← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

قَوْله: (وَرَوَى مَالِكٌ (١) عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فِي هَذه الأَصْنَافِ الكَيْلَ وَالطُّعْمَ، وَهُوَ مَعْنًى جَيِّدٌ؛ لِكَوْنِ الطُّعْمِ ضَرُورِيًّا فِي أَقْوَاتِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حِفْظُ العَيْنِ وَحِفْظُ السَّرَفِ فِيمَا هُوَ قُوتٌ أَهَمَّ مِنْهُ فِيمَا لَيْسَ هُوَ قُوتًا). هذَا الكلام الذي ذكَره المؤلف فيه ضعفٌ، وقد مر بنا أنه لم يقل أَحدٌ من العلماء الذين سبق ذكرهم أن تكون العلَّة إلى جانب الكيل: الطُّعم أيضًا، إنما قالوا: الكيل، أو قالوا: الطُّعم، أو قالوا: الطُّعم والادخار. وهذا القول قال به سعيد بن المسيب، وهي أيضًا روايةٌ للإمام أحمد (٢)، وهذا القول لا يَرِدُ عليه إشكالٌ؛ لأنه جَمَع كلَّ الصفات والعلل. وقوله: [حِفْظُ العَيْنِ]، يعني: حفظها من أن يرد عليها الغبن. وقوله: [فِيمَا هُوَ قُوت أَهَمَّ مِنْهُ فِيمَا لَيْسَ هُوَ قُوتًا]، المراد منه أن التشدُّد والعنَاية يجب أن تكون في الأقوات، لأن الناس يَتغذَّون منها، وأهميتها بالنسبة لغيرها ظاهرةٌ. قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الرِّبَا الأَجْنَاسَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاة، وَعَنْ بَعْضِهِمُ الانْتِفَاعَ مُطْلَقًا (أَعْنِي: المَالِيَّةَ)، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ المَاجِشُونِ). المقصود هو الإمام ربيعة، وهو يُعْرف بـ "ربيعة الرأي"، وهو شيخ الإمام مالكٍ ﵀ (٣).

стр. 6722

قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (الفَصلُ الثَّاني فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ). بدأ المؤلِّف هنا الشروع في التقسيم بين نوعي الربا، فأشياء يقول: يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز فيها النَّسَاء، وسيأتي إلى مسائلَ يجوز فيها التفاضل والنَّساء معًا. قوله: (فَيَجِبُ مِنْ هَذَا أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ امْتِنَاعِ النَّسِيئَةِ فِي الرّبَوِيَّاتِ هِيَ الطُّعْمُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ). إذًا، علَّة الربويات إنما هي عند مالكٍ (١) والشافعي (٢) وأحمد في روايةٍ (٣) إنما هي الطُّعم؛ هذا في النَّساء. ولا بد من الانتباه والتركيز هنا، فهذه عباراتُ تحتاج إلى الوقف عندها. وقوله: "الصنف الواحد"، هو الذي مر بنا في ربا الفضل، برٌّ ببرٍّ، وشعير بشعيرٍ، هذه معنى قوله: "صنف واحد"، فعِلَّة الربا (أيْ: ربا الفضل) إنما هي الصنف الواحد، فإذا وجدت في صنفٍ واحدٍ وزال التماثل، وُجِدَ الربا، وإن كان صنفًا واحدًا وحصل التماثل، فلا ربا، فعلينا الانتباه لهذا، فالمؤلف سيكرر كلماتٍ وفيها شيءٌ من العمق في المسائل القادمة.

стр. 6723

قوله: (وَأَمَّا فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ، فَإِنَّ عِلَّةَ مَنْعِ النَّسِيئَةِ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ الصِّنْفُ الوَاحِدُ المُتَّفِقُ المَنَافِعِ مَعَ التَّفَاضُلِ). هو الصِّنف الواحد كما عرفنا، كقولنا مثلًا: برٌّ مع برٍّ، و [المُتَّفق المنافع] أيْ: تتحد منافعه، ومختلف المنافع كأن تكون هذه الناقة حلوبًا، وهذه ركوبًا، أو سلعة فائدتها كذا، وهذه فائدتها كذا، فعندما تختلف هذه الأغراض، لا يحصل الربا عند مالكٍ (١)، لكن إذا اتحدت المنافع، واتحد الصنف، وجد الربا حينئذٍ. قوله: (وَلَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢) نَسِيئَةٌ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ). هنا لفظ مقدر، وقد رأيت بعض المعلقين خطَّأ المؤلف، وليس ثَمَّ خطأ هنا، بل فيه تقدير، وليس المراد أنَّ الصنف الواحد عند الشافعي نسيئة؛ لأن الشافعي إنما يرى الصنف الواحد علة في ربا الفضل فقط، وليس معتبرًا في ربا النسيئة، فالعلة في ربا النسيئة إنما هي الطُّعم، فلينتبه لذلك، وأحمد يوافقه في هذا في رواية (٣)، وأبو حنيفة ومعه أحمد بالنسبة للكيل (٤)، ولذلك سيأتي رأيهما في مسائل بيع الحيوان بالحيوان. قَوْله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَعِلَّةُ مَنْعِ النَّسَاءِ عِنْدَهُ هُوَ الكَيْلُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَفي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ الصِّنْفُ الوَاحِدُ؛ مُتَفَاضِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَفَاضِلٍ).

стр. 6724

والفرق بين أبي حنيفة وبين مَالِكٍ أنهما اتحدا في الصنف الواحد، لكن مالكًا قيده بالمنافع (١)، وأبو حنيفة أطلقه؛ سواء اتحدت المنافع أو اختلفت، فالعلة قائمة (٢). ملاحظة: قد قلت وأكرر أن الكتاب في موضوعاته هذه بمثابة متنٍ، نقرؤه ونشرحه؛ لأن المؤلف تعمق فيه، ودقق في المسائل ولم يبسطها بسطًا بحيث تكون واضحةً. وإذَا عرفنا أن الصنف لا اعتبارَ له عند الإمام الشافعي في ربا النسيئة، فينبغي أن نفهم؛ لأنه سيتكرر، وأنه بالنسبة للإمام مالكٍ يعتبر الصنف، لكنه يقيده بالمنافع، وأبو حنيفة يلتقي مع الإمام مالكٍ في اعتبار الصنف الواحد لكنه يطلقه؛ فلا اعتبار للمنافع عنده. ومثاله: بيع حيوانٍ بحيوانٍ لا يجوز عند أبي حنيفة مطلقًا (٣)، وعند مالكٍ إذا اختلفت المنفعة كأن يكون هذا حيوانًا يُرْكب وهذا يُحْلب؛ هذا حينئذٍ يجوز عند مالكٍ لاختلاف المنفعة، لكن شاة حلوب بشاةٍ حلوب لا يجوز عنده (٤)، وعند أبي حنيفة اتحدت المنافع أو اختلفت، فكل ذلكً لا يجوز. قوله: (وَقَدْ يَظْهَرُ مِنَ ابْنِ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ النَّسِيئَةَ فِي هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً).

стр. 6725

يعني: يميل إلى رأي أبي حنيفة، إذًا فالأقوال هنا ثلاثةٌ: الأول: مَنْ يعتبر الطُّعم وحده ولا اعتبار للصنف. الثاني: مَنْ يعتبر إلى جانب الطُّعم الصنف الواحد، لكنه يقيده باتحاد المنافع وهو مالكٌ. الثالث: مَنْ يعتبر الصنف الواحد إلى جانب الكيل، لكنه يطلقه، والأمثلة ستوضح أكثر، وكذلك الأدلة. والسلف المراد به القرض، والأصل فيه القرض الحسن الذي لا يجر نفعًا (١)، قال اللّه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فما أجمل أن يرق المؤمن لأخيه المسلم، وأن يشفق على حاله، وأن يعطف عليه، ويرفع كربته فيَسُد حاجته، فإنه مَنْ يسَّر على معسرٍ، يسَّر اللّه عليه في الدنيا والآخرة، وأن مَنْ فرج عن مسلم كربةً من كرب الدنيا، فرج اللّه عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة (٢)، وما أعظم أن يخفف اللّه عنك في ذلك اليوم الذي أحوج ما تكون إليه إلى أن يتجاوز اللّه عن سيئاتك، وأن يغفر زلاتك. وربما يقول الكثير من الناس: قد تغيرت الأحوال وتبدلت، يقولون: فسد الزمان، وهم الذين فسدوا، والحمد للّه ما زال أهل الخير موجودين ممن يخففون على المعسرين، ويساعدون المعوزين والمحتاجين، لا يرجون الجزاء إلا من الرحمن الرحيم الذي لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملًا.

