← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

* قوله: (وَقَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ رَأَوْا أَنَّ عَلَى المُسْتَحَاضَةِ أَنْ تَتَطَهَّرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ). القول الثاني: أنها تغتسل لكل صلاة وجوبًا. وهو قول عبد الله بن عمر (١)، وعبد الله بن الزبير (٢)، وإحدى الروايتين عن عليِّ بن أبي طالب (٣)، وعبد الله بن عباس ﵄ (٤)، وهو قول عطاء (٥)، وغيره من التابعين (٦).

стр. 702

* قوله: (وَقَوْمٌ (١) رَأَوْا أَنَّ الوَاجِبَ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ العَصْرِ، ثُمَّ تَتَطَهَّرَ وَتَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَكذَلِكَ تُؤَخِّرُ المَغْرِبَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَأَوَّلِ وَقْتِ العِشَاءِ، وَتَتَطَهَّرُ طُهْرًا ثَانِيًا، وَتَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَتَطَهَّرُ طُهْرًا ثَالِثًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَوْجَبُوا عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ). القول الثالث: أن تغتسل ثلاثة أغسال في اليوم والليلة، على التفصيل الذي ذكره المؤلف. * قوله: (وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَمْ يَحُدَّ لَهُ وَقْتًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ) (٢). القول الرَّابع: أنها تغتسل غسلًا واحدًا في اليوم والليلة، وهذا مرَوِيٌّ أيضًا عن عائشة ﵂ (٣). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنْ تَتَطَهَّرَ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ) (٤).

стр. 703

وهذا رَاجعٌ إلى القول الثالث، أما قوله: " من طهرٍ إلى طهرٍ "، فهذا خطأ، والصحيح " من ظهرٍ إلى ظهرٍ "، وبه قال الحسن البصري (١)

стр. 704

وسعيد بن المسيب (١)، أي: تَغْتسل في هذا اليوم عند صلاة الظهر إذا أرادت أن تصلي الظهر، وفي اليوم الثاني كذلك. * قوله: (فَيَتَحَصَّلُ فِي المَسْأَلَةِ بِالجُمْلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، قَوْلٌ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا طُهْرٌ وَاحِدٌ فَقَطْ عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الحَيْضِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا الطُّهْرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ … وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ هُوَ اخْتِلَافُ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الوَارِدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ المَشْهُورَةِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ؛ وَاحِدٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَثَلَاثَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا). القَوْل الأوَّل: لَا يجب عليها الغسل إلا مَرَّةً واحدةً عند إدبار حَيْضتها، بأَدلَّةٍ، منها قول النَّبيِّ ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: " إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي " (٢). وأيضًا لحديث حمنة بنت جحش، قال رسول الله ﷺ : " إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ (٣) مِنْ رَكضاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ، فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ

стр. 705

لَيْلَةً، أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ … " (١). القول الثاني: أن تغتسل لكل صلاة، واستدلوا بأدلة، منها: حديث أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة أن امْرَأةً كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرَّحمن بن عوف، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَها أن تغتسل عند كل صَلَاةٍ وتُصلِّي (٢). وَفِي رِوَايةٍ لحديث عائشة أنَّ زينب بنت جحش اسْتُحِيضَتْ على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة، فإن كانت لتدخل المركن مملوءًا ماءً، فتنغمس فيه، ثم تخرج منه، وإن الدم لغالبه، فتخرج فتصلي (٣). القول الثالث: أن تغتسلَ لكلِّ صلاتين مجموعتين، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، واستدلوا بأدلة، منها حديث أسماء بنت عُمَيس قالت: قلت: يا رسول الله، إنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصلي، فقال رَسُولُ الله ﷺ : " سبحان الله! إنَّ هذا من الشيطان، لتجلس في مِرْكَنٍ (٤)، فإذا رأت صفرةً فوق الماء، فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتَغْتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا " (٥). القول الرابع: أن تغتسل في كل يوم غسلًا واحدًا، واستدلوا بأدلة، منها: حديث فاطمة بنت أبي جحشٍ أنها جاءت إلى عائشة فَقَالتْ: إنِّي أخاف أن أقَعَ في النار، إني أدع الصلاة السَّنَة والسنتين لا أصلي، فقالت

стр. 706

عائشة لنبي الله ﷺ : هذه فاطمة تقول كذا وكذا، فقال لها: " قولي لها: فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها، ثمَّ لتغتسل في كل يوم غسلًا واحدًا، ثم الطهور عند كل صلاة " (١). وأَشَار المؤلف ﵀ إلى أن الخلافَ في هذه المسألة يدور حول أربعة أحاديث، وبحث المؤلف هنا مسألتين في سياقٍ واحدٍ: المسألة الأولى: غسل المستحاضة، وهل يجب مرةً واحدةً، أم لكلِّ صلاةٍ، أم في كل يومٍ مرَّة أو ثلاث مرات؟ والمسألة الثانية: الوضوء لكلِّ صلاة، وهل يجب أم لا؟ * قوله: (أَمَّا المُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ لَهَا ﵊: " لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ … "، " فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ … "، " وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي "، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الحَدِيثِ: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ "، وَهَذ الزِّيَادَةُ لَمْ يُخَرِّجْهَا البُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمٌ، وَخَرَّجَهَا أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ). الحديث الأول: حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ (٢): قولها: " إني امرأة أستحاض فلا أطهر "، أي: أن الدم يستمر سيلانه فلا ينقطع عنها، قوله: (" لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ (٣) وَلَيْسَ بِالحَيضَةِ ")، وهو

