← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

وأجمعَ المسلمون على جوازِ البيع (١). والحكمةُ تقتضيه؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه قد لا يبذله له ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ. فلذلك يتعيَّن على المسلم الاهتمامُ به وبمعرفة أحكامه؛ لعموم الحاجة إليه والبلوى به؛ إذ لا يخلو المكلَّف غالبًا من بيع أو شراء فينبغي أن يعلم حُكْمَ اللّه فيه قبل التلبُّس به (٢). * قول: (الْكَلَامُ فِي الْبُيُوعِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسِ جُمَلٍ: فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِهَا). يذكر المصنِّف ﵀ مقدِّمات لضبط أبواب الفقه التي يكثر مسائلها، فحصرها في خمس جمل. الأولى: أنواعها، أي: أنواع البيوع، فالبيع له صور مختلفة، ولكلِّ صورة شروطها، وأحكام تتعلَّق بها، فالبيع في حقيقته واحدٌ لكنَّ فوارقه متعددة، فالإجارة بيعٌ، لكنَّها بيعُ منفعة، والصرفُ بيعٌ لكنَّه لما تعلَّق بالنقد سموه صرفًا، أي: أنك تغيِّرُ بعض الريالات إلى عملة أخرى أو العكس. إذًا فالبيع مجالُه واسع، فقولنا مثلًا: "كتاب الفقه" يشمل الطهارة والصلاة والصيام وغيرها، ونطلق عليها جميعها فقهًا، كذلك البيوع له صور وأحكام متعددة، ويُطلَق عليها كلُّها بيوعًا، لكن عند التفصيل كلٌّ له حَدُّه الخاص به؛ فهذا بيع، وهذا سلم، وهذا صرف إلى غير ذلك.

стр. 6652

وينقسم إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة. فينقسم إلى أربعة أقسام بالنظر إلى المبادلة: الأول: البيع المطلق. الثاني: بيع السلم. الثالث: بيع الصرف. الرابع: بيع المقايضة. فالبيعُ إما أن يكون عينًا، أو ذِمة، أو منفعة، وهذه الثلاثة مع بعضها مركبة تعطي تسع صور. وهو ثلاثة أنواع بالنظر إلى تحديد الثمن: الأول: بيع المساومة. الثاني: بيع المزايدة. الثالث: بيوع الأمانة. وبالنظر إلى طريقة تسليم الثمن، أو الأجل: فمنجز الثمن، أو مؤجل الثمن، أو مؤجل المثمن، أو مؤجل العوضين. وبالنظر إلى الحكم الشرعي، فتجده ينقسم إلى أنواع كثيرة منها: البيع المنعقد ويقابله البيع الباطل. البيع الصحيح ويقابله البيع الفاسد، إلى غير ذلك مما سيذكره المصنف ﵀. * قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا). بعد ذكر صور البيوع المختلفة، لا بد من ذكر الشروط التي يجب توفرها في كل صورة حتى يكون البيع صحيحًا.

стр. 6653

وتنحصر هذه الشروط في ثلاثة أجناس كما سيأتي، في العقد، والعاقدين، والمعقود عليه. * قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الْفَسَادِ). الأصل في البيع الحِلُّ، فإذا قلنا بفساد بعض البيوع فلا بد من وجود دليل يدلُّ على عدم صحَّة هذه البيوع وفسادها، وبالنظر إلى البيوع الفاسدة نجدها ترجع إلى فساد في البيع نفسه: إما لتحريم عينه، وإما لربًا، أو لغرر، أو ما يرجع إلى واحد منهما أو هما معًا. أو لأسباب من الخارج، كالغش، والضرر، ومنها لإمكان الوقت المستحقّ بما هو أهمّ منه، ومنها لأنها محرمة البيع، كما سيأتي مما سيذكره المصنف. * قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ). سيذكر المصنف بعضَ المسائل الَّتي تتعلَّق بالبيوع الصحيحة، ومنها من يضمن إذا وقع بالسلعة شيء أو وُجِدَ بها عيبٌ؟ ومتى ينتقل الضمان إلى المشتري؟ وغير ذلك مما يتعلق بالبيع الصحيح. * قول: (وَفِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ). وهذا أيضًا من البيوعِ لكنَّه فاسد لأسباب سيأتي تفصيل حكم الشرع فيها. * قول: (فَنَحْنُ نَذْكُرُ أَنْوَاعَ الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ، ثُمَّ نَذْكُرُ شُرُوطَ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا). أي: سيذكر المؤلف ﵀ أنواع البيوع، ثم شروط الصحة والفساد في كل نوع من أنواعه. * قول: (وَأَحْكَامَ بُيُوعِ الصِّحَّةِ، وَأَحْكَامَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ). وبعض المسائل المتعلقة بالبيع الصحيح، أو الفاسد.

стр. 6654

* قوله: (وَلَمَّا كَانَتْ أَسْبَابُ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فِي الْبُيُوعِ مِنْهَا عَامَّةٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ أَوْ لأَكْثَرِهَا وَمِنْهَا خَاصَّةٌ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي أَحْكَامِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ اقْتَضَى النَّظَرُ الصِّنَاعِيُّ أَنْ نَذْكُرَ الْمُشْتَرِكَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ، أَعْنِي: الْعَامَّ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسَادِ وَأَسْبَابِ الصِّحَّةِ وَأَحْكَامِ الصِّحَّةِ وَأَحْكَامِ الْفَسَادِ لِجَمِيعِ الْبُيُوعِ، ثُمَّ نَذْكُرُ الْخَاصَّ مِنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ الْبُيُوعِ، فَيَنْقَسِمُ هَذَا الْكِتَابُ بِاضْطِرَادٍ إِلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: تُعْرَفُ فِيهِ أَنْوَاعُ الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ). وأعادَ المصنف ﵀ ما ذكره سابقًا ليبين أن ما فعله في ترتيب مسائل هذا الباب هو ما يقتضيه النظر الصناعي، وكل هذه مقدمة وسنفصل عندما نبدأ في الشرح. * قال: (وَالثَّانِي: تُعْرَفُ فِيهِ أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ أَيْضًا، أَعْنِي: فِي كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا، إِذْ كَانَتْ أَعْرَفَ مِنْ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ. الثَّالِثُ: تُعْرَفُ فِيهِ أَسْبَابُ الصِّحَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ أَيْضًا. الرَّابِعُ: نَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ، أَعْنِي: الْأَحْكَامَ الْمُشْتَرَكَةَ لِكُلِّ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ أَوْ لِأَكْثَرِهَا. الْخَامِسُ: نَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَعْنِي: إِذَا وَقَعَتْ. السَّادِسُ: نَذْكُرُ فِيهِ نَوْعًا نَوْعًا مِنَ الْبُيُوعِ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَأَحْكَامِهَا). قال المصنف رحمه اللّه تعالى: الْجُزْءُ الْأَوَّلُ إِنَّ كُلَّ مُعَامَلَةٍ وُجِدَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ عَيْنًا بِعَيْنٍ). ابتدأ المصنِّف بشيء من التفصيل، ولكنه سيفصِّل أكثر في الباب الذي يليه.

