← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

بأنواع الحيوان، هل هي صنف واحد أو هي أصناف كثيرة متعددة؟ أو أنها تجتمع تحت أنواع ثلاثة فقط؟ قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي بَيْعِ الحَيَوَانِ بِالمَيِّتِ): هل يجوز بيع الحيوان بالميت؟ وهذه العبارة في بيان بيع الحيوان الحي بالميت، والمقصود هنا المأكول، وليس المراد الحيوان الذي مات حتف أنفه، فإنَّ هذا - كما هو معلومٌ - لا يجوز؛ فإن اللّه قد حرم علينا الميتة؛ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وإنما أُحلت كما أخبر الرسول ﷺ ؛ فالمراد هنا بالميتة هي التي ذبحت شرعًا بمعنى: قُطعت عروقها؛ لحديث: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ" (١). فالمراد بيع الحيوان الحي الذي يسير على أربع بلحم حيوان قد ذبح، يعني: أَنْ تبيع اللحم بالحيوان أو لا. قوله: (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ؛ قَوْلٌ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٢)، وَاللَّيْثِ (٣)، وَقَوْلٌ إِنَّهُ يَجُوزُ فِي الأَجْنَاسِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي

стр. 6757

يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُل، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي المُتَّفِقَةِ (أَعْنِي: الرِّبَوِيَّةَ)، لِمَكَانِ الجَهْلِ الَّذِي فِيهَا مِنْ طَرِيقِ التَّفَاضُلِ، وَذَلِكَ فِي الَّتِي المَقْصُودُ مِنْهَا الأَكل، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (١)). القول الأول هو قول الإمامين الشافعي وأحمد (٢): لا يجوز مطلقًا. وأما المالكية: فاعتبروا أمر الانتفاع قياسًا؛ فاعتبروا مسألة الانتفاع قائمةً. قوله: (فَلَا يَجُوزُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ بِشَاةٍ تُرَادُ لِلأَكلِ)، فإن لم تُرَدْ لأكلٍ جاز عندهم، ولذلك سيذكر عما قريب عند المالكية شاة تراد لأكلٍ بشاةٍ تراد لأكلٍ وهما حيَّتان، هل يجوز؟ فهنا اتحدت المنافع. لكن لو كانت شاة تُرَاد لأكلٍ وأخرى تُرَاد لحلبٍ؛ فإنها تجوز؛ لأن المنافع اختلفت. قوله: (وَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي الحَيَوَان المَأْكُلولِ، حَتَّى أَنَّهُ لَا يُجِيزُ الحَيَّ بِالحَيِّ إِذَا كَانَ المَقْصُودُ الأَكلَ مِنْ أَحَدِهِمَا) (٣)، حتى إن الإمام مالكًا والمالكية لا يجيزون بيع الحيوان بالحيوان إذا كان المقصود منه الأكل.

стр. 6758

مثال ذلك: إنسان يقول لآخر: خُذْ هذه الشاة وأعطني هذه الشاة، وكلٌّ منهما أعجبته الأخرى، فيَتَبادلان؛ يعني: باع هذه مقابل هذه، وكلٌّ منهم يريد الأكل، فَهَذا لا يَجُوزُ عند مَالِكٍ في هذه الرِّواية؛ لاتحاد المنافع. لَكن لو أعطى هذه الشاة وقال: هذه جيدة فخذها، وهذا أخذها لأنها أكثر لحمًا ليأكلها، فحينئذٍ اختلفت المنافع، فهذا جائز. قوله: (فَهِيَ عِنْدهُ مِنْ هَذَا البَابِ، أَعْنِي: أَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا، وَالمُزَابَنَةِ) (١)، أما الأصل في الرِّبا إنما هو الزيادة، ومرَّ بنا ذلك. وَ"المُزَابنة"، هي: أن تبيع الرطب بتمر (٢)، فالرطب يختلف عن التمر، الرطب هو الأصل، والتمر إنما قد مرَّ عليه وقتٌ فصار تمرًا، فالرطب بعد أن يمر عليه وقت يصير تمرًا. إذن، هل يجوز بيع الرطب بالتمر أو لا؟ هذا بالنسبة للمزابنة لا يجوز، لكنَّ الرسول ﷺ استثنى منه بيع العرايا (٣)؛ لأن هذه الشريعة قامت على ما فيه مصلحة الناس، وكثيرًا ما أقول: إن هذه الشريعة تقوم على قواعد وأسس عظيمة منها العدل، ومنها أيضًا مراعاة مصالح الناس،

стр. 6759

فليس كل الناس لديه المال ولديه القدرة إذا رأى رطبًا يتدلى من النخل، فنجد أن هذه الشريعة يسرت وخففت له، ووضعت له شروطًا ليأخذ ما يحتاج إليه، فرخصت له في العريَّة: أن يشتري الرطب على رؤوس النخل بالتمر، وهو خرص كما تعلمون، إذْ ليس هناك كيل، لكن حددوه: ١ - بدون خمسة أوسق. ٢ - وألَّا يكون عند الإنسان مالٌ. ٣ - وأنْ يكون أيضًا بحَاجَةٍ إلى ذلك. وهناك شروط خمسة سنأتي إليها، وتفصيل ذلك - إن شاء اللّه - في محله، فالمزابنة أيضًا نُهِيَ عنها؛ لأنها نوع من أنواع الربا، ولذلك قال: الربا والمزابنة، وقد نَهَى الإسلام عنها؛ لأن فيها غبنًا، والإسلام يمنع من الغبن فيه؛ إذا غلب أحد الخصمين الآخر، والإسلام لا يرضى بذلك، لا يرضى بالغش، ولا بالغبن، ولا بالغرر، ولا بالجهالة، ولا بالتدليس وهو أن تزيد في السلعة وأنت لا تريد شراءها لتنفع صاحبها، ولا أن تتلقى الجلب، المزارعون الذين بذلوا جهودهم، وعاشوا عامهم يحفرون ويزرعون ثم بعد ذلك يحصدون ثم تأتي تقف لهم في معترض الطريق فتشتري منهم ثمنًا رخيصًا، ثم تذهب فتبيع على الناس، فالإسلام ما ترك أمرًا من الأمور التي فيها خير إلا أرشد ونبه إليه، ولا أمرًا من الأمور التي تضر في أمر ديننا ودنيانا إلا حذرنا منه، وأرشدنا إليه. قوله: (وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (١) وقول ثالث: أنه يجوز مطلقًا، يعني أن تبيع اللحم بالحيوان، قالوا: لأنك تبيع ربويًّا بغير ربويٍّ، أصبح الآن أحدُهُما ربويًّا والآخر غير ربوي، إذ الربا لم يتحقق في الصنفين، فلما لم يتحقَّق في الصنفين

стр. 6760

جاز؛ كما أن لك أن تشتري هذا اللحم بالدينار أو بالدرهم أو بالريال، إذ جاز لك أن تشتري هذا المال، نَقُول عنه: ربوي بالدراهم إذ رخص لك فيه، فأحدهم ربوي، والآخر ليس ربويًّا، فلك أن تفعل، فهذه وجهة الحنيفية. قَوْله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ الأُصُولِ فِي هَذَا البَابِ)، هو يريد أن يربطَ بين الأصول المعروفة في أبواب البيوع، فمن الأصول: أنه لا يجوز الربا، ومن الأصول المعروفة: "الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل" (١)، هذه قاعدة يضعها الفقهاء، وهناك أيضًا الغبن (٢)، فهو من الأصول الممنوعة في الشريعة الإسلامية في أحكام البيوع، وهناك أيضًا الغرر (٣)، فلا يجوز لك أن تغرر بأخيك المسلم، ولذلك في قصة القلادة (٤) التي بيعت باثني عشر دينارًا؛ منع الرسولُ ﷺ من ذلك، وأمر بفصلها، فلما فُصلت وجد أن ما فيها من الذهب أكثر مما في الاثني عشر دينارًا.

