فالعَمَى وقَطعُ اليدين أو الرجلين من العيوب المتَّفَق على أنها تَمنَع الإجزاء إذا وُجِدَت في العبد المُعتَقِ؛ وذلك لأنَّ الأعمى لن يستطيع العمل إلا في قليلٍ من الصناعات مقارَنةً بالمُبصِر.
أما مقطوع اليدين فلا يجزئ عِتقُه؛ لأن اليد إنما هي آلةُ الإنسان التي يأخذ بها ويُعطِي ويرفع ويضع.
وكذلك الحال في مقطوع الرجلين؛ لأن الرِّجل هي ما يستعين بها الإنسان في المشي وفي حَمْلِ الأشياء وغير ذلك.
كما أن أهل العلم قد أَلْحَقُوا بذلك المجنون إذا كان جنونه مُطبِقًا،
стр. 6547
أي: يغلب عليه الجنون، أما من يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا فلا يدخل في هذا المنع.
- قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْهَا: هَلْ يَجُوزُ قَطْعُ اليَدِ الوَاحِدَةِ؟ أَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَمَّا الأَعْوَر، فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُجْزِئُ" (٤)، وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: "يُجْزِئُ" (٥)، وَأَمَّا قَطْعُ الأُذُنَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُجْزِئُ" (٦).
стр. 6548
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: "يُجْزِئُ" (١)).
وقول أصحاب الشافعي بجواز إعتاق مقطوع الأذنين يوافق كذلك قول أبي حنيفة (٢) وأحمد (٣).
- قوله: (وَأَمَّا الأَصَمُّ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَقِيلَ: "يُجْزِئُ" (٤)).
وهو قول الإمام أحمد ﵀ (٥).
والمراد بالمجنون هاهنا هو صاحب الجنون المُطبِقِ، أما الذي يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا فلا ينطبق عليه هذا الحُكمُ؛ لأنه قد تمضي عليه فترةٌ في جنونه ثم يعود إليه عقله، أما صاحب الجنون المطبِق فإنما يكون أقرب للمغميِّ عليه.
- قوله: (أَمَّا الخَصِيُّ، فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: "لَا يُعْحِبُنِي الخَصِيُّ" (١)، وَقَالَ غَيْرُهُ: "لَا يُجْزِئُ" (٢)).
وأكثر العلماء على جواز إعتاق الخصيِّ؛ لأن هذه العلة لا تأثير لها في العتق ولا في عمل العبد.
- قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "يُجْزِئُ" (٣)).
стр. 6551
وهو كذلك قول الإمام أحمد (١).
- قوله: (وَإِعْتَاقُ الصَّغِيرِ جَائِزٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (٢)، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ مَنْعُهُ).
والسبب في جواز عتق الصغير هو أن الصغير لن يظلَّ كذلك، وإنما سَيَشِبُّ ويَكْبَرُ بإذن الله تعالى، أما لو وُجِدَ كبيرٌ وصغيرٌ ويتمايَزَان فحينئذٍ يُقدَّمُ الكبيرُ في الإعتاق.
- قوله: (وَالعَرَجُ الخَفِيفُ فِي المَذْهَبِ يُجْزِئ، أَمَّا البَيِّنُ العَرَجِ فَلَا (٣)).
стр. 6552
هذا هو مذهب جمهور العلماء (١)؛ لأن الأعرج إذا كان عرجه خفيفًا فإنه لا يؤثر في إعتاقه ولا في عمله وكسبه كونه يميل في مشيه ميلًا يسيرًا، أما إذا كان العرج شديدًا ذا تأثيرٍ على العمل والكسب، فإن الجمهور على عدم إجزاء عتقه في الكفارة.
- قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي قَدْرِ النَّقْصِ المُؤَثِّرِ فِي القُرْبَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ إِلَّا الضَّحَايَا).
فالفقهاء إنما يُعلِّلُون ذلك بأن القصد من الإعتاق هو القُربة والطاعة لله ، ولكن في الوقت ذاته ينبغي أن تكون الرقبةُ المعتَقةُ قادرةً على العمل والتكسُّبِ حتى لا تكون عالةً على الناس بعد العتق.
- قوله: (وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِئُ فِي المَذْهَبِ مَا فِيهِ شَرِكَةٌ، أَوْ طَرَفُ حُرِّيَّةٍ كَالكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وَالتَّحْرِيرُ هُوَ ابْتِدَاءُ الإِعْتَاقِ).
стр. 6553
وهذا إنما هو محلُّ خلافٍ.
و"المكاتَب": هو الذي كاتَبَ سَيِّدَهُ على أن يَدفَعَ له على التنجيم ليحرر نفسه.
أما المدبَّر: فهو الذي عَلَّقَ سيدُه عِتقَه بموته.
وكذلك أمّ الولد، فإن في عِتقها خلافًا بين أهل العلم، والصحيح فيه أنها لا تُعتَق؛ لأنها ستصير إلى العِتق.
- قوله: (وَإِذَا كَانَ فِيهِ عَقْدٌ مِنْ عُقُودِ الحُرِّيَّةِ كَالكِتَابَةِ، كَانَ تَنْجِيزًا لَا إِعْتَاقًا، وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الرَّقَبَةِ لَيْسَ بِرَقَبَةٍ).
وقوله: (تنجيزًا). إنما المراد منه لو أن هناك اتفاقًا بين العبد والسيد على العتق، ثم أعتق السيد عبده، فحينئذٍ يكون هذا الفعل من جانب السيِّد إنما هو تنجيز للاتفاق وإسراعٌ به، لا أنه الإعتاق المراد في الكفارة؛ لأن العبد حينئذٍ قد شابه شيءٌ من الحرية بناءً على هذا العقد الساري بينه وبين سيده.
- قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنْ كَانَ المُكَاتَبُ أَدَّى شَيْئًا مِنْ مَالِ الكِتَابَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّ، جَازَ" (١)).
وهو كذلك مذهب الإمام أحمد (٢)؛ وذلك لأن المكاتَبَ إذا كان قد أدَّى شيئًا من مال الكتابة فإنه حينئذٍ يكون قد دَاخَلَهُ شيءٌ من الحرية، فيكون العبد حينئذٍ من جملة القادرين على تحرير أنفسهم، مما يوجب على
стр. 6554
المكلَّفِ حينها البحثَ عن عبدٍ آخر يكون غير قادرٍ على تحرير نفسه.
- قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَجْزِيهِ عِتْقُ مُدَبَّرِهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يَجْزِيهِ تَشْبِيهًا بِالكِتَابَةِ"، لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَيْسَ لَهُ حَلُّهُ (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "يَجْزِيهِ" (٢)؛ وَلَا يَجْزِي عِنْدَ مَالِكٍ إِعْتَاقُ أُمِّ وَلَدِهِ، وَلَا المُعْتَقِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (٣)، وَأَمَّا عِتْقُ أُمِّ الوَلَدِ، فَلأنَّ عَقْدَهَا آكَدُ مِنْ عَقْدِ الكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِمَا الفَسْخُ. أَمَّا فِي الكِتَابَةِ فَمِنَ العَجْزِ عَنْ أَدَاءِ النُّجُومِ، وَأَمَّا التَّدْبِير، فَإذَا ضَاقَ عَنْهُ الثُّلُث، وَأَمَّا العِتْقُ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ عَقْدُ عِتْقٍ لَا سَبِيلَ إِلَى حَلِّهِ).
