← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

وكثيرٌ من العلماء ذهب إلى أن الصغيرة يقع عليها الإيلاء، فالمسألة محلّ خلافٍ بين أهل العلم، كما هو الحالى في مسألة المجبوب والخصيّ الذي قد جُبَّ ذَكَرُه بحيث صار لا أثر له، وكما هو الحال في الشيخ الفاني، كل هذه الحالات اختلف العلماء في حُكمِها، أما الشيخ الفاني فإن كان عنده شيءٌ من القدرة فإن بعض العلماء ذهب إلى وقوع إيلائه. - قوله: (وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي تَرْكِ الجِمَاعِ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا إِيلَاءَ عَلَى خَصِيٍّ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الجِمَاعِ). والسبب في قوله هذا أن ذلك ينتفي في حقِّه؛ لأنه لا أثر له عنده، ولكن هناك مَن ذهب إلى أنه يقع عليه الإيلاء حتى وإن لم يكن لديه القدرة على الجماع. وكذلك يختلف أهل العلم في إيلاء السكران كاختلافهم في طلاقه، والأشهَر والأقوى أنه يَلزَمه الإيلاء ويقع منه، وكذلك الحالط بالنسبة للسفيه. أما المجنون والصغير فإنهما لا يقع منهما الإيلاء، هذا على الرغم من أن الصغير فيه خلافٌ لكن بعض العلماء يرى أن الإيلاء إنما هو قَسَمٌ وأن الصغير ليس من المكلَّفِين ولذلك لا يقع منه الإيلاء. - قوله: (المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: وَأَمَّا هَلْ مِنْ شَرْطِ رَجْعَةِ المُولِي أَنْ يَطَأَ فِي العِدَّةِ أَمْ لَا؟). وهذه المسألة قد أدخلها المؤلف في مسألة أخرى، والمراد منها هو إذا آلى الزوج من امرأته ثم طَلَّقَها، وراجَعَها في أثناء العدة، فهاهنا لا

стр. 6477

خلاف بين العلماء في أنه من حقِّه مراجَعة زوجته في أثناء العدة، ولكن الخلاف فيما كان يُشتَرَط في هذه الرجعة أن يَطَأَها الزوج أثناء هذه العدة حتى يرتفع الإيلاء بالوطء أم لا يُشتَرَط ذلك. وهذه المسألة إنما هي محلُّ خلافٍ بين الجمهور والمالكية، وهو خلافٌ يسيرٌ، ولكن فيه شيء من الدِّقة، بحيث إنهم يَلتَقُون في أمرٍ ويَختَلِفُون في أمرٍ آخَرَ. - قوله: (فَإِنَّ الجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا (١)، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: "إِذَا لَمْ يَطَأْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرِ مَرَضٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا رَجْعَةَ عِنْدَهُ لَهُ عَلَيْهَا، وَتَبْقَى عَلَى عِدَّتِهَا، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا إِذَا انْقَضَتِ العِدَّةُ" (٢)). وهاهنا يتفق المالكية والجمهور على استئناف مدة الإيلاء حتى نهايتها، ثم يُخَيَّرُ الزوج بعدها، فإمَّا أن يفيءَ، وإما أن يؤمَرَ بالطلاق، فإن طَلَّقَ وإلا طَلَّقَ عليه الحاكم، وفي هذه المرحلة يختلف الفريقان: فالمالكية: يَرَوْنَ أن زوجته تَبِينُ منه بهذا. أما الجمهور: فإنها لا تَبِينُ منه عندهم، وإنما له أن يراجعها مرةً أخرى، بحيثُ إن وَطِئَهَا ارتفع الإيلاء، وإن لم يطأها عاد الإيلاء مرةً أخرى ثم إذا انتهت مدَّته بانت منه.

стр. 6478

- قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الإِيلَاءُ يَعُودُ بِرَجْعَتِهِ إِيَّاهَا فِي العِدَّةِ أَوْ لَا يَعُود، فَإِنْ عَادَ لَمْ يُعْتَبَرْ، وَاسْتُؤْنِفَ الإِيلَاءُ مِنْ وَقْتِ الرَّجْعَةِ - أَعْنِي: تُحْسَبُ مُدَّةُ الإِيلَاءِ مِنْ وَقْتِ الرَّجْعَةِ - وَإِنْ لَمْ يَعُدِ الإِيلَاء، لَمْ يُعْتَبَرْ أَصْلًا إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الإِيلَاءَ يَكُونُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ أَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ مِنْ وَقْتِ الرَّجْعَةِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: كُلُّ رَجْعَةٍ مِنْ طَلَاقٍ كَانَ لِرَفْعِ ضَرَرٍ، فإِنَّ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ بِزَوَالِ ذَلِكَ الضَّرَرِ، وَأَصْلُهُ المُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ إِذَا طُلِّقَ عَلَيْهِ ثُمَّ ارْتَجَعَ، فَإِنَّ رَجْعَتَهُ تُعْتَبَرُ صِحَّتُهَا بِيَسَارِهِ). أما فَسْخُ النكاح بسبب الإعسار بالنفقة أو وجود عيبٍ من العيوب فإن ذلك لا يَحصُلُ إلا بِمُطَالَبَةِ المرأة كما سَبَقَ. واليسار إنما يراد به الغِنَى، فإذا حَصَلَ وفُسِخَ النكاحُ لِسَبَبٍ من هذه الأسباب ثم اعتدَّت الزوجةُ وزال الإعسار بعد ذلك بحيثُ أَصبَحَ الزوجُ موسرًا قادرًا على الإنفاق، فإن له مراجَعة زَوجَتِهِ حينئذٍ. - قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ: قِيَاسُ الشَّبَهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ شَبَّهَ الرَّجْعَةَ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، أَوْجَبَ فِيهَا تَجَدُّدَ الإِيلَاءِ، وَمَنْ شَبَّهَ هَذِهِ الرَّجْعَةَ بِرَجْعَةِ المُطَلِّقِ لِضَرَرٍ، لَمْ يَرْتَفِعْ مِنْهُ ذَلِكَ الضَّرَر، قَالَ: يَبْقَى عَلَى الأَصْلِ). وقياس الشَّبه هو قياس ضعيفٌ - كما هو معلومٌ - لعدم وجود علةٍ تَجمَعُ المسألتين في الحكم (١).

стр. 6479

[كِتَابُ الظِّهَارِ (١)] [الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الظِّهَارِ] الظهار لُغة: مشتَقٌّ مِن (الظَّهر)، وقد شُبِّهَت المرأة بهذا؛ لأن الظَّهرَ في الأصل هو موضع الركوب؛ إذ غالبًا يكون الركوب على الظَّهر. والظِّهار (٢) اصطلاحًا: أن يَجْعَلَ الرَّجل امرأتَه بمنزلة أُمِّهِ.

стр. 6480

وقصة الظهار في الإسلام معروفةٌ، وقد حَدَثَتْ لخولة بنت مالك بن ثعلبة زوجة أويس بن الصامت - أخِي عبادة بن الصامت الذي روى حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) -، وخويلة بنت مالكٍ ابنة عَمِّ أويس كذلك، وقد ظاهَرَ منها أويس يومًا، فما كان منها إلا أن ذَهَبَت إلى رسول الله ﷺ تشكو حالها وما كان مِن ظِهارِ زوجِها منها، وتَعرِضُ على رسول الله أَمْرَهَا وتريد مَخْرَجًا من ذلك، لعلَّ رسول الله ﷺ يردّها إلى زَوجِها، ورسول الله ﷺ كان يُهَوِّنُ عليها ويقول لها: "اتقي الله في ابن عمك، إنه زَوجُكِ"، وإنما كان هذا من رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا عِلمَ له بالغيب، وإنما كان يَحكُمُ بما أَنزَلَ الله عليه، والظهار في ذلك الوقت كان أمره كأمر الطلاق، فلما جاءت إلى رسول الله ﷺ أَخْبَرَهَا أنها قد حَرُمَتْ بذلك على زَوجِهَا وأنه لم يَنزِلْ بَعْدُ عليه ﷺ حُكْمٌ يَرفَعُ ذلك. فَبَقِيَ الأمر على ما كان، وبقيت خولة تُكَرِّرُ شَكْوَاهَا على رسول الله ﷺ ، وقد جاء في بعض الروايات أنها قالت: "أَكَلَ مالي وأَفْنَى عمري ونَثَرْتُ (٢) له بَطْنِي - أي: أولادي - حتى إذا تَقَدَّمَ سِنِّي جَعَلَنِي كَأُمِّهِ! "، ورسول الله ﷺ يخبرها بما عنده من حُكم ثابتٍ في هذا الأمر، فما كان منها إلا أنها اتَّجَهَت إلى الله ، فَنَزَلَ قولُ الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ

стр. 6481

تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ١ - ٤] (١). فلما نَزَلَتْ هذه الآياتُ على رسول الله دَعَا المرأةَ - وفي بعض الروايات أنه دَعَا زَوْجَهَا (٢) - وَأَخْبَرَهَا أنَّ على زَوجِهَا أن يَعتِقَ رقبةً، فَأَخْبَرَتْهُ أنه لا يَجِدُ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ". فَأَخْبَرَتْهُ أنه شيخٌ كبيرٌ لا يُطِيقُ الصيامَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "فَليُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا". فقالت: إنه لا يجد. فقال رسول الله ﷺ : "سَأُعِينُهُ" (٣). وفي بعض الروايات: "سَنُعِينُهُ بِعَرْقٍ مِنْ تَمْرٍ" (٤). والعَرق (٥): إنما هو ما يسف من جريد النخل، وهو ما يُعرَف بالزنبيل أو المنكل ونحو ذلك، قالت: وأنا سَأُعِينُهُ بعَرْقٍ آخَرَ. فقال رسولُ الله ﷺ : "اذْهَبي فَأَطْعِمِي عَنْهُ وَعُودِي إِلَى زَوْجِكِ" (٦).

стр. 6482

قوله: (وَالأَصْلُ فِي الظِّهَارِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّة، فَأَمَّا الكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآيَة). أما حُكْمُ الظِّهار فإن تحريمه قد جاء بصريح نَصِّ القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، فكونه سَمَّى هذا العَمَلَ منكَرًا وزورًا إنما هو دليلٌ على تحريمه في الشرع، ولذلك فإن الظِّهارَ إنما يقع ممن يصحّ طلاقه، والذي يصحّ طلاقه إنما هو المكلَّف البالغ العاقل - على الخلاف المعروف في الصغير والسكران -. ولذا فإنه لا ينبغي للمسلم أن يقع في هذا الصنيع. وقد أَنكَرَ الله ذلك الصَّنِيعَ وذَمَّهُ كما في قوله في سورة الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. فهذه الآية والآية التي أوردها المؤلِّف هما أصل الظهار من الكتاب الكريم. قوله: (وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: "ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أُوَيْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَشْكُو إِلَيْهِ، وَرَسُولُ اللهِ يُجَادِلُنِي فِيهِ، وَيَقُولُ: "اتَّقِي اللهَ، فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ" … ). وأمَّا أصله مِن السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ فحديث خولة - الذي ذَكَرْنَاهُ - والتي كانت قد تَأَلَّمَتْ من ظِهار زوجِها إلى الحَدِّ الذي جَعَلَها تَتَنَقَّلُ من جانبٍ إلى جانبٍ، بحيثُ تأتي إلى رسول الله ﷺ من هاهنا فيجيبها بما لديه، فتأتيه من هاهنا، واستمَرَّت هكذا إلى أن نَزَلَ الوحيُ على رسول الله ﷺ ، فعرفَت ذلك عائشةُ في وَجْهِ رسول الله ﷺ فَأَمَرَتْهَا أن تَتَنَحَّى حتى نَزَلَت آيات سورة المجادلة.

стр. 6483

- قوله: (فَمَا خَرَجْتُ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] الآيَاتِ، فَقَالَ: "لِيُعْتِقْ رَقَبَةً"، قَالَتْ: لَا يَجِد، قَالَ: "فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ شَيْخٌ كبِيرٌ مَا بِهِ صِيَامٌ). وقولها: "ما به من صيام"، تعني: به أنه شيخٌ كبيرٌ فانٍ لا يستطيع الصومَ، وقد جاء في بعض الروايات أنه كان يصيبه لَلَمٌ، فخَرَجَ إلى نَادِي قَومِهِ ثم عاد إليها، فأراد منها ما يريد الزوج من امرأته، قالت: "فَأَبَيْت، فَغَلَبْتُهُ كَمَا تَفْعَلُ المَرْأَةُ مَعَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ" (١). - قوله: (قَالَ: "فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ). وقضية الإطعام في الكفارات فيها خلافٌ بين أهل العلم في تحديد مقدار الإطعام، فيما إذا كان صاعًا أو نِصْفَ صاعٍ، أو هو نِصْف صاعٍ مِن غير البُرِّ، أو أنه مُدٌّ - أي: رُبُعُ صَاعٍ - مِن البُرِّ. - قوله: (قَالَ: "فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرْقٍ مِنْ تَمْرٍ". قَالَتْ: وَأَنَا أُعِينُهُ بِعَرْقٍ آخَرَ). وهذا يدلّ على مدى وفاء خولة لزوجها، فرسول الله ﷺ قد أعان زَوْجَها، وزَوْجُها هذا إنما قد ظاهَرَ منها وتَسَبَّبَ ظِهارُهُ لها في الألَمِ والتَّأَثُّرِ الشديد الذي وَقَعَتْ فيه، وبالرغم من ذلك إذا بها تُعينُهُ على أداء الكفارة الواجبة عليه، وهذا لا شكَّ أنه من الوفاء المطلوب بين الزوجين. = قوله: (قَالَ: "أَحْسَنْتِ اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)).

стр. 6484

شَكَرَ لها رسولُ الله ﷺ صنيعَها؛ لأنه لا شكَّ في كونه عملًا محمودًا. وهذا الحديث حديث صحيحٌ، أصله في البخاري (١)، وقد خَرَّجَهُ أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، وأحمد (٤)، وأصحاب السنن (٥) فيما عدا النسائي (٦). - قوله: (وَحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَيَاضِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) (٧). فإلى جانب حديث خولة هناك أيضًا حديث سلمة بن صخر البياضي، والذي قال فيه: "كُنْتُ امْرَأً أَسْتَكْثِرُ مِنَ النِّسَاءِ، لَا أَرَى رَجُلًا كَانَ يُصيبُ مِنْ ذَلِكَ مَا أُصِيب، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ ظَاهَرْتُ مِنَ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَان، فَبَيْنَمَا هِيَ تُحَدِّثُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ انْكَشَفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ، فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا فَوَاقَعْتُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي، وَقُلْتُ لَهُمْ: سَلُوا لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا نَفْعَل، إِذًا يُنْزِلَ اللهُ فِينَا كِتَابًا، أَوْ يَكُونَ فِينَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلٌ، فَيَبْقَى عَلَيْنَا عَارُه، وَلَكِنْ سَوْفَ نُسَلِّمُكَ بِجَرِيرَتِكَ، اذْهَبْ أَنْتَ، فَاذْكُرْ شَأْنَكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتَ بِذَاكَ"؟، فَقُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، وَهَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ صَابِرٌ لِحُكْمِ اللهِ عَلَيَّ، قَالَ: "فَأَعْتِقْ

