← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

* يرى أبو حنيفة أن هناك عقوبة وهو أن يجلد كغيره من القاذفين، وإذا جلد وأقيم عليه الحد فإنه حينئذٍ له أن يتقدم كغيره خطيبًا لها. * وأولئك يقولون: اللعان فرقة مؤبدة حتى ولو أكذب نفسه. (وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ (١): تُرَدُّ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَأَطْلَقَ التَّحْرِيمَ). هذا جزء من حديث عبد اللّه بن عمر ﵄ وهو حديث متفق عليه والذي أشرت إليه: "حسابكما على اللّه، وأن أحدكما كاذب، ولا سبيل لك عليها". فقال الرجل: ما لي يا رسول اللّه! فقال الرسول ﷺ : "لا مال لك إن كنت صادقًا فمالك بما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذبًا فذاك أبعد لك". * قال: (وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ اللِّعَانِ، فَكَمَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ كَذَلِكَ تُرَدُّ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلتَّحْرِيمِ إِنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ بِتَعْيِينِ صِدْقِ أَحَدِهِمَا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ، فَإِذَا انْكَشَفَ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ). يرى أصحاب القول الثاني: أنه إذا أكذب نفسه بطل لعانُه فتُردُّ عليه امرأته؛ إذْ أنه يُلحق به ولده فكذلك امرأته؛ لأنَّ السبب في تحريم أحدهما على الآخر، إنما هو الجهل بتعيين صدق أحدهما، فالمعلوم المقطوع به أنَّ أحدهما كاذبٌ، فإذا عُرِفَ سبب التحريم وظهر ارتفع التحريم بينهما فتُردُّ عليه زوجته. هذه حجتهم.

стр. 6617

[الْفَصْل الْخامِسُ فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِتَمَامِ اللِّعَانِ] ما هي الأحكام اللازمة لكي يتم اللعان؟ * قال: (فَأَمَّا مُوجِبَاتُ اللِّعَان: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: هَلْ تَجِبُ الْفُرْقَةُ أَمْ لَا؟). فهل تجب الفرقة بمجرد اللعان أم لا؟ وهل الفرقة فسخ أم طلاق؟ كل هذا سيأتي. (وَإِنْ وَجَبَتْ فَمَتَى تَجِبُ؟ وَهَلْ تَجِبُ بِنَفْسِ اللِّعَان أَمْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ؟ أي: هل تجب بلعان الزوج وحده؛ لأنه هو الذي يطلق؟ أم بتمام اللعان حتى تفرغ المرأة؟ أم لا بد من حكم الحاكم بأن يفرق بينهما كما قال الرسول ﷺ : "لا سبيل لك عليها" (١)؟ (وَإِذَا وَقَعَتْ فَهَلْ هِيَ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِاللِّعَان (٢) لِمَا اشْتَهَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ اللِّعَان" مِنْ أَنَّ

стр. 6618

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (١) "، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِيمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) (٢). هو ابن شهاب الزُّهري، كما جاء في بعض الروايات. (وَلقَوْلِهِ ﷺ : "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا (٣) "، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيّ، وَطَائِفَة مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: لَا يَعْقُبُ اللِّعَانَ فُرْقَةٌ (٤)، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ آيَةُ اللِّعَان، وَلَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَحَادِيثِ، لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ) (٥). هو طلقها لأنه تعجل في ذلك وقال: "أكون كاذبًا إن أمسكتها هي طالق ثلاثة (٦) ". هكذا فعل ذلك، والرسول ﷺ لم يأمره بذلك. (أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا شُرعَ لِدَرْءِ حَدِّ الْقَذْفِ، فَلَمْ يُوجِبْ تَحْرِيمًا تَشْبِيهًا بِالْبَيِّنَةِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّقَاطُعِ، وَالتَبَّاغُضِ"، وَالتَّهَاتُرِ).

стр. 6619

لا شك أنه لا أشد من هذا التقاطع، وهذا التهاتر وهذا الخلاف والتنازع وهذا القذف الذي حصل. ثم قوله تعطيل حدود اللّه، أي: لو أن أحدهما اعترف بالحق يقام عليه الحد. إذًا أحدهما كاذب بلا شك، فهذا اللعان لدرء الحد عنهما. وتعطيل الحدود ليس من الأمور السائغة في الشريعة "لحدٌّ يُقام في الأرض خيرٌ من أن يمطَرَ الناس أربعين ليلة (١) " فهذه الحدود إنما وضعت زواجر ورَوادِع ليرتَدِعَ أصحاب النفوس الضعيفة عن ارتكاب الفواحش، وعن التجاوز، وعن التعدي على حقوق الآخرين. (وَإِبْطَالِ حُدُودِ اللَّهِ مَا أَوْجَبَ ألَّا يَجْتَمِعَا بَعْدَهَا أَبَدًا، وَذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ). لأن اللّه تعالى يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فزالت هذه المودة، وذهبت الرَّحمة وحَلَّ محلها البَغضاءُ والكُره والتقاطع والتهاتر. * قال: (وَهَؤُلَاءِ قَدْ عَدِمُوا ذَلِكَ كُلَّ الْعَدَمِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَتُهُمَا الْفُرْقَةَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقُبْحُ الَّذِي بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْقُبْحِ). فالنفوس قد امتلأت غيظًا وكرهًا وبغضًا فلا أصبحت صالحة؛ لأن يعود بعضهما لبعض، لقول القائل: إن القلوبَ إذا تنافرَ وُدُّها … مثلُ الزجاجةِ كَسرُها لَا يُجبرُ (٢)

стр. 6620

فإذا تباعدت النفوس وجدت البغضاء، وحلَّت محل المحبة، وقام الكُره والعداوة مقام الرضا والسعادة التي كانت ربما تسود بينهما. * قال: (وَأَمَّا مَتَى تَقَعُ الْفُرْقَةُ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَاللَّيث، وَجَمَاعَةٌ (٢): إِنَّهَا تَقَعُ إِذَا فَرَغَا جَمِيعًا مِنَ اللِّعَانِ). وهي رواية للإمام أحمد أيضًا (٣). فبعد أن يلاعن الزوج ثم بعد ذلك تقوم الزوجة فتلاعن فإذا فرَغَا تقع الفُرْقة بينهما (٤). (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): إِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ لِعَانَهُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ). * ويرى الشافعي: أن اللعان يتم بمجرد فراغ الزوج من اللعان سواء لاعنت زوجته أم لم تلاعن، لأنه يرى أن الطلاق بيد الزوج فإذا لاعن انتهى الأمر.

стр. 6621

* (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا تَقَعُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكمٍ). وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد (٢). لأن الحاكم هو الذي يحسم ذلك، واللعان كما أشرنا قبل قليل لا يخلو إما أن يكون يمينًا أو شهادةً واليمين أو الشهادة إنما تُؤدَّى بحضور الحاكم. فهو الذي يفصل النزاع، ولذلك ذكر العلماء: أنه لو اصطلحا على أن يختار رجلًا ليلاعن عنده فلا يجوز إذْ لا بد من أن يكون بحضرةِ الحاكم أو من يقيمه الحاكم مقامه. أما سائر الناس فلا يجوز ولو حصل فلا اعتبار له بأن يصطلحا على اختيار رجل للملاعنة عنده. وإنما يصلح لذلك في أبواب الصلح، أما هذا فهو عقوبة يترتب عليها لو ثبت على أحدهم يقام الحد. إذًا هذه شهادة أو يمين وكلاهما بينة فتحتاج إلى من يفصل بها، والذي يعتبر المرجع في ذلك وله الحكم الفصل إنما هو الحاكم لا غيره. (وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤). وَحُجَّةُ مَالِكٍ عَلَى الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَالَ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ).

