على الهلاك - ميتةَ إنسان فهل له أن يأكلها أو لا؟ فكلام الفقهاء في غير المعصوم معروف، ولكن في المعصوم مختلف فيه (١)، والمسألة فيها خلاف يرجع إلى قاعدة إزالة الضرر ثم المتفرع عنه، والضرورات تبيح المحظورات، وبعضهم نصّ على استثناء لحم الأنبياء (٢) كما هو معروف في كتب القواعد.
* قوله: (فَقَالُوا فِي قِيَاسِهِمْ هَكَذَا الْإِنْسَانُ حَيَوانٌ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُه، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَبَنِهِ، أَصْلُهُ لَبَنُ الْخِنْزِيرِ وَالأتَانِ).
[الإنسان حيوان] هذا هو الأصل، لكن يضاف إليه كلمة: نَاطقٌ، فاللّه وهبَهُ العقلَ والنطق، ولهذا تميَّز وارتفع عن الحيوان.
стр. 6687
* قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ تَعَارُضُ أَقْيِسَةِ الشَّبَهِ، وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي كلِّ بَابٍ مَشْهُورٍ لِيَجْرِيَ ذَلِكَ مَجْرَى الْأُصُولِ. الْبَابُ الثَّانِي فِي بُيُوعِ الرِّبَا).
هذا الباب من أخطر أبواب الفقه وأشدها وأعظمها، وهي من الأبواب التي ينبغي أن يقف عندها المسلمُ وقفةَ تدبُّر وتأنٍّ، ولأجل ذلك حرص عمر بن الخطاب ﵁ الصحابي الجليل، الخليفة الراشد، ثاني الخلفاء الراشدين، المؤيد بنزول القرآن برأيه - أن لو بيَّن رسول اللّه ﷺ أمورًا للمؤمنين قبل وفاته كبعض مسائل الميراث كالكلالة، وبعض أبواب الرِّبا.
أمَّا الرِّبا فأصوله قد بيَّنها اللّه ، وبيَّنها كذلك رسوله ﷺ ، لكن هناك بعض المسائل التي اختُلف فيها كما سيأتي؛ لأجل توسع المعاملات في هذا العصر؛ لتنوعها وتعدُّدها، وتنوُّع الوسائل المستخدمة في المعاملات، فكلٌّ يحاول أن يضع ذرائع وأسبابًا ووسائل ليتوصل عن طريقها إلى إباحة المعاملة.
ولا يختلف العلماء في تحريم الرِّبا فاللّه قد حرَّمه في كتابه العزيز صريحًا، وحرَّمه رسول اللّه ﷺ ، وبيَّن ذلك غاية البيان.
وعندما نتدبَّرُ جملةً من آيات الرِّبا نعلم مدى عظمة القرآن الذي أنزله اللّه هداية للناس جميعًا يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم كما جاء التنصيص على ذلك، وأن القرآن قد اشتمل على ما فيه خير للناس وسعادتهم ونجاتهم في الحياة الدنيا والآخرة.
ولم يفارق رسول اللّه ﷺ هذه الحياة الدنيا، ولم يلحق بالرفيق الأعلى إِلَّا وقد بيَّن لنا ما نحتاج إليه، وأكمل لنا أصول الدين، وبلغنا غاية البلاغ.
واللّه عندما يذكر آيات الربا إما أن يقدم لها بآيات الصدقات، وإما أن يوسط ما يتعلق بالإنفاق والصدقات بينها؛ ليكون المؤمن الفطن حذرًا؛ ليعلم الحق من غيره، وليقف على ما في الصدقات من الفضل
стр. 6688
والفضيلة، وما في الربا من الخطورة والشناعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، يقول اللّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]، وقبل أن يذكر هذه الآيات قدَّم لها أيضًا بما يتعلق بالمتصدقين، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وعليه، فليس هناك وقت محدد للإنفاق، فهذا وصف لعباد اللّه الأبرار المتقين الصالحين الذين يخشون اللّه . وقد وعد هؤلاء المنفقين الذين ينفقون أموالهم بالليل وبالنهار في حالة السر والجهر أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وبيَّن الرسول ﷺ فضيلة الصدقة فقال ﵊: "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ" (١)، "تمرة"، أي: ما يساوي تمرة، ولكنه قيده بقوله: "مِنْ كسْب طَيِّب، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ".
стр. 6689
فـ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وصف لأحوال هؤلاء الذين اتسعت بطونهم، وأصابهم الجشع؛ فأكلوا أموال الناس بغير حقٍّ، وهذا وصف دقيق لأحوالهم (آكلو الربا) فيخرجون من قبورهم كالمجانين الذين أصيبت عقولهم، واستولى عليهم الشيطان؛ فيكونون في حالة هستيرية، ولذلك قال الرسول ﷺ في ليلة أُسرِيَ به: "أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِى عَلَى قَوْم بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أكَلَةُ الرِّبَا" (١)، والأدلَّة على ذلك كثيرة.
وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾، "يمحق"، أي: يُذْهِبُ الرِّبا ويُزِيله ويُفنيه، وقد يرد سؤال فيقول البعض: نرى المرابين تزداد أموالهم وتكثر يومًا بعد يوم، وتتسعَ، واللهُ يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وهذا أمر قد أجاب عنه العلماء من قديم، وأُثر ذلك عن السلف ﵃؛ لأن معنى المحق ذهاب المال بالكلية.
والوجه الآخر: أن الذاهب هو بركةُ المال، فلا يستفيد منه صاحبه، ونرى كثيرًا من المرابين في شقاء وعناء، يلهمث أحدهم ويودُّ لو أعطي واديين من ذهب ولو أعطاه لطلب الثالث، فهذه هي حالهم (٢).
وإذا نُزِعت البركةُ من الإنسان بقي في شقاءٍ، ورُبَّما نجد فقيرًا معه
стр. 6690
دراهم قليلة، ولكنه يعيش في سعادة، وراحة، وخير أمر، وخير حال، ولذلك قال الرسول ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا" (١). فهذا هو السعيد، وليست السعادة في جمع المال فقط، ولكن إذا وفَّقه اللّه إلى المالِ وأخذه من كسبٍ حلالٍ، وَأنفقه في أوجه البِرِّ، فإنه سيجد ثمرة ذلك إن شاء اللّه.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى:
(الباب الثاني في بيوع الربا
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّبَا يُوجَدُ فِي شَيْئَيْنِ: فِي الْبَيْعِ، وَفِيمَا تَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ).
الرِّبا - كما ذكر المؤلف ﵀ له صور:
أولًا: البيع، والبيع الربوي نوعان:
وهما معروفان بربا الفضل، وربا النسيئة، وكلاهما يسمَّى ربًا، لكنَّهُما يختلفان، ولذلك نبَّه رسولُ اللّه في ذلك الموقف العظيم كما جاء في حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم (٢)، وغيره كما عند أبي داود (٣) أن الرسول ﷺ عندما خطب الناس قال: "وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا
стр. 6691
عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ"، وفي بعض الروايات: "أَضَعُ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَذَيْنِ" (١).
وربا الفضل فيه خلافٌ يسير، والخلاف فيه لا يؤثر على تحريمه، فهو خلاف ضعيف، بل هناك شبه إجماع على تحريمه (٢)، أما ربا النسيئة فمجمع على تحريمه قطعيًّا (٣).
* قوله: (فَأَمَّا الرِّبَا فِيمَا تَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ صِنْفَانِ: صِنْفٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ).