وقول مالكٍ بعدم إجزاء عتق أمِّ الولد، إنما هو مذهب جمهور أهل العلم (٤)، وقد علَّلوا ذلك بأن أمّ الولد تنتهي إلى العتق في آخر الأمر.
стр. 6555
- قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِجْزَاءِ عِتْقِ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢): "لَا يَجْزِي عَنْهُ"، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِذَا نَوَى بِهِ عِتْقَهُ عَنْ ظِهَارٍ أَجْزَأَ") (٣).
قال مالك والشافعي: لا يجزئ تحريرها إلا بشرط العتق؛ وأن تكون محررة للظهار، فلا يكون السبب في تحريرها هو إعتاقها بقرابة كأخيه، أو أن يعتقها بتعليق كأن يقول: إن اشتريته فهو حر، فلو فعل ذلك فلا يجزيه؛ لأنه يعتق عليه بسبب القرابة أو التعليق لا الظهار.
- قوله: (فَأَبُو حَنِيفَةَ شَبَّهَهُ بِالرَّقَبَةِ الَّتِي لَا يَجِبُ عِتْقُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الرَّقَبَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ شِرَاؤُهَا، وَبَذْلُ القِيمَةِ فِيهَا عَلَى وَجْهِ
стр. 6556
العِتْقِ، فَإِذَا نَوَى بِذَلِكَ التَّكْفِيرَ جَازَ، وَالمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ رَأَتْ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى إِعْتَاقِهِ، فَلَا يَجْزِيهِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ أَقَامَ القَصْدَ لِلشِّرَاءِ مَقَامَ العِتْقِ، وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِلْعِتْقِ نَفْسِهِ، فَكِلَاهُمَا يُسَمَّى مُعْتِقًا بِاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا مُعْتِقٌ بِالاخْتِيَارِ الأَوَّلِ، وَالآخَرُ مُعْتِقٌ بِلَازِمِ الاخْتِيَارِ، فَكَأَنَّهُ مُعْتِقٌ عَلَى القَصْدِ الثَّانِي، وَمُشْتَرٍ عَلَى القَصْدِ الأَوَّلِ، وَالآخَرُ بِالعَكْسِ. وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِيمَنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ (١)).
أبو حنيفة يقول: يجزئ تحريرها دون شرط أن تكون محررة للظهار، فقد يكون السبب في تحريرها هو إعتاقها بالقرابة، أو أن يعتقها بالتعليق كأن يقول: إن اشتريته فهو حر، فلو فعل ذلك فيجزيه عند أبي حنيفة ﵀.
- قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "يَجُوزُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الوَاحِدِ") (٢).
وهو مذهب أحمد كذلك (٣).
стр. 6557
- قوله: (وَمَالِكٌ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، فَهَذَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ شُرُوطِ الرَّقَبَةِ المُعْتَقَةِ. وَأَمَّا شُرُوطُ الإِطْعَامِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي القَدْرِ الَّذِي يَجْزِي لِمِسْكِينٍ مِسْكِينٍ مِنَ السِّتِّينَ مِسْكِينًا الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ النَّصُّ).
فأهل العلم يختلفون في القدر المجزئ في كفارة الإطعام، ليس في كفارة الظهار فقط، بل إنهم يختلفون في عموم الإطعام في سائر الكفارات، من حيث إذا كان هناك فرق بين أنواع الأطعمة أم لا.
ففي قصة أوس بن الصامت وَرَدَ أن رسول الله ﷺ قد أعانه بعَرقٍ من تمرٍ، وأن خولة زوجته قد أعانته بعَرقٍ آخر، وقد جاء في بعض الروايات تحديد مقدار العَرق بخمسة عشر صاعًا، فيكون مقدار العَرقَين الوارِدَين في الحديث ثلاثين صاعًا، بمعنى: أن يُخرِجَ لكلِّ مسكينٍ من الستين مسكينًا نصف صاعٍ.
- قوله: (فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ (١)).
والمراد بهشام: هو هشام بن إسماعيل القرشي المخزومي، والي عبد الملك بن مروان على المدينة في الخلافة الأموية.
ومن المعلوم أن الإمام مالكًا كان يأخذ بعمل أهل المدينة، بل إن عمل أهل المدينة كان حجةً في مذهبه بخلاف غيره.
стр. 6558
أما "الصاع": في وقتنا هذا فإنه ثلاثة كيلاتٍ، وهذا إنما هو من باب الاحتياط، وإلا فإنه يقلّ عن ذلك.
وأما "المُدُّ": فإنه ثلاثة أرباع كيلو.
* قوله: (وَقَدْ قِيلَ: هُوَ أَقَلّ، وَقَدْ قِيلَ: هُوَ مُدٌّ وَثُلُثٌ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فَمُدٌّ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ).
والرواية الثانية هذه هي الأَوْلَى، والأقرب إلى مذاهب الأئمة، لكنهم قد اختلفوا في تفصيلها.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)).
وبه كذلك قال أحمد (٢)، لكن أحمد ﵀ قد فَصَّلَ القول فيها، وفَرَّقَ بين أن يكون المقدار بُرًّا - أي: قمحًا - بحيث يكون ربع صاعٍ، أي: مُدًّا، وبين أن يكون تمرًا أو شعيرًا بحيث يكون نصف صاعٍ.
* قوله: (فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى اعْتِبَارُ الشِّبَعِ غَالِبًا - أَعْنِي: الغَدَاءَ وَالعَشَاءَ -، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ اعْتِبَارُ هَذِهِ الكَفَّارَةِ بِكَفَّارَةِ اليَمِينِ، فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ فِي الوَاجِبَاتِ فِي هَذِهِ الكَفَّارَةِ).
والمراد هنا ما إذا كان المطلوب من الإطعام هو إشباع الفقير أم لا.
стр. 6559
ولا شكَّ أن المراد هو إشباعه، لأن الطعام إنما صُنِع من أجله، فإن كان بُرًّا أو تمرًا فإنه سيشبعه، والناس يختلفون في ذلك، لكن الصحيح هو النظر إلى أواسط الناس.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَوَاضِعِ تَعَدُّدِهَا وَمَوَاضِعِ اتِّحَادِهَا، فَمِنْهَا إِذَا ظَاهَرَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسْوَةٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، هَلْ يَجْزِي فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ أَمْ يَكُونُ عَدَدُ الكَفَّارَاتِ عَلَى عَدَدِ النِّسْوَةِ؟).
والمراد هاهنا ما إذا كانت الكفارات تتداخل أم لا.
والقاعدة الفقهية تقول: (إذا اجتمع أمران من جنسٍ واحدٍ ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر) (١)، وبعضهم يعبِّر عنها بقوله: (إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ، ليست إحداهما مفعولة على جهة القدر ولا على طريق التبعية للأخرى، تداخلت أفعالهما واكتُفِيَ فيهما بفعلٍ واحدٍ) (٢).