стр. 6622

هذا الحديث متفق عليه (١) وهو الذي أشرنا إليه مرات قال ﷺ فيه: "حسابكما على اللّه". فلا بُدَّ من حساب إذ إنَّ أحدهما كاذب لا شك وسيلقى جزاءه وكل كاذب في هذه الحياة وكل مفترٍ، وكل معتدٍ سيلقى جزاءه عند اللّه، فإن كان قد قصَّر وتعدَّى في حقوق اللّه فإنه يتوب إلى اللّه توبة نَصوحًا وبندم على ما مضى ويصر على عدم العودة، وإن كان في حق الآخرين مما يحتاج إلى أن يطلب العفو منهم فليسارع، وإن كان قد أخذ حقًا لهم أو ظلمهم؛ فلا بد من إرجاع تلك المظلمة قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم. (أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"). تعبيره ﷺ بليغ ولا شك فقد أوتي ﷺ جوامع الكلم فهي عبارات مختصرات وجمل عظيمة ذات معاني سامية رفيعة فـ "حسابكما على اللّه" جملة يدخل تحتها كلام كثير ثم بعد ذلك قوله: "أحدكما كاذب". إذًا: لا يمكن أن تجتمعا على الصدق ولا على الكذب، فبينكما صادق وبينكما كاذب، وقوله: "لا سبيل لك عليها". جمل متتالية إنها صادرة بلا شكٍّ من مشكاة النُّبُوَّةِ ﷺ . (وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ اللِّعَان). فهذا دليلٌ للذين قالوا: بأن التفريق يكون عن طريق الحاكم، وهذا هو الأَوْلى. (وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لِعَانَهَا تَدْرَأُ بِهِ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهَا فَقَطْ، وَلِعَانُ الرَّجُلِ هُوَ الْمُوَثِّرُ فِي نَفْيِ النَّسَبِ، فَوَجَبَ إِنْ كَانَ لِلِّعَانِ تَأْثِيرٌ فِي الْفُرْقَةِ أَنْ يَكُونَ لِعَانُ الرَّجُلِ تَشْبِيهًا بِالطَّلَاقِ، وَحُجَّتُهُمَا جَمِيعًا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهُمَا بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ عِنْدَ وُقُوعِ اللِّعَان مِنْهُمَا، فَدَلَّ ذَلِكَ

стр. 6623

عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ هُوَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَرَى أَنَّ الْفِرَاقَ إِنَّمَا نَفَذَ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِهِ وَأَمْرِهِ ﷺ بِذَلِكَ حِينَ قَالَ: "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"، فَرَأَى أَنَّ حُكْمَهُ شَرْطٌ فِي وُقُوعِ الْفُرْقَةِ كَمَا أَنَّ حُكْمَهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ اللِّعَان. فَسَبَبُ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ رَأَى أَنَّهُ تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ أَنَّ تَفْرِيقَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُمَا لَيْسَ هُوَ بَيِّنًا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، لِأَنَّهُ بَادَرَ بِنَفْسِهِ فَطَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِوُجُوبِ الْفُرْقَةِ، وَالأصْلُ ألَّا فُرْقَةَ إِلَّا بِطَلَاقٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ تَحْرِيمٌ يَتَأَبَّدُ - أَعْنِي: مُتَّفَقًا عَلَيْهِ -، فَمَنْ غَلَّبَ هَذَا الْأَصْلَ عَلَى الْمَفْهُومِ لاحْتِمَالِهِ نَفَى وُجُوبَ الْفُرْقَةِ قَالَ بِإِيجَابِهَا. وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِ مَنِ اشْتَرَطَ حُكْمَ الْحَاكِمِ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فَتَرَدُّدُ هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ أَنْ يُغَلَّبَ عَلَيْهِ شَبَهُ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا حُكْمُ الْحَاكِمِ، أَوِ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا). * الجمهور يرد على الشافعية ويقولون: لو كان اللعان ينتهي بلعان الزوج لما احتيج إلى لعان المرأة، إذًا: يلاعن الرجل فينتهي الأمر فلماذا كان لعانها شرطًا؟ فهذه قضية تقوم على رُكنين لا تتم إِلَّا بهما فلو كانت الفرقة تحصُلُ بلعان الرجل لما أصبح لعان المرأة أمرًا متعينًا. (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَة، وَهِيَ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الفُرْقَةَ تَقَعُ فَهَلْ ذَلِكَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ؟). قضية الطلاق والفرقة يتعدَّد الخلاف فيها، وهي تتنوع بين الفقهاء، فهل هذا الذي حصل في اللعان يعتبر فرقة؛ والفرقة إن كانت فهي إلى الأبد. أم هل هو طلاق؟ وهل هذا الطلاق يكون بائنًا أم لا؟ * فأكثر الفقهاء يرى: أنها فرقة.

стр. 6624

وبعضهم يرى: أنها طلاق. والذين يرون أنها فرقة يستدلون بقول الرسول ﷺ في حديث ابن عمر المتفق عليه: "لا سَبيلَ لكَ عليهَا". وبما ثبت وصح عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وعبد اللّه بن مسعود ﵃: "أنه يفرق بينهما إلى الأبد". * قال: (فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْفُرْقَةِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) هُوَ فَسْخٌ). وكذلك أحمد (٣). (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ (٤). وَحُجَّةُ مَالِكٍ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ بِهِ فَأَشْبَهَ ذَاتَ الْمَحْرَمِ). أي أن هذه فرقة معبدة كالحال بالنسبة للفُرقة بسبب الرَّضاع، فلو أن رجلًا تزوج امرأة ثم تبيَّن أن بينه وبينها رضاعًا فيفرق بينهما. فهل هذه الفرقة مؤبدة أم مؤقتة؟ وهل يجوز له أن يعود إليها؟ الجواب: لا؛ لأنها فرقة اقتضت تحريمًا مؤبدًا، فهذه هي حجة الجمهور. إذ التفريق بينهما إلى الأبد، وما دام إلى الأبد فينبغي أن يكون فسخًا وليس طلاقًا قياسًا أو إلحاقًا لفرقة الرضاع، والفرقة تقتضي التحريم.

стр. 6625

وهذا حصل كثيرًا فرُبَّما يتزوج إنسانٌ امرأةً ثم يتبين بعد ذلك أن بينهما رضاعة، هذه من الأمور التي لا يمكن أن تعالج. والأولاد ينسبون إليه وهم أولادها لكن الفرقة هنا تَجِب، فلو قُدر أن زواجًا استقرَّ بين مَحْرَمَيْنِ فهذا حرام ويجب فيه الحد. هذا هو رأي جمهور العلماء وهذه هي حجتهم، والحجة هنا وهناك إنما هي قياسية. (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَشَبَّهَهَا بِالطَّلَاقِ قِيَاسًا عَلَى فُرْقَةِ الْعِنِّينِ إِذْ كَانَتْ عِنْدَهُ بِحُكْمِ حَاكمٍ) (١). العِنِّين يؤمر بالطلاق، لكن في نظري أن الصورة مختلفة، فالعِنِّين عاجزٌ وليست عنده قدرة على أن يقوم بأمر من أهم الأمور التي يتطلب أن يقوم بها نحو زوجته، لأنه أصبح عِنِّينًا. فالصورة هنا مختلفة، وبهذا يترجَّحُ في نظري مذهب جمهور العلماء.