وهذا هو أخطر أنواع الرِّبا، وأكثرها فتكًا، وأشرها، وقد حاول أهل الجاهلية أن يلبسوا الحقَّ بالباطل، وأن يقلبوه، بقولهم: إنَّما البيع مثل الربا، لأنه إذا جاز لإنسان أن يبيع السلعة بثمن فيكسب ربحًا، فكذلك يكسب ربحًا عندما يزيد الأجل على المستدين.
وصفته: أن يأتي مُعسِر فيستدينُ من آخر ولا يستطيع السدادَ في الموعد المحدد؛ فيزيد عليه الدائن في القيمة مقابل أن يزيد أجله أكثر، ثم يقول: هذا مقابل هذا، وهذا كذب، وقلب للحقائق، ففيه استغلال لضعف
стр. 6692
هذا الإنسان وشدة حاجته، ولذلك يقول له: أتقضي أم تُرابي.
* قول: (وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّفُونَ بِالزِّيَادَةِ وَيُنْظِرُونَ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ).
هذا كما مر في قولهم: أتقضي أم ترابي.
* قوله: (وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَنَاهُ ﵊ بِقَوْلِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا وَإِنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ" (١)).
"ألا" أداة استفتاح، وهي من المؤكِّدات، و"إنَّ" أيضًا من المؤكِّدات وهي الداخلة على المبتدأ والخبر، والجملة الاسمية من المؤكِّدات، فجاءت عدة تأكيدات أكَّد بها الرسول ﷺ خطورة الرِّبا.
ولم يجامل الرسول ﷺ عمّه في أمر الحق، بل رفع بذلك عمّه مما وقع فيه من ذلك الأمر.
* قوله: (وَالثَّانِي: "ضَعْ وَتَعَجَّلْ"، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ) (٢).
وكثرت هذه المسألة في هذا الزمان، وهي: "ضع وتعجل"، كأن يكون لمؤسسة أو معرض أو شخص مبلغ على إنسان اشترى - مثلًا - سيارة بالتقسيط، أو بيتًا أو أثاثًا، وحدد لذلك أجلًا، فيأتي هذا المدين
стр. 6693
قبل انتهاء الأجل فيذهب إلى الدائن فيقول له: ضع عني شيئًا من هذا المال، وأدفع لك حالًا، فهنا قصر في مدة الأجل، وفي نفس الوقت قلَّل المبلغ، ولو نظرنا إلى أقوال العلماء لوجدنا أن الأكثر يقولون: بعدم الجواز، لكن ليست العبرة أن يكون هذا هو رأي الأكثر، بل العبرة أن يكون هناك دليل صريح على ذلك، وإذا كان عمر ﵁ تحيّر وأشكل عليه وعلى الصحابة بعض أبواب الربا التي لم تنكشف في زمن رسول اللّه ﷺ ، لأن آيات الرِّبا نزلت في أواخر حياة رسول اللّه ﷺ (١)، وبعضهم قيدها بأيام، فعلينا تكون أشكل، فعندما ينسب القول بعدم الجواز لأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور (٢)، نقول: هذا رأي الأئمة، والقول الآخر: هو قول أحمد في رواية عنه (٣).
стр. 6694
والخلاصة: أن أكثر المحققين من العلماء أخذوا بالقول الآخر (١)، وهو مما أذهب إليه حقيقة.
و"ضع وتعجل"، أي: أعطيك حقك قبل أن ينتهي الأجل مقابل أن تخفض عني، وهذا في نظري من باب التيسير، وليس من الرِّبا؛ لأن ذاك أتقضي أم ترابي، وهذا ليس فيه نفع إِلَّا لطرفٍ واحد، لكن في هذه الصورة (ضع وتعجل) حصل النفع للجانبين؛ فتفادى الدائن طول الأجل عليه، واستفاد بالمبلغ بين يديه، واستفاد المدين أيضًا بخفض الدين عليه، فكل منهم مستفيد، ففيه مصلحة للطرفين.
وأما الرِّبا المحرَّم فهو الذي فيه ضرر على أحد الطرفين؛ لأن المرابي هو المستفيد، والمدين هو المتضرر.
* قوله: (وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ: وَأَمَّا الرِّبَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ صِنْفَانِ: نَسِيئَةٌ وَتَفَاضُلٌ).
جاءت عدّة أحاديث في ذلك، منها:
حديث عبادة بن الصامت بروايات متعددة عن الرسول ﷺ ، وكذلك أيضًا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه (٢)، وهو صريح في تحريم الرِّبا، لكنَّ النصَّ جاء في أمور ستة فقط: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ
стр. 6695
بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ"، ثم قال: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَان يَدًا بِيَدٍ" (١)، أي: إذا اختلفت في ربَا الفضلِ، وقال قبلها: "مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى" (٢)، أي: دخل في الرِّبا.
و"النسيئة": من النَّسَا، أي: التأجيل، وهذا أمر ليس فيه خلاف بين العلماء، فأمره ظاهر، وحديث رسول اللّه ﷺ فيه ظاهر، وكتاب اللّه قد وضّح هذا الأمر.
و"ربا الفضل"، أي: الزيادة، أي: أن تبيع صنفًا بصنف، وهذا لا يجوز، لقوله ﷺ : "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ"، لكن لو بعت صنفًا بصنف دون زيادة فذلك لا يضر.
"مِثْلًا بِمِثْلٍ"، أي: فيما يتعلَّق بربا الفضل، و"يَدًا بِيَدٍ"، أي: تحذير من ربا النسيئة، فلا تؤجل ربا النسيئة، ثم قال: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ" هل هناك خلافٌ في حكم ربا الفضل؟ أو هل هناك من العلماء من قال بأن ربا الفضل جائز أو لا؟
الجواب: أُثِر عن عبد اللّه بن عباس، وعن أسامة بن زيد (٣)، وعن عبد اللّه بن عمر (٤)، وعن عبد اللّه بن الزُّبَير (٥) أنهم قالوا بجواز ربا الفضل (٦)، فهذا أثر لكن الذي صحَّ هو ما عند عبد اللّه بن عباس من أنه كان يرى أن الربا في النسيئة فقط (٧)، وهو الذي روى حديث أسامة بن
стр. 6696
زيد عن رسول اللّه ﷺ ، فقال ﷺ : "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" (١).
"لَا": حرف نفي، "رِبًا": نكرة في سياق نفي، والنكرة في سياق النفي، أو في سياق النهي تعمّ، فالمفهوم إذن أن الربا لا توجد إِلَّا في النسيئة، وأن ما عدا النسيئة لا ربا فيه.
والاستدلال بهذا الحديث عن طريق المفهوم أيضًا، وقد حكي عنه ﵁ أنه لما بلغه ما قاله عمر بن الخطاب ﵁ وابنه عبد اللّه، قال: حفظتم عن رسول اللّه ﷺ ما لم أحفظ (٢)، وهذا يدل على ضعف ما نسب إلى عبد اللّه بن عمر من أنهما أفتيا بتحريم ربا الفضل.
وكذلك ما أثر عنهم من نصح أبي سعيد الخدري فقد حكي عنه: أنه قال: اتقِ اللّه يا ابن عم رسول اللّه إلى متى وأنت تفتي الناس بالربا، فقال: أستغفر اللّه وأتوب إليه (٣).
أما جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث، وأهل
стр. 6697
الفقه، وعامة العلماء، فقد اتفقوا على أن ربا الفضل محرم، وأنه لا يجوز التعامل به، وأجابوا على حديث عبد الله بن عباس بعدة أجوبة:
أولها: قالوا بأن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" منسوخ، والدليل على نسخه: إجماع العلماء على ذلك (١)؛ ولا بد للعلماء من الاستناد إلى دليل، وهذا الدليل لا يخلو من أن يكون مذكورًا، أي: متلفظًا به، أو مسكوتًا عنه؛ فإجماع العلماء هو الدليل على نسخه، وهذا قول.
