← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

ليس منه؛ فإنها بذلك ليست من اللّه في شيء، وهذه غاية في الخسارة ألَّا تكون من اللّه في شيء، ويبعدها اللّه ولن يُدْخِلَها اللّه - تعالى - جنَّتَه، كذلك أيضًا الرجل إذا جحد ابنًا من أبنائه وهو يعلم ويرى أنه ابنه، أما إذا جَحَده بمثل هذه الوقائع الثابتة فَلا، فإن اللّه - تعالى - سيحتَجِبُ منه، ويفضَحُه على رؤوس الأوَّلينَ والآخرين، وهذة غاية الخسارة والخِذلانِ أن يُفضح الإنسان على رؤوس الأولين والآخرين يوم القِيامَة. (فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ بَسَائِطَ، وَسَائِرُ الدَّعَاوِي تَتَرَكَّبُ عَنْ هَذه، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَهَا بِالزِّنَا وَيَنْفِيَ الْحَمْلَ، أَوْ يُثْبِتَ الْحَمْلَ ويرْمِيَهَا بِالزِّنَا. فَأَمَّا وُجُوبُ اللِّعَانِ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا إِذَا ادَّعَى الرُّؤيَةَ فَلَا خِلَافَ فِيهِ). هذا لا خلاف فيه فَهُو موضع إجماع بينَ العُلماءِ (١)، وهذا نصٌّ سَمِعْناه في حَديثِ هلال لما جاء من أرضه عشاءً ورأى بِعَينِه وسمع بأُذنِهِ وذكر ذلك لرسول اللّه ﷺ . (قَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدُ (٢). وَأَمَّا وُجُوبُ اللِّعَانِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ). (مجرد القذف) أي لو جاء فقذف فقط دون أن يُفَصِّلَ فيقول: رأيتُ

стр. 6582

بِعَيْنِي، أما قوله: (سمعت) فالحنفية والحنابلة يحتجُّون بها على الآخَرِين في مسألة ستأتي وهي مسألة يلتقي فيها الحنفية والحنابلة من جانب والمالكية والشافعية من جانب، فيحتج الطرف الآخر على هؤلاء بأنهم أخَذُوا بجزء من الحديث ولم يأخُذُوا بالجزء الآخر، وإن كان مذهب المالكية والشافعية في نَظَرِي أقوى فيما ذهبوا إليه كما سيأتي. (فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ: الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ (٣)، وَدَاوُدُ (٤)، وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اللّعَانُ عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ (٥)، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا؛ إِنَّهُ يَجُوز، وَهِيَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ) (٦). جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة وهي رواية أيضًا للإمام مالك،

стр. 6583

وكذلك قال بها بعض أصحابه يرون أن القَذْفَ إذا أطلق أيضًا يحصل به اللِّعان، وأنه لا يُشترط أنه ينص على أنه رأى، لأن الآية مطلقة كما سيأتي. (وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ … (٦)﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ، وَلَمْ يَخُصَّ فِي الزِّنَا صِفَةً دُونَ صِفَةٍ). ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، أطلق الآية الأولى التي فيها القذف العام وهنا ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، قالوا: الآية لم تَضَعْ وصْفًا وإنما أطلقت. (كَمَا قَالَ فِي إِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ: "أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا" (١)). وهو سهل بن عبادة، وهذا الحديث متفق عليه. * قال: (وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ: "فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ .... ﴾ [النور: ٦] " الْآيَةَ). لأنَّ ما يؤلم المؤمنين يؤلمُ رسولَ اللّه ﷺ وما يشقُّ عليهم يشقُّ عليه ﷺ قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. * قال: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّعْوَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِبَيِّنَةٍ كَالشَّهَادَةِ). استدل الجمهور بعموم الآية، والذين نَصُّوا على الرؤية أخذوا بما

стр. 6584

جاء في الأحاديث، لكن الآخرين يقولون أنتم لم تأخذوا بقولِهِ: "رأيت بعَيْنِي وسَمعت بأذني" فلولا لم يسْمَعْ لا ترون أثرًا لذلك. * قال: (وَفِي هَدا الْبَابِ فَرْعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ إِذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ بَعْدَ اللِّعَان، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا سُقُوطُ الْحَمْلِ عَنْه، وَالْأُخْرَى لُحُوقُهُ بِهِ) (١). هذة المسألة فيها خلاف بين العلماء عمومًا، فمنهم من يَلْحَقُه، ومنهم من يسقطة. (وَاتَّفَقُوا فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الدَّعْوَى الْمُوجِبَةِ اللِّعَانَ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا أَنْ يَكُونَ فِي الْعِصْمَةِ) (٢). أي أن تكون الزوجة في عصمة الزوج ولم يطلقها لكن يطَلِّق امرأة ثم بعد ذلِكَ يأتي فيلاعنها فلا، هذا ما يريد المؤلف، لكن قد تأتِي صورة يذهب الجمهور إلى أنها تحصل فيها الملاعنة. * قول: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِدَعْوَى الزِّنَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا هَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِعَانٌ أَمْ لَا؟

стр. 6585

هناك فرق بين أن يقذف المرأة أولًا ثم يطلقها، وبين أن يُطَلِّقها ثم بعد ذلك يقذفها أي: يطلب الملاعنة، فالصورة الأولى عند الجمهور، والثانية يحد على ذلك، لأن هذه امرأة طلقها ولم يكن له دعوى عليها، ثم يأتي ويقذفها، فإما أن يأتي بالبينة أو حَدٌّ في ظهره. وقال (ثلاثًا) هنا، لتخرج المسألة التي لم يذكرها وهي: لو طلقها دون الثلاث وبقيت معتدة عِدَّةً رجعية فهل له أن يلاعن منها؟ الجواب: نعم. (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَالْأَوْزَاعِيُّ (٣)). وأحمد (٤) أيضًا. (وَجَمَاعَةٌ: بَيْنَهُمَا لِعَان، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْفِيَ وَلَدًا وَلَا حَدَّ، وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَالْحَكَم، وَقَتَادَة: يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ (٦)).