стр. 707

الذي يُعْرف عند بعض الفقهاء بدم علة، أو دم فساد، وليس هو دم الحيض المعروف الذي سَبَق الكلام عنه. قوله: (" فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ … ") فيه أنه إذا أدبرت الحيضة، فإنها تَغْتَسل وتصلِّي. قوله: (وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الحَدِيثِ: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ") (١): هذه الرِّواية عليها مدار الخلاف بين العلماء، وجماهير العلماء على صحة هذه الزيادة (٢)، فتتوضأ وجوبًا لكل صلاة، وأما مَنْ قال بضعفها (٣)، فَلَمْ يوجب ذلك عليها (٤). وَاخْتلَف أَهْل العلم: هل للمُسْتَحاضة أن تَتَوضَّأ قبل الوقت؟ وَأَكْثَر الفُقَهاء على أنها تتوضأ إذا دخل الوقت، وليس لها أن تتوضَّأ قبل دخول الوقت؛ لأنها من أهل الأعذار، والصلاة إنما تجب بدخول وقتها (٥).

стр. 708

* قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ امْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهَا اسْتَحَاضَتْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ … هَذَا الحَدِيثُ هَكَذَا أَسْنَدَهُ إِسْحَاقُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّمَا رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: " إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ "، وَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي فَهِمَتْ مِنْهُ، لَا أَنَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ مِنْ لَفْظِهِ ﵊، وَمِنْ هَذَا الطَّرِيقِ خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ). الحَديثُ الثَّانِي: حديث أُمِّ حبيبة بنت جحش ﵂: وقيل: أم حبيبة، أخت حَمْنة بنت جحش ﵂ (١).

стр. 709

أَوْرَد المؤلف رواية أصحاب الزهري، وهي في " الصَّحيحين " (١)، من طريق ابن أبي ذئب، ومن طريق الليث، وليس فيها أمر النبي ﷺ لها أن تغتسلَ لكلِّ صلاة، وأورد رواية إسحاق عن الزهريِّ، وفيها: فأَمَرها أن تغتسل لكل صلاة. فتَنبَّه إلى أن رواية " الصحيحين " أنها شَكَتْ إلى النبي ﷺ حالها، وأخبرته باستمرار الدم، وأنه لا ينقطع، فأمرها أن تغتسل عند انقطاع دم الحيض، ولم يأمرها بأكثر من ذلك، فاختارت هي أن تغتسل لكل صلاة. قال الشافعيُّ ﵀ (٢): " لم يأتِ في الأحاديث ما يدل على الاغتسال لكل صلاة، وإنما فعلت ذلك اجتهادًا منها ". وَقَالَ بعض أهل العلم (٣): " لَوْ كان الغسل لكل صَلَاةٍ وَاجبًا، لبيَّنه رسول الله ﷺ ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز " (٤). وأمَّا فعلها ﵂ فهو مبنيٌّ على الاحتياط، أو أن هذا قدر مستحب، لكن القول بوجوب الغسل لكل صلاة لا بُدَّ له من دليل من الكتاب أو

стр. 710

السُّنة، وليس ثَمَّ دليلٌ، فيقتصر على ما وَرَدت به السُّنَّة الصحيحة، وهو الاغتسال مرةً واحدةً. * قال: (وَأَمَّا الثَّالِثُ فَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لِتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَللْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ "، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ) (١). الحديث الثالث: حديث أسماء بنت عُمَيس ﵂ (٢): وهو ظاهرٌ في أن تغتسل ثلاثة أغسال في اليوم والليلة. * قوله: (وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَحَدِيثُ حَمْنَةَ ابْنَةِ جَحْشٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ بِطُهْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَمَا تَرَى أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ دَمُ الحَيْضِ، وَبَيْنَ أَنْ تَغْتَسِلَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، عَلَى حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ إِلَّا أَنَّ هُنَالِكَ ظَاهِرَهُ عَلَى الوُجُوبِ، وَهُنَا عَلَى التَّخْيِيرِ). الحديث الرابع: حديث حمنة بنت جحش ﵂ (٣): وهذا يُؤيِّد مذهب الجمهور أيضًا، وهو أنه لا يجب عليها أكثر من غسلٍ واحدٍ " لأنه خيَّرها، ولم يأمرها بالغسل لكل صلاة، فمن قواعد الشريعة: أن المشقَّة تجلب التيسير (٤)، وتلك امرأة لحقتها مشقة، ولذا خفف عنها في هذا المقام.

стр. 711

* قوله: (فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ ظَوَاهِرُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، ذَهَبَ الفُقَهَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ: مَذْهَبَ النَّسْخِ (١)، وَمَذْهَبَ التَّرْجِيحِ (٢)، وَمَذْهَبَ الجَمْعِ (٣)، وَمَذْهَبَ البِنَاءِ (٤)، وَالفَرْقُ بَيْنَ الجَمْعِ وَالبِنَاءِ أَنَّ البَانِيَ لَيْسَ يَرَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَارُضًا، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، وَأَمَّا الجَامِعُ فَهُوَ يَرَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَارُضًا فِي الظَّاهِرِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، فَإِنَّهُ فَرْق بَيِّنٌ).