الجوابُ الثاني: أن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة"، محمول على اتِّفاق الأجناس، فإذا اختلفت الأجناس فلا ربًا؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الْأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ"، ثم قال: "إِذَا كَانَ يَدًا بيَدٍ"، فقيَّد في ربا النَّسيئة، وأطلق فيما يتعلَّق بربَا الفضل، فتبينا أن الزيادة لَا تضر إذا اختلفت الأجناس، فلو بعت ذهبًا بفضة مع التفاضل لا يضر، أو قمحًا بتمر فلا يضر، إنما الخلاف إذا تماثل الصنفان. وبعض العلماء يرى القمح والشعير صنفًا واحدًا.
الجواب الثالت: منهم من قال: إن حديث ابن عباس: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" مجملٌ، والأحاديث الأخرى كحديث عبادة وحديث عمر بن الخطاب مقيدة ومبينة له، والمجمل دائمًا يُرَدُّ إلى المبين.
الجواب الرابع: أن حديث عبادة وعمر وغيره قال بها جمع من الصحابة، بل رواها جمع من الصحابة، وحديث ابن عباس لم يروه إِلَّا ابن عباس فقط، وخطأ الواحد أقرب من خطأ الجماعة، فالأحاديث التي أخذ بها عموم الصحابة ومن بعدهم أولى بأن تقدم.
الجواب الخامس: أنهم قالوا: إن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" ليس على بابه، كقولك: دخلت القرية فلا أفضل من زيد فيها، وكقولك: لا رجلًا فاضلًا فيها إِلَّا فلان، فهل نُفِي الفضل بهذه المقولة؟
الجواب: لا، لم ينفَ، كقولنا: هذه البلدة لا عالم فيها إِلَّا فلان،
стр. 6698
والمعنى: أنه لا أفضل من فلان في العلم، لكن لا ينفي ذلك العلم، إذن معنى قوله: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" أن هذا هو الأخطر والأشد.
الجواب السادس: قولهم: إن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَة" له منطوق (١) ومفهوم (٢)، فمنطوقه نصًّا في تحريم ربا النسيئة، ومفهومه يجوِّز ربا الفضل، وقد دلَّت أحاديث كثيرة نصًّا على تحريم ربا الفضل، فهل نأخذ بمفهوم حديث، وندع منطوقَ أحاديث صحيحة رواها جمع من الصحابة نقلها عنهم جماعة من الثقات؟!
إذن هذه مرجحات ستة ذكرها العلماء، وبذلك يتبين أن ربا الفضل حرام لا يجوز التعامل به، ثم ما حُكِي عن ابن عباس، فقد نقل عنهم أنه رجع عن ذلك كما في قصته مع عمر وابنه ﵄، وقصته مع أبي سعيد الخدري ﵁.
وليس هناك دليل قطعي ببقاء ابن عباس على ذلك الرأي، وإنما المذكور أنه عندما أخبره الصحابة بذلك، وناقشوه في هذا الأمر رجع عن ذلك، ولكن هناك من يصرُّ على أن ابن عباس مات وهو على رأيه هذا! فاللّه المستعان.
وهذه جملة من الأجوبة التي ذكرها العلماء لترجيح مذهب جماهير العلماء، ورد القول بجواز ربا الفضل.
وبهذا ننتهي إلى تحريم كلٍّ من ربا الفضل وربا النسيئة، ويبقى بيان أنهما ليسا على درجة واحدة، فلا شكَّ أن ربا النسيئة أخطر؛ لأنه حُرِّم قصدًا، أما ربا الفضل فحُرِّم، لأنه وسيلة إلى ربا النسيئة. فهذه الزيادة توصل في النهاية إلى ربا النسيئة، كأنه سلك طريق ربا النسيئة.
стр. 6699
* قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ إِنْكَارِهِ الرِّبَا فِي التَّفَاضُلِ لِمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ"، وَإِنَّمَا صَارَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الرِّبَا فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ ﷺ . وَالْكَلَامُ فِي الرِّبَا يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ).
ومن شأن المؤلِّف ﵀ كُلَّما أراد أن يشرعَ في باب من الأبواب، رتَّبه في جمل، وربما في فصول، أو مسائل، ثم يأخذ بالأمهات ولا يُعنى كثيرًا بالفروع.
* قوله: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاء، وَتَبْيِينُ عِلَّةَ ذَلِكَ).
والباب معقود لمعرفة ما يجوز فيه التفاضل وما لا يجوز، كأن يبيع إنسان فرسًا بفرسين، أو يبتاع عبدًا بعبدين، وقد فعل رسول اللّه ﷺ ذلك.
ونحن بحاجة إلى أن نتعرف إلى علل الرِّبا التي من أجلها حُرِّم الرِّبا، فهي تختلف بلا شكٍّ بين النقدين وبين غيرهما، وأهل الظاهر يقيمون حجة على الجمهور، فيقولون: إذا لم تتوصلوا إلى معرفة العلة فكيف تقومون بتحريم أمور لم يحرمها اللّه في كتابه ولا رسوله ﷺ كما سيأتي في تحريم ما عدا الأصناف الستة المذكورة آنفًا كالأرز، والقطن، وكثير من المأكولات، والمعاملات، وما يقال من أن علَّة النقدين مثلًا هي الوزن، قد يردُّها الجميع؛ لأنهم سيقولون: إن الأوراق النقدية ليس فيها ربًا، لكن الصحيح أن العلَّةَ هي الثمن، وإذا قلنا بأن الثمن هو العلة دخل في ذلك كُلُّ معاملة.
* قوله: (الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ).
فأحيانًا يجوز التفاضل عندما تختلف الأصناف كذهب بفضة، أو تمر بشعير، أو قمح بتمر، فاختلاف الأصناف حينئذٍ يجوّز التفاضل، وهو أخف من ربا النسيئة.
стр. 6700
* قوله: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا. الرَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا).
يريد المؤلف - رَحِمَةُ الَلهُ - أن يبين طرق معرفة ما يعدُّ صنفًا واحدًا، ممَّا لا يعدُّ صنفًا واحدًا، كالقمح والشعير مثلًا فبعضهم يقول: هما صنفَان، وبعضهم يعارِضُ ذلك ويقول: هما صنفٌ واحد لاتِّفاق الصفة الموجودة فيهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ الأَوَّلُ:
فِي مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ).
أي: التي لا يجوز فيها ربا الفضل، ولا يجوز فيها ربا النسيئة، ويُقْصَد بالتفاضل: ربا الفضل، ويحدث في بعض الأنواع عند اتِّحاد جنسها مع وجود تفاوت بينها، لكن إذا كانت مِثلًا بمِثلٍ، انتفت عنها صفة الربوية، وإذا اختلفت أيضًا الأجناس فلا مانع من وجود تفاضُل بينهما.
أمَّا ربَا النسيئة: فمصيبته التأجيل، وكلُّ ذلك نصَّ عليه رسول اللّه ﷺ .
* قوله: (وَتَبْيِينِ عِلَّةِ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّفَاضُلَ وَالنَّسَاءَ مِمَّا لَا يَجُوزُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الْأَصْنَافِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ).
فإذا وُجِدَ صنفانِ متَّحدان فقد يجمعان ربا النسيئة والفضل عندما لا يحصل التساوي، فلو بِيع ذهب بذهب متساويًا انتفى الربا، وسيأتي مسألة اختلف فيها العلماء، وهي: بيع الحلي بمثله من الذهب، أي: متساويًا، فاختلفوا في الصنعة، فبعض العلماء يرى أن الزيادة في المصنوع لا مانع
стр. 6701
منها مقابل الصنعة والجهد والوقت الذي بُذِل في ذلك، أو أنه لا يجوز، وسيأتي التفصيل في المسألة في حديث القلادة الذي ذكر بين يدي رسول اللّه ﷺ كما جاء في "صحيح مسلم" (١)، وبعض السنن (٢).