стр. 6626

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [كِتَابُ الْإِحْدَادِ] * نعلم أن الشريعةَ الإسلاميةَ نزلت على رسول اللّه ﷺ بداية من مكة، ونعلم أن المجتمع المكي عند نزول الرسالة كان مجتمعًا يمتلئ بالشرك والفتن وعبادة الأصنام، ولذلك لما جاء رسول اللّه ﷺ بهذا الدين العظيم وجد من يعارضه مع أنهم يعرفون رسولَ اللّه ﷺ كما يعرفون أنفسهم، فهم يعلمون عنه الصدق، وأنه أمين، وكان يلقب بالصَّادق الأمين. فالمقصود بالإحداد: هو المرأة التي يُتَوَفَّى عنها زوجها فتعتدُّ له. فهل كانت تلك المرأة تعامل في الجاهلية كما كانت تعامل في الإسلام؟ وهل بقي الحكم في الإسلام كما كان في الجاهلية؟ لا شك أن المرأة كانت في الجاهلية ذليلةً حقيرةً، وكان ينظر إليها نظرة تقترب من النظر إلى الحيوان، يموت زوجها فيأتي آخر من أقاربه يرمي عليها شيء فتَبقى حبيسةً إن أرادَها أو بقيت في ذلك القَيد، وكانت في الجاهلية إذا مات عنها زوجها إنما دخلت منزلًا ضَيِّقًا تبقى فيه كأنها حبيسة وأكثر من الحبيسة. هذا كان هو وضع الجاهلية، ولكن كان لهم صفات كريمة مثل:

стр. 6627

الوفاء والشجاعة … وربما المحافظة على الجوار، ولهم صفات ذَمِيمَةٌ ويأتى في مقدمتها أنهم كانوا يعبدون غير اللّه. فهذا عمر في الجاهلية وأمثال عمر كثيرة، كان أحدهم يسجد إلى حجَرٍ، فأين العقول الكبيرة؟! أين تلك العقول العظيمة التي فتح اللّه بها البلاد؟! فكانوا يسجدون لحجر وربما قام أحدهم فصنع إلهًا بيده فسجد له فإذا ما جاع أكله، وكانت تثور بينهم الحروب لأتفَهِ الأسباب، ويأكل القوي فيهم الضَّعيفَ في حروب لا تنقطع ولا تنتهي، وغارات لا يملون منها حتى إذا وجدوا بعيدًا أغار بعضهم على قريبه، هذه كانت حالتهم كلها تقوم على الفوضى، وعلى الجهل، وعلى التعدي، وشرب الخمر كان منتشرًا، وكان هناك الميسر وكثير من القبائح والرذائل، فجاء رسول اللّه ﷺ فنزل في ذلك المجتمع فأخذ يدعو الناس إلى توحيد اللّه ، وأخذ يدعوهم إلى عَقيدَةِ الإسلام الصافية، ومكثَ الرسولُ ﷺ ثلاثة عشر عامًا بمكة أكثر من الفترة التي قضاها بعد ذلك في المدينة، وهو بذلك يدعو الناس إلى عقيدة التوحيد النَّقِيَّةِ الطاهرة، ولا يمَلُّ ولا يكَلُّ؛ لأنه يريد أن يضع أساسًا وقاعدة متينة، وفي هذا الزمان نحتاج إلى تكثير الثواب واللّه لا يؤاخذ المسلمون من قلة، وإنما يؤاخذ المسلمون عندما يخرجون عن دينهم، فما غُلِبَ المسلمون من قلة. إذًا: هذا هو الخطأ الذي يتجه إليه بعض هؤلاء الذين اتجهوا إلى بعض الأفكار الوافدة أو إلى بعض الجماعات والأحزاب التي ينتمون إليها ويقولون: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فما دام هذا يحمل اسم الإسلام؛ يكفي. وعلى ذلك هل الرسول ﷺ اقتنع بذلك الأمر؟ لم يقتنعْ وأراد أن يُصلح النفوس، ولذلك كان عمر بن عبد العزيز ﵁ الذي ضَمَّ العُلماءَ عهده إلى عهد الخلفاء الراشدين يقول: "لا ينْبَغِي أن نسارع في فتح البلاد فنترك الناس على حالهم، وبنبغي إذا فتحنا بلادًا أنْ نغرس فيها عقيدة التوحيد، ونصلح نُفوس الناس، ثم بعد ذلك ينتقل أهل تلك البلاد إلى الفتح فينفع اللّه بذلك أحوال المسلمين".

стр. 6628

فالرسول ﷺ عندما انتقل إلى المدينة انتقل إلى مرحلة أخرى وهي غرس روح الإسلام في نفوس أصحابه، وغرس دعائم العقيدة وثبَّتَها في قلوبهم، وأصبحت قلوبهم مُهَيَّئة إلى هذا الدِّين، ونجد أن الرسول ﷺ يتابع ويتعاهد هذه العقيدة بنَفْسِه ﷺ فإذا رأى خللًا في أمر من الأمور؛ ذكَّر بأحوال الجاهلية وقال: "دعوها فإنها مُنْتِنَةٌ" (١)، وكان من أول أعمال الرسول ﷺ بالمدينة أنه آخى بين المهاجرين والأنصار، وربطهم برباط الأُخُوَّةِ الإسلامية. قال - رحمه اللّه تعالى -: (أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْإِحْدَادَ وَاجِبٌ عَلَى النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ الْمُسْلِمَاتِ) (٢). هنا هل الإجماع على بابه؟ ولو كان إجماعًا حقًّا فما مستنده؟ هكذا حكاه المؤلف وحكاه غيره، ولكن وُجد جمع قليل من العلماء خالفهم في ذلك منهم: الحسن البصري، وعامر الشعبي، والحكم بن عتيية الذي ذكره المؤلف، وهم من التابعين جميعًا، نُقل عنهم أنهم لا يرون الإحداد، لكنهم اختلفوا فيما نقل عنهم: * فالحسن البصري نقل عنه: "أنه لا يرى أن المرأة تأخذ بالإحداد، وإنما لها أن تتريث، وأن تلبس ما تشاء من الثياب، ولها أن تنتقل من مكان إلى مكان، ولها أن تفعل كل ما يفعله غيرها". * والحكم بن عتيبة وكذلك عامر الشعبي نقل عنهما: "أنهما لا يريا الإحداد" (٣). ولذلك أثر عن الإمام أحمد أنه قال: "الحسن البصري،