стр. 6655

ولا بد في البيع أن ينعقد بين اثنين فأكثر، والمباع إما شيء معين ومحدد، أو شيء موصوف بالذمة، أو منفعة. والثمن إما أن يكون عينًا، أو ذِمة أو منفعة. فقوله: [عينًا بعينٍ]، أي: عين مقابلها عين أخرى، كشراء شيء معيَّن كبَيت مثلًا بسيارة معينة، ويُسمَّى مقايضة. وإذا عُيِّن الثمن والمثمن، فلا يجوز لأحدهما أن يبدلَ ما قد عينه لأيِّ سبب، فإذا قال: بعتك هذه السيارة، فليس له أن يأتي بغيرها، فإن ظهر بها عيب فُسِخ البيع، فلا يقال: يجب أن يأتي بسيارة أخرى، وسيأتي بيانه. * قوله: (أَوْ عَيْنًا بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ). "العين": ما تمَّ تعينه، "بشيء موصوف في الذمة"، بشرط أن يكون مما ينضبط بالصفة؛ نحو بعتك سيارتي هذه بشيء موصوف في الذمة وهو السَّلَم. * قوله: (أَوْ ذِمَّةٍ بِذِمَّةٍ). وهو الدَّين، كلاهما ذمة بذمة، وكلاهما موصوفان في الذمة. * قوله: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ إِمَّا نَسِيئَةٌ وَإِمَّا نَاجِزٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ أَيْضًا إِمَّا نَاجِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَإِمَّا نَاجِزٌ مِنَ الطَّرَفِ الْوَاحِدِ نَسِيئَةٌ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَتَكُونُ كُلُّ أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ تِسْعَةٌ. فَأَمَّا النَّسِيئَةُ) (١) مِنَ الطَّرَفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ لَا فِي الْعَيْنِ وَلَا فِي الذِّمَّةِ). وهذا الذي حَذَّر منه الرسول ﷺ عندما خطب الناس في حَجة الوداع، فقال: "إِنَّ أَوَّلَ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا؛ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ" (٢)، فرسول اللّه ﷺ لم تأخذه في اللّه لومةُ لائم، وأول ما بدأ بدأَ بعمِّهِ العباس

стр. 6656

مع أنَّ الرسول ﷺ قال: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ " (١) أي: مثله. وكذلك قال ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ محَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ محَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (٢)، وهذا هو العدل الواجبُ بين الناس. فبدأ رسول اللّه ﷺ بأهله في ذلك، كما بدأ بهم عندما أمره اللّه أن يجهرَ بالدَّعوة؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: "لمَّا نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، صعد النَّبيُّ ﷺ على الصَّفا، فجعل يُنادي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ" - لبطون قريش - حتَّى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أَرَأَيْتَكمْ لَوْ أَخْبَرْتُكمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ ". قالوا: نعم، ما جربنا عليك إِلَّا صدقًا، قال: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكمْ بَيْنَ يَدَيَّ عَذَابٌ شَدِيد". فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: ١، ٢] (٣). ومع ذلك لما دعاهم إلى الحقِّ أبوا وأعرضوا إِلَّا مَن هداه اللّه منهم. والنسيئةُ لا تجوز بإجماع؛ لأنَّ فيها ظلمًا وتعدِّيًا وأكلٌ لأموال الناس بالباطل، وقد نهى اللّه عن ذلك؛ لأن البيع فيه مصلحة للطرفين، وإعانة على الخير، وفيه ربح وخسارة؛ فقد يربح البائع أو المشتري اليوم ويخسر غدًا، وهذا شأن الدنيا. أما الرِّبا (٤) فليس كذلك، فالمستفيد منه طرف واحد، وهو (آكله)؛ إذ ربحه مضمون؛ لأنه يستغل فقر أخيه وحاجته، فيسلب ماله.

стр. 6657

* قوله: (لِأَنَّهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ). وهو بيع الدين بالدَّيْن الذي يُعرف ببيع الكالئ بالكالئ، وقد نهى عنه رسول اللّه ﷺ ، كما في حديث عبد اللّه بن عمر ﵄ أن النَّبِيّ ﷺ "نَهَى عَنْ بَيعِ الكَالئ بالكالئ" (١)، وسيأتي شرح هذا الحديث. * قوله: (وَأَسْمَاءُ هَذِهِ الْبُيُوعِ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ صِفَةِ الْعَقْدِ وَحَالِ الْعَقْدِ؛ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ صِفَةِ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ). أي: قد يكون الخلل في أصل العقد، وربما يكون في نفس العين المعقود عليها. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَلَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا بِمَثْمُونٍ أَوْ ثَمَنًا بثَمَنٍ). ثمن بمثمون وهو البيع، أو ثمن بثمن وهو الصرف. يعني مثلًا: جواز صرف الريالات بالدولارات أو العكس، لاختلاف أجناسهما إذا كان يدًا بيد، وقول الرسول ﷺ قاعدة في هذا الباب حيث حصر أصناف الرِّبا الستة، فقال: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشًعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْح بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٢). * قوله: (فَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا بِثَمَنٍ سُمِّي صَرْفًا، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا

стр. 6658

بِمَثْمُونٍ سُمِّيَ بَيْعًا مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ مَثْمُونًا بِمَثْمُونِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي تُقَالُ بَعْدُ). يعني: تبيع عرضًا بعرض. * قوله: (وَإِنْ كَانَ عَيْنًا بِذِمَّةٍ سُمِّيَ سَلَمًا). وبيع السلم ليس من أنواع الربا، وفي الفقه الإسلامي أنواع من البيوع استُثنيت من الرِّبا، أي: جاءت على خلاف القياس، ومنها السَّلم، والجعالة، والإجارة، لأن الإجارة - كما هو معلوم -: استئجار منفعة مباحة بثمن معلوم كاستئجار بيت وغيره. والسلم قد أباحه الرسول ﷺ ، كأن تدفع للبائع المال ولم يوفِّك السلعة بعد، كبيع غرس التمر على رؤوس النخل، وهذا فيه شيء من الجهالة لكن الحاجة دعت إليه فخُفِّف. والجعالة: كأن تضع جُعلًا لمن يرد إليك عبدك الآبق، فتقول: من ردّ إليَّ عبدي فله كذا وكذا، وهكذا يقولون: إن هذه البيوع جاءت على خلاف القياس. وقد ردَّ بعض العلماء المحققين ذلك، وقالوا: ليس هذا بصحيح، فليس هناك قياس صحيح يعارض نصًّا صريحًا، ولنا - إن شاء اللّه - مع هذه البيوع وقفة عندما نصل إلى أبوابها ومسائلها (١). * قوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ سُمِّيَ بَيْعَ خِيَارٍ) (٢). فالمشتري قد يشتري سلعة على خيارٍ لقوله ﷺ : "الْبَيِّعَان بِالْخِيَارِ مَا

стр. 6659

لَمْ يَتَفَرَّقَا" (١)، ومن أنواعه: خيار المجلس (٢)، وخيار الشرط (٣). * قوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُرَابَحَةِ سُمِّيَ بَيْعَ مُرَابَحَةٍ). والمرابحة أيضًا معروفة (٤). * قوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُزَايَدَةِ سُمِّيَ بَيْعَ مُزَايَدَةٍ (٥). قوله: الْجُزْءُ الثَانِي). يشرع المؤلف ﵀ في شرح ما تقدَّم شرحًا وافيًا. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (الْجُزْءُ الثَّانِي إِذَا اعْتُبِرَتِ الْأَسْبَابُ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا وَرَدَ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ فِي الْبُيُوعِ، وَهِيَ أَسْبَابُ الْفَسَادِ العَامَّةِ وُجِدَتْ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمَبِيعِ). كالخمر مثلًا. * قوله: (وَالثَّانِي الرِّبَا، وَالثَّالِثُ الْغَرَرُ) (٦).

стр. 6660

وقد نُهِي عن بعص البيوع لما فيها من الغرر، كنهي الرسول ﷺ عن تلقي الجلب (١)؛ لما فيه من الغرر، كإنسان يعترض طُرق الفلاحين ليصطادهم فيشتري منهم بالرخيص، وبعد ذلك يبيع للناس بأعلى، ويصدق هذا الصنيع مع الذين يقدمون بالتجارة. * قوله: (وَالرَّابِعُ الشُّرُوطُ الَّتِي تَئُولُ إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ لِمَجْمُوعِهِمَا. وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ بِالْحَقِيقَةِ أُصُولُ الْفَسَادِ، وَذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ فِيهَا بِالْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بَيْعٌ لَا لِأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ، وَأَمَّا الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا لأسْبَابٍ مِنْ خَارِجِ، فَمِنْهَا الْغِشُّ). لقوله ﷺ : "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"، وسبب هذا الحديث: أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَام (٢)، فَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِيهَا، فَإِذَا فِيهِ بَلَلٌ، فَقَال: "مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَام؟ "، قَالَ: أَصَابَتْهُ سَمَاءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَهَلَّا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حتى يَرَاهُ النَّاس، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (٣)، وفي رواية: "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا" (٤)، وما أكثر الذين يسلكون هذه المسألك، فتجد كثيرًا من

стр. 6661

أصحاب الخضروات والفواكه يأتي ويضع أحسنها أعلاها، وغير ذلك من أنواع الغشِّ المنتشر في هذا الزمان، نسأل اللّه العافية. * قوله: (وَمِنْهَا الضَّرَرُ). لقوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللَّهُ" (١). * قوله: (وَمِنْهَا لِمَكَانِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَقُّ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ؛ وَمِنْهَا لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةُ الْبَيْعِ، فِي هَذَا الْجُزْءِ أَبْوَابٌ). محرَّمة البيع كما مر: كالخمر والخنزير ونحو ذلك. أما الوقت: كوقت الصلاة لعدم جواز البيع فيها. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْأَعْيَان الْمُحَرَّمَةِ الْبَيْعِ) ولأن الكتابَ مختصرٌ لم يتعرضِ المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - لتعريف البيع، ولا لحكمه، ولا لحكمته، وإن كان حكمه يأتي ضمنًا في هذا الباب. * قوله: (وَهَذِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَجَاسَاتٌ، وَغَيْرُ نَجَاسَاتٍ). فالمبيع لا يخلو من أن يكون نجسًا أو غير نجس، والمنهي عنه قد يكون محرمًا لنجاسته أو لسبب آخر. * قوله: (فَأَمَّا بَيْعُ النَّجَاسَاتِ فَالْأَصْلُ فِي تَحْرِبمِهَا حَديثُ جَابِرٍ، ثَبَتَ فِي"الصَّحِيحَيْنِ" قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا" (٢)). وفي بعض الرِّوايات: "حرَّم" بعود الضمير إلى اللّه ، فهو الذي

стр. 6662

حرم، ورسوله مبلغ عنه ما حرَّمه (١). * قوله: (بَبْعَ الْخَمْرِ). وقد حرمها اللّه ، وحذّر منها، وجعلها من الكبائر، لأنها بلا شك تفسد العقول، وتشغل عن الصلاة، وربما تدفع صاحبها إلى المنكرات. * قوله: (وَالْمَيْتَةِ). وقد حرمها الله في كتابه العزيز تحريمًا قطعيًّا، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وفي هذا الحديث العظيم أربع كلمات تحوي المعاني الكثيرة، ففيه حرم اللّه الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام؛ فالخمر يفسد العقول، والميتة والخنزير يفسدان الأبدان، والأبدان تتغذَّى منها القلوب والعقول فتفسد أيضًا. إذن: فالمحرم الأول يفسد العقول، والثاني والثالث يفسدان الأبدان والقلوب، والرابع أعيان تفسد الأديان، وهي أخطرها وأشرها. * قوله: (وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السّفُنُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا؟ فَقَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتِ الشُّحُومُ عَلَيْهم فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا"). و"اللعنُ": هو الطرد والإبعاد عن رحمة اللّه (٢)، وهم أهل للعنة، ويستحقونها لأسباب كثيرة، منها: تحريفهم الكلم عن مواضعه، وتبديلهم لكلمات اللّه ، واشتراؤهم