стр. 6485

رَقَبَةً"، قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَتِي هَذِهِ، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ دَخَلَ عَلَيَّ مَا دَخَلَ مِنَ البَلَاءِ إِلَّا بِالصَّوْمِ، قَالَ: "فَتَصَدَّقْ، أَوْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ مَا لَنَا عَشَاءٌ، قَالَ: "فَاذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَه، فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، وَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَانْتَفِعْ بِبَقِيَّتِهَا" (١). - قوله: (وَالكَلَامُ فِي أُصُولِ الظِّهَارِ يَنْحَصِرُ فِي سَبْعَةِ فُصُولٍ؛ مِنْهَا: فِي أَلْفَاظِ الظِّهَارِ، وَمِنْهَا: فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الكَفَّارَةِ فِيهِ، وَمِنْهَا: فِيمَنْ يَصِحُّ فِيهِ الظِّهَار، وَمِنْهَا فِيمَا يَحْرُمُ عَلَى المُظَاهِرِ، وَمِنْهَا: هَلْ يَتَكَرَّرُ الظِّهَارُ بِتَكَرُّرِ النِّكَاحِ؟ وَمِنْهَا: هَلْ يَدْخُلُ الإِيلَاءُ عَلَيْهِ؟ وَمِنْهَا: القَوْلُ فِي أَحْكَامِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ). ومراد المؤلف هاهنا أن باب الظهار يشتمل على أصولٍ وفروعٍ، فمن مسائله ما يعتبر من أمَّات المسائل، ومنها كذلك مسائل جزئيةٌ فرعيةٌ، وكلها مسائل مهمّةٌ، لكن المؤلف سَيَقْتَصرُ تَنَاوُلُهُ على أمَّات المسائل الكبرى كعادته. - قوله: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الظِّهَارِ - وَاتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي أَنَّهُ ظِهَارٌ) (٢). وقول المؤلف هاهنا: (اتَّفَقُوا)، كان الأوْلَى والأقوى منه أن يقول:

стр. 6486

(أَجْمَعُوا)، فهذه المسألة محلّ إجماعٍ بين أهل العلم؛ لأنها قد جاء التنصيص عليها في كتاب الله في حَقِّ أُويس بن الصامت في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وأويس إنما قال لزوجته: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، فقد نصَّ عليها الكتابُ والسُّنَّة، ولا شكَّ أن العلماء لا يختلفون فيما وَرَدَ فيه النَّصُّ الصَّريح في الكتاب أو السُّنَّة، وإنما يُجمِعُون عليه. - قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا ذَكَرَ عُضْوًا غَيْرَ الظَّهْرِ). كَأَنْ يَذكُرَ البطنَ أو الرأسَ أو اليَدَ أو الشَّعَرَ أو الأُذُنَ. - قوله: (أَوْ ذَكَرَ ظَهْرَ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنَ المُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ عَلَى التَّأْبِيدِ غَيْرَ الأُمِّ). والمحرَّمات من النساء ينقسمن إلى: القسم الأول: محرَّماتٌ تحريمًا مؤبَّدًا: وهذا التحريم إما أن يكون بالنسب، وإما أن يكون بالسبب. فالمحرَّمات بالنسب كالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات. أما المحرَّمات بالسبب فهن المحرَّمات بالرضاع أو المصاهَرة: - فالمحرمات بالرضاع كالأمِّ المُرضِعة والأخت من الرضاع والأخت من الرضاع. - وهناك محرَّماتٌ بالمصاهَرة. القسم الثاني: محرَّماتٌ تحريمًا مؤقَّتًا: كتحريم الجمع بين الزوجة وأختها، أو بينها وبين عمَّتها أو خالتها. وقد أَجْمَعَ العلماءُ على أنَّ مَن قال لزوجته: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) أنه قد ظَاهَرَ منها بهذا القول، لكن الخلاف فيما إذا ذَكَرَ الظِّهَارِ بغير الأمِّ

стр. 6487

من النساء المحرَّمات عليه فهل يُعَدُّ ذلك ظِهارًا أم لا، وهل الجَدَّةُ تُسَمَّى أُمًا أم لا. - قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: "هُوَ ظِهَارٌ" (١). وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: "لَا يَكُونُ ظِهَارًا إِلَّا بِلَفْظِ الظَّهْرِ وَالأُمِّ" (٢)). بل هو قول جمهور أهل العلم، فهو قول الشافعي وأحمد (٣) كذلك. والإمام الشافعي له قولان في هذه المسألة (٤)، ففي المذهب القديم خالَفَ جمهور العلماء وقَيَّدَ الظِّهارَ بالظَّهْرِ والأُمِّ وأنَّ ما عداه لا يكون ظِهارًا؛ لأن هذا هو ظَاهِرُ النَّصِّ القرَآنيِّ الكريم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ

стр. 6488

يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وأضاف إليه الظِّهارَ بذِكْرِ الجَدَّةِ؛ لأن الجدة ما هي إلا أمٌّ، ولكنه في المذهب الجديد قال بقول جمهور العلماء. ومن المعلوم: أن القول الأخير للشافعي هو المعتمد في مذهبه ما عدا بعض المسائل التي التَقَى المذهبُ القديمُ فيها مع الدليل من الكتاب أو السنة، ففي هذه المسائل وحدها يُعتَمَدُ المذهبُ القديمُ عملًا بقول الشافعي ﵀: (إذا صَحَّ الحديثُ فهو مذهبي) (١). - قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "يَكُونُ بِكُلِّ عُضْوٍ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ" (٢)). فأبو حنيفة هاهنا إنما وَافَقَ الجمهورَ في شيءٍ وخَالَفَهُم في شيءٍ آخَرَ، بمعنى: أنه وافَقَهم في الظهار بالأعضاء الأخرى، لكنه خالَفَهُم في أنه يُقيِّدُ ذلك بالأعضاء المستورة التي يَحرُمُ على غير الزوج النَّظَرُ إليها كالبطن والفرج والفخذ. - قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَعْنَى لِلظَّاهِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ تَسْتَوِي فِيهِ الأُمُّ وَغَيْرُهَا مِنَ المُحَرَّمَاتِ، وَالظَّهْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الأَعْضَاءِ، وَأَمَّا الظَّاهِرُ مِنَ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَلَّا يُسَمَّى ظِهَارًا إِلَّا مَا ذُكِرَ فِيهِ لَفْظُ الظَّهْرِ وَالأُمِّ). والدليل على استواء الأُمِّ وغيرها من المحرَّمات في ذلك أن الله قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، وعندما يقول الزوج لامرأته: (أنتِ علَيَّ كظهر جدتي، أو: عمتي، أو:

стр. 6489

خالتي، أو: بنت أختي) فإن هذا أيضًا هو مُنكَرٌ مِن القول وزورٌ. ولذا فإن جمهور العلماء قالوا: إذا كانت هذه محرَّمةً على التأبيد وتلك محرَّمة على التأبيد، وإذا كان هذا مُنكرًا من القول وزورًا وذاك مثله منكرًا من القول وزورًا، فليس هناك وجهٌ للتفريق بينهما. أما أصحاب القول الآخر فإنهم توقَّفوا عند ظَاهِرِ الآية؛ لأنَّهَا نَصَّت على الظَّهْرِ والأُمِّ. - قوله: (وَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ عَلَيَّ كَأُمِّي، وَلَمْ يَذْكرِ الظَّهْرَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢): "يَنْوِي فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِذَلِكَ الإِجْلَالَ لَهَا، وَعِظَمَ مَنْزِلَتِهَا عِنْدَهُ"، وَقَالَ مَالِكٌ (٣): "هُوَ ظِهَارٌ"). قول الزوج لامرأته: (أَنْتِ كَأُمِّي). لا شَكَّ أنه يختلف عن قوله لها: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)؛ لأن الأخيرة هذه صريحةٌ في الظِّهار، بخلاف

стр. 6490

قول: (أنتِ كأمي)؛ لأنه ليس ظهارًا صريحًا، فقد يكون يقصد بذلك احترامها وتكريمها وإخبارها بأن حُبَّهَا ومكانتَها في نفسه كبيرةٌ كَمَكَانَةِ أُمِّهِ. والمالكية في هذه المسألة يذهبون إلى أن هذا القول منه يُعَدُّ ظهارًا. أما جمهور العلماء (١) فقالوا بالرجوع إلى نِيَّتِه فيما إذا كان أراد من ذلك الظهارَ أم أنَّه أراد إبلاغَها بمدى حُبِّهِ وتقديرِه لها، فيُرجَع إلى نِيَّتِه، كما جاء في الحديث الصحيح: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (٢)، وهذا القول بِمُجَرَّدِهِ لا يُفهِمُ حقيقةَ المرادِ، ولذلك نجد أن هناك من العلماء مَن قال بكراهة أن يقول الزوج لزوجته: (يَا أُخَيَّةُ) (٣).