стр. 6629

وعامر الشعبي من أكثر أهل زمانهما تبحرًا في العلم، ومع ذلك خفي عنهم الإحداد". وبهذا يتبين أن الإنسان مهما أوتي من العلم، ومهما كان فطنًا ذكيًا فإنه لا يمكن أن يحيط بجميع مسائل العلم، وما أُوتي أحذ من العلم إِلَّا قليلًا. ونذكر لعامر الشعبي قصة: نعلم أولًا أنَّ أول الأئمة الأربعة هو أبو حنيفة وهو ممَّنْ وهبهم اللّه ذكاءً نادرًا ولم يكن ذكاؤهُ فقط قاصرًا على العلم بل كان خبيرًا ماهرًا في التجارة، ولذلك بدأ أول حياته بتجارة البذل - القماش - فقابله ذات مرة عامر الشعبي هذا التابعي الجليل فقال له: "إلى أين تتردد؟ فقال له: إلى السوق" فقال: ليس هذا أعني أريد ترددك على حلقات العلم". قالوا: إنَّ تلك الكلمة نفذت إلى أذن الإمام أبي حنيفة واستقرت في قلبه فبادر إلى الاشتغال في العلم ليلًا ونهارًا، فسخَّر تجارته لخدمة العلم، وكان يقدم إلى أبنائه الطلبة ما يحتاجون إليه فجمع بين التجارة والعلم، ونعلم أنه بدأ حياته بعلم الكلام ولكنه فكر بعد فترة وتحول إلى علم الفقه، وقد ذُكر إلى ذلك عدة أسباب من بينها: أن امرأة جاءت إلى مسجد الكوفة فدخلت لتسأل عن مسألة عِلمية فاستمعت إلى أصوات المعلمين، فكانت هناك حلقتان تداران في ذلك المسجد حلقة حماد بن أبي سليمان التابعي، وحلقة أبي حنيفة الذي يشتهر في علم الكلام، ونعلم بأنَّ من البيان لسِحْرًا، فأبو حنيفة كان له تأثير لجذب الناس إليه فاتجهت المرأة لتسأل أبا حنيفة فلم يُفْتِهَا في تلك المسألة، ثم رجعت إلى حماد بن أبي سليمان فأفتاها، فجلس أبو حنيفة اليوم التالي تلميذًا في حلقة

стр. 6630

حماد بن أبي سليمان فبقي عنده سبع سنوات، فحدثت نفس أبي حنيفة أن يستَقِلَّ بحلقة لكن وفاءه لشيخه وحبه له حال بينه وبين ذلك، فبقي عنده فلما تُوفي حماد بن أبي سليمان رُشِّحَ أبو حنيفة لتلك الحلقة. إذًا: هؤلاء العلماء نقل عنهم أنهم اختَلَفُوا ومع ذلك يُعدُّ خلافهم نادِرًا؛ لأن كافة العلماء ذهبوا إلى خلاف ما ذهبوا إليه، ولذلك نسميه اتفاقًا، وأحاديث رسول اللّه ﷺ صريحة في ذلك وهي كثيرة منها أحاديث زينب بنت أبي سلمة، بنت أم سلمة زوجة رسول اللّه ﷺ لأنه لما توفي أبو سلمة تزوج رسول اللّه ﷺ أم سلمة، والرسول ﷺ قد جاء إليها وهي متألِّمَةٌ فأرشدها رسول اللّه ﷺ إلى ما تقول ومما أرشدها إليه أن تقول: "اللهم أجرْنِي في مُصِيبَتِي واخلف لي خيرًا منها" (١). فكان الخليفة في ذلك هو خيرُ الخلق رسول اللّه ﷺ . زينب ابنتها تقول: "دخلت على أم حَبِيبة ﵂ زوج النَّبِيّ ﷺ في بعض الروايات "بعد اليوم الثالث" وقد جاءها وفاة والدها أبي سفيان بن حرب والد معاوية بن أبي سفيان قالت: جاءها وفاة والدها فدعت بِطِيب فيه صفرة فدَهَنَتْ جارية لها ثم مسحت أو مست عارضيها بشي منه ثم قالت ﵂: واللّه ما لى حاجة بالطيب إِلَّا أنني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحد على مَيِّت فوق ثلاث ليالي، إِلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" (٢). قالت زينب ثم دخلت على زينب بنت جحش قالت: عندما توفي أخوها فدعت بطِيبٍ كما فعلت أمُّ حبيبة فمَسَّتْه ثم قالت: "واللّه ما حاجة لي به، غير أني سَمعت رسولَ اللّه ﷺ يقول: "لا يحل لامرأه تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحد على مَيِّتٍ فوق ثلاث، إِلَّا على زوج أربعه أشهر وعشرًا"" (٣)، فهذه الأحاديث فيها فوائد ومثلها أيضًا الحديث المتفق عليه عندما دخلت على أمها أم سلمة فذكرت لها أن امرأة جاءت إلى

стр. 6631

رسول اللّه ﷺ بابنة لها، وكانت قد أصابها وجع في عَيْنِهَا فقالت: يا رسول اللّه! أفلا تَكْحُلُها؟. وفي رواية: أفتكحلُها؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "لا". ذكر ذلك مرتين أو ثلاثة ثم ذكر الرسول ﷺ الحالة التي كانت تجلس عليها المرأة (١)، ثم تخرج هذه الأحاديث ومثلها أحاديث أم عطية في الصحيحين (٢)، وغير ذلك من الأحاديث هي مدار الكلام حول كتاب الإحداد. * قول: ( … فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ إِلَّا الْحَسَنَ وَحْدَهُ). وكذلك الشَّعْبِي والحَكَم. إذًا: لا خلاف بين الحرة المسلمة الكبيرة؛ ولكن الخلاف في الكتابية، وكذلك الصغيرة، والأَمَة أيضًا (٣). * قال: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجَاتِ وَفِيمَا سِوَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ). * هناك عدة غير عدة الوفاة يحصل فيها الإحدادُ وهي المطلَّقة بائنًا، أما المطلقة طلاقًا رَجْعِيًّا فالعلماء مجمعون على أنها لا إحداد عليها (٤)،

стр. 6632

والعلة معروفة لأن الرجعية مطلوب منها أن تَتَزَيَّن وأن تتشَوَّف لزوجها لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمرًا، ولعل القلوبَ قد تَتَغَيَّر فيزول ما أصابها من كدر وما غير صفوها فتعود المودة ويعود بعد ذلك كل من الزوجين إلى الآخر. (وَفِيمَا تَمْتَنِعُ الْحَادَّةُ مِنْهُ مِمَّا لَا تَمْتَنِعُ). فقد ورد في حديث أم عطية: "أنها لا تمس طيبًا، وأنها لا تكتَحِل، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا". وفي حديث آخر: "لا تلبس ثوبًا مزعفرًا، ولا ثوبًا فيه صفرة" (١). (فَقَالَ مَالِكٌ (٢): الْإِحْدَادُ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، وَالْكِتَابِيَّةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَالْكَبِيرَةِ). وكذلك الإمام أحمد (٣) يريان: أن الإحداد يشمل المرأة كبيرة كانت

стр. 6633

أم صغيرة، والمسلمة وغير المسلمة، فتدخل الكتابية. (وَأَمَّا الأمَةُ يَكُونُ عَنْهَا سَيِّدُهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا عِنْدَه، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ). وكذلك المشبوهة بزنا لا إحداد عليها (١)، وهذة المسألة لم يذكرها المؤلف. (وَخَالَفَ قَوْلَ مَالِكٍ الْمَشْهُورَ (٢) فِي الْكِتَابِيَّةِ ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ، وَرَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ (٣)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (أَعْنِي: أَنَّهُ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ)). فالإمام الشافعي يرى أنه لا إحداد على الكتابية (٤)، أما الإمام أبو حنيفة يضيف إليها الصغيرة.

