← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

اللَّفْظِ يَقْتَضِي دُخُولَ الإِمَاءِ فِي الظِّهَارِ، وَتَشْبِيهُهُ بِالإِيلَاءِ يَقْتَضِي خُرُوجَهُنَّ مِنَ الظِّهَارِ). فمَن قال بوقوع ظهار الإماء إنما حَمَلَ قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ على أن اللفظ عامٌّ في جنس النساء فيشمل الأمة كما يشمل الزوجة الحرة. ومَن قال بعدم وقوعه إنما حمل اللفظ على أن المراد به الزوجات اللائي يقع عليهن الطلاق وأن الأمر ينبني على أن مَن صحَّ طلاقها صحَّ الظهار منها، إلى جانب أنهم شبَّهوا الظهار بالإيلاء - كما ذَكَرْنَا - في أن كلًّا منهما يُلحِق بالمرأة الضرر من جهة قَصْدِ الامتناع عن الوطء؛ لأن المولي أقسَمَ على عدم وطئها أربعة أشهرٍ أو أكثر، والمُظاهِر إنما حرَّمَها على نفسه كتحريم أُمِّهِ، ولَمَّا كان نَصُّ الإيلاء فيه إجماع على أنه يراد به الزوجات (١)، فلا وجه للتفريق بينه وبين الظهار في ذلك، لقيام الاشتراك بينهما في الضرر الواقع على الزوجة. - قوله: (وَأَمَّا هَلْ مِنْ شَرْطِ الظِّهَارِ كَوْنُ المُظَاهَرِ مِنْهَا فِي العِصْمَةِ أَمْ لَا؟). وهذه المسألة قد يقع فيها بعض الناس، ولذا فإنها من المسائل شديدة الأهمية في هذا الباب. - قوله: (فَمَذْهَبُ مَالِكٍ (٢) أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ، وَأَنَّ مَنْ عَيَّنَ

стр. 6512

امْرَأَةً مَا بِعَيْنِهَا، وَظَاهَرَ مِنْهَا بِشَرْطِ التَّزْوِيجِ، كانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ مِنِّي كظَهْرِ أُمِّي، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ). القول الأول: قول مالك وأحمد (١): فالإمامان مالكٌ وأحمد لم يشترطا كون الزوجة في عصمة الزوج، وإنما ذهبا إلى أنه لو ظاهَرَ من أيّ امرأة أجنبيةٍ في غير عصمته فحينئذٍ تلزمه الكفارة متى ما تزوجها قبل أن يمسها سواء في ذلك إن كان عَيَّنَ المرأة أو لم يُعَيِّنْ، فلو قال: (إن تزوَّجْتُ فلانة فهي عليَّ كظهرِ أمِّي) لزمته الكفارة قبل أن يطأها إن تزوَّجَها، ولو قال: (أيّ امرأة أتزوَّجُها فهي عليَّ كظهر أمِّي) لزمته الكفارة متى ما تزوَّجَ أيًّا من النساء قبل أن يمسَّها. وهذا القول إنما قد أُثِرَ عن عمر بن الخطاب ﵁ (٢). - قوله: (وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الظِّهَارِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَالأَوْزَاعِيُّ (٥)).

стр. 6513

وهذا القول لم يقل به أبو حنيفة، ولعلَّه من قول بعض مَن تَبِعَه. - قوله: (وَقَالَ قَائِلُونَ: لَا يَلْزَمُ الظِّهَارُ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ الرَّجُلُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ: الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ (٢)). القول الثاني: قول الشافعي وأبي ثور وداود: وكذلك قال به أبو حنيفة (٣)، والثوري (٤)، بل إن هذا القول - على وجه التحقيق - عليه أكثر العلماء. - قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ، فَقَالُوا: إِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَلْزَمْهُ ظِهَارٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ مِنِّي كظَهْرِ أُمِّي، فَإِنْ قَيَّدَ، لَزِمَه، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً، أَوْ سَمَّى قَرْيَةً أَوْ قَبِيلَةً، وَقَائِلُ هَذَا القَوْلِ هُوَ

стр. 6514

ابْنُ أَبِي لَيْلَى (١)، وَالحَسَنُ بْنُ حَيٍّ (٢)، وَدَلِيلُ الفَرِيقِ الأَوَّلى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]). القول الثالث: قول ابن أبي ليلى والحسن بن حي: فقد ذهبوا في هذه المسألة إلى أنه إذا لم يُعَيِّن المرأة في الظهار فحينئذٍ لا يقع الظهار ولا يلزمه شيء، وأما إذا عَيَّنَها فقد وقع الظهار ولزمته الكفارة قبل المسيس، واحتجّوا لقولهم هذا بأن قوله: (إن تزوجتُ فلانة فهي عليَّ كظهر أمِّي) إنما هو عقدٌ وارتباطٌ بعهدٍ، فقد تعهَّد على نفسه أنه إن تزوَّج فلانة فإنها ستكون عليه كظهر أمِّه، فإن حصل وتزَوَّجَها فقد لزمه الوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه، بحيثُ لا يمكنه وطء هذه المرأة إلا بعد أداء الكفارة. - قوله: (وَلأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى شَرْطِ المِلْكِ، فَأَشْبَهَ إِذَا مَلَكَ). وهذا إنما هو مصطلحٌ يصطلحون عليه، ولعلهم لاحظوا في ذلك أَمْرَ التَّأَدُّبِ. - قوله: (وَالمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ (٣)).

стр. 6515

وقوله: "المؤمنون عند شروطهم" قد يُفهَمُ من كلام المؤلف هاهنا أنه من كلام عُمَرَ ﵁، والحقيقة أنه حديثٌ صحيحٌ ثَبَتَ عن رسول الله ﷺ حين قال: "المؤمنون عند شروطِهم إلَّا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّمَ حلالًا" (١)، فلا بدَّ من التَّنَبُّهِ لمثل هذا، فهو مما يُبَيِّنُ لنا فائدة استخدام علامات الترقيم في الكتابة كالفواصل والنقط وغيرها. - قوله: (وَأَمَّا حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ، فَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِك، وَلَا عِتْقَ إِلًّا فِيمَا يَمْلِك، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِك، وَلَا وَفَاءَ بِنَذْرٍ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣)، وَالظِّهَارُ شَبِيهٌ بِالطَّلَاقِ). والمراد منه معرفة أنه يجب على الإنسان ألَّا يتصرف فيما لا يملك، حتى ولو كان وكيلًا، فالوكيل لا بدَّ له من الالتزام بشروط الوكالة وعدم تَجَاوُزِها.