стр. 6663

بآيات اللّه ثمنًا قليلًا، واحتيالهم ومخالفتهم أمر اللّه حين نهاهم عن الصيد يوم السبت؛ فهم أهل حيل ومكر وخداع وسفك لدماء الأنبياء. وقد حرم اللّه عليهم شحوم الأنعام فاحتالوا بإذابتها وإسالتها، وتجميلها، ثم بيعها، فاتخذوا الحيل وسيلة إلى مخالفة أمر اللّه واتباع أهوائهم، وهذه وسيلة إلى محرم، وكل وسيلة إلى محرم فإنها محرمة، وما أدى إلى محرَّمٍ فهو محرَّمٌ. * قوله: (وَقَالَ فِي الْخَمْرِ: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا"). وما دام شربها حرام فكذلك بيعها وثمنها، وقد جاء في حديث آخر أنَّ رجلًا أهدى لرسول اللّه ﷺ راوية خمر، فقال له رسولُ اللّه ﷺ : "هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟ " قال: لا، قال: فسارَّ إنسانًا، فقال له رسولُ اللّه ﷺ : "بِما سَارَرْتَه؟ "، قال: أمرتُه ببيعها، قال: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا"، قال: ففتح المزادَ حتَّى ذهب ما فيها (١). ويظهر في الحديث مدى حرص الصحابة ﵃ على سرعة الاستجابة لأمر رسول اللّه ﷺ ، فبعد بيان النَّبِيِّ ﷺ له ما كان منه أن أطلق وكاء تلك المزاد فسأل ما فيها. * قوله: (وَالنَّجَاسَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ). وهذا شروع من المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - في تقسيم النجاسات. * قوله: (ضَرْبٌ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهَا وَهِيَ الْخَمْرُ وَأَنَّهَا نَجِسَة). ولا خلاف بين العلماء في تحريمها، ومن خالف في ذلك فقوله شاذ لا ينظر إليه (٢).

стр. 6664

ويلحق بالخمر كلُّ مسكر، فما ثبت إسكاره يلحق بها على الرأي الصحيح. * قوله: (إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا فِي الْخَمْرِ: أَعْنِي فِي كَوْنِهَا نَجِسَةً (١)، وَالْمَيْتَةُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا الَّتِي تَقْبَلُ الْحَيَاةَ). [والميتة بجميع أجزائها]، أي: من شحم وعظم - وفيه خلاف سيأتي - ثم قيَّد، فقال: [التي تقبل الحياة]؛ لأن الشعر يقبل النمو، فما يتعلق بشعر الميتة فيه خلاف بين العلماء، ولم يتعرض له المؤلف، فالأئمة الثلاثة أبو حنيفة (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): يذهبون إلى أن شعر الميتة ليس بنجس، وذهب الإمام الشافعي إلى نجاسته (٥)، ولذلك قال: [التي تقبل الحياة]، واستدل الشافعية على نجاستها بدليلين: الدليلُ الأولُ: من الأثر، وهو حديث: "ادْفِنُوا الْأَظْفَارَ وَالدَّمَ وَالشَّعْرَ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ"، وهو حديث ضعيف (٦)، لكنَّه دليلهم الأولى.

стр. 6665

أما الدليلُ الثاني: قولهم: أليس اللّه قد حرم الميتة، وأطلق ذلك، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا يتناول جميع أجزائها؛ فيدخل فيها الشعر، لأنه ينمو - لم يقولوا: يتغذَّى - فيكون محرمًا كبقية أجزائه. أمَّا الأئمة الثلاثة: فقالوا: بعدم تحريم شعر الميتة، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: قول اللّه تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، فقالوا: ذكر اللّه هذه الأصناف الثلاثة، وهي متشابهة، ومنها الشعر، وأطلق فلم يفرق بين ما أخذ من حي، وما أخذ من ميت، فدلَّ ذلك على عدم نجاسة الشعر. * قوله: (وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ الَّتِي تَقْبَلُ الْحَيَاةَ). أما الخنزير فإن اللّه قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، واختلف في عود الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، فبعضهم يقول: يعود إلى جميع ما ذكر، وبعضهم يقول: على الخنزير فقط، لأنه أقرب مذكور. والصحيح: أنه عائد على الخنزير فقط فهو رجس نجس بجميع أنواعه وجميع أجزائه، بخلاف ما مرّ من شعر الحيوان المعقول الذي اختُلِف فيه (١). * قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي الانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ، فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَصْبَغُ) (٢).

стр. 6666

[ومنعه أصبغ]، وهو رأي أكثر العلماء حيثُ منعوا الانتفاع بشعره؛ لأن الخنزير كله محرَّم بخلاف الحيوان الذي كان مباحًا ثم حُرم لكونه ميتة، أما هذا فأصله محرم (١). * قوله: (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهِيَ النَّجَاسَاتُ الَّتِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا). والقسم الثاني من النجاسات يدخل تحت قاعدة: "الضروراتُ تبيح المحظورات"، أو قاعدة: "الحاجةُ تنزلُ منزلة الضرورةِ عامَّة كانت أو خاصَّة"؛ فالمحرمات لا تجوز بحال، لكن حال الاضطرار تجوز على قدر الحاجة والضرورة، كالميتة فإنها محرمة لكن لو اضطر إنسان إلى الأكل منها لدفع مضرة الموت عن نفسه لأكل على قدر الحاجة، وقد يوجد مكان يُتعامل فيه بالرِّبا فللمضطر أن يأخذ ما يحتاج إليه على قدر الحاجة؛ لأن الحاجة دعت إلى ذلك. * قوله: (كالرَّجِيعِ وَالزِّبْلِ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الْبَسَاتِينِ). "الزبل": ما يخرج من الحيوانات، ولا شكَّ أنَّ ما يخرج من الحيوانات أخف نجاسة مما يخرج من الإنسان، وبعض العلماء يفرِّق بينهما فيمنع العذرة (أي: ما يخرج من الإنسان)، ويجيز الروث (أي: ما يخرج من الحيوان) من الحيوانات مأكولة اللحم كالأبل والغنم.

стр. 6667

وأكثر العلماء يجيزون الانتفاع بمثل هذه الأشياء من الزبل وغيره، لكنهم يمنعون بيعه (١). * قوله: (فَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا فِي الْمَذْهَبِ). والاختلاف واقع في مذهب الإمام مالك وغيره، فجمهور العلماء على أنه لا يجوز بيعها، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة فجوَّز بيعه، ومنع الشافعي وأحمد بيعها، وهي رواية عن الإمام مالك. وبعض المالكيَّة يفرِّق بين العذرة، والزبل؛ فيرى بعضهم جواز بيع الزبل دون العذرة (٢).