стр. 6634

قال: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَلَا عَلَى الْكِتَابِيَّةِ إِحْدَادٌ) (١). * ورد في الأحاديث السابقة "لا يحل لامرأة" فهل كلمة امرأة تخرج الصغيرة؟ هذه هي حجة الحنفية، وهذا ما لم يعرض له المؤلف "لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليالٍ، إِلَّا على زوج أربعه أشهر وعشرًا" (٢). * إذًا: فالحديث يُحَرِّمُ على المرأة غير الزوجة أن تحد على ميِّت فوق ثلاث، أي: غير الزوج لا يجوز أن تحد عليه المرأة أكثر من ثلاثة أيام، أما الزوج فهو الذي تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا، وهنا لما نأخذ لفظ الحديث في قوله: "لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة … " أي: يحرم عليها إِلَّا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا، فالاستثناء هنا الظاهر أنه يدل على الإباحة، ومعَ ذلك نجد أن العلماء قالوا: (يجب على المرأة المتوفى عنها زوجها أن تُحد عليه). فقالوا بالوجوب والحديث ينفي الإباحة عن أن تحد غير الزوج أكثر من ثلاث ليالٍ، ثم قال: "إِلَّا على زوج": أي أنه يحِلُّ، فهل هناك دليل آخر يؤكد ذلك؟ الجواب: نعم، كما في قصة المرأة التي أتت بابنتها وهي تشكو عينَها فسألت رسول اللّه ﷺ : أفتَكْحلها؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "لا". وفي بعض الروايات "قالها ثلاثًا" (٣). ومع أنها شاكيةٌ ومتألمةٌ ومع ذلك لم يرخص لها رسول اللّه ﷺ فلو لم يكن الإحداد واجبًا لم يمنعها، وكيف يمنعها من أمرٍ جائز؟!! ونحن نعلم أن من أحسن أنواع الزينة عند العرب هو اكتحال المرأة ومع ذلك نهيت عنه، وبعضهم أخذ من هذا الحديث: أنه لا إحداد على كتابية؛

стр. 6635

لأن رسول اللّه ﷺ قال: "تؤمن باللّه واليوم الآخر"، والكتابية لا تؤمن باللّه ولا باليوم الآخر، لكن الجمهور رَدُّوا عليهم بقولهم: إن الكتابية لها حقوق كحقوق الزوجة فكذلك أيضًا، يجب عليها أن تفعل ما تفعله الزوجة. وقالوا إنّ قوله: "لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر"، ليس فيه دليلٌ قطعيٌّ يدل على أن غير المسلمة لا تدخل؛ لأن ذلك ورد في أحاديث كثيرة. * وبالنسبة إلى الصغيرة فإن القول: "لامرأة" قالوا: يخرج الصغيرة. وهذا غير مسلم. * وقالوا أيضًا: لأن الصغيرة غير مكلفة والإحداد إنما هو تكليف، والرسول ﷺ يقول: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق" (١). فهذه صغيرة لا تكليف عليها والإحداد عليها تكليف. لأنه أخبر أن القلم مرفوع عن الصغير والصغيرة، وتكليفهما وضع للقلم عليهما وهو خلاف ما أرشد وأخبر به رسول اللّه ﷺ . * وقالوا بالنسبة إلى الكتابية: غير مكلفة بدليل أنها لو فعلت الطاعة فإنها لا تنفعها حتى تؤمن باللّه واليوم الآخر فهي غير مكلفة. (وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَى الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ إِحْدَادٌ، وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٢)، فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمُ الْمَشْهُورُ فِيمَنْ عَلَيْهِ إِحْدَادٌ مِنْ أَصْنَافِ الزَّوْجَاتِ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إِحْدَاد).

стр. 6636

بقي مسألة مهمة ما ذكرها المؤلف وهي المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها كما قال اللّه - تعالى -: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فلو أن امرأة حاملًا مات عنها زوجها عدتها أنما هي وضع الحمل فلو أن هذه المرأة وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشرًا، هل لها أن تخرج من الإحداد؟ الجواب: نعم؛ لأن عدتها ما هي إِلَّا وضع الحمل، فلو أن الحمل استمر بها فتجاوز أربعة أشهر وعشرًا، فهل تبقى على إحدادها؟ قال العلماء: نعم تبقى على ذلك. وهناك مسألة مهمة لم ترد في الكتاب وهي لو قد أن امرأة سافرت إلى الحج مع ذي مَحْرَم وفي أثناء الطريق بلغها أن زوجها قد تُوفي فماذا عليها أن تفعل؟ تكلم العلماء في هذه المسألة وقالوا: يُنظر إلى إن كانت تباعدت بها المسافات وقاربت الحج، فإنها تمضي فيه؛ لأن هذه عبادة ولو كان ما زالت قريبة فإنها ترجع وتقيم في بيتها وتَعُدُّ عدة الوفاة، وتلتزم الإحداد، أما إن كانت قد تباعدت فلا. فلو قُدِّر أن هذه المرأة وجب عليها الحج والحج ركن من أركان الإسلام وأصبحت قادرة ببدنها وبمالها، ووجدت محرمًا يصحبها إلى الحج لكن زوجها توفي هل تبقى معتدة أو تسافر إلى أداء الحج؟ الصحيح أنها تبقى معتدة، فننظر إلى ما اشتملت عليه الشريعة من الحكم إلى قوة الرابطة بين الزوجين من عناية الإسلام بأبنائه، فاللّه يتسامح عن حقوقه ويؤجلها ويقدم عليها في بعض الأمور في غير الأمور التي لا تتطلب تأخيرًا يقدم عليها حق الإنسان؛ لأن الحقوق حق خالص للّه - تعالى - فلا يجوز أن يشاركه مخلوق ألا وهو حق العبادة، وهناك حق خالص للإنسان كحقه في تصرفه في أمواله في حدود المشروع، وهناك حقوق مشتركة كحد القذف مثلًا ففيه حق الإنسان الذي تعيب فيه على حرمته، وحق للّه أنه يشتمل على ردع وإقامة هذا الحد لمَنْع الناس، فالإسلام راعى حقوق الزوج.

стр. 6637

* قال: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ مِنْ قِبَلِ الْعَدَدِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا إِحْدَادَ إِلَّا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣): الْإِحْدَادُ فِي الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَاجِبٌ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (٤) فَاسْتَحْسَنَهُ لِلْمُطَلَّقَةِ، وَلَمْ يُوجِبْهُ). العِدد جمع عِدة، فهل هناك عدة فيها إحداد غير عدة الوفاة؟ عدة الوفاة عليها شبه إجماع وهناك من خالف فيها، وسيأتي المؤلف يعرض ما يعرض من الأدلة، والحقيقة إن الذين خالفوا لهم دليل ليس كما ذُكر سنبينه، وقال أبو حنيفة والثوري: "الإحداد في العدة من الطلاق البائن واجب". وهي روايه للإمام أحمد (٥) إِلَّا أنَّ المطلقة طلاقًا بائنًا تُحد. ووجهة الذين قالوا لا إحداد قالوا: المتوفى عنها زوجها تُحد.

стр. 6638

فلماذا التقى العلماء حول هذا الرأي؟ لما كان هناك من وفاء هذه المرأة؛ فإنها تُصاب باللوعة وبالأسى ويقطر قلبها حزنًا وألمًا على مُفارقة زوجها وغالبًا ما يكون هذا لأولاده وليس هذا من الأمور السهلة؛ لأن هذا الرجل ظل سنين يرعاها، ويحافظ عليها، ويقوم على شؤونها، ويتولى تربية الأولاد والإنفاق عليهم. وهذه المرأة المظاهرة لما ذهبت إلى الرسول ﷺ وقالت: "إن لي منه صبية، إن تركتهم عنده ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا" (١)، فهذه القصة يقطر لها القلب حزنًا وألمًا، واللّه قد استجاب لشكواها من فوق سبع سماوات، وقد وقف عمر بن الخطاب ﵁ يستمع إليها. فبالنسبة للمتوفى عنها زوجها هناك وفاء بين الزوجين، ومن أجلِّ الصفاتِ وأعظمِها: صفة الوفاء فهناك وفاء بين الابن وأبيه، وبين الإخوة، وبين الأصدقاء، وكذلك بين الزوجين، وهو من الفضل الذي قال اللّه فيه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. فهذه علاقة عظيمة دامت فترةٌ من الزمن، ولذلك في قصة أسماء زوجة جعفر بن أبي طالب أرسلت إلى رسول اللّه ﷺ تطلب منه أن يأذن: أن تبكي على زوجها وقلبها ينبح أسى ولوعة حزن وحسرة تريد أن تنفس عن نفسها؛ لكنها مؤمنةٌ تقيةٌ نقيةٌ فاستأذنت رسول اللّه ﷺ فبعد ثلاث ليال أرسل إليها يأمرها بأن تكتحل وأن تتطهر، وهذا سيكون حجة للذين

стр. 6639

يقولون بأن الإحداد ليس واجبًا، ولكنْ هذا الحديث مرسل (١)، وإن كان صحيحًا. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَأَمَّا الْفَصْل الثَّالِثُ وَهُوَ مَا تَمْتَنِعُ الْحَادَّةُ مِنْهُ مِمَّا لَا تَمْتَنِعُ عَنْهُ) الحادة: وهي التي فقدت زوجها وعائلتها ورب أسرتها، ولا شك أنها تتألم، إذ كان في الجاهلية تدخل بيتًا صغيرًا تعذب نفسها، وتمتنع عن كل شيء، واللّه لا يريد من الإنسان أن يعذب نفسه. (فَإِنَّهَا تَمْتَنِعُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِالْجُمْلَةِ مِنَ الزِّينَةِ الدَّاعِيَةِ للرِّجَالِ إِلَى النِّسَاءِ) (٢). أول أنواع الزينة هي الزينة في نفسها، فلا تقرب طِيبًا، لأن الرسول ﷺ قال: "لا تمسُّ طيبا" (٣) ولا تلبس من الثياب التي تتجمل بها المرأة، لأن المقام ليس مقام الجمال وإنما هو مقام ألم وتأثر.

стр. 6640

قال: (وَذَلِكَ كَالْحُلِيِّ وَالْكُحْلِ). حليُّ المرأة من أحسن مظاهرها، والكحل من أحسن ما تتجمل به، وكذلك الملابس، وعلي ذلك فالأشياء التي تُمنَعُ منها: الطيب، والملابس المصبوغة، والرسول ﷺ استثنى ثوب العصب (١)، وهذا فُسِّرَ على تفسيرين الأول: هو الثوب الذي يصبغ غزلًا قبل أن ينسج. والثاني: أن العصب نبات معروف في اليمن ولا يوجد في غيرها. فالقصد أنها لا تتجمل بطيب ولا ملابس ولا بحليٍّ. (إِلَّا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ زِينَةٌ وَيبَاسُ الثّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ إِلَّا السَّوَادَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ لَهَا لُبْسَ السَّوَادِ (٢)) (٣).

стр. 6641

* السواد قد أخذ على الشافعية (١) بأنها تلبس السواد في هذا المسألة فليس هناك فرق بين طويل وقصير وأبيض وأسمر إِلَّا بالتقوى والعمل الصالح إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم. (وَرَخَّصَ كُلُّهُمْ فِي الْكُحْلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (٢)، فَبَعْضُهُمُ اشْتَرَطَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِينَةٌ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ). قال البعض: لا يجوز مطلقًا مهما لحقها من الضَّرر، كابن حزم صاحب المحلى (٣)، والصحيح أنه عند الضرورة يجوز. (وَبَعْضُهُمُ اشْتَرَطَ جَعْلَهُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ). * وبعضهم فصَّل بين الكحل الذي فيه سواد وجمال، وبين نوع من الكحل الذي يُتخذ كعلاج (٤).

стр. 6642

(وَبِالْجُمْلَةِ فَأَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا تَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ مُتَقَارِبَةٌ). * هناك بعض الأمور لم يذكرها المؤلف وهي هل تنتقب المرأة؟ فبعضهم يرى أنها لا تنتقب؛ لأن النقاب هنا من الزينة، والنقاب يدلُّ على الجمال؛ لأنه يُظهر العَينَيْنِ ويظهر جمالهما. فلا يجوز أن تنتقب المرأة، والمسألة فيها خلاف فليس قضية مجمعٌ عليها (١)، وكذلك هناك قضية الانتقال من بيتها، فهل لها أن تنتقل من بيتها (٢)؟

стр. 6643

(وَذَلِكَ مَا يُحَرِّكُ الرِّجَالَ بِالْجُمْلَةِ إِلَيْهِنَّ. وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ لإِيجَابِ الْإِحْدَادِ فِي الْجُمْلَةِ لِثبوتِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْهَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵊: "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْتَحِلُهُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا"، مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهَا: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْر، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ" (١)). هذا حال الناس فيما مضى فلا يقدمون على فعل أي شيء إِلَّا أن يعرفوا حكم اللّه فيه، فهذه المرأة تأخذ ابنتها معها وتسأل رسول اللّه ﷺ . وقوله: "ترمي بالبعرة"، فكانت المرأة تدخل ذلك البيت الذي عرفه الشافعي (٢) بأنه كان ذليلًا أي: حقيرًا صغيرًا، فتبقى به مدة من الزمن، ثم بعدما أكملت بادرت فتأخذ بعرة من البعير أو الشاة فتَرْمي بها كِناية أو علامة على أنها قد خرجت من هذا القيد، فقالوا: تخرج أحيانًا ليلًا متحشمة مستحية لأنه قد طال شعرها، وأصبح منظرها بشعًا، ورائحتها كريهة، فهي بكل وسيلة تسعى لتصل إلى بيت والدها لتزيل ما هي عليه ولا أشد أنها لو تمسحت بطائر - في بعض الروايات - تمسح قبلها فيسرع ذلك الطائر. (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ). وهو: (أبو محمد بن حزم). (فَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ يَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَى الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْإِحْدَادِ) (٣).

стр. 6644

فابن حزم يرى أن الدليل الصريح في إيجاب الإحداد هو امتناع الرسول ﷺ أن يفتيها بأن تكحل ابنتها عينها. * قال: (وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ حِينَ دَعَتْ بِالطِّيبِ فَمَسَحَتْ بِهِ عَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِهِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (١)، فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ حَظْرٍ فَهُوَ يَقْتَضِي الْإِباحَةَ دُونَ الْإِيجَابِ (٢). وَكَذَلِكَ حَدِيثُ زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ). غير الزوج فلا يجوز لها أن تحد أكثر من ثلاثة أيام، وذكر بعض العلماء أنه إذا كان أبوها تُحد سبعة أيام، وهذا غير صحيح وإنما هي

стр. 6645

ثلاثة، وعلى هذا فهل هناك فرق بين أن يكون قريبًا أو بعيدًا؛ نرى أن النصوص أطلقت فلها أن تحد على كل عزيز. (قَالَ الْقَاضِي). وهو: (القاضي ابن رشد). (وَفِي الْأَمْرِ إِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْحَظْرِ خِلَافٌ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ) (١). يقصد بالمتكلمين هنا: وهم الذين يشتغلون بعلم الكلام أو كما يسميه البعض علم التوحيد، ويقصد به هنا المتكلمين من الأصولين، فالأصوليون ينقسمون إلى قسمين: طريقة المتكلمين وهي تشمل المالكية الشافعية الحنابلة، وطريقة الفقهاء كالحنفية. (أَعْنِي: هَلْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَوِ الْإِبَاحَةَ؟ وَسَبَبُ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى الْمُسْلِمَةِ دُونَ الْكَافِرَةِ أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الْإِحْدَادَ عِبَادَة لَمْ يُلْزِمْهُ الْكَافِرَةَ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ، وَهُوَ تَشَوُّفُ الرِّجَالِ إِلَيْهَا وَهِيَ إِلَى الرِّجَالِ، سَوَّى بَيْنَ الْكَافِرَةِ وَالْمُسْلِمَةِ؟ وَمَنْ رَاعَى تَشَوُّفَ الرِّجَالِ دُونَ تَشَوُّفِ النِّسَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ إِذَا كانَتِ الصَّغِيرَةُ لَا يَتَشَوَّفُ الرِّجَالُ إِلَيْهَا). مراد المؤلف أن هذه صغيرة لا تتجه إليها الأنظار بخلاف الكبيرة.

стр. 6646

* قال: (وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى الْمُسْلِمَاتِ دُونَ الْكَافِرَاتِ: قوْلُهُ ﵊: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أنْ تُحِدَّ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ" (١)). هذا مرَّ في عدة أحاديث منها حديث أم عطية، وحديث زينب بنت جحش، وأم حبيبة من الأحاديث التي روتها زينب ابنة أبي سَلَمَة (٢). (قَالَ: وَشَرْطُهُ الْإِيمَانُ فِي الْإِحْدَادِ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِبَادَةٌ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ وَكَذَلِكَ الْكِتَابِيَّةِ، فَلِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَوْجَبَتْ شيْئَيْنِ بِاتِّفَاقٍ: أَحَدُهُمَا الْإِحْدَادُ، وَالثَّانِي تَرْكُ الْخُرُوجِ، فَلَمَّا سَقَطَ تَرْكُ الْخُرُوجِ عَنِ الْأَمَةِ وَالْحَاجَةِ إِلَى اسْتِخْدَامِهَا سَقَطَ عَنْهَا مَنْعُ الزِّينَةِ). لأن الأمة تختلف عن الحرة في كونها تخرج؛ لأن من أصل أعمالها القيام بالخدمة وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الحرة (٣). (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمُكَاتَبَةِ فَمِنْ قِبَلِ تَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. وَأَمَّا الْأَمَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَأُمُّ الْوَلَدِ). اختلفوا في المكاتبة؛ لأن بعضها حر وبعضها غير حر؛ فهل تلحق بالحرة أم تُلحق بالأمة؟ فمن ألحقها بالحرة أوجب عليها العدة، ومن ألحقها بالأمة قال: لا تجب عليها العِدَّة (٤).

стр. 6647

(إِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِسْقَاطِ الْإِحْدَادِ عَنْهَا لِقَوْلِهِ ﵊: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تَحِدَّ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ" (١) فَعُلِمَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ (٢)). * دليل الخطاب ما يعبر عنه المؤلف وخاصة في أول الكتاب، وهو المعروف بمفهوم المخالفة، فهناك مفهومان: مفهوم الموافقة: وهو الذي يأتي موافق لظاهر النص (٣)، ومفهوم المخالفة وهو الذي يأتي على خلاف النص (٤). * قال: (أَنَّ مَنْ عَدَا ذَاتِ الزَّوْجِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِحْدَادٌ، وَمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا دُونَ الْمُطَلَّقَةِ تَعَلَّقَ بِالظَّاهِرِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَمَنْ أَلْحَقَ الْمُطَلَّقَاتِ بِهِنَّ فَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّه يَظْهَرُ مِنْ مَعْنَى الْإِحْدَادِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ ألَّا تَتَشَوَّفَ إِلَيْهَا الرِّجَالُ فِي الْعِدَّةِ وَلَا تَتَشَوَّفَ هِيَ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِمَكَانِ حِفْظِ الْأَنْسَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمٌ). سد الذريعة حفاظًا على الأنساب، فكلما حفظت المرأة نفسها،

стр. 6648

واحتَبَسَتْ في بيتها، وتجنبت جميع أسباب ما يُغْرِي وما يثير الشهوة، فذلك أحفظ لها وأكثر صيانة لها. (كمُلَ كتَابُ الطَّلَاقِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى آلَائِهِ، وَالشُّكْرُ عَلَى نِعَمِهِ؛ وَيَتْلُوهُ كِتَابُ الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -).

стр. 6649

قوله: (كِتَابُ البُيُوعِ) " البيوع": جمع بيعٍ، والبيع مصدر باع يبيع بيعًا، وسُمِّي بيعًا؛ لأنَّ كل واحد من المتبايعين يمدُّ باعه بالإعطاء والأخذ (١). وجمعه ﵀، لتعدُّدِ أنواعه واختلافها، كما سيأتي إن شاء اللّه. وفي الاصطلاح: عُرِّفَ بألفاظ متقاربة، فمنها: عقد معاوضة على غير منافع، أو مبادلة مال بمال بالتراضي للتمليك أو للتملك (٢). والبيع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والحكمة والحاجة تقتضيه.

стр. 6650

أما من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مع أنَّ الربا بيع لكن لما كان يقوم على التعدي والظلم وعلى هضم حقوق الآخرين حذّر اللّه منه فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إذن أمرَ اللهُ بالشهادة، لكن جمهور العلماء يرون أن الإشهاد ليس بواجب في البيع، بخلاف النكاح كما سيأتي. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وجاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: "كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو المَجَازِ، أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَام، فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ" قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ (١). وأمَّا السنة فأحاديث كثيرة، قولية وفعلية وتقريرية؛ منها: ما جاء عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" (٢). وما جاء عَنْه ﷺ قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى" (٣). والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ.

стр. 6651

وأجمعَ المسلمون على جوازِ البيع (١). والحكمةُ تقتضيه؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه قد لا يبذله له ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ. فلذلك يتعيَّن على المسلم الاهتمامُ به وبمعرفة أحكامه؛ لعموم الحاجة إليه والبلوى به؛ إذ لا يخلو المكلَّف غالبًا من بيع أو شراء فينبغي أن يعلم حُكْمَ اللّه فيه قبل التلبُّس به (٢). * قول: (الْكَلَامُ فِي الْبُيُوعِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسِ جُمَلٍ: فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِهَا). يذكر المصنِّف ﵀ مقدِّمات لضبط أبواب الفقه التي يكثر مسائلها، فحصرها في خمس جمل. الأولى: أنواعها، أي: أنواع البيوع، فالبيع له صور مختلفة، ولكلِّ صورة شروطها، وأحكام تتعلَّق بها، فالبيع في حقيقته واحدٌ لكنَّ فوارقه متعددة، فالإجارة بيعٌ، لكنَّها بيعُ منفعة، والصرفُ بيعٌ لكنَّه لما تعلَّق بالنقد سموه صرفًا، أي: أنك تغيِّرُ بعض الريالات إلى عملة أخرى أو العكس. إذًا فالبيع مجالُه واسع، فقولنا مثلًا: "كتاب الفقه" يشمل الطهارة والصلاة والصيام وغيرها، ونطلق عليها جميعها فقهًا، كذلك البيوع له صور وأحكام متعددة، ويُطلَق عليها كلُّها بيوعًا، لكن عند التفصيل كلٌّ له حَدُّه الخاص به؛ فهذا بيع، وهذا سلم، وهذا صرف إلى غير ذلك.