والزوج قد يُظاهِر من امرأة واحدةٍ، وقد يُظاهِر كذلك من أكثر من امرأةٍ بكلمةٍ واحدةٍ، وقد يُظاهِر أكثر من امرأةٍ بأكثر من كلمةٍ، والصور في هذا المقام تتعدد وتختلف، ولذا فإن العلماء يختلفون في حكم هذه الحالات من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فهناك اتفاقٌ بين الإمامين مالكٍ وأحمدَ من جهةٍ (٣)، واتفاقٌ بين الإمامين أبي حنيفة
стр. 6560
والشافعي من جهةٍ أخرى (١).
* قوله: (فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجْزِي فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (٢)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٣)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٤) أَنَّ فِيهَا مِنَ الكَفَّارَاتِ بِعَدَدِ المُظَاهَرِ مِنْهُنَّ إِنِ اثْنَتَيْنِ فَاثْنَتَيْنِ، وَإنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثًا، وَإِنْ أَكْثَرَ فَأَكثَرَ).
فمالكٌ وأحمد إنما اعتبَرَا اللفظَ؛ لأنه إنما ظاهَرَ بلفظٍ واحدٍ، فأوجَبوا كفارةً واحدةً، أما أبو حنيفة والشافعي فقد اعتبرا المُظاهَر منهن؛ لأنه قد ظاهَرَ من أكثر من زوجةٍ، فأوجَبوا كفاراتٍ بعدد النساء المُظاهَر منهن؛ لأن إحداهن لا تجزئ عن الأخرى.
стр. 6561
قوله: (فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالطَّلَاقِ، أَوْجَبَ فِي كلِّ وَاحِدَةٍ كفَّارَةً؟ وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالإِيلَاءِ أَوْجَبَ فِيهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ بِالإِيلَاءِ أَشْبَهُ).
فهاهنا يذهب المؤلف إلى أنه أقرب شَبهًا للإيلاء منه إلى الطلاق؛ لأن الظهار والإيلاء كلاهما كان طلاقًا في الجاهلية، ثم أتى الإسلام بإبطال الظهار والإيلاء وأبقى الطلاق الذي نعرفه فقط.
* قوله: (وَمِنْهَا: إِذَا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي مَجَالِسَ شَتَّى هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ عَلَى عَدَدِ المَوَاضِعِ الَّتِي ظَاهَرَ فِيهَا؟).
بمعنى: أن يُظاهِر من زوجته في مجلسٍ، ثم يعود ويكرِّر لفظ الظهار هذا في مجلسٍ آخر، فهل تتداخل الكفارات في هذه الحالة، بمعنى: أن يجزئه كفارة واحدةٌ، أم أنها لا تتداخل بحيث يلزمه كفارةٌ عن كلِّ مجلسٍ تلفظ فيه بالظهار؟
وهذه المسألة إنما تدخل في القاعدة الفقهية التي ذَكَرْنَاهَا، وهي: (إذا اجتمع أمران من جنسٍ واحدٍ ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر).
والخلاف في هذه المسألة فيما إذا اجتمعَت كفاراتٌ من أجناسٍ مختلفةٍ لا من جنس واحد، كأن تجتمع كفارة الظهار وكفارة الجماع في نهار رمضان، أو أن تجتمع كفارة الظهار وكفارة القتل، بما يعني اتحاد كفارتين في المقدار واختلافهما في الجنس، فقد تكون الكفارتان تحرير رقبة، ولكن يختلف الجنس بحيث تكون إحداهما كفارة ظهار، والأخرى كفارة قتل، وما إلى ذلك، فهذا محلّ اختلافٍ بين أهل العلم فيما إذا كانت الكفارات تتداخل حينئذٍ أم لا.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: "لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا أَنْ يُظَاهِرَ،
إذا ظاهَرَ الزوجُ ولم يكَفِّر عن ظِهاره ثم ظاهَرَ مرةً أخرى، فهاهنا قولان لأهل العلم في المسألة:
القول الأول: هو ما ذهب إليه الإمامان مالكٌ وأحمد ومَن معهما، من أنه حينئذٍ لا تلزمه إِلَّا كفارةٌ واحدةٌ عن الظهارَيْن، أما إذا كان قد كَفَّرَ عن الظهار الأول فحينئذٍ تلزمه كفارةٌ ثانيةٌ عن الظهار الثاني.
القول الثاني: هو ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي، من أنه حينئذٍ تلزمه لكلِّ ظهارٍ كفارةٌ.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَلَا خِلَافَ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ كفَّارَةً وَاحِدَةً (١)، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى نِيَّتِهِ، فَإِنْ قَصَدَ التَّأكِيدَ، كَانَتِ الكَفَّارَةُ وَاحِدَةً، وَإِنْ أَرَادَ اسْتِئْنَافَ الظِّهَارِ
стр. 6564
كانَ مَا أَرَادَ، وَلَزِمَهُ مِنَ الكَفَّارَاتِ عَلَى عَدَدِ الظِّهَارِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: "تَلْزَمُ الكَفَّارَةُ عَلَى عَدَدِ الظِّهَارِ؛ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي مَجَالِسَ شَتَّى" (١)).
أما إذا كانت هذه الظهارات في مجلسٍ واحدٍ، بحيث قال الزوج لامرأته: (أنتِ عَلَيَّ كظهرِ أُمِّي)، ثم بعد ذلك عاد وكررها في نفس المجلس، فلأهل العلم ثلاثة أقوالٍ هاهنا:
القول الأول: ما ذهب إليه مالكٌ وأحمد، من أنه لا تلزمه إِلَّا كفارةٌ واحدةٌ، دون النظر إلى مراده من الظهار الثاني.
القول الثاني: هو ما ذهب إليه أبو حنيفة، من أنَّه إذا كان يقصد بالظهار الثاني التأكيد على الظهار الأول فحينئذٍ لا تلزمه إِلَّا كفارةٌ واحدةٌ، أما إذا كان يقصد استئناف الظهار مرةً ثانيةً فكفارتان.
القول الثالث: هو ما ذهب إليه يحيى بن سعيدٍ، من أنه تلزمه الكفارة على عدد مرات الظهار، سواء في ذلك إن كان ظاهَرَ في مجلسٍ واحدٍ أو في مجالسَ متعددة.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الاخْتِلَافِ أَنَّ الظِّهَارَ الوَاحِدَ بِالحَقِيقَةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مِنِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالمُتَعَدِّدُ بِلَا خِلَافٍ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِلَفْظَيْنِ مِنِ امْرَأَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ).
ومعناه: أن الظهار الواحد الأصل فيه أن يتلفظ فيه الزوجُ بالظهار مرةً واحدةً، ويخاطب به امرأةً واحدةً، في وقتٍ واحدٍ، بحيث لا يتكرر ذلك منه.
стр. 6565
وأن الظهار المتعدد: الأصل فيه أن يتلفظ الزوج بالظهار أكثر من مرةٍ مخاطبًا به أكثر من امرأةٍ في أكثر من وقتٍ.