стр. 6668

* قوله: (فَقِيلَ بِمَنْعِهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ بِإِجَازَتِهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعَذِرَةِ وَالزِّبْلِ). وقصد المؤلف هنا الكلام على مذهب الإمام مالك، كما مرَّ تفصيله. * قوله: (أَعْنِي إِبَاحَةَ الزِّبْلِ وَمَنْعَ الْعَذِرَةِ). والذي فرق بينهما هو ابن القاسم من أصحاب مالك، وقائل الرأي الأول هو ابن الماجشون من أصحاب مالك أيضًا (١). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيلِ لاخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا؟). أكثر العلماء يمنع ذلك؛ لأن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ (٢).

стр. 6669

* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ نَابٌ جَعَلَهُ مَيْتَةً، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ قَرْنٌ مَعْكُوسٌ جَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الْقَرْنِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا مَا حَرَّمَ بَيْعَهُ مِمَّا لَيْسَ بِنَجِسٍ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ، فَمِنْهَا الْكَلْبُ وَالسِّنَّوْرِ). انتقل المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - إلى الحديث عن مسألة أخرى تتعلَّق بتحريم بيع بعض الحيوانات، وسُوِّغ الحديث عنها - هنا - لتعلُّقها بالبيع والشراء. وبعض الحيوانات - كالكلب - قد مرَّ الحديث عنها في باب الصيد، وقول الرسول ﷺ : "مَنِ اقْتَنى كَلْبًا ليس بكَلْب صَيْدٍ ولا ماشِيَةٍ ولا أرْضٍ، فإنَّه يُنْقَصُ مِنْ أجْرِه قِيراطَان كلَّ يومٍ" (١)، فاستثنى الرسول ﷺ الكلب ما دام الإنسان في احتياج إليه في الصيد والزراعة. وقد مرَّ علينا أيضًا في كتاب الطهارة الحديث عن القطط. وأنها تختلط بالناس، وربما تعيش في كثير من البيوت، وكانت محرمة الاقتناء في أوَّلِ الأمر حتَّى قال الرسولُ اللّه ﷺ : "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ" (٢). * قوله: (أَمَّا الْكَلْبُ فَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِهِ). فأما الكلب: فاختلفوا في بيعه مع وجود أحاديث صحيحة عن

стр. 6670

الرسول ﷺ تنهى عن بيعِ الكلب، ومن ذلك الحديث المتفق عليه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَان الكَاهِنِ" (١). "ثَمَنِ الكَلْبِ": فلا يجوز أخذ ثمن بيع الكلب. "وَمَهْرِ البَغِيِّ": وهي المرأة الزانية، فكما لا يجوز لها الزنا، فكذلك المال الذي تأخذه من جرَّائه حرامٌ، وسُمِّي مهرًا مجازًا. "وَحُلْوَان الكَاهِنِ": وكذلك أيضًا ما يأخذه الكاهن حرام، وقد قال الرسول ﷺ : "مَنْ أَتَى كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ " (٢)، وفي رواية: "عَرَّافًا" (٣)، ومن أخطر الأمور أن يذهب الإنسان إلى الدَّجَّالين، والكهنة، والسحرة. * قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ أَصْلًا) (٤). وهي رواية عن الإمام أحمد كذلك (٥). * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ) (٦). وفي المسألة روايتان للمالكية (٧):

стр. 6671

الأولى: مع الشَّافعيِّ وأحمدَ. والثانية: مع أبي حنيفة. * قوله: (وَفَرَّقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ بَيْنَ كَلْبِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُه، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلانْتِفَاعِ بِهِ وَإِمْسَاكِهِ). فمَنْ قَالَ بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْكَلْب؛ استدل بأحاديث صحيحة دلَّت على ذلك، كالحديث المتَّفق عَليه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، … " (١)، وحديث آخر: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ (٢) " (٣)، ويوجد أدلة كثيرة في هذا المقام، وصريحة في النهي عن أخذ ثمن الكلب. وفرَّق أصحاب مالك بين كلب الماشية والزرع المأذون في اتخاذه، وبين ما لا يجوز اتخاذه، وقصد المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - أن المالكية فرقوا بين ما يمكن الانتفاع به فيجوز بيعه وأخذ ثمنه ككلب الماشية والصيد والحرث، وما لا يمكن الانتفاع به فيحرم بيعه وأخذ ثمنه (٤).

стр. 6672

ومن الأحاديث الواردة في هذا المقام قول النَّبِيّ ﷺ : "مَنِ اقْتَنى كَلْبًا ليس بكَلْبِ صَيْدٍ ولا ماشِيَةٍ ولا أرْضٍ؛ فإنَّه يُنْقَصُ مِنْ أجْرِه قِيراطَان كلَّ يومٍ" (١)، لَكن مع تعدُّد الروايات الواردة في أن كلب صيد مستثنًى إِلَّا أنها ضعيفة. * قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَرَادَهُ لِلْأَكْلِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَنْ أَجَازَ أَكْلَهُ أَجَازَ بَيْعَه، وَمَنْ لَمْ يُجِزْهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ) (٢). وقد مرَّ أنه لا يجوز أكله مطلقًا؛ لأنَّه يعدُّ من السباع (٣)، ومن ذهب إلى جواز أكله فقد شذّ في هذا.

стр. 6673

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ، فَقِيلَ هُوَ حَرَامٌ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ. فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ). القول الأوَّل للشافعية (١) وأحمد (٢)، والقول الآخر للمالكية (٣) (٤). * قوله: (فَعُمْدَتُهُ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: ثُبُوتُ النَّهْيِ الوَارِدِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والثَّانِي أنَّ الكَلْبَ عِنْدَهُ نَجِسُ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ). نجس العين، لأنَّ الرسول ﷺ - كما مرَّ في أبواب الطهارة - قال في الحديث المتفق عليه: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَاب" (٥) وفي بعضها: "فَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَاب" (٦)، وقد أثبت الطبُّ الحديثُ أن في لُعاب الكلب نجاسة لا يزيلها إِلَّا التراب.

стр. 6674

* قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَا دَلِيلَهُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ فَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ غَيْرُ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ). وعلة قولهم: (طاهر العين)؛ أن اللّه قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، بل إن اللّه لم يأمر بغسل ما أمسك، بل لو كان نجسَ العين ما أباح اللّه أن نأكل ما أمسك، أو لأمرنا أن نزيل ذلك (١). ولكلٍّ دليلُه ووجهتُه التي يتمسَّك بها، لكنَّ الأقربَ الذي يظهر، بل الأقوى: هو ما ذهب إليه الشافعية (٢) والحنابلة (٣) من أنه نجسٌ. * قوله: (فَجَازَ بَيْعُهُ كالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ الْعَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي

стр. 6675

كِتَابِ الطَّهَارَةِ اسْتِدْلَالُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ، وَفِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ اسْتِدْلَالُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ حَلَالٌ. وَمَنْ فَرَّقَ أَيْضًا فَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ لِلْأَكْلِ وَلَا مُبَاحٍ الانْتِفَاعُ بِهِ، إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْحَدِيثُ مِنْ كَلْبِ الْمَاشِيَةِ أَوْ كَلْبِ الزَّرْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ). فاستثناء ذلك للحاجة، وفرقٌ بين الانتفاع به، وبين بيعه، وقد تقدَّمت التفرقة بينهما في مسألة الروث وما أشبهه، وذكرنا: أن جمهور العلماء يجوِّزُون الانتفاع بتلك الأشياء، لكنهم يمنعون بيعها، وكذلك النهي عن بيِع الماء، وقد ورد من حديث أبي ذرّ المتفق عليه أن الرسول ﷺ قال: "ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ … ". وذكر من بينهم: "رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ" (١)؛ ولذلك تكلَّم العلماء عن حكم بيع الماء (٢)، فبعض العلماء

стр. 6676

حرموا بيعه مُطلقًا، وبعضهم دقق في هذا الأمر وفصل، فقال: إن كان الماء يبذل فيه جهد فلا مانع من بيعه، كما نرى الآن في السيارات التي تنقل الماء، أو من يحفر بئرًا وينفق عليها، فالأجر مقابل تلك النفقات كالحال على أخذ الأجرة على الإمامة وتعليم القرآن والأذان وغير ذلك (١). * قوله: (وَرُوِيَتْ أَحَادِيثُ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ). هذا جيِّد من المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - حيث قال: "غير مشهورة"، فالأحاديث المنعوتة بعدم الشهرة ليس دليلًا على ضعفها، لكنها ليست مشهورة كشهرة التي نهت عن البيع، وعند التدقيق فالأحاديث الثلاثة الواردة في النهي عن ثمن الكلب إِلَّا كلب الصيد (٢) قد تكلَّم فيها علماءُ الجرح والتعديل وبينوا

стр. 6677

ضعفها، وعليه فالأحاديث في ذلك ضعيفة (١). * قوله: (اقْتَرَنَ فِيهَا بِالنَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ اسْتِثْنَاءُ أَثْمَانِ الْكِلَابِ الْمُبَاحَةِ الاتّخَاذِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ فَثَابَتٌ). [فثابت]؛ لحَدِيث جَابِرٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَهِ ﷺ "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْب وَالسِّنَّوْرِ" (٢)، وفي رواية: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ فَقَالَ: "زَجَرَ النَّبِيّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ" (٣)، أي: زجر عن أخذ ثمن الكلب والسنور، فهذه أدلَّة صريحة بأنه لا يجوز بيع السنور، وهو رأي جماهير العلماء، ومع ذلك نجد بعض العلماء المحقِّقين ذهبوا إلى جواز ذلك للحاجة. * قوله: (وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إِبَاحَتِهِ، لِأَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ مُبَاحُ الْمَنَافِعِ). وعلَّةُ إباحةِ الجمهور: الموازنة بين ما ورد في النهي وما ورد بعدم نجاستها، وإنما هي من الطوافين؛ فما دامت طاهرة لا يحرم بيعها، ولذلك نجد الإمام البيهقيّ - وهو من الأعلام المحدثين، شافعي المذهب - تكلم في هذه المسألة، وبيَّن أن النهي إنما كان قبل إباحتها حيث كانت السنورات نجسة، فلما جاء الإذن بإباحتها دلّ ذلك على جواز بيعها (٤).

стр. 6678

إذًا فجمهور الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣)، ورواية عن الحنابلة (وهي الرواية المشهورة) (٤) يجوِّزُ بيع السّنور، ولأحمد رواية أخرى ليست مشهورة، وهي عدم جواز بيعها (٥)، والأخذ بظاهر الأحاديث التي نهى فيها رسول اللّه ﷺ عن ثمن السنور. وقد أُثِر ذلك عن بعض التابعين (٦)، وأخذ به بعض المحقِّقين من المذاهب (٧). * قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِلَابِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الزَّيْتِ النَّجِسِ).

стр. 6679

وسبب الاختلاف: تمسُّك كلِّ عالم بما وصل إليه من النصوص الصريحة في هذا الباب، وهذا أكبر شاهد على أنهم وقَّافون عند الدليل ﵏ جميعًا. ثم عاد المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - إلى مسألة الزيت النجس المختلف في بيعه، ومثله - كما مر - شحوم الميتة، فلما سُئل رسول اللّه ﷺ عنها، فَقَالَ: "لَا، هُوَ حَرَام" (١). وهنا اختلف العلماء في الزيوت التي تنجست - أي: خالطتها نجاسة فغلبت عليها فأصبحت نجسة - في جواز بيعها للانتفاع بها، واتفقوا على عدم جواز أكلها (٢). * قوله: (وَمَا ضَارَعَهُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ). فالاتِّفاق على تحريم الأكل فقط، لكن لو اضطر للأكل فالضرورات تبيح المحظورات وتقدر بقدرها، وليس الأكل من الزيت المتنجس بأشد من الميتة. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ النجِسِ (٣)، وَبِهِ قَالَ

стр. 6680

الشَّافِعِيُّ (١)). وكذلك الإمام أحمد (٢). * قول: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إِذَا بَيَّنَ) (٣). وهذا قيد وضعه الإمام أبو حنيفة - رَحِمَةُ الَلهُ -، ولا فائدة له ما دام الإمام يجيز بيع الزيت النجس، اللهم إِلَّا فائدة تعود على المشتري، وهي رفع الحرج عنه في حالة شرائه زيتًا طاهرًا ثم تلبَّث بالنجس، ويجب على البائع حينها أن يبيِّن له الطاهر من المتنجس، وإلا وقع الإثم على البائع لعدم بيانه، وإن لحق بالمشتري ضرر بسبب الأكل منه فالإثم على البائع أيضًا. * قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٤). وَحُجَّةُ مَنْ حَرَّمَهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ). ولكن حديث جابر ليس فيه ذكر الزيت، وإنما ذُكِر فيه الشحم، وهو بمعنى الزيت، فالشحم: ما يستخرج من لحيوان، وبعضه غليظ، وبعضه

стр. 6681

يذاب فيسيل، وقريب منه الزبد أيضًا الذي يستخرج من الحيوان؛ فالزيت إذن بمثابته، وعليه فالمعنى واحد في قول العلماء. والخلاصة: أن الدليل ورد نصًّا في الشحم، وورد قياسًا في الزيت بجامع التقائهما في المعنى. * قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ وَالخِنْزِيرَ (١). وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الشَّيْءِ أَكثَرُ مِنْ مَنْفَعَةٍ وَاحِدَةٍ وَحُرِّمَ مِنْهُ وَاحِدَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحَرَّمَ مِنْهُ سَائِرُ الْمَنَافِعِ). فإذا كان الزَّيت نجسًا حرمَ على الإنسان أن يأكله؛ لما يترتب عليه من الضرر، ولا يجوز لإنسان أيضًا أن يمسَّهُ؛ لأنه نجس، ولكن يجوز بيعه لإنسان لا يمسه، بل ليستفيد منه في الاستصباح. إذن فقد حرم الزيت النجس من عدة منافع وجاز من هذه المنفعة. * قوله: (وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ غَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْحَاجَةِ إِلَى الْمُحَرَّمَةِ، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْخَمْرُ وَالْمَيْتَةُ وَالْخِنْزِيرُ، وَبَقِيَتْ سَائِرُ مُحَرَّمَاتِ الأكلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ: أَعْنِي أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِيهَا مَنَافِعُ سِوَى الْأَكلِ فَبِيعَتْ لِهَذَا جَازَ). إن اللّه إذا حرم شيئًا حرمه لما فيه من الضرر، وهذا الضرر قد يكون عامًّا، وربما يكون ضرره أكثر من نفعه، وربما يكون ضرره أوضح وأبين من نفعه. * قوله: (وَرَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْعَ الزَّيْتِ النَّجِسِ لِيُسْتَصْبَحَ بِهِ) (٢).

стр. 6682

والمعروف عند جماهير العلماء أنه يجوز الاستصباح به، وفرق بين مجرد البيع وبين الانتفاع به كما مرَّ. * قوله: (وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ جَوَازُ الاسْتِصْبَاحِ بِهِ وَعَمَلُ الصَّابُونِ مَعَ تَحْرِيمِ بَيْعِهِ). وتلك دقَّةٌ من المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - حيث قال: "وفي مذهب مالك" (١)، وأزيد: وفي مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) جواز الاستصباح به، ولا يُفهم أن الأئمة الثلاثة قالوا بذلك، وإنما قال به بعض علماء المذهب المحقِّقين (٤)، وهم من نظروا إلى العلة والفائدة وعدم وجود الضرر كما ذكرنا.

стр. 6683

* قوله: (وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا مَعَ تَحْرِيمِ ثَمَنِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ). يقول المؤلف: إن كلَّ تلك التعليلات ضعيفةٌ، لأنه يميل إلى نجاستها، ولا شكَّ أن القول بالنجاسة هو الأحوط، والرسول ﷺ وضع لنا قاعدة ثابتة، وهي قوله: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكُ" (١)، وهذا الحديث يعتبر من القواعد المهمَّة التي يندرج تحتها مسائل كثيرة من الأحكام، فكلُّ أمر مشكوك فيه فاطرحه وخذ ما تيقنت منه. * قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةً أُخْرَى تَمْنَعُ الاسْتِصْبَاحَ بِهِ (٢)، وَهُوَ أَلْزَمُ لِلْأَصْلِ: أَعْنِي: لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ). [ألزم للأصل]، أي: ألصق وأوفق للأصل، والأصل في النهي

стр. 6684

والنجاسات التحريمُ إِلَّا أن يصرفها صارف من التحريم إلى غيره. والمسألة مختلف فيها؛ فالأصل في الأشياء - عند أكثر العلماء - الإباحة حتَّى يرد دليل يحرم، وبعضهم يرى أن الأصل في الأشياء الحذر (١)، وقد وردت أدلة حرمت تلك الأشياء، وحرمت ثمنها. * قوله: (وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَذْهَبِ فِي غَسْلِهِ وَطَبْخِهِ هَلْ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَمُزِيلٌ لَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: جَوَازُ ذَلِكَ، وَالْآخَرُ: مَنْعُه، وَهُمَا مَبْنِيَّان عَلَى أَنَّ الزَّيْتَ إِذَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ هَلْ نَجَاسَتُهُ نَجَاسَةُ عَيْنٍ أَوْ نَجَاسَةُ مُجَاوَرَةٍ؟). والفرق بين النجاستين: أن نجاسة العين أصبحت جزءًا من المتنجس، والنجاسة المجاورة جاورت نجاسة، ويمكن غسل المتنجس - بالنجاسة المجاورة - وإزالة النجاسة منه، وينتهى الأمر كالحال لو وقع شيء في نجاسة ثم غُسِلَ وزالت النجاسة منه، لأنَّها مجرد مجاورة، أمَّا الشيء فطاهر في أصله. * قوله: (فَمَنْ رَآهُ نَجَاسَةً مُجَاوَرَةٍ طَهَّرَهُ عِنْدَ الْغَسْلِ وَالطَّبْخِ، وَمَنْ رَآهُ نَجَاسَةَ عَيْنٍ لَمْ يُطَهِّرْهُ عِنْدَ الطَّبْخِ وَالْغَسْلِ. وَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةُ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ لبَنِ الآدَمِيَّةِ إِذَا حُلِبَ، فَمَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣) يُجَوِّزَانِهِ).

стр. 6685

وهو قول لبعض الحنابلة (١). * قوله: (وَأَبُو حَنِيفَة لَا يُجَوِّزُهُ (٢). وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ أَنَّهُ لَبَن أُبِيحَ شُرْبُهُ فَأُبِيحَ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى لَبَنِ سَائِرِ الْأَنْعَامِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى تَحْلِيلَهُ إِنَّمَا هُوَ لِمَكَانِ ضَرُورَةِ الطِّفْلِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مُحَرَّمٌ؛ إِذْ لَحْمُ ابْنِ آدَمَ مُحَرَّمٌ، وَالْأصْلُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَلْبَانَ تَابِعَةٌ لِلُّحُومِ). يقول المؤلف: لدى الحنفية قاعدة معروفة مسلمة في مذهبهم؛ وهي: أن لم الآدمي محرم، وهذا أمر معروف ليس عند الحنفية وحدهم (٣)، ولكن الخلاف في حالة الضرورة فيما لو وجد إنسانٌ مضطر - قد أشرف

стр. 6686

على الهلاك - ميتةَ إنسان فهل له أن يأكلها أو لا؟ فكلام الفقهاء في غير المعصوم معروف، ولكن في المعصوم مختلف فيه (١)، والمسألة فيها خلاف يرجع إلى قاعدة إزالة الضرر ثم المتفرع عنه، والضرورات تبيح المحظورات، وبعضهم نصّ على استثناء لحم الأنبياء (٢) كما هو معروف في كتب القواعد. * قوله: (فَقَالُوا فِي قِيَاسِهِمْ هَكَذَا الْإِنْسَانُ حَيَوانٌ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُه، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَبَنِهِ، أَصْلُهُ لَبَنُ الْخِنْزِيرِ وَالأتَانِ). [الإنسان حيوان] هذا هو الأصل، لكن يضاف إليه كلمة: نَاطقٌ، فاللّه وهبَهُ العقلَ والنطق، ولهذا تميَّز وارتفع عن الحيوان.

стр. 6687

* قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ تَعَارُضُ أَقْيِسَةِ الشَّبَهِ، وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي كلِّ بَابٍ مَشْهُورٍ لِيَجْرِيَ ذَلِكَ مَجْرَى الْأُصُولِ. الْبَابُ الثَّانِي فِي بُيُوعِ الرِّبَا). هذا الباب من أخطر أبواب الفقه وأشدها وأعظمها، وهي من الأبواب التي ينبغي أن يقف عندها المسلمُ وقفةَ تدبُّر وتأنٍّ، ولأجل ذلك حرص عمر بن الخطاب ﵁ الصحابي الجليل، الخليفة الراشد، ثاني الخلفاء الراشدين، المؤيد بنزول القرآن برأيه - أن لو بيَّن رسول اللّه ﷺ أمورًا للمؤمنين قبل وفاته كبعض مسائل الميراث كالكلالة، وبعض أبواب الرِّبا. أمَّا الرِّبا فأصوله قد بيَّنها اللّه ، وبيَّنها كذلك رسوله ﷺ ، لكن هناك بعض المسائل التي اختُلف فيها كما سيأتي؛ لأجل توسع المعاملات في هذا العصر؛ لتنوعها وتعدُّدها، وتنوُّع الوسائل المستخدمة في المعاملات، فكلٌّ يحاول أن يضع ذرائع وأسبابًا ووسائل ليتوصل عن طريقها إلى إباحة المعاملة. ولا يختلف العلماء في تحريم الرِّبا فاللّه قد حرَّمه في كتابه العزيز صريحًا، وحرَّمه رسول اللّه ﷺ ، وبيَّن ذلك غاية البيان. وعندما نتدبَّرُ جملةً من آيات الرِّبا نعلم مدى عظمة القرآن الذي أنزله اللّه هداية للناس جميعًا يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم كما جاء التنصيص على ذلك، وأن القرآن قد اشتمل على ما فيه خير للناس وسعادتهم ونجاتهم في الحياة الدنيا والآخرة. ولم يفارق رسول اللّه ﷺ هذه الحياة الدنيا، ولم يلحق بالرفيق الأعلى إِلَّا وقد بيَّن لنا ما نحتاج إليه، وأكمل لنا أصول الدين، وبلغنا غاية البلاغ. واللّه عندما يذكر آيات الربا إما أن يقدم لها بآيات الصدقات، وإما أن يوسط ما يتعلق بالإنفاق والصدقات بينها؛ ليكون المؤمن الفطن حذرًا؛ ليعلم الحق من غيره، وليقف على ما في الصدقات من الفضل

стр. 6688

والفضيلة، وما في الربا من الخطورة والشناعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، يقول اللّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]، وقبل أن يذكر هذه الآيات قدَّم لها أيضًا بما يتعلق بالمتصدقين، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وعليه، فليس هناك وقت محدد للإنفاق، فهذا وصف لعباد اللّه الأبرار المتقين الصالحين الذين يخشون اللّه . وقد وعد هؤلاء المنفقين الذين ينفقون أموالهم بالليل وبالنهار في حالة السر والجهر أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وبيَّن الرسول ﷺ فضيلة الصدقة فقال ﵊: "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ" (١)، "تمرة"، أي: ما يساوي تمرة، ولكنه قيده بقوله: "مِنْ كسْب طَيِّب، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ".

стр. 6689

فـ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وصف لأحوال هؤلاء الذين اتسعت بطونهم، وأصابهم الجشع؛ فأكلوا أموال الناس بغير حقٍّ، وهذا وصف دقيق لأحوالهم (آكلو الربا) فيخرجون من قبورهم كالمجانين الذين أصيبت عقولهم، واستولى عليهم الشيطان؛ فيكونون في حالة هستيرية، ولذلك قال الرسول ﷺ في ليلة أُسرِيَ به: "أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِى عَلَى قَوْم بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أكَلَةُ الرِّبَا" (١)، والأدلَّة على ذلك كثيرة. وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾، "يمحق"، أي: يُذْهِبُ الرِّبا ويُزِيله ويُفنيه، وقد يرد سؤال فيقول البعض: نرى المرابين تزداد أموالهم وتكثر يومًا بعد يوم، وتتسعَ، واللهُ يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وهذا أمر قد أجاب عنه العلماء من قديم، وأُثر ذلك عن السلف ﵃؛ لأن معنى المحق ذهاب المال بالكلية. والوجه الآخر: أن الذاهب هو بركةُ المال، فلا يستفيد منه صاحبه، ونرى كثيرًا من المرابين في شقاء وعناء، يلهمث أحدهم ويودُّ لو أعطي واديين من ذهب ولو أعطاه لطلب الثالث، فهذه هي حالهم (٢). وإذا نُزِعت البركةُ من الإنسان بقي في شقاءٍ، ورُبَّما نجد فقيرًا معه

стр. 6690

دراهم قليلة، ولكنه يعيش في سعادة، وراحة، وخير أمر، وخير حال، ولذلك قال الرسول ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا" (١). فهذا هو السعيد، وليست السعادة في جمع المال فقط، ولكن إذا وفَّقه اللّه إلى المالِ وأخذه من كسبٍ حلالٍ، وَأنفقه في أوجه البِرِّ، فإنه سيجد ثمرة ذلك إن شاء اللّه. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (الباب الثاني في بيوع الربا وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّبَا يُوجَدُ فِي شَيْئَيْنِ: فِي الْبَيْعِ، وَفِيمَا تَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ). الرِّبا - كما ذكر المؤلف ﵀ له صور: أولًا: البيع، والبيع الربوي نوعان: وهما معروفان بربا الفضل، وربا النسيئة، وكلاهما يسمَّى ربًا، لكنَّهُما يختلفان، ولذلك نبَّه رسولُ اللّه في ذلك الموقف العظيم كما جاء في حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم (٢)، وغيره كما عند أبي داود (٣) أن الرسول ﷺ عندما خطب الناس قال: "وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا
следующие страницы →