стр. 6652

وينقسم إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة. فينقسم إلى أربعة أقسام بالنظر إلى المبادلة: الأول: البيع المطلق. الثاني: بيع السلم. الثالث: بيع الصرف. الرابع: بيع المقايضة. فالبيعُ إما أن يكون عينًا، أو ذِمة، أو منفعة، وهذه الثلاثة مع بعضها مركبة تعطي تسع صور. وهو ثلاثة أنواع بالنظر إلى تحديد الثمن: الأول: بيع المساومة. الثاني: بيع المزايدة. الثالث: بيوع الأمانة. وبالنظر إلى طريقة تسليم الثمن، أو الأجل: فمنجز الثمن، أو مؤجل الثمن، أو مؤجل المثمن، أو مؤجل العوضين. وبالنظر إلى الحكم الشرعي، فتجده ينقسم إلى أنواع كثيرة منها: البيع المنعقد ويقابله البيع الباطل. البيع الصحيح ويقابله البيع الفاسد، إلى غير ذلك مما سيذكره المصنف ﵀. * قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا). بعد ذكر صور البيوع المختلفة، لا بد من ذكر الشروط التي يجب توفرها في كل صورة حتى يكون البيع صحيحًا.

стр. 6653

وتنحصر هذه الشروط في ثلاثة أجناس كما سيأتي، في العقد، والعاقدين، والمعقود عليه. * قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الْفَسَادِ). الأصل في البيع الحِلُّ، فإذا قلنا بفساد بعض البيوع فلا بد من وجود دليل يدلُّ على عدم صحَّة هذه البيوع وفسادها، وبالنظر إلى البيوع الفاسدة نجدها ترجع إلى فساد في البيع نفسه: إما لتحريم عينه، وإما لربًا، أو لغرر، أو ما يرجع إلى واحد منهما أو هما معًا. أو لأسباب من الخارج، كالغش، والضرر، ومنها لإمكان الوقت المستحقّ بما هو أهمّ منه، ومنها لأنها محرمة البيع، كما سيأتي مما سيذكره المصنف. * قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ). سيذكر المصنف بعضَ المسائل الَّتي تتعلَّق بالبيوع الصحيحة، ومنها من يضمن إذا وقع بالسلعة شيء أو وُجِدَ بها عيبٌ؟ ومتى ينتقل الضمان إلى المشتري؟ وغير ذلك مما يتعلق بالبيع الصحيح. * قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ). وهذا أيضًا من البيوعِ لكنَّه فاسد لأسباب سيأتي تفصيل حكم الشرع فيها. * قول: (فَنَحْنُ نَذْكُرُ أَنْوَاعَ الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ، ثُمَّ نَذْكُرُ شُرُوطَ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا). أي: سيذكر المؤلف ﵀ أنواع البيوع، ثم شروط الصحة والفساد في كل نوع من أنواعه. * قول: (وَأَحْكَامَ بُيُوعِ الصِّحَّةِ، وَأَحْكَامَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ). وبعض المسائل المتعلقة بالبيع الصحيح، أو الفاسد.

стр. 6654

* قوله: (وَلَمَّا كَانَتْ أَسْبَابُ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فِي الْبُيُوعِ مِنْهَا عَامَّةٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ أَوْ لأَكْثَرِهَا وَمِنْهَا خَاصَّةٌ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي أَحْكَامِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ اقْتَضَى النَّظَرُ الصِّنَاعِيُّ أَنْ نَذْكُرَ الْمُشْتَرِكَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ، أَعْنِي: الْعَامَّ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسَادِ وَأَسْبَابِ الصِّحَّةِ وَأَحْكَامِ الصِّحَّةِ وَأَحْكَامِ الْفَسَادِ لِجَمِيعِ الْبُيُوعِ، ثُمَّ نَذْكُرُ الْخَاصَّ مِنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ الْبُيُوعِ، فَيَنْقَسِمُ هَذَا الْكِتَابُ بِاضْطِرَادٍ إِلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: تُعْرَفُ فِيهِ أَنْوَاعُ الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ). وأعادَ المصنف ﵀ ما ذكره سابقًا ليبين أن ما فعله في ترتيب مسائل هذا الباب هو ما يقتضيه النظر الصناعي، وكل هذه مقدمة وسنفصل عندما نبدأ في الشرح. * قال: (وَالثَّانِي: تُعْرَفُ فِيهِ أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ أَيْضًا، أَعْنِي: فِي كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا، إِذْ كَانَتْ أَعْرَفَ مِنْ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ. الثَّالِثُ: تُعْرَفُ فِيهِ أَسْبَابُ الصِّحَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ أَيْضًا. الرَّابِعُ: نَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ، أَعْنِي: الْأَحْكَامَ الْمُشْتَرَكَةَ لِكُلِّ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ أَوْ لِأَكْثَرِهَا. الْخَامِسُ: نَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَعْنِي: إِذَا وَقَعَتْ. السَّادِسُ: نَذْكُرُ فِيهِ نَوْعًا نَوْعًا مِنَ الْبُيُوعِ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَأَحْكَامِهَا). قال المصنف رحمه اللّه تعالى: الْجُزْءُ الْأَوَّلُ إِنَّ كُلَّ مُعَامَلَةٍ وُجِدَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ عَيْنًا بِعَيْنٍ). ابتدأ المصنِّف بشيء من التفصيل، ولكنه سيفصِّل أكثر في الباب الذي يليه.

стр. 6655

ولا بد في البيع أن ينعقد بين اثنين فأكثر، والمباع إما شيء معين ومحدد، أو شيء موصوف بالذمة، أو منفعة. والثمن إما أن يكون عينًا، أو ذِمة أو منفعة. فقوله: [عينًا بعينٍ]، أي: عين مقابلها عين أخرى، كشراء شيء معيَّن كبَيت مثلًا بسيارة معينة، ويُسمَّى مقايضة. وإذا عُيِّن الثمن والمثمن، فلا يجوز لأحدهما أن يبدلَ ما قد عينه لأيِّ سبب، فإذا قال: بعتك هذه السيارة، فليس له أن يأتي بغيرها، فإن ظهر بها عيب فُسِخ البيع، فلا يقال: يجب أن يأتي بسيارة أخرى، وسيأتي بيانه. * قوله: (أَوْ عَيْنًا بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ). "العين": ما تمَّ تعينه، "بشيء موصوف في الذمة"، بشرط أن يكون مما ينضبط بالصفة؛ نحو بعتك سيارتي هذه بشيء موصوف في الذمة وهو السَّلَم. * قوله: (أَوْ ذِمَّةٍ بِذِمَّةٍ). وهو الدَّين، كلاهما ذمة بذمة، وكلاهما موصوفان في الذمة. * قوله: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ إِمَّا نَسِيئَةٌ وَإِمَّا نَاجِزٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ أَيْضًا إِمَّا نَاجِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَإِمَّا نَاجِزٌ مِنَ الطَّرَفِ الْوَاحِدِ نَسِيئَةٌ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَتَكُونُ كُلُّ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ تِسْعَةٌ. فَأَمَّا النَّسِيئَةُ) (١) مِنَ الطَّرَفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ لَا فِي الْعَيْنِ وَلَا فِي الذِّمَّةِ). وهذا الذي حَذَّر منه الرسول ﷺ عندما خطب الناس في حَجة الوداع، فقال: "إِنَّ أَوَّلَ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا؛ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ" (٢)، فرسول اللّه ﷺ لم تأخذه في اللّه لومةُ لائم، وأول ما بدأ بدأَ بعمِّهِ العباس
следующие страницы →