стр. 6491

قوله: (وَأَمَّا مَنْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَإِنَّهُ ظِهَارٌ عِنْدَ مَالِكٍ (١)). وهو كذلك روايةٌ عن أحمد (٢). ولا يختلف الحال في هذه المسألة عند الأئمة بين أن يُشَبِّهَ زوجته بأجنبيةٍ، أو بامرأةٍ تحرم عليه تحريمًا مؤقَّتًا كأخت الزوجة، أو أن يقول: (كلّ امرأةٍ أتَزَوَّجُها فأنا أظاهِر منها، أو: هي علَيَّ كَظَهر أمِّي). - قوله: (وَعَنْ ابْنِ المَاجِشُون (٣) لَيْسَ بِظِهَارٍ). وهذا القول يلتقي مع قول الإمام الشافعي (٤)، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد (٥).

стр. 6492

- قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلْ تَشْبِيهُ الزَّوْجَةِ بِمُحَرَّمَةٍ غَيْرِ مُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمِ كَتَشْبِيهِهَا بِمُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمِ؟). ومراد المؤلف هاهنا هو ما إذا كان تشبيه الزوجة بامرأة محرَّمةٍ تحريمًا مؤقَّتًا بمثابة تشبيهها بمحرَّمةٍ على التأبيد أم لا. والحقيقة أن هناك فَرْقًا بينهما. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْل الثَّانِي: فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الكَفَّارَةِ فِيهِ) وهذه المسألة تبحث فيما إذا كانت الكفارة تجب بمجرَّد الظِّهار أم أنها تجب بالعودة عن الطهار، فإن الله بَيَّنَ في الآية الكريمة أن المُظاهِرَ من امرأته بعد العودة عن ظِهاره تجب عليه الكفارة بحيث يَعتِق رقبةً قبل أن يَحدُثَ المسيس، ثم إن عدمَت الاستطاعةُ عن العتق يصوم شهرين متتابعين، فإن عدمَت الاستطاعةُ عن الصيام أَطْعَمَ ستين مسكينًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. - قوله: (وَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِ الكَفَّارَةِ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ دُونَ العَوْدِ). القول الأول: وهو قول جمهور أهل العلم، فهو محلّ اتفاق الأئمة الأربعة (١)،

стр. 6493

بل اتَّفق عليه كافَّة أهل العلم إلا قليلًا من العلماء، فغالب أهل العلم ذهبوا إلى عدم وجوب الكفارة إلا بِالعَوْدِ. - قوله: (وَشَذَّ مُجَاهِدٌ (١) وَطَاوُسٌ فَقَالَا: "تجِبُ دُونَ العَوْدِ"). القول الثاني: وهذا القول ليس قول مجاهد وطاوس فقط كما قال المؤلف، بل إن مجاهدًا وطاوسًا وقتادة والزهري والشعبي (٢) - وكلهم من التابعين - ذهبوا إلى وجوب الكفارة بمجرد وقوع الظِّهار. وقد اعتَبَرَ المؤلِّفُ هذا القول شذوذًا؛ لِنُدرَةِ مَن قال به؛ لأن قَولَهُم لو وُزِنَ بِقَوْلِ الآخَرِين لَكَانَ قليلًا، ثم إنه في ظَاهِرِهِ مُخالِفٌ لِصَرِيحِ القرآن. - قوله: (وَدَلِيلُ الجُمْهُورِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَعْنَى وُجُوبِ تَعَلُّقِ الكَفَّارَةِ بِالعَوْدِ).

стр. 6494

فإلى جانب وقوع الظِّهار رَتَّبَ النَّصُّ القرآنيُّ الكفارةَ على وجود العودة أيضًا. - قوله: (وَأَيْضًا فَمِنْ طَرِيقِ القِيَاسِ، فَإِنَّ الظِّهَارَ يُشْبِهُ الكَفَّارَةَ فِي اليَمِينِ، فَكَمَا أَنَّ الكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَلْزَمُ بِالمُحَافَظَةِ أَوْ بِإِرَادَةِ المُخَالَفَةِ، كلذَلِكَ الأَمْرُ فِي الظِّهَارِ، وَحُجَّةُ مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ: أَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الكَفَّارَةَ العُلْيَا، فَوَجَبَ أَنْ يُوجِبَهَا بِنَفْسِهِ لَا بِمَعْنًى زَائِدٍ تَشْبِيهًا بِكَفَّارَةِ القَتْلِ وَالفِطْرِ). والكفارات إنما هي نوعان: مُخَفَّفَةٌ وَمُغَلَّظَةٌ، فالكفارة المُخَفَّفَةُ ككفارة اليمين التي ذَكَرَهَا اللهُ في سورة المائدة في قوله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، حيث جَعَلَ اللهُ فيها الخيارَ، أما الكفارة المغلَّظة فهي ككفارة الظِّهار أو القتل أو الفطر بالجِماع في نهار رمضان، فكلّ هذه الكفارات كفارات مغلَّظة، فكَفَّارةُ الظِّهار كفَّارةٌ عليا، أي: مُغَلَّظَة، ولذا فإنها على الترتيب لا على التخيير ككفارة اليمين، فترتيب الكفارات في الظهار يبدأ بأشد الكفارات، وهو تحرير رقبة، ثم إن لم يجد صام شهرين متتابعين، وإن أَخَلَّ بالشهرين لزمه استئناف الصيام من جديدٍ إلا أن يكون قد تخلله يومٌ لا يجوز صيامه - كيوم العيد مثلًا -، ثم إن لم يستطع الصيام أَطْعَمَ ستين مسكينًا. - قوله: (وَأَيْضًا قَالُوا: إِنَّهُ طَلَاقُ الجَاهِلِيَّةِ، فَنُسِخَ تَحْرِيمُهُ بِالكَفَّارَةِ). فالظهار في الجاهلية إنما كان طلاقًا؛ لِمَا ثَبَتَ عن عبد الله بن عباس ﵄ (١):

стр. 6495

أن الطلاق في الجاهلية كان على ثلاثة أنواعٍ: - الطلاق المعروف الآن، والذي أَقَرَّهُ الإسلامُ. - والإيلاء. - والظهار. - قوله: (وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، وَالعَوْدُ عِنْدَهُمْ هُوَ العَوْدُ فِي الإِسْلَامِ، فَأَمَّا القَائِلُونَ بِاشْتِرَاطِ العَوْدِ فِي إِيجَابِ الكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ مَا هُوَ؟). يعني: أن جمهور العلماء اختلفوا في معنى العَوْدِ على أقوالٍ، وهي: - أن العَوْدَ هو الوطءُ والعزمُ على الإمساك. - أنه هو العزمُ على الإمساك فقط. - أنه هو الوطء فقط. - أنه هو الإمساك. - أنه هو تكرار لفظ الظهار، بمعنى: أن يُعِيدَ المُظاهِرُ لَفْظَ الظِّهار مرةً أخرى. - قوله: (فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إِحْدَاهُنَّ: أَنَّ العَوْدَ هُوَ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى إِمْسَاكهَا وَالوَطْءِ مَعًا (١)). فالقول الأول عن الإمام أنَّ العَوْدَ هو الجمعُ بين الوطء ووجود العزم على الإمساك؛ لأن الوطء عندهم لا يَحدُث بدون العزم على الإمساك، وهذا القول قد انْفَرَدَ به المالكيةُ عن باقي الأئمة.

стр. 6496

- قوله: (وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْزِمَ عَلَى وَطْئِهَا فَقَطْ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ المَشْهُورَةُ عَنْ أَصْحَابِهِ (١)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)). القول الثاني عن الإمام مالكٍ: أنَّ العَوْدَ المراد في الآية إنما هو مُجرَّدُ العزم على الوطء (٤). ونسبة المؤلف هذا القول للإمامين أبي حنيفة وأحمد فيها نظرٌ، فهذا القول ليس لأبي حنيفة، وإنما هو قول بعض أصحابه، أما بالنسبة إلى الإمام أحمد فلم يقل بهذا القول، وإنما قال بالقول الثالث الذي سيأتي معنا. - قوله: (وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ العَوْدَ هُوَ نَفْسُ الوَطْءِ). القول الثالث عن الإمام مالكٍ: أنَّ العَودَ إنما هو الوطءُ (٥). وهذا هو الذي نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ (٦).