* قوله: (فَإِنْ كَرَّرَ اللَّفْظَ مِنِ امْرَأَهٍ وَاحِدَةٍ، فَهَلْ يُوجِبُ تَعَدُّدُ اللَّفْظِ تَعَدُّدَ الظِّهَارِ، أَمْ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فِيهِ تَعَدُّدًا؟ وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ اللَّفْظُ وَاحِدًا، وَالمُظَاهَرُ مِنْهَا أكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ المُتَوَسِّطَاتِ بَيْنَ ذَيْنِكَ الطَّرَفَيْنِ).
وهذا هو محلّ الخلاف في المسألة، وهو ما إذا كان تكرار اللفظ يستلزم تعدد الظهار حتى ولو كان من امرأةٍ واحدةٍ أم لا يستلزم ذلك.
فمَن ذهب إلى أن تكرار اللفظ يستلزم تعدد الظهار قال بتعدد الكفارة، ومَن ذهب إلى أن تكرار اللفظ لا أثر له قال بلزوم كفارة واحدة.
" قول: (فَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَ الطَّرَفِ الوَاحِدِ، أَوْجَبَ لَهُ حُكْمَهُ).
وهو ما ذهب إليه مالكٌ وأحمدُ.
* قوله: (وَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَ الطَّرَفِ الثَّانِي، أَوْجَبَ لَهُ حُكْمَهُ).
وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي.
* قوله: (وَمِنْهَا: إِذَا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ مَسَّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة أَمْ لَا؟).
والأصل في الظهار: عدم وطء المُظاهِر لزوجته قبل الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ولا خلاف بين أهل العلم في أن فاعل ذلك مستحقٌّ للإثم لمخالَفَتِهِ أَمْرَ اللّه وأمر رسوله ﷺ .
ولكن العلماء اختلفوا في هذه المسألة من حيثُ هل يترتب على هذه المسألة حكمٌ آخر غير الإثم أم أنه الإثم وحده، بمعنى: أنهم اختلفوا فيما إذا كانت الكفارة تتعدد عليه حينئذٍ أم أنه لا يلزمه سوى الكفارة الأولى.
وَدَاوُدُ (١)، وَالطَّبَرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ (٢): أَنَّ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً، وَالحُجَّةُ لَهُمْ "حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَيَاضِيِّ: أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّرَ تَكْفِيرًا وَاحِدًا" (٣) وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ؛ كَفَّارَةُ العَزْمِ عَلَى الوَطْءِ، وَكَفَّارَةُ الوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْأً مُحَرَّمًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ (٤)، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبِ (٥)، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (٦)، وَابْنِ شِهَابٍ (٧)).
والمراد بكفارة الوطء في القول الثاني هاهنا كفارة هذا الوطء المحرَّم الذي أَوْقَعَهُ الزوجُ قبل الكفارة، أما كفارة العزم على الوطء فهي الكفارة التي وجَبَتْ عليه بعودته عن ظهاره، على الخلاف الوارد في معنى العَوْدِ وما إذا كان المراد به الإمساك أم الوطء أم العزم على الوطء أم تكرار لفظ الظهار.
* قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَا عَنِ العَوْدِ، وَلَا عَنِ
стр. 6568
الوَطْءِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اشْتَرَطَ صِحَّةَ الكَفَّارَةِ قَبْلَ المَسِيسِ، فَإِذَا مَسَّ، فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا، فَلَا تَجِبُ إِلَّا بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ، وَذَلِكَ مَعْدُوم فِي مَسْأَلَتِنَا، وَفِيهِ شُذُوذٌ).
وهو قولٌ ضعيفٌ جدًّا، ولذا فإن أهل العلم لا يُسَمُّون صاحبَه وإنما يَذكُرُونه بصيغة التمريض والتضعيف، فيقولون: (قيل)، أو: (قال به بعض الناس)، وهكذا يفعل الفقهاء عندما يقابلهم قولٌ شاذّ مردود، ما لم يكن صاحب هذا القول كثير الخروج عن الإجماع، وهذا قد يظنه البعض من باب احتقار صاحب القول، وهو غير صحيح، وإنما السبب في ذلك ما يرونه من شدة الضعف في القول ليس إِلَّا.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: "مَنْ كَانَ فَرْضُهُ الإِطْعَامَ، فَلَيْسَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ المَسِيسُ قَبْلَ الإِطْعَامِ، وإنَّمَا يَحْرُمُ المَسِيسُ عَلَى مَنْ كَانَ فَرْضُهُ العِتْقَ أَوِ الصِّيَامَ") (١).
وقد ذهب ابن حزمٍ إلى هذا القول من جواز المسيس قبل الكفارة لِمَنْ فرضُه الإطعام، لما يَراه مِن أن الإطعامَ هو آخِرُ الكفارات وأخَفُّهَا.
* * *
стр. 6569
[كِتَابُ اللِّعَانِ]
هذا الباب من الأبواب التي ينبغي أن يقف عندها المسلم، ولقد رأينا في دراستنا من أحكام الأسرة ما يُعرف (بكتاب النكاح) وكيف وجَدْنَا أن الأسلمَ هو بناءُ بَيتِ الزَّوجِيَّةِ على أسس ثابِتَةٍ مستَقِرَّةٍ أصلها ثابتٌ وفرْعُها في السماء، وإذا كان الأساس قوِيًّا كان كذلك ما يُبْنَي عليه، ومن هنا رأينا أن رسول اللّه ﷺ بيَّن لنا لماذا تُنْكَحُ المرأة فذَكَر أمورًا أربعة، ثم أوْصى باختيارِ ذاتِ الدِّينِ فقال ﷺ : "فاظفر بذات الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (١).
فالرسول ﷺ أوصى بصاحبة الدِّينِ والخُلْقِ؛ لأن تحفظ نفسها وتحافظ على بيتها وزوجها، وهي التي أشار إليها الرسول ﷺ بالزوجة الصالحة التي إذا نظر إليها زوجها سرته، وإن غاب عنها حفظته، ولم ينسَ الإسلام أن يُعنَى بأمر الزوج، فإن كانت الزوجة ينبغي أن يُحسنَ اختيارها، وأن تكون من أهل الدِّينِ والصَّلاح فكذلك أيضًاا لحال بالنسبة للزوج.
ورسول اللّه ﷺ في خُطبته في حَجَّةِ الوداعِ أوْصى المسلمين بأمورٍ عديدة، ووضع قواعد ثابِتَةً مستقرَّةً، وكان مما أوصى فيه رسول اللّه ﷺ المؤمنين أن قال: "إنَّ دماءَكُم وأمْوالكُم وأعْراضكم حَرَامٌ عليكم، كحُرمَةِ يومِكُم هذا، في شهركم هذا، في بَلَدِكُم هذا" (٢)، وأكَّدَ ذلك رسولُ اللّهِ ﷺ وكان يقول: "اللَّهُمَّ اشهَدْ إني بلّغْت، اللهم اشهَدْ إني
стр. 6570
بلَّغت" (١)، وكان أصحاب رسول اللّه ﷺ قد شَهدُوا له بالبَلاغ، ونحن كذلك نشهد لَهُ ﷺ بأنه بلَّغَ هذه الرسالة ونصحَ الأمَّةَ وأنه قد أكمَلَ اللّه به الدِّين، وأن اللّه قد رضي لنا الإسلام دِينًا، وأنه أحرصُ على المؤمنين من أمهاتهم وآباهم.
