسَبَهَا المؤلّف للمالكية هاهنا إنما هي بعض أدلة الجمهور كما ذَكَرْنَا. قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ تَشْبِيهَ هَذِهِ المُدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، إِذْ كَانَتِ العِدَّةُ إِنَّمَا شُرِعَتْ؛ لِئَلَّا يَقَعَ مِنْهُ نَدَمٌ. وَبِالجُمْلَةِ فَشَبَّهُوا الإِيلَاءَ بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَشَبَّهُوا المُدَّةَ بِالعِدَّةِ، وَهُوَ شَبَةٌ قَوِيٌّ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)). فأبو حنيفة قد شَبَّهَ مدة الإيلاء بالعدة، وهناك شَبَهٌ بالفعل بينهما مِن حيثُ إن العدَّة شرعت لكي تكون فرصةً للزوج في التفكير ومراجعة نفسه في أمر هذا الطلاق كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، فمدة الإيلاء إنما هي كذلك فرصةٌ للزوج في مراجعة نفسه لكي يفيء إلى زوجته ويرجع عن هذا الإيلاء. لكن يفترقان من جانبٍ آخَرَ في أن الفيئة لم يَسبِقْها طلاقٌ، وإنما

стр. 6445

يقتصر الأمر على امتناع الزوج عن جِماع زَوجَتِه، أما الرجعة فقد سَبَقَهَا طلاقٌ، وهذا الطلاق يَتَحَتَّمُ إن لم يَتدارَك الزوجُ الأمرَ ويُراجِع المرأةَ قبل انقضاء العدة؛ لأنه إذا طَلَّقَ طلقةً واحدةً أو اثنتين ثمَّ راجَعَ زَوجَتَه في أثناء العدَّةِ عادت إليه دون الحاجة إلى صداقٍ ولا وليٍّ ولا شهودٍ، بل دون الحاجة إلى رضاها، أمَّا إذا انقَضَت العدة فلا بدَّ حينئذٍ من زواجٍ جديدٍ برغبتها ورضاها ووجود وليٍّ وشهودٍ وصداقٍ جديدٍ، فالأمر في عدة الطلاق الرجعيِّ يختلف فيما إذا كان الأمر قد تمَّ تَدَارُكُهُ قبل انقضاء العدة أم بعد إنتهائها. فهما يتشابهان من حيثُ الفرصة المتاحة أمام الزوج، لكن يفترقان من حيثُ إن العدَّة سُبِقَت بطلاقٍ، والإيلاء لم يُسبَق بطلاقٍ. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي اليَمِينِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الإِيلَاءُ). وهذه المسألة يشير بها العلماء إلى اليمين التي يكون بها الإيلاء فيما إذا كانت هي اليمين المعروفة بأن يحلف الزوج بالله أو بصفةٍ من صفاته ، كأن يقول: (أَقسَمتُ بالله ألَّا أَطَأَكِ أكثر من أربعة أشهُرٍ)، أم أنَّ بإمكان الزوج تَجاوُز ذلك بحيثُ يقول مثلًا: (إن وطئتُكِ فعبدي حُرٌّ، أو: أنتِ عَلَيَّ كظهر أمي، أو: فأنتِ طالقٌ، أو: إذا وطئتُكِ سَأُصَلِّي كذا ركعة، أو: سأفعلنَّ كذا). قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يَقَعُ الإِيلَاءُ بِكُلِّ يَمِينٍ (١)). وهذا هو رأي جمهور العلماء، فإليها يذهب مالكٌ (٢) وأبو حنيفة (٣)،

стр. 6446

وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد (١)، كما أنها هي القول الجديد للإمام الشافعي (٢). ومراد العلماء من هذه اليمين ليس الحلف بغير الله تعالى، فالحلف بغير الله لا يدخل في هذا الباب؛ لأنه معصيةٌ لله ، ولذا فإن الحلف بغير الله لا يوجب كفارةً ولا يمنع الوطء. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يَقَعُ إِلَّا بِالأَيْمَانِ المُبَاحَةِ فِي الشَّرْعِ"، وَهِيَ اليَمِينُ بِاللَّهِ، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ (٣)). وقد نَصَّ أكثر العلماء على أن هذا القول هو قول قديم للإمام الشافعي، أما القول الجديد للشافعي فهو القول الذي اتفق فيه مع الإمام مالكٍ (٤). وهذا أيضًا هو مشهور مذهب أحمد (٥).

стр. 6447

قوله: (فَمَالِكٌ اعْتَمَدَ العُمُومَ - أَعْنِي: عُمُومَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]). والمراد: أن جمهور العلماء أخذوا بعموم الآية وأنها لَم تُقَيِّد ذلك بيمينٍ دون يمينٍ، وإنما أَطلَقَت. وقد فَسَّرَ ابن عباس ﵄ (يؤلون) في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، بأن معناها: يحلفون بالله (١). ولكن من العلماء مَن ذَهَب إلى عدم جواز الحلف بأيِّ مخلوقٍ مهما كانت مكانته ومنزلته حتى لو كان نبيًّا من الأنبياء؛ لأن الأصل في اليمين ألَّا يكون إلا بالله أو بصفةٍ من صفاته، وإنما لو قال الحالف: (وربِّ النبي، أو: وربِّ الكعبة) لكان ذلك جائزًا؛ فاليمين إنما هو تعظيمٌ للمحلوف، والتعظيم لا يجوز أن يكون إلا لله . قوله: (وَالشَّافِعِيُّ يُشَبِّهُ الإِيلَاءَ بِيَمِينِ الكَفَّارَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كِلَا اليَمِينَيْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ اليَمِينُ الَّتِي تَرَتَّبَ عَلَيْهَا حُكْمُ الإِيلَاءِ هِيَ اليَمِينُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الحُكْمُ الَّذِي هُوَ الكَفَّارَةُ). ومراد المؤلف هاهنا أن الشافعي ﵀ قاسَ الأيمانَ في الإيلاء على الأيمانِ بالنسبة للكفارات، وقد سبق أن ذَكَرْنَا أن مَنْ أجاز ذلك - كالحنابلة - إنما قيدوه بالصور التي أَورَدْنَاها. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا لُحُوقُ حُكْمِ الإِيلَاءِ لِلزَّوْجِ إِذَا تَرَكَ الوَطْءَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الإِيلَاءِ بِغَيْرِ

стр. 6448

يَمِينٍ، وَمَالكٌ يُلْزِمُه، وَذَلِكَ إِذَا قَصَدَ الإِضْرَارَ بِتَرْكِ الوَطْءِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى ذَلِكَ). المراد من هذه المسألة لو أن إنسانًا تَوَقَّفَ عن الوطء من تلقاء نفسه دون أن يَحلِف بالله ، فهل يكون ذلك إيلاءً أم لا. وهذه المسألة قد اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول، وهو مذهب الجمهور: وهم الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣)، أن هذا لا يُسَمَّى إيلاءً. القول الثاني، وهو مذهب المالكية (٤)، والرواية الأخرى