стр. 712

قوله: (ومَذْهَب الجَمْع): الجمع يُصَار إليه عند ظهور خِلَافٍ بين دَليلَين صَحيحَيْن، فمثلًا قوله النبي ﷺ : " خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد " (١)، وقوله: " شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد " (٢)، كلاهما صحيح، وظاهرهما التعارض، فأحدُهُما: فيه مدح الذي يشهد قبل أن يستشهد، والآخر: فيه ذمه، ولا شكَّ أنَّ كليهما حق ومقصود له معنًى، ولذَا قال أهل العلم في الجمع بينهما (٣): إنَّ الذي يشهد قبل أن يستشهد في مسألةٍ قد يترتب عليها إلحاق ضررٍ بمسلم لا ينبغي، بَلْ هو تعجل في الشهادة، وخير الشُّهُود الذي يشهد قبل أن يستشهد إذا كان يعرف حقًّا لمسلمٍ عند آخر، وَيتَرتَّب على شهادته إيصال الحق إليه، وبذلك أمكَن الجمع بينهما مع أن ظَاهرَهما التعارض. * قوله: (أَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، فَمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ حُبَيْشٍ لِمَكَانِ الاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّتِهِ، عَمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَعْنِي مِنْ أَنَّهُ

стр. 713

لَمْ يَأْمُرْهَا ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصلَوَاتِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ المَذَاهِبِ). الجُمْهُورُ أخَذ بحديث فاطمة بنت حُبَيش ﵂ الذي فِي " الصَّحيحَين " (١)، دون زيادة: " وتَوضِّئي لكل صلاة " (٢)، فتنبه. * قوله: (وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥)، وَأَصْحَابُ هَؤُلَاء، وَهُمُ الجُمْهُورُ). وَكَذَلك ذهب إليه أحمد ﵀ (٦).

стр. 714

* قوله: (وَمَنْ صَحَّتْ عِنْدَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الزِّيَادَةُ الوَارِدَةُ فِيهِ، وَهُوَ الأَمْرُ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ، لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهَا. وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ البِنَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ حَدِيثِ فَاطِمَةَ وَحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ الَّذِي مِنْ رُوَاتِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ تَعَارُضٌ أَصْلًا، وَأَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَة عَلَى مَا فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ، فَإِنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ إِنَّمَا وَقَعَ الجَوَابُ فِيهِ عَنِ السُّؤَالِ، هَلْ ذَلِكَ الدَّمُ حَيْضٌ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ أَمْ لَا؟ فَأَخْبَرَهَا ﵊ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَيْضَةٍ تَمْنَعُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُخْبِرْهَا فِيهِ بِوُجُوبِ الطُّهْرِ أَصْلًا لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَا عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الحَيْضِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ أَمَرَهَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّطَهُّرُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنْ لِلْجُمْهُورِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ (١)، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا الطُّهْرُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْهَلُ الفَرْقَ بَيْنَ الاسْتِحَاضَةِ وَالحَيْضِ، وَأَمَّا تَرْكُهُ ﵊ إِعْلَامَهَا بِالطُّهْرِ الوَاجِبِ عَلَيْهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الحَيْضِ، فَمُضَمَّنٌ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ "؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ سُنَّتِهِ ﵊ أَنَّ انْقِطَاعَ الحَيْضِ يُوجِبُ الغُسْلَ، فَإِذًا إِنَّمَا لَمْ يُخْبِرْهَا بِذَلِكَ؛ لأنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فِي وُجُوبِ الطُّهْرِ لكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ ثَابِتَةً،

стр. 715

وَتَثْبُتُ بَعْدُ، فَيَتَطَرَّقُ إِلَى ذَلِكَ المَسْأَلَةُ المَشْهُورَةُ: هَلِ الزِّيَادَةُ نَسْخٌ أَمْ لَا؟ وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ أَمْرُهُ ﵊ لَهَا بِالغُسْلِ (١)، فَهَذَا هُوَ حَالُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ وَمَذْهَبَ البِنَاءِ). هَذَا كلامٌ متجهٌ، فلَوْ كان ذلك واجبًا لبُيِّن ونُقِلَ إلينا؛ إذ هو يتعلَّق برُكْنٍ مهمٍّ من أركان الإسلام، وهو الصلاة. * قوله: (وَيَبْعُدُ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْهَلُ الفَرْقَ بَيْنَ الاسْتِحَاضَةِ وَالحَيْضِ)؛ يعني: إذا كانت تجهل دم الاستحاضة، فلا تُفرِّق بينه وبين دم الحيض، فكيف تعرف مثل ذلك؟ * قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ النَّسْخِ، فَقَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ اسْتُحِيضَتْ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُهَا بِالغُسْلِ عِنْدَ كلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلَ ثَالِثًا لِلصُّبْحِ (٢)، وَأَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَقَالُوا: إِنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ مَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي تَعْرِفُ أَيَّامَ الحَيْضِ مِنْ أَيَّامِ الاسْتِحَاضَةِ، وَحَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي لَا تَعْرِفُ ذَلِكَ،