* ومن تلك الأمور: أن يَصُونَ المسلم لِسانَهُ عن عِرْضِ أخيهِ المُسْلِمْ فلا يذُمَّه بسوءٍ، ولا يذكره إِلَّا بخَيْرٍ، ولا يجوز له أن يكون من المُسارِعِين في ذلك؛ لأن اللّه خوَّفَ من دْلك، وقصة الإفك التي نَزَلَتْ في أم المؤمنين عائشة ﵄ مشهورة، وكيف أن اللّه زكَّاها وبيَّن كذِبَ هؤلاء المفترين، وهكذا كل مسلم عليه ألَّا يُطْلِقَ لسانَه في إيذاء إخوانه المؤمنين؛ لأن رسولَ اللّه ﷺ وضع وصفًا دقيقًا للمؤمن الحق فقال ﷺ : "المسلِمُ من سَلِمَ المسلِمُونَ من لِسانِهِ ويدِهِ (٢) ". وقال أيضًا: "من يضْمَنُ لي ما بينَ فكَّيْه، وما بين فَخِذَيْهِ أضمنُ له الجنة" (٣)، ولذلك يقول اللّه : ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥]، وبعد ذلك يبيِّنُ اللّه تعالى المنهج القوي، والمسْلَكَ الرَّشيد الذي ينبغي أن يقوله المسلم عندما يسمع ذَمًّا من أخيه المسلِم، أو تجريحًا، أو قدحًا في حقه، فهذا هو واجب المسلم إذا سمع كلامًا في أخيه المسلم دون حُجَّةٍ أو بُرهان؛ فلا ينبغي للمسلم أن يسارعَ إلى إشاعة الفَاحِشَةِ إذ يقول بعد هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩].
стр. 6571
إذًا: يقول اللّه تعالى في أمر الإفك وفي القذف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٣ - ٢٥]، فهل هناك شهادة أكبر وأعظمُ من أن يشهد على الإنسان لسانه ويَد ورِجْلِهِ؟!! ويقول في سورة فصلت: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢٤].
لا شَكَّ أن الإسلام وضع سِياجًا قويًّا، وحصنًا مكينًا لحماية المسلِمِ وهو في بَيتِهِ وخارج بيتِهِ، لكنه إذا خرج عن طَريقِ الحَقِّ وركب طريق الغواية حينئذٍ وضع الإسلام له زاجرًا رادعًا جاء في سورة النور إذ يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥].
* كيف اعتنى الإسلام بأمته؟ وكيف حَرَصَ على أن يظل المسلم طيبًا زكيًّا نقيًّا لا ينبغي أن يُخْدَشَ إِلَّا أن يرتكب حدًّا من حدود اللّه؟ أو أن يخرُج عن طاعَةِ اللّهِ ؟ هذه العقوبة الرادعة هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، فلكي يثْبُتَ الزِّنا لا بد من وجود أربعةِ شُهداء، وأن يشهَدُوا بأنهم عاينُوه، ولو تردد واحد منهم يُقَمْ عليهم حدُّ القَذْف، وقد فعل ذلك عمر ﵁ في رمي أحد الصحابة فعندما جاء الرامي ليشهد قال له: "اتق اللّه في أصحابِ رسولِ الله ﷺ فتَلَكَّأ في شهادته فأقام عليه الحد" (١).
стр. 6572
* إذًا: من يرمي المؤمن دون بَيِّنَةٍ، ودون أن يُثبِتَها؛ يُجلدُ ثمانين جَلدة حدَّ القَذْفِ، وتُرَدُّ شهادته ويوصَفُ بأنه من الفاسقين، إِلَّا الذين تابُوا من بعد ذلك وأصلحوا، فبعض العلماء يقولون: "يرفع عنه الفِسْقُ لكنه يظل مردودَ الشهادة طوال حَياتِهِ؛ لأنه ارتَكَبَ أمرًا عظيمًا، لأن الإسلام حريصٌ على صِيانَةِ المؤمنين، ولذلك كان رسولُ اللّهِ ﷺ يحض أصحابه ألا يبَلِّغُهُ أحدًا عن أصحابه مما يؤثِّرُ عليه، بل كان يُحِبُّ دائمًا ألا يسمع عنهم إِلَّا خيرًا، وألَّا يسمع فيهم إِلَّا حقًّا وصدقًا، وهكذا كل مؤمن ينبغي أن يكون كذلك، ولذلك لمَّا نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة - وهو شيخ الأنصار ورئيسُهم وسيدُهم كما وصفه بذلك رسول اللّه ﷺ قال: أهكذا نَزَلَتْ يا رسول اللّه؟!! وكأنه يتعَجَّب! فقال رسول اللّه ﷺ : "نعم". ثم قال رسول اللّه ﷺ : "يا معشر الأنصارِ: أسَمِعْتُم ما قال سَيِّدُكم؟ " فقالوا يا رسول اللّه: لا تَلُمْهُ فإنه شديد الغَيرَةِ فواللّه ما تزوج امرأة إِلَّا بكرًا، وما طلَّق أمرأة فيجرؤُ أحد أن يتزوجها بعده لشدة غَيرَتِهِ". ثم بعد ذلَك أجاب سعدٌ رسولَ اللّه ﷺ بقوله: "واللّه إني أعلم أنه الحق، وأنها نزلت من اللّه ، ثم ذَكَر لو أن رجلًا وجد مع امرأتِهِ آخر كيف يتركه ويذهب ليأتي بالشهداء؟! فربما يقْضِي حاجته وينصَرِف". إلى أن نزلت الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦ - ٩] (١).
* وهناك أحاديث لا شك أن كل إنسان في هذه الحياة حريص على بيته، غيورٌ على أهله، فهو لا يُريد أن تَشيعَ فاحِشَةٌ في بيتِهِ؛ لأن هذا تَلويثٌ لفِرَاشِه، وذمّ لأهْلِهِ، إذ هو يشمله شيء من ذلك، لكن إذا نظر على ما ترتب على ذلك من الفساد وبخاصة إذا وجَدَ حَمْلا، فهذا تلويثٌ
стр. 6573
لفِراشه، وإلحاق لطفل له وهو ليس منه، ثم ما يترتب على ذلك من الحُرمة والمَحْرمية، ولذلك جاء اللّه بمخرجٍ للزوج الذي يجد شيئًا من ذلك، ونسأل اللّه - تعالى - أن يصونَ المؤمنين جميعًا عن ذلك، جعل اللّه له مَخْرجًا ومنفذًا وهو طريق الملاعنة، فلما جاء هلال بن أمية إلى رسول اللّه ﷺ وذكر أنه جاء من أرْضِه عِشاء فوجَدَ رجلًا عند امرأته، فرأى بعَينه وسَمِع بأذنه، لكنه لم يُهِجْهُ - أي: لم ينفر ذلك الرجل ولم يحاول إيذائه فأمْسَكَ نفْسه - وذهب إلى رسول اللّه ﷺ فأخبره بما حَدَثَ، فكان رسول اللّه ﷺ يقول له: "بَيِّنَة أو حَدٌّ في ظَهْرك" (١)، لأنه قذفٌ لزَوجته، إما أن يأتي بدليل، أو الحد عليه، وكان يقول: "يا رسول اللّه، واللّه إني لصادِق وإن اللّه - تعالى - سيُنْزِلُ براءتي"، وفعلًا نَزلتَ براءتُهُ مِنَ السَّماءِ.