والأصناف السِّتَّة هي: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والمِلح بالمِلح، قد نجد علة هذه الأصناف الستة في غيرها، ولا شك أن الدليل قياسيًّا، فهل القياسُ معتبر شرعًا؟ سيأتي تفصيل ذلك.
ربَا الفضل مردود وقد أجبنا عن حديث: "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ" من ستة أوجه.
* قوله: (إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ هُوَ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى") (٣).
معنى: "إِلَّا سَواءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ"، أي: متساوية مِثلًا بمِثل، وعينًا بعَين، أي: يدًا بيد ولا بد من وجود التساوي في هذا، وإذا لما يحصل تساوٍ فهو ربا الفضل، وإن لم يتمَّ القبض فهو ربا النسيئة.
"فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى"، أي: من زاد عن ذلك فقَد وقع في الرِّبا، أي: من طلب الزيادة، وهذا هو حال المرابين، فهم محتالون، والرسول ﷺ حذَّر أُمَّته أن تسلُكَ مسلك الحِيَلِ، فإن ذلك طريق اليهودِ.
"فَقَدْ أَرْبَى"، أي: دخل في الربا.
стр. 6702
* قوله: (فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ هَذه الْأعْيَانِ).
هذا الحديث نصًّا في ربا الفضل، وكذلك أيضًا فيه دلالة على ربا النسيئة.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْعُ النَّسِيئَةِ فِيهَا فَثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ مَا حَدِيثٍ).
الضمير في قوله: "فيها" يعود إلى الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة.
* قوله: (أَشْهَرُهَا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ") (١).
"الذَّهَبُ بالذَّهَب رَبًا"، يعني: يقعُ فيها الربا، "إلَّا هاء وهاء"، معناها لغة: اسم فعل أَمر بمعنى: خذ؛ وهناك ما يعرف باسمِ الفعلِ، وقد يكون اسم فعل ماضٍ، أو اسم فعل مضارع، أو اسم فعل أمر، وفيه إشارة إلى التحذير من ربا النسيئة.
والمعنى: خذ هذه السلعة، وهات الثمن، أو خذ الثمن، وهات السلعة، وبذلك يزول الربا ولا يقع، أي: لا تبيع ذهبًا بذهب متفاضلًا، ولكن إذا تساويا فلا مانع إِلَّا ما يتعلق بقضية الحليّ.
* قوله: (فَتَضَمَّنَ حَدِيثُ عُبَادَةَ مَنْعَ التَّفَاضُلِ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ).
وفيه إشارة أيضًا إلى ربا النسيئة.
стр. 6703
قوله: (وَتَضَمَّنَ أَيْضًا حَدِيثُ عُبَادَةَ مَنْعَ النَّسَاءِ فِي الصِّنْفَيْنِ مِنْ هَذِهِ، وَإِبَاحَةَ التَّفَاضُلِ، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ).
فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيفما شِئتم، "إِذَا كَانَتْ يدًا بيَدٍ"، أي: إذا كان ذهب ببُرٍّ، أو فضَّة بتمر، فلا مانع إذن من التفاضل، وَهكذا يزول ربا الفضل، ويبقى ربا النسيئة.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِيهَا بَعْدَ ذِكْرِهِ مَنْعَ التَّفَاضُلِ فِي تِلْكَ السِّتَّةِ "وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ).
والوَرِق هو: الفِضَّة.
* قوله: (كيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ"، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ إِلَّا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ).
كل تلك الأصناف الستة عند اختلاف الأجناس يزول عنها ربا الفضل إِلَّا بيع القمح بالشعير؛ فيرون أنهما شيء واحد.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى هَذِهِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ: إِنَّمَا يَمْتَنِعُ التَّفَاضُلُ فِي صِنْفٍ صِنْفٍ مِنْ هَذه الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ فَقَط (٥).
وقوله: [فقال قوم منهم أهل الظاهر] (١)، أي: أنه يوجد معهم غيرهم، ولا ينفردون به؛ فقد قال به جماعةٌ من التابعين، منهم الإمام طاوس والإمام قتادة (٢).
стр. 6704
قوله: (وَأَنَّ مَا عَدَاهَا لَا يَمْتَنِعُ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ، مِنْهَا التَّفَاضُلُ).
يريد أصحاب هذا الرأي أن يقصروا ربا الفضل في هذه الأمور الستة فقط، ودليلهم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأن رسول اللّه ﷺ بَيَّن لنا الأمور التي يحصل فيها الربا؛ فذكر هذه الأمور الستة، ونحن لو زدنا عليها، فسنخالف كتاب اللّه في قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، فهذه الأمور الخارجة عن الستة مباحة؛ لأنه لم يَرِدْ دليلٌ بتحريمها.
وردَّ عليهم جمهور العلماء بجزءٍ من الآية، حيث قالوا: إن اللّه قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ولم يقيد الربا بهذه الأمور الستة، وبالرجوع لمعنى الربا وهو الزيادة (١)، نقول: إذا وُجِدَتِ الزيادة في أصنافٍ أخرى تلتقي مع هذه الستة في العلة، فستأخذ نفس حكمها بأنها ربا.
قوله: (وَقَالَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا: إِنَّ النَّسَاءَ مُمْتَنِعٌ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ فَقَطْ، اتَّفَقَتِ الْأَصْنَافُ أَوِ اخْتَلَفَتْ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَق عَلَيْهِ (أَعْنِي: امْتِنَاعَ النَّسَاءِ فِيهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ) إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ، جَازَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ مَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ).
هذا قولٌ مردودٌ عليه؛ لأن الأدلة الصريحة الصحيحة تردُّه.
قوله: (فَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا النَّهْيَ الْمُتَعَلِّقَ بِأَعْيَان هَذِهِ السِّتَّةِ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصّ، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ).
فقولهم بأن هذا خاصٌّ أريد به الخصوص، معناه أن العلةَ قاصرةٌ،
стр. 6705
والجمهور - ومن ضمنهم الأئمة الأربعة (١) - يرون أنه خاصٌّ أُرِيدَ به العموم؛ وأن المجال أوسع، وبعبارةٍ أخرى: الحديث نطق بأمورٍ ستةٍ، فتوقف أهل الظاهر ومَنْ قال بمذهبهم عند المنطوق، بينما زاد عليه الجمهور كلَّ ما وُجدَتْ فيه تلك العلة.
(وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الْعَامِّ الَّذِي وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بِهَذهِ الْأَصْنَافِ (أَعْنِي: فِي مَفْهُومِ عِلَّةِ التَّفَاضُلِ، وَمَنْعِ النَّسَاءِ فِيهَا).
أي: أن الجمهور اختلفوا في العلة الربوية الموجودة في الأصناف الستة، وذلك على قسمين:
الأول: النقدين (٢): هل العلة فيهما الوزن أو الثمنية.
стр. 6706
الثاني: الأربعة الباقية (١): هل العلة فيها الطُّعم (أي: ما لا بد للإنسان من أَكْله، وأن يكون له طعمٌ)، أو القوت والادخار، أو الكيل، وهذا ما سيتحدث عنه المؤلف بالتفصيل مع ذِكْرِ أصحاب كل قولٍ.