стр. 6586

إما أن ينفي الولد فيحصل اللعان ولا يحد في ذلك؛ لأن هناك من قال عليه الحد. وقوله (ولا حد) أي: لا حد عليه وهذا جائز لغةً. * قال: (وَأَمَّا إِنْ نَفَى الْحَمْلَ: فَإِنَّهُ كمَا قُلْنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ الاسْتِبْرَاءِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الاسْتِبْرَاءِ، فَقَالَ مَرَّةً: ثَلَاثَ حِيَضٍ (١)، وَقَالَ مَرَّةً: حَيْضَةً (٢). وَأَمَّا نَفْيُهُ مُطْلَقًا، فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِذَلِكَ لِعَانٌ (٣)). * مسألة الاستبراء في حيضة هذا في حق الأَمَةِ كما مر، وفيه خلاف أيضًا، وهذا رأي عثمان ﵁ وسبق أن نَبَّهْنا عليه فيما مضى في أحكام الطلاق، فهل تُستبرَأُ الأَمَةُ بحيضة؟ أم لا بد من ثلاث؟ فإن سبايا أوطاس كُنَّ يستبرئنَ بحيضة واحدة (٤). * قال: (وَخَالَفَهُ فِي هَذَا الشَّافِعِيُّ (٥)، وَأَحْمَدُ (٦) وَدَاوُدُ (٧)، وَقَالُوا: لَا مَعْنَى لِهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَحْمِلُ مَعَ رُؤيَةِ الدَّمِ).

стр. 6587

فقد يوجد دم وربما يكون هذا الدم دمٌ فاسد، فمذهب الجمهور هو الصحيح في ذلك. (وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ). من المالكية. (عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَفْيُ الْحَمْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَذْفٍ (١). وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ، وَهُوَ وَقْتُ نَفْيِ الْحَمْلِ). فرع نفي الحمل نجد أن الحنَفِيَّةَ والحنابلةَ في جهة والمالكية والشافعية في جهة، ونرى تَنَوُّعَ العلماء هذا مع هذا أحيانًا، وهذا مع هذا أحيانًا حسب ما يظهر لهم أنه الحق أو الأرجح. * قال: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَنْفِيهِ وَهِيَ حَامِلٌ، وَشَرْطُ مَالِكٍ (٢): أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَنْفِهِ وَهُوَ حَمْلٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِلِعَانٍ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): إِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالْحَمْلِ فَأَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ مِنَ اللِّعَانِ فَلَمْ يُلَاعِنْ

стр. 6588

لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا يَنْفِي الْوَلَدَ حَتَّى تَضَعَ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ حِينَ حَكَمَ بِاللِّعَانِ بَيْنَ الْمُلَاعِنَيْنِ قَالَ: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَمَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا"). * من المعلوم أن المرأة عندما جاء دَوْرُها فشهدت أربع شهادات فأُوقِفت وذُكِّرتْ بتقوى اللّه وعَذابُ الدُّنْيا أهونُ وأيسر من عذاب الآخرة، وأن عليها أن تخشى اللّه ، وأنه سيحلُّ بها عصبُ اللّه تلكَّأت ساعة كما جاء في بعض الروايات (٢) ثم بعد ذلك قالت: لا أفضَحُ قَوْمِي فقالت الخامسة: وغضب اللّه عليها إن كانت من الكاذبين. (قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فِي وَقْتِ اللِّعَانِ. وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَنْفُشُ وَيَضْمَحِلُّ، فَلَا وَجْهَ لِلِّعَانِ إِلَّا عَلَى يَقِينٍ). (ينفش) أي: يكون منتفخًا وبعد ذلك يذهب، فربما هذا البطن الذي كان بارزًا فيه ريح فتزول هذه الريح فينفش، و (يضمحل) أي: يرجع إلى أصله وينكمش. * قال: (وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ عَلَّقَ بِظُهُورِ الْحَمْلِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً: كَالنَّفَقَةِ، وَالْعِدَّةِ، وَمَنْعِ الْوَطْءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قِيَاسُ اللِّعَانِ كذَلِكَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُلَاعِن، وَإِنْ لَمْ يَنْفِ الْحَمْلَ إِلَّا وَقْتَ

стр. 6589

الْوِلَادَةِ، وَكَذَلِكَ مَا قَرُبَ مِنَ الْوِلَادَةِ، وَلَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا، وَوَقَّتَ صَاحِبَاهُ أَبو يُوسُفَ، وَمُحَمَّد، فَقَالَا: لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ؛ وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا اللِّعَانَ فِي وَقْتِ الْحَمْلِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَهُ نَفْيَهُ فِي وَقْتِ الْعِصْمَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَفْيِهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهَا بِالْفِرَاشِ، وَذَلِكَ هُوَ أَقْصَى زَمَانُ الْحَمْلِ عِنْدَه، وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ عِنْدَه، أَوْ خَمْسِ سِنِينَ). أقصى مدة الحمل عند الإمام (مالك (١) والشافعي (٢) أربع سنوات (٣)، وأقل مدة الحمل إنما هي ستة أشهر، وأكثرها وغالبها بل يقل أن تكون على خلاف ذلك تسعة أشهر، والإمام أحمد يوافق مالكًا والشافعيَّ في المشهور عنه أن أقصى مدة الحمل أربع سنوات (٤)، وله

стр. 6590

رواية أخرى أنَّ أقصى مدة الحمل سنتان (١) وهو مذهب (أبي حنيفة) (٢). وهنا سؤال لماذا قال بعض العلماء أربع سنوات وخمس؟؟ لأنهم وجَدُوا الشواهد والصور وقعت في ذلك، فهناك بمن يُعْرَفُون ببني عجلان وهي أسرة محمد بن عجلان المعروف بقي في بطن أمِّه أربع سنوات وله أخوان آخران، ووجد غيره. * وبعض العلماء يرى: أن أقصى مدة الحمل (ثلاث سنوات) (٣). * وبعضهم يري: خمس سنوات (٤)، لكن الغالب هي تسعة أشهر ويندر أن تكون ستة أشهر. (وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ حُكْمُ نَفْيِ الْوَلَدِ بَعْدَ الطَّلَاقِ إِذَا لَمْ يَزَلْ مُنْكِرًا لَه، وَبِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الشَّافِعِيُّ). وقلنا: إنها الرواية المشهورة عن أحمد وهي أربع سنوات (٥) (وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَ الْحَمْلَ إِلَّا فِي الْعِدَّةِ فَقَطْ، وَإِنْ نَفَاهُ فِي غَيْرِ الْعِدَّةِ حُدَّ وَأَلْحَقَ بِهِ الْوَلَدَ) (٦).

стр. 6591

أي: أقيم عليه الحد. * قال: (فَالْحُكْمُ يَجِبُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَى انْقِضَاءِ أَطْوَلِ مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الظَّاهِرِيَّةَ تَرَى أَنَّ أَقْصَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْحُكْمُ هُوَ الْمُعْتَادُ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ التِّسْعَةُ أَشْهُرٍ وَمَا قَارَبَهَا). وهذا هو الغالب في الحقيقة أنَّ مدَّة الحَمْلِ هِي تسعة أشهر، فهذا هو المشهور والمعروف من عادات النساء؛ لكن ليس ذلك أمرًا متَعَيَّنًا ربما تقلُّ وربما تزيد. (وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ فِي مُدَّةِ الْعِصْمَةِ، فَمَا زَادَ عَلَى أَقْصَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهِيَ السِّتَّةُ أَشْهُرٍ - أَعْنِي: أَنْ يُولَدَ الْمَوْلُودُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ أَوْ إِمْكَانِهِ، لَا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ -) (١). هذه ملاحظة ذكرها المؤلف؛ لأن أبا حنيفة بهذا سيأخذ عليه المؤلف مأخذًا كأنه يقول: أنتم الحنفية عُرِفْتم من بين الأئمة بتوسعكم بالرأي والتدقيق في المسائل وأخذكم بالقياس كثيرًا؛ فلماذا في هذه المسألة أخذتم بالظاهر؟ فكأنكم من أهل الظاهر.

стр. 6592

(وَشَذَّ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ: مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ) (١) وهذا حقيقة غير وارد؛ لأنه قد يعقد عليها وتمضي فترة طويلة، فلماذا يقال: من زمن العقد وهو لا أثر له في العقد، فالمتَّبَعُ هنا هو الوطء. حتى وإن تيقن عندها أنَّ الدخول غيرُ ممكن، كأنْ عقد على امرأة في الشرق وهو في الغرب فكيف يكون هذا؟! * قال: (وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الدُّخُولَ غَيْرُ مُمْكِنٍ حَتَّى إِنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِالْمَغْرِبِ الْأَقْصَى امْرَأَةً بِالْمَشْرِقِ الْأَقْصَى، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِرَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ) (٢). قصد بالعقد أي: عقد عليها، أما لو قصد التزوج الذي هو الوطء فهذا يرجع إلى مذهب الجمهور. فقد يسأل سائل فيقول: لماذا يحصل هذا من الإمامِ الهمامِ صاحب الفقةِ قويِّ الحجةِ؟ " كل قوله هذا أراد أن يحمي به جانب المؤمِنةِ حرصًا على صيانة المرأة وإبعادها قدر الإمكان عن مواضع الشُّبْهة والشرور هذا الذي دفع الإمام أبو حنيفة إلى ذلك، فهو بنى على حديث: "دع ما يَرِيبك إلى ما لا يَرِيبُك" (٣). وبقية العلماء بنوا على الواقِعِ.

стр. 6593

(وَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرِيٌّ مَحْضٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عُمُومَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ - الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" (١)، وَهَذ الْمَرْأَةُ قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ بِالْعَقْدِ، فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذه عِبَادَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ ضَعِيفٌ) (٢). قوله: "الولد للفراش" هذا يشمل العقد أيضًا، فمتى عقَدَ الرجل على المرأة صارت فِراشًا له، ورسول اللّه ﷺ يقول: "الوِلد للفراش" (٣)، فليس في الحديث دليل على أن الوطء هو المعتبر أخذَا بظاهر النَّص، وهذه وجهة أبي حنيفة؛ لكن وجهة أبي حنيفة هو حرصُه على صيانة عرض المسلمة، وعدمُ وقوعها في المكروه، فكأنه يريد الدفاع عنها فأخذ بظاهر هذا الحديث حماية لعِرْضها. * قال: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ، وَهُوَ: أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى أَنَّهَا زَنَتْ وَاعْتَرَفَ بِالْحَمْلِ، فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهَا أَنَّهُ يُحَدُّ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَد، وَلَا يُلَاعِنُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَيَنْفِي الْوَلَدَ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَيُلَاعِنُ لِيَدْرَأَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ يَلْتَفِتُ إِلَى إِثْبَاتِهِ مَعَ مُوجِبِ نَفْيِهِ وَهُوَ دَعْوَاهُ الزِّنَا؟) (٤) هنا أمران كأنهما في الظاهر متضادان فهو يقول: (زنَت) ويطلب ضَمَّ الحمْل إليه، وربما هذ الصورة تقع لذلك قال بها كثيرٌ من العلماء وهي

стр. 6594

أحدُ الأقوال الثلاثة التي له أن يضم الولد إليه وأن يقذفها بالزنا، لكونه متيقنًا من هذا الحمل أنه وُجِدَ بها قبل أن يوجد ما حصل منها من فاحشة. (وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ وَهُوَ: إِذَا أَقَامَ الشُّهُودَ عَلَى الزِّنَا هَلْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ أَمْ لَا؟ الآن أصبح أمامه قضيتان الأولى أنه أثْبت شهود الزنا أربع، أي: رماها بالزنا وأقام البينة كما في الآية الأولى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]. فقد جاء بالشهداء الأربعة، فهل هو بالخيار بين أن يلاعن أم أن تحصل الشهادة ويثبت ذلك؟ أم يتعين اللعان؟ فالعلماء انقسموا إلى قسمين: بعضهم أجاز ذلك فقال: له أن يلاعن، وله أيضًا أن يأخذ بالشهودِ. (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَدَاوُدُ: لَا يُلَاعِنُ، لِأَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا جُعِلَ عِوَص الشُّهُودِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ … ﴾ [النور: ٦]. الآيةَ. وَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣): يُلَاعِن، لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا تَأْثِيرَ لَهُمْ فِي دَفْعِ الْفِرَاشِ). * يرى أبو حنيفة أن الآية الأولى عامة في القذف، ثم بعد ذلك خُصَّ الزوجان بالآية التالية لها. إذًا: لا ينبغي أن يحصل غير اللعان. * والجمهور قالوا: هو مخير بين ذاك وذاك، فإما أن يلاعن، وإما أن يحضر الشهود فتأتي البَيِّنَةُ فيقام عليها الحد.

стр. 6595

قال المصنف رحمه اللّه تعالى: [الْفَصْل الثَّانِي فِي صِفَاتِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ] هذه أيضًا مسألة مهمة، هل هناك صفات معينة فيهما؟ أم أنَّ ذلك مطلقٌ؟ * قال: (وَأَمَّا صِفَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَجُوزُ اللِّعَانُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ كَانَا، أَوْ عَبْدَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حُرٌّ وَالْآخَرُ عَبْدٌ، مَحْدُودَيْنِ كَانَا، أَوْ عَدْلَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا). فبعضهم يطلِقُ ويقول: يجوز اللِّعان بين كل زوجين مُسْلِمين أو كافِرين، حُرَّيْن أو مملوكين، عدْلين أو غير عدْلين، والمقصود بغير العدل هو الذي ردت شهادته في قذْفٍ أو غيره. * قول: (مُسْلِمَيْنِ كَانَا، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا، وَالزَّوْجَةُ كِتَابِيَّةً، وَلَا لِعَانَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ إِلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا إِلَيْنَا). فإذا وُجِدَ كافران فهل يقام عليهما الحد؟ يقام عليهما إذا جاء يطلبان الحكم في الإسلام يقام عليهم حكم الإسلام، كما في قصة الرجل الذي وَضَع يدَهُ على الآية فجاء الذي أسْلَم منهم فقال: ارفع يدَكَ يا عدو اللّه فوُجِدت بيضاء ناصعة. (وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مَالِكٌ (١)، .........

стр. 6596

وَالشَّافِعِيُّ (١)). وهو المشهور عن مذهب أحمد (٢) (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ) (٣). وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (٤). (لَا لِعَانَ إِلَّا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَاللِّعَانُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ). فهل الكافر من أهل الشهادة؟ وهل الفاسق من أهل الشهادة؟ واللّه - تعالى - يقول: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]،

стр. 6597

وهل المملوك من أهل الشهادة؟ هو من أهل الرواية، لكنه ليس من أهل الشهادة. فانظر - رعاك اللّه - إلى دقة تعليل الفقهاء. بهذا يتبين وجهة نَظَرِ بعض العلماء الذين سموا هذا الكتاب كتاب (قواعد)، لأنك تَجِدُ أحيانًا في موضوع يرُدُّكُ إلى مسائل مضت أو مسائل ستأتي، وهذه هي طريقة القواعد فهي تربطك بفروع كثيرة وتعطيك إشارات إليها، ولذلك وصَفُوا القاعدة بأنها: (بمثابة سلك تنظم به عقدًا). هذه هي القواعد فإن هذا السلك هو القاعدة وتُدْرَجُ تحته تلك الخرز الموجود في ذلك السلك، وهي تلكم المسائل التي تلحق بتلك القاعدة. * قال: (وَحُجَّةُ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عُمُومُ قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ شَرْطًا). فالآية مطلقة ما ذكرت هذه الشروط التي ذكرها هؤلاء، والرسول ﷺ عندما حَكَم في اللِّعان لم يضعْ شُروطًا. صحيح أن الذين جاؤوا بذلك كانوا عدولًا، وكانوا مسلمين أحرارًا؛ لكن هناك حاجة لبيان ما بيَّنَهُ الرسول ﷺ وهذا هو تعليل هؤلاء. (وَمُعْتَمَدُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ) (١) وهي الرواية الأخرى للحنابِلَةِ (٢).

стр. 6598

* قال: (أَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ، إِذْ قَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ شُهَدَاءَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ لِعَان إِلَّا بَيْنَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا. وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، وَكذَلِكَ الْكَافِرُ) (١). قصد المؤلف أن العبد لا يُحدُّ قاذِفه أي: قاذف العبد (٢). ولا يحد أيضًا قاذف الكافر (٣)، وكذلك أيضًا من طُبِّقَ عليه حدٌّ فرُمي. أي: من أقيم عليه حد الزنا فقُذِفَ هل يحدُّ قاذفه أم لا؟ فيها خلاف (٤).

стр. 6599

إذًا القصد يحد هنا كلمة مجملة وقصده منها أن من قذف عبدًا أو كافرًا فلا حدَّ عليه. (فَشَبَّهُوا مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ اللِّعَانُ بِمَنْ يَجِبُ فِي قَذْفِهِ الْحَدُّ، إِذْ كَانَ اللِّعَانُ إِنَّمَا وُضِعَ لِدَرْءِ الْحَدِّ مَعَ نَفْيِ النَّسَبِ، وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا لِعَانَ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: الْعَبْدَيْنِ، وَالْكَافِرَيْنِ"). هذا اللفظ الذي ذكره المؤلف لا يعرف، وإنما الذي يعرف من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن الرسول ﷺ قال: "أربع من النساء لا مُلاعنَة بينهن: النصرانية تحت المُسلم، واليهودية تحتَ المسلم، والحُرَّة تحت المملوك، والمملوكة تحت الحر" (١). هذا جاء في حديث عمرو بن شعيب الذي أخرجه ابن ماجة في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى، والدارقطني في سننه، لكنه حديث ضعيف، أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فغير معروف، فاللفظ الصحيح وهو الذي أورَدْنَا، وهو حديث عمرو بن شعيب لكنه ضعيف أيضًا. وبذلك يصبح غيرَ حُجَّة ما دام أنه دليل ضعيف إذ أجمع أهل الجرح والتعديل بتصحيح الأحاديث وتضعيفها، وعلى ضعفه يصبِحُ حجة غيرَ واردة. * قال: (وَالْجُمْهُورُ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى شَهَادَةً، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْيَمِينِ فَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا … ﴾ [المنافقون: ١]

стр. 6600

الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: (١) ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً .... ﴾ [المنافقون: ٢]، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ لِعَان الْأَعْمَى (٢)). هذا لا خلاف فيه بإجماع العلماء. وبهذا نتبين أن الرؤية ليست شرطًا، وكونهم أجمعوا على لعان الأعمى، فهذا يدل على أن الرؤية ليست شرطًا، وهذا يؤيد مذهب الجمهور وهو حجة على الذين قالوا بخلاف ذلك. * قال: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْرَسِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ: يُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ إِذَا فُهِمَ عَنْهُ (٤) (٥)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُلَاعِنُ

стр. 6601

لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ (١)). وكذلك أحمد (٢). فالأخرس ربما يكون معلومَ الإشارة، وربما يكون غيرَ معلومٍ لكن الشُّبْهة قائمة، ولذلك ما أخذ بها الحنيفية والحنابلة ولم يفرِّقُوا. وإن كان بعض أصحاب أحمد فصَّل القول في ذلك ففرَّق بين أن يكون مفهومَ الإشارةِ، وأن يكون غيرَ مفهوم الإشارة أي: أن تكون إشارتُه لها دلالة وبيْن أن تكون لا دَلالة لها (٣)، لكن المعروف في المذهب كمذهب أبي حنيفة. (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعَقْلَ، وَالْبُلُوغَ) (٤). أي: أن يكون عاقلًا؛ لأن المجنون لا يطالب، فهو لا يطالب حال

стр. 6602

الجنون، والأمر الآخر: أن العلماء يضيف إليه على اختلاف بينهم: الحرية أي أن يكون حُرًّا (١)، وأن يكون عدْلًا (٢)، لكن المؤلف اقتصر على الوصفين لوجود الإجماع. وبالنسبة لما قال بالعقل يقصد بذلك أن يكون عاقلًا، أما قَذْفُ الصغير الذي لا يدرك فلا أثرَ له، أمَّا الذي لم يبلغ بعدُ ففيه خلاف وهو مميز مدرك (٣). قال المصنف رحمه اللّه تعالى: [الْفَصْل الثَّالِثُ فِي صِفَةِ اللِّعَانِ] * سيأتي المؤلف إلى صِفةِ اللِّعان، ووصْفِه، وبيانُه واضح في الكتاب العزيز وفي سُنَّةِ رسولِ اللّه ﷺ . * قال: (فَأَمَّا صِفَةُ اللِّعَان فَمُتَقَارِبَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ كبِيرُ خِلَافٍ). وقوله: (متقاربة)، لأنها جاءت في الكتاب الحزيز، وسُنَّة رسول اللّه ﷺ تطبيقًا لما جاء في الكتاب، ولذلك العلماء يشدِّدُون في

стр. 6603

تغيير أيِّ لفظة، فلا يجعلون بدل اللَّعْن الطرد أو الإبعاد، ولا بدلَ الغضب السخط، وذلك من فضْلِ اللّه أنه كل ما زال الخلاف وارتفع واضمحَلَّ، فهذا شيء طيبٌ. (وَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا تَقْتَضِيهِ أَلْفَاظُ الآيَةِ، فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهَا تَزْنِي، وَأَنَّ ذَلِكَ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنِّي، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ). كما جاء في الآية، وأنه يوقف بعد الأربع ويُخَوَّف، ويُذَكَّرُ بأيام اللّه، ويبيَّنُ له أن هذه الدنيا مهما نالَ فيها من الآلام فما أسهْلَها بالنسبة لعذابِ الآخرَةِ. (ثُمَّ تَشْهَدُ هِيَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِنَقِيضِ مَا شَهِدَ هُوَ بِهِ). أي: يشهد بهذه الشهادات المثبِتَة القوية بأنه حصل منها، وهي لا بُدَّ لها أن تَدْرأَ الحدَّ عن نَفْسها وتنفي ذلَك. (ثُمَّ تُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ هَذَا كلُّهُ مُتَّفَق عَلَيْهِ) (١) أي تُذكر في الخامسة بغضب اللّه كما قال - تعالى -: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩]، والغضبُ أشدُّ من اللَّعْن ولا شك؛ لأن

стр. 6604

الغضب معناه: سَخَطُ اللّهِ وعدم رِضاهُ عمَّن يفعل فعلًا من الأفعال المغضبة. * أما اللعن: فهو الطرد والإبعاد من رحمة اللّه؛ لأن الرجل إذا فعل ذلك كان هو أولَّ من أساءَ إلى نفسه وإلى أهله. * قال: (وَاخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُبَدِّلَ مَكَانَ اللَّعْنَةِ: الْغَضَبَ، وَمَكَانَ الْغَضَبِ: اللَّعْنَةَ). * اللعنة جاءت فيما يخصُّ الرجل عندما يأتِي إلى الخامِسَةِ كما في الآية: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٧]. فهل له أن يبدلها بكلمة الغضب التي هي مقولة المرأة؟ جماهير العلماء يقولون: لا يجوز، بل ينبغي الوقوف عند نص الآية (١). وبعضهم يقول: هي أشد فيجوز، لكن هذا رأي ضعيف. وهل هي أن تبدل الغضب باللعنة؟ الجواب: لا وهل له أو لها أن يستبدل أحدهما أشهد بكلمة أحلف أو أقسم؟ كذلك أيضًا قالوا: لا يجوز. فينبغي أن يوقف عند نص الآية ولا يتجاوز ذلك.

стр. 6605

(وَمَكَانَ أَشْهَدُ: أُقْسِمُ). أقسم وأحلف ونحو ذلك، أو كذلك هل له أن يبدل بَدَلَ اللعنة كأن يقول: أبعدني اللّه ونحو ذلك؟ قالوا: لا يجوز. وهي كذلك هل لها أن تأتي بدل الغضب بالسخط؟ هذا كله ذكره العلماء. (وَمَكَانَ قَوْلِهِ بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ؟). كأن يذكر الرحمن أو العزيز؟ الجواب: لا يجوز؛ بل يوقف عند نص الآية هذا هو الذي ينبغي أن يكون. (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ هَذه الألْفَاظِ أَصْلُهُ عَدَدُ الشَّهَادَاتِ). أي: أصله عدد الشهادات التي وردت في الآية. (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ) (١).

стр. 6606

قالوا إن اللعان لا يجوز إِلَّا بحضور الحاكم فهو الذي يأمر بذلك، فالذي أمر بذلك هو رسول الله ﷺ فهو إمام المسلمين، وهو قائدُهم في ذلك، وهو قاضيهم ومفتيهم. وقالوا: لكن يجوز أن يقيم مقامه نائبًا، لأنه قد يتعذَّر. * وخالف الشافعية فيما يتعلق باللعان بين العبد والأمة بالنسبة للسيِّد، فهل له أن يلاعن بينهما؟ قال الشافعية: يستثنى من ذلك اللعان بين العبد والأمة فللسيد أن يلاعن بينهما (١). والجمهور قد ردوا ذلك فقالوا: ولا دليل على ذلك بالنسبة للشافعية. [الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ نُكُولِ أحَدِ اللاعنين أَوْ رُجُوعِهِ] قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (الْفَصْلُ الرَّابعُ فِي حُكْمِ نُكُولِ أَحَدِهِمَا أَوْ رُجُوعِهِ). بن النكول هو: الامتناع والرجوع (٢) فبعد أن يشرعَ في اللعان يتراجع وربما يُتِمُّه فيرجع أيضًا، فمثلًا يأتي الزوج فيبدأُ باللِّعانِ ثم بعد ذلك يتراجع، وربما ينتهي ويفرغ ثم يكذب نفسه، كذلك الحال بالنسبة للمرأة، فربما إذا فرغ الزوج من اللعان تأباه، وتمتنع عن ذلك، فهذا يسمى:

стр. 6607

النكول والرجوع، وهو أن يقول ثم يرجع عنه، فهل الحكم يختلف، لو أن الزوج رمَى المرأة ثم بعد ذلك تراجع أيقام عليه الحد أم لا؟ ولو امتنعت المرأة عن اللعان فهل يقام عليها الحد أم لا؟ هذا فيه خلاف، فالصور مختلفة لأن الرجل قد رمَاها بالزنا، أمَّا هي فلو امتَنَعَتْ فيه خلاف بين العلماء كما سيأتي. (فَأَمَّا إِذَا نَكَلَ الزَّوْجُ: فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهُ يُحَدُّ) (١). * يُحَدّ كما في نص الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤، ٥]. * فالآية الأولى جاءت في هذا الحكم عامة، والآية الثانية نزلت في الأزواج خاصة؛ ليكون ذلك فَرَجًا ومخرجًا للأزواج كما عرفَ القصة في ذلك، وسبب النزول، لأن الإنسان يقف موقفًا حَرَجًا أن يجد الرجل رجلًا مع امرأته فيرى المنكر ولا يستطيع أن يقتل الرجل، لأنه لو قَتَلَ قُتِلَ، ولو أنه قذف سيجلد، ولو أنه سكتَ على غيظٍ وألم، فهذا منكرٌ وكبيرة يراها فماذا يفعل؟ فقد جعل اللّه تعالى له هذا المخرج فرجًا وطريقًا للأزواج ليخرج منه، فإذا ما قذف الرجل المرأة ثم رجع فهو بذلك شهَّرَ بها ورماها بالزنا، فيحتاج إلى أن يؤدَّب على ذلك.

стр. 6608

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّهُ لَا يُحَدُّ، وَيُحْبَسُ (١). وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأَجْنَبِيِّ، وَالزَّوْجِ، وَقَدْ جَعَلَ الالْتِعَانَ لِلزَّوْجِ مَقَامَ الشُّهُودِ). الجمهور يرون: أنه لو نكَلَ يُرجع إلى الآية الأولى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ … (٤)﴾ فهو مما رَمَى المحصنات، إذًا يتطبق عليه الحد فيجلد حد القذف ثمانين جلدة. * قال: (فَوَجَبَ إِذَا نَكَلَ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَذَفَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شُهُود - أَعْنِي: أَنَّهُ يُحَدُّ - وَمَا جَاءَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ الْعَجْلَانِيِّ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "إِنْ قَتَلْتُ قُتِلْت، وَإِنْ نَطَقْتُ جُلِدْت، وَإِنْ سَكَتُّ سَكَتُّ عَلَى غَيْظٍ"). جاء بالقصة فلو أن رجلًا رأى رجلًا مع امرأته: "إن قتل تقتلونه" كما في بعض الروايات، "وإن تكلم جُلِدَ، وَإن سَكتَ سكتَ على غَيْظٍ" كما جاء في هذه الرواية. (وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ آيةَ اللِّعَانِ لَمْ تَتَضَمَّنْ إِيجَابَ الْحَدِّ عَلَيْهِ عِنْدَ النُّكُولِ). فآية اللعان جاءت خاصة لإخراج الأزواج من الحرج الذي يقعون فيه، لكنه إذا رمى ولم يلعن يعود إلى الآية الأولى التي قبلها فيعامل كغيره بل إن قذف الرجل بامرأته دون بيِّنة أشد من أن يأتي بإنسان من الخارج فيقذفها. (وَالتَّعْرِيضِ لإِيجَابِهِ زِيَادَةً فِي النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُمْ نَسْخٌ، وَالنَّسْخُ

стр. 6609

لَا يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ وَلَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ (١)، قَالُوا: وَأَيْضًا لَوْ وَجَبَ الْحَدُّ لَمْ يَنْفَعْهُ الالْتِعَان، وَلَا كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِهِ، لِأَنَّ الالتِعَانَ يَمِين فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْحَدُّ عَنِ الْأَجْنَبِيِّ، فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ. وَالْحَقُّ أَنَّ الالتِعَانَ يَمِينٌ مَخْصُوصَة). الكلام الذي ذكره المؤلف صحيح، فهو يمين لكنها يمين خاصة قُصد بها التَّفْرِيج ورفع الكرب والشدة عن الأزواج إذا وقفوا في مثل ذلك الموقف. (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ، وَقَدْ نُصَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنَّ الْيَمِينَ يَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ). فالآية هي: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]، هذا نص الآية بالنسبة للمرأة. * قال: (فَالْكَلَامُ فِيمَا هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي يَنْدَرِئُ عَنْهَا بِالْيَمِينِ، وَلِلاشْتِرَاكِ الَّذِي فِي اسْمِ الْعَذَابِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا). * قَصَدَ بالاشتراك (٢): أن اللّه - تعالى - قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]، فكلمة العذاب كلمة عامة، والعذاب المراد به الحد كما هو الظاهر، أو المراد به الحبْسُ، أو المراد أمر آخر؛ لأن الحدود أنواع منها: ما هو حد ومنها: التعزير، وهناك ما يلحق بعض الحدود وهو التغريب بالنسبة للبِكْرِ الزَّاني.

стр. 6610

إذًا: كلمة العذاب لفظ مشترك، ربما يقصد بها الحد وهو الظاهِر، وربما يقصد بها غير الحد كالحبس مثلًا. (فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهَا إِذَا نَكَلَتْ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَمَالِكٌ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَالْجُمْهُورُ (٤): إِنَّهَا تُحَدّ، وَحَدُّهَا الرَّجْمُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَوُجِدَتْ فِيهَا شُرُوطُ الْإِحْصَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَالْجَلْدُ (٥)). المؤلف قد وَهِمَ في مذهب أحمد ﵀ فليس أحمد (٦) مع هؤلاء، وإنما هو مع أبي حنيفة، ومن هنا انقسم الأئمة الأربعة إلى قسمين. بل إنه قول المؤلف ولا يأخذ عليه أنه في مذهب الشافعية، فمن كبار الأئمة من خالفوا إمامهم.

стр. 6611

(وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا نَكَلَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَبْسُ حَتَّى تُلَاعِنَ) (١). وهذه رواية عند أحمد، والرواية الآخرى أخف من ذلك وهي: أن يتُرَكَ أمرَهَا؛ لأن الإمام أحمد ﵀ له وقفات في هذا المقامِ يقول: "هي لو لم تُلاعِنْ فلا أستطيع أن أقيم عليها الحد، بل لو اعترفتْ بالزِّنَا ثم رجعت لا أقيم عليها الحد، فكيف وهي من الأصل قد امتنعت؟ ". والأحاديث الواردة في هذا كثيرة، وهي بمجموعها أحاديث صحيحة منها قوله ﷺ : "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم" (٢). وقوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات" (٣)، وعمر ﵁ طبَّق ذلك في زمَنِهِ ﵁ كما في عام الرماده في قصة الذي سرَقَ، فإن عمر ﵁ لم يطبق الحدَّ، ولذلك أمثلة كثيرة في الشريعة الإسلامية، وهذا يدل أيضًا على خُصوبة هذه الشريعة، وعلى شُمُولِها، وعلى مراعاتها لمصالح الناس، وأنها تسير مع الحياة في كل زمان ومكان، فإنها تضع العلاج الشافي الذي يزيل الداء ويقيم محله الشفاء. قال: (وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ ﵊: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ") (٤). * علل الفقهاء ذلك فقالوا: من النساء من يمنعها الحياء وبمثل ذلك يغفِرُها الحياء، إذًا هذه شبهة قد يكون الخجَلُ يمنعها من أن تنطق بمثل ذلك الكلام حتى ولو لم يكن حياء فالأمر ليس متيقنًا، والرسولُ ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: "لا يَحِلّ دمُ امرئ مسلِمٍ إِلَّا بإحدى ثلاث:

стр. 6612

الزَّانِي بالزاني، والنَّفْس بالنفس، والتارك لدِينِه المفارق للجماعة (١) ". فالمحصَنُ يُرجَمُ حتى يموت، ومن يقتل نفسًا كذلك، والمقصود بذلك الذي يقتل نفسًا بغير حق فيُقتلُ قِصاصًا، والمرتَدُّ فإن الرسول ﷺ يقول: "من بدَّل دينه فاقتلوه (٢) ". وكذلك أيضًا الساحر فإن حدَّهُ أن يضربَ بالسيف. * قول: ( … زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ كفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ"، وَأَيْضًا فَإِنَّ سَفْكَ الدَّمِ بِالنكُولِ حُكْمٌ تَرُبٌّ الْأُصُولُ). وهذا كلام جيد فالمؤلف يريد أنْ يقول: سفك الدماء ليس من الأمور اليسيرة، ولذلك أخبر الرسول ﷺ وبيَّن عظمة بيته الحرام وهي الكعبة، فإن دم المسلم أعظم عند اللّه من ذلك. فالمؤلف سيتناول هذه القضية بأنه لا يبادر إلى إزهاق نفس مسلم وقتلها دون أن يكون الأمر واضحًا. * قول: (فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لَا يُوجِبُونَ غُرْمَ الْمَالِ بِالنُّكُولِ فَكَانَ بِالْحَرِيّ ألَّا يَجِبَ بِذَلِكَ سَفْكُ الدِّمَاءِ). مِنْ هؤلاء الفقهاء (الشافعية)، لأن الشافعي هو الذي يقيم عليه الحجة (٣)، أما (مالك) فلا تقام عليه الحجة في هذه القضية (٤). (وَبِالْجُمْلَةِ فَقَاعِدَةُ الدِّمَاءِ مَبْنَاهَا فِي الشَّرْعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُرَاقُ إِلَّا بِالْبَيةِ الْعَادِلَةِ، أَوْ بِالاعْتِرَافِ).

стр. 6613

لا شك في ذلك فلا تُزال ولا تُزهق الأرواح إِلَّا ببينةٍ واضحةٍ. (وَمِنَ الْوَاجِبِ أَلَّا تُخَصَّصَ هَذه الْقَاعِدَةُ بِالاسْمِ الْمُشْتَرَكِ). والاسم المشترك كلمة العذاب، ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، فهل العذاب هو الحد؟ كما أخذ به بعض العلماء، أو أن المراد به غير ذلك كالحبس مثلًا ونحو ذلك؟ إذًا: الاحتمال قائم حتى وإن كان الأظهر أنه ينصرف إلى الحد، لكن قام الاحتمال الآخر (وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال) فهذه شبهة فكيف تذهب نفس لوجود شبهة؟ قال: (فَأَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذه الْمَسْأَلَةِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) (١). لأن حقن دمها أقرب إلى مأخذ الشريعة فَدَرْءُ الحدِّ عنها أقرب إلى مأخذ الشريعة، فالشريعة لا تأخذ في مثل هذه الأمور بالشُّبَهِ، وإنما تأخذ بالبَيِّناتِ الواضحة. فيرى أن المذهب المخالف لمذهبه هو أقرب إلى روح الشريعة وإلى لُبِّها. (وَقَدِ اعْتَرَفَ أَبُو الْمَعَالِي فِي كتَابِهِ الْبُرْهَانِ (٢) بِقُوَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذه الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ شَافِعِيٌّ). أي أنَّ أبا المعالي شافعيٌّ معروفٌ من أئمة الشافعية، وأبوه كذلك أيضًا لكن أولئك العلماء الأعلام إذا تبيَّن لهم الحقُّ لا يأخذهم التعصُّب لمذهب ولا الوقوف عند هذا المذهب الذي ترعرع فيه ونشأ وحفظ، ما

стр. 6614

دام يرى أن الحقَّ في غيرِهِ، وهنا ليست المسألة جَلِيَّة بالنسبة لمخالف ومع ذلك أخذ بها إمامُ الحرمين، لأنه رأى أنه في هذا القول حفظ للدماء، وبما أن الشريعةَ حريصةٌ على حفظ أموال الناس ودمائهم كما ورد في حديث الرسول ﷺ في حجة الوداع قوله: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا … " (١)، لكن لا شك أن حُجَّةَ الفريق الآخر من حيث أن المراد بالعذاب إقامة الحد لكن الشبهة قائمة، والشبهة يُدْرَأُ بها الحدّ، وهذا ماعزٌ لما جاء إلى الرسول ﷺ يعترف بالزِّنا فانصرف عنه ﷺ وانتقل إلى جهة أخرى، وهو يقول: "لعلك قبَّلت، لعلك فاخَذْتَ"، ثم يسأل عنه "أبه جنون!! أبه بأس!! " ثم يتعمق معه فيما عمل وفي غيره من القضايا، هذا هو منهج الإسلام في مثل هذه الأمور. إذًا رأى إمام الحرمين أنه الأحوط في ذلك فرأى أن هذا أقرب إلى مأخذ الشريعة ولُبِّها. (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ إِنْ كَانَ نَفَى وَلَدًا (٢)). هذا مما ليس فيه خلاف بين العلماء، ولكنَّهم اختلفوا في النُّكول، أما هنا فإنه أكذب نفسه لأنه افترى على هذه المرأة وقذفها وأساء إليها وإلى سمعتها ورماها بفاحشة عظيمة فينبغي أن يأدب على ذلك، وإن كان زوجًا، فينبغي أن يَرْعى تلك العلاقة التي نظمها الله وأقامها بين الزوجين فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. لكنه نسي ذلك أو تناساه فأساءَ إلى سُمْعتها وإلى سمعةِ أهلها، وربما يتردَّد الناس في الكلام فيها، وإذا كان من الناس من يقول أمورًا لا تقع، فما بالكم والرامي إنما هو الزوج، وهذه قصة عائشة وأهل الإفك وكيف افتروا ذلك وأن المنافقين استَغَلُّوا ذلك وسَرَوا في ذلك الأمر ونشَرُوه كما

стр. 6615

تسري النار في الهشيم، لكن اللّه فضحهم في كتابه العزيز. (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا بَعْدَ اتِّفَاقِ جُمْهُورِهِمْ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ تجِبُ بِاللِّعَان، إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِحُكْمِ حَاكلمٍ عَلَى مَا نَقُولُهُ بَعْدُ (١)، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَدَاوُد، وَأَحْمَد، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: إِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ (٢)). لأن الرسول ﷺ فرق بينهما وقال: "لا سبيل لكَ عليها، وحِسَابكما على اللّه" (٣). ولا شك من أن الذي سيحاسبه هو اللّه فهو الذي سيحاسب كل إنسان على عمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وبيَّنَ الرسولُ ﷺ أن أحدَهُما كاذبٌ؛ لأنه لا يمكن أن يكون كلاهما صادقًا، والرسول ﷺ لا يعلم الغيب، وإنما يعلم ما ينزل عليه من اللّه بواسطة جبريل، ففرق بينهما في هذا المقام. (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَجَمَاعَةٌ (٥): إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ، وَكَانَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ).

стр. 6616

* يرى أبو حنيفة أن هناك عقوبة وهو أن يجلد كغيره من القاذفين، وإذا جلد وأقيم عليه الحد فإنه حينئذٍ له أن يتقدم كغيره خطيبًا لها. * وأولئك يقولون: اللعان فرقة مؤبدة حتى ولو أكذب نفسه. (وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ (١): تُرَدُّ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَأَطْلَقَ التَّحْرِيمَ). هذا جزء من حديث عبد اللّه بن عمر ﵄ وهو حديث متفق عليه والذي أشرت إليه: "حسابكما على اللّه، وأن أحدكما كاذب، ولا سبيل لك عليها". فقال الرجل: ما لي يا رسول اللّه! فقال الرسول ﷺ : "لا مال لك إن كنت صادقًا فمالك بما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذبًا فذاك أبعد لك". * قال: (وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ اللِّعَانِ، فَكَمَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ كَذَلِكَ تُرَدُّ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلتَّحْرِيمِ إِنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ بِتَعْيِينِ صِدْقِ أَحَدِهِمَا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ، فَإِذَا انْكَشَفَ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ). يرى أصحاب القول الثاني: أنه إذا أكذب نفسه بطل لعانُه فتُردُّ عليه امرأته؛ إذْ أنه يُلحق به ولده فكذلك امرأته؛ لأنَّ السبب في تحريم أحدهما على الآخر، إنما هو الجهل بتعيين صدق أحدهما، فالمعلوم المقطوع به أنَّ أحدهما كاذبٌ، فإذا عُرِفَ سبب التحريم وظهر ارتفع التحريم بينهما فتُردُّ عليه زوجته. هذه حجتهم.

стр. 6617

[الْفَصْل الْخامِسُ فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِتَمَامِ اللِّعَانِ] ما هي الأحكام اللازمة لكي يتم اللعان؟ * قال: (فَأَمَّا مُوجِبَاتُ اللِّعَان: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: هَلْ تَجِبُ الْفُرْقَةُ أَمْ لَا؟). فهل تجب الفرقة بمجرد اللعان أم لا؟ وهل الفرقة فسخ أم طلاق؟ كل هذا سيأتي. (وَإِنْ وَجَبَتْ فَمَتَى تَجِبُ؟ وَهَلْ تَجِبُ بِنَفْسِ اللِّعَان أَمْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ؟ أي: هل تجب بلعان الزوج وحده؛ لأنه هو الذي يطلق؟ أم بتمام اللعان حتى تفرغ المرأة؟ أم لا بد من حكم الحاكم بأن يفرق بينهما كما قال الرسول ﷺ : "لا سبيل لك عليها" (١)؟ (وَإِذَا وَقَعَتْ فَهَلْ هِيَ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِاللِّعَان (٢) لِمَا اشْتَهَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ اللِّعَان" مِنْ أَنَّ

стр. 6618

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (١) "، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِيمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) (٢). هو ابن شهاب الزُّهري، كما جاء في بعض الروايات. (وَلقَوْلِهِ ﷺ : "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا (٣) "، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيّ، وَطَائِفَة مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: لَا يَعْقُبُ اللِّعَانَ فُرْقَةٌ (٤)، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ آيَةُ اللِّعَان، وَلَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَحَادِيثِ، لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ) (٥). هو طلقها لأنه تعجل في ذلك وقال: "أكون كاذبًا إن أمسكتها هي طالق ثلاثة (٦) ". هكذا فعل ذلك، والرسول ﷺ لم يأمره بذلك. (أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا شُرعَ لِدَرْءِ حَدِّ الْقَذْفِ، فَلَمْ يُوجِبْ تَحْرِيمًا تَشْبِيهًا بِالْبَيِّنَةِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّقَاطُعِ، وَالتَبَّاغُضِ"، وَالتَّهَاتُرِ).

стр. 6619

لا شك أنه لا أشد من هذا التقاطع، وهذا التهاتر وهذا الخلاف والتنازع وهذا القذف الذي حصل. ثم قوله تعطيل حدود اللّه، أي: لو أن أحدهما اعترف بالحق يقام عليه الحد. إذًا أحدهما كاذب بلا شك، فهذا اللعان لدرء الحد عنهما. وتعطيل الحدود ليس من الأمور السائغة في الشريعة "لحدٌّ يُقام في الأرض خيرٌ من أن يمطَرَ الناس أربعين ليلة (١) " فهذه الحدود إنما وضعت زواجر ورَوادِع ليرتَدِعَ أصحاب النفوس الضعيفة عن ارتكاب الفواحش، وعن التجاوز، وعن التعدي على حقوق الآخرين. (وَإِبْطَالِ حُدُودِ اللَّهِ مَا أَوْجَبَ ألَّا يَجْتَمِعَا بَعْدَهَا أَبَدًا، وَذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ). لأن اللّه تعالى يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فزالت هذه المودة، وذهبت الرَّحمة وحَلَّ محلها البَغضاءُ والكُره والتقاطع والتهاتر. * قال: (وَهَؤُلَاءِ قَدْ عَدِمُوا ذَلِكَ كُلَّ الْعَدَمِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَتُهُمَا الْفُرْقَةَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقُبْحُ الَّذِي بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْقُبْحِ). فالنفوس قد امتلأت غيظًا وكرهًا وبغضًا فلا أصبحت صالحة؛ لأن يعود بعضهما لبعض، لقول القائل: إن القلوبَ إذا تنافرَ وُدُّها … مثلُ الزجاجةِ كَسرُها لَا يُجبرُ (٢)

стр. 6620

فإذا تباعدت النفوس وجدت البغضاء، وحلَّت محل المحبة، وقام الكُره والعداوة مقام الرضا والسعادة التي كانت ربما تسود بينهما. * قال: (وَأَمَّا مَتَى تَقَعُ الْفُرْقَةُ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَاللَّيث، وَجَمَاعَةٌ (٢): إِنَّهَا تَقَعُ إِذَا فَرَغَا جَمِيعًا مِنَ اللِّعَانِ). وهي رواية للإمام أحمد أيضًا (٣). فبعد أن يلاعن الزوج ثم بعد ذلك تقوم الزوجة فتلاعن فإذا فرَغَا تقع الفُرْقة بينهما (٤). (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): إِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ لِعَانَهُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ). * ويرى الشافعي: أن اللعان يتم بمجرد فراغ الزوج من اللعان سواء لاعنت زوجته أم لم تلاعن، لأنه يرى أن الطلاق بيد الزوج فإذا لاعن انتهى الأمر.
следующие страницы →