стр. 716

فَأُمِرَتْ بِالطُّهْرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ احْتِيَاطًا لِلصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ إِذَا قَامَتْ إِلَى الصَّلَاةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ طَهُرَتْ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي لَا يَتَمَيَّزُ لَهَا أَيَّامُ الحَيْضِ مِنْ أَيَّامِ الاسْتِحَاضَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ عَنْهَا فِي أَوْقَاتٍ، فَهَذِهِ إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ بِذَلِكَ الغُسْلِ صَلَاتَيْنِ. وَهُنَا قَوْمٌ ذَهَبُوا مَذْهَبَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ حَدِيثَيْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَأَسْمَاءَ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَيَّرَهَا (١)، وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ المُخَيَّرَةَ هِيَ الَّتِي لَا تَعْرِفُ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هِيَ المُسْتَحَاضَةُ عَلَى الإِطْلَاقِ؛ عَارِفَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ عَارِفَةٍ، وَهَذَا قَوْلٌ خَامِسٌ فِي المَسْأَلَةِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ ابْنَةِ جَحْشٍ إِنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِطُهْرٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ أَنْ تَتَطَهَّرَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوَاجِبَ أَنْ تَطهَّرَ فِي كلِّ يَوْمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا لِمَكَانِ الشَّكِّ، وَلَسْتُ أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا). المُؤلِّف ﵀ بَسَط هذه المسألَةَ بسطًا جيدًا، وَنَاقش مسائلها نقاشًا وافيًا كما هو واضحٌ.

стр. 717

* قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي جَوَازِ وَطْءِ المُسْتَحَاضَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالحَكَمُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ بِهَا، وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ إِبَاحَةُ الصَّلَاةِ لَهَا هِيَ رُخْصَةٌ لِمَكَانِ تَأْكِيدِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَمْ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهَا الصَّلَاةُ؛ لِأنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ، لَمْ يُجِزْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا، وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لِأنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ، أَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ، وَهِيَ بِالجُمْلَةِ مَسْأَلَةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا، وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الطُّولِ وَلَا طُولَ، فَاسْتِحْسَانٌ). سَبَقَ أن تكلَّمنا عن وَطْءِ الحائض، وبيَّنَّا إجماع العلماء على تحريم وطئها، وذَكَرنا أدلة ذلك، والمسألة مُجْمَعٌ عليها، وقلنا: ورد ذلك نصًّا وإجماعًا، يعني: تَحْريم الوطء في الفرج محرمٌ بالنص والإجماع (١). شَرَعَ المؤلِّف في ذكر مسألة وطء المستحاضة، وأنَّ العلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ: القول الأوَّل: أنه يجوز وطؤها، فلها أحكام الطاهرات، وإليه ذهب أبو حنيفة (٢)، ...................................................

стр. 718

ومالك (١)، والشافعي (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وهو قول ابن عباس (٤)، وسعيد بن المسيب (٥)، وجماعة من التابعين (٦)؛ لأن لها أحكام الطاهرات، فتصوم وتصلي وتقرأ القرآن، وتطوف بالبيت، فجاز كذلك أن يطأها زوجها. القول الثاني: أنه لا يجوز وطؤها: وهو قول النخعي (٧)، والحكم (٨)، وروي عن عائشة ﵂، وحجتهم على ذلك ما يلي: أوَّلًا: ما نُقِلَ عن عائشةَ ﵂ أنها قالت في المُسْتحاضة: " لا يغشاها زوجها "، رواه البيهقي (٩) وغيره (١٠).

стр. 719

ثانيًا: قالوا: إن الله نهى عن وطء الحائض؛ لوجود الأذى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والأذى موجودٌ أيضًا في المستحاضة، والحكم يَدُورُ مع علته وجودًا وعدمًا. وَأَجَاب الجُمْهور: أنَّ هذه امرأةٌ خُفِّفَ عنها للمشقة، فهي تعامل معاملة الطاهرات، وَوَردتْ عن الصحابة آثارٌ تفيد ذلك، فكانت حمنة يغشاها زوجها، وكذلك أم حبيبة ﵂ وهي مستحاضة، واشتهر هذا ولم ينكر، وتأولوا أثر عائشة ﵂ أنه لا يغشاها زوجها من باب التقذُّر، وعليه فالصحيح - في نظري - هو مذهب الجمهور، وَاللهُ أَعْلَمُ. وأما قول المؤلف: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ إِبَاحَةُ الصَّلَاةِ لَهَا هِىَ رُخْصَةٌ لِمَكَانِ تَأْكِيدِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَمْ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهَا الصَّلَاةُ؛ لِأَنُّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَمْ يُجِزْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا)، فلا أدري من أين جاء المؤلف بهذا التعليل، لكن دليلهم ما تقدَّم ذكرُهُ، والجواب عنه. القول الثالث: أنه لا يأتيها زوجها إلا أن يطول ذلك بها، وذلك أن حالها أخفُّ من حال الحائض، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (١). * قوله: (وَهِيَ بِالجُمْلَةِ مَسْأَلَةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا): هكذا ذكر، والمسألة ليس مسكوتًا عنها في الحقيقة؛ لأنه قَدْ ورد فيها نصوصٌ، فعن عائشة ﵂: " المستحاضة لا يغشاها زوجها " (٢)، وعن حمنة ﵂ أنَّه كان يطؤها زوجها (٣)، وكذلك عن أُمِّ حبيبة أنه كان يغشاها زوجها (٤) وهما مستحاضتان، كما مرَّ ذكرُهُ.