قوله: (فَالَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُذَّاقُ الْمَالِكِيَّةِ (٢) أَنَّ سَبَبَ مَنْعِ التَّفَاضُلِ أَمَّا فِي الْأَرْبَعَةِ: فَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنَ الْمُدَّخَرِ الْمُقْتَاتِ).
وقالوا: إن سبب ذلك كَوْن هذه الأقوات يحتاج إليها الناسُ في حياتهم اليومية، ولا يستغني عنها أيُّ إنسانٍ، وأما كونها مدخرةً أي: أن تبقى صالحةً للوقت التي يُحْتاج إليها (٣).
قوله: (وَقَدْ قِيلَ: الصِّنْفُ الْوَاحِدُ الْمُدَّخَر، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَاتًا).
أي: أن هناك في المذهب مَنْ يقتصر على شرط الادخار فقط (٤).
стр. 6707
قوله: (وَمِنْ شَرْطِ الادِّخَارِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي الْأكثَرِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ (١): الرِّبَا فِي الصِّنْفِ الْمُدَّخَرِ، وَإِنْ كَانَ نَادِرَ الادِّخَارِ).
وهذا خلافٌ في المذهب.
قوله: (وَأَمَّا الْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ فِي مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَهُوَ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِمَا رُؤُوسًا لِلْأَثْمَانِ، وَقِيَمًا لِلْمُتْلَفَاتِ).
أي: أنَّ العلة عندهم في النقدين إنما هي الثمنية (٢)، وفسروها بأنها رؤوس الأموال، أو قيم الأموال، وهذا أمر معروفٌ، فعروض التجارة إنما تُقوَّم بالنقدين، وهي أيضًا رؤوس الأثمان، فهي التي يتعامل بها الناس، ولو حدث خللٌ، فالقيمة إنما تُقدَّر بهما.
قوله: (وَهَذهِ الْعِلَّةُ هِيَ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَهُمْ بِالْقَاصِرَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَهُمْ فِي غيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ).
وذلك لأن الثمنية لا نجدها إلا في النقدين وما كان في حكمهما، كالورق والقروش، إذ تعتبر نوعًا من النقدين، ومنه كانت العلة في النقدين
стр. 6708
قاصرةً؛ لأن الذهب والفضة وغيرها من النقود تعتبر أثمانًا للأشياء، أما غيرها فتُعدُّ سلعًا وليست أثمانًا.
(أَمَّا عِلَّةُ مَنْعِ النَّسَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (١) فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَهُوَ الطُّعْمُ وَالادِّخَارُ دُونَ اتِّفَاقِ الصِّنْفِ).
ذكر في الأول ربا الفضل، وثنَّى هنا بربا النَّساء، والأصل فيه التأجيل، وهنا يضيفون إليه الطُّعم؛ لأنه ليس كل شيء يحصل فيه ربا النسيئة، وليس شرطًا اتفاق الصِّنف كما ذكر.
قوله: (وَلذَلِكَ إِذَا اخْتَلَفَتْ أَصْنَافُهَا، جَازَ عِنْدَهُمُ التَّفَاضُلُ دُونَ النَّسِيئَةِ).
كما في الحديث: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كانَ يَدًا بِيَدٍ" (٢).
قوله (وَلِذَلِكَ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ عِنْدَهُمْ فِي الْمَطْعُومَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مُدَّخَرَةً، (أَعْنِي: فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْهَا)، وَلَا يَجُوزُ النَّسَاءُ).
أيْ: كالفَواكه والخَضْروات، لكن أصبحوا الآن يُجفِّفون كلَّ شيءٍ ويُعلِّبونه؛ فهل يبقى الحكم على ما كان أم يتغير؟
قوله: (أَمَّا جَوَازُ التَّفَاضُلِ، فَلِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مُدَّخَرَةً، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الادِّخَارَ شَرْطٌ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا مَنْعُ النَّسَاءِ فِيهَا، فَلِكَوْنِهَا مَطْعُومَةً مُدَّخَرَةً، وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ الطُّعْمَ بِإِطْلَاقٍ عِلَّة لِمَنْعِ النَّسَاءِ فِي الْمَطْعُومَات).
стр. 6709
انتهى من الكلام عن مذهب المالكية، وسيبدأ بذكر أقوال الشافعية وغيرهم.
(وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَعِلَّةُ مَنْعِ التَّفَاضُلِ عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ الطُّعْمُ فَقَطْ مَعَ اتِّفَاقِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ).
الشافعية يوافقون المالكية في أن العلة في النقدين إنما هي الثمنية (١)، وهذا أمرٌ ظاهرٌ، وأما بالنسبة إلى المطعومات، فيَرَوْن أن العلة إنما هي الطُّعم فقط، وأن الطُّعم أمر ضروريّ في المأكولات، والمالكية (٢) يرون القوت، والقوت قريب من الطعم.
قوله: (وَأَمَّا عِلَّةُ النَّسَاءِ، فَالطُّعْمُ دُونَ اعْتِبَارِ الصِّنْفِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ).
لأن الصنف لا أثر له، اتفقت الناس أو اختلفت إنما المهم هنا هو التفاضل بالنسبة له.
قوله: (وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ (٣): فَعِلَّةُ مَنْعِ التَّفَاضُلِ عِنْدَهُمْ فِي السِّتَّةِ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ مَعَ اتِّفَاقِ الصِّنْفِ).
[الكيل أو الوزن … ]؛ لأنه جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بالْوَرِقِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ" (٤)، كما ورد أيضًا حديثًا آخَر فيه إشارةٌ إلى الوزن، وعلَّة ذلك الوزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، والكيل أيضًا مثلًا بمثلٍ إذا كان
стр. 6710
نوعًا واحدًا، فإذا اختلف النوع فلا بأسَ به، والحديث: "ما وُزِنَ مِثْلٌ بمِثْلٍ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، وَمَا كيلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَان فَلَا بَأْسَ بِهِ" (١)، وهو حديث ضعيف، ولكن حديث عُبَادة يشهد له.
قوله: (وَعِلَّةُ النَّسَاءِ فِيهَا اخْتِلَافُ الصِّنْفِ مَا عَدَا النُّحَاسَ وَالذَّهَبَ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ (٢)، وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي عِلَّةِ مَنْعِ التَّفَاضُلِ وَالنَّسَاءِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (٣)).
وكذلك أحمد في الرواية الأخرى، فالعلة إنما هي الثمنية، وهي الأقوى (٤).
قوله: (أَعْنِي أَنَّ كوْنَهُمَا رُؤُوسًا لِلأثْمَانِ، وَقِيَمًا لِلْمُتْلَفَاتِ).
كونها رؤوس الأموال، هذا أمرٌ مسلَّم، وهي كذلك قيم المتلفات، فأيُّ سلعةٍ تتلف ويلحقها ضررٌ إنما يُعوَّم النقص أو التلف عن طريق النقدين أو أحدهما، وكذلك هي رؤوس الأموال، فالإنسان يعرف مالَه بالنقدين، كما نرى أنَّ أصحاب عروض التجارة في آخر العام يُقوِّمونها بالنقدين كي يُخْرجوا الزكاة.
قوْله: (هُوَ عِنْدَهُمْ عِلَّةُ مَنْعِ النَّسِيئَةِ إِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْف، فَإِذَا
стр. 6711
اتَّفَقَا مُنِعَ التَّفَاضُلُ (١)، وَالْحَنَفِيَّةُ تَعْتَبِرُ فِي الْمَكِيلِ قَدْرًا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ (٢)، وَسَيَأْتِي أَحْكَامُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِمَا يَخُصُّهَا فِي كِتَابِ الصَّرْفِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمَقْصُودُ هُوَ تَبْيِينُ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي عِلَلِ الرِّبَا الْمُطْلَقِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَذِكْرُ عُمْدَةِ دَلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَنَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ قَصَرُوا صِنْفَ الرِّبَا عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، فَهُمْ أَحَدُ صِنْفَيْنِ، إِمَّا قَوْمٌ نَفَوُا الْقِيَاسَ فِي الشَّرْعِ (أَعْنِي: اسْتِنْبَاطَ الْعِلَلِ مِنَ الْأَلْفَاظِ)، وَهُمُ الظَّاهِرِيَّةُ).