стр. 6449

للحنابلة (١): أنه يلزمه حُكم الإيلاء إذا قصد الإضرار بترك الوطء؛ لأن هذا وإن لم يكن إيلاءً إلا أن فيه ضررًا على الزوجة، ولذلك فإنه يؤمر بالوطء، فإن فاء وَوَطِئَ وإلا أُمِرَ بالطلاق، فإن لم يُطَلِّق طُلِّقَتْ عليه. ولذلك قال ابن عباس ﵄: كلُّ يمين منع جماعها فهو إيلاء" (٢). أما إذا تَوَقَّفَ عن الجماع بقصد تأديب المرأة فله ذلك، كما جاء في ذِكْرِ النشوز (٣) في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، فإن الله تعالى أَمَرَ الزوج بهجر زوجته الناشز في المضجع تأديبًا لها؛ لتستقيم أمورها وتصلح أحوالها. أما إن فعله بقصد إلحاق الضرر بها وإيذائها، فلا شكَّ أن هذا لا يجوز؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن الضرر وقال: "لا ضرر ولا ضرار، ومن ضار ضره الله " (٤)، فالضرر ممنوعٌ بأيّ صفة من الصفات. قوله: (فَالجُمْهُورُ اعْتَمَدُوا الظَّاهِرَ). أي: أن الجمهور اعتمدوا ظاهر الآية، لأن الله قَيَّدَ الإيلاء بوجود القَسَم في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والإيلاء إنما هو القَسَم، و (يؤلون) معناها: يُقسِمون، فإذا لم يَكُن قَسَمٌ لم يَكُن إيلاءٌ. والمالكية والحنابلة في روايتهم الأخرى قالوا: إن العلة التي من

стр. 6450

أجلها أمر بالفيئة وإلا يطلق هو لحوق الضرر بتلك المرأة التي قصد ذلك بها، وهذا موجود وقائم أيضًا فيمن يترك زوجته من غير سبب وإنما بقصد الضرر. قوله: (وَمَالِكٌ اعْتَمَدَ المَعْنَى). فالمالكية والحنابلة في روايتهم الأخرى إنما اعتمدوا العلة من أمر المولي بالفيئة أو الطلاق، والعلة هاهنا هي لُحُوق الضرر بالزوجة، فهذه العلة الموجودة فيمن يُقسِم على ترك وطء زوجته إنما هي موجودة كذلك فيمن يترك الوطء دون قَسَمٍ بقصد الضرر. فالمتأمِّل في ظاهر الآية يترجَّح لديه ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الآية نَصَّت على ذلك، والمتأمِّل في أصول الشريعة وفروعها يجد أن السبب في ذلك إنما هو الضرر، ولا شكَّ أن هذه الحالة يقع فيها الضرر كذلك. ولذا فإنَّ بعض العلماء قال بألَّا تُضرَبَ مدةٌ في هذه الحالة، وإنما يُؤمَرُ بالرجوع، فإن رَجَعَ وإلا طَلَّقَ. قوله: (لِأَنَّ الحُكْمَ إِنَّمَا لَزِمَهُ بِاعْتِقَادِهِ تَرْكَ الوَطْءِ، وَسَوَاءٌ شَدَّ ذَلِكَ الاعْتِقَادَ بِيَمِينٍ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يُوجَدُ فِي الحَالَتَيْنِ جَمِيعًا). أي: سواء قَوَّى فِعلَه هذا بيمينٍ أو لم يُقَوِّهِ بيمينٍ؛ لأن العلة متماثلةٌ والسبب متطابقٌ في الحالتين. قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مُدَّةِ الإِيلَاءِ). والمراد من هذه المسألة هو مدَّة الإيلاء، فيما إذا كانت هي المدة التي ورد التنصيص عليها في القرآن في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، أم أنها أكثر من ذلك.

стр. 6451

قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ يَرَى أَنَّ مُدَّةَ الإِيلَاءِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ إِذْ كَانَ الفَيْءُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّ مُدَّةَ الإِيلَاءِ عِنْدَهُ هِيَ أَرْبَعَةُ الأَشْهُرِ فَقَطْ؛ إِذْ كَانَ الفَيْءُ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ فِيهَا (٢)). القول الأول، قول جمهور أهل العلم: والذي قال بقول مالكٍ في هذه المسألة هو الشافعي (٣) وأحمد (٤)، أي: إن هذا القول إنما هو قول جمهور أهل العلم، فالأئمة الثلاثة يَرَوْنَ أن مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، وأنه بانتهاء المدة يُطلَب من الزوج أن يَرجِع أو يُطلِّق. القول الثاني، قول الحنفية: أما الحنفية فإنهم على أنها أربعة أشهر، حيثُ وقفوا عند ظاهر النَّص القرآني، وجَعَلوا حُجَّتَهم أن الله ضرب أَجَلًا لِمَن أَقسَمَ على ترك الوطء، فإذا لم يرجع خلال هذه المدة فإن امرأته تكون قد بانت منه.

стр. 6452

ردّ الجمهور على استدلال الحنفية: أما جمهور العلماء فإنهم لا يقولون بصحَّة استدلال الحنفية؛ وذلك لأن الله قد أَعْقَبَ ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: فإن رجعوا إلى الجماع، ثمَّ قال : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾، وعَزْمُ الطلاق إنما يقع بعد انتهاء هذه المدة؛ لأن الأصل في هذا الوطء أنه حقٌّ للمرأة، بحيثُ إن طالبَت به أَدَّاه الزوج، وإن لم تطالِبْ به فلا يترتب على هذا حُكمٌ شرعيٌّ، ومثال هذا مسألة العِنِّين (١)، فلو أن امرأةً تزوجَت رجلًا ثم تبيَّن أنه عِنينٌ لا يستطيع أن يطأها ورَضيَت به ففي هذه الحالة لا يترتب وجوب الفرقة؛ لأن رضاها قد أَسقَطَ حقَّها (٢)،

стр. 6453

وكذلك الحال في النفقة الواجبة على الزوج، فلو أن زَوْجَ المرأة كان لا يستطيع الإنفاق عليها وتنازَلَت الزوجةُ عن هذا الحقِّ واستطاعت أن تؤَمِّن نفقتها من طريقٍ آخر غير الزوج فإن لها ذلك، أما لو أنها سكتَت عن حقِّها هذا ثُم طالَبَت به بعد ذلك فهناك خلافٌ بين أهل العلم في ثُبُوته لها أم لا (١). استدلال آخر للحنفية: وقد استدلَّ الحنفية كذلك على مذهبهم - كما ذَكَرْنَا - بقراءة عبد الله بن مسعود ﵁: (فإن فاؤوا فيهن) (٢)، وقالوا: إن هذه القراءة يُفهَم منها أن هذا الأجل المضروب ينتهى بانتهاء الأشهُر الأربعة، ولذا فإن الفيئة ينبغي أن تكون فيها. ردُّ الجمهور على استدلال الحنفية بقراءة ابن مسعود: أما الجمهور فإنهم قد رَدُّوا هذا الاستدلال كذلك، وقالوا: بل إن المطالَبة تبدأ بعد هذه المدة، واستدلُّوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾؛ لأن الفاء إنما هي للتعقيب والترتيب، ولذا فإنها تدلُّ على أن ذلك يأتي بعد انتهاء المدة. ولا شكَّ أن مذهب الجمهور هو الأقوى والأيسر في هذه المسألة.