стр. 6516

- قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)، وَأَمَّا الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّعْمِيمِ وَالتَّعْيِينِ، فَإِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ التَّعْمِيمَ فِي الظِّهَارِ مِنْ بَابِ الحَرَجِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]). والمراد من التعميم هاهنا أن يقول المُظاهِرُ: (أيّ امرأةٍ أتزوجها فهي عليَّ كظَهر أُمِّي). ويجاب عن هذا بأن الحرج ينتفي هاهنا في حقيقة الأمر، وإنما في الطلاق قد سَلَّمْنَا بوجود الحرج مما يترتب عليه من وقوع الفرقة بين الزوجين وضياع الزوجة من بين يدي الزوج، ولكن الأمر في الظهار مختلِفٌ، فليس فيه فرقةٌ، وإنما فيه كفارو سيؤدِّيها ويعود له حقّ التمتع بامرأته كما كان، بل إن هذه الكفارة تكون على قدر طاقته، بحيثُ يكون الأمر يسيرًا لا عسيرًا، فالحرج هاهنا إنما هو مُنْتَفٍ في واقع الأمر. - قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا مِنْ هَذَا البَابِ فِي: هَلْ تُظَاهِرُ المَرْأَةُ مِنَ الرَجُلِ؟). القاعدة الفقهية - كما ذَكَرْنَا -: أن كُلَّ من صحَّ طلاقه صحَّ ظهاره (٢).

стр. 6517

ومسألة ظهار المرأة من الرجل تتعلق بشقَّيْنِ: وهما ما إذا كانت هذه المرأة تحت زوجٍ، أو أنها غير متزوجةٍ. فالحالة الأولى: وجود المرأة تحت زوج، وهل لها أن تُظاهِرَ من هذا الزوج بقولها: (أنتَ عليَّ كظهرِ أبي)؟ أم أنه لا يجوز لها؟ الحالة الثانية: كونها غير متزوجة، وهل لها حينئذٍ أن تقول: (إن تزوَّجتُ فلانًا فهو عليَّ كظهرِ أبي)؟ أم أن ذلك ليس جائزًا؟ والمسألة محلّ خلافٍ بين أهل العلم، وقد ورد أثران فيها، منهما قول عائشة بنت طلحة: (إن تزوَّجْتُ مصعب بن الزبير فهو عليَّ كظهْرِ أبي) (١)، ثم رَغِبَتْ بعدها في الزواج منه، فقامت بالتكفير. - قوله: (فَعَنِ العُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَشْهَرُهَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْهَا ظِهَارٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٢)، وَالشَّافِعِيِّ (٣)).

стр. 6518

القول الأول: أنه ليس ظهارًا، وهو قول مالكٍ (١)، والشافعي (٢)، وهو أشهر الأقوال جميعًا. - قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ). القول الثاني: أن عليها كفارة يمين، وهو قول الإمام أحمد (٣)؛ إذ لا يعده ظهارًا. - قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّ عَلَيْهَا كفَّارَةَ الظِّهَارِ (٤)). القول الثالث: أنَّ عليها كفارة الظهار. - قوله: (وَمُعْتَمَدُ الجُمْهُورِ تَشْبِيهُ الظِّهَارِ بِالطَّلَاقِ). والمراد من كلام المؤلف هاهنا أن الطلاق لا تملكه المرأة، وإنما يملكه الرجل، فهو الذي يملك البُضعَ؛ لأنَّ الله قد جعله بيده، والله أعلم بخلقه. - قوله: (وَمَنْ أَلْزَمَ المَرْأَةَ الظِّهَارَ، فَتَشْبِيهًا لِلظِّهَارِ بِاليَمِينِ؛ وَمَنْ فَرَّقَ، فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ أَقَلَّ اللَّازِمِ لَهَا فِي ذَلِكَ المَعْنَى هُوَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَسَبَبُ الخِلَافِ تَعَارُضُ الأَشْيَاءِ فِي هَذَا المَعْنَى).

стр. 6519

والذين قالوا بأن للمرأة أن تُظاهِرَ من زوجها إنما كان أقوى دليلٍ لديهم هي قصة عائشة بنت طلحة التي أوردناها، والتي استفتت فيها الصحابة، فأفتوها بأن تكفر كفارة الظهار. وكونها تكفر كفارة الظهار لا يعني بالضرورة أن يُعتبَر قولُها ظهارًا؛ ولذا فإن الإمام أحمد (١) قد تعددت أقواله في هذه المسألة، هذا على الرغم من سعَة اطِّلاعه ورسوخ علمه بالآثار والروايات، فقال مرةً بأن قولها لا ينبني عليه شيءٌ بناءً على الأصل، وقال مرةً ثانيةً بأن عليها أن تكفِّر كفارة الظهار لِمَا رآه من التقارب بين الظهار واليمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يَحْرُمُ عَلَى المُظَاهِرِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المُظَاهِرَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الوَطْءُ (٢)). فالمسألة فيها اتِّفاقٌ على عدم جواز وطء المُظاهِرِ لامرأته إلا بعد أداء الكفارة؛ لأن هذا ثابتٌ بِنَصِّ القرآن العزيز في قوله : ﴿ … ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٣، ٤].

стр. 6520

- قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَهُ مِنْ مُلَامَسَةٍ، وَوَطْءٍ فِي غَيْرِ الفَرْجِ، وَنَظَرِ اللَّذَّةِ). عدم جواز وطء المُظاهِر لامرأته إلا بعد الكفارة إنما هو محلّ اتِّفاقٍ بين أهل العلم لا خلاف فيه ولا نزاع، أمَّا الخلاف فإنه يأتي فيما هو دون الوطء من مقدمات الجماع ودواعيه من ملامسةٍ ونظرٍ بشهوةٍ وما إلى ذلك. فالخلاف الموجود هو ما إذا كانت مقدمات الجماع هذه تلحق بالوطء في الحُكم أم لا. - قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الجِمَاع، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الاسْتِمْتَاعِ مِمَّا دُونَ الجِمَاعِ مِنَ الوَطْءِ فِيمَا دُونَ الفَرْجِ، وَاللَّمْسِ، وَالتَّقْبِيلِ، وَالنَّظَرِ لِلَذَّةٍ، مَا عَدَا وَجْهَهَا، وَكَفَّيْهَا، وَيَدَيْهَا مِنْ سَائِرِ بَدَنِهَا، وَمَحَاسِنِهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ النَّظَرَ لِلْفَرْجِ فَقَطْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): إِنَّمَا يُحَرِّمُ الظِّهَارُ الوَطْءَ فِي الفَرْجِ فَقَطْ، المُجْمَعِ عَلَيْهِ