стр. 6726

والسلف إذا جر نفعًا، فهو الذي يُعْرف عند الفقهاء بالقرض الذي جر نفعًا (١)، ومثاله: أن تذهب إلى إنسانٍ فتقرضه مالًا، وتشترط عليه منفعةً ما؛ كأن تقول له: أسلف لك على أن تعطيني السيارة لمدة أسبوع، أو أن أسكن بيتك، أو أن تقدم لي الخدمة الفلانية، أو نحو ذلك، وهذا قرضٌ جرَّ نفعًا، فلا يجوز (٢). وينبغي إذا أقرض المسلم لأخيه أن يكون ذلك خالصًا لوجه اللّه ﵎، ومَنْ يخفف عن المحتاجين ويعينهم، فإن اللّه سيعينه في يومٍ أحوج ما يكون فيه إلى الحسنة الواحدة. قوله: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الأَمْرَانِ جَمِيعًا). سبق وذكرنا ما يجوز فيه التفاضل، كما جاء في حديث عبادة: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأصْنَاف، فَبِيعُوا كيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كانَ يَدًا بِيَدٍ" (٣). وقوله: [يدًا بيدٍ]، إشارةً إلى ربا النسيئة. وفي هذا الفصل الكلام عما يجوز فيه الأمران، أي: تفاضل ونسيئة، كأن تبيع شاةً بشاتين وإلى أجلٍ، لكن أصل هذا المبيع ليس من الأموال الربوية التي نص عليها الشارع، وبعض العلماء يلحقها بالأموال الربوية كما

стр. 6727

سبق عند اتحاد المنفعة، وبعضهم يعتبرها ربا كأبي حنيفة (١)، كما ستأتي أقوال العلماء، ولكلٍّ حجةٌ يتمسك بها. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: الفصل الثالث (وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ الأمْرَان جَمِيعًا (أَعْنِي: التَّفَاضُلَ وَالنَّسَاءَ، فَمَا لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ)). والمراد: هل يجوز بيع سلعةٍ نرى فيها التفاضل والتأجيل؟ والجواب: نعم يجوز ذلك عند الشافعي (٢) وأحمد في روايةٍ (٣)، والرواية الأخرى لأحمد (٤) يوافق فيها أبا حنيفة. قوله: (وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ، فَمَا لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا، وَلَا كانَ صِنْفًا وَاحِدًا مُتَمَاثِلًا). أي: لم يكن من الربويات التي مرت بنا، ولا يكون صنفًا واحدًا متماثلًا (٥).

стр. 6728

قوله: (أَوْ صِنْفًا وَاحِدًا بِإِطْلَاقٍ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ … ). ومذهب أبي حنيفة يلتقي مع مذهب مالكٍ في أنَّه لا يكون صنفًا واحدًا (١)، ثم يزيد عليه مالك بشرط أن يكون مختلفَ المنافع (٢). قوله: ( … وَمَالِكٍ يُعْتَبَرُ الصِّنْفُ المُؤَثَرُ فِي التَّفَاضُلِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، وَفِي النَّسَاءِ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ اتِّفَاقُ المَنَافِعِ وَاخْتِلَافُهَا). معناه: إذا اتحدت المنافع وتساوت، فهو ربا، وإن اختلفت فليس ربا .. هذه روايةٌ عنه. قوله: (فَإِذَا اخْتَلَفَتْ جَعَلَهَا صِنْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الاسْمُ وَاحِدًا). أيْ: إذا اختلفت المنافع جعلها صنفين، ولا يمنع الربا فيها، وإذا اتَّحدت جعلها صنفًا واحدًا، ولا بد من التساوي فيها كالحال بالنسبة للربويات. قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ الاسْمَ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ). وقوله: [وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ الاسْمَ]، أي: مطلقًا (٣)، فقولنا مثلًا: حيوان، إنما يشمل كل الحيوانات، وما فرَّق بين حيوانٍ حلوب وحيوانٍ غير حلوبٍ، ولا بين حيوانٍ يُرْكب وحيوانٍ يُحْلب. وكذلك الشافعي يعتبر الاسم (٤)، لكنه له قيودٌ، ولا يقول بالإطلاق كأبي حنيفة.

стр. 6729

قوله: (وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ الصِّنْفُ عِنْدَهُ مُؤَثِّرًا إِلَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ فَقَطْ). الصنف الواحد لا يؤثر عند الإمام الشافعي إلَّا في التفاضل، أما بعد ذلك، فيطرحه، ويأخذ بالطُّعم، فلينتبه لهذا (١). قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ يَمْنَعُ التَّفَاضُلَ فِيهِ). أي: في ربا الفضل، أما النسيئة فلا أثرَ للصنف عنده. قوله: (وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ عِلَّةً لِلنَّسَاءِ أَصْلًا). هذا زيادة توضيحٍ، فالإمام الشافعي - إذًا - إنما يعتبر الصنف الواحد في ربا الفضل، ولا يعتبره في النسيئة، بل هو لا يعتبره علةً أصلًا في النسيئة؛ لأن علة النسيئة هي التأجيل (٢). قوله: (فَهَذَا هُوَ تَحْصِيلُ مَذَاهِبِ هَؤُلَاءِ الفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ الفُصُولِ الثَّلاث). هما أربعةٌ في الحقيقة، ولم يعد أحمد؛ لأنه - كما مر بنا - له روايةٌ مع الشافعي، وروايةٌ ثانية مع أبي حنيفة. قوله: (فَأَمَّا الأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِيهَا النَّسِيئَة، فَإِنَّهَا قِسْمَانِ: مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكرُهَا، وَمِنْهَا مَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ. فَأَمَّا الأَشْيَاءُ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ: فَعِلَّةُ امْتِنَاعِ النَّسِيئَةِ فِيهَا

стр. 6730

هُوَ الطُّعْمُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطُّعْمُ فَقَطْ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعْلُومَاتُ الكَيْلِ وَالوَزْنِ). أي: المطعومات معلومات الوزن أو الكيل، وقد مرت بنا. قوله: (فَإِذَا اقْتَرَنَ بِالطُّعْم اتِّفَاقُ الصِّنْفِ، حَرُمَ التَّفَاضُلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِذَا اقْتَرَنَ وَصْفٌ ثَالِثَ وَهُوَ الادِّخَار، حَرُمَ التَّفَاضُلُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْف، جَازَ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَتِ النَّسِيئَةُ. وَأَمَّا الأَشْيَاءُ الَّتِي لَيْسَ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنَّهَا صِنْفَانِ: إِمَّا مَطْعُومَةٌ، وَإِمَّا غَيْرُ مَطْعُومَةٍ، فَأَمَّا المَطْعُومَةُ فَالنَّسَاءُ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا، وَعِلَّةُ المَنْعِ الطُّعْم، وَأَمَّا غَيْرُ المَطْعُومَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ عِنْدَهُ فِيمَا اتَّفَقَتْ مَنَافِعُهُ مَعَ التَّفَاضُلِ). المطعومة لا يجوز فيها النَّساء؛ لأننا عرفنا أن العلة هي الطُّعم عند مالكٍ والشافعي وأحمد، وأن مالكًا أضاف أيضًا إلى الطعمِ الادخارَ. وإذا وُجِدَ مع التفاضل اتفاق المنافع، فإنه لا يجوز، وإن اختلفت جاز. وهذا كله تكرار لما مضى. قوله: (فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ وَاحِدَةٌ بِشَاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ). أيْ: أن بيع شاةٍ بشاتين إلى أجلٍ لا يجوز عند مالكٍ، وقد جمع هذا البيع وصفين: التفاضل والتأجيل (١).