стр. 6454

قوله: (وَذَهَبَ الحَسَنُ (١)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٢) إِلَى أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ وَقْتًا مَا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَانَ مُولِيًا، يُضْرَبُ لَهُ الأَجَلُ إِلَى انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ مِنْ وَقْتِ اليَمِينِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ المُولِيَ هُوَ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يُصِيبَ امْرَأَتَهُ عَلَى التَّأْبِيدِ). والحَسَن هو الإمام الجليل المعروف، وهو من كبار أئمة التابعين، وكذلك ابن أبي ليلى. والمراد من كلام المؤلف هاهنا عن ابن عباس ﵄ أن المولي هو الذي يَحلِف ألا يُصيب امرأته أبدًا. ولكن نَصُّ القرآن ظاهرٌ في هذه الآية، ولا شكَّ أن ما في كتاب الله هو الأَوْلَى بالوقوف عنده وعدم تَجَاوُزِهِ. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي المُدَّةِ: إِطْلَاقُ الآيَةِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي وَقْتِ الفَيْءِ، وَفِي صِفَةِ اليَمِينِ وَمُدَّتِهِ هُوَ كَوْنُ الآيَةِ عَامَّةً فِي هَذِهِ المَعَانِي أَوْ مُجْمَلَةً). كَونُ الآية عامَّةً مطلَقةً هو السبب في اختلافهم في مدَّة الإيلاء ووقت الفيء وصفة اليمين. فإنهم اختلفوا في اليمين - كما ذَكَرْنا - فيما إذا كان يقتصر على

стр. 6455

اليمين بالله أو بصفة من صفاته أم أنه يكون بكلِّ يمينٍ على وجه العموم. وكذلك اختلفوا فيما يتعلق بمدة الإيلاء فيما إذا كانت تنتهي بالأشهُر الأربعة أم أن المطالَبة تبدأ بعد هذه المدة. وأمَّا وقت الفيء، فإننا لو قلنا بأن المدة تنتهي بالأشهُر الأربعة فحينئذٍ لا بدَّ أن تكون الفيئة في هذه المدة. ومن ميزات هذا الكتاب أنه يعطي إشاراتٍ دقيقةً، ولذا فإنه ينبغي أن يُعتَنَى بالفهم. قوله: (وَكذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي صِفَةِ المُولِي وَالمُولَى مِنْهَا، وَنَوْعِ الطَّلَاقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْد، وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هُوَ سَبَبُ السُّكُوتِ عَنْهَا، وَهَذِهِ هِيَ أَرْكَانُ الإِيلَاءِ - أَعْنِي: مَعْرِفَةَ نَوْعِ اليَمِينِ، وَوَقْتِ الفَيْءِ وَالمُدَّةِ، وَصِفَةِ المُولَى مِنْهَا، وَنَوْعِ الطَّلَاقِ الوَاقِعِ فِيهِ). المُولِي: فهو الزوج. والمولَى منها: فإنها المرأة. والمراد بصفة المولِي: هو ما إذا كان الزوج حُرًّا أو عبدًا، والفارق بين هذا وذاك. أما صفة المولَى منها فالمراد بها ما إذا كانت الزوجة حُرَّةً أو أمَةً، والفِارق بين هذه وتلك، وكذلك الفارق بين أن تكون الزوجة مسلمةً أو ذميةً. والعلماء قد أَلحَقوا الذمية بالمسلمة في أنها يَلحَقُها الإيلاءُ (١)،

стр. 6456

وهذه من المسائل التي أَغفَلَها المؤلِّفُ في هذا الباب. أما نوع الطلاق: فالمراد بذلك ما إذا كان هذا الطلاق رجعيًّا أم بائنًا، وكذلك يُراد به الفارق بين أن يُطلِّق الزوجُ وأن يُطلِّق الحاكم، فطلاق الزوج عند الإطلاق إنما يكون رجعيًّا، أما طلاق الحاكم فهل يكون رجعيًّا أم يكون بائنًا؟ وهل الطلاق في الأصل يكون بائنًا أم رجعيًّا؟ وهذه المسائل كلها إنما هي محلّ خلافٍ بين أهل العلم، وغالب الخلاف فيها إنما هو واقعٌ بين الحنفية والجمهور. قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: فَأَمَّا الطَّلَاقُ الَّذِي يَقَعُ بِالإِيلَاءِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ (١)

стр. 6457

وَالشَّافِعِيِّ (١) أَنَّهُ رَجْعِيٌّ). وكذلك عند أحمد (٢)، لكن أحمد إنما يخالِف مالكًا والشافعي في صورةٍ واحدةٍ، وهي إذا كان المُطلِّق هو الحاكم، بحيثُ إذا طَلَب الحاكم من الزوج أن يطأ فلم يفعل، ثم أمره الحاكم بالطلاق، فالحنابلة هاهنا يرون في إحدى الروايات عنهم في تطليق الحاكم أنه يقع رجعيًّا كطلاق الزوج، وفي رواية أخرى يحملونه على الوقوع بائنًا (٣)، فهذه الرواية الأخيرة عن الحنابلة هي التي تخالِف ما ذهب إليه مالكٌ والشافعي. قوله: (لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ وَقَعَ بِالشَّرْعِ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَجْعِيٌّ إِلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ بَائِنٌ). والمراد من هذا: أن الأصل في الطلاق أن يكون رجعيًّا، فلو أن

стр. 6458

رجلًا قال لامرأته: (أنتِ طالق) دون أن يتلفظ بشيءٍ آخر، فإن هذا الطلاق إنما يقع طلقةً واحدةً، وكذلك لو قال لها: (أنتِ طالقٌ للسُّنَّة) فإنه يُحمَل على الطلاق الرجعيِّ، أما لو نَصَّ على الطلاق الثلاث فإنه يكون طلاقًا بائنًا. فمذهب جمهور أهل العلم هاهنا في تطليق الحاكم للمولي أنه طلاقٌ رجعيٌّ؛ لأن الأصل في كلِّ طلاق وقع بالشرع أن يكون طلاقًا رجعيًّا، بخلاف الحنفية فإنَّ ما وَقَعَ من الطلاق بسبب الإيلاء إنما يكون عندهم طلاقًا بائنًا. - قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): "هُوَ بَائِنٌ"، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ كانَ رَجْعِيًّا). فأبو حنيفة ومعه أكثر الكوفيين قد ذهبوا إلى أن الأشهُر الأربعة إذا انتهت دون أن يفيء الزوج فيها إلى زوجته فحينئذٍ تكون زوجته قد طُلِّقَت عليه طلاقًا بائنًا. أما الجمهور فإنهم يَرُدُّون ذلك القول، ويَذهَبون إلى أن الزوجة بعد انتهاء المدة لها أن تطالِبَ بحقِّها، فإن طالَبَت فعلى الزوج إما أن يفيء إليها وإما أن يُطَلِّقَ، وإذأ وَقَعَ الطلاق فإنه حينئذٍ يقع طلاقًا رجعيًّا، إلا أن الحنابلة يُفرِّقُون بين أن يُطلِّق الزوج أو يُطلِّق عليه الحاكم، بحيثُ إن طَلَّق الزوجُ كان الطلاق عندهم رجعيًّا ما لم يكن طَلَّقَها طلقةً بائنةً، وإن كان الحاكم هو المُطَلِّقَ فعندهم روايتان في المذهب.

стр. 6459

- قوله: (لَمْ يَزُلِ الضَّرَرُ عَنْهَا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُجْبِرُهَا عَلَى الرَّجْعَةِ). فالحنفية إذن يعللون ما ذهبوا إليه من القول ببينونة الطلاق هاهنا بأن القول بالطلاق الرجعي يُبقِي الضرر واقعًا على الزوجة؛ إذ تبقى المشكلة قائمةً، بحيثُ إن طلَّقَها فإن بإمكانه أن يردها إليه في أثناء العدة، وبهذا يتكرر الضرر الذي أوقعه على الزوجة من تركه للوطء مرة أخرى. أما الجمهور فيجيبون على هذا بأن تمكين الزوج من الرجعة في أثناء العدة إنما يُقصَدُ به إعطاء الفرصة للزوج في مراجعة نفسه وإدراك خطئه، وهذه هي الحكمة التي من أجلها شَرَعَ الله العدة، في قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وإذا كان المُطلِّق - وهو أشد - يتراجع ويفكر فكذلك المولِي، فما المانع إذن أن تُعطَى الفرصة للمولي كي يفكر مَلِيًّا ويراجع نفسه بحيثُ يكون الرجوع عن الخطأ حينئذٍ سهلًا ميسورًا أمامه. ولا شكَّ أن هذا التعليل للجمهور إنما هو أقوى حُجَّةً وأقرب لروح الشريعة ومقاصدها. - قوله: (فَسَبَبُ الاخْتِلَافِ: مُعَارَضَةُ المَصْلَحَةِ المَقْصُودَةِ بِالإِيلَاءِ لِلْأَصْلِ المَعْرُوفِ فِي الطَّلَاقِ: فَمَنْ غَلَّبَ الأَصْلَ قَالَ: رَجْعِيٌّ، وَمَنْ غَلَّبَ المَصْلَحَةَ قَالَ: بَائِنٌ). وهذا القول الذي أورَدَه المؤلف من أن القول بالبينونة فيه تغليبٌ للمصلحة لا نُسَلِّم به؛ فليس هناك ما يمنع أن تكون المصلحة في مذهب الجمهور. والواقع إنما يشهد لذلك، بحيثُ إن هذا الزوج ربما كان شابًّا مندفعًا أو رجلًا يَغلِبُهُ غضبه، فإذا ما حصل منه ذلك وأحَسَّ بأن المرأة قد طُلِّقَت وأوشكت أن تفارقه فحينئذٍ ربما فَكَّرَ في الأمر وأعاد حساباته فترتَّبَ على

стр. 6460

هذا رجوعه إلى الصواب، وكم من بيوتٍ عُمِّرَت بعد أن حصل الطلاق الرجعي، بسبب ما أَحَسَّ به كلّ واحدٍ من الزوجين من وحشة الفرقة والوحدة، فربما يُصلِح اللهُ الأحوال بين الزوجين مرةً أخرى. والمسلم ينبغي دائمًا أن يأخذ الدروس والفوائد من التجارب التي تمرّ به، ولذلك قيل: (السعيد من اتَّعَظَ بغيره، والشقي من اتَّعَظَ به غَيْرُهُ) (١). - قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَأَمَّا هَلْ يُطَلِّقُ القَاضِي إِذَا أَبَى الفَيْءَ أَوِ الطَّلَاقَ، أَوْ يُحْبَسُ حَتَّى يُطَلِّقَ: فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: "يُطَلِّقُ القَاضِي عَلَيْهِ" (٢). وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: "يُحْبَسُ حَتَّى يُطَلِّقَهَا بِنَفْسِهِ" (٣)).

стр. 6461

المُولِي إذا امتنع من الفيئة والطلاق معًا، فهل يقوم الحاكم مقامه فيطلِّق؟ الجواب: نعم، يُطلِّق؛ فإنَّ الحاكم يملك من الطلاق ما يملكه المُولِي، وإليه الخيرة فيه، لأنَّ الحاكم قائم مقامه، فملك من الطلاق ما يملكه، كما لو وكله في ذلك، وليس ذلك زيادة على حقها؛ فإن حقها الفرقة، غير أنها تتنوع. - قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: مُعَارَضَةُ الأَصْلِ المَعْرُوفِ فِي الطَّلَاقِ لِلْمَصْلَحَةِ، فَمَنْ رَاعَى الأَصْلَ المَعْرُوفَ فِي الطَّلَاقِ قَالَ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إِلَّا مِنَ الزَّوْجِ. وَمَنْ رَاعَى الضَّرَرَ الدَّاخِلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى النِّسَاءِ قَالَ: يُطَلِّقُ السُّلْطَان، وَهُوَ نَظَرٌ إِلَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالقِيَاسِ المُرْسَلِ (١)، وَالمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ العَمَلُ بِهِ (٢)، وَكَثِيرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ يَأْبَى ذَلِكَ (٣)).

стр. 6462

قد يرى الحاكم المصلحة في تحريمها عليه، ومنعه رجعتها؛ لعلمه بسوء قصده، وحصول المصلحة ببعده. (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَأَمَّا هَلْ يَتَكَرَّرُ الإِيلَاءُ إِذَا طَلَّقَهَا، ثُمَّ رَاجَعَهَا؟). فلو أن إنسانًا آلى من امرأته ثم وَقَعَ الطلاق، ثم عاد فتزوجها مرةً أخرى، فهل حينئذٍ يعود الإيلاءُ مرةً أخرى، أم أنه ينتهي بذلك؟ وهذه المسألة قد اختلفت فيها أقوال العلماء كالتالي: القول الأول: وهو قول المالكية، أن الإيلاء يعود مرةً أخرى سواءٌ كان الطلاق رجعيًّا أم بائنًا (١). القول الثاني: وهو قول الحنفية (٢) وأحد الأقوال عن الشافعية (٣)، أن الإيلاء يعود إن كان الطلاق رجعيًّا فقط، أما إذا كان بائنًا فلا يعود الإيلاء. القول الثالث: وهو قول الحنابلة (٤)، والقول الآخر عن الشافعية (٥)، أن الإيلاء يعود إن كان الطلاق بائنًا فقط، أما إذا كان رجعيًّا فلا يعود الإيلاء.

стр. 6463

- قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إِذَا رَاجَعَهَا، فَلَمْ يَطَأْهَا، تَكَرَّرَ الإِيلَاءُ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَهُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَالبَائِنِ (١)). فلا يفرق مالكٌ بين ما إذا كانت رجعت إليه بعد طلاقٍ بائنٍ وانتهت العدة ثم تزوجها، وبين ما إذا كان رَاجَعَها في العدة الرجعية، فإن الإيلاء يبقى في الحالتين. - قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "الطَّلَاقُ البَائِنُ يُسْقِطُ الإِيلَاءَ" (٢)، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ (٣)). وأما القول الآخر للشافعي فإنه يلتقي فيه مع مذهب الحنابلة في أن عودة الإيلاء تكون في الطلاق البائن (٤).

стр. 6464

- قوله: (وَهَذَا القَوْلُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ المُزَنِيُّ (١)). والمزني من أصحاب الإمام الشافعي، وهو من مشاهير علماء مذهب الشافعية. - قوله: (وَجَمَاعَةُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الإِيلَاءَ لَا يَتَكَرَّرُ بَعْدَ الطَّلَاقِ إِلَّا بِإِعَادَةِ اليَمِينِ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ المَصْلَحَةِ لِظَاهِرِ شَرْطِ الإِيلَاءِ). والمراد من كلام المؤلف هاهنا أن هذا الإيلاء إنما وقع في النكاح الأول، وهذا النكاح الأول إنما قد انتهى بوقوع الطلاق، فيكون هناك إشكالٌ في كيفية عودة الإيلاء بعد انتهاء النكاح، ولذا ذَهَبَ بعض العلماء في المسألة إلى عدم عودة الإيلاء مرةً ثانيةً؛ لأن الطلاقَ قَطَعَهُ وأنهاه. فبعض العلماء يقول بعودة الإيلاء؛ لأن هذا الإيلاء الذي حصل من الزوج إنما هو إيلاءٌ صحيحٌ وله مُدَّةٌ محدَّدةٌ، ولذا ينبغي أن يعود مرةً أخرى. وبعضهم يُفرِّقُ في هذا بين الطلاق الرجعي والبائن كما سَبَقَ. - قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا إِيلَاءَ فِي الشَّرْعِ إِلَّا حَيْثُ يَكُونُ يَمِينٌ فِي ذَلِكَ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، لَا فِي نِكَاحٍ آخَرَ، وَلَكِنْ إِنْ رَاعَيْنَا هَذَا، وُجِدَ

стр. 6465

الضَّرَرُ المَقْصُودُ إِزَالَتُهُ بِحُكْمِ الإِيلَاءِ، وَلذَلِكَ رَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِحُكْمِ الإِيلَاءِ بِغَيْرِ يَمِينٍ إِذَا وُجِدَ مَعْنَى الإِيلَاءِ). وهاهنا يعود المؤلِّف إلى مسألة حصول الامتناع عن الوطء دون يمينٍ، من حيث إن ذلك يترتب عليه من الضرر ما يترتب على الإيلاء المقصود بيمينٍ، ولذلك حَكَمَ الإمام مالكٌ بأن ذلك يأخذ حُكمَ الإيلاء لاشتماله على معناه في حالة لحوق الضرر بالزوجة، ووافقه على هذا أحمد في روايةٍ. - قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: وَأَمَّا هَلْ تَلْزَمُ الزَّوْجَةَ المُولَى مِنْهَا عِدَّةٌ أَوْ لَيْسَ تَلْزَمُهَا؟). ومراد المؤلف هاهنا أن الزوجة إذا آلى منها زوجها وانتهت مدة الإيلاء ثم طَلبَت الفيئة فأبى الزوجُ أن يفيء ووقع الطلاق، فهل يلزم الزوجة هاهنا أن تعتدَّ أم لا؟ فهذه الزوجة قد مكثَت أربعة أشهُرٍ وعشرًا، وهذه المدة إنما هي أكثر من الأقراء الثلاثة إن كانت ممن يحِضنَ، وهي أكثر كذلك من الأشهُر الثلاثة إن كانت ممن تعتدّ بالأشهُر، فهل يُطلَب منها بعد هذا أن تعتدّ مرةً أخوى أم لا؟ وهل القصد من العدة هو براءة الرحم فقط - كما عَلَّلَ المؤلف لأحد الفريقين - فيجاب عن هذا بأن براءة الرحم قد تحقَّقَت، أم أن أمر العدة إنما هو أمر تعبدي وشريعة شرعها الله . ومثل هذه المسائل لا أدلة لها، ولكنها من المسائل التي تشتمل على شيءٍ من العمق والدراسة. - قوله: (فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ العِدَّةَ تَلْزَمُهَا (١)).

стр. 6466

والجمهور هاهنا يراد بهم الأئمة الأربعة كلهم، (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد)، فكلهم اتفقوا على أن العدة تلزم الزوجة في هذه الحالة. - قوله: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: لَا تَلْزَمُهَا عِدَّةٌ إِذَا كَانَتْ قَدْ حَاضَتْ فِي مُدَّةِ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ ثَلَاثَ حِيَضٍ (١)، وَقَالَ بِقَوْلِهِ طَائِفَةٌ (٢)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣). وَحُجَّتُهُ أَنَّ العِدَّةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَهَذِهِ قَدْ حَصَلَتْ لَهَا البَرَاءَةُ). وهذا القول الآخر إنما هو لجابر بن زيدٍ، وهو مرويٌّ عن ابن عباس ﵄ بأن العدة لا تلزم الزوجة. وإنما يحتجّ هذا الفريق على ما ذَهَبَ إليه بأنَّ الحكمة من مشروعية العدة إنما هي التيقن من براءة الرحم؛ تجنُّبًا لحدوث اختلاط الأنساب، ولكيلا يأتي زوجٌ جديدٌ فيقع على هذه المرأة فيختلط ماؤه بماء مَن سَبَقَهُ - إن كان هناك ماءٌ - فيحصل اختلاط الأنساب، وهذا إنما قد مَنَعَتْ منه

стр. 6467

الشريعة الإسلامية، بل إنها جعَلَت المحافظة على أنساب الناس إحدى الضروريات الخمس. فهذه هي حُجَّةُ هذه الفريق، بأن الحكمة من مشروعية العدة إنما هي التأكد من براءة رحم الزوجة منعًا لاختلاط الأنساب بين الناس، وأن براءة الرحم قد تحقَّقَت بالفعل في مدة الإيلاء، ولذا فإن الزوجة لا تلزمها العدة حينئذٍ. الجواب عن هذه العلة: أن براءة الرحم لا شكَّ أنها من أقوى الأسباب التي شُرعَت من أجلها العدة، بل إنها الأصل في ذلك، ولكن في المقابِلِ فإن هذه العلة ليست فقط لبراءة الرحم، وإنما هناك أمور أخرى غير ذلك شُرعَت من أجلها العدة، كالوفاء للزوج مثلًا، فلا شكَّ أن العدة روعِيَ فيها أن تكون وفاءً لهذا الزوج برغم حصول الفراق بين الزوجين، وكذلك شُرِعَتْ العدة لكي تكون فرصةً للزوج لمراجَعة نفسه وإعادة التفكير في أمر هذه الفرقة وأضرارها، كما قال الله : ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، فلَم تكن هذه العدة فقط لبراءة الرحم. وإلى جانب هذا كلِّه فإن هذه هي شريعة الله التي يجب أن نقف عندها وأن ننزل عند أحكامها، بحيث نستجيب لها لا أن نتجاوزها، فما دام الله قد شَرَعَ العدة وأكَّد ذلك رسوله المصطفى ﷺ سُنتِهِ فلا ينبغي لنا إلا التسليم لشرع الله؛ لأنها شريعةٌ باقيةٌ، ولذلك فإن الأئمة الأربعة قد التقَتْ أقوالهم في هذه المسألة. - قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ كَسَائِرِ المُطَلَّقَاتِ). والمراد هاهنا أن الجمهور احتجوا بأن الله لم يَستَثْنِ مسألةً من المسائل في إقرار العدة، وإنما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾.