فبالنسبة إلى اللعان عندما نأخذُهُ من الناحِيَةِ اللفْظِيَّة: فهو لاعَن يُلَاعِن، واللعان مصدر يقال: لاعَنَ يُلاعِنُ ملاعنة إذًا: هذا هو مصْدَرُهُ كما تقول: قِتال ويُقاتِلُ ومُقاتَلَةً، وهذا وزن كبيرٌ معروفٌ في اللغة العربية، لكن لماذا سُمِّيَ باللِّعانِ؟ قال العلماء: لأنه ورَدَ اللَّعْنُ فيه، قال تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٧]. وقيل: خُصَّ بذلك لأن الزوج هو الذي يبدأُ فذَكَر اللِّعان، وقيل: لأن اللِّعان إنما يحصُلُ من الزوْجِ وإن لم يُلاعِنْ لم يحصُلْ، ولو أنه نَكَلَ ما حصل لَعَانٌ. إذًا: كله يدُورُ حولَ الزوْجِ (٢)، ولا شك أن اللّه وصف المرأة بأمرٍ أخْطَرَ من ذلك عندما تأتى بالشهادة الخامسة: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩]. والغضب هو السُّخْطُ؛ وحدُّ القَذْف عظيمٌ وشديد، ولذلك صَحَّ عن رسول اللّه ﷺ في الحديث المتفق عليه قوله: "اجتنبوا السبع الموبقات - أي المهلكات - " قيل: يا رسول اللّه! وما هنَّ؟ قال: "الإشراكُ
стр. 6574
باللّه، وقتل النَّفْس التي حرَّم اللّه إِلَّا بالحق، وعقوقُ الوالِدَينِ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتوَلِّي يومَ الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (١)، ما أعظمَ ذلك، وهذا يلتقي مع قول اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]، وقذْفُ المؤمن أو المؤمنة لا يختَصُّ بالنساء، لكن هو جريمة عظيمة يستحق عليها الإنسان العذاب في الدنيا بأن يجلد ثمانين جلدة إذا لم يثبت، وكذلك يستحق عليها غَضَبَ اللّه - تعالى - وسخطه إِلَّا أن يتوب ويرجع إلى اللّه .
* قال: (وَالْقَوْلُ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ بَعْدَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ الدَّعَاوِي الْمُوجِبَةِ لَهُ وَشُرُوطِهَا. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي صِفَاتِ الْمُتَلَاعِنَيْنَ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي صِفَةِ اللِّعَانِ. الْفَصْلُ الرَّابعُ: فِي حُكْمِ نُكُولِ أَحَدِهِمَا، أَوْ رُجُوعِهِ).
(النكول: وهو التوقف عن الحلف) (٢).
(الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِتَمَامِ اللِّعَانِ.
فَأَمَّا الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ اللِّعَانِ: أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ … ﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ).
لا شك أن الزنا لكي يَثْبُتَ لا بد من وجود أربعة شهداء، وأن يذْكُروا إلى جانب شهادتهم المعاينة، وكل ذلك قُصِدَ به الحِرْصُ على أعراض المسلمين وصيانتُها وحِفْظُها وعدمُ التعدِّي عليها، ولذلك شدَّد اللّه في ذلك، لكن الرجل إذا وقَعَ في كَرْب وفي شِدَّةٍ فرأى وشاهد في بيتِه أو تيقَّنَ من وجود هذا الأمر كالحالة التي وقعت لهلال وهذه التي يعتبرها العلماء من أنواع اللعان الواجب.
стр. 6575
(وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَغَيْرُهُ مِنْ مُخَرِّجِي الصَّحِيحِ).
هذا الذي سيذكُرُه المؤلف حديثٌ صحيحٌ أخرجه البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، ومالك إِلَّا الترمذي (١).
مِنْ "حَدِيثِ عُويمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ".
وهو من كبار بَنِي عَجْلان جاء إليه رجل يشكو حاله فيقول: لو أن رجلًا وجد رَجُلًا عند أهله إن قَتَله قَتَلتموه، وفي بعض الروايات أيقتله فتقتلوه، سلْ رَسولَ اللّه ﷺ .
(إِذْ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْعَجْلَانِيِّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِم، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُه، فَتَقْتُلُوهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ) (٢).
قال له: "لم تأتني بخير"؛ لأن رسولَ اللّه ﷺ يكرَهُ تلك المسائل وتُؤذِيهِ ﷺ ، فهو ﷺ يُعجبُهُ الفِعْلُ الحسن، وما كان يريد أن يأتي إنسانٌ فيسأل عن أمور تقَعُ فلا تكون محمودة، ولذلك ثبت عن رَسولِ اللّه أنه قال: "أنما أهلك من كان قَبْلَكُم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجْتَنبوه، وإذا أمرتُكُم بأمر فأتُوا مِنه ما استطعتم" (٣). هكذا وضع لنا رسول اللّه ﷺ منهجًا يُقَوِّمُنا، ومعيارًا دقيقًا أن الإنسان لَا يبحث عن الأمور التي ربما تُضَيِّق، وإذا تفاءل تفاءل بخيرٍ ودائمًا يُحسِنُ الظنَّ باللّهِ فإذا أحسنتَ الظَّنَّ بربِّك وجدتَهُ عند حسُنْ ظنِّك، ولذلك:
стр. 6576
نهى رسولُ اللّه ﷺ عن "قِيلَ وقَالَ، وكثرة السؤالِ، وإضاعةَ المالِ" (١)، ولما كان رسول اللّه ﷺ يكره المسألة ويَضِيقُ بها كان الصحابة ﵃ تَشُقُّ عليهم بعضُ الأمور، وكان أحدهم يريد أن يسأل رسول اللّه ﷺ فربما تحرج في بعض الأمور، فكانوا يُسَرُّونَ وَيسْعَدُونَ إذا قدم أعرابيٌّ من البادية يدفعون له شيئًا ويشجِّعونه ليسأل رسول اللّه ﷺ عن الحكم؛ ومعلومٌ أنَّ من يأتي من البادية يغلب عليه الجهل، وربما ما تعوَّد على بعض الأمور.
ولم يقل له لم تأتني بخير؛ لأنه أوقفه موقفًا محْرِجًا شَدِيدًا، فذهب يسأل رسول اللّه ﷺ فهو الذي تحمل ذلك لكن عُويمرًا كان مُصِرًّا مندفعًا، فوجد مجلس رسول اللّه ﷺ مليئًا فسأله السؤال، كذلك الحال لهلال، ومن هنا اختلف العلماء: هل الآية نزلت في هلال أم نزلت في عويمر؟ أم أن أحدهم جاء يسأل ثم بعد ذلك جاء الآخر فصادف نزول الآية؟ أم تعددت نزولها؟ وهذا القول الأخير أضعفها.