стр. 6731

قوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا حَلُوبَةً وَالأُخْرَى أَكُولَةً، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ عَنْهُ). أي: إذا اختلفت المنافع وتنوعت الأغراض، هذه تُحْلب، وهذه أكولٌ. قَوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ المَنَافِعِ دُونَ التَّفَاضُلِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ حَلُوبَةٌ بِشَاةٍ حَلُوبَةٍ إِلَى أَجَلٍ، فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ المَنَافِعُ، فَالتَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ عِنْدَهُ جَائِزَانِ إِنْ كَانَ الصِّنْفُ وَاحِدًا. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الأَسْمَاءِ مَعَ اتِّفَاقِ المَنَافِعٍ، وَالأَشْهَرُ أَلَّا يُعْتَبَرَ، وَقَدْ قِيلَ: يُعْتَبَرُ). معنى [اتِّفَاق الأَسْمَاءِ]، شاةٌ يقابلها شاةٌ، وفرسٌ بفرسٍ، وبعيرٌ ببعيرٍ، وهنا تتحد الأسماء والمنفعة. قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَالمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ فِي مَنْعِ النَّسَاءِ مَا عَدَا الَّتِي لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ فِيهَا التَّفَاضُلُ هُوَ اتِّفَاقُ الصِّنْفِ؛ اتَّفَقَتِ المَنَافِعُ أَوِ اخْتَلَفَتْ) (١). كحيوانٍ بحيوانٍ مطلقًا. قوله: (فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ بِشَاةٍ وَلَا بِشَاتَيْنِ نَسِيئَةً، وإِنِ اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهَا). وذلك لأنها اتحدت في الاسم والصنف، سواء كانت هذه حلوبًا، وهذه أكولًا، أو هذه صحيحةً وهذه غير صحيحةٍ، ذلك الاختلاف لا أثرَ له في الحكم.

стр. 6732

قَوْله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَكُلُّ مَا لَا يَجُوزُ التفَاضُلُ عِنْدَهُ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ يَجُوزُ فِيهِ النَّسَاء، فَيُجِيزُ شَاةً بِشَاتَيْنِ نَسِيئَةً وَنَقْدًا) (١). وأحمد كذلك (٢)، واستدلَّا على ذلك بدليلٍ سيأتي ذكرُهُ. قوله: (وَكَذَلِكَ شَاة بِشَاةٍ، وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ البَعِيرَ بِالبَعِيرَيْنِ إِلَى الصَّدَقَةِ" (٣)). القلاص جمعٌ على وزن فِعَالٍ، ومفردها: قلوصٌ، وهي نوعٌ من الإبل، والمراد منها الأنثى الشابة (٤). قوله: (قَالُوا: فَهَذَا التَّفَاضُلُ فِي الجِنْسِ الوَاحِدِ مَعَ النَّسَاءِ. وَأَمَّا الحَنَفِيَّةُ فَاحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئَةً"). هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن: أبو داود (٥) والترمذي (٦)

стр. 6733

والنسائي (١) وابن ماجه (٢) ورواه أيضًا البيهقى (٣)، والمالكيةُ يفرِّقون بين اتفاق المنافع واختلافها. فالحنفيَّة - إذن - يرونَ تأثير الصنف، وهم هنا لا يرون جواز بيع الحيوان بالحيوان مطلقًا، اتفقت المنافع أو اختلفت (٤)، ومعهم الحنابلة في روايةٍ (٥)، وللحنابلة روايةٌ ثالثة (٦) يُفصِّلون القول فيها؛ فيقولون: إنْ وُجِدَ التفاضل تُمْنع النسيئة وإلا فلا، أي: كأن تبيع بعيرًا ببعيرين، أو شاةً بشاتين كما سيأتي في الحديث الذي أورده المؤلف، فالحيوان اثنان بواحد لا يصلح نَسَاءً، ولا بأس به يدًا بيد، فهذا إشارة لهم. وفي حديثٍ آخَر: فقام إليه رجل، فقال: يا رسول اللّه، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ قال: "لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٧)، وهذا أيضًا حُجَّة على الحنفية. قوله: (قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِ الجِنْسِ عَلَى الانْفِرَادِ فِي النَّسِيئَةِ). النَّهي هنا عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، ولم يَسْتَثن، فَهُوَ - إذن -

стр. 6734

يشمل كلَّ نوع من أنواع الحيوان، ونرى أن ظاهرَه يتعارض مع حديث رسول اللّه ﷺ لما أمر عبد اللّه بن عمرو أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين. وروي أن علي بن أبي طالب "بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصيْفِيرًا بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إِلَى أَجَلٍ" (١)، هذا ثبت عن صحابيٍّ، وهو أحد الخلفاء الراشدين، وهو حجةٌ أخرى للشافعية ومَنْ معهم في هذه المسألة. قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَعُمْدَتُهُ فِي مُرَاعَاةِ مَنْعِ النَّسَاءِ عِنْدَ اتِّفَاقِ الأَغْرَاضِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ). وسدُّ الذرائع (٢) يتوسع فيه المالكية (٣) وهو معمولٌ به في كل المذاهب (٤)، ولا شك أن كل أمرٍ يكون وسيلةً للوصول إلى أمرٍ محظورٍ فإنه يمنع، ويأخذ حكمه، ويكون محرمًا، أي: ما كان وسيلةً إلى محرمٍ فهو محرمٌ، ومن ذلك الحِيَلُ التي يتخذها البعض فيرتكبون الحرام بطريقٍ غير مباشرةٍ، ويظنون أنهم على شيءٍ، ومنه حديث رسول اللّه ﷺ قال: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُوم، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا" (٥)، فأكلوا

стр. 6735

ثمنها، وهذا احتيالٌ على دين اللّه ، ومنه احتيالهم على تحريم اصطياد السمك يوم السبت، ففعلوه بحيلةٍ دنيئةٍ كما هي عادتهم، وقَدْ عاتبهم اللّه ، وحذر المؤمنين أن يسلكوا ذلك الطريق، وخَوَّفهم من الوقوع فيه، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ سَلَفٍ يَجُرُّ نَفْعًا وَهُوَ يَحْرُمُ). والسلف هو القرض الذي يجرُّ نفعًا كما تقدم. قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ). أي: القرض، وهل القرض أصلٌ ربويٌّ بذاته أي: مستقلٌّ، أو هو لصيقٌ وجزءٌ من ربا الفضل؛ ذلك محل خلافٍ بين العلماء، وتفصيله كالآتي: * منهم مَنْ يرى أن الربا نوعان؛ ربا الفضل وربا النسيئة، وأن ربا القرض إنما هو جزءٌ من ربا الفضل، فالقرض يجر منفعةً، والمنفعة إنما هي زيادةٌ لأحد الطرفين، وهذا هو ربا الفضل (١). * ومن العلماء مَنْ قال: لا ينبغي أن يكون مستقلًّا، لأن القرض له أحكامٌ تخصه، وينفرد بها عن غيره (٢)، فينبغي أن يكون نوعًا ثالثًا مستقلًّا في هذا المقام.