стр. 6761

قوله: (لِمُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ)، إذًا هذا مرسلٌ، والمرسل هو ما سقط منه الصحابي (١)، فلا يكون هذا الحديث متصلَ السند إلى رسول اللّه ﷺ ، ولكنه من مراسيل سعيد بن المسيب (٢)، وأما لو ذكر الصحابي لأصبح حديثًا مرفوعًا، والمَرَاسيلُ إنما هي في بعض أمورها معتبرةٌ، وهذَا منهَا (٣)، والإمام مالك ﵀ من أشد العلماء نقدًا للحديث، وقد رواه واحتج به. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ زيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَيَوَان بِاللَّحْمِ" (٤)) وهذا

стр. 6762

المرسل صحيح، وقد أخرجه أيضًا أبو داود (صاحب السنن) في "مراسيله" (١)، وأخرجه أيضًا غير الإمام مالك في "الموطأ"، لكنهم كلهم اتفقوا على أنه مرسل، وله روايات أخرى ضعيفة، لكن أقواها هذه التي أخرجها الإمام مالك في "الموطإ"، والَّتي جاء بها المؤلف، وتكلَّم عنها العلماء، وممن تكلم فيها الحافظ ابن عبد البر الإمام المعروف (٢). قوله: (فَمَنْ لَمْ تَنْقَدِحْ عِنْدَهُ مُعَارَضَةُ هَذَا الحَدِيثِ لِأصْلٍ مِنْ أُصُولِ البُيُوعِ الَّتِي تُوجِبُ التَّحْرِيمَ قَالَ بِهِ)، لم تنقدح عنده؛ لم يظهر عنده القياس، وما يعرف بالقوادح، وهي من أكثر أصول الفقه عمقًا وصعوبةً، وهي مسائل تَرِدُ على القياس، ولذلك تجد فيها دقةً وصعوبةً، وتحتاج إلى بذل جهدٍ، وإلى اعتناءٍ واهتمامٍ. قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ الأُصُولَ مُعَارِضَةٌ لَهُ (٣) وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُغَلِّبَ الحَدِيثَ، فَيَجْعَلَهُ أَصْلًا زَائِدًا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَرُدَّهُ لِمَكَانِ مُعَارَضَةِ الأُصُولِ لَه، فَالشَّافِعِيُّ غَلَّبَ الحَدِيثَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ غَلَّبَ الأُصُولَ، وَمَالِكٌ رَدَّهُ إِلَى أُصُولِهِ فِي البُيُوعِ، فَجَعَلَ البَيْعَ فِيهِ مِنْ بَابِ الرِّبَا)، يَعْني: مُرَاد المؤلف: هل هذه الأصول التي وردت في أبواب البيوع من المعاملات التي مرت بمثابة أصول وقواعد في ذلك الباب،

стр. 6763

وهل نقدم تلك الأصول أو نأخُذُ بالحديث المرسل؟ هناك مَنْ أخذ بالحديث المرسل، وهناك من اعتبر تلك الأصول وقوَّاها. وقد يَرِدُ سؤال؛ فيقول قائل: لماذا يترك الحديث المرسل ويؤخذ بالأصول؟ والجواب: أنهم يَرَون أن تلك الأصول بُنيَتْ على أدلة، وتلك الأدلة إنما هي موضع اتفاق، إذ تلك الأصول استندت على أصل من كتاب وسُنَّة، فزادتها قوة، فهذه القوة مكَّنتها من أن تكون معارضةً لهذا الأثر. قوله: (أَعْنِي: بيعَ الشَّىْءِ الرِّبَوِيِّ بِأَصْلِهِ)، مِثْلَ بَيْعِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَى هَذَا الأَصْلِ)، لو أنك أخذت صاعًا من القمح فطحنته، هَلْ يَجُوز لك أن تبيع هذا الصاع بصاع من القمح الذي لم يطحن؟ يجوز لك أصلًا أن تبيع صاعًا بصاع حتى لو اختلف مورده، فهل سيبقى هذا الصاع الذي طحنته صاعًا أم أنه سينقص؟ الجواب: سينقص؛ لأنه كما ذكر الفقهاء (١): الدقيق يأخذ حيزًا أكبر

стр. 6764

من المكان من الصاع؛ بمعنى أنه لا يترك فراغًا، أما القمح وغيره فيترك فراغًا بين حبَّاته، ولذلك فإن العلماء يرجعون في ذلك إلى الميزان؛ لأنَّ الميزان هنا لا يمكن أن يختلف في الأمر، هنا الميزان يختلف عن المكيال؛ لأن الميزان سيبين لك وزن هذا، ووزن هذا، وسيأتي الكلام عن القمح إن شاء اللّه. قوله: (فَإِنَّهُ الَّذِي يُعَرِّفُهُ الفُقَهَاءُ بِالمُزَابَنَةِ)، أيضًا المزابنة هي المعروفة: بيع التمر بالرطب، وقد استثني منها بيع العريَّة؛ لأن رَسُولَ اللّه ﷺ رخَّص فيها، ولا نريد أن ندخل في أحكام المزابنة، ولا في العريَّة؛ وسيأتي الكلام عنها إن شاء اللّه. قوله: (وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الرِّبَا بِجِهَةٍ، وَفي الغَرَرِ بِجِهَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَمْنُوعَة فِي الرِّبَوِيَّاتِ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا، وَالغَرَرِ)، تعلمون أن الربا هو الزيادة، والغرر إنما هو الجهالة، يعني: إنسان يغرر بإنسان، وكلا الأمرين محرم، فالربا - كما هو معلوم - حرمه الله تعالى في كتابه العزيز، وحرمه رسول اللّه ﷺ ، وهو أيضًا من الكبائر (١)، وكذلك الغرر أيضًا لا يجوز بما فيه من الجهالة، وربما يؤدي إلى ظلم أحد الطرفين. قَوْله: (وَفِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ مِنْ جِهَةِ الغَرَرِ فَقَطْ، الَّذِي سَبَّبَهُ الجَهْلُ بالخَارجِ عَنِ الأَصْلِ)، والغرر هو وجود غبن لأحد الطرفين، سلعة لا تعرف تفصيلها، نعم هناك أمور تستثنى؛ كشراء الدار، فإنه لا يحتاج إلى أن تحفر، ولا أن تعرف أصلها، لكن بعض الأمور لا بد من معرفة ما يتعلق بها.

стр. 6765

قوله: (مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الدَّقِيقِ بالحِنْطَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ)، هذه المسألة لو أردنا أن نفصل الحديث عنها لَاحتجنا إلى درَوسٍ، لكننا نحاول أن نُلِمَّ بالأصول؛ لأنك عندما تأخذ هذه الحنطة فتطحنها، ستتحول إلى دقيقٍ، وهذا الدقيق كم يصنع منه من الأصناف وبخاصةٍ في هذا الزمان، كما نعرف الكعك وهو أنواع كثيرة جدًّا، وهناك ما يعرف بالفطائر، والهريسة، وهناك كثير من أنواع الأطعمة تُصْنع من هذا الدقيق، إذًا، ما الطريق إلى أن نعرف الحكم في مثل هذه الأمور؛ لنقرِّب لكم المشكلة هنا أن تبيع صنفًا من هذه الأنواع من صنف بمثله أو بغيره، لكن لو اشتريت هذا شراءً، فلا مُشْكلةَ فيه، الكلام هنا أن تشتري نوعًا بنوع من جنسه أو بنوعٍ آخَرَ، أما لو اشتريت بالدراهم أو الدنانير بالريال الآن، فهذا أمر لا إشكال فيه. هذه الحنطة إذا طحنها الإنسان، فتحولت من كونها حبيبات صغيرة إلى أن أصبحت دقيقًا ناعمًا، هل تغير وضعها؟ كانت تسمى حنطةً، والآن أصبحت تسمى دقيقًا، فهل تَغيُّر الاسم يؤثر في تغير الحكم، أو يبقى الحكم كما كان، ولو أردنا أن نتعامل في الدقيق فهل نرده إلى أصله أو أننا نجعله قد انفصل عنه وأصبح بهذا التحول صنفًا جديدًا؟ بَعْضُ العلَماء يجعله بمثابة الحنطة وإنْ طحن، وإن لم يضف إليه غيره؛ لأن العلماء يقسمون ذلك إلى قسمين: دقيق مجرد لم يضف عليه غيره، ودقيق أضيف عليه غيره، كما نرى الآن في أنواع المأكولات؛ بعضها أُضِيفَ إليها اللبن، والبعض أُضِيفَ إليها العسل، فهل هذا يتغير؟ نبقى الآن عند الطرف الأول، وهو الدقيق الذي لم يخالطه غيره، ما حكمه؟ يرَى بعض العلماء أنه يأخذ حكم الأصل، وأنه يجوز أن تبيع الدقيق بالقمح، وقاسوا ذلك على الحنطة المكسرة، فلو وُجِدَ نوعٌ من الحنطة مكسر الحبوب، وحنطة سليمة، فهل يجوز البيع؟ قالوا: نعم، هذا مثله تمامًا، أكثر ما فيه أنه كسر، فدُقَّ فأصبح شيئًا ناعمًا، وبعضهم يقول: لم