стр. 6468

- قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ أَنَّ العِدَّةَ جَمَعَتْ عِبَادَةً وَمَصْلَحَةً، فَمَنَ لَحَظَ جَانِبَ المَصْلَحَةِ، لَمْ يَرَ عَلَيْهَا عِدَّةً، وَمَنْ لَحَظَ جَانِبَ العِبَادَةِ، أَوْجَبَ عَلَيْهَا العِدَّةَ). وهذا الذي أورده المؤلف هاهنا شيءٌ طيبٌ، فالعدة إنما هي عبادةٌ؛ لأن القصد من العبادة أنها حكم الله سبحانه ورسوله ﷺ ، والمسلم عندما ينزل عند حكم الله وهو متيقن من أن هذا هو شرع الله الذي شَرَعَه لعباده فلا شكَّ أن ذلك يكون نوعًا من أنواع العبادة؛ لأن هذه الشريعة كلها عبادة وطاعة لله ، وذلك حتى في الأمور التي فيها معامَلاتٌ كالبيع والشراء والنكاح بحيث إذا قُصدَ به وَجْهُ الله أصبح عبادةً يُؤْجَر عليها فاعِلُها. - قوله: (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وَأَمَّا إِيلَاءُ العَبْدِ). وكما ذكرنا فإن المؤلف لم يتكلَّم عن جملة من المسائل التي تناولها أهل العلم، ومن ذلك أن الإيلاء لا يقع إلا في حالة الغضب كما أُثِرَ عن بعض الصحابة (١). ومنها كذلك إذا كان تحت المسلم زوجةٌ ذمّيةٌ هل يلحقها الإيلاء أم لا، والصحيح أنها يلحقها أيضًا الإيلاء (٢).

стр. 6469

وكذلك من المسائل التي لم يذكرها المؤلف أن الزوج لو حلف أن يولي من امرأةٍ لو تزوجها، والصحيح في ذلك أن إيلاءه لا يقع حينئذٍ؛ لأن الإيلاء لا يكون إلا من الزوجة (١)، فلو حلف الرجل أن يولي من أَمَتِهِ فإن الإيلاء لا يقع عليها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، وكذلك لو حلف ألَّا يطأ امرأته في دبرها فلا يسمى ذلك إيلاءً؛ لعدم جواز الوطء في الدبر ولكونه معصيةً، فلا يُنظَر إليه؛ لأن الإيلاء إنما يكون عن الوطء في القُبل (٢).

стр. 6470

فهذه المسائل وغيرها الكثير لم يتناوله المؤلف بالذِّكر؛ لكونه إنما يتناول أمَّات المسائل ولا يتطرَّق إلى فروع المسائل كما ذَكَرْنَا. - قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: "إِيلَاءُ العَبْدِ شَهْرَانِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ إِيلَاءِ الحُرِّ" (١)). وقد ذَكَرْنَا سابقًا في بعض المسائل - كالحدِّ والطلاق والعدَّة - أن هناك حالات تكون سببًا من أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية، فالعلماء حينما استقرؤوا الشريعة الإسلامية حَصَرُوا أسباب التخفيف في أمورٍ سبعةٍ، منها النقص بالرِّقِّ، بمعنى: أن العبد والأَمَةَ ناقصان، وهذا النقص لا يُعنَى به النقص في الخلقة وإنما النقص من حيثُ التصرف؛ لأن العبد والأمة ليس لهما كمال التصرف كما هو الحال بالنسبة للحرِّ، وكما هو الحال بالنسبة للمرأة التي ليس لها ما للرجل من التصرف. وهاهنا فيما يتعلق بالإيلاء، فإن الزوج لو آلى من زوجته الأَمَةِ فإن بعض العلماء يرى أنه لا فرق في ذلك بين الحرة والأَمَة ولا بين المسلمة والذمية؛ لأن ذلك جاءَ مُطلَقًا في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ولذا فإن أيَّ زوجةٍ يطؤها المسلم فإن الإيلاء منها يكون أكثر من أربعة أشهر على مذهب الجمهور، أو أربعة أشهر على مذهب الحنفية، وهناك من العلماء - كمالكٍ وأحمد في إحدى الروايتين - يذهب إلى أن الأمة والذمية تعتدان شهرين على النصف من المسلمة والحرة.

стр. 6471

- قوله: (قِيَاسًا عَلَى حُدُودِهِ وَطَلَاقِهِ). والمراد من ذلك أنهم قاسوا ذلك على الحَدِّ المُقام على العبد وعلى طلاقه، فإن حَدَّ العبد على النصف من حَدِّ الحُرِّ، وكذلك الطلاق الذي يملكه العبد إنما هو طلقتان، وهو طلقتان لا طلقة ونصف؛ لأن الطلقة لا تُنَصَّفُ ولا تُجَزَّأُ فصارت طلقتين. وذلك ينطبق أيضًا على الأقراء (١)، فإن الأَمَة تَبينُ بطلقتين، وتعتدّ بحيضتين لا بحيضةٍ ونصف؛ لأن الأقراء لا تتبعض، فكانت حيضتين، بخلاف الأشهر التي قال فيها بعض العلماء بجلوس الأمة للعدة شهرًا ونصف شهر. - قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: "إِيلَاؤُهُ مِثْلُ إِيلَاءِ الحُرِّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ تَمَسُّكًا بِالعُمُومِ" (٢)). وقول الشافعي هذا يلتقي مع الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (٣).

стр. 6472

والمقصود بالعموم هاهنا إنما هو عموم الآية، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، حيث لم تُفَرِّق الآية بين الحرِّ والعبد في ذلك، بل جاءت الآية مُطلَقَةً، مما يوجب علينا الوقوف عند ظاهرها. - قوله: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَعَلُّقَ الأَيْمَانِ بِالحُرِّ وَالعَبْدِ سَوَاءٌ، وَالإِيلَاءُ يَمِينٌ). ومراد المؤلِّف هاهنا أن الأيمان التي تصدر من العبد والحرِّ إنما تكون متسوايةً في كفارتها، بحيثُ لا يكفر الحُرُّ كفارةً ويكفِّرُ العبد نصف كفارةٍ، بل إن كلا الكفارتين متساويتان لعموم قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وإذا كان الأمر كذلك فلا وجه إذن للتفرقة بين إيلاء العبد وإبلاء الحُرِّ. - قوله: (وَقِيَاسًا أَيْضًا عَلَى مُدَّةِ العِنِّينِ). فإن العنين يُؤَجَّلُ سَنَةً، ولا يُفَرَّق في هذا الحُكم بين حرية العنين وَرِقِّهِ (١).