стр. 6736

قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ (١): إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الحَيَوَان بِالحَيَوَان نَسِيئَةً، اخْتَلَفَ الجِنْسُ أَوِ اتَّفَقَ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ سَمُرَةَ، فَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ (٢)، وَالحَنَفِيَّة لِحَدِيتِ سَمُرَةَ (٣) مَعَ التَّأوِيلِ لَه، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَلَّا يَجُوزَ الحَيَوَانُ بِالحَيَوَان فَسِيئَةً، اتَّفَقَ الجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، وَكَأَنَّ مَالِكًا ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَحَمَلَ حَدِيثَ سَمُرَةَ عَلَى اتِّفَاقِ الأَغْرَاضِ، وَحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ عَلَى اخْتِلَافِهَا). الشافعية ومَنْ معهم لا شك رجحوا حديث عبد اللّه بن عمرٍو، وهو ظاهر الرجحان أيضًا، فهو نصٌّ صريح في المسألة، وحجةٌ قويةٌ لمَن ادعى ذلك، فإن البيع حصل بين يدي رسول اللّه ﷺ . وأجابوا عن حديث سمرة بأن حديث سمرة إنما غايته أن يكون مرسلًا، وهناك خلاف - كما هو معلوم - في سماع الحسن من سمرة (٤)، وما دام فيه هذه العلة، فإذا قام الاحتمال، بطل الاستدلال كما قيل. وقد اختلف الفقهاء في التعامل مع هاتين الروايتين كالآتي: * أما الحنفية ومَنْ معهم، فذهبوا إلى أن حديث سمرة ناسخٌ لحديث عبد اللّه بن عمرٍو، ونعلم أن الانتهاء إلى النسخ أو سلوك هذا الطريق يتطلب أن تعرف المتقدم من المتأخر؛ لأنه لا يمكن أن يكون المتقدم ناسخًا للمتأخر، فلا حُجَّة فيما ذهبوا إليه (٥).

стр. 6737

* الإمام الشافعي قال بأن المقصود بالنسيئة في حديث الحسن عن سمرة أن يوجد النَّسَاء من الطرفين، حيث كلٌّ منهم يبيع الآخر مؤجلًا؛ لأن الحديث يحتمل أن يكون المقصود به من طرفٍ، ويحتمل أن يكون المقصود به من طرفين، وأما حديث عبد اللّه بن عمرٍو فَهو صَريحٌ في المسألة (١). * وفي روايةٍ للحنابلة التفريق (٢)، فإن كان هذا النوع فيه مفاضلةٌ كشاةٍ بشاتين أو بعيرٍ ببعيرين، فلا يجوز؛ لقوله ﷺ : "الحَيَوَانُ اثْنَان بوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسِيئًا، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ" (٣). وأيده أيضًا حديثٌ آخر في "مسند أحمد" عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لَا تَبيعُوا الدِّينَارَ بالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ، فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ"، وَالرَّمَاء هو الربا، فقام إليه رجلٌ، فقال: يا رسول اللّه، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ قال: "لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٤). * أما الإمام مالك، فذهب فقال باتفاق المنافع واختلافها، فإذا اتفقت المنافع، فيؤخذ بحديث سمرة الذي نهى؛ لأنه بذلك يكون شبيهًا بربا الفضل، وأما إذا اختلفت فلا يجوز (٥).

стр. 6738

قوله: (وَسَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَكِنْ صَحَّحَهُ التِّزمِذِيُّ). صححه الترمذي، وخالفه غيره (١)، ثم إن الحديث الأول صحيحٌ، فكان أقوى بلا شكٍّ، زيادةً على أنه صريح الدِّلالة. قوله: (وَيَشْهَدُ لِمَالِكٍ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ، لَا يَصْلُحُ النَّسَاء، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ" (٢)). معناه: لا يصلح أن تبيع الحيوان اثنين بوَاحِدٍ نَسَاءً (أيْ: مؤجلًا)، لكن لو كان يدًا بيدٍ فلا بأس. قوله: (وَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ (٣): ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، وَاشْتَرَى جَارِيَةً بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ"). هذا الحديث له قصةٌ، ولكن كما نعلم هذا الكتابُ مجملٌ، وهو بمثابة كتاب قواعد، فلا يأخذ من الحديث إلا الشاهد، وقصة الحديث كما رواه مسلم عن جابر، قال: جاء عبدٌ، فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبدٌ، فجاء سيده يريده، فقال له النبيُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ"، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله: "أَعَبْدٌ هُوَ؟ " (٤)، وهذا الحديث فيه نصٌّ صريحٌ يؤيد مذهب الشافعية، وكلمة "أسودين" لا أثر لها في الحكم، فهي أوصافٌ لا تؤثر.

стр. 6739

واشترى جاريةً بسبعة أرؤسٍ (١)، والجارلة هي صفية ﵂ زوج رسول اللّه ﷺ ، فقد فَتحَ رسول اللّه ﷺ خيبر عنوةً، وغنم المسلمون حينها سبايا، وكان من بين تلك السبايا صفية، فوقعت في سهم دحية الكلبي، فما كان من بعض الصحابة إلا أنهم أشاروا إلى رسول اللّه ﷺ بأن هذه لا تصلح إلا له؛ لأنها ابنة سيد بني النضير (٢)، وهي من قبيلةٍ ذات شرفٍ ومكانةٍ، والرسول ﷺ كان دائمًا يعنى بجبر الخواطر، فما كان من الرسول ﷺ إلا أن اشتراها منه، فكانت لرسول اللّه ﷺ ، وقد أعتقها رسول اللّه ﷺ ، وجعل عِتْقَها صداقها (٣)، وقد مرَّ بنا هذا في كتاب النكاح والعتق، وتكلمنا عنه بالتفصيل. قوله: (وَعَلَى هَذَا الحَدِيثِ يَكُونُ بَيْعُ الحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ لَا مِنْ قِبَلِ سَدِّ ذَرِيعَةٍ). كأنه ينقد مذهب المالكية من طرفٍ خفيٍّ، وأنا حقيقةً ما يعجبني في ابن رشد أنه صريح في مواقفه، ولا يجامل، ومعنى كلامه أن المالكية

стр. 6740

يقررون هذا الحكم من باب سد الذرائع (١)، فيرد عليهم - لكن بأدبٍ - يقول: ما المانع أن يكون بيع الحيوان بالحيوان مسألةً مستقلةً، وهذا ما سيأتي حقيقةً في مسألة حكم بيع الحيوان بلحمةٍ وغيرها. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ نَسَاءً، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ التَّقَابُضُ فِي المَجْلِسِ قَبْلَ الافْتِرَاقِ فِي سَائِرِ الرِّبَوِيَّاتِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي المُصَارَفَةِ لِقَوْلِهِ ﵊: "لَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ" (٢))، (فَمَنْ شَرَطَ فِيهَا التَّقَابُضَ فِي المَجْلِسِ، شَبَّهَهَا بِالصَّرْفِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّ القَبْضَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَيْسَ شَرْطًا فِي البُيُوعِ إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الصَّرْفِ فَقَطْ، بَقِيَتْ سَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ عَلَى الأَصْلِ) (٣). هذا لا شك أنه لا خلاف فيه فيما يتعلق بالصرف أي: بالنقدين، وهو أمرٌ مجمعٌ عليه عند العلماء.