أهل الظاهر لا يرون القياس بجميع أنواعه، ويرون أن القياسَ تحكيمٌ للعقل، وشرعُ اللّه دينٌ، والدين لا يُحْكم فيه العقل (٣)، لكن الذين يأخذون بالقياس يعتبرونه دليلًا شرعيًّا (٤)، واللّه ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، والاعتبار إنما هو المقايسة.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللّه، وُلدَ لي غلامٌ أسود، فقال: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ "، قال: نعم. قال: "مَا أَلْوَانُهَا؟ ". قال: حمر. قال: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ". قال: نعم. قال: "فَأَنَّى
قوله: [واتفاق القدر]، أيْ: تماثل الصِّنف.
وهذه الرواية لم أقف عليها، وحديث أبي سعيدٍ ﵁ في "الصَّحيحين" وغيرهما أن الرسول ﷺ بعَث أخا بني عديٍّ الأنصاري، واستعمله على خيبر، فقدم بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال له رسول اللّه ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قال: لا، واللّه يا رسول اللّه، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجَمْع، فقال رسول اللّه ﷺ : "لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ المِيزَانُ" (١)، هذا هو الحديث الذي ورد في "الصحيحين"، وقد ذكر الكيل في هذا المقام، وفي آخره قال: "وَكَذَلِكَ الوَزْنُ"، فاحتج به الحنفية على اعتبار الكيل والوزن في علل الربا (٢)، وهذا الحديث سيأتي أيضًا حُجَّةً للشافعية الذين انفردوا من بين جمهور العلماء، فأجازوا بيعَ العِينَةِ (٣).
قوله: (رَأَوْا أَنَّ التَّقْدِيرَ (أَعْنِي: الكَيْلَ أَوِ الوَزْنَ) هُوَ المُؤَثِّرُ فِي الحُكْمِ كتَأْثِيرِ الصِّنْفِ، وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ لَيْسَتْ مَشْهُورَةً فِيهَا تَنْبِيةٌ قَوِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الكَيْلِ أَوِ الوَزْنِ).
ليس المراد أنَّ تلك الأحاديث ترتقي إلى درجة المشهور، والأحاديث - كما هو معروفٌ عند المُحدِّثين - مقسمةٌ من حيث عدد رواتها إلى:
الحديث المتواتر (٤): وهو الذي يرويه جمعٌ غفيرٌ عن مثله تحيل العادة تواطئهم واتفاقهم على الكذب.
стр. 6716
حديث الآحاد (١): وهو ما لم يجمع شروط التواتر، ويدخل فيه المشهور والعزيز والغريب، والحديث المشهور: وهُوَ الذي يرويه ثلاثةٌ فأكثر في كل طبقةٍ من طبقات السند، ما لم يبلغ حدَّ التواتر، وليس قصده بغير المشهورة هنا تعريف المشهور عند أهل الحديث، وإنما قصده بغير المشهورة أنها غير صحيحةٍ.
لكن مما استدل به الحنفية من الأحاديث الصحيحة: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَب، وَلَا الوَرِقَ بِالوَرِقِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ" (٢)، وكَذلك لما جاء في روايات حديث عُبَادة من ذِكْرِ الوزن والكيل.
قوْله: (مِنْهُمْ: أَنَّهُمْ رَوَوْا فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ المُسَمَّيَاتِ المَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ زِيَادَةً، وَهِيَ: "كَذَلِكَ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ").
كلمة: [مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ]، جاءت في حَدِيثٍ لإسحاق ولغيره (٣)، وقد تكلم العلماء عنها من حيث الصِّحَّة والضعف، ورجحوا ضَعْفها، وبعضها رواه ابن عديٍّ في "كامله" (٤).
قوله: (وَفي بَعْضِهَا: "وَكَذَلِكَ المِكْيَالُ وَالمِيزَانُ" (٥).
стр. 6717
ولكن العلماء نقدوا هذا من حيث السند والحجة لهم (١).
قوله: (هَذَا نَصٌّ لَوْ صَحَّتِ الأَحَادِيث، وَلَكِنْ إِذَا تُؤُمِّلَ الأَمْرُ مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى ظَهَرَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ عِلَّتَهُمْ أَوْلَى العِلَلِ).
وهذا هو الصحيح، يعني أن المؤلف هنا ليس لديه دليلٌ قطعيٌّ للقول بأن الحق في مذهب الحنفية، لكنه يقول: إذا نظرنا إلى المعاني التي تدور حولها العلل، وجدنا أن مذهبَ الحنفية أقربُ للصواب.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ يَظْهَرُ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّ المَقْصُودَ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا إِنَّمَا هُوَ لِمَكَان الغَبْنِ الكَثِيرِ الَّذِي فِيهِ).
أي: أننا لو نُدقِّق ونُركِّز في الآيات التي حرم اللّه ﵎ فيها الربا، نجد أنه فيه استغلال طرفٍ لطرفٍ آخر، وهذا الذي يستغل إنما يأخذ حق أخيه المسلم، والرسول ﷺ يقول: "كلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُه، وَمَالُه، وَعِرْضُهُ" (٢).
إذًا، هذا هو مقصد الشريعة، ولا شك أن الربا فيه غبنٌ، والغبن إنما هو الزيادة، والزيادة إنما تعدُّ لطرفٍ على حساب طرفٍ آخر.
وقيد الغبن بالكثير؛ لأنه في الحقيقة قد يوجد شيءٌ يسيرٌ منه، والشريعة الإسلامية تخفف في الجهالة اليسيرة فيما يحصل من غبنٍ يسيرٍ كما سنجد ذلك في كثيرٍ من الأمثلة.
قوله: (وَأَنَّ العَدْلَ فِي المُعَامَلَاتِ إِنَّمَا هُوَ مُقَارَبَةُ التَّسَاوِي).
يعني: سدِّدوا وقاربوا.
стр. 6718
قوله: (وَلذَلِكَ، لَمَّا عَسُرَ إِدْرَاكُ التَّسَاوِي فِي الأشْيَاءِ المُخْتَلِفَةِ الذَّوَاتِ، جُعِلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ لِتَقْوِيمِهَا (أَعْنِي: تَقْدِيرَهَا)).
لأنه - كما مضى - هي قيَم المتلفات ورُؤُوس الأموال، ففي أيِّ قضيَّة يحصل فيها الخلاف، يرجع إلى تقويم ذلك الشيء أو السِّلعة بأحد النقدين، فيُعْرف ما قد طرأ عليه من نقصٍ أو زيادةٍ، أو عندما يزول ينظر إلى مثيله، ويعرف قيمته.
قوله: (وَلَمَّا كَانَتِ الأَشْيَاءُ المُخْتَلِفَةُ الذَّوَاتِ (أَعْنِي: غَيْرَ المَوْزُونَةِ وَالمَكِيلَةِ) العَدْلُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ فِي وُجُودِ النِّسْبَةِ (أَعْنِي: أَنْ تَكُونَ نِسْبَةُ قِيمَةِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ إِلَى جِنْسِهِ نِسْبَةَ قِيمَةِ الشَّيءِ الآخَرِ إِلَى جِنْسِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ العَدْلَ إِذَا بَاعَ إِنْسَانٌ فَرَسًا بِثِيَابِ هوَ أَنْ تَكونَ نِسْبَة قِيمَةِ ذَلِكَ الفَرَسِ إِلَى الأفْرَاسِ هِيَ نِسْبَةُ قِيمَةِ ذَلَكَ الثَّوْبِ إِلَى الثِّيَابِ).