стр. 6473

(وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّقْصُ الدَّاخِلُ عَلَى الإِيلَاءِ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسَاءِ لَا بِالرِّجَالِ كَالعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَتِ المَرْأَةُ حُرَّةً، كَانَ الإِيلَاءُ إِيلَاءَ الحُرِّ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَى النِّصْفِ (١)). والسبب في ذهاب أبي حنيفة إلى هذا القول هو أن الإيلاء إنما يقع على المرأة، فكان الاعتبار عنده بالمرأة لا بالرجل. وهذا القول يَرُدُّه أن الآية مُطلَقَةً لم تُقَيِّد، وأن رسول الله ﷺ لم يُبَيِّن ذلك، والقاعدة الأصولية تنصّ على عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٢)، استنادًا لقوله تعالى عن نبيه ﵊: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فلا يمكن للنبي ﷺ أن يؤخر بيانَ أمرٍ يحتاج إليه المسلمون؛ لأنه هو المُبَيِّنُ لكتاب الله ، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. - قوله: (وَقِيَاسُ الإِيلَاءِ عَلَى الحَدِّ غَيْرُ جَيِّدٍ). فالأظهر أنهم يقيسون الإيلاء على الطلاق والعدة لا على الحَدِّ.

стр. 6474

- قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ العَبْدَ إِنَّمَا كَانَ حَدُّهُ أَقَلَّ مِنْ حَدِّ الحُرِّ). أما الحدُّ إنما قد وَرَدَ في الأَمَةِ، بدليل قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، وهذا نَصٌّ في الأَمَةِ، وإذا كانت الأَمَةُ مملوكةً فإن العبدَ يقاسُ عليها؛ لأنه مملوكٌ مثلها. - قوله: (لِأَنَّ الفَاحِشَةَ مِنْهُ أَقَلُّ قُبْحًا، وَمِنَ الحُرِّ أَعْظَمُ قُبْحًا). ومراد المؤلِّف هاهنا أن العبد إذا حَصلَت منه هذه الجريمة ووقع في هذا المنكَر فإن هذا الفعل من ناحية السمعة يكون أخف وطأةً مما لو كان فاعله حُرًّا، فإنها من الحُرِّ تكون أَشْهَرَ وأكثر انتشارًا. لكننا نقول بقول النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" (١)، ولذا فإن المسلم - حُرًّا كان أو عبدًا - شأنه أن يَرفَع هَامَتَهُ بتقوى الله ويذل بمعصية الله . - قوله: (وَمُدَّةُ الإِيلَاءِ إِنَّمَا ضُرِبَتْ جَمْعًا بَيْنَ التَّوْسِعَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَبَيْنَ إِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنِ الزَّوْجَةِ، فَإِذَا فَرَضْنَا مُدَّةً أَقْصَرَ مِنْ هَذِهِ كَانَ أَضْيَقَ عَلَى الزَّوْجِ وَأَنْفَى لِلضَّرَرِ عَنِ الزَّوْجَةِ، وَالحُرُّ أَحَقُّ بِالتَّوْسِعَةِ وَنَفْيِ الضَّرَرِ عَنْه، فَلِذَلِكَ كانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا القِيَاسِ أَلَّا يَنْقُصَ مِنَ الإِيلَاءِ إِلَّا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا، وَالزَّوْجَةُ حُرَّةً فَقَطْ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَالوَاجِبُ التَّسْوِيَةُ). ومراد المؤلِّف هاهنا هو أن هذا الرقيق لو أصبح حرًّا خلال مدة الإيلاء، فهل تنتقل المدة إلى مدة الحرة على قول مَن يقول بأن العبد على النصف من الحرِّ؟ أم تبقى المدة على الحالة الأولى؟

стр. 6475

والخلاف في هذه المسألة مماثلٌ للخلاف المتعلق بمسألة العدة، والذي ذَكَرْنَا فيما مَرَّ. - قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا بِتَأْثِيرِ الرِّقِّ فِي مُدَّةِ الإِيلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي زَوَالِ الرّقِّ بَعْدَ الإِيلَاءِ، هَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى إِيلَاءِ الأَحْرَارِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يَنْتَقِلُ عَنْ إيلَاءِ العَبِيدِ إِلَى إِيلَاءِ الأَحْرَارِ" (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "يَنْتَقِلُ"، فَعِنْدَهُ أَنَّ الأَمَةَ إِذَا عَتَقَتْ وَقَدْ آلَى زَوْجُهَا مِنْهَا، انْتَقَلَتْ إِلَى إِيلَاءِ الأَحْرَارِ (٢)). والإمام أحمد له قولان في هذه المسألة، كما هو الحال في مسألة العدة (٣). - قوله: (وَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: "الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا لَا إِيلَاءَ عَلَيْهَا، فَإِنْ وَقَعَ وَتَمَادَى، حُسِبَتِ الأَرْبَعَةُ الأشْهُرِ مِنْ يَوْمِ بَلَغَتْ" (٤)).

стр. 6476

وكثيرٌ من العلماء ذهب إلى أن الصغيرة يقع عليها الإيلاء، فالمسألة محلّ خلافٍ بين أهل العلم، كما هو الحالى في مسألة المجبوب والخصيّ الذي قد جُبَّ ذَكَرُه بحيث صار لا أثر له، وكما هو الحال في الشيخ الفاني، كل هذه الحالات اختلف العلماء في حُكمِها، أما الشيخ الفاني فإن كان عنده شيءٌ من القدرة فإن بعض العلماء ذهب إلى وقوع إيلائه. - قوله: (وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي تَرْكِ الجِمَاعِ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا إِيلَاءَ عَلَى خَصِيٍّ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الجِمَاعِ). والسبب في قوله هذا أن ذلك ينتفي في حقِّه؛ لأنه لا أثر له عنده، ولكن هناك مَن ذهب إلى أنه يقع عليه الإيلاء حتى وإن لم يكن لديه القدرة على الجماع. وكذلك يختلف أهل العلم في إيلاء السكران كاختلافهم في طلاقه، والأشهَر والأقوى أنه يَلزَمه الإيلاء ويقع منه، وكذلك الحالط بالنسبة للسفيه. أما المجنون والصغير فإنهما لا يقع منهما الإيلاء، هذا على الرغم من أن الصغير فيه خلافٌ لكن بعض العلماء يرى أن الإيلاء إنما هو قَسَمٌ وأن الصغير ليس من المكلَّفِين ولذلك لا يقع منه الإيلاء. - قوله: (المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: وَأَمَّا هَلْ مِنْ شَرْطِ رَجْعَةِ المُولِي أَنْ يَطَأَ فِي العِدَّةِ أَمْ لَا؟). وهذه المسألة قد أدخلها المؤلف في مسألة أخرى، والمراد منها هو إذا آلى الزوج من امرأته ثم طَلَّقَها، وراجَعَها في أثناء العدة، فهاهنا لا