стр. 6741

والحديث - كمَا هو معلومٌ - حديث متفق عليه في "الصحيحين" وغيرهما، والناجز هو الحاضر، تقول: أنجز الشيء، وأنجز وعده بمعنى وفَّى، وأنجز عمله بمعنى قام به، ومعنى الناجز هنا هو الحاضر (١)، ومعنى الغائب المؤجل، فالمعنى إذًا: لا تبيعوا مؤجلًا بحاضرٍ. قال المصنف رحمه اللّه تعالى: الفصلُ الرَّابعُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا وَمَا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا. وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا، وَهُوَ المُؤَثِّرُ فِي التَّفَاضُلِ مِمَّا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا فِي مَسَائِلَ كثِيرَةٍ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَاتِ الصِّنْفِ الوَاحِدِ المُؤَثِّرِ فِي التَّفَاضُلِ، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَلَّا يَخْتَلِفَ بِالجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَلَا بِاليَابسِ وَالرُّطُوبَة؟). هذه المسألة مختلفٌ فيها، ومن أمثلتها (٢):

стр. 6742

* حكم بيع اللحم الرطب بالجاف. * حكم بيع الخبز الرطب بالجاف. هذا كله تكلموا فيه، وما تركوا ﵏ بابًا إلا وطَرَقوه. قوله: (فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ القَمْحُ وَالشَّعِير، صَارَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَصَارَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُمَا صِنْفَان). كان الأَوْلَى أن يقول: البُر والشعير كما ورد في الحديث، وهذا الحديث متفق عليه (١) وهنا قد يسأل سائلٌ: لماذا يختلف العلماء؟ فالرسول ﷺ فرق بينهما، أي: جعل البرَّ صنفًا والشعيرَ صنفًا، فلماذا يأتي العلماء فيقولون: هو صنفٌ واحدٌ؟ وسنجد أن سبب الاختلاف ليس تشفيًا إنما كان له سببٌ سنذكره إن شاء اللّه تعالى. قوله: (فَبِالأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ وَالأَوْزَاعِيُّ (٢)، وَحَكاهُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّإ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ). أيْ: أن القمح والشعير صنفٌ واحدٌ (٣) وهي روايةٌ عن الإمام أحمد (٤)

стр. 6743

وستأتي الرواية التي هي المذهب مع الحنفية (١) والشافعية (٢). قوله: (وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ). وكذا أحمد، وهي المذهب (يعني: الرواية المشهورة عنه)، ومنه نعتبر القول الثاني، وهو قول الجمهور، وسيتبين أنه الراجح. قوله: (وَعُمْدَتُهُمَا السَّمَاعُ وَالقِيَاس، أَمَّا السَّمَاع، فَقَوْلُهُ ﷺ : "لَا تَبِيعُوا البُرَّ بِالبُرّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ"، فَجَعَلَهُمَا صِنْفَيْنِ). هذا الحديث متفقٌ عليه (٣)، وفي حديث عبادة ﵁ عند مسلمٍ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَب، وَلَا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ" (٤). والمؤلف هنا لم يذكر دليل المالكية، وهو حديث معمر بن عبد اللّه، أنه أرسل غلامه بصاع قمحٍ، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا أخبره بذلك، فقال له معمر: لِمَ فعلتَ ذلك؟ انْطَلِقْ فرُدَّه، ولا تأخذن إلا مثلًا بمثلٍ، فإني كنت أسمع رسول اللّه ﷺ ، يقول: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"، قَالَ: "وكان طعامنا يومئذٍ الشعير"، قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: "إني أخاف أن يضارع" (٥)، وهذا الحديث سيأتي الكلام عنه، وهي الرواية التي أشرنا إليها عند الحنابلة، وليست المشهورة.

стр. 6744

وقد استدلوا بما وقع مع راوي هذا الحديث، وهو معمر بن عبد اللّه ﵁، هذا هو الحجة للمالكية. أما الحجة الأخرى: أنهم قالوا: أليس الشعير يغشُّ بالقمح، يعني: ربما يُوضَع من هذا على هذا، وهذا من هذا، وذلك دليلٌ على أنهما شيءٌ واحدٌ، ولا شك أنها حجةٌ ليست قويةً ولكنهم تمسكوا بها. ومن حجَج المالكية التي أشَار المؤلف إليها - وهي أضعفها في نظري - قالوا: اتحاد المنافع؛ فهذا تَعمل منه طعامًا، وهذا كذلك، هذا خبزٌ، وهذا خبزٌ، وهكذا، فتجد أنك قد تعدد المنافع التي تستخرج منها، إذًا ما أكثر الأشياء المتشابهة! أما أدلة الجمهور فسيشير إليها المؤلف. قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: "وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَالبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَالمِلْحَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ"، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١) وَوَكيعٌ (٢) عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَصَحَّحَ هَذه الزِّيَادَةَ التِّرْمِذِيُّ). كان أَوْلَى أن يقول: أخرجه أصحاب السنن وغيرهم (٣). الشاهد هنا نصٌّ صَريحٌ، فقوله: "وَبِيعُوا البُرَّ بِالشَّعِيرِ كيْفَ شِئْتُمْ"، يعني: لا يُمْكن أن تبيعوا البُرَّ بالشعير كيف شئتم إلا إذا كانا صنفين مختلفين، فلو كانا صنفًا واحدًا لما جاز ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٤).

стр. 6745

وفي روايةٍ أخرى لم يذكرها المؤلف أن الرسول ﷺ قال: "وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ البُرِّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا" (١)، الحديث متفق عليه، والرواية أخرجها مسلم (٢)، وهذه أدلةٌ صريحةٌ كما ترون، وهي حجةٌ قويةٌ لجمهور العلماء. أما ما استدل به المالكية في قصة معمرٍ، هذا محتملٌ مجملٌ، والأمر الآخر أنه في آخر الحديث الذي في "صحيح مسلم" الذي أوردته لما سئل قال: ليس بمثله، أي: ليس البُرُّ بمثل الشعير، فقال: إني أخاف أن يضارع، يعني: أن يشابه (٣)، فهو إذًا من باب الحيطة، وكما نعلم أن السلف ﵁ كانوا أتقى الناس وأخشاهم لله، فهم يبتعدون قدرَ المستطاع عن الشُّبُهات. قوله: (وَأَمَّا القِيَاس، فَلأنَّهُمَا شَيْئَانِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُمَا وَمَنَافِعُهُمَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا صِنْفَيْنِ). وكذلك المنافع ليست مُتَّحدةً، فلا يمكن أن تصنع من الشعير ما تصنعه من القمح، وربما تجد في الشعير ما لا تجده في القمح. قوله: (أَصْلُهُ الفِضَّة، وَالذَّهَب، وَسَائِرُ الأشْيَاءِ المُخْتَلِفَةِ فِي الاسْمِ وَالمَنْفَعَةِ). فهذا له فوائد، وهذا له فوائد، وتعلمون أن الشعيرَ له فوائدُ صحيَّةٌ ليست موجودةً في القمح، والقمح من أجود أنواع الأطعمة التي تُؤْكل. قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ عَمَلُ سَلَفِهِ بِالمَدِينَةِ) (٤).

стр. 6746

إذًا، المالكية يأخذون بهذا، وغيرهم يخالفهم، ولا شك أن الحجة فيما يأتي عن رسول الله ﷺ ، نَعَمْ، المدينة لها مكانتها وأهلها، ولكن لا ننسى أن الصحابة قد تفرقوا، فليس كل صحابة رسول اللّه ﷺ بَقَوا في المدينة (١). قوله: (وَأَمَّا أَصْحَابُهُ (٢) فَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا السَّمَاعَ وَالقِيَاسَ، أَمَّا السَّمَاعُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"). هذا هو حديث معمرٍ الذي أشرنا إليه، وهو في "صحيح مسلم" وغيره (٣). قوله: (فَقَالُوا: اسْمُ الطَّعَامِ يَتَنَاوَلُ البُرَّ وَالشَّعِيرَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإنَّ هَذَا عَامٌّ يُفَسِّرُهُ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ). وهذا هو الصحيح، الأحاديثُ التي مرت وأشرنا إليها وذكرها المؤلف تفسر المراد من ذلك. قوله: (وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ القِيَاسِ، فَإِنَّهُمْ عَدَّدُوا كثِيرًا مِنَ اتِّفَاقِهِمَا فِي المَنَافِعٍ، وَالمُتَّفِقَةُ المَنَافِعِ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا بِاتِّفَاقٍ، وَالسُّلْتُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّعِيرُ صِنْفٌ وَاحِدٌ) (٤).