стр. 6521

لَا مَا عَدَا ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)، وَجَمَاعَةٌ (٣)). أما الشافعي فله قولان في هذه المسألة (٤)، قول يلتقي فيه مع قول مالكٍ (٥) في أن الظهار يُحَرِّمُ كلَّ أنواع الاستمتاع، والقول الآخر للشافعي

стр. 6522

هو أن الظهار يحرم الوطء في الفرج فقط، وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (١) كذلك. مما يفيد أن أكثر الأئمة قالوا بالقول الأول، وإنما قَصرَ المؤلِّف في عدم ذِكْرِ القول الآخر لكلٍّ من الإمامين الشافعي وأحمد. والسبب في ذهاب الأكثر من العلماء إلى القول الأول هو الأخذ بالاحتياط، فبالرغم من أن القول الثاني أقرب لِنَصِّ الآية إلا أن العلماء دائمًا يأخذون بالأحوط، عملًا بقول الرسول ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٢)، وقوله ﷺ : "من حَام حول الحمى يوشك أن يرتع (٣) فيه" (٤). - قوله: (وَدَلِيلُ مَالِكٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وَظَاهِرُ لَفْظِ التَّمَاسِّ يَقْتَضِي المُبَاشَرَةَ فَمَا قَوْقَهَا، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا لَفْظٌ حَرُمَتْ بِهِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ لَفْظَ الطَّلَاقِ). ولا شكَّ أن الأظهَر في قوله تعالى: ﴿يَتَمَاسَّا﴾ أنَّه يراد به الجماع، لكن كذلك يحتمل أنه يراد به اللمس ونحوه. - قوله: (وَدَلِيلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ المُبَاشَرَةَ كِنَايَةٌ هَاهُنَا عَنِ الجِمَاعِ بِدَلِيلِ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الوَطْءَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَلَّتْ عَلَى الجِمَاعِ لَمْ تَدُلَّ عَلَى مَا فَوْقَ الجِمَاعِ).

стр. 6523

أما الكناية فمعلومٌ أن النصوص الشرعية من الكتاب أو السُّنَّة كثيرًا ما تُكَنِّى في مثل هذه المواطن، كقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وكقول رسول الله ﷺ : "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (١)، فإنه يُكَنِّي عن مثل هذه الأمور التي ربما اسْتَحَى الإنسان من ذِكْرِهَا. ويدلُّ عليه استحياء عَلِيِّ بن أبي طالب ﵁ من سؤال رسول الله ﷺ عن غسل الذَّكَر من المذي لمكانة ابنته منه، ولذلك أَرْسَلَ المقدادَ ﵁ يسأل رسولَ الله ﷺ (٢). ولكننا نقول: إن الإنسان لا ينبغي أن يكون الحياء مانعًا له عن السؤال في أمور دينه، كما كان حال المرأة التي سألت الرسول ﷺ عن غُسل المرأة إذا احتلمَت، وقَدَّمَتْ لسؤالها بقولها: "إن الله لا يستحي من الحق" (٣). كما تجدر الإشارة كذلك إلى أن الإنسان ينبغي ألا يُفتِي بغير عِلمٍ، ولذلك عندما كان أصحاب رسول الله ﷺ في سَفَرٍ وأصيب رجلٌ بجرحٍ، واستفتاهم في التيمم، أجابوه بعدم جواز التيمم، فاغتسل فمات، ولما بَلَغَ ذلك رسولَ الله ﷺ أَنْكَرَ عليهم وَبَيَّنَ أنه كان ينبغي أن يسألوا عَمَّا لَمْ يَعْلَمُوه (٤).

стр. 6524

فالفتوى عن جهلٍ من أخطر الأمور بلا شكَّ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. - قوله: (لِأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى مَا فَوْقَ الجِمَاعِ، وَإِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى الجِمَاعِ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ المَجَازِيَّةُ). والمراد هاهنا من قوله: (ما فوق الجماع)، أي: ما زاد عليه، وهي مقدمات الجماع ودواعيه. - قوله: (وَلَكِنْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا دَالَّة عَلَى الجِمَاعِ، فَانْتَفَتِ الدَّلَالَةُ المَجَازِيَّةُ). وهذه المناقَشة المنطقيَّةُ تأتي من باب التَّدَرُّجِ مع الخصم من أجل الوصول إلى إلزامه. - قوله: (إِذْ لَا يَدُلُّ لَفْظٌ وَاحِدٌ دَلَالَتَيْنِ: حَقِيقَةً وَمَجَازًا). ومراد المؤلِّف هاهنا أن الأمر الواحد لا تجتمع فيه الحقيقة والمجاز معًا. وهناك خلافٌ في قضية المجاز، فيما إذا كان هناك مجازٌ في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أم لا. والصحيح الذي نذهب إليه أنه لا مجاز في القرآن، وأن ما أتى على هذا الوجه إنما هو إيجازٌ بالحذف وليس مجازًا.

стр. 6525

- قوله: (قُلْتُ: الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ لَهُ عُمُومٌ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الوَاحِدُ عِنْدَهُمْ يَتَضَمَّنُ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا - أَعْنِي: الحَقِيقَةَ وَالمَجَازَ - وَإِنْ كَانَ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَة لِلْعَرَبِ، وَلذَلِكَ القَوْلُ بِهِ فِي غَايَةٍ مِنَ الضَّعْفِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ لِلشَّرْعِ فِيهِ تَصَرُّفًا لَجَازَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الظِّهَارَ مُشَبَّهٌ عِنْدَهُمْ بِالإِيلَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ عِنْدَهُمْ بِالفَرْجِ). ومراد المؤلِّف هاهنا هو أن مَسْلَكَ المَجَازِ سببٌ في الاختلاف في فَهْمِ الآية الكريمة. والعلماء لم يتناولوا في كلامهم ما يتعلق بالمجاز، وإنما ذهبوا إلى أن دواعي الوطء لها ارتباطٌ وثيقٌ بالوطء ذاته، ولذلك أَلْحَقُوهَا بالوطء في الحُكم احتياطًا وصيانةً للمُكَلَّفِ عن الوقوع في الحرام. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الخَامِسُ هَلْ يَتَكَرَّرُ الظِّهَارُ بِتَكَرُّرِ النِّكَاحِ وَأَمَّا تَكَرُّرُ الظِّهَارِ بَعْدَ الطَّلَاقِ - أَعْنِي: إِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ثُمَّ رَاجَعَهَا هَلْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا الظِّهَارُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ المَسِيسُ حَتَّى يُكَفِّرَ - فِيهِ خِلَافٌ). فلو أن إنسانًا ظاهَرَ من امرأته ثم طلقها قبل الكفارة، ثم بعد ذلك راجَعَها في العدَّة أو تَزَوَّجَها بعد انتهاء العدة، فهل حينئذٍ يبقى ما يتعلق بالظهار من وجوب الكفارة قبل المسيس؟ أم أن الطلاق أزال حُكْمَ الظِّهارِ؟