فهذا تكلم عنه العلماء كثيرًا، والآية نَزَلتْ بحكمٍ صريحٍ في هذا الموضوع.
(قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتَ عَنْهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُويمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُه، فَتَقْتُلُوهُ أَمْ كيْفَ يَفْعَلُ؟).
* لو قُتِلَ وعنده شهود شاهدوا ذلك قتل، والمسألة فيها خلاف، وأمره راجِعٌ إلى الحاكم، وهذا من باب سَدِّ الذرائع، لأنه لو قُدِّرَ أنه وجد مع أهله مثل ذلك النوع فقتله، ربما يأتي أصحاب النفوس المَريضة الذين يريدون أن يبطِشُوا بغيرهم ممن نُزِع خوف اللّه - تعالى - من قلوبهم، فيقود إنسانٌ إلى بيتِهِ، ثم يفعل به ذلك فيَقْتُلُه، ويقول كذا وكذا، ولذلك نجد أن
стр. 6577
الشريعة الإسلامية إلى جانب أنها حصَّنَتِ المسلِمَ، حرصت على ألَّا تُسألَ الدِّماء بغير حق فلا يعتَدِي أحدٌ على آخر، ولذلك قال الرسول ﷺ : "إن دِمَاءكم وأمْوالَكُم وأعْراضكُم حرام عليكم" (١)، فإن كان حقًّا قد وقع ووجد شهود فشرع اللّه يؤديه، وهناك الحاكم يفعل ذلك لقوله ﷺ : "إن اللّه لَيَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن" (٢) فإن لم يكن فإنه يُلاعِنُ وهذا مخرج له وطريق للخروج من هذه المسألة.
* قال: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ قُرْآنٌ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا، وَقَالَ سَهْل: فَتَلَاعَنَا، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا! فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ") (٣).
يقول: لو قلت بأنني سأبقيها فإنني كاذب، ومع ذلك سارع فطلقها قبْل أن يأمره رسول الله ﷺ ، وسيأتي خلاف العلماء في اللِّعان، هل هو طلاق أم فَسْخٌ؟ وسوف نتَبَيَّنُ أن الراجح أنه فسخ وليس بطلاق.
(قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ (٤).
وَأَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى).
فلو أن إنسانًا رآى آخر مع أهله ثم وجَدَ حَمْلًا وسكَتَ عليه، فهو بلا شك سوف يُنسب له هذا الغلام، ولذلك في قصة المُتَلاعِنَيْنِ نفى الرسولُ ﷺ نسبَ الولَدِ عن أبيه وألحقه بأمه، ويقال: أنه بعد ذلك يُنْسبُ لأمِّه.
стр. 6578
فيترتب على ذلك أن يلحق به ما ليس هو ابن له، واللّه نَهى عن مثل ذلك وعن التبني في قول اللّه تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
وقد كان التَّبَنِّي جائزًا في أول الأمر فأبطله اللّه في أول سورة الأحزاب، فهو يترتب عليه لحوق نَسَب هذا الغلام بهذا الرجل، وأيضًا يثبت التوارث بينهما، وصاحب الفراش هَذا أيضًا.
والأمر الآخر: أنه ينظر إلى بَناتِه وأخواتِه فحصل بذلك أيضًا أضرار كثيرةٌ في إبقاء هذا الولد والسكوت عليه.
(لَمَّا كانَ الْفِرَاشُ مُوجِبًا لِلِحُوقِ النَّسَبِ كانَ بِالنَّاسِ ضَرُورَةٌ إِلَى طَرِيقٍ يَنْفُونَهُ بِهِ إِذَا تَحَقَّقُوا فَسَادَهُ).
هو يشير إلى حديث رسولِ اللّهِ ﷺ المتفق عليه، وهو قولُه ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١). معنى "الولد للفراش" أي: لصاحب الفراش وهو الزوج، والعاهر إنما هو الزَّانِي ليس له إِلَّا الحجر، أي: له الخَيبَهُ والذِّلَّةُ والهوانُ (٢). إذًا: يحصل تلويث لهذا الفراش وإساءةٌ إلى الزوج، وهو أمر يتعلق بالعِرْضِ.
* قال: (وَتِلْكَ الطَّرِيقُ هِيَ اللِّعَان، فَاللِّعَانُ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْقِيَاسِ، وَالْإِجْمَاعِ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُه، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِهِ).
أولًا: اللعان هو جزء من القَذْفِ، فهناك ما يُعْرَفُ بالقذف، وهو أحد الحدودِ في الشَّريعَةِ الإسلامية، وهو منصوصٌ عليه في سورة النور قبل نزول آية اللعان التي كان سببها سؤال سَعد بن عُبادة في بعض الأحاديث،
стр. 6579
وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً .... ﴾ [النور: ٤]. وهذه آية عامة (١)، أما الزوج إذا لَاعَنَ من امرأته ولم يكن معه شهود شاهدوا ذلك حينئذٍ يلجأ إلى اللعان حتى يتخلَّصَ من ذلك الأمر، ولذلك سماه الرسول ﷺ فَرَجًا وخروجًا من تلك الشدة (٢).
قال المصنف رحمه اللّه تعالى:
(الْفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ الدَّعَاوِي الْمُوجِبَةِ لَه وَشُرُوطِهَا)
لا يمكن أن يكون اللعان فيأتِي رجل يدَّعي على امرأة ويقذفها بالفاحشة، أو ربما ينفي ولدها ويقول هذا الولد ليس مني، وله صور متعددة فربما يَرْمِيها ويقول: ليس مِنِّي، وربما يقول: الولَدُ لِي؛ لأن عنده أدلة على أن هذا الحَمْلَ كان قبلَ وقوع تلك الفاحشة.
قال: (وَأَمَّا صُوَرُ الدَّعَاوِي الَّتِي يَجِبُ بِهَا اللِّعَانُ فَهِيَ أَوَّلًا صُورَتَان: إِحْدَاهُمَا دَعْوَى الزِّنَا، وَالثَّانِيَةُ نَفْيُ الْحَمْلِ) (٣).
هذا من حيث الجملة، ثم يأتي بعد ذلك التفصيل، وهناك مسائل
стр. 6580
كثيرة لا يعرض لها المؤلف مثل المعتدة مثلًا، أي: المطلقة طلاقًا رجعيًّا هل يقع عليها اللعان أم لا؟ الصحيح أنه يقع (١). وهل اللعان خاص بالمدخول بها أم هو عام؟ الجواب: هو عام (٢).
(وَدَعْوَى الزِّنَا لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مُشَاهَدَةً - أَعْنِي: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ شَاهَدَهَا تَزْنِي كَمَا يَشْهَدُ الشَّاهِدُ عَلَى الزِّنَا -، أَوْ تَكُونَ دَعْوَى مُطْلَقَةً، وإذَا نُفِيَ الْحَمْلُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنْفِيَهُ أَيْضًا نَفْيًا مُطْلَقًا، أَوْ يَزْعُمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْهَا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا).