стр. 6497

- قوله: (وَهِيَ أَضْعَفُ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ). وهذه الرواية ليست ضعيفةً على وجه التحقيق، وسيأتي من المؤلِّف ما يَنْقُدُ فيه هذا الكلام. - قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "العَوْدُ هُوَ الإِمْسَاكُ نَفْسُهُ"، قَالَ: وَمَنْ مَضَى لَهُ زَمَانٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ وَلَمْ يُطَلِّقْ، ثَبَتَ أَنَّهُ عَائِدٌ، وَلَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ إِقَامَتَهُ زَمَانًا يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَلِّقَ يَقُومُ مَقَامَ إِرَادَةِ الإِمْسَاكِ مِنْه، أَوْ هُوَ دَلِيلُ ذَلِكَ (١)). قول الإمام الشافعي في العَوْدِ: أنه هو الإمساكُ (٢). ومن لوازم هذا القول أن الزوج إذا أَمْسَكَ زوجَتَه مدَّةً فإن له أن يُطَلِّقَها، فإنْ لم يُطَلِّقْهَا لَزِمَتْهُ الكفارةُ؛ لأنه لو أَمْسَكَهَا زَمَنًا ولم يُطَلِّقْهَا لكان هذا كافيًا بمجرَّدِهِ لِلْعَوْدِ عن ظِهَارِهِ، وحينئذٍ تلزمه كفارة الظِّهار؛ لأن فِعْلَ الزوج لا يَخْلُو مِن أمرين، إمَّا أن يُكَفِّرَ ويعودَ إلى الوطءِ، وإمَّا أن يُطَلِّقَ. - قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ (٣) وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٤): "العَوْدُ هُوَ أَنْ يُكَرِّرَ لَفْظَ الظِّهَارِ ثَانِيَةً، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِعَائِدٍ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ").

стр. 6498

وهذا قول الظاهرية في معنى العَوْدِ: أنه تَكرار لفظ الظِّهار مرةً ثانيةً، بمعنى أن يقول مرةً أخرى: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، بحيثُ إن كَرَّرَهُ صار عائدًا عن الظِّهار وَلَزِمَتْهُ الكفارة، وإن لم يُكَرِّرْ فحينئذٍ لم يكن مُظاهِرًا ولا عائِدًا عن الظِّهار، فلا توجَبُ عليه كَفَّارَتُهُ. وهو قولٌ ضعيفٌ، ليس عليه دليلٌ من كتابٍ ولا سُنَّةٍ. - قوله: (فَدَلِيلُ الرِّوَايَةِ المَشْهُورَةِ لِمَالِكٍ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ المَفْهُومَ مِنَ الظِّهَارِ هُوَ أَنَّ وُجُوبَ الكَفَّارَةِ فِيهِ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِرَادَتِهِ العَوْدَ إِلَى مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالظِّهَارِ، وَهُوَ الوَطْء، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ العَوْدَةُ هِيَ: إِمَّا الوَطْءُ نَفْسُه، وَإِمَّا العَزْمُ عَلَيْهِ وَإِرَادَتُهُ. وَالأَصْلُ الثَّانِي: لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ العَوْدُ نَفْسُهُ هُوَ الوَطْءَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وَلذَلِكَ كَانَ الوَطْءُ مُحَرَّمًا حَتَّى يُكَفِّرَ). رواية الإمام مالكٍ التي يقصدها المؤلف هاهنا هي القول بأن العَوْدَ هو العزم على الوطء (١)، بمعنى: أن الكفارة تجب على المُظاهِر بمجرد عزمه على الوطء؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، أي: مِن قبل أن يحدث الجماع، وهو دليل على أن الكفارة تسبق الجماع؛ لأن الله قَيَّدَ الوَطءَ بأداء الكفَّارة أَوَّلًا، ولذا قال مالكٌ: "هو إرادة الجماع". فهناك وطءٌ، وهناك إرادة الوطء، وكون العَود هو الوطء متعذرٌ؛ لأن الوطءَ مشروطٌ بأداء الكفارة، فيبقى أن المراد بالعَودِ إرادة الوطء؛ لأن المُظاهِرَ إذا أراد الوطءَ فإنما يُكَفِّرُ قبله. والمؤلِّف قد قال بِضَعْفِ قول القائلين بأن العَود هو الوطء؛ والسبب

стр. 6499

في ذلك إنما هو أَخْذُ المؤلِّفِ تعليل العلماء على ظاهِره وعدم إدراكه له، ولكن قولهم ليس ضعيفًا على الحقيقة، بل هو أقرب إلى النَّصِّ، وله من الشواهد ما يؤيده، وسيأتي ذِكر هذه الشواهد. - قوله: (قَالُوا: وَلَوْ كَانَ العَوْدُ نَفْسُهُ هُوَ الإِمْسَاكَ، لَكَانَ الظِّهَارُ نَفْسُهُ يُحَرِّمُ الإِمْسَاكَ، فَكَانَ الظِّهَارُ يَكُونُ طَلَاقًا). والقول بأن العَوْدَ هو الإمساكُ إنما هو قول الشافعية (١). - قوله: (وَبِالجُمْلَةِ: فَالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فِي هَذه المَسْأَلَةِ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يُعَرِّفُهُ الفُقَهَاءُ بِطَرِيقِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ (٢)). والسَّبر والتقسيم إنما هو الطريق الثالث من طرق العلة ومسالكها، بعد الاستدلال بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فالأدلَّة من حيثُ الجملة تنقسم إلى أدلة عقلية وأدلة نقلية؛ فالنقلية: ما جاء من كتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماعٍ، أما العقلية: فما يُعرَفُ بالرأي أو القياس، أما السبر والتقسيم فليس دَليلًا نقليًّا، ولكنه مُستَنبَطٌ من الدليل، فليس دليلًا إذن مستقلًّا بذاته، وإنما هو دليلٌ مُستَخرَجٌ من الأدلة، ومن خلال السبر والتقسيم استطاع العلماء معرفة علل الأحكام. - قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى العَوْدِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَكْرَارَ اللَّفْظِ

стр. 6500

عَلَى مَا يَرَاهُ دَاوُد، أَوِ الوَطْءَ نَفْسَه، أَوِ الإِمْسَاكَ نَفْسَه، أَوْ إِرَادَةَ الوَطْءِ). وهاهنا يعود المؤلِّف لمناقَشَة الأقوال التي أَورَدَهَا في المسألة، وهي: قول الظاهرية (١) بأن العَودَ هو تكرار اللفظ مرةً أخرى، وقول الشافعي (٢) بأنه هو الإمساك، والقول بأنه هو الوطء نفسه كما جاء عند أحمد (٣)، وفي إحدى الروايات عن مالك (٤)، والقول بأنه إرادة الوطء كما جاء في روايةٍ أخرى عن مالكٍ (٥)، وفي قول بعض أصحاب أحمد (٦). - قوله: (وَلَا يَكُونُ تَكْرَارَ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ، وَالتَّأْكِيدُ لَا يُوجِبُ الكَفَّارَةَ، وَلَا يَكُونُ إِرَادَةَ الإِمْسَاكِ لِلْوَطْءِ، فَإِنَّ الإِمْسَاكَ مَوْجُودٌ بَعْد، فَقَدْ بَقِيَ أَنْ يَكُونَ إِرَادَةَ الوَطْءِ). قد عَلَّلَ المؤلف عدم الاحتياج إلى إرادة الإمساك هاهنا بأن وجود الإمساك يكفي في هذا الشأن؛ لأن الإمساك ما دام قائمًا فإنه يتضمن الإرادة، بحيث لا ينتهي الإمساك إلا إذا طَلَّقَ امرأته، وما دام لم يُطَلِّقْهَا فإن الإمساكَ موجودٌ وإرادته موجود كذلك. - قوله: (وَإِنْ كَانَ إِرَادَةَ الإِمْسَاكِ لِلْوَطْءِ، فَقَدْ أَرَادَ الوَطْءَ، فَثَبَتَ أَنَّ العَوْدَ هُوَ الوَطْءُ. وَمُعْتَمَدُ الشَّافِعِيَّةِ فِي إِجْرَائِهِمْ الإِمْسَاكَ، أَوِ الإِمْسَاكَ لِلْوَطْءِ مَجْرَى إِرَادَةِ الوَطْءِ أَنَّ الإِمْسَاكَ يَلْزَمُ عَنْهُ الوَطْء، فَجَعَلُوا لَازِمَ

стр. 6501

الشَّيْءِ مُشَبَّهًا بِالشَّيْءِ، وَجَعَلُوا حُكْمَهُمَا وَاحِدًا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (١)). أما إرادة الإمساك وإرادة الوطء فهما متقاربان، وبناءً على ذلك فإن قول بعض أصحاب أحمد (٢)، والقول الثاني لمالكٍ (٣) هما - على التحقيق - قولٌ واحدٌ، وهو ما انتهى إليه الإمام الشافعي والإمام أحمد كذلك. - قوله: (وَرُبَّمَا اسْتَدَلَّتِ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ الإِمْسَاكِ هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُوبِ الكَفَّارَةِ: أَنَّ الكَفَّارَةَ تَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ الإِمْسَاكِ، وَذَلِكَ إِذَا طَلَّقَ إِثْرَ الظِّهَارِ). "ترتفع"، أي: تزول. ومراد المؤلِّف هاهنا أن الكَفَّارةَ تزول إذا طَلَّقَها، أما إذا بقيَ ممسكًا ولم يطلِّق فحينئذٍ تلزمه الكفارة. - قوله: (وَلهَذَا احْتَاطَ مَالِكٌ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (٤)، فَجَعَلَ العَوْدَ هُوَ إِرَادَةَ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا - أَعْنِي: الوَطْءَ وَالإِمْسَاكَ - وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ العَوْدُ الوَطْءَ، فَضَعِيفٌ وَمُخَالِفٌ لِلنَّصِّ). والمؤلف هاهنا يريد أن يقول إن الذي قال لامرأته: (أنتِ عليَّ كظهرِ أُمِّي)، إنما حَرَّمَ على نفسه وَطء زوجته كحرمة وَطْءِ أمِّه، فعلَّة الظِّهار هي الوطء، والعودة عن الشيء إنما تكون بفِعل ما مَنَعَه الإنسان عن نفسه، ولكن الله تعالى يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:

стр. 6502

٣]، وهذا يدلّ على عدم جواز الوطء قبل الكفارة، وأن الكفَّارةَ محلّها لا بد أن يكون سابقًا في الترتيب على الوطء، ولذلك قال المؤلف بضعف هذا القول. والإمام أحمد - في حقيقة الأمر - قد عَلَّلَ ذلك وبَيَّنَه، فقال: العَوْدُ هو الوَطْء، لكن بشرط أن يكون هذا العَود مسبوقًا بالكفارة، وهذا - في الحقيقة - ليس يعني إلا إرادة الوطء، ولذلك قلنا: إن هذا القول ثابتٌ في كتاب الله . - قوله: (وَالمُعْتَمَدُ فِيهَا تَشْبِيهُ الظِّهَارِ بِاليَمِينِ - أَيْ: كَمَا أَنَّ كَفَّارَةَ اليَمِينِ إِنَّمَا تجِبُ بِالحِنْثِ، كذَلِكَ الأَمْرُ هَاهُنَا، وَهُوَ قِيَاسُ شَبَهٍ عَارَضَهُ النَّصُّ). فكفارة اليمين إنما تجب إذا حَلَفَ الإنسان بالله على فِعل شيءٍ ولم يفعله، أو إذا حَلَفَ على عدم فِعل شيءٍ وفَعَلَه، أمَّا إذا بَرَّ الإنسان بيمينه فلا تترتب الكفارة في حقَه حينئذٍ. - قوله: (وَأَمَّا دَاوُد، فَإِنَّهُ تَعَلَّقَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى القَوْلِ نَفْسِهِ). والذي تَعَلَّقَ بظاهر النَّصِّ هاهنا إنما هو فَهْمُ الظاهرية؛ لأنهم فَهِمُوا من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (١) أن المراد هو العودة إلى لفظ الظهار، بأن يتلفظ المُظاهِر به مرةً أخرى، فقالوا: إن الآية رَدَّت العودة إلى القول لا إلى الفعل، بينما الوطء فِعل وليس قولا، فيبقى أن المراد من الآية هو أن يقول المُظاهِر لامرأته: (أنتِ علَيَّ كظهر أمِّي) كما قالها لها في المرة الأولى، وحينئذٍ يكون قد خرج من ذلك الظهار. وفَهْمُ الظاهرية للأمر على هذه الصورة إنما هو فهمٌ خاطئ غير مُسلَّمٍ

стр. 6503

به؛ لأن الرسول ﷺ قد بَيَّنَ ذلك بيانًا شافيًا، ولأنه قد أَمَرَ أُويس بن الصامت (١)، وسلمة بن صخر (٢) بالكفارة، ولم يقل لهما عودا إلى قولكما الأول، والرسول ﷺ هو الذي يُوضِّح لنا الأحكامَ ويُبَيِّنُ ما يلزَم المكلَّفَ منها. - قوله: (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ العَوْدُ فِي الإِسْلَامِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ظِهَارِهِمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ المَعْنَى فِي الآيَةِ: ثُمَّ يَعُودُونَ فِيمَا قَالُوا. وَسَبَبُ الخِلَافِ بِالجُمْلَةِ إِنَّمَا هُوَ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لِلْمَفْهُومِ). ومراد المؤلِّف هاهنا أن يوضح أن سبب الخلاف بين جميع هذه الأقوال إنما هو الخلاف في فهمِ ظاهِر النَّصِّ القرآني، وبناءً على ذلك تعدَّدَت الأقوال - كما ذَكَرْنَا -، فصار عندنا قول الشافعية القائلين بأن العود هو الإمساك (٣)، وقول الإمام أحمد (٤) بأنه هو الوطء، وقول مالكٍ (٥)، وبعض أصحاب أحمد (٦) بأنه العزم على الوطء، والقول الأول: لمالك (٧) بأنه العزم على الوطء والعزم على الإمساك، وقول الظاهرية (٨) بأنه العود إلى اللفظ وتكراره مرة أخرى، فكلّ هذه الأقوال إنما انبَنَتْ على خلافهم في فهمِ ظاهِر النَّصِّ القرآني الكريم. - قوله: (فَمَنِ اعْتَمَدَ المَفْهُومَ، جَعَلَ العَوْدَةَ إِرَادَةَ الوَطْءِ أَوِ

стр. 6504

الإِمْسَاكِ، وَتَأَوَّلَ مَعْنَى اللَّامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] بِمَعْنَى الفَاءِ). وهنا يبين المؤلف أن هناك فرقًا في المعنى بين (يعودون لما قالوا)، و: (يعودون فيما قالوا). - قوله: (وَأَمَّا مَنِ اعْتَمَدَ الظَّاهِرَ، فَإِنَّهُ جَعَلَ العَوْدَةَ تَكْرِيرَ اللَّفْظِ، وَأَنَّ العَوْدَةَ الثَّانِيَةَ إِنَّمَا هِيَ ثَانِيَةٌ لِلْأُولَى الَّتِي كانَتْ مِنْهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ. وَمَنْ تَأَوَّلَ أَحَدَ هَذَيْنِ، فَالأَشْبَهُ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ بِنَفْسِ الظِّهَارِ تَجِبُ الكَفَّارَةُ كمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ (١)). وهذا القول إنما هو قولٌ ضعيفٌ، وقد بَيَّنَّا ذلك. - قوله: (إِلَّا أَنْ يُقَدِّرَ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا، وَهُوَ إِرَادَةُ الإِمْسَاكِ، فَهُنَا - إِذًا - ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ. إِمَّا أَنْ تَكُونَ العَوْدَةُ هِيَ تَكْرَارَ اللَّفْظِ، وإِمَّا أَنْ تَكُونَ إِرَادَةَ الإِمْسَاكِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ العَوْدَةَ الَّتِي هِيَ فِي الإِسْلَامِ، وَهَذَانِ يَنْقَسِمَانِ قِسْمَيْنِ: - أَعْنِي: الأَوَّلَ وَالثَّالِثَ - أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدِّرَ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا، وَهُوَ إِرَادَةُ الإِمْسَاكِ، فَيُشْتَرَطُ هَذِهِ الإِرَادَةُ فِي وُجُوبِ الكَفَّارَةِ، وَإِمَّا أَلَّا يُقَدِّرَ فِيهَا مَحْذُوفًا، فَتَجِبُ الكَفَّارَةُ بِنَفْسِ الظِّهَارِ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي فُرُوعٍ، وَهُوَ: هَلْ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ إِرَادَةِ الإِمْسَاكِ، أَوْ مَاتَتْ عَنْهُ زَوْجَتُه، هَلْ تَكُون عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟). فهذه مسألة من المسائل، وقد اختلف أهل العلم فيها فيما إذا كانت الكفارة تجب أم لا على المُظاهِر إذا طَلَّقَ زوجتَه بعد الظِّهار وقبل إرادة إمساكها، وكذلك فيما إذا كانت الكفارة تجب عليه لو ماتت زوجته بعد الظِّهار وقبل إرادة إمساكها.

стр. 6505

- قوله: (فَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ (١) عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُطَلِّقَ بَعْدَ إِرَادَةِ العَوْدَةِ، أَوْ بَعْدَ الإِمْسَاكِ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ (٢)). فجمهور أهل العلم هاهنا في هذه المسألة يذهبون إلى عدم وجوب الكفارة على الزوج إلا أن يكون الطلاق قد وَقَعَ بعد إرادة العودة، أي: بعد تَحَقُّقِ أحد الأمور الخمسة التي ذَكَرَهَا العلماءُ في بيان معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾.

стр. 6506

أما ما أورده المؤلِّف في كلامه عن الشافعي، فإنه يريد به إلزامَ الشافعية بمقتضى مذهبهم، فالإمام الشافعي قد ذَهَبَ إلى أن العَوْدَ هو الإمساكُ نفسه إذا مضى زمن يمكن أن يُطَلِّقَ فيه ولم يُطَلِّقْ فإن الكفارة تلزم حينئذٍ؛ لأن كون الإمساك قائمًا يفيد تَحَقُّقَ المراد من العود. - قوله: (وَحُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ البَتِّيِّ (١) أَنَّ عَلَيْهِ الكَفَّارَةَ بَعْدَ الطَّلَاقِ). وهذا القول إنما هو قولٌ ضعيفٌ. - قوله: (وَأَنَّهَا إِذَا مَاتَتْ قَبْلَ إِرَادَةِ العَوْدَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى مِيرَاثِهَا إِلَّا بَعْدَ الكَفَّارَةِ، وَهَذَا شُذُوذٌ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ). وهذا القولُ إنما هو أشدُّ ضعفًا من القول السابق، فإن جماهير أهل العلم (٢) يذهبون إلى أن كلًّا منهما يرث الآخر في هذه الحالة، فيما عدا قتادة (٣) الذي ذهب إلى أن الزوج لا يرث زوجته المُظاهِرَ منها إذا ماتت إلا بعد أداء الكفارة، وأنه إن لم يُكَفِّر لم يرث.

стр. 6507

قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَنْ يَصِحُّ فِيهِ الظِّهَارُ وَاتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ الظِّهَارِ مِنَ الزَّوْجَةِ الَّتِي فِي العِصْمَةِ). لأنه من المعلوم أن كلَّ مَن صحَّ طلاقه صحَّ ظهاره، فمن المُسَلَّمات أن الرجل يَملِكُ أن يظاهِر من المرأة التي في عصمته والتي عَقَدَ عليها عقدًا صحيحًا، وسيأتي الخلاف في المظاهَرة من المرأة الأجنبية التي ليست في عصمة الزوج. - قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الظِّهَارِ مِنَ الأَمَةِ، وَمِنَ الَّتِي فِي غَيْرِ العِصْمَةِ). لأن الله حينما دكَرَ الظِّهارَ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله تعالى هاهنا: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون مقصودًا به جنس النساء عامَّةً، ويحتمل أن يكون مقصودًا به الزوجات، فإن كان يراد به الزوجات فإن اللفظ حينئذٍ لا يشمل الإماء، وإن أُرِيدَ به عموم النساء حصلَ النزاع في دخول الإماء في عمومِ اللفظ، وذلك أن أهلَ العلم مُتَّفقون على أن النساء في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] يُراد به الزوجات، وهو محلُّ اتّفاقٍ لا خلاف عليه ولا نزاع فيه، ولذا - كما سيأتي - فإن المؤلِّفَ سَيُشَبِّهُ الظهارَ بالإيلاءِ من باب قياس الشَّبَهِ لا من باب قياس العلة.

стр. 6508

والمراد هاهنا هو الإشارة لاختلاف أهل العلم في قول السيد لأمته: (أنتِ عليَّ كظهر أمِّي)، وما إذا كان هذا القول منه ظهارًا أم لا. وفي هذه المسألة يُتناوَلُ جانبٌ مهمٌّ كذلك، أَلَا وهو الفرق بين أن تكون هذه الأَمَة من الإماء التي يطؤها السيد، وبين أن تكون من الإماء التي لا يطؤها. - قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي ظِهَارِ المَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ). وهذه مسألة أخرى، والمراد منها هو ما إذا كان للمرأة أن تكون هي المُظاهِرةَ من زوجها أم لا، بمعنى أن تقول لزوجها: (أنتَ عليَّ كظهر أبي)، أو تقول: (إن تزوجتُ فلانًا فهو عليَّ كظهرِ أبي)، والظِّهار إنما هو قريبٌ في معناه من باب الطلاق، وفي الطلاق - كما هو معلومٌ - يملك الرجل حق الطلاق؛ لأنه يملك البُضْعَ، أما المرأة فلا تملك الطلاق إلا إذا مَلَّكَهَا الزوجُ إياه وَفَوَّضَهَا فيه. - قوله: (فَأَمَّا الظِّهَارُ مِنَ الأَمَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَجَمَاعَةٌ (٣): "الظِّهَارُ مِنْهَا لَازِمٌ كالظِّهَارِ مِنَ الزَّوْجَةِ الحُرَّةِ").

стр. 6509

فالإمام مالك والثوري وجماعة من أهل العلم ذهبوا إلى عدم التفريق بين وقوع ظهار الأمة وظهار الزوجة الحرة، أمَّا بقية العلماء - أبو حنيفة والشافعي وأحمد - فيذهبون إلى أن ظهار الأمة لا يقع (١). - قوله: (وَكَذَلِكَ المُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الوَلَدِ). و"المدبرة": هي التي يُعلِّق سَيِّدُها عِتقَها على موته، بحيثُ يقول: إن مِتُّ فأَمتي فلانة حرةٌ)؛ لأنه إن لم يقل ذلك فإنها حال موته تنتقل إلى وَرَثَتِهِ. - قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٥): "لَا ظِهَارَ مِنْ أَمَةٍ"). وهذا القول الذي ذهب إليه الأئمة الثلاثة إنما هو مرويٌّ عن اثنين من الصحابة لم يُعرَف لهما مخالفٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد رواه عبد الله بن عُمَرَ (٦)

стр. 6510

وعبد الله بن عَمْرو بن العاص (١). - قوله: (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ (٢): "إِنْ كَانَ يَطَأُ أَمَتَه، فَهُوَ مِنْهَا مُظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا فَهِيَ يَمِينٌ، وَفِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ"). والسبب في تفريق الإمام الأوزاعي بين الموطوءة وغير الموطوءة أنه يُشَبِّهُ الأمة الموطوءة بالزوجة؛ لأن كلًّا منهما توطأ، ولذا قَيَّدَ اعتبار الظِّهار بوجود الوطء، بحيثُ إن لم يكن وطءٌ فلا ظِهارَ وإنما هو يمين تستلزم كفارة يمين. - قوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ (٣): "هُوَ مُظَاهِرٌ، لَكِنْ عَلَيْهِ نِصْفُ كَفَّارَةٍ"). فعطاءٌ يوافق مالكًا في وقوع الظهار، لكنه يخالفه في تحديد كفارة المُظاهِر من الأَمة بالنصف من كفارة المُظاهِر من الزوجة الحرة. - قوله: (فَدَلِيلُ مَنْ أَوْقَعَ ظِهَارَ الأَمَةِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، وَالإِمَاءُ مِنَ النِّسَاءِ، وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ ظِهَارًا أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النِّسَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، هُنَّ ذَوَاتُ الأَزْوَاجِ، فَكَذَلِكَ اسْمُ النِّسَاءِ فِي آيةِ الظِّهَارِ، فَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ قِيَاسِ الشَّبَهِ لِلْعُمُومِ - أَعْنِي: تَشْبِيهَ الظِّهَارِ بِالإِيلَاءِ - وَعُمُومُ لَفْظِ النِّسَاءِ - أَعْنِي: أَنَّ عُمُومَ

стр. 6511

اللَّفْظِ يَقْتَضِي دُخُولَ الإِمَاءِ فِي الظِّهَارِ، وَتَشْبِيهُهُ بِالإِيلَاءِ يَقْتَضِي خُرُوجَهُنَّ مِنَ الظِّهَارِ). فمَن قال بوقوع ظهار الإماء إنما حَمَلَ قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ على أن اللفظ عامٌّ في جنس النساء فيشمل الأمة كما يشمل الزوجة الحرة. ومَن قال بعدم وقوعه إنما حمل اللفظ على أن المراد به الزوجات اللائي يقع عليهن الطلاق وأن الأمر ينبني على أن مَن صحَّ طلاقها صحَّ الظهار منها، إلى جانب أنهم شبَّهوا الظهار بالإيلاء - كما ذَكَرْنَا - في أن كلًّا منهما يُلحِق بالمرأة الضرر من جهة قَصْدِ الامتناع عن الوطء؛ لأن المولي أقسَمَ على عدم وطئها أربعة أشهرٍ أو أكثر، والمُظاهِر إنما حرَّمَها على نفسه كتحريم أُمِّهِ، ولَمَّا كان نَصُّ الإيلاء فيه إجماع على أنه يراد به الزوجات (١)، فلا وجه للتفريق بينه وبين الظهار في ذلك، لقيام الاشتراك بينهما في الضرر الواقع على الزوجة. - قوله: (وَأَمَّا هَلْ مِنْ شَرْطِ الظِّهَارِ كَوْنُ المُظَاهَرِ مِنْهَا فِي العِصْمَةِ أَمْ لَا؟). وهذه المسألة قد يقع فيها بعض الناس، ولذا فإنها من المسائل شديدة الأهمية في هذا الباب. - قوله: (فَمَذْهَبُ مَالِكٍ (٢) أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ، وَأَنَّ مَنْ عَيَّنَ

стр. 6512

امْرَأَةً مَا بِعَيْنِهَا، وَظَاهَرَ مِنْهَا بِشَرْطِ التَّزْوِيجِ، كانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ مِنِّي كظَهْرِ أُمِّي، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ). القول الأول: قول مالك وأحمد (١): فالإمامان مالكٌ وأحمد لم يشترطا كون الزوجة في عصمة الزوج، وإنما ذهبا إلى أنه لو ظاهَرَ من أيّ امرأة أجنبيةٍ في غير عصمته فحينئذٍ تلزمه الكفارة متى ما تزوجها قبل أن يمسها سواء في ذلك إن كان عَيَّنَ المرأة أو لم يُعَيِّنْ، فلو قال: (إن تزوَّجْتُ فلانة فهي عليَّ كظهرِ أمِّي) لزمته الكفارة قبل أن يطأها إن تزوَّجَها، ولو قال: (أيّ امرأة أتزوَّجُها فهي عليَّ كظهر أمِّي) لزمته الكفارة متى ما تزوَّجَ أيًّا من النساء قبل أن يمسَّها. وهذا القول إنما قد أُثِرَ عن عمر بن الخطاب ﵁ (٢). - قوله: (وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الظِّهَارِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَالأَوْزَاعِيُّ (٥)).

стр. 6513

وهذا القول لم يقل به أبو حنيفة، ولعلَّه من قول بعض مَن تَبِعَه. - قوله: (وَقَالَ قَائِلُونَ: لَا يَلْزَمُ الظِّهَارُ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ الرَّجُلُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ: الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ (٢)). القول الثاني: قول الشافعي وأبي ثور وداود: وكذلك قال به أبو حنيفة (٣)، والثوري (٤)، بل إن هذا القول - على وجه التحقيق - عليه أكثر العلماء. - قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ، فَقَالُوا: إِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَلْزَمْهُ ظِهَارٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ مِنِّي كظَهْرِ أُمِّي، فَإِنْ قَيَّدَ، لَزِمَه، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً، أَوْ سَمَّى قَرْيَةً أَوْ قَبِيلَةً، وَقَائِلُ هَذَا القَوْلِ هُوَ

стр. 6514

ابْنُ أَبِي لَيْلَى (١)، وَالحَسَنُ بْنُ حَيٍّ (٢)، وَدَلِيلُ الفَرِيقِ الأَوَّلى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]). القول الثالث: قول ابن أبي ليلى والحسن بن حي: فقد ذهبوا في هذه المسألة إلى أنه إذا لم يُعَيِّن المرأة في الظهار فحينئذٍ لا يقع الظهار ولا يلزمه شيء، وأما إذا عَيَّنَها فقد وقع الظهار ولزمته الكفارة قبل المسيس، واحتجّوا لقولهم هذا بأن قوله: (إن تزوجتُ فلانة فهي عليَّ كظهر أمِّي) إنما هو عقدٌ وارتباطٌ بعهدٍ، فقد تعهَّد على نفسه أنه إن تزوَّج فلانة فإنها ستكون عليه كظهر أمِّه، فإن حصل وتزَوَّجَها فقد لزمه الوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه، بحيثُ لا يمكنه وطء هذه المرأة إلا بعد أداء الكفارة. - قوله: (وَلأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى شَرْطِ المِلْكِ، فَأَشْبَهَ إِذَا مَلَكَ). وهذا إنما هو مصطلحٌ يصطلحون عليه، ولعلهم لاحظوا في ذلك أَمْرَ التَّأَدُّبِ. - قوله: (وَالمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ (٣)).

стр. 6515

وقوله: "المؤمنون عند شروطهم" قد يُفهَمُ من كلام المؤلف هاهنا أنه من كلام عُمَرَ ﵁، والحقيقة أنه حديثٌ صحيحٌ ثَبَتَ عن رسول الله ﷺ حين قال: "المؤمنون عند شروطِهم إلَّا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّمَ حلالًا" (١)، فلا بدَّ من التَّنَبُّهِ لمثل هذا، فهو مما يُبَيِّنُ لنا فائدة استخدام علامات الترقيم في الكتابة كالفواصل والنقط وغيرها. - قوله: (وَأَمَّا حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ، فَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِك، وَلَا عِتْقَ إِلًّا فِيمَا يَمْلِك، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِك، وَلَا وَفَاءَ بِنَذْرٍ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣)، وَالظِّهَارُ شَبِيهٌ بِالطَّلَاقِ). والمراد منه معرفة أنه يجب على الإنسان ألَّا يتصرف فيما لا يملك، حتى ولو كان وكيلًا، فالوكيل لا بدَّ له من الالتزام بشروط الوكالة وعدم تَجَاوُزِها.
следующие страницы →