стр. 720

قَوْله: (وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الطُّولِ وَلَا طُولَ، فَاسْتِحْسَانٌ): هكذا ذكر المؤلف، ولا أدري من أين بناه، وقد تَقدَّم أنَّ لأحمد روايتين. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 721

(كِتَابُ التَّيَمُّمِ) (١) هذا الكتاب في بيان أحكام التيمم، وذكر فيه المؤلف ﵀ أمهات مسائله وأصوله. * قوله: (وَالقَوْلُ المُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الكِتَابِ يَشْتَمِلُ بِالجُمْلَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَبْوَابٍ: الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا). يَعْني: هل التيمُّم بدلٌ من الطهارة الصغرى فقط أم أنه بدلٌ عنها، وعن الكبرى أيضًا؟ * قوله: (الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ). يَعْني: هَلْ هو عادم الماء فقط، أو الذي يجد الماء ولكن حَالَ دونه حائلٌ من مرضٍ أو عدوٍّ أو خوفٍ؟ * قوله: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ). للتيمم شروطٌ: منها: دخول الوقت.

стр. 722

ومنها: طلب الماء إلا إذا كان متيقنًا عدم وجوده. وَمنها: أن يعلم بوجوده، لكنه يعجز عن الوصول إليه. * قوله: (الرَّابعُ: فِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ). وهل يكفي أن يضربَ بيديه على الأرض ضربةً واحدةً، يمسح بهما وجهه وكفيه، أم لا بد من ضربتين، إحداهما: للوجه، والأُخرى: لليدين؟ وهل يقتصر على الكفين، أو يتجاوز ذلك إلى الذراعين أو المنكبين؟ * قوله: (الخَامِسُ: فِيمَا تُصْنَعُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ). أَيْ: هل هي مقصورةٌ على ما وَرَد في قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؟ وَهَل المُرَاد بالصعيد هنا هو تراب الحرث، كما فَسَّره عبد الله بن عباس أو أنه يدخل فيه كل أنواع التراب، وكذلك الجص (١)، والنورة (٢)، والزرنيخ (٣)، وكذلك اللبد (٤) من الصوف والقطن، أي: التراب المتراكم عليه وعلى الفرش، والثياب، وكذلك إذا وُجِدَ تراب على الجدار أو على الرخام، هل يصحُّ التيمُّم به أم لا؟ * قوله: (السَّادِسُ: فِي نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ). وَأنَّها هي بعينها نَوَاقضُ الوضوء والغسل، إضافةً إلى وجود الماء،

стр. 723

وإذا حضر الماء أثناء الصلاة، فهل تنتقض طهارته أم لا؟ وكذلك إذا وَجَده بعد الفراغ من الصلاة قبل خروج الوقت، فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ خلافٌ بين أهل العلم، وسيتعرض له المؤلف في هذا الباب. * قوله: (السَّابعُ: فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي استِبَاحَتِهَا). يعني: هل شروط الغسل والوضوء هي نفس شروط التيمم أم هناك اختلاف؟ قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 724

(كِتَابُ التَّيَمُّم) " التيمُّم " في اللُّغة: القَصْدُ، قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١). وقال امرؤ القيس: تَيَمَّمْت العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ … يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي (٢) وقال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: اقْصدوه (٣). ثُمَّ نُقِلَ في عُرْف الفقهاء إلى مسح الوجه واليدين بشيءٍ من الصعيد (٤).

стр. 725

حكمه: وهو جائزٌ بالكتاب والسُّنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. وأما السُّنَّة: فحديث عمارٍ وغَيْره، كما سيأتي. وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز التيمم (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا) ذَلكَ لأنَّ اللهَ قَدْ شرع التطهُّر للصلاة من الحدثين الأصغر والأكبر بالماء الذي أنزله الله لنا طهورًا، وهذا واجب لا بد منه مع الإمكان، لكن قد تعرض حالات يكون الماء فيها معدومًا، أو فِي حكم المعدوم، أو موجودًا، لكن يتعذَّر استعماله لعذرٍ من الأعذار الشرعية، وهنا قَدْ جعل الله ما ينوب عنه، وهو التيمُّم بالتراب؛ تيسيرًا على الخَلَف، ورفعًا للحرج. فَبَدأَ المُصنِّف ﵀ في تحديد الطهارة الَّتي يصحُّ أن يكونَ التيمُّم بدلًا عن الماء فيها.

стр. 726

فالتيمُّم بدل طهارة الماء عند العجز عنه شرعًا، يفعل بالتطهُّر به كل ما يفعل بالتطهر بالماء من الصلاة والطواف وقراءة القرآن وغير ذلك، فإن الله جعل التيمُّم مطهرًا كما جعل الماء مطهرًا، قال ﵊: " وجعلت تربتها "، يعني: الأرض " لنا طهورًا … ". وَلَكن مَتى يَكُونُ بدلًا؟ هل يَكُونُ في الطَّهارة الكُبْرى الَّتي تكون من الجنابة؟ أم في الصُّغرى فقط؟ * قوله: (اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ هِىَ بَدَلٌ مِنَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الكُبْرَى) (١). أي: اتفق الفُقَهاءُ على أن الطهارة بالتيمُّم بدلٌ من الطهارة عن الحدث الأصغر، ولكنَّهم اختلفوا في الكُبْرى التي هي طهارة عن الجنابة. * قوله: (فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِهَا بَدَلًا مِنَ الكُبْرَى (٢)، وَكَانَ عَلِيٌّ (٣) وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الطَّهَارَةِ الكُبْرَى، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ) (٤).

стр. 727

اخْتَلَفوا في ذَلكَ على قَوْلين: القَوْل الأوَّل: أنَّ الطهارة بالتيمم لا تكون بدلًا عن الطهارة من الجنابة. واشتهر هذا عن عُمَر وابن مَسْعُودٍ ﵄، وحكى بعض العلماء رجوعهما (١)، لأنه لم يُفرَّق بين بدل الغسل والوضوء، ولإنكار النبيِّ ﷺ التمرُّغ، ولأن التمرُّغ فيه بعض الحرج، فلا يصلح رافعًا للحرج بالكلية. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: الاحْتِمَالُ الوَارِدُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَأَنَّهُ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُمُ الآثَارُ الوَارِدَةُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ، أَمَّا الاحْتِمَالُ الوَارِدُ فِي الآيَةِ، فَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، يُحْتَمُلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ عَلَى المُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ (٢)، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِمَا مَعًا (٣)، لَكِنْ مَنْ كَانَتِ المُلَامَسَةُ عِنْدَهُ فِي الآيَةِ الجِمَاعَ، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَمَنْ كَانَتِ المُلَامَسَةُ عِنْدَهُ هِيَ اللَّمْسَ بِاليَدِ، أَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَعُودُ الضَّمِيرُ عِنْدَهُ عَلَى المُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ، إِذْ كَانَتِ الضَّمَائِرُ إِنَّمَا يُحْمَلُ أَبَدًا عَوْدُهَا عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ فِي الآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا حَتَّى يَكُونَ تَقْدِيرُهَا هَكَذَا: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا إِذَا قُمْتُمْ

стр. 728

إِلَى الصَّلَاةِ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ، وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا"، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّاْخِيرَ مَجَازٌ، وَحَمْلُ الكَلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى المَجَازِ، وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فِي الآيَةِ شَيْئًا يَقْتَضِى تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَهُوَ أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا يُوجِبُ أَنَّ المَرَضَ وَالسَّفَرَ حَدَثَانِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا قُدِّرَتْ " أَوْ " هَاهُنَا بِمَعْنَى الوَاوِ، وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كَلَامِ العَرَبِ فِي مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَكَانَ سِيَّانِ أَلَّا يُسَرِّحُوا نَعَمًا … أَوْ يُسَرِّحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السَّرحُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سِيَّانِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الأَسْبَاب الَّتِي أَوْجَبَتِ الخِلَافَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ). استدلَّ الذين منعوا أن يكون التيمم بدلًا عن الغسل بأنَّ الآية ليس فيها إلا إباحته للمُحْدث فقط. وقال الجمهور: " إنَّ الضمير في قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، يعود على المحدث والجنب معًا ". * قوله: (وَأَمَّا ارْتِيَابُهُمْ فِي الآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا المَعْنَى فَبَيِّنٌ مِمَّا خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: " أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ المَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ، فَقَالَ

стр. 729

عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ" (١). وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " أَنَّهُ قَالَ لَهُ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ" (٢)، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: "كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لِأَبِي مُوسَى: لَا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ وَذَكَرَ لَهُ الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ " (٣)؟). وَاعْلَمْ أنَّ قول ابن مسعود ﵁: " لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ، لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ "، فيه دَليلٌ على أنَّ الصَّحَابةَ ﵃ كانوا مُتَّفقينَ على أنَّ الآيةَ تَدلُّ علَى جَوَاز التَّيمُّم للجُنُب. * قوله: (لَكِنَّ الجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ، خَرَّجَهُمَا البُخَارِيُّ، وَإِنَّ نِسْيَانَ عُمَرَ لَيْسَ مُؤَثِّرًا فِي وُجُوبِ العَمَلِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ). فَصَّل العُلَماء القولَ فيما رَوَاه الصحابيُّ، وذكروا من ذلك ما لو تحققنا نسيانه لروايته، فلا خلاف في أنَّ النسيان ليس مؤثِّرًا في العمل بروايته تلك.

стр. 730

* قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ وَالحَائِضِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: " جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا " (١)، وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الحُصيْنِ، فَهُوَ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. فَقَالَ ﵊: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَاِنَّهُ يَكْفِيكَ " (٢)، وَلمَوْضِعِ هَذَا الاحْتِمَالِ اخْتَلَفُوا: هَلْ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ أَنْ يَطَأَ أَهْلَهُ أَمْ لَا يَطَؤُهَا؟ (أَعْنِي: مَنْ يُجَوِّزُ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمَ). اختلفوا: هل يجوز لمَنْ عدم الماء أن يجامع زوجته؟ فمذهب الأحناف (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥): جَوَاز الجماع. وقال مالك: لا يطأ المسافر امرأته ولا جاريته إلا ومعه ماءٌ (٦).

стр. 731

ودليلُ الجَوَاز مطلقًا: أنَّ الجماع مباحٌ، فلا نمنعه، ولا نكرهه إلا بدليل، فهذا هو المعتمد في الدلالة. وَأمَّا حَديثُ عَمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، قال: جَاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، الرَّجل يَغيب لا يقدر على الماء، أيُجَامع أهله؟ قال: " نعم " (١)، فلا يحتجُّ به؛ لأنه ضعيف، فإنه من رواية الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف (٢). قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ) * قوله: (وَأَمَّا مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ، فَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ (٣) أَنَّهَا تَجُوزُ لِاثْنَيْنِ: لِلْمَرِيضِ وَالمُسَافِرِ إِذَا عَدِمَا المَاءَ). وَذَلك لقَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:

стр. 732

٤٣]، فهذه الآية نصٌّ في تيمم المريض والمسافر إذا عدما الماء. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعٍ: المَرِيضِ يَجِدُ المَاءَ وَيَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ، وَفِي الحَاضِرِ يَعْدَمُ المَاءَ، وَفِي الصَّحِيحِ المُسَافِرِ يَجِدُ المَاءَ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الوُصُولِ إِلَيْهِ خَوْفٌ، وَفِي الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ شِدَّةِ البَرْدِ). قوله: (وَاخْتَلفوا في أربعٍ)، يعني: في حكم تيممهم وصلاتهم بهذا التيمم. الأوَّل: المريض الذي يجد الماء، وَلَكنه يصعب عليه استعماله؛ إمَّا لخوفِهِ من ضررٍ يَتَرتب عليه، أو أنه لا يستطيع أن يصل إلى الماء، ولا يوجد مَنْ يوصله إليه. الثَّانِي: الحاضر يعدم الماء، وسيأتي تفصيل أقوال الفقهاء فيه. الثالث: الصحيح المسافر يجد الماء، فيمنعه من الوصول إليه خوفٌ، والخوفُ أنواع، فقد يكون من ظالمٍ، أو لكون المكان الذي فيه الماء موحشًا، به سباعٌ ونحوها، أو خوف لصٍّ أو عدوٍّ يتربص به، أو أن تكون امرأة تعلم أن هذا طريق يسلكه الفُسَّاق، فتَخْشى على نفسها، فَهَذا هو مُرَاد الفقهاء بالخوف، ولَيْس من الخوف عندهم الجبن الذي قد يصيب بعض الناس فيسبب الخوف. الرَّابع: مَنْ يجد الماء لكن يَخَاف من استعمالِهِ لشدَّة البرد، هَكَذا أطلق المؤلف، لكن ينظر في قدرتِهِ على فِعْل الأسباب التي تزيل بُرُودته كالتسخين مثلًا، أو إذا وجد وسيلةً لتَدْفئة أَعضائه بعد غَسْلها، وَهذه الشريعة إنما بُنِيَتْ على دفع الضرر، لقول النَّبيِّ ﷺ : " لَا ضَرر، ولَا ضرَار " (١)، فلا يعدُّ هذا معذورًا إذا استطاع.

стр. 733

* قوله: (فَأَمَّا المَرِيضُ الَّذِي يجِدُ المَاءَ، وَيَخَافُ اسْتِعْمَالَهُ، فَقَالَ الجُمْهُورُ (١): يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لَهُ). شَرَع المؤلِّف ﵀ في تفصيل الكلام عن هذه الأصناف الأربعة التي أشار إليها إشارةً مجملةً: فأما المريض الذي يجد الماء، ويخاف من استعماله: فإن كان مرضه يصل به إلى حد التلف، فهذا يتيمم، بل لا يجوز له استعمال الماء (٢)، وقَدْ أنكرَ النَّبيُّ ﷺ على مَنْ أفتى صاحب الشجة بالغسل لما احتلم، فاغتسل فمات، وقال: " قتلوه قتلهم الله " (٣)، وهذا على فرض صحة الحديث.

стр. 734

والناظر في قواعد الشريعة يجد أنها تنبذ الضرر، وقد سبق قول النَّبيِّ ﷺ : " لا ضَرر، ولا ضرار " (١)، وقال تعالى في حق المُكْرَه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وَفِي الحَديث: " عُفِيَ عن أُمَّتي عن الخَطإ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٢). وَكَذَلك إذا كان يترتب على استعماله الماءَ زيادةٌ في مرضه، أو تأخيرٌ لبُرْئه، فهذا له أن يتيمم؛ لقاعدة: " المشقَّة تجلب التيسير " (٣). وبَعْضهم (٤) أوجبَ علَيه استعمال الماء، وهو قولٌ ضعيفٌ. أما إذا كان المرضُ يسيرًا؛ كصداع أو حمى أو جرح يسير لا يتأثر أو نحوه، فهذا لا ينبغي له أن يعدلَ عن الأصل (وهو الماء) إلى البدل (وهو التيمم). * قوله: (وَكذَلِكَ الصَّحِيحُ الَّذِي يَخَافُ الهَلَاكَ أَوِ المَرَضَ الشَّدِيدَ مِنْ بَرْدِ المَاءِ وَكذَلِكَ الَّذِي يَخَافُ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى المَاءِ إِلَّا أَنَّ مُعْظَمَهُمْ

стр. 735

أَوْجَبَ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ إِذَا وَجَدَ المَاءَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يَتَيَمَّمُ المَرِيضُ، وَلَا غَيْرُ المَرِيضِ إِذَا وَجَدَ المَاءَ). كذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك من برد الماء له أن يتيمم ولو لم يتيقن الهلاك، كما لو كان في صحراء، أو في مكانٍ غير محاطٍ، تأتيه الرياح من كل جانب، فخشي الهلكة إن توضأ أو اغتسل، وقد أقرَّ النبي ﷺ عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لما صلى بأصحابه جنبًا في ليلةٍ شاتيةٍ خوف الهلاك، قال: " يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ". قال: نعم، فذكر القصة، وتلا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] (١)، فسكت رسول الله (٢). وفي بعضها: فتبسم رسول الله (٣)، فكان بذلك مُقِرًّا له؛ لأنه لو كان غير مقرٍّ له لأنكر عليه ذلك العمل، وبيَّن الحكم فيه؛ لأنه بيان، وتأخيرُ البَيَان عن وقت الحاجة لا يجوز (٤). كذلك استدلَّ الجمهور بالعمومات الواردة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 736

* قوله: (أَنَّ مُعْظَمَهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ إِذَا وَجَدَ المَاءَ)، هذَا ليس بمُسلَّم. وَقَالَ عطاء (١): لا يَتيمَّم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء، ونقل كذلك عن الحسن (٢)، إلا المجدور (٣) وهو من أصابه الجدري، والجمهور (٤) على أنه يتيمَّم على التفصيل الذي سبق. وَمِنَ الأمور التي يَذْكرها الفقهاء (٥) أن الإنسان لو وجد ماءً في بئر،

стр. 737

ولم يجد دلوًا، فإن كان معه رداء أو خرقة مثلًا، فإنه يدليها في الماء، ثم يرفعها ويعصر الماء حتى يجمع ما يتوضأ به وإلا تيمم. * قوله: (وَأَمَّا الحَاضِرُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَعْدمُ المَاءَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ وَإِنْ عَدِمَ المَاءَ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ الأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ). اختلف أهل العلم في الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء إلى قولين: القول الأوَّل: أنه يجوز له التيمم، وهو قول مالك (١)، والشافعي (٢)،

стр. 738

وأحمد (١)؛ لحديث أبي ذرٍّ ﵁ قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: " يا أبا ذرٍّ، أبدأ فيها "، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست، فَأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقال: " أبو ذرٍّ "، فسكت فقال: " ثَكلَتْك أمُّك أبا ذرٍّ، لأمك الويل "، فدعا لي بجاريةٍ سَوْداء، فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: " الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم ولَوْ إلى عشر سنين، فإذا وجدتَ الماء فأمسه جلدك، فإنَّ ذلك خيرٌ " (٢). القَوْل الثَّانِي: أنه لا يَجُوز له أن يتيمم، وإليه ذَهَب أبو حنيفة (٣)، وحُجَّته: أنَّ الله تَعالَى قيَّد إباحة التيمم بالسفر، فَقَال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر﴾ [النساء: ٤٣]، قال: ولم يذكر الحاضر، فيَنْبغي الوقوف عند النَّصِّ. وأمَّا الجمهور فقَدْ أَخَذوا بعموم الأدلة، وأنَّ سببَ التَّيمُّم فقدان الماء، فحيثما فُقِدَ الماء أبيح التيمُّم؛ سفرًا كان أو حضرًا، وإنما ذكر المسافر؛ لأنَّ غالبَ فقدان الماء إنَّما هو في السفر، وأمَّا الحاضر فإنه يندر ألَّا يجد الماء. والراجح هو قول الجمهور، وأنه لا خلافَ بين حال المسافر وغير المسافر.

стр. 739

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ الأرْبَعِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ). من الفقهاء المتأخرين من اعتبر كتاب " بداية المجتهد "، لأنه ذكر فيه المسائل الكبرى التي تتفرع عنها مسائل كثيرة، ولأجل هذا اعتبره كثيرٌ من العلماء كتاب قواعد (١)، وألحقوا به أيضًا كتاب " قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية " لابن جزي المالكي. * قوله: (أَمَّا فِي المَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، فَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ: هَلْ فِي الآيَةِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر﴾ [النساء: ٤٣]، فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِي الآيَةِ حَذْفًا، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الكَلَامِ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى لَا تَقْدِرُونَ عَلَى اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى المُسَافِرِ فَقَطْ، أَجَازَ التَّيَمُّمَ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] يَعُودُ عَلَى المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ مَعًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الآيَةِ حَذْفٌ لَمْ يُجِزْ لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ المَاءَ التَّيَمُّمَ). المؤلف ﵀ تكلَّف في هذه المسائل، وقد سبق ذكر أدلة الجمهور، وهي واضحة وجلية، فلسنا بحاجة إلى هذا التفصيل؛ لأن الله تعالى خفَّف عن المريض، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، [الفتح: ١٧]، وَقَال النَّبيُّ ﷺ : " صَلِّ قائمًا، فَإِنْ لَمْ تستطع فقاعدًا، فإن لم تَسْتطع فعَلَى جنبك " (٢)، إذًا المريض يُخَفَّفُ عنه.

стр. 740

أَضِفْ إلى ذلك الأدلة العامة الواردة في هذه المسألة؛ كقول النَّبيِّ ﷺ : " الصَّعيد الطيِّب كافيك وَإِنْ لَمْ تجد المَاء " (١)، وقَوْله: " الصَّعيد الطيِّب طهور المسلم وَإِنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته " (٢)، وهو حديثٌ صحيحٌ أو حسنٌ، وقد تَلَقَّاه العلماء بالقبول (٣). * قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الحَاضِرِ الَّذِي يَعْدِمُ المَاءَ، فَاحْتِمَالُ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أَنْ يَعُودَ عَلَى أَصْنَافِ المُحْدِثِينَ (أَعْنِي الحَاضِرِينَ وَالمُسَافِرِينَ، أَوْ عَلَى المُسَافِرِينَ فَقَطْ، فَمَنْ رَآهُ عَائِدًا عَلَى جَمِيعِ أَصْنَافِ المُحْدِثِينَ، أَجَازَ التَّيَمُّمَ لِلْحَاضِرِينَ، وَمَنْ رَآهُ عَائِدًا عَلَى المُسَافِرِينَ فَقَطْ أَوْ عَلَى المَرْضَى وَالمُسَافِرِينَ، لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ لِلْحَاضِرِ الَّذِي عَدِمَ المَاءَ). وَالجُمْهور (٤) على جَوَاز التيمُّم للحاضر الذي عدم الماء، ولا دليل على المنع.
следующие страницы →