* بالنسبة إلى الحمل أمرُهُ خطيرٌ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "أَيُّمَا امرأة أَدْخَلَتْ على قوم مَنْ ليس مِنْهم فليستْ مِنَ اللّهِ في شيء، ولن يُدْخِلَهَا اللّه جنَّته" (٣).
"أيما": من صيغ العموم (٤) "امرأة أَدْخَلَتْ على قومٍ": أي: أضافت إليهم نَسَبًا ليس منهم "ليست من اللّه في شيء" أي: هي بعيدة عن اللّه، ولن يُدْخِلَهَا اللّه - تعالى - جنَّتَه ثم بعد ذلك قال رسول اللّه ﷺ : "وأَيُّمَا رجل جَحَد ولَدَهُ وهو ينظُرُ إليه احتَجَب اللّه - تعالى - منه، وفضَحَهُ على رُؤوس الأَوَّلينَ والآخرين يوم القيامة" (٥). فالأمر خطير من الجانِبَيْنِ، فالمرأة إذا خانتْ هذا الفِرَاش، وأدخلت على هذا الرجل الذي أَمِنَها ما
стр. 6581
ليس منه؛ فإنها بذلك ليست من اللّه في شيء، وهذه غاية في الخسارة ألَّا تكون من اللّه في شيء، ويبعدها اللّه ولن يُدْخِلَها اللّه - تعالى - جنَّتَه، كذلك أيضًا الرجل إذا جحد ابنًا من أبنائه وهو يعلم ويرى أنه ابنه، أما إذا جَحَده بمثل هذه الوقائع الثابتة فَلا، فإن اللّه - تعالى - سيحتَجِبُ منه، ويفضَحُه على رؤوس الأوَّلينَ والآخرين، وهذة غاية الخسارة والخِذلانِ أن يُفضح الإنسان على رؤوس الأولين والآخرين يوم القِيامَة.
(فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ بَسَائِطَ، وَسَائِرُ الدَّعَاوِي تَتَرَكَّبُ عَنْ هَذه، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَهَا بِالزِّنَا وَيَنْفِيَ الْحَمْلَ، أَوْ يُثْبِتَ الْحَمْلَ ويرْمِيَهَا بِالزِّنَا. فَأَمَّا وُجُوبُ اللِّعَانِ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا إِذَا ادَّعَى الرُّؤيَةَ فَلَا خِلَافَ فِيهِ).
هذا لا خلاف فيه فَهُو موضع إجماع بينَ العُلماءِ (١)، وهذا نصٌّ سَمِعْناه في حَديثِ هلال لما جاء من أرضه عشاءً ورأى بِعَينِه وسمع بأُذنِهِ وذكر ذلك لرسول اللّه ﷺ .
(قَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدُ (٢). وَأَمَّا وُجُوبُ اللِّعَانِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ).
(مجرد القذف) أي لو جاء فقذف فقط دون أن يُفَصِّلَ فيقول: رأيتُ
стр. 6582
بِعَيْنِي، أما قوله: (سمعت) فالحنفية والحنابلة يحتجُّون بها على الآخَرِين في مسألة ستأتي وهي مسألة يلتقي فيها الحنفية والحنابلة من جانب والمالكية والشافعية من جانب، فيحتج الطرف الآخر على هؤلاء بأنهم أخَذُوا بجزء من الحديث ولم يأخُذُوا بالجزء الآخر، وإن كان مذهب المالكية والشافعية في نَظَرِي أقوى فيما ذهبوا إليه كما سيأتي.
(فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ: الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ (٣)، وَدَاوُدُ (٤)، وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اللّعَانُ عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ (٥)، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا؛ إِنَّهُ يَجُوز، وَهِيَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ) (٦).
جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة وهي رواية أيضًا للإمام مالك،
стр. 6583
وكذلك قال بها بعض أصحابه يرون أن القَذْفَ إذا أطلق أيضًا يحصل به اللِّعان، وأنه لا يُشترط أنه ينص على أنه رأى، لأن الآية مطلقة كما سيأتي.
(وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ … (٦)﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ، وَلَمْ يَخُصَّ فِي الزِّنَا صِفَةً دُونَ صِفَةٍ).
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، أطلق الآية الأولى التي فيها القذف العام وهنا ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، قالوا: الآية لم تَضَعْ وصْفًا وإنما أطلقت.
(كَمَا قَالَ فِي إِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ: "أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا" (١)).
وهو سهل بن عبادة، وهذا الحديث متفق عليه.
* قال: (وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ: "فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ .... ﴾ [النور: ٦] " الْآيَةَ).
لأنَّ ما يؤلم المؤمنين يؤلمُ رسولَ اللّه ﷺ وما يشقُّ عليهم يشقُّ عليه ﷺ قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
* قال: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّعْوَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِبَيِّنَةٍ كَالشَّهَادَةِ).
استدل الجمهور بعموم الآية، والذين نَصُّوا على الرؤية أخذوا بما
стр. 6584
جاء في الأحاديث، لكن الآخرين يقولون أنتم لم تأخذوا بقولِهِ: "رأيت بعَيْنِي وسَمعت بأذني" فلولا لم يسْمَعْ لا ترون أثرًا لذلك.
* قال: (وَفِي هَدا الْبَابِ فَرْعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ إِذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ بَعْدَ اللِّعَان، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا سُقُوطُ الْحَمْلِ عَنْه، وَالْأُخْرَى لُحُوقُهُ بِهِ) (١).
هذة المسألة فيها خلاف بين العلماء عمومًا، فمنهم من يَلْحَقُه، ومنهم من يسقطة.
(وَاتَّفَقُوا فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الدَّعْوَى الْمُوجِبَةِ اللِّعَانَ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا أَنْ يَكُونَ فِي الْعِصْمَةِ) (٢).
أي أن تكون الزوجة في عصمة الزوج ولم يطلقها لكن يطَلِّق امرأة ثم بعد ذلِكَ يأتي فيلاعنها فلا، هذا ما يريد المؤلف، لكن قد تأتِي صورة يذهب الجمهور إلى أنها تحصل فيها الملاعنة.
* قول: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِدَعْوَى الزِّنَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا هَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِعَانٌ أَمْ لَا؟
стр. 6585
هناك فرق بين أن يقذف المرأة أولًا ثم يطلقها، وبين أن يُطَلِّقها ثم بعد ذلك يقذفها أي: يطلب الملاعنة، فالصورة الأولى عند الجمهور، والثانية يحد على ذلك، لأن هذه امرأة طلقها ولم يكن له دعوى عليها، ثم يأتي ويقذفها، فإما أن يأتي بالبينة أو حَدٌّ في ظهره.
وقال (ثلاثًا) هنا، لتخرج المسألة التي لم يذكرها وهي: لو طلقها دون الثلاث وبقيت معتدة عِدَّةً رجعية فهل له أن يلاعن منها؟ الجواب: نعم.
(فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَالْأَوْزَاعِيُّ (٣)).
وأحمد (٤) أيضًا.
(وَجَمَاعَةٌ: بَيْنَهُمَا لِعَان، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْفِيَ وَلَدًا وَلَا حَدَّ، وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَالْحَكَم، وَقَتَادَة: يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ (٦)).