стр. 6526

وقد ذَكَرْنَا ما يُشبِهُ هذه المسألة عند الحديث فيمن يُطلِّقُ زوجته طلاقًا رجعيًّا ثم يتزوَّجها بعد انتهاء عدتها، فإنها حينئذٍ تعود إليه والطلاق السابق موجودٌ، بل حتى لو كانت قد تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ ثم طُلِّقَتْ منه وعاد الأول فتَزَوَّجَها فإنها تعود إليه بطلاقها السابق، ومسائل الظهار فيها شيءٌ من الشَّبَهِ بمسائل الطلاق. - قوله: (قَالَ مَالِكٌ: "إِنْ طَلَّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ، ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي العِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ" (١)). وهذا هو قول مالكٍ وأبي حنيفة (٢)، وأحمد (٣)، لكن أبا حنيفة وأحمد قد أَطْلَقَا الحُكْمَ ولم يُقَيِّدَاه بالطلاق الرجعي كما ذَكَرَ المؤلِّفُ. والمعروف عن مالكٍ كذلك إنما هو الإطلاق، وربما أن ما ذَكَرَهُ المؤلِّفُ هو روايةٌ أخرى في مذهب مالكٍ. لكن المعروف عن الأئمة الثلاثة هو أن المُظاهِرَ لو طَلَّقَ امرأته ثم عادت إليه فإنها حينئذٍ ترجع إليه وتبقى الكفارة لازمةً في حقِّ الزوج قبل المسيس، دون التفرقة في ذلك بين إن كان قد طلقها طلاقًا رجعيًّا أو طلاقًا بائنًا.

стр. 6527

- قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "إِنْ رَاجَعَهَا فِي العِدَّةِ، فَعَلَيْهِ الكَفَّارَة، وَإِنْ رَاجَعَهَا فِي غَيْرِ العِدَّةِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (١)). ويذهب الإمام الشافعي إلى أن السبب هاهنا أن للزوج يَدًا على امرأته أثناء عدَّتها منه؛ لأنها حينئذٍ تكون بمثابة زوجته التي هي في عصمته، أما لو انتهت عدتها فلا يَدَ له عليها ولا سُلْطَةَ، بحيث تنقطع العلاقة بينهما بانتهاء العدة، وإذا انقطعت العلاقة زال حُكم الكفارة. أمَّا أصحاب القول الأول فَيَبْنُونَ قَوْلَهُمْ على أن لزوم الكفارة إنما هو حُكمٌ شرعيٌّ يَلزمُ في حقِّ الزوج، وهذا الحُكم الشرعيُّ لا يسقط عنه إذا عادت إليه زوجته، فكما أنها إذا عادت إليه تعود بالطلاق الثابت ما لم يكن الطلاق بائنًا، فكذلك أيضًا تعود إليه مع بقاء الكفارة المترتبة على الظهار. - قوله: (وَعَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ (٢)). فالإمام الشافعي إذن له قولٌ واحدٌ فقط انْفَرَدَ به عن الأئمة الأربعة. - قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: "الظِّهَارُ رَاجِعٌ عَلَيْهَا، نَكَحَهَا بَعْدَ الثَّلَاثِ أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ"). ومحمد بن الحسن هذا هو صاحب الإمام أبي حنيفة، والمؤلِّف هاهنا لم يحرر المسألة جيدًا، فهذا القول من محمد بن الحسن يتطابق مع قول الإمام أحمد تمامًا.

стр. 6528

- قوله: (وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ شَبِيهَةٌ بِمَنْ يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ يُطَلِّق، ثُمَّ يُرَاجِع، هَلْ تَبْقَى تِلْكَ اليَمِينُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟). وهذه المسألة من المسائل الخلافية، فيما إذا كان الحلف بالطلاق يعتبَر طلاقًا أم لا. - قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلِ الطَّلَاقُ يَرْفَعُ جَمِيعَ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَيَهْدِمُهَا، أَوْ لَا يَهْدِمُهَا؟). والمراد هاهنا هو ما إذا كان الطلاق يقطع العلاقة نهائيًّا من جهة الأحكام، أم أنه يقطع العلاقة من جهة الحقوق بين الزوجين فقط وتبقى الأحكام السابقة التي لم تُسْتَوْفَ على حالها. - قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ البَائِنَ الَّذِي هُوَ الثَّلَاثُ يَهْدِم، وَأَنَّ مَا دُونَ الثَّلاثِ لَا يَهْدِم، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الطَّلَاقَ كُلَّهُ غَيْرُ هَادِمٍ (١)).

стр. 6529

وهذا من باب التشبيه بالطلاق؛ لأن الإنسان لو طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طلاقًا بائنًا فإنها حينئذٍ لا تحلّ له - كما هو معلومٌ - حتى تَنكِحَ زوجًا غيره، بحيث لو تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ ثم طَلَّقَهَا هذا الزوجُ الآخَر، فإنها حينئذٍ إذا عادت لزوجها الأول تعود إليه صافيةً دون أيّ طلاقٍ. فهل هذا يُشَبَّهُ بذاك أم لا؟ - قوله: (وَأَحْسَبُ أَنَّ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ كُلَّهُ هَادِمٌ). ولفظ: (أحسب)، يَتَنَزَّلُ أحيانًا منزلة العِلم فَتُفِيدُ معنى اليقين، وأحيانًا تتنزل منزلة الظَّنِّ وهو قريب من اليقين وأعلى منزلةً من الوهم والشكِّ، أما ما يريده المؤلِّف بالحُسبان هاهنا إنما هو الحقيقة واليقين. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 6530

(الفَصْلُ السَّادِسُ فِي دُخُولِ الإِيلَاءِ عَلَيْهِ وَأَمَّا هَلْ يَدْخُلُ الإِيلَاءُ عَلَى الظِّهَارِ إِذَا كَانَ مُضَارًّا). بمعنى: أنه هل يضيف الظهارَ إلى الإيلاء أم لا. وأما اعتبار الضرر فإن الرسول ﷺ يقول: "لا ضرر ولا ضرار، ومن ضار ضره الله" (١). والإنسان إذا قَصَدَ إيذاءَ المرأة والإضرار بها، فلا شكَّ في عدم جواز هذا، أما أن يكون يعمل عملًا يهدف به إلى تأديب المرأة فهو أمرٌ مطلوبٌ في بعض الأوقات. - قوله: (وَذَلِكَ بِأَلَّا يُكَفِّرَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الكَفَّارَةِ؟ فَإِنَّ فِيهِ أَيْضًا اخْتِلَافًا، فَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣) يَقُولَانِ: لَا يَتَدَاخَلُ الحُكْمَانِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الظِّهَارِ خِلَافُ حُكْمِ الإِيلَاءِ).

стр. 6531

وهو مذهب أحمد كذلك (١). - قوله: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ عِنْدَهُمْ مُضَارًّا، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَدْخُلُ الإِيلَاءُ عَلَى الظِّهَارِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا (٤)). وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَدْخُلُ الإِيلَاءُ

стр. 6532

عَلَى الظِّهَارِ، وَتَبِينُ مِنْهُ بِانْقِضَاءِ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ المُضَارَّةِ (١)). والظهار لا يُقصدُ منه الإضرار بالمرأة وإلحاق الأذى بها - كما هو معلومٌ -، وكما أن سلمة بن صخر لم يكن يقصد ذُلًّا عندما ظاهَرَ من امرأته، وإنما كان يقصد إلى تحصين نفسه من الوقوع في المحظور في نهار رمضان ويريد ألا يفسد صيامه بالجماع. - قوله: (فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ: إِنَّهُ يَدْخُلُ بِإِطْلَاقٍ، وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ بِإِطْلَاقٍ، وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ المُضَارَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ مَعَ عَدَمِهَا. وَسَبَبُ الخِلَافِ مُرَاعَاةُ المَعْنَى، وَاعْتِبَارُ الظَّاهِرِ؛ فَمَنِ اعْتَبَرَ الظَّاهِرَ قَالَ: لَا يَتَدَاخَلَانِ؛ وَمَنِ اعْتَبَرَ المَعْنَى قَالَ: يَتَدَاخَلَانِ إِذَا كَانَ القَصْدُ الضَّرَرَ). والقول الأخير هذا إنما هو القول الصحيح من هذه الأقوال، وعليه أكثر أهل العلم. أما وجود الشَّبَهِ بينهما من حيثُ الكفارة، فهذا لا يُسَوِّغُ إلحاقَ كلٍّ منهما بالآخَرِ وحصول التَّداخُل فيما بينهما.

стр. 6533

قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ السَّابِعُ فِي أَحْكَامِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ) ولا شكَّ أن الكفارة جاء التنصيص عليها في الكتاب العزيز وفي الوقائع الواردة في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ. - قوله: (وَالنَّظَرُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا فِي عَدَدِ أَنْوَاعِ الكَفَّارَةِ وَتَرْتِيبِهَا، وَشُرُوطِ نَوْعٍ مِنْهَا). فالكفارة ثلاثة أنواع: - تحرير رقبة. - ثم صيام شهرين متتابعين إن عجز عن العتق. - ثم الإطعام إن عجز عن العتق والصيام. - قوله: (أَعْنِي: الشُّرُوطَ المُصَحِّحَةَ). فكلّ كفارةٍ من هذه الكفارات الثلاث لها شروطٌ تتعلق بصحَّتها، بحيث تصح الكفارة بوجود هذه الشروط وتبطل بعدمها، فهناك شروط متعلقة بالعتق، وشروطٌ متعلقةٌ بالصيام، وشروطٌ كذلك متعلقةٌ بالإطعام. - قوله: (وَمَتَى تَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ وَمَتَى تَجِبُ أَكثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ؟). أمَّا كون هذه الكفارات تتداخل أم لا، فهذا مَبْحَثٌ فقهيٌّ معروفٌ، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقواعد الفقهية، ولراد به ما إذا ظاهَرَ الزوج عدَّة مراتٍ فحينئذٍ هل تجب عليه كفارةٌ واحدةٌ أم أنه تجب عليه في هذه الحالة كفاراتٌ متعددةٌ بتعدد مرات الظهار.

стр. 6534

وهل يختلف الحكم ما بين أن يكون قد ظاهَرَ مرَّاتٍ قبل أن يُكفِّر، وبين أن يكون قد ظَاهَرَ وَكَفَّرَ ثم أَتْبَعَ كفارتَه بظهارٍ ثانٍ؟ وهل هناك فرقٌ بين أن يظاهِرَ الرجل من امرأةٍ واحدةٍ وبين أن يُظاهِرَ من أكثر من امرأةٍ؟ كلُّ هذه المسائل إنما هي محلّ خلافٍ بين أهل العلم. - قوله: (فَأَمَّا أَنْوَاعُهَا: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ). والسبب في إجماع أهل العلم على أنواع الكفارة إنما هو وضوح النَّصِّ القرآنِيِّ وصراحته، وهو قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾. وكلُّ ما جاء ذِكْرُهُ نَصًّا في كتاب الله صار لا محلَّ للاجتهاد فيه ولا الخلاف، وإنما صار محلَّ إجماعٍ. وأنواع الكفارة قد وَرَدَتْ بها السُّنَّةُ المطهَّرة كذلك، كما في قصة خولة مع زوجها، فإن الرسول ﷺ قال لها: "يعتق رقبة"، فأخبرته أنه لا يجد، فقال: "يصوم شهرين متتابعين"، فأخبرته بأنه شيخٌ كبيرٌ لا يَقوَى على الصوم، فقال: "يُطعِمُ سِتِّينَ مسكينًا"، فأخبرته بضيق ذات يده، فقال الرسول ﷺ : "سنعينه"، ثم قالت خولة بعد ذلك: "وأنا سأعينه بعرق من تمرٍ" (١)، وهو حديث صحيحٌ. وكذلك وَرَدَ في سنَّة الرسول ﷺ حديث سلمة بن صخر البياضي عندما أمره الرسول ﷺ أن يعتق رقبةً، فلمَّا أخبره سلمة أنه لا يجد، أَمَرَهُ الرسول ﷺ أن يصومَ شهرين متتابعين، فلما أخبره سلمة أنه لم يقع في ذلك الأمر إلا بسبب الصيام حينئذٍ أَمَرَهُ الرسول ﷺ أن يُطعِمَ ستين

стр. 6535

مسكينًا، فحينئذٍ أخبره سلمة بأنه قد بات تلك الليلة وزوجته كما تبيت الوحوش، كنايةً عن أنهما لم يجدا طعامًا في ليلتهما تلك (١). فإجماع أهل العلم في تحديد أنواع الكفارات وترتيبها إنما هو آتٍ من صراحة النصوص الشرعية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . - قوله: (إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ). لقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. وقد جاء ذِكْرُ الرقبة مُطلَقًا في النَّصِّ القرآنيِّ، بل لم يَأْتِ تقييد للرقبة المُعتَقَة في كلِّ أنواع الكفارات، فيما عدا الرقبة المحكوم بها في كفارة القتل، ومن هنا يَنْشَأ الخلافُ في هذه المسألة. - قوله: (أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ). لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ولورود ذلك في الأحاديث المطهَّرة كذلك. - قوله: (أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَأَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَالإِعْتَاقُ أَوَّلًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالصِّيَام، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالإِطْعَامُ). فكفارة الظهار هاهنا على الترتيب لا على التخيير، بحيثُ إن الترتيب فيها إنما هو ترتيبٌ وجوبيٌّ، بخلاف كفارة اليمين التي وَرَدَت الكفارة فيها على التخيير، كما في سورة المائدة في قولِ الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾، حيث جاءت كفارة اليمين على

стр. 6536

التخيير، فذَكَرَ الله : الإطعام ثم أتبَعَهُ بالكسوة ثم أتبَعَهُما بالعتق، بحيث لو بدأ المُكَفِّرُ بالعتق لكان ذلك مُجزِئًا له عن كفارته، ويدلُّ عليه ما جاء عن عبد الله بن عباس ﵄ من أنَّ كلَّ ما جاء في كتاب الله بلفظ: (أو) فإنه يكون على التخيير لا على الإلزام (١). أما هاهنا في كفارة الظهار فإن الترتيب الوارد فيها جاء وجوبيًّا، بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، كما هو الحال في التيمم حين قال الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، بحيثُ لا يجوز حينئذٍ للإنسان أن يتيمم إلا عند فَقْدِ الماء أو وجود عُذرٍ يَمنَع من استخدامه. وأوَّل نوع من أنواع كفارة الظهار - وهو عتق الرقبة - يُشتَرَطُ فيه ألا يكون المُكَفِّرُ في حاجةٍ إلى هذه الرقبة، فقد يكون مالكًا لهذه الرقبة لكنه لا يستغني عنها، بحيثُ إن أَعْتَقَها بقي بعدها عالةً يتكفف الناس، وهذا لا ينبغي، وإنما الكفارة تكون على قدر الطاقة والسعة؛ وقد يكون واجدًا للمال ولكنه لا يجد رقبةً كي يشتريها ويعتقها، فحينئذٍ لا يُكَفِّرُ بالعتق؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وإنما ينتقل إلى الكفارة التي تليها وهي صيام شهرين متتابعين. - قوله: (هَذَا فِي الحُرِّ). فَفَرْضُ العبد إنما هو الصيام لا العتق؛ لأن العبد لا مال له ولا يملك شيئًا، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "من اشترى عبدًا له مالٌ فماله لسيده، إلا أن يشترطه المبتاع" (٢)، ومن هذا الباب كان كلام العلماء في مسألة ما إذا باع إنسانٌ عبدًا وكان عليه تيابٌ غالية الثمن وما إذا كانت هذه الثياب حينئذٍ تدخل في جملة المبيع أم لا بدَّ أن يشترطها المبتاع. فالقول بعدم مِلْكِ العبد يجعل التكفير بالعتق لا يتناسب مع غير

стр. 6537

الحرِّ، فالكفارات بعضها ماليٌّ وبعضها بدنيٌّ، وما دامت الكفارة الماليَّةُ لا تتناسب مع العبد، فإن فَرْضَ العبد في الكفارة إنما هو العبادة البدنية، وهي الصيام، أما لو تبرع له سيده بالمال فهل له حينئذٍ أن يُكَفِّرَ بالعتق أو الإطعام أم لا، فهذه مسألةٌ أخرى. - قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي العَبْدِ يُكَفِّرُ بِالعِتْقِ أَوْ بِالإِطْعَامِ؟ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الَّذِي يَبْدَأُ بِهِ الصِّيَامُ - أَعْنِي: إِذَا عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ). فَكَوْنُ العبد يبدأ في الكفارة بالصيام هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ لأن هذا هو ما يتناسب مع طاقته وسعته. - قوله: (فَأَجَازَ لِلْعَبْدِ العِتْقَ - إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ - أَبُو ثَوْرٍ (١)، وَدَاوُدُ (٢)). وكذلك الأوزاعيُّ أجاز للعبد التكفير بالعِتقِ إن أَذِنَ له سيده بذلك (٣). - قوله: (وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ العُلَمَاءِ). وهم الأئمة الأربعة (٤).

стр. 6538

- قوله: (وَأَمَّا الإِطْعَام، فَأَجَازَهُ لَهُ مَالِكٌ إِنْ أَطْعَمَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (١)). بمعنى: أن مالكًا اشترط إذن السيد في تكفير العبد بالإطعام. - قوله: (وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَمَبْنَى الخِلَافِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ: هَلْ يَمْلِكُ العَبْد، أَوْ لَا يَمْلِكُ؟).

стр. 6539

وقول أبي حنيفة والشافعي بعدم الجواز يَتَّفِقُ مع الرواية المشهورة عن الإمام أحمد (١). - قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الشُّرُوطِ المُصَحِّحَةِ). هذا الذي كَفَّرَ عن ظِهارِهِ بالصيام، إذا أَفْطَرَ يومًا فَفِطرُهُ هذا لا يخلو إما أن يكون بسببٍ أو بغير سببٍ. أمَّا السبب فقد يكون لِعُذرٍ كالمرض أو السفر، وقد يكون لعارضٍ يعرض له، كدخول شهر رمضان أثناء صيام الكفارة مما يتعذر معه الانشغال عن فريضة رمضان بمتابعة صيام الكفارة، وربما كان العارضُ هو دخول يومٍ من الأيام التي يَحرُمُ صيامُها كيوم العيد أو أيام التشريق، على الخلاف فيها، والصحيح: أنه لا يصوم. وهل حينئذٍ إذا أَفْطَرَ يكون قد قَطَعَ التتابعَ الواجب في كفارة الصيام ويلزمه حينئذٍ أن يستأنف صيام الشهرين من جديدٍ؟ أم أنه يبني على ما فات من صيام في كفارته؟ - قوله: (فَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ إِذَا وَطِئَ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ، هَلْ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصِّيَامِ أَمْ لَا؟). ومراد المؤلّف من الوطء في صيام الشهرين هو أنه لو وَطِئَ ليلًا، أما الوطء نهارًا عامدًا فهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وإنما اختلافهم فيمن وَطِئَ أو أَكَلَ أو شَرِبَ ناسيًا، أما فاعل ذلك نهارًا عامدًا فلا خلاف في فساد صومه حينئذٍ. أما مَن جامع ليلًا أثناء صيام الكفارة، فهل يَفسَدُ عليه التتابُع بذلك أم لا؟ الجواب: هو محل خلافٍ بين أهل العلم، فبعض العلماء قال بفساد

стр. 6540

التتابع، وبعضهم قال بعدم فساده من حيث إن القصد من التتابع هو تتابع الأيام، وأن الإنسان لا يصوم ليلًا، والمسألة محلّ خلافٍ كما ذَكَرْنَا. - قوله: (فَقَالَ هَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): "يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ"، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ شَرَطَ فِي ذَلِكَ العَمْدَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ مَالِكٌ بَيْنَ العَمْدِ فِي ذَلِكَ وَالنِّسْيَان. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يَسْتَأْنِفُ عَلَى حَالٍ" (٣)).

стр. 6541

فمالكٌ أَطْلَقَ القول باستئناف الصيام من جديدٍ، وأبو حنيفة قَيَّدَ ذلك بالعمد دون النسيان، أما الشافعيُّ فذهب إلى أنه يبني على ما فات ولا يستأنف؛ لأن هذه الليالي لا أَثَرَ لها في إفساد صيامه، فالصيام متماسكٌ مستمِرٌّ لا خلل فيه، فلا وَجْهَ حينئذٍ لتكليفه بما ليس جُزءًا من الواجب المُتَحَتِّمِ عليه. - قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ تَشْبِيهُ كفَّارَةِ الظِّهَارِ بِكَفَّارَةِ اليَمِينِ، وَالشَّرْطُ الَّذِي وَرَدَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ - أَعْنِي: أَنْ تَكُونَ قَبْلَ المَسِيسِ -؛ فَمَنِ اعْتَبَرَ هَذَا الشَّرْطَ قَالَ: يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِكَفَّارَةِ اليَمِينِ قَالَ: لَا يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّ الكَفَّارَةَ فِي اليَمِينِ تَرْفَعُ الحِنْثَ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِاتِّفَاقٍ. وَمِنْهَا: هَلْ مِنْ شَرْطِ الرَّقَبَةِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً أَمْ لَا؟). وهذه المسألة من المسائل المهمة المتعلقة بأصول الفقه، وهي ما إذا كانت الرقبة المُعتَقة يُشترَط فيها أن تكون مؤمنةً أم أن ذلك لا يشتَرَط. أما النَّصُّ القرآني فإنه قد أَطْلَقَ ذلك ولم يُقَيِّدْه، فقد قال الله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، ولم يَرِد التقييد في التكفير بالعتق إلا في كفارة القتل فقط حين قَيَّدَ الله كفارة القتل بعتق رقبة مؤمنة. فهل هذا التقييد خاصٌّ بكفَّارة القتل وحدها؟ أم أنه يسري إلى التكفير بالعتق في سائر الكفارات؟ بمعنى: هل يُقاس العتق في كفارة الظِّهار على العتق في كفارة القتل أم لا؟ وهذه المسألة محلُّ خلافٍ بين أهل العلم. فمذهب الجمهور فيها: هو اشتراط الإيمان في الرقبة المعتَقَة، وبه قال مالكٌ (١)،

стр. 6542

والشافعيُّ (١)، وأحمدُ في الرواية المشهورة عنه (٢). ومذهب أبي حنيفة: هو جواز عِتْقِ الرقبة الذِّمِّيَّةِ (٣)، ومعه على هذا القول الإمام أحمد في الرواية الأخرى عنه (٤). - قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي الإِجْزَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ رَقَبَةُ الكَافِرِ"، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ إِعْتَاقُ الوَثَنِيَّةِ، وَالمُرْتَدَّةِ. وَدَلِيلُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ: أَنَّهُ إِعْتَاق عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً، أَصْلُهُ الإِعْتَاقُ فِي كَفَّارَةِ القَتْلِ). أي: أن الذين اشتَرَطوا الإيمان في الرقبة المُعتَقَة إنما احتجوا لقولهم

стр. 6543

بأنَّ هذا العتق على وَجْهِ القُربة والطاعة لله حتى وإن كانت نتيجة خطأ وَقَعَ فيه المكلَّف، إلا أنها استجابة لأمر الله فتكون طاعةً من الطاعات. دليل الجمهور: وجمهور العلماء يستدلُّون بحديث معاوية بن الحكم، فقد كانت عنده جاريةٌ فجاء إلى رسول الله ﷺ ومعه الجارية، وقال: يا رسول الله عَلَيَّ عِتْقُ رقبةٍ فَأُعْتِقُهَا؟ فسألها رسول الله ﷺ : "أينَ اللهِ؟ ". قالت: في السماء. قال: "مَن أنا؟ ". قالت: أنتَ رسول الله. فقال الرسول ﷺ : "أَعْتِقْهَا، فإنها مؤمنةٌ". وهو حديثٌ صحيحٌ جاء في "صحيح مسلمٍ" (١) وغيره (٢)، وجمهور أهل العلم يعتبرونه نَصًّا صريحًا في هذه المسألة، واحتجُّوا بأن هذا إن لم يكن شرطًا في صحَّة عِتْقِهَا لم يكن الرسول ﷺ لِيسألَها: "أين الله؟ " ولا: "من أنا"، وأن قوله ﷺ لمعاوية: "أَعْتِقْهَا، فإنها مؤمنةٌ". إنما هو نَصٌّ صريحٌ يُستَدَلُّ منه على اشتراط الإيمان في الرقبة المعتَقَة، وإن لم يكن هذا شرطًا في العتق لَبَيَّنَ الرسول ﷺ ذلك؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة (٣) كما هو معلوم من قواعد الأصول. - قوله: (وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ القِيَاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَيَّدَ الرَّقَبَةَ بِالإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ القَتْلِ، وَأَطْلَقَهَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَيجِبُ صَرْفُ المُطْلَقِ إِلَى المُقَيَّدِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالحَنَفِيَّةُ لَا يُجِيزُونَه، وَذَلِكَ أَنَّ الأَسْبَابَ فِي القَضِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَمَّا حُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَهُوَ ظَاهِرُ العُمُومِ، وَلَا مُعَارَضَةَ عِنْدَهُ بَيْنَ المُطْلَقِ وَالمُقَيَّدِ، فَوَجَبَ عِنْدَهُ أَنْ يُحْمَلَ كُلٌّ عَلَى لَفْظِهِ).

стр. 6544

فجمهور أهل العلم القائلون باشتراط الإيمان في الرقبة قد انقسموا في تعليل مذهبهم إلى فريقين: - الفريق الأول: إنما علَّلوا هذا القول بالقياس على كفارة القتل، التي يُشترَط فيها في الرقبة أن تكون مؤمنةً، وبأنه ما دامت هذه كفارةً وتلك كفارةً فلا وجه إذن لعدم إلحاق إحداهما بالأخرى لوجود قاسمٍ مشترَكٍ يجمع بينهما. - والفريق الثاني: إنما عللوه بما هو معلومٌ مِن أن الأصل في المُطلَقِ أن يُحمَلَ على المقيَّدِ، وإذا كانت كفارة الظهار مطلَقةً وكفارة القتل مقيَّدةً، فالعمل بالقاعدة يقتضي حَمْلَ كفارة الظهار على كفارة القتل، خلافًا لابن حزمٍ الأندلسي الذي يرى إبقاء المطلَق على إطلاقه ما دام لا يتعارض مع المقيَّد. - قوله: (وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ هَلْ مِنْ شَرْطِ الرَّقَبَةِ أَنْ تَكُونَ سَالِمَةً مِنَ العُيُوبِ أَمْ لَا؟). أما اشتراط سلامة الرقبة المعتَقة من العيوب، فيُشترَط من حيثُ الجملة، أما من حيث التفصيل فهو محلُّ خلافٍ بين أهل العلم. فالذين اشترطوا السلامة من العيوب إنما اختلفوا في أنواع العيوب المعتبرة وغير المعتبرة، بحيثُ قد أجمَعوا على عيوبٍ بعينها أنها تؤثر في سلامة الرقبة وأنها إن وُجِدَت في الرقبة صار عِتقُها لا يجزئ حينئذٍ، بل يجب حينها البحث عن رقبةٍ أخرى؛ واختلفوا في عيوب أخرى. والسبب في هذا هو أن المقصود من الإعتاق هو تمكين العبد من التصرُّفِ بنفسه، بحيثُ يملك منافعه ويتصرف فيها، مما يُحتاج معه إلى أن يكون سليمًا. - قوله: (ثُمَّ إِنْ كَانَتْ سَلِيمَةً، فَمِنْ أَيِّ العُيُوبٍ تُشْتَرَطُ سَلَامَتُهَا؟

стр. 6545

فَالَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أَنَّ لِلْعُيُوب تَأْثِيرًا فِي مَنْعِ إِجْزَاءِ العِتْقِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ (١)). والمراد بالجمهور هاهنا: هم الأئمة الأربعة، بل إن هذه المسألة لم يخالف فيها إلا داود الظاهري، والسبب في مخالفته لباقي الأئمة أنه يأخذ بظاهِر النصوص، فأَخَذَ بظاهِر قوله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وظاهِر قول رسول الله ﷺ : "يعتق رقبة"، فقال بأن النصوص ما دامت وَرَدَت بالإطلاق دون التقييد بالسلامة فإنه يحملها على الإطلاق ولا يشترط السلامة فيها. - قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ تَشْبِيهُهَا بِالأَضَاحِيِّ وَالهَدَايَا؛ لِكَوْنِ القُرْبَةِ تَجْمَعُهُمَا. وَحُجَّةُ الفَرِيقِ الثَّانِي إِطْلَاقُ اللَّفْظِ فِي الآيَةِ، فَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ الظَّاهِرِ لِقِيَاسِ الشَّبَهِ. وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ لِلْعُيُوبِ تَأْثِيرًا فِي مَنْعِ الإِجْزَاءِ، اخْتَلَفُوا فِي عَيْبٍ عَيْبٍ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي الإِجْزَاءِ، أَوْ عَدَمِهِ). لم يأت تقييد الرقبة بالسلامة من العيوب في صريح النصوص من الكتاب والسنة، ولكن يبقى الرجوع إلى القصد من الإعتاق، فإن العبدَ إنما يُعتَق حتى يكون قادرًا على العمل والكَسب بحيث يَنفَع نفسه وغيره، وعليه فإنه لا فائدة في إعتاق العبد المُقعَد غير القادر على العمل؛ لأنه لا يستفيد شيئًا حينما يتملَّكُ نفسَه. - قوله: (أَمَّا العَمَى، وَقَطْعُ اليَدَيْنِ، أَوِ الرِّجْلَيْنِ، فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي أَنَّهُ مَانِعٌ لِلْإِجْزَاءِ (٢)).

стр. 6546

فالعَمَى وقَطعُ اليدين أو الرجلين من العيوب المتَّفَق على أنها تَمنَع الإجزاء إذا وُجِدَت في العبد المُعتَقِ؛ وذلك لأنَّ الأعمى لن يستطيع العمل إلا في قليلٍ من الصناعات مقارَنةً بالمُبصِر. أما مقطوع اليدين فلا يجزئ عِتقُه؛ لأن اليد إنما هي آلةُ الإنسان التي يأخذ بها ويُعطِي ويرفع ويضع. وكذلك الحال في مقطوع الرجلين؛ لأن الرِّجل هي ما يستعين بها الإنسان في المشي وفي حَمْلِ الأشياء وغير ذلك. كما أن أهل العلم قد أَلْحَقُوا بذلك المجنون إذا كان جنونه مُطبِقًا،

стр. 6547

أي: يغلب عليه الجنون، أما من يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا فلا يدخل في هذا المنع. - قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْهَا: هَلْ يَجُوزُ قَطْعُ اليَدِ الوَاحِدَةِ؟ أَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَمَّا الأَعْوَر، فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُجْزِئُ" (٤)، وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: "يُجْزِئُ" (٥)، وَأَمَّا قَطْعُ الأُذُنَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُجْزِئُ" (٦).

стр. 6548

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: "يُجْزِئُ" (١)). وقول أصحاب الشافعي بجواز إعتاق مقطوع الأذنين يوافق كذلك قول أبي حنيفة (٢) وأحمد (٣). - قوله: (وَأَمَّا الأَصَمُّ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَقِيلَ: "يُجْزِئُ" (٤)). وهو قول الإمام أحمد ﵀ (٥).

стр. 6549

- قوله: (وَقِيلَ: "لَا يُجْزِئُ" (١)، وَأَمَّا الأَخْرَسُ فَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ (٢)، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ (٣)، أَمَّا المَجْنُونُ فَلَا يُجْزِئُ (٤)).

стр. 6550

والمراد بالمجنون هاهنا هو صاحب الجنون المُطبِقِ، أما الذي يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا فلا ينطبق عليه هذا الحُكمُ؛ لأنه قد تمضي عليه فترةٌ في جنونه ثم يعود إليه عقله، أما صاحب الجنون المطبِق فإنما يكون أقرب للمغميِّ عليه. - قوله: (أَمَّا الخَصِيُّ، فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: "لَا يُعْحِبُنِي الخَصِيُّ" (١)، وَقَالَ غَيْرُهُ: "لَا يُجْزِئُ" (٢)). وأكثر العلماء على جواز إعتاق الخصيِّ؛ لأن هذه العلة لا تأثير لها في العتق ولا في عمل العبد. - قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "يُجْزِئُ" (٣)).
следующие страницы →