стр. 6747

و"السُّلْتُ" قد اختلفوا في تفسيره، فقال أهل اللغة (١): إنه نوعٌ من الشعير، وبعضهم يقول: ضربٌ من الشعير لا قشرَ له، إذًا هو شعير، لكن جُرِّد من القشرة، فأصبح بين الشعير والقمح، لكنه أقرب شبهًا بالشعير، فعدَّه بعض العلماء نوعًا منه، وبعضهم فَصَله عنه. قوله: (وَأَمَّا القُطْنِيَّةُ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ). والقطنية سُمِّيت بهذا الاسم من باب قطن بالمكان إذا أقام به، فتقول: فلان قطن بالمدينة أيْ: سكنها، والمراد بالقِطْنيَّة - بكسر القاف - هي تلك الحبوب التي تبقى، أي: التي تصلح للادخار مدةً، مثل: اللوبيا والفاصوليا وغيرها من الحبوب التي تكون صَالحةً للادخار إذا جففت (٢)، أما في زمننا - كما ترون - أصبحوا يعلبون كل شيءٍ، وحتى الأشياء التي لو تركت مدةً بسيطةً لتعفَّنت، يعلبونها ويضيفون عليها موادَّ حافظةً، والشاهد هنا أن ذلك لا يُغيِّر الحكم، فالقصد هي تلكم الأمور التي تصلح للادخار بطبيعتها، وتصلح أن تؤكل إذا ادخرت، كالفول والعدس والتمر وغيرها. وقوله: [عنده]، الضمير يعود على الإمام مالكٍ. قوله: (وَعَنْهُ فِي البُيُوعِ رِوَايَتَان؛ إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَالأُخْرَى أَنَّهَا أَصْنَافٌ. وَسَبَبُ الخِلَافِ تَعَارُضُ اتِّفَاقِ المَنَافِعِ فِيهَا وَاخْتِلَافُهَا) (٣).

стр. 6748

والمنافع تختلف عن بعضها في الصنعة، كأن تعد الفول مثلًا ليس كاللوبيا، ولا الأرز كالعدس، وَلكلٍّ طريقةٌ. قَوْله: (فَمَنْ غَلَّبَ الاتِّفَاقَ قَالَ: صِنْفٌ وَاحِدٌ) (١). وَهذا هو الظاهر حقيقةً. قوْله: (وَمَنْ غَلَّبَ الاخْتِلَافَ قَالَ: صِنْفَان أَوْ أَصْنَافٌ، وَالأُرْز، وَالدُّخْن، وَالجَاوَرْسُ عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ) (٢). الجَاوَرْس قيل: إنه نوعٌ من الحبوب يشبه الذرة في شكلها، لكن حَبه أصغر منها، وقيل: هو نوعٌ من الدُّخْن (٣)، فهو - إذن - يتردد بينهم، وهذا وذاك من الأموال التي يدخلها الربا. قَوْله: (مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ). هنا يتكلم المؤلف عن اللحم، وهو من الأمور المهمة التي

стр. 6749

لا يستغني عنها الناس في حياتهم، لكننا عندما نلقي نظرةً دقيقةً على اللحم، نجد أنه يختلف من حيث أنواعه؛ فهناك لحم السمك الذي يُستخرج من البحر، كالحوت والسمك بجميع أنواعه، فالسمك له أنواع كثيرة، وهذا يعرفه أهل الخبرة أو مَنْ يأكله، وكذلك لحم بهيمة الأنعام، وهي أنواعٌ أيضًا؛ كالبقر والغنم، وهناك من الوحوش ما يُشْبهها. إنَّ الفقه أبوابه مرتبطة بعضها ببعض، فإذا فك الربط بينها، فلا تستطيع أن تجمع علمًا بخلاف إذا ما ربطت بعضها ببعض، فانظر إلى الزكاة وعلاقتها بالصيد، وهذا سَنتكلَّم عنه إنْ شاء اللّه، وهناك أيضًا لحم الطير، فهل هذه كلها نوع واحد كما هي الرواية عن الشافعي؟ فالإمام الشافعي يرى أن اللحوم مهما تعددت أنواعها وأصنافها ومصادرها التي تأتي منها؛ سواء كانت تعيش في البر أو في البحر، أو كانت مما يطير، فكُلُّها يجمعها صنف واحد هو اللحم، هذا هو مذهب الإمام الشافعي في رِوَايةٍ (١). على العكس من ذلك مذهب الإمام أبي حنيفة: يرى أن اللحوم أجناس مختلفة، بل إنَّك تأتي من النوع الواحد فتجده أيضًا أجناسًا، مثل بهيمة الأنعام، فيها الإبل والبقر والغنم، فيَعُدُّ هذه الأصناف ثلاثةً؛ فلك أن تبيع لحم البقر بلحم الغنم، ولا تفاضل هنا؛ يعني: لا يريد الربا (٢)؛ لأن الرسول ﷺ قال: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٣).

стр. 6750

وهو أيضًا قول للإمام الشافعي (١) ورواية للإمام أحمد (٢)، وأيضًا أحمد له رواية مثل القول الأول للشافعي (٣)؛ فعنه ثلاث روايات في هذه المسألة. والإمامان مالك (٤) وأحمد في روايته الثالثة (٥) يريان أن الحيوانات أربعة أنواع، ثم يَعُودُون فيضمُّون النوع الثالث إلى النوع الرابع، فيَجْعلون بهيمة الأنعام والوحوش صنفًا واحدًا، فيدخل في ذلك الظبي وحمار الوحش وبقر الوحش لتَشَابُهِهَا مع بهيمة الأنعام، فعندهم أنواعٌ ثلاثٌ: بهيمة الأنعام والوحوش صنف واحد، والطير صنف، والسمك صنف. ولا شك أن قول أبي حنيفة ﵀ هو الأيسر، ولعلك تُلاحظُ أن المؤلف في أبواب الربا يميل كثيرًا إلى مذهب أبي حنيفة ﵀. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: اللُّحُومُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: فَلَحْمُ ذَوَاتِ

стр. 6751

الأَرْبَعِ)؛ مثل: بهيمة الأنعام، والحمر الوحشية، والبقر الوحشي، والماعز، والظبي، وغير ذلك. قوله: (وَلَحْمُ ذَوَاتِ المَاءِ صِنْفٌ)؛ كالسمك. قوله: (وَلَحْمُ الطَّيْرِ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَيْضًا)، فالأصناف ثلاثة. قال: (وَهَذ الثَّلَاثَةُ الأَصْنَافُ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذه هُوَ أَنْوَاعٌ كثِيرَةٌ)، مذهب أبي حنيفة فيه توسعة؛ فلك أن تبيع هذه الأنواع بعضها ببعض، حتى أنَّ بعضهم يقول: قد يكون النوع الواحد نوعين؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ … ﴾ [الأنعام: ١٤٣] إلى آخر الآية التي في سورة الأنعام. قوله: (وَالتَّفَاضُلُ فِيهِ جَائِزٌ إِلَّا فِي النَّوْعِ الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ)، يعني: لا تأتِ إلى لحم بعيرٍ فتَسْتبدله بلحم بعير إلا إذا وُجِدَ التساوي والتماثل. قوله: (وَللشَّافِعِيِّ قَوْلَان، أَحَدُهُمَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ أنها أجناس متعددة. قوله: (وَالآخَرُ أَنَّ جَمِيعَهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجِيزُ لَحْمَ الغَنَمِ بِالبَقَرِ مُتَفَاضِلًا)؛ لأنه عَدَّ هذه اللحومَ أجناسًا، والنوع الواحد أُدْخل تحته عدة أجناس، فيرى أن لحم الضأن جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الإبل جنس، وكذلك الظبي، فلو استبدلَه لجَاز مع التفاضل؛ "إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيفَ شِئْتُمْ" (١)، فلَك أن تستبدلَ كيلًا واحدًا من لحم الضأن باثنين من لحم الإبل عند أبي حنيفة؛ لأن الجنس قد اخْتَلف، فبهيمة الأنعام نوعٌ واحد، لكن هذه جنسها الإبل، وهذه جنسها الغنم.