هذا حيوانٌ، وهذا ثوبٌ، ومعلومٌ أن الفرس أكثر قيمةً من الثوب، وربما يوجد في هذا العصر من الثِّياب ما يصل ثمنه إلى ثمن الفرس أو أكثر، ولكن المقصود هي الثِّياب المعتادة، والمراد أنه لا بد أن يُنْسَب كلٌّ منهما بما يماثله حتى يعرف مقداره.
قوله: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الفَرَسُ قِيمَتهُ خَمْسُونَ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الثِّيَابُ قِيمَتُهَا خَمْسُونَ، فَلْيَكُنْ مَثَلًا الَّذِي يُسَاوِي هَذَا القَدْرَ عَدَدُهَا هُوَ عَشَرَةُ أَثْوَابٍ، فَإذًا اخْتِلَافُ هَذِهِ المَبِيعَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فِي العَدَدِ وَاجِبَةٌ فِي المُعَامَلَةِ العَدَالَة، (أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ عَدِيلُ فَرَسٍ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فِي المِثْلِ)).
يعني: الاختلاف في العدد هنا واجبٌ في المعاملة لأجل إقامة العدل.
стр. 6719
قوله: (وَأَمَّا الأَشْيَاءُ المَكِيلَةُ وَالمَوْزُونَةُ: فَلَمَّا كَانَتْ لَيْسَتْ تَخْتَلِفُ كُلَّ الاخْتِلَافِ، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا مُتَقَارِبَةً، لَمْ تَكُنْ حَاجَةً ضَرُورِيَّةً لِمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا صِنْفٌ أَنْ يَسْتبْدِلَهُ بِذَلِكَ الصِّنْفِ بِعَيْنِهِ).
هو حقيقةٌ كما ذكر المؤلف؛ فإذا باع أحدهم تمرًا بتمرٍ وبينهما اختلافٌ، فإنه يختلف ربما من حيث الحجم، فيكون هذا كبيرًا، وهذا متوسطًا، لكن الصاع يتدارك ذلك؛ لأنه سيأخذ عددًا أكثر مقابل هذا الحجم الأكبر، ولمَّا تزنه ستجد أن الوزن هنا هو نفس الوزن هناك.
وأهل العلم قَسَّموا الأمور إلى أقسامٍ ثلاثةٍ (١):
١ - ضروريَّات: كالماء والأكل اللذين لا يَسْتغني عنهما الإنسان.
٢ - الحاجيات: كاللباس.
٣ - الكماليات: وهي التي تزيد عن الحاجات، أيْ: التي لو طرحتها لاسْتَغنيت عنها.
قوله: (إِلَّا عَلَى جِهَةِ السَّرَفِ؛ كَانَ العَدْلُ فِي هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِوُجُودِ التَّسَاوِي فِي الكَيْلِ أَوِ الوَزْنِ، إِذْ كَانَتْ لَا تَتَفَاوَتُ فِي المَنَافِعِ).
المؤلف ضَرب للإسراف مثلًا، هو أن أَحَدهم مثلًا عنده نوعٌ من التمر، والآخر عنده نوعٌ آخر، فأراد هذا من تمر ذاك، ونحن نخالفه، فربما أَحدُهُما يميل إلى أن تكون الحبة أكبر مثلًا، والآخر يفضل المتوسطة، فالناس يختلفون في طبائعهم ورغباتهم، وليسَ شرطًا أن يكون هذا مساويًا لذاك.
أما لو كان شخصان اشتريا نفس الحبة وتقاسما، فهَذَا ما قصده المؤلف أنه من باب الإسراف، لكن في الغالب عندما يريد إنسان شيئًا
стр. 6720
بشيءٍ يكون فيه خلاف؛ سواء في الحجم أو اللون، أو هذا قديمٌ وهذا جديدٌ، فليس ذلك من باب الإسراف.
قوله: (وَأَيْضًا، فَإِنَّ مَنْعَ التَّفَاضُلِ فِي هَذه الأَشْيَاءِ يُوجِبُ أَلَّا يَقَعَ فِيهَا تَعَامُلٌ، لِكَوْن مَنَافِعِهَا غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ).
المؤلف يعبر أحيانًا بكلمة [يوجب]، ويقصد بها أنه "ينبغي"، وقد مرَّ بنا هذا المصطلح في عدَّة مواضعَ كما في أحكام الصلاة.
قوله: (وَالتَّعَامُلُ إِنَّمَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ فِي المَنَافِعِ المُخْتَلِفَةِ، فَإِذَنْ مَنَعَ التَّفَاضُلَ فِي هَذه الأَشْيَاءِ (أَعْنِي المَكِيلَةَ، وَالمَوْزُونَةَ) عِلَّتَان:
إِحْدَاهُمَا: وُجُودُ العَدْلِ فِيهَا.
وَالثَّانِيَةُ: مَنْعُ المُعَامَلَةِ إِذَا كَانَتِ المُعَامَلَةُ بِهَا مِنْ بَابِ السَّرَفِ.
وَأَمَّا الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فَعِلَّةُ المَنْعِ فِيهَا أَظْهَرُ إِذْ كَانَتْ هَذه لَيْسَ المَقْصُودُ مِنْهَا الرِّبْح، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ بِهَا تَقْدِيرُ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَهَا مَنَافِعُ ضَرُورِيَّةٌ).
والإنسان الذي يبيع دينارًا بدِينَارٍ، ودرهمًا بدِرْهمٍ ليس هناك ربحٌ يربحه، لكن هذه هي أصول الأشياء.
وأما لو باعها بأكثرَ، يكون مقصوده الربح كما في قصة القِلَادَة التي جاءت في "صحيح مسلم" (١)، والتي اعترض الرسول ﷺ على بيعها لوجود التفاضل، فالقِلَادة يوجد بها أكثر من الذهب الذي اشتريت به، إلى جانب الصَّنعة، فلذلك أنكر الرسول ﷺ وقال: "حَتَّى تُفْصَلَ"، يعني: يُميَّز ما فيها من الذهب من غيره.
стр. 6721
قَوْله: (وَرَوَى مَالِكٌ (١) عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فِي هَذه الأَصْنَافِ الكَيْلَ وَالطُّعْمَ، وَهُوَ مَعْنًى جَيِّدٌ؛ لِكَوْنِ الطُّعْمِ ضَرُورِيًّا فِي أَقْوَاتِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حِفْظُ العَيْنِ وَحِفْظُ السَّرَفِ فِيمَا هُوَ قُوتٌ أَهَمَّ مِنْهُ فِيمَا لَيْسَ هُوَ قُوتًا).
هذَا الكلام الذي ذكَره المؤلف فيه ضعفٌ، وقد مر بنا أنه لم يقل أَحدٌ من العلماء الذين سبق ذكرهم أن تكون العلَّة إلى جانب الكيل: الطُّعم أيضًا، إنما قالوا: الكيل، أو قالوا: الطُّعم، أو قالوا: الطُّعم والادخار.
وهذا القول قال به سعيد بن المسيب، وهي أيضًا روايةٌ للإمام أحمد (٢)، وهذا القول لا يَرِدُ عليه إشكالٌ؛ لأنه جَمَع كلَّ الصفات والعلل.