стр. 6766

تتغيَّر الحالة، فكأنك تبيع الشيء بجنسه متفاضلًا؛ هذا دقيق وهذه حنطة، وهنا التفاضل موجود، إذن لا يجوز ذلك، وسنبين هذا إن شاء اللّه. قوله: (فَالأَشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ)، وهي روايةٌ للإمام أحمد (١). قوله: (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي "مُوَطَّئِهِ" (٢)، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (٣)) وهي رواية أخرى للإمام أحمد (٤) وجمهور العلماء (٥) لا يُجوِّزون؛ لأنهم يرون أنه بتحوُّله لدقيق تغير، فأصبحت المفاضلة موجودةً، وينصُّون على الكيل، فلو كيل الدقيق لاختلف عن الحد؛ لأن الحد لا يحمل الصاع منه كما يحمله من الدقيق.

стр. 6767

قَوْله: (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢)، وَابْنِ المَاجِشُونِ (٣) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ): وقد ذكر المؤلف ابن الماجشون؛ لأن له أصولًا في هذا الباب يخالف فيها إمامه. قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَيْسَ هُوَ اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا رِوَايَةُ المَنْعِ إِذَا كَانَ اعْتِبَارُ المِثْلِيَّةِ بِالكَيْلِ (٤)؛ لأنَّ الطَّعَامَ إِذَا صَارَ دَقِيقًا اخْتَلَفَ كَيْلُه، وَرِوَايَةُ الجَوَازِ إِذَا كَانَ الاعْتِبَارُ بِالوَزْن). مَالكٌ منع من ذلك عندما نبيع دقيقًا بقمح كيلًا؛ لأن الفرقَ موجود ولا بد، ولكن عندما نزن كلَّ واحدٍ منهما، فإنه حينئذٍ يزول الفارق في القدر، لكن يبقى الفرق في شيءٍ آخر، فالقمح لا يزال عليه قشرة، وذاك ليس عليه، شيء آخر أيضًا وهو اختلاف نوعهما؛ فهذا اشتدت نعومته، وهذا بقيت حاله على ما كانت. قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَالمَنْعُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَحَدَهُمَا

стр. 6768

مَكِيلٌ، وَالآخَر مَوْزُونٌ) (١). أبو حنيفة يرى أن العلةَ تغيرُ الأمرين، فالأصلُ في القمح أن يكون مكيلًا، ولو قلتم: إنَّ الدقيقَ لم يتغير بطحنه، فلماذا لجأتم وأخذتم بالوزن مع أن الأصل فيه الكيل؟ ومَلْحظ الإمام مالك ومَنْ وافقه أنه يجوز التبادل بين الوزن والكيل. قَوله: (وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ الكَيْلَ أَوِ الوَزْنَ فِيمَا جَرَتِ العَادَةُ أَنْ يُكَالَ، أَوْ يُوزَنَ، وَالعَدَدُ فِيمَا لَا يُكَال، وَلَا يُوزَنُ) (٢). إذًا، هناك أمر اصطلح على أن الأصل فيه الكيل، وأمر مقياس وأصله الوزن، وهناك أمور تُعدّ، وهذه التي تعدُّ أيضًا تُوزَن الآن، وربما تُباع جملةً كالبرتقال والليمون. قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَا تَدْخُلُهُ الصَّنْعَةُ)، وهذا

стр. 6769

الذي فيه تفصيل، إذا جئنا إلى هذا القمح بعد طحنه نجد أنه على نوعين: دقيق بقي دون أن يضاف إليه غيره، ودقيق دخلته الصَّنعة، إما أنه تحول إلى خبز، وهذا الذي تحول إلى خبز لا يخلو أن يكون خبزًا مجردًا لم يضف إليه إلا شيء يحتاج إليه؛ أي إنه يعتبر مضافًا إلى أصله، وهناك إضافات تضاف إليه تُغيِّر من شكله وطعمه كخبز الأبازير (١)، هناك من يضيف إليه الكمون أو الحبة السوداء أو العسل، إذًا، هذا يختلف، فهناك خبزٌ بقي على أصله، ولم تبق المشكلة إلا في كونه رطبًا أو جافًّا، وهناك نوع من الخبز أُضيفَت إليه أشياء، هذا هو الذي دخلته الصنعة، مثلًا: أنت تصنع من الدقيق الكعك، والكعك كما نرى يشكل أصنافًا كثيرةً. قوله: (مِمَّا أَصْلُهُ مَنْعُ الرِّبَا فِيهِ مِثْلُ الخُبْزِ بِالخُبْزِ)، أيْ: قصده؛ مما يكون الأَصل مما يدخله الربا كما رأينا البر والشعير والتمر والملح، تلك الأنواع التي مرت بنا التي نسميها بأنواع الربويات، هي ليست ربًا في أصلها، لكن الربا يدخلها. قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ ذَلِكَ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا) (٢) يَجُوزُ أن تبيع رغيفًا برغيفٍ عند أبي حنيفة، ورغيفًا

стр. 6770

برغيفين؛ لأنه يرى أن الصنعة نقلته من أصله إلى غيره، فَزَال ما كان في الأصل، فالصَّنعة نَقَلته من كونه أصلًا ربويًّا إلى أن أَصْبَحَ جنسًا من الأجناس؛ جاز حِينَئذٍ التفاضل فيه، وجاز التماثل أيْ: بيعًا. قَوْله: (لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ عَنِ الجِنْسِ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا)، الجنس أَو الوَصف هو التَّماثل، هو التَّساوي بين شيئين كالبر بالبر، والتمر بالتمر. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا فَضْلًا عَنْ مُتَفَاضِلٍ (١) لِأَنَّهُ قَدْ غَيَّرَتْهُ الصَّنْعَةُ تَغَيُّرًا جُهِلَتْ بِهِ مَقَادِيرُهُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا المُمَاثَلَة، وَأَمَّا مَالِكٌ: فَالأَشْهَرُ فِي الخُبْزِ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُل، وَالتَّسَاوِي (٢)) الشافعي هو أشدُّ الفقهاء في هذه

стр. 6771

المسألة، لا يجوِّز متماثلًا، فما بالك أن يكون متفاضلًا، والإمام أحمد فصَّل القول في هذه المسألة (١)، وقسم ذلك إلى قسمين: ما تدخله الصنعة من الخبز، وَيَكون ما يلحق به غير مقصود، وإنما هو ما يفيده في هذا الأمر كالحال في الخبز والنشا، فيجوز أن تبيع كل نوع بجنسه شرط أن يزول الفارق بينهما من حيث الرطوبة، فيكونان إما رطبين معًا، أو يابسين معًا، وشرط أيضًا إلى وجود التساوي، ولا يتحقق التَّساوي إلا بالوزن عند أحمد. ولكن كما قال بعض العلماء: المماثلة تزول في القدر. والشافعية لهم وجهة نظر أخرى، أنه عندما نقول: اختلف، فأنت تستطيع أن تحدد لكل واحدٍ منهم وزنًا، فتعرف القدر، لكن لا تستطيع تحديد حجم ما أضيف إليه، قد يكون هذا الرغيف عجينة أكثر، وهذا عجينة أقل، ما أضيف إليه من المواد ممكن أن يكون في هذا أكثر، وهذا أقل، هذه هي نظرة الشافعية في هذه المسألة (٢). قوله: (وَأَمَّا العَجِينُ بِالعَجِينِ فَجَائِزٌ عِنْدَهُ مَعَ المُمَاثَلَةِ) (٣).

стр. 6772

أيضًا العجين بالعجين، فالعجينة مجردة خالصة لم يضف إليها إلا الماء، لكن هذه العجينة قد يضاف إليها البيض أو العسل، إذن تغيرت، فإذا أضيفت هنا وهنا نفس المواد، يقع فيها الخلاف الذي وقع في الخبز، ولذلك إذا ربطنا أصول هذه المسائل، ألحقنا بها غيرها. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ الصَّنْعَةُ تَنْقُلُهُ مِنْ جِنْسِ الرِّبَوِيَّاتِ، أَوْ لَيْسَ تَنْقُلُهُ؟)، القمح أو الحنطة التي طحنت ثم عجنت ثم بعد ذلك خبزت، تغيرت وأصبحت دقيقًا، ثم أضيف إليها الماء، فعجنت وأضيف إليها الملح أيضًا، ودخلتها النار، والنار جعلته صالحًا للأكل، وأيضًا ممكن يبقى رطبًا، هذا يختلف عن ذلك. قوله: (وَإِنْ لَمْ تَنْقُلْهُ فَهَلْ تُمْكِنُ المُمَاثَلَةُ فِيهِ أَوْ لَا تُمْكِنُ؟)، نقول: نقارب ذلك، ولا نستطيع أن نجزم أن المماثلة تحققت مائة بالمائة، لكن يستطيع الإنسان أن يقارب، فلو عجنت عجينة ووضعت بها ثلاث بيضات، ومثلها كذلك، ربما لو أردنا أن ندقق أو نشدد ربما قلنا: إنَّ بعض البيض أكبر من البعض. إذًا، نحن لو سرنا وراء هذه الأمور، صَعب علينا أن نحددها. لو قلنا: هنا ثلاث بيضات متوسطات، وهناك كذلك، وهنا زبدة وهناك مسلى، نقرب الأمور وعندما نزنهم يكونا وزنًا واحدًا، فيزال الفارق، لكن أن تعرف ذلك بقدرٍ دقيقٍ جدًّا، أظن هذه الشريعة التي بُنيَتْ على أسسٍ عظيمةٍ، منها مراعاة مصالح الناس.

стр. 6773

قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَنْقُلُهُ (١)، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَنْقُلُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِمْكَانِ المُمَاثَلَةِ فِيهِمَا). مَالكٌ ﵀ له طريقان في ذلك: الطريق الأوَّل: هو التقدير، أن يقدرها كالحزر مثلًا، كما نعلم العمال الذين يذهبون إلى أخذ الزكاة يخرصون (٢) ذلك بالنسبة إلى الثمار، ولا يستطيعون أن يعرفوا لذلك قدرًا معينًا، وإنما يتركون الثلث والربع لصالح مالك ذلك البستان؛ ولذلك إذا خرصته فدع الثلث، فإن لم تدع الثلث فدع الربع، إذًا، الخرص يقوم على التقدير؛ هو منهج التقدير والحزر أي: التخمين (٣)، والخرص والظن، إذًا قضية ليست محققةً، القضية الأولى قضية الوزن، وعن طريق الوزن يلتقي الحنابلة (٤) مع المالكية في هذه المسألة، إذًا كأن الحنابلة يتشددون أكثر في قضية معرفة القدر، وأنه لا بدَّ من وَزْنٍ، أما المالكيَّة فلهم طريقان؛ أحدهما طريق مبني على التخفيف ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قوله: (فَكَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ اعْتِبَارَ المُمَاثَلَةِ فِي الخُبْزِ وَاللَّحْمِ بِالتَّقْدِيرِ وَالحَزْرِ فَضْلًا عَنِ الوَزْنْ) (٥).

стр. 6774

إذا كان يجيز ذلك في التقدير والحزر والتخمين، فمن باب أولى أن يجيز ذلك في الوزن، هذا معنى كلام المؤلف. قوله: (وَأَمَّا إِذَا كانَ أَحَدُ الرِّبَوِّييْنِ لَمْ تَدْخُلْهُ صَنْعَة وَالآخَرُ قَدْ دَخَلَتْهُ الصَّنْعَة، فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى فِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَنَّ الصَّنْعَةَ تَنْقُلُهُ مِنَ الجِنْسِ (١) (أَعْنِي: مِنْ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا)، فَيُجِيزُ فِيهَا التَّفَاضُلَ). لو جئت إلى خبزٍ مجرد عجينٍ عُجِنَ بماءٍ، فخبزت الخبز العادي ووجدتَ خبزًا آخر أُضيفَتْ إليه أشياء، إذًا، هذا أثَّرت فيه الصنعة، وهذا لم تؤثر. قوْله: (وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَ يُرَى ذَلِكَ، وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ عَسِيرُ الانْفِصَالِ)، عسير الانفصال أيْ: صعب الانفصال عندما تأتي بفخذين من اللحم، فتشوي أحدهما على النار، وتطبخ الفخذ الآخر، وهما مُتَساويان، لا شك أن هذا في الأصل يعادل هذا، لكن هذا شويته فأخذَتْ منه النَّار، وذلك طبخته فربما هو زاد بدخول بعض المواد فيه وَتشرَّب الماءَ، ذاك جففَتْه النار فربما قللته، هذا الذي تشويه ربما تضيف إليه أنواعًا من الأبازير، وهذا طبخته بالماء والمرق، إذن هذا يعادل هذا هذا من الأمثلة، ومثل هذا اللبن بالجبن، فالجبن أصله هو

стр. 6775

اللبن، القشطة أصلها اللبن، الفرق بين جاف ورطب، فاللبن رطب سائل، والجبن إنما يصنع من اللبن، فهل هذا متساوٍ، هذا جاف وهذا رطب لا يجوز بيعه ببعض. قوله: (فَاللَّحْمُ المَشْوِيُّ وَالمَطْبُوخُ عِنْدَهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَالحِنْطَةُ المَقْلُوَّةُ عِنْدَهُ وَغَيْرُ المَقْلُوَّةِ جنْسَان) (١) هذا لأنَّ المقلوة التي قليت على النار أصبحت مستويةً يمكن أَن تأكلها، لكن الحنطة النيئة لا، فَهَذا وَاضحٌ تمامًا أنهما صنفان، لكن ربما وجهة مالك والمالكية عمومًا أن هذا طبخ وهذا طبخ، أن هذا طُهِيَ بالنار، وهذا لم يُطْه، لكن اختلفت فقط طريقة الإعداد. إذًا، طريقة الإعداد لها أثر؛ هذا أُعدَّ عن طريق الشوي، وهذا أعد عن طريق الطبخ، لكن هما معًا طهيا فأصبحا صالحين للأكل، لكن الحنطة المقلوة تختلف عن الحنطة النيئة، فهذه ممكن أن تطحنها وأن تأكلها، أن تغمس فيها الخبز، وهذه لا، إذًا طريقة الإعداد تعتبر عند بعض العلماء، ولا تعتبر عند البعض الآخر. قوله: (وَقَدْ رَامَ (٢) أَصْحَابُهُ التَّفْصِيلَ فِي ذَلِكَ (٣)، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ قَانُونٌ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى تنْحَصِرَ فِيهِ أَقْوَالُهُ فِيهَا). (رَامَ أصْحَابُهُ)؛ يقصد أصحاب التفصيل في ذلك، حاول أصحابه أن يُفصِّلوا القول في ذلك، وأن يصلوا إلى أسس وأصول يقفون عندها، فيُدْرجون نحوها فروع المسائل.

стр. 6776

لَيْس في ذَلكَ قَانون، كلمة "قانون" مفرد "قوانين"، وهي كلمة معربة، أيْ: أنها لم تكن في أصل الوضع في اللغة العربية، ولكنها نُملَت من لغة إلى لغة فعربت، فأصبحت تدلُّ على شيء، وهو المقياس من كل شيء، فنقول: قانون الكيل مثلًا هو الصاع، قانون الوزن هو الميزان، هذا أصل نرجع إليه، فالقانون هو أمر كلي منطبق على جميع جزئياته، وهذا التعريف هو تعريف القاعدة عندنا فقهًا، فنحن نقول في القاعدة: "حكم كلي ينطبق على جزئياته"، ولكن لما كانت القاعدة الفقهية خاصةً قد تنخرم في كثيرٍ من الأمور، فقال عنها بعض الفقهاء: أمر كلي. وبعضهم قال عنها: حكم كلي، فقالوا: حكم كلي منطبق على جزئياته أو معظمها لتعرف أحكامه منه، لكننا لو رجعنا إلى قوانين النحو نجد أنها منضبطة تمامًا، فنقول مثلًا: الفاعل: اسم مرفوع. الخبر: هو الجزء المتمم للفائدة. مُرَادُهُ: أنه لم ينقل عن الإمام مالك أصل يرجع إليه في هذ الفروع الكثيرة المتعلقة بأحكام الربا، كأنه يقول: إنَّ الإمام مالكًا ﵀ لم يضع أصلًا وضابطًا وقانونًا يَرْجع إليه الفقهاء بعده الذين أخذوا بأصوله، وتتبعوا علل أحكامه فخرجوا عليها فقالوا: ليس هناك أصل يرجع إليه فيه في هذه المسائل. وَنحن نعلم أن الأئمة ﵏ كانوا يقولون: المسائل مرسلة، ومعنى مرسلة: مطلقة، أحدهم يفتي بحكمٍ، يتكلم في مسألةٍ فيبين الحكمَ فيها، وربما تتعدد أقواله، وتلاميذ هؤلاء الأئمة حفظوا أقوالهم، فبعضهم دوَّنها كما نجد في الإمام مالك بالنسبة إلى "المدونة" المعروفة؛ فتجد رواية سحنون عن ابن القاسم، وتجد كذلك أن محمد بن الحسن دَوَّن فقه الإمام أبي حنيفة، والشافعي أيضًا دوَّن كثيرًا من فقهه بنفسه بكتاب "الأم" وكتاب "الرسالة"، وبعض فقهه دوَّنه أصحابه، ثمَّ جاء بعد ذلك تلاميذ التلاميذ، وَوَجدوا أن الفقهَ قد توسع، فأصولُهُ ثابتَة، لكن فروعه بدأت تمتدّ، ولما توسعت الفتوحات الإسلامية وانتشرت واتسعت الدولة الإسلامية، وقف المسلمون على عادات وتقاليد لم تكن معروفةً، فاحتاجت إلى أن تقرر في أحكامه.

стр. 6777

إذًا، هؤلاء تلاميذ التلاميذ لما جاؤوا إلى هذه الثروة العظيمة، وهذا الكنز الكبير الذي خلَّفه الأئمة، والذي يحتاج إلى ضبطٍ، أخذوا يبحثون عن أدلة المسائل، وأقاموا الأدلة على المسائل، ثم بعد ذلك وجدوا أن المسائل تجدّ، والحوادث تقع، فوجدوا أن خير سبيل للوصول إلى ذلك أن تُعْرف علل الأحكام التي بها وَضَع الأئمة هذا الفقه، والعلل هي التي كان يعلل بها الأئمةُ تلك الأحكامَ، لما وقفوا على تلك الأحكام التي كانت هي الأسس التي يرجع إليها الأئمة حِينَئذٍ، بدأوا يخرجون على أصول الأئمة، ولذلك يقول: هذه مسائل مخرجة؛ أي: أنها ليست من قول الإمام، لكنها خرجت على أصوله بعد أن عُرفَت التعليلات التي كان يعتمد عليها الإمام في تقرير الأحكام وتثبيتها. قوله: (وَقَدْ رَامَ حَصْرَهَا البَاجِيُّ فِي "المُنْتَقَى") (١).

стр. 6778

الباجي أحَد الأئمَّة الحُفَّاظ، والعُلَماء الكبار، إذًا، هو من حُفَّاظ الحديث، وكما هو معلومٌ وُلِدَ سنة ثلاثة بعد الأربعمائة، وتوفي سنة أربعٍ وسبعين أي: عَاش واحدًا وسبعين سنةً تقريبًا، وَالباجي حاول أن يُقرِّب مذهب مالك؛ فَحَاول أن يقسمه إلى قسمين، فيجعل أثرًا سار عليه ابن الماجشون، ويريد أن يجعل أصلًا اختاره مالك ﵀ لنفسه، ففرق بين الأمرين، لكنني أتفق مع المؤلف أنه لم يستطع أن يربط الأمور ربطًا محكمًا؛ لأنَّ الأمورَ متسعة، وسيأتي المؤلف بشاهد على ذلك يوضح ما انتهى عليه. قَوْله: (وَكذَلِكَ أَيْضًا يَعْسُرُ حَصْرُ المَنَافِعِ الَّتِي تُوجِبُ عِنْدَهُ الاتِّفَاقَ فِي شَيءٍ شَيءٍ مِنَ الأَجْنَاسِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّعَامُلُ)، هو يُكرِّر أحيانًا لفظة "شيء"؛ يريد التأكيد. قَوله: (وَتَمْيِيزُهَا مِنَ الَّتِي لَا تُوجِبُ ذَلِكَ (أَعْنِي: فِي الحَيَوَان، وَالعُرُوضِ، وَالنَّبَاتِ" في الحيوان كما مر بنا بيع الحيوان بالحيوان، وما يتعلق أيضًا بالعروض يحصل فيها بالأشياء التي تُبَاع، وكذلك النباتات كما مرَّ بنا النباتات القطنية نسبةً إلى الإقامة لا إلى القطن كما وضحنا ذلك. قوله: (وَسَبَبُ العُسْرِ)، هذا تعليلٌ من المؤلف، يقول: كانت عسيرة؛ لأنَّنا لا نجد ضابطًا، لا نجد قانونًا، لا نجد أصلًا نرجع إليه في هذه الجزئيات المتشابهة المتداخلة بعضها مع بعضٍ.

стр. 6779

"قَوله: (أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَشْيَاءَ مُتَشَابِهَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَانُونٌ يَعْمَلُ عَلَيْهِ فِي تَمْيِيزِهَا إِلَّا مَا يُعْطِيهِ بَادِئُ النَّظَرِ فِي الحَالِ، جَاوَبَ فِيهَا بِجَوَابَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ)، الإنسان يُسْأل عن قضية ليست عنده فيها أصول ثابتة مستقرة يرجع إليها، فعليه أن يردَّ هذا الفرع إلى الأصل، لكنه في هذه الحالة عنده بُعْدُ نظرٍ يفكر في المسألة التي يُفْتي فيها، وربما تكون فَتْواه مبنيةً على أسسٍ ثابتةٍ، وإنما مسائل اجتهادية، فبعد فترة يدقق النظر ويمعن، ربما يتغير نظره، وربما يقف على حجةٍ لأحد الأئمة، وربما يقف على دليلٍ كما رأينا في شأن الأئمة الأربعة ﵏، بل قبلهم الصحابة، قد يقول أحدهم قولًا ثم يقول قولًا آخر، فليس ذلك تناقضًا، ولكنه يفتي في مسألةٍ، أو يُسأل عن أمرٍ يبدي فيه رأيًا، ثم بعد ذلك يسأل مرة أخرى، فيظهر له الحق، فيرجع عن ذلك القول. "قَوْله: (فَإِذَا جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ أَحَدٌ، فَرَامَ أَنْ يُجْرِيَ تِلْكَ الأَجْوِبَةَ عَلَى قَانُونٍ وَاحِدٍ وَأَصْلٍ وَاحِدٍ، عَسُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ تَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ كتُبِهِمْ، فَهَذهِ هِيَ أُمَّهَاتُ هَذَا البَابِ). أي: إذا جاء بعد ذلك التلاميذ أو مَنْ بعده، ثم وقفوا على عدَّة أقوالٍ لهذا الإمام أو العالِم، فَصَعب عليهم فَهْم ذلك، فلا بدَّ من دراسة هذه الأقوال، والتدقيق فيها، ومحاولة معرفة علل تلك الأحكام، وإرجاع أصولها لعلَّة يترجح عندها قولٌ من تلك الأقوال إنْ كان القول أو ذاك له دليلٌ، فربما كان الأمر فيه أيسر وأسهل، لكن إذا كان الدليل عقليًّا وليس نقليًّا، فَهُو يحتاج إلى إمعان النظر أكثر، وتدقيق هذا هو ما يشير إليه المؤلف. قال المصنف رحمه اللّه تعالى:

стр. 6780

فَصلٌ بيعُ الرِّبَوِيِّ الرَّطْبِ بجِنسِهِ مِنَ اليَابِس] قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ الرَّطْبِ بجِنْسِهِ مِنَ اليَابِسِ). مراد المؤلف هنا فيما يجري فيه الربا في جنسٍ واحدٍ مِن المطعومات إن كان أحدهما جافًّا، والآخر رطبًا، فهل يجوز أن يُبَاع رُطَبٌ بتمرٍ، وَعنبٌ بزَبِيبٍ، ولبن بجُبْنٍ أو أَقط أو لحم بقَديد جاف، وحنطة مبلولة رَطِبَة بيابسة، ونحو ذلك كحنطة مقلية بأخرى غير مقلية، اختلف أهل العلم في ذلك: فَمَنعه بعضهم، وقال: لا يُبَاع رطب بيابس لوجود التفاوت، وتعذَّر تحديد الفارق بينهما، والقاعدة تقول: الجهل بالتَّساوي كالعلم بالتفاضل، فبَيْنَ اليابس والرطب جُهِلَ التساوي، فكأننا عَلِمْنَا بالتفاضل الممنوع شرعًا بين الأصناف الربوية، فالرُّطَبُ إذا جف، خف وزنه بخلاف التمر، ومثله العنب مع الزبيب، وجمهور العلماء (المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣)) يمنعون ذلك،

стр. 6781

والحنفية (١) يجيزونه (٢)، ولكلٍّ أدلةٌ يستدل بها. قوله: (مَعَ وُجُودِ التَّمَاثُلِ فِي القَدْرِ وَالتّنَاجُزِ). تأمل قوله: [مَعَ وُجُودِ التَّمَاثُلِ]، فَعِلَّةُ ربا الفضل: عدم التماثل، وعلة ربا النسيئة عدم التناجز، أي: عدم حضور أحد المبيعين، لكن العلة الموجودة هنا هي اختلاف الوصف، فقد يحصل التماثل وقت الصفقة، لكن حين يجف الرُّطَب تتغير حاله، وينقص عن التمر المقابل له، فيحصل الفارق، فينتفي التماثل الذي اشترطه الشارع؛ ولذلك منعه جمهور العلماء عدا الأحناف، واستدل الجمهور بحديثٍ خاصٍّ ورد في هذه المسألة، أما الحنفية فقد استدلوا بالعمومات من الكتاب والسُّنَّة مما له علاقة بهذا الباب. قوله: (فَإِنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁). هذا الحديث يحتاج إلى وقفة طويلة؛ لأنه يتعلق بتقرير مسألة مهمة من مسائل الفقه، وسبب الوقفة أن هذا الحديث تكلم فيه بعض أهل العلم (٣)، وحكموا على أحد رواته بالجهالة، وهو زيد أبو عياش الذي رواه عن سعد بن أبي وقاص، وقد وثَّقه آخرون، وصَحَّحوا حديثه (٤).

стр. 6782

جاء في "موطإ الإمام مالكٍ": عن عبد اللّه بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش، أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت؟ فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال سعد: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يُسْأل عن اشتراء التمر بالرطب؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهَى عن ذلك (١). "البيضاء" نوع من الحنطة (٢)، أو هي حبوب بين الحنطة والشعير. وقال بعضهم: هي أشبه ما تكون بالشعير لكن لا قشرَ لها، وذكرنا ذلك في دروس مضت، الشاهد أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن بيع البيضاء بالسلت (٣)، فقال ﵁: أيتهما أفضل؟ انظروا إلى تحرِّي الصحابة ﵃ معرفة مقصود السائل، وحقيقة المسؤول عنه، فأجاب السائل: البيضاء، يعني البيضاء تفوق وتفضل السُّلْت، فنهاه سعد بن أبي وقاص ﵁ عن ذلك، وقال: سَمعتُ رسول اللّه ﷺ يُسْأَل عن اشتراء التمر بالرطب؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك. وَفِي بعض الروايات: فَسَأل مَنْ حوله: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك (٤)، وَسَنقف عند استفهام النبي ﷺ ، وسؤال مَنْ حوله عن نقصان الرطب إذا يبس، فالاستفهام يأتي ويُرَاد به عدَّة معانٍ، فقد يُرَاد حقيقته، وقد يُرَاد به التقرير، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١] بمعنى: شرحنا لك صدرك (٥)، وقد يأتي

стр. 6783

للإنكار، أو لتقرير الحكم في نفس السائل أو السامع، وهو المراد هنا في هذا الحديث، فسؤال الرسول ﷺ : "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ "، وفي روايةٍ: "إِذَا يَبِسَ؟ " (١)، ليس للاستفهام، فالرسول ﷺ يعرف ذلك ويعلمه، لكنه ﵊ أراد أن يغرس ذلك في نفوس السامعين، ثم يذكر الحُكْم مقرونًا بعلته؛ تعليمًا للناس وترسيخًا، وهذا كثيرٌ في أحاديثه ﷺ كقوله لمعاذ بن جبلٍ ﷺ حين كان رديف رسول اللّه ﷺ على حمارٍ فسأله: "أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللّهِ؟ "، قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: "حَقُّ اللّهِ عَلَى العِبَادِ أَلَّا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإنَّ حَقَّ العِبَادِ عَلَى اللّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ"، قلت: يا رسول اللّه، أفلا أُبشِّر الناس؟ قال: "دَعْهُمْ لَا يَتَّكِلُوا" (٢). ومثله سؤال رَسُول اللّه ﷺ أصحابه: "أَتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِسُ؟ "، قالوا: المفلس فينا يا رسول اللّه مَنْ لا دِرْهمَ له ولا متاع، قال رسول اللّه ﷺ : "المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" (٣). الشاهدُ هنا أن الرَّسول ﷺ أراد بسؤاله تقرير الحكم (٤). نعود إلى بيان درجة الحديث، فقد أخرجه مالكٌ في "موطئه" (٥)،

стр. 6784

ورواه عنه كثيرٌ من أئمة الحديث كالشافعي (١) وأحمد (٢) وأبو داود الطيالسي (٣) وأبو داود السجستاني (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) والبيهقي (٨) والطحاوي (٩) والدارقطني (١٠) وابن حبان في "صحيحه" (١١)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٢) والبزار (١٣)، كل هؤلاء رَوَوه من طريق مالك، والإشكال - كما سيعرض المؤلف - إنَّ من رواه عن سعد بن أبي وقاص مجهول، كما ذكر الحاكم (١٤) الذي بيَّن أنَّ مالكًا ﵀ لا يُخْرِجُ في "مُوطَّئِهِ" إلا ما تيقن مِنْ صحته، فهو معروفٌ بشدَّة نقده، وبخاصَّة إن كانت الرِّواية عن طريق المدنيين، وهذه منها، وتكلم عن ذلك الخطَّابي أيضًا في "معالم السنن" (١٥)؛ لأنه - كما هو معلوم - أحد شُرَّاح "سنن أبي داود"، وقال عن راويه (زيد أبي عياش): تَوهَّم البعض أنه ضَعيف لجهالتِهِ، ثم عقَّب بأنه كان مولًى لبني زهرة،

стр. 6785

فهو معروفٌ، وقد أخرج حديثه مالكٌ في "موطئه"، ومالكٌ لا يروي عن متروكٍ. إذن، نعود فنقول: هذا الحديث - كما تقدم - رواه أحدَ عشرَ فأكثر من أئمة الحديث، منهم الإمامان الشافعي وأحمد، ورواه أيضًا أصحاب السنن، وأبو داود الطيالسي، والدارقطني، وهو معروفٌ بعلم الجرح والتعديل، والبيهقي في "سننه الكبرى" وغيرهم، كلهم رواه متابعةً للإمام مالك، ﵏ جميعًا. ثم إنَّ الرسول ﷺ بَيَّنَ الحكم منوطًا بعِلَّتِهِ، فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك؛ لأن الذين طعنوا فيه قالوا: إنه جاء من رواية يحيى بن أبي كثيرٍ عن عبد اللّه بن يزيد، وقال: إن عبد اللّه بن يزيد رَوَاه عن مجهولٍ، يعني به زيدًا أبا عياش. ثم ذكر الرواية التي صحَّحها بعض العلماء كالطحاوي (١) ووقف عندها؛ لأن الطحاوي يأخذ بمذهب أبي حنيفة، ونحن لا نقول: إن الطحاوي صحح الحديث؛ لأنه حنفي المذهب، فهو أجلُّ وأنزه مِنْ أنْ يحصل منه ذلك، لكنه في هذه الرواية ذكر أن الرَّسول ﷺ نهى عن بيع الرُّطَب بالتمر نسيئةً، والحقيقة - كما ذكر الحاكم والخطابي وغيرهم - أن هذا الحديث صحيحٌ، وحسَّنة الترمذي كذلك، ولقد عرض المؤلف لذلك بإيجازٍ، فقال: فإن السَّبب في ذلك ما روى مالكٌ عن سعد بن أبي وقاص ﷺ . وسعد بن أبي وقاص هو خال رسول الله ﷺ ، وهو أَحَد العشرة المبشرين بالجنة، وهو قائد معركة القادسية التي حدثت بين المسلمين والفُرْس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ (٢). قوله: (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ

стр. 6786

بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ). فلَوْ أنَّ الرسول ﷺ نهى عن ذلك فقط لكان أخفَّ، لكنه وجَّهَ سؤالًا لمَنْ حوله ليَسْترعي انتباههم، ويوقظ أذهانهم وأفكارهم: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، لا كما جاء في الرواية الأخرى: "نَسِيئَة" (١)؛ لأن علة النهي لنقصان الرطب بجفافه، فتتحقق المفاضلة حينئذٍ، وقد نهى رسول اللّه ﷺ عن بيع التمر إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ (٢). قَوْله: (فَأَخَذَ بِهِ أكْثَرُ العُلَمَاءِ). فأخذ بهذا القول أكثر العلماء، منهم: مالك والشافعي وأحمد (٣)، استدلالًا بهذا الحديث، لكن ما دليل الأحناف الذين يجيزون بيع الرُّطَب بالتمر ونحو ذلك مما اختلفت فيه الرطوبة واليبس؟ الجواب: أنَّ أبا حنيفة ﵀ خالف الجمهور، وخالفه صاحباه محمد وأبو يوسف (٤)، ووافقه الطحاوي (٥) في هذا استنادًا على أدلةٍ عامةٍ ليست نصًّا في المسألة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قالوا: هذا بيعٌ أحله اللّه ، فلا مانعَ مِنْ بيع الرَّطِب باليابس.

стр. 6787

وَقالوا أيضًا: يقول اللّه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا البيع حَصل فيه التراضي، فَصَح العقد. أما مِنَ السُّنَّة، فاستدلوا بحديث أبي سعيدٍ (١) وحديث عبادة، وكلاهما تقدم، وحديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٢). يقول الأحناف ﵏: بيع الرطب باليابس لا يخلو إما أن يكون مماثلًا، فيكون داخلًا في قوله ﷺ : "وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"، وإما أن يكون غير مماثلٍ، فيدخل في قوله ﷺ : "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَان يَدًا بِيَدٍ". إذًا، هم أَخَذوا بعموم هذه الأدلة، وجمهور العلماء يَرَون أنَّ حديث سعد بن أبي وقاص مُخَصِّصٌ لما يعارضه من أدلةٍ عامةٍ، والخاصُّ يُقَدَّم على العامِّ، فصار نصًّا في المسألة، فتَرجَّح العمل به (٣). قوله: (وَقَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ عَلَى حَالِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا). وكذا أحمد ﵏. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وَأَبُو يُوسُفَ).

стр. 6788

أبو يوسف ومحمد خالفا أبا حنيفة في هذه المسألة، ووَافقَا جمهورَ العلماء، وهذا هو شأن العلماء العاملين الَّذين يتحرَّون الحق، يميلون مع الدليل حتى لو خالف إمامهم الذي تَربَّوا على يديه، ونهلوا عنه العلم، يخرجون عن قوله إنْ كان قول غيره أقوى وأرجح، وهذا الوصف لا يختص بهما، بل ينطبق على كثيرٍ من علماء المسلمين. قوله: (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ). الطحاوي هو الإمام الجليل شارح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي التي كُتِبَتْ بمِدَادٍ مِن ذهبٍ، حيث عرض فيها عقيدة السلف الصالح، واستدل بأدلةٍ من الكتاب والسُّنَّة، وله كتبٌ مهمةٌ كـ"شرح مشكل الآثار" وغيره. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ لَه، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِهِ). يريد ﵀ اختلافهم في تصحيح حديثِ سعدٍ المتقدم. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ اشْتَرَطَ فِي الجَوَازِ فَقَطِ المُمَاثَلَةَ وَالمُسَاوَاةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ حَالَ العَقْدِ لَا حَالَ المَآلِ). يعني: حديث عُبَادة اشترط المماثلة والمساواة ساعةَ وجودِ العقد، لا بعده. قوله: (فَمَنْ غَلَّبَ ظَوَاهِرَ أَحَادِيتِ الرِّبَوِيَّاتِ، رَدَّ هَذَا الحَدِيثَ). الذي غَلَّبَ هو أبو حنيفة ﵀. قوله: (وَمَنْ جَعَلَ هَذَا الحَدِيثَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ، قَالَ: هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ وَمُفَسِّرٌ لِأَحَادِيثِ الرِّبَوِيَّاتِ). قوله: [هَذَا الحَدِيثَ]، يعني حديث سعدٍ آنف الذكر الذي رواه مالكٌ، وصححه جمهور العلماء، وذكرت لكم أن اثني عشر عالمًا - منهم

стр. 6789

أئمة كبار في علم الحديث - تابعوا مالكًا في روايته من طريق عبد اللّه بن يزيد. قوله: (وَالحَدِيثُ أَيْضًا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَصْحِيحِهِ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَان). نقف هنا لنُبَيِّنَ أن الحديث الذي لم يخرجه الشَّيخان لا يعني أنه ضعيفٌ، فالشيخان (البخاري ومسلم) لهما شروط التزموا بها تختلف عن شروط غيرهما، وشروط البخاري أقوى من شروط مسلم، لذا نجد أن أحاديثَ كثيرةً في "صحيح مسلم" لم يخرجها البخاري ﵀، وهنالك آلاف من الأحاديث الصحيحة خارج "الصحيحين"، ولا نقصد بذلك الأحاديث التي التقى أصحابها مع البخاري ومسلم في السند، فليست كل الأحاديث الصحيحة محصورةً في "الصحيحين"، وإنما البخاري ومسلم وضعا شروطًا سارا عليها، فما وُجِدَتْ فيه هذه الشروط خرَّجاه، وما لا فلا، وحديث سعد لم يخرجه البخاري ولا مسلم؛ لما ذُكِرَ مِنْ جهالة زيد أبي عياش. قوله: (قَالَ الطَّحَاوِيُّ: خُولِفَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ عَنْهُ). هو عبد الله بن يزيد الذي روى عنه مالكٌ، وهو الطريق إلى سند الحديث، فروى مالكٌ عن عبد اللّه بن يزيد عن زيد أبي عياش، ثم يأتي سعد بن أبي وقاص، يعني: رواه يحيى بن أبي كثير عن عبد اللّه بن يزيد، فكأن يحيى بن أبي كثيرٍ بدرجة الإمام مالكٍ، فكلٌّ منهما روَى عن عبد اللّه بن يزيد. قوله: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً"، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ هَذَا الحَدِيثَ). أيْ: أن الذي يروي عنه عبد اللّه بن يزيد هو زيد أبو عياش.

стр. 6790

قوله: (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ هُوَ مَجْهُولٌ). يعني: زيد أبو عياش مجهول. قوله: (لَكِنَّ جُمْهُورَ الفُقَهَاءِ صَارُوا إِلَى العَمَلِ بِهِ). وقبل الحاكم صححه الإمام الترمذي، ولمَّا خرَّجه قال: حديث حسن صحيح (١)، ولم يتكلم فيه الأئمة؛ كالإمام الشافعي والإمام أحمد، وصحَّحه أيضًا الخطَّابي في "معالم السنن" (٢)، أيْ: شرح سنن أبي داود، وردَّ مَنْ تَوهَّم بجهالة راويه، وقال: إنَّه مولى لبني زُهْرَة، فهو معروفٌ. قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ فِي "مُوَطَّئِهِ" قِيَاسًا بِهِ عَلَى تَعْلِيلِ الحُكْمِ فِي هَذَا الحَدِيث). يَعْني: مَالكٌ ﵀ يُلْحِقُ بهذا الحكم غيره من المسائل المشابه بالقياس، وكذا فعل أئمة غيره. قوله: (وَكذَلِكَ كُلُّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ نَوْعِهِ حَرَامٌ). وكذلك يُلْحَقُ به في التحريم تبديل كل رَطْبٍ بيابسٍ من نوعه، فيلحق به اللحم الرَّطِب باللحم المجفف القديد، واللبن مع الجُبْن، والخبز الرطب مع الخبز الجاف، والقمح (الحنطة أو البُر) الرَّطِب بالجاف، والشعير الرطب بالشعير الجاف، والذرة الرطبة بالذرة الجافة، والعنب بالزبيب، وهكذا. قَوله: (يَعْنِي: مَنْعَ المُمَاثَلَةِ كَالعَجِينِ بِالدَّقِيقِ). لأنه إذا يبسَ خف وزنه، فزالت المماثلة التي أمر بها رَسُول اللّه ﷺ بقوله: "مِثْلًا بِمِثْلِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ"، فلو جئت بتمرٍ جافٍّ ووضعت بجواره رُطَبًا، فإن الرطب وَما فيه مِنْ مياهٍ لو عُدْتَ إليه بعد مدةٍ ووزنتَه لوجدتَه نقصَ.

стр. 6791

إذًا، علة التحريم وجود التفاوت، يعني: عدم التماثل الذي اشترطه الشارع الحكيم لِنفْيٍ ربا الفضل، فإذا وُجِدَ التماثل، زال ربا الفضل، وإذا وُجِدَ التفاوت، وُجِد ربا الفضل؛ كالعجين بالدقيق، هذا رطبٌ وهذا جافٌ. قوله: (وَاللَّحْمِ اليَابِسِ بِالرَّطْبِ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيِ المُزَابَنَةِ عِنْدَ مَالِكٍ). المزابنة هي بيع الرُّطَب بالتمر كَيْلًا، وبيعِ العنب بالزبيب كَيْلًا (١)، لكن رسول اللّه ﷺ استثنى مَن المنع العريَّة (٢) بخرْصها يأكلها أهلها تمرًا بشروطٍ خمسةٍ ذكرها أهل العلم، ويأتي الكلامَ عنها إنْ شاء اللّه، فَالعريَّة مُسْتثناةٌ من شرط المماثلة، والسَّلَم مُسْتثنًى أيضًا، وهو بَيْعُ موصوفٍ في الذمة إلى أجلٍ معلومٍ بثمنٍ مقبوضٍ في مجلس العقد، كأن تدفع مالًا إلى جزَّار ليأتيك بلحم بعد مدةٍ وليس وقتَ دفع الثمن، إذا أنت قدمت الثمن قبل أن تستلم المثْمَن (٣)؛ فالرسول ﷺ نهى عن المُزَابنة ما عدا صورةً واحدةً، وهي بيع الرُّطَب بالتمر خَرْصًا لحاجة المساكين ممن لا يتمكن مِنْ شراء الرُّطَب بالدراهم والدنانير. وربما يتساءل البعض: لماذا كثر كلام الفقهاء عن بيع الرُّطَب بالرُّطَب، والتمر بالتمر، والقمح بالقمح؟ الجواب: أنَّ مَنْ قبلنا لم تَكن حَالُهُم كحَالنا، فتجد أحدنا اليوم لا يحتاج لاستبدال الرُّطَب بالقمح مثلًا؛ لأنَّ معه نقودًا يشتري بها ما يريد، أمَّا مَنْ سبقنا فَكثير منهم لا تتيسر عنده النقود وقتما شاء، فصاحب عروض التجارة يحتاج ما في يدِ غيرِهِ، ولا نقود عنده، فيلجؤون إلى التبادل

стр. 6792

وَالمُقَايضة، وَمن احتاج الأرز - مثلًا - وعنده نقودٌ يحتاجها الذي يزرع الأرز، يدفع الراغب بالشراء الثمنَ معجلًا قبل الموسم ليستلم الكمية والنوعية بالصفة التي اتفقوا عليها في الموعد المتفق عليه. قوله: (المَنْهِيِّ عَنْهَا عِنْدَه، وَالعَرِيَّةُ عِنْدَهُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ هَذَا الأَصْلِ). وكذلك عند الشافعي (١) وأحمد (٢). قَوْله: (وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالمُزَابَنَةُ المَنْهِيُّ عَنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى الأَرْضِ بِالتَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخِيلِ لِمَوْضِعِ الجَهْلِ بِالمِقْدَارِ الَّذِي بَيْنَهُمَا). يقول أبو حنيفة: علة التحريم هي وجود الجهالة بين التمر الذي على الأرض، والتمر الذي على رؤوس النخيل (٣).

стр. 6793

قوله: (أَعْنِي: بِوُجُودِ التَّسَاوِي، وَطَرَدَ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ العِلَّةَ فِي الشَّيْئَيْنِ الرَّطْبَيْنِ). معنى "طرد" أنه أجرى هذا الحكم في مسائلَ أخرى مشابهةٍ لوجود نفس العلة، أي: بالقياس (١). وهذه مسألة أخرى أدخلها المؤلف في المسألة الأولى، لأنه اعتبرها فرعًا لها، وهي: هل يجوز بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، أو العنب بعنبٍ مثلًا؟ قوله: (فَلَمْ يُجِزْ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ). لأن المعتبر عند الإمام الشافعي ﵀ المآل وليس الحال، والمُعوَّل عليه عند الادخار هو الرُّطَب، والرُّطَبُ - كما هو معلوم - لا يُدَّخَر حتى يجف ليُؤْكَلَ منه بقية العام. ويعلل الشافعية المنع لوجود فرقٍ بين الرطبين المراد التبديل بينهما؛ لأن أحدهما قد يكون أشد رطوبةً مِنَ الآخر (٢). وإذا جف، هل تتغير الحال؟ جمهور العلماء يرون أن الفرقَ يسير جدًّا، وأنه غير معتبر، والمُعَوَّل عليه في ذلك هو قول الرسول ﷺ : "التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"، فهذا رطبٌ برطبٍ يماثل أحدهما الآخر، فلماذا التفريق؟ أما الشافعي فيقول: لا، العبرة هي حال الادِّخار، فإذا أردتَ

стр. 6794

الادِّخار، فَزِنْ هذا وذاك تجد فرقًا، الجمهور يقولون: حتى وإن وُجِدَ هذا الفرق فهو يسيرٌ يُغْتفر، وجهالتُهُ يسيرةٌ يُعْفَى عنها بخلاف الجهالة أو الغبن الفاحش الظاهر (١). قوله: (وَلَا العَجِينِ بِالعَجِينِ مَعَ التَّمَاثُلِ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ التَّفَاضُلَ يُوجَدُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الجَفَافِ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ جُلُّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الحَدِيثِ). وخالفه جلُّ مَنْ قال بهذا الحديث، ومنهم أبو حنيفة (٢) ومالك (٣) وأحمد (٤)، حتى بعض أصحابه خالفوه (٥) كما تقدَّم في مخالفة محمد وأبي

стр. 6795

يوسف لأبي حنيفة ﵏، ولا شك أن مذهبَ الجمهور أقوى؛ لأن التدقيق في هذه الأمور يصعب، وقد يورث الوسواس، والشريعة الإسلامية بُنِيَتْ على اليُسْر، والمهم ألَّا يوجد فارقٌ واضحٌ يُغْبَنُ فيه أحد الطرفين، أما اليسير فلا يضرُّ. قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ فِي الأَصْنَافِ الرِّبَوِيَّةِ). في هذه المسألة ذكر الرديء والجيد، ثم شرع في مسألة: هل يجوز بيع الجيد بالرديء؟ والمراد بالأصناف الرِّبوية هي التي نهى الشارع فيها عن الربا بنوعيه، فإن وُجِدَ التماثل، زال ربا الفضل، وإن قُبِضَ الثمن والمُثْمَن، زال ربا النسيئة، وإن اختلفت الأجناس، زال ربا الفضل … بيع الجيد بالرديء: كتمرٍ ممتازٍ بتمرٍ دونه، وبيع التبر (١) بالمضروب، يعني: الذهب غير المسبوك بالمسبوك، أي: القِطَع أو الذهب الذي أصبح نقودًا، وهل يجوز بيع المكسر بالصحيح؟ أكثر أهل العلم (٢) يجيز ذلك؛ لأن شرط التماثل موجود: تمر بتمر، لكن القصد هو التماثل في الفرق أي: في الزيادة، أما النوع فهذا لا أثرَ له، وهذه لم يتعرض لها المؤلف، ولعله لم يفعل؛ لأن الخلاف فيها يسيرٌ، فدخوله في مسألة بيع الجيد بالرديء تُوهِمُ القارئ بأنها محل خلافٍ، والحقيقة أنه لا خلاف فيها، كما سيأتي.
следующие страницы →