стр. 6752

وإذا نظرت إليها من ناحية الثمن تجد أن الإبل تختلف عن البقر والغنم، وتجد أن الغنم تتصف بالهدوء، وأن الناس يميلون إليها أكثر، وفي تقدير الأسعار تجدها أكثر سعرًا، ثم يليه البقر، ثم لحم الإبل؛ ونحن لا يهمنا هنا الأسعار، وإنَّما يهمنا اتحاد الجنس أو اختلافه. قوله: (وَمَالِكٌ لَا يُجِيزُهُ)؛ لأن مالكًا وأحمد في الرواية الأخرى يَعْتَبرون ذلك نوعًا واحدًا؛ فلا فرق عندهما بين لحم البقر ولحم الإبل؛ فَإنَّما يَجُوز إذا وُجِدَ التماثل، أمَّا لو استبدلت لحم طيَر بلحم غَنَمٍ؛ لجاز عند المالكية والحنابلة في رواية. قوله: (وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجِيزُ بَيْعَ لَحْمِ الطَّيْرِ بِلَحْمِ الغَنَمِ مُتَفَاضِلًا)، لأنَّ كلَّها عنده جنسٌ، وهذه الرواية الأخرى التي انفرد بها، وهو قول أحمد أيضًا في الرواية الثالثة. والإمام الشافعيُّ لا يُجيز ذلك؛ فَلَك أن تبيع طيرًا بلحم بقر، ولا أن تبيع سمكًا بلحم؛ لأنها كلها عنده جنس واحد، "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ"، فكيف تبيع جنسًا بجنس من مثله مع وجود التفاضل؟! فإذا وُجد التساوي جاز، ولكن إذا وجد التفاضل فلا. قوله: (وَمَالِكٌ يجِيزُهُ)، أي: أنْ تبيع جنسًا بجنس آخر متفاضلًا؛ لأن هذه جنس وهذه جنس، أمَّا الشافعي فيرى أنَّ كُلَّ هذه اللحوم مع تنوعها واختلافها يجمعها كلمة لحم. قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: قَوْلُهُ ﵊: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ") (١) فالشافعية أخذوا بعموم الحديث (٢).

стр. 6753

وهذا الحديث ليس نصًّا في المسألة، وإنَّما الطعام بالطعام من ناحية الطعم، فإن هذه اللحوم لا تدخل تحته، لأنَّ راوي الحديث لمَّا ذكر أن الرسول ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام، قال: "وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ" (١)، والطعام إذا أطْلق فلا ينصرف إلى اللحم، وإنما ينصرف إلى ما اعتاد الناس، كما قال المالكية: ما كان قوتًا مُدَّخرًا (٢)، فيدخل في ذلك البُرُّ والشعير والذرة. وهل يدخل اللحم؟ هذا محلُّ خلاف. قوله: (وَلِأَنَّهَا إِذَا فَارَقَتْهَا الحَيَاةُ، زَالَتِ الصِّفَاتُ الَّتِي كَانَتْ بِهَا تَخْتَلِف، وَيَتَنَاوَلُهَا اسْمُ اللَّحْمِ تَنَاوُلًا وَاحِدًا). لأنها إذا فارقت الحياة، زال عنها الإثم، فكلها تدخل تحت اللحم، لَكنَّنا لا نسلم هذا، فلو كان بين أيدينا لحم جمل ولحم بقر، فإننا نضيفه إلى أصله، فنقول: هذا لحم بقر، وهذا لحم جمل؛ فنُعرِّفه بالإضافة، فنردُّه إلى أصله كما سيأتي في مسألة بيع الدقيق بالقمح الذي هو أصله، وهذا القول غير مُسلَّم عند الشافعية (٣)؛ لأنهم يقولون: إذا ذبحت أصبح

стр. 6754

اسمها لحمًا، لكنك حتى تفرق بينها تضيفها إلى الأصل: هذا لحم سمك، هذا لحم غنم، هذا لحم بقر، وهكذا. قوله: (وَعُمْدَةُ المَالِكِيَّةِ: أَنَّ هَذه أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَحْمُهَا مُخْتَلِفًا. وَالحَنَفِيَّةُ تَعْتَبِرُ الاخْتِلَافَ الَّذِي فِي الجِنْسِ الوَاحِدِ مِنْ هَذه وَتَقُولُ: إِنَّ الاخْتِلَافَ الَّذِي بَيْنَ الأَنْوَاعِ الَّتِي فِي الحَيَوَانِ، (أَعْنِي: فِي الجِنْسِ الوَاحِدِ مِنْهُ) كَأَنَّكَ قُلْتَ: الطَّائِرُ هُوَ وِزَانُ الاخْتِلَافِ الَّذِي بَيْنَ التَّمْرِ وَالبُرِّ وَالشَّعِيرِ (١)). الحنفية يقولون: هذه الحيوانات تُعَدُّ أجناسًا مختلفةً؛ لأنَّ حديثَ الرَّسول ﷺ فرَّق بين الذهب والفضة مع أن كلَّ واحدٍ منهما نقدٌ (٢)، ومع ذلك عدَّهم الرسول ﷺ صنفين، وكذلك البر والشعير، والملح والتمر، فإذا كانت هذه تُعَد أصنافًا، فكذلك أيضًا يجب أن نساويها بها، فنقول: إنها أصناف أيضًا، أي: أجناس مختلفة مع أنها يجمعها كلمة "الطعام". والإنسان عندما يدقق في الأمر، لا يمكن أن يجعل لحم البعير كلحم الغنم، لا من حيث الطعم، ولَا من حيث الطهي، ولا من حيث الجودة، ولا من حيث طريقة التغذية وغيرها، فهذا يختلف عن هذا، لكن هل وجود هذه الاختلافات تجعلها صنفين أو أنها لا تبعدها، نحن رأينا وجود اتفاق كبير بين البر والشعير، ومع ذلك قلنا إنهما صنفان وليسا صنفًا واحدًا.

стр. 6755

قوله: (وَبِالجُمْلَةِ، فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّ وِزَانَ الاخْتِلَافِ الَّذِي بَيْنَ الأَشْيَاءِ المَنْصُوصِ عَلَيْهَا هُوَ الاخْتِلَافُ الَّذِي تَرَاهُ فِي اللَّحْمِ). إن الميزان الذي تعتمد عليه هو ما تراه بين أنواع اللحوم، وأبو حنيفة - كما ترون - أراد أن يلحقها أو أن يجعل قياس الدقيق في وجود الفارق بينهما، وهو ذلك الفارق الذي مرَّ بين تلك الأطعمة بأن أصبحت أنواعًا. قوله: (وَالحَنَفِيَّةُ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ المَعْنَى، لِأَنَّ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ اتِّفَاقِ المَنْفَعَةِ). الحنفية أقوى من جهة المعنى، لأنَّ تحريم التفاضل هو عند الْتقَاء الأصناف دون التساوي، فإذا وُجِدَ صنف واحد، وبيع أحدهما بالآخر مع التفاضل، فإن ذلك لا يجوز، إذ تلك أصناف أيضًا. وكأن المُؤلِّفَ مال إلى مذهب الحنفية، والحق أنَّه هو الظاهر في هذه المسألة، ومذهبهم يلتقي مع روح الشريعة الإسلامية، والربا إنَّما مُنِعَ في الأصل لوجود الظلم الذي يقع على أحد الطرفين، فإذا زال ذلك زالت العلة، ولأن الربا أيضًا يُعين على تفكيك المجتمعات، وبث البغض بين أصناف المجتمع الإسلامي الذي وصفه الرسول ﷺ بأنه كالجسد الواحد (١)، واللّه تعالى وصف المؤمنين بأنهم إخوةٌ؛ فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. قوله: (مَسْأَلَةٌ): هذه المسألة لها ارتباط بالأخرى، تكلم المؤلف قبل ذلك عما يتعلق

стр. 6756

بأنواع الحيوان، هل هي صنف واحد أو هي أصناف كثيرة متعددة؟ أو أنها تجتمع تحت أنواع ثلاثة فقط؟ قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي بَيْعِ الحَيَوَانِ بِالمَيِّتِ): هل يجوز بيع الحيوان بالميت؟ وهذه العبارة في بيان بيع الحيوان الحي بالميت، والمقصود هنا المأكول، وليس المراد الحيوان الذي مات حتف أنفه، فإنَّ هذا - كما هو معلومٌ - لا يجوز؛ فإن اللّه قد حرم علينا الميتة؛ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وإنما أُحلت كما أخبر الرسول ﷺ ؛ فالمراد هنا بالميتة هي التي ذبحت شرعًا بمعنى: قُطعت عروقها؛ لحديث: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ" (١). فالمراد بيع الحيوان الحي الذي يسير على أربع بلحم حيوان قد ذبح، يعني: أَنْ تبيع اللحم بالحيوان أو لا. قوله: (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ؛ قَوْلٌ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٢)، وَاللَّيْثِ (٣)، وَقَوْلٌ إِنَّهُ يَجُوزُ فِي الأَجْنَاسِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي

стр. 6757

يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي المُتَّفِقَةِ (أَعْنِي: الرِّبَوِيَّةَ)، لِمَكَانِ الجَهْلِ الَّذِي فِيهَا مِنْ طَرِيقِ التَّفَاضُلِ، وَذَلِكَ فِي الَّتِي المَقْصُودُ مِنْهَا الأَكل، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (١)). القول الأول هو قول الإمامين الشافعي وأحمد (٢): لا يجوز مطلقًا. وأما المالكية: فاعتبروا أمر الانتفاع قياسًا؛ فاعتبروا مسألة الانتفاع قائمةً. قوله: (فَلَا يَجُوزُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ بِشَاةٍ تُرَادُ لِلأَكلِ)، فإن لم تُرَدْ لأكلٍ جاز عندهم، ولذلك سيذكر عما قريب عند المالكية شاة تراد لأكلٍ بشاةٍ تراد لأكلٍ وهما حيَّتان، هل يجوز؟ فهنا اتحدت المنافع. لكن لو كانت شاة تُرَاد لأكلٍ وأخرى تُرَاد لحلبٍ؛ فإنها تجوز؛ لأن المنافع اختلفت. قوله: (وَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي الحَيَوَان المَأْكُلولِ، حَتَّى أَنَّهُ لَا يُجِيزُ الحَيَّ بِالحَيِّ إِذَا كَانَ المَقْصُودُ الأَكلَ مِنْ أَحَدِهِمَا) (٣)، حتى إن الإمام مالكًا والمالكية لا يجيزون بيع الحيوان بالحيوان إذا كان المقصود منه الأكل.

стр. 6758

مثال ذلك: إنسان يقول لآخر: خُذْ هذه الشاة وأعطني هذه الشاة، وكلٌّ منهما أعجبته الأخرى، فيَتَبادلان؛ يعني: باع هذه مقابل هذه، وكلٌّ منهم يريد الأكل، فَهَذا لا يَجُوزُ عند مَالِكٍ في هذه الرِّواية؛ لاتحاد المنافع. لَكن لو أعطى هذه الشاة وقال: هذه جيدة فخذها، وهذا أخذها لأنها أكثر لحمًا ليأكلها، فحينئذٍ اختلفت المنافع، فهذا جائز. قوله: (فَهِيَ عِنْدهُ مِنْ هَذَا البَابِ، أَعْنِي: أَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا، وَالمُزَابَنَةِ) (١)، أما الأصل في الرِّبا إنما هو الزيادة، ومرَّ بنا ذلك. وَ"المُزَابنة"، هي: أن تبيع الرطب بتمر (٢)، فالرطب يختلف عن التمر، الرطب هو الأصل، والتمر إنما قد مرَّ عليه وقتٌ فصار تمرًا، فالرطب بعد أن يمر عليه وقت يصير تمرًا. إذن، هل يجوز بيع الرطب بالتمر أو لا؟ هذا بالنسبة للمزابنة لا يجوز، لكنَّ الرسول ﷺ استثنى منه بيع العرايا (٣)؛ لأن هذه الشريعة قامت على ما فيه مصلحة الناس، وكثيرًا ما أقول: إن هذه الشريعة تقوم على قواعد وأسس عظيمة منها العدل، ومنها أيضًا مراعاة مصالح الناس،

стр. 6759

فليس كل الناس لديه المال ولديه القدرة إذا رأى رطبًا يتدلى من النخل، فنجد أن هذه الشريعة يسرت وخففت له، ووضعت له شروطًا ليأخذ ما يحتاج إليه، فرخصت له في العريَّة: أن يشتري الرطب على رؤوس النخل بالتمر، وهو خرص كما تعلمون، إذْ ليس هناك كيل، لكن حددوه: ١ - بدون خمسة أوسق. ٢ - وألَّا يكون عند الإنسان مالٌ. ٣ - وأنْ يكون أيضًا بحَاجَةٍ إلى ذلك. وهناك شروط خمسة سنأتي إليها، وتفصيل ذلك - إن شاء اللّه - في محله، فالمزابنة أيضًا نُهِيَ عنها؛ لأنها نوع من أنواع الربا، ولذلك قال: الربا والمزابنة، وقد نَهَى الإسلام عنها؛ لأن فيها غبنًا، والإسلام يمنع من الغبن فيه؛ إذا غلب أحد الخصمين الآخر، والإسلام لا يرضى بذلك، لا يرضى بالغش، ولا بالغبن، ولا بالغرر، ولا بالجهالة، ولا بالتدليس وهو أن تزيد في السلعة وأنت لا تريد شراءها لتنفع صاحبها، ولا أن تتلقى الجلب، المزارعون الذين بذلوا جهودهم، وعاشوا عامهم يحفرون ويزرعون ثم بعد ذلك يحصدون ثم تأتي تقف لهم في معترض الطريق فتشتري منهم ثمنًا رخيصًا، ثم تذهب فتبيع على الناس، فالإسلام ما ترك أمرًا من الأمور التي فيها خير إلا أرشد ونبه إليه، ولا أمرًا من الأمور التي تضر في أمر ديننا ودنيانا إلا حذرنا منه، وأرشدنا إليه. قوله: (وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (١) وقول ثالث: أنه يجوز مطلقًا، يعني أن تبيع اللحم بالحيوان، قالوا: لأنك تبيع ربويًّا بغير ربويٍّ، أصبح الآن أحدُهُما ربويًّا والآخر غير ربوي، إذ الربا لم يتحقق في الصنفين، فلما لم يتحقَّق في الصنفين

стр. 6760

جاز؛ كما أن لك أن تشتري هذا اللحم بالدينار أو بالدرهم أو بالريال، إذ جاز لك أن تشتري هذا المال، نَقُول عنه: ربوي بالدراهم إذ رخص لك فيه، فأحدهم ربوي، والآخر ليس ربويًّا، فلك أن تفعل، فهذه وجهة الحنيفية. قَوْله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ الأُصُولِ فِي هَذَا البَابِ)، هو يريد أن يربطَ بين الأصول المعروفة في أبواب البيوع، فمن الأصول: أنه لا يجوز الربا، ومن الأصول المعروفة: "الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل" (١)، هذه قاعدة يضعها الفقهاء، وهناك أيضًا الغبن (٢)، فهو من الأصول الممنوعة في الشريعة الإسلامية في أحكام البيوع، وهناك أيضًا الغرر (٣)، فلا يجوز لك أن تغرر بأخيك المسلم، ولذلك في قصة القلادة (٤) التي بيعت باثني عشر دينارًا؛ منع الرسولُ ﷺ من ذلك، وأمر بفصلها، فلما فُصلت وجد أن ما فيها من الذهب أكثر مما في الاثني عشر دينارًا.
следующие страницы →