стр. 6477

خلاف بين العلماء في أنه من حقِّه مراجَعة زوجته في أثناء العدة، ولكن الخلاف فيما كان يُشتَرَط في هذه الرجعة أن يَطَأَها الزوج أثناء هذه العدة حتى يرتفع الإيلاء بالوطء أم لا يُشتَرَط ذلك. وهذه المسألة إنما هي محلُّ خلافٍ بين الجمهور والمالكية، وهو خلافٌ يسيرٌ، ولكن فيه شيء من الدِّقة، بحيث إنهم يَلتَقُون في أمرٍ ويَختَلِفُون في أمرٍ آخَرَ. - قوله: (فَإِنَّ الجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا (١)، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: "إِذَا لَمْ يَطَأْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرِ مَرَضٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا رَجْعَةَ عِنْدَهُ لَهُ عَلَيْهَا، وَتَبْقَى عَلَى عِدَّتِهَا، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا إِذَا انْقَضَتِ العِدَّةُ" (٢)). وهاهنا يتفق المالكية والجمهور على استئناف مدة الإيلاء حتى نهايتها، ثم يُخَيَّرُ الزوج بعدها، فإمَّا أن يفيءَ، وإما أن يؤمَرَ بالطلاق، فإن طَلَّقَ وإلا طَلَّقَ عليه الحاكم، وفي هذه المرحلة يختلف الفريقان: فالمالكية: يَرَوْنَ أن زوجته تَبِينُ منه بهذا. أما الجمهور: فإنها لا تَبِينُ منه عندهم، وإنما له أن يراجعها مرةً أخرى، بحيثُ إن وَطِئَهَا ارتفع الإيلاء، وإن لم يطأها عاد الإيلاء مرةً أخرى ثم إذا انتهت مدَّته بانت منه.

стр. 6478

- قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الإِيلَاءُ يَعُودُ بِرَجْعَتِهِ إِيَّاهَا فِي العِدَّةِ أَوْ لَا يَعُود، فَإِنْ عَادَ لَمْ يُعْتَبَرْ، وَاسْتُؤْنِفَ الإِيلَاءُ مِنْ وَقْتِ الرَّجْعَةِ - أَعْنِي: تُحْسَبُ مُدَّةُ الإِيلَاءِ مِنْ وَقْتِ الرَّجْعَةِ - وَإِنْ لَمْ يَعُدِ الإِيلَاء، لَمْ يُعْتَبَرْ أَصْلًا إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الإِيلَاءَ يَكُونُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ مِنْ وَقْتِ الرَّجْعَةِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: كُلُّ رَجْعَةٍ مِنْ طَلَاقٍ كَانَ لِرَفْعِ ضَرَرٍ، فإِنَّ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ بِزَوَالِ ذَلِكَ الضَّرَرِ، وَأَصْلُهُ المُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ إِذَا طُلِّقَ عَلَيْهِ ثُمَّ ارْتَجَعَ، فَإِنَّ رَجْعَتَهُ تُعْتَبَرُ صِحَّتُهَا بِيَسَارِهِ). أما فَسْخُ النكاح بسبب الإعسار بالنفقة أو وجود عيبٍ من العيوب فإن ذلك لا يَحصُلُ إلا بِمُطَالَبَةِ المرأة كما سَبَقَ. واليسار إنما يراد به الغِنَى، فإذا حَصَلَ وفُسِخَ النكاحُ لِسَبَبٍ من هذه الأسباب ثم اعتدَّت الزوجةُ وزال الإعسار بعد ذلك بحيثُ أَصبَحَ الزوجُ موسرًا قادرًا على الإنفاق، فإن له مراجَعة زَوجَتِهِ حينئذٍ. - قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ: قِيَاسُ الشَّبَهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ شَبَّهَ الرَّجْعَةَ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، أَوْجَبَ فِيهَا تَجَدُّدَ الإِيلَاءِ، وَمَنْ شَبَّهَ هَذِهِ الرَّجْعَةَ بِرَجْعَةِ المُطَلِّقِ لِضَرَرٍ، لَمْ يَرْتَفِعْ مِنْهُ ذَلِكَ الضَّرَر، قَالَ: يَبْقَى عَلَى الأَصْلِ). وقياس الشَّبه هو قياس ضعيفٌ - كما هو معلومٌ - لعدم وجود علةٍ تَجمَعُ المسألتين في الحكم (١).

стр. 6479

[كِتَابُ الظِّهَارِ (١)] [الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الظِّهَارِ] الظهار لُغة: مشتَقٌّ مِن (الظَّهر)، وقد شُبِّهَت المرأة بهذا؛ لأن الظَّهرَ في الأصل هو موضع الركوب؛ إذ غالبًا يكون الركوب على الظَّهر. والظِّهار (٢) اصطلاحًا: أن يَجْعَلَ الرَّجل امرأتَه بمنزلة أُمِّهِ.

стр. 6480

وقصة الظهار في الإسلام معروفةٌ، وقد حَدَثَتْ لخولة بنت مالك بن ثعلبة زوجة أويس بن الصامت - أخِي عبادة بن الصامت الذي روى حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) -، وخويلة بنت مالكٍ ابنة عَمِّ أويس كذلك، وقد ظاهَرَ منها أويس يومًا، فما كان منها إلا أن ذَهَبَت إلى رسول الله ﷺ تشكو حالها وما كان مِن ظِهارِ زوجِها منها، وتَعرِضُ على رسول الله أَمْرَهَا وتريد مَخْرَجًا من ذلك، لعلَّ رسول الله ﷺ يردّها إلى زَوجِها، ورسول الله ﷺ كان يُهَوِّنُ عليها ويقول لها: "اتقي الله في ابن عمك، إنه زَوجُكِ"، وإنما كان هذا من رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا عِلمَ له بالغيب، وإنما كان يَحكُمُ بما أَنزَلَ الله عليه، والظهار في ذلك الوقت كان أمره كأمر الطلاق، فلما جاءت إلى رسول الله ﷺ أَخْبَرَهَا أنها قد حَرُمَتْ بذلك على زَوجِهَا وأنه لم يَنزِلْ بَعْدُ عليه ﷺ حُكْمٌ يَرفَعُ ذلك. فَبَقِيَ الأمر على ما كان، وبقيت خولة تُكَرِّرُ شَكْوَاهَا على رسول الله ﷺ ، وقد جاء في بعض الروايات أنها قالت: "أَكَلَ مالي وأَفْنَى عمري ونَثَرْتُ (٢) له بَطْنِي - أي: أولادي - حتى إذا تَقَدَّمَ سِنِّي جَعَلَنِي كَأُمِّهِ! "، ورسول الله ﷺ يخبرها بما عنده من حُكم ثابتٍ في هذا الأمر، فما كان منها إلا أنها اتَّجَهَت إلى الله ، فَنَزَلَ قولُ الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ
следующие страницы →