وقوله: [حِفْظُ العَيْنِ]، يعني: حفظها من أن يرد عليها الغبن.
وقوله: [فِيمَا هُوَ قُوت أَهَمَّ مِنْهُ فِيمَا لَيْسَ هُوَ قُوتًا]، المراد منه أن التشدُّد والعنَاية يجب أن تكون في الأقوات، لأن الناس يَتغذَّون منها، وأهميتها بالنسبة لغيرها ظاهرةٌ.
قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الرِّبَا الأَجْنَاسَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاة، وَعَنْ بَعْضِهِمُ الانْتِفَاعَ مُطْلَقًا (أَعْنِي: المَالِيَّةَ)، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ المَاجِشُونِ).
المقصود هو الإمام ربيعة، وهو يُعْرف بـ "ربيعة الرأي"، وهو شيخ الإمام مالكٍ ﵀ (٣).
стр. 6722
قال المصنف رحمه اللّه تعالى:
(الفَصلُ الثَّاني
فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ).
بدأ المؤلِّف هنا الشروع في التقسيم بين نوعي الربا، فأشياء يقول: يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز فيها النَّسَاء، وسيأتي إلى مسائلَ يجوز فيها التفاضل والنَّساء معًا.
قوله: (فَيَجِبُ مِنْ هَذَا أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ امْتِنَاعِ النَّسِيئَةِ فِي الرّبَوِيَّاتِ هِيَ الطُّعْمُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ).
إذًا، علَّة الربويات إنما هي عند مالكٍ (١) والشافعي (٢) وأحمد في روايةٍ (٣) إنما هي الطُّعم؛ هذا في النَّساء.
ولا بد من الانتباه والتركيز هنا، فهذه عباراتُ تحتاج إلى الوقف عندها.
وقوله: "الصنف الواحد"، هو الذي مر بنا في ربا الفضل، برٌّ ببرٍّ، وشعير بشعيرٍ، هذه معنى قوله: "صنف واحد"، فعِلَّة الربا (أيْ: ربا الفضل) إنما هي الصنف الواحد، فإذا وجدت في صنفٍ واحدٍ وزال التماثل، وُجِدَ الربا، وإن كان صنفًا واحدًا وحصل التماثل، فلا ربا، فعلينا الانتباه لهذا، فالمؤلف سيكرر كلماتٍ وفيها شيءٌ من العمق في المسائل القادمة.
стр. 6723
قوله: (وَأَمَّا فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ، فَإِنَّ عِلَّةَ مَنْعِ النَّسِيئَةِ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ الصِّنْفُ الوَاحِدُ المُتَّفِقُ المَنَافِعِ مَعَ التَّفَاضُلِ).
هو الصِّنف الواحد كما عرفنا، كقولنا مثلًا: برٌّ مع برٍّ، و [المُتَّفق المنافع] أيْ: تتحد منافعه، ومختلف المنافع كأن تكون هذه الناقة حلوبًا، وهذه ركوبًا، أو سلعة فائدتها كذا، وهذه فائدتها كذا، فعندما تختلف هذه الأغراض، لا يحصل الربا عند مالكٍ (١)، لكن إذا اتحدت المنافع، واتحد الصنف، وجد الربا حينئذٍ.
قوله: (وَلَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢) نَسِيئَةٌ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ).
هنا لفظ مقدر، وقد رأيت بعض المعلقين خطَّأ المؤلف، وليس ثَمَّ خطأ هنا، بل فيه تقدير، وليس المراد أنَّ الصنف الواحد عند الشافعي نسيئة؛ لأن الشافعي إنما يرى الصنف الواحد علة في ربا الفضل فقط، وليس معتبرًا في ربا النسيئة، فالعلة في ربا النسيئة إنما هي الطُّعم، فلينتبه لذلك، وأحمد يوافقه في هذا في رواية (٣)، وأبو حنيفة ومعه أحمد بالنسبة للكيل (٤)، ولذلك سيأتي رأيهما في مسائل بيع الحيوان بالحيوان.
قَوْله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَعِلَّةُ مَنْعِ النَّسَاءِ عِنْدَهُ هُوَ الكَيْلُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَفي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ الصِّنْفُ الوَاحِدُ؛ مُتَفَاضِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَفَاضِلٍ).
стр. 6724
والفرق بين أبي حنيفة وبين مَالِكٍ أنهما اتحدا في الصنف الواحد، لكن مالكًا قيده بالمنافع (١)، وأبو حنيفة أطلقه؛ سواء اتحدت المنافع أو اختلفت، فالعلة قائمة (٢).
ملاحظة: قد قلت وأكرر أن الكتاب في موضوعاته هذه بمثابة متنٍ، نقرؤه ونشرحه؛ لأن المؤلف تعمق فيه، ودقق في المسائل ولم يبسطها بسطًا بحيث تكون واضحةً.
وإذَا عرفنا أن الصنف لا اعتبارَ له عند الإمام الشافعي في ربا النسيئة، فينبغي أن نفهم؛ لأنه سيتكرر، وأنه بالنسبة للإمام مالكٍ يعتبر الصنف، لكنه يقيده بالمنافع، وأبو حنيفة يلتقي مع الإمام مالكٍ في اعتبار الصنف الواحد لكنه يطلقه؛ فلا اعتبار للمنافع عنده.
ومثاله: بيع حيوانٍ بحيوانٍ لا يجوز عند أبي حنيفة مطلقًا (٣)، وعند مالكٍ إذا اختلفت المنفعة كأن يكون هذا حيوانًا يُرْكب وهذا يُحْلب؛ هذا حينئذٍ يجوز عند مالكٍ لاختلاف المنفعة، لكن شاة حلوب بشاةٍ حلوب لا يجوز عنده (٤)، وعند أبي حنيفة اتحدت المنافع أو اختلفت، فكل ذلكً لا يجوز.
قوله: (وَقَدْ يَظْهَرُ مِنَ ابْنِ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ النَّسِيئَةَ فِي هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً).
стр. 6725
يعني: يميل إلى رأي أبي حنيفة، إذًا فالأقوال هنا ثلاثةٌ:
الأول: مَنْ يعتبر الطُّعم وحده ولا اعتبار للصنف.
الثاني: مَنْ يعتبر إلى جانب الطُّعم الصنف الواحد، لكنه يقيده باتحاد المنافع وهو مالكٌ.
الثالث: مَنْ يعتبر الصنف الواحد إلى جانب الكيل، لكنه يطلقه، والأمثلة ستوضح أكثر، وكذلك الأدلة.
والسلف المراد به القرض، والأصل فيه القرض الحسن الذي لا يجر نفعًا (١)، قال اللّه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فما أجمل أن يرق المؤمن لأخيه المسلم، وأن يشفق على حاله، وأن يعطف عليه، ويرفع كربته فيَسُد حاجته، فإنه مَنْ يسَّر على معسرٍ، يسَّر اللّه عليه في الدنيا والآخرة، وأن مَنْ فرج عن مسلم كربةً من كرب الدنيا، فرج اللّه عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة (٢)، وما أعظم أن يخفف اللّه عنك في ذلك اليوم الذي أحوج ما تكون إليه إلى أن يتجاوز اللّه عن سيئاتك، وأن يغفر زلاتك.
وربما يقول الكثير من الناس: قد تغيرت الأحوال وتبدلت، يقولون: فسد الزمان، وهم الذين فسدوا، والحمد للّه ما زال أهل الخير موجودين ممن يخففون على المعسرين، ويساعدون المعوزين والمحتاجين، لا يرجون الجزاء إلا من الرحمن الرحيم الذي لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملًا.