← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

إذًا، علة التحريم وجود التفاوت، يعني: عدم التماثل الذي اشترطه الشارع الحكيم لِنفْيٍ ربا الفضل، فإذا وُجِدَ التماثل، زال ربا الفضل، وإذا وُجِدَ التفاوت، وُجِد ربا الفضل؛ كالعجين بالدقيق، هذا رطبٌ وهذا جافٌ. قوله: (وَاللَّحْمِ اليَابِسِ بِالرَّطْبِ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيِ المُزَابَنَةِ عِنْدَ مَالِكٍ). المزابنة هي بيع الرُّطَب بالتمر كَيْلًا، وبيعِ العنب بالزبيب كَيْلًا (١)، لكن رسول اللّه ﷺ استثنى مَن المنع العريَّة (٢) بخرْصها يأكلها أهلها تمرًا بشروطٍ خمسةٍ ذكرها أهل العلم، ويأتي الكلامَ عنها إنْ شاء اللّه، فَالعريَّة مُسْتثناةٌ من شرط المماثلة، والسَّلَم مُسْتثنًى أيضًا، وهو بَيْعُ موصوفٍ في الذمة إلى أجلٍ معلومٍ بثمنٍ مقبوضٍ في مجلس العقد، كأن تدفع مالًا إلى جزَّار ليأتيك بلحم بعد مدةٍ وليس وقتَ دفع الثمن، إذا أنت قدمت الثمن قبل أن تستلم المثْمَن (٣)؛ فالرسول ﷺ نهى عن المُزَابنة ما عدا صورةً واحدةً، وهي بيع الرُّطَب بالتمر خَرْصًا لحاجة المساكين ممن لا يتمكن مِنْ شراء الرُّطَب بالدراهم والدنانير. وربما يتساءل البعض: لماذا كثر كلام الفقهاء عن بيع الرُّطَب بالرُّطَب، والتمر بالتمر، والقمح بالقمح؟ الجواب: أنَّ مَنْ قبلنا لم تَكن حَالُهُم كحَالنا، فتجد أحدنا اليوم لا يحتاج لاستبدال الرُّطَب بالقمح مثلًا؛ لأنَّ معه نقودًا يشتري بها ما يريد، أمَّا مَنْ سبقنا فَكثير منهم لا تتيسر عنده النقود وقتما شاء، فصاحب عروض التجارة يحتاج ما في يدِ غيرِهِ، ولا نقود عنده، فيلجؤون إلى التبادل

стр. 6792

وَالمُقَايضة، وَمن احتاج الأرز - مثلًا - وعنده نقودٌ يحتاجها الذي يزرع الأرز، يدفع الراغب بالشراء الثمنَ معجلًا قبل الموسم ليستلم الكمية والنوعية بالصفة التي اتفقوا عليها في الموعد المتفق عليه. قوله: (المَنْهِيِّ عَنْهَا عِنْدَه، وَالعَرِيَّةُ عِنْدَهُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ هَذَا الأَصْلِ). وكذلك عند الشافعي (١) وأحمد (٢). قَوْله: (وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالمُزَابَنَةُ المَنْهِيُّ عَنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى الأَرْضِ بِالتَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخِيلِ لِمَوْضِعِ الجَهْلِ بِالمِقْدَارِ الَّذِي بَيْنَهُمَا). يقول أبو حنيفة: علة التحريم هي وجود الجهالة بين التمر الذي على الأرض، والتمر الذي على رؤوس النخيل (٣).

стр. 6793

قوله: (أَعْنِي: بِوُجُودِ التَّسَاوِي، وَطَرَدَ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ العِلَّةَ فِي الشَّيْئَيْنِ الرَّطْبَيْنِ). معنى "طرد" أنه أجرى هذا الحكم في مسائلَ أخرى مشابهةٍ لوجود نفس العلة، أي: بالقياس (١). وهذه مسألة أخرى أدخلها المؤلف في المسألة الأولى، لأنه اعتبرها فرعًا لها، وهي: هل يجوز بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، أو العنب بعنبٍ مثلًا؟ قوله: (فَلَمْ يُجِزْ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ). لأن المعتبر عند الإمام الشافعي ﵀ المآل وليس الحال، والمُعوَّل عليه عند الادخار هو الرُّطَب، والرُّطَبُ - كما هو معلوم - لا يُدَّخَر حتى يجف ليُؤْكَلَ منه بقية العام. ويعلل الشافعية المنع لوجود فرقٍ بين الرطبين المراد التبديل بينهما؛ لأن أحدهما قد يكون أشد رطوبةً مِنَ الآخر (٢). وإذا جف، هل تتغير الحال؟ جمهور العلماء يرون أن الفرقَ يسير جدًّا، وأنه غير معتبر، والمُعَوَّل عليه في ذلك هو قول الرسول ﷺ : "التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"، فهذا رطبٌ برطبٍ يماثل أحدهما الآخر، فلماذا التفريق؟ أما الشافعي فيقول: لا، العبرة هي حال الادِّخار، فإذا أردتَ

стр. 6794

الادِّخار، فَزِنْ هذا وذاك تجد فرقًا، الجمهور يقولون: حتى وإن وُجِدَ هذا الفرق فهو يسيرٌ يُغْتفر، وجهالتُهُ يسيرةٌ يُعْفَى عنها بخلاف الجهالة أو الغبن الفاحش الظاهر (١). قوله: (وَلَا العَجِينِ بِالعَجِينِ مَعَ التَّمَاثُلِ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ التَّفَاضُلَ يُوجَدُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الجَفَافِ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ جُلُّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الحَدِيثِ). وخالفه جلُّ مَنْ قال بهذا الحديث، ومنهم أبو حنيفة (٢) ومالك (٣) وأحمد (٤)، حتى بعض أصحابه خالفوه (٥) كما تقدَّم في مخالفة محمد وأبي

стр. 6795

يوسف لأبي حنيفة ﵏، ولا شك أن مذهبَ الجمهور أقوى؛ لأن التدقيق في هذه الأمور يصعب، وقد يورث الوسواس، والشريعة الإسلامية بُنِيَتْ على اليُسْر، والمهم ألَّا يوجد فارقٌ واضحٌ يُغْبَنُ فيه أحد الطرفين، أما اليسير فلا يضرُّ. قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ فِي الأَصْنَافِ الرِّبَوِيَّةِ). في هذه المسألة ذكر الرديء والجيد، ثم شرع في مسألة: هل يجوز بيع الجيد بالرديء؟ والمراد بالأصناف الرِّبوية هي التي نهى الشارع فيها عن الربا بنوعيه، فإن وُجِدَ التماثل، زال ربا الفضل، وإن قُبِضَ الثمن والمُثْمَن، زال ربا النسيئة، وإن اختلفت الأجناس، زال ربا الفضل … بيع الجيد بالرديء: كتمرٍ ممتازٍ بتمرٍ دونه، وبيع التبر (١) بالمضروب، يعني: الذهب غير المسبوك بالمسبوك، أي: القِطَع أو الذهب الذي أصبح نقودًا، وهل يجوز بيع المكسر بالصحيح؟ أكثر أهل العلم (٢) يجيز ذلك؛ لأن شرط التماثل موجود: تمر بتمر، لكن القصد هو التماثل في الفرق أي: في الزيادة، أما النوع فهذا لا أثرَ له، وهذه لم يتعرض لها المؤلف، ولعله لم يفعل؛ لأن الخلاف فيها يسيرٌ، فدخوله في مسألة بيع الجيد بالرديء تُوهِمُ القارئ بأنها محل خلافٍ، والحقيقة أنه لا خلاف فيها، كما سيأتي.

стр. 6796

قوله: (فَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يُبَاعَ). كأن هناك كلامٌ محذوفٌ يقول فيه: يجوز، وهذه التي صوَّرها المؤلف ليست محلَّ خلافٍ، لكنه ركَّز على مذهب مالكٍ، وكل الأئمة - فيما أعلم - لا يُجيزُونَها. قوله: (مِنْهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ). انتبه: صنف واحد. قوْله: (وَسَطٌ فِي الجَوْدَةِ بِصِنْفَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَجْوَدُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ، وَالآخَرُ أَرْدَأ، مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ مُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ وَسَطٍ بِمُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنَ الوَسَطِ، وَالآخَرُ أَدْوَنُ مِنْهُ). كأَنْ يبيعَ صاعين من تمرٍ وَسَطٍ بصاعين أحدهما أجود مِنَ الأول، الأول - كما نقول - فاخرٌ ممتازٌ، درجة أولى، والثاني أقلُّ من الوسط، فالتُّهمة هنا قائمةٌ، أقصد وسيلة أو شُبْهَة قد تُوصِلُ إلى الربا، يعني: حيلة، والرسول ﷺ حذَّر المسلمين من الحِيَلِ، وقال: "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ اليَهُود، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الحِيَلِ" (١). فهذا إنسانٌ يبيع صاعين من تمرٍ متوسط الجودة بصاعين من تمرٍ أحدهما رديءٌ والآخر جيدٌ أعلى من الوسط، فكأنه يريد أن يَجْبر الفرق، وهنا وُجِدَتِ الجهالة وعدم المماثلة، وبعدم المماثلة تحقَّق ربا الفضل، وكما تقدم في القاعدة: "الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل"، فإذا تعذر ضبط التساوي، فكأن التفاضل قد تحقق، والتفاضل بين المطعومات والنقود من جنسٍ واحدٍ غير جائزٍ. قَوْله: (فَإِنَّ مَالِكًا يَرُدُّ هَذَا لِأَنَّهُ يَتَّهِمُهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَصَدَ أَنْ

стр. 6797

يَدْفَعَ مُدَّيْنِ مِنَ الوَسَطِ فِي مُدٍّ مِنَ الطَّيِّبِ، فَجَعَلَ مَعَهُ الرَّدِيءَ ذَرِيعَةً إِلَى تَحْلِيلِ مَا لَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ). يعني: هو يريد الأجود، فأراد أن يحتال، فجعل معه ما دون الوسط، كأنه يرى أن ذلك جبرٌ، فهو - في الحقيقة - لا يريد الرديء، بل يريد الأجودَ. قوله: (وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا). ووافقه الشافعي (١) وأبو حنيفة (٢)، ولا أعلم خلافًا في المسألة. قوله: (وَلَكِنَّ التَّحْرِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا أَحْسَبُ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ). ولذلك قال: [وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ]، ولم يذكر المُخالِف، يعني المؤلف قال: اخْتُلِفَ فيها ولم يذكر المُخَالِف. قوله: (لِأَنَّهُ لَا يُعْمِلُ التُّهَمَ). يقول المؤلف: الخلاف لم يكن لأجل هذه التهمة، بل لأجل الجهل

стр. 6798

بالتساوي الذي هو كالعلم بالتفاضل، إذًا، الجهل بالتساوي مظنةُ لتحققِ الربا أو قيامه، فما دام الربا متوقَّعًا، فلا يصح. وأما قوله: [وَلَكِنَّ التَّحْرِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا أَحْسَبُ لِهَذه التُّهْمَةِ]؛ لأن مَنْ سلَك هذا المسلكَ قَدْ لا يقصد الاحتيال يقينًا، لكن ما دامت الشُّبهة قائمةً، فينبغي إبطال هذا البيع، والحكم عليه بعدم الصِّحَّة، وهو ما اتفق عليه العلماء، بل حكى بعضهم الإجماع عليه (١). قوله: (وَلَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يَعْتَبِرَ التَّفَاضُلَ فِي الصِّفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى لَمْ تَكُنْ زِيَادَةُ الطَّيِّبِ عَلَى الوَسَطِ مِثْلَ نُقْصَانِ الرَّدِيءِ عَنِ الوَسَطِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُنَاكَ مُسَاوَاةٌ فِي الصِّفَةِ). لأنه ربما لو قيل له: أتبيع صاعين من الوسَط بصاعٍ مِن الجيد؟ لقَالَ: نعم، وتعلمون قصَّة الرجل الذي استعمله الرسول ﷺ على خيبر، وأنه باع الصاعين من الجَمْع بصاعٍ من الجَنيب. روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللّه ﷺ استعمل رَجلًا على خيبر، فَجَاءه بتمرٍ جنيبٍ، فقال رَسُولُ اللّه ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قال: لا واللّه يا رسول اللّه، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول اللّه ﷺ : "لَا تَفْعَلْ، بعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا" (٢). إذًا، الرَّسول ﷺ رسم لنا الخط السوي، والمَخرج الصحيح لمَنْ أراد تبديل الجيد بالرديء بأن يبيع ما عنده، ثم يشتري بثمنه ما أراد، ومن

стр. 6799

هنا أجمع العلماء على هذا، ولا أدري ما الذي حمل المؤلف على إيراد هذه المسألة، وادِّعاء الخلاف فيها، واللّه أعلم. قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ صِنْفٍ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ بِصِنْفٍ مِثْلِهِ وَعَرَضٍ، أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ). هذه مسألةٌ مهمةٌ، تُعْرف في المذهبين الشافعي والحنبلي بمسألة: مُد عَجوة ودرهم، واعتبرها بعضهم قاعدةً عظيمةً من قواعد الفقه الإسلامي، لذا جعلها الحافظ ابن رجبٍ في "قواعده" المعروفة في الرقم الثالث عشر بعد المائة فقال: "إذا وجدنا جملةً ذات أعدادٍ موزعةً على جملةٍ أخرى، فهل تتوزع أفراد الجملة الموزعة على أفراد الأخرى؟ أَوْ كل فردٍ منها على مجموع الجملة الأولى؟ (١)، وفي شرحها أدخل معها مسائل، واعتبر القطب الذي تدور عليه تلك القاعدة هو مسألة: مُد عَجوة ودرهم؛ وهي مِن أصعب قواعد ابن رجب، هذا الكتاب الذي قيل عنه: إنه مِنْ عجائب الدهر، ولا يَعرِف قيمة هذا الكتاب إلا مَنْ عرف مغازيه ومقاصده، ولو أردنا شَرْحَ هذه القاعدة لاحتجنا إلى وقتٍ وتكرارٍ، وأَذْكُرُ أني دَرَّسْتُها لطلابٍ في الدراسات العليا، ورغم التكرار لم يفهمها إلا قليلٌ، والحمد لله أن هذه القاعدة لم تَرِدْ في كلام المصنف هنا، وإنما وردت منها صورةٌ، هي: بيعُ ربويٍّ بجنسه مع وجود غيره معهما أو مع أحدهما. مثاله: أن تبيع مُدَّ عجوة ودرهم بمُدَّيْ عجوة، أو مُدَّيْ عجوة ودرهم بمُدَّيْ عجوة ودرهم، فالنوع الآخر إما أن يوجد معهما معًا أو مع أحدهما، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، وانقسموا فيها أقسامًا ثلاثةً: *فمنهم مَنْ حكم عليها بالمنع، واعتبرها نوعًا مِن أنواع الربا. *ومنهم مَنْ فصَّل القول فيها كابن رجبٍ في "قواعده"، فذكر ما

стр. 6800

ملخصه أنه ربما توزع أفراد الجملة الأولى على أفراد الجملة الثانية، وربما توزع أفراد الجملة الأولى على مجموع الجملة الثانية، وربما لا يحتمل التوزيع كأن يقول رجلٌ لزوجتيه: إن أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقتان، ويستحيل أن تأكل كلُّ واحدةٍ منهما الرغيفين، إذًا هذه تأكل رغيفًا، وهذه تأكل رغيفًا، ومع ذلك يقع الطلاق؛ لاستحالة تحقُّقِ أكل الرغيفين من الاثنتين معًا؛ فإذا أكلتهما هذه ما بقي لهذه شيءٌ، إذن تأَكل كلُّ زوجةٍ رغيفًا. ولو أعطى رجلٌ لآخر عشرين درهمًا، وقال له: أعطها لعشرين فقيرًا، فمعلومٌ أنه يوزعها على أفراد الجملة الثانية، الجملة الأولى: الدراهم، والجملة الثانية: الفقراء. المهمّ، أنَّ الخلاف في هذه المسألة يدور حولَ حديثٍ أخرجه مسلم وغيره عن فضالة بن عُبَيد الأنصاري، يقول: أُتِيَ رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادةٍ فيها خرزٌ وذهبٌ، وهي من المغانم تُبَاع، فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ" (١). وفي روايةٍ: "لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ" (٢)، يعني: يُفْصَلُ الذهب عن غيره، ولمَّا فصلها فَضالة، وجد ما فيها مِن ذهبٍ يزن أكثر مِن ثمنها الذي هو اثنا عشر دينارًا من الذهب، فهذا ربا فضل؛ لأن فيه زيادةً، فما بالك بقيمة الخَرَز، والنبي ﷺ قال: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ". إذًا، لا بد من التساوي عند البيع، أما الحلي ففيه خلافٌ كما تقدم، فبعض العلماء يرى أن الحلي لا يختلف عن غيره، ويرى بعضهم أنه لا مانع من وجود فارقٍ لأجل الصنعة، وحديث فَضالة هذا هو الأصل في هذه المسألة؛ قلادة فيها ذهب وخَرَز بيعت بذهب، إذًا، أحد الربويين معه

стр. 6801

غيره، وجمهور العلماء منعوا ذلك، وقالوا بعدم الجواز، واعتبروه نوعًا من أنواع الربا، وهو قول الشافعية (١) والحنابلة (٢) وأحد قولي المالكية (٣). ومنهم مَنْ أجاز ذلك مطلقًا وهم الحنفية (٤). ومنهم مَن فَصَّل، فقال: إنْ كان المفرد معه غيره جاز، وإنْ كان معهما معًا لم يجز، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد (٥). فمُلخَّص المسألة: إنْ كانت الزِّيادة مع المفرد جاز، أو معهما معًا جاز أيضًا، أما لو كانت الزيادة مع أحد النوعين (يعني: غير المفرد)، أو

стр. 6802

معهما معًا، فلا يجوز، وجاءت الرواية في "سنن أبي داود" بلفظ: ابتاعها رجلٌ بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، قال النبي ﷺ : "لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ"، فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي ﷺ : "لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا" (١). وقوله: [وعَرَض]، يعني نوعًا آخر، كدراهم أو سلعةٍ أخرى. قوله: (إِذَا كَانَ الصِّنْفُ الَّذِي يُجْعَلُ مَعَهُ العَرْضُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ المُفْرَدِ، أَوْ يَكُونُ مَعَ كلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَرضٌ، وَالصِّنْفَان مُخْتَلِفَان فِي القَدْرِ). هذا الحكم ليس خاصًّا في الذهب، فلو كانت القلادة من فضةٍ ومعها خَرَز، فلا بد من التساوي، وكذلك لو كان القمح مختلطًا بغيره، والآخر خالصًا، فلا بد أيضًا من وجود التساوي، وكذا التمر والملح، والحكم يسري على جميع الربويات. قوْله: (فَالأَوَّلُ: مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ كَيْلَيْنِ مِنَ التَّمْرِ بِكَيْلٍ مِنَ التَّمْرِ وَدِرْهَمٍ، وَالثَّانِي: مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ كيْلَيْنِ مِنَ التَّمْرِ وَثَوْبًا بِثَلَاثَةِ أَكْيَالٍ مِنَ التَّمْرِ وَدِرْهَمٍ). يعني: يبيع مُدَّيْن بمُدٍّ ودرهمٍ، مُدٌّ يقابل مُدًّا، والمُدُّ الآخر يقابله الدِّرهم، ومقابلة المُدِّ الآخر للدرهَم أمرٌ غير منضبطٍ، أو يبيع ثلاثة أمدادٍ بمُدَّين ودِرْهمٍ، فَمُدَّان يقابلان مُدَّين، والمدُّ الثالث يقابل الدِّرهم، فالعلةُ الرِّبوية موجودةٌ. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالكُوفِيُّونَ: إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ). يدخل في الكوفيين شيوخُ شيخِهِ كحمَّاد بن سليمان وإبراهيم النخعي

стр. 6803

والثوري ﵏ (١). قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ مَا يُقَابِلُ العَرَضَ). يُقَال: العَرَض - بالتَّحريك - ويقال: العَرْض - بالإسكان - وبعضهم رجَّح العَرْض، أي عَرْض التجارة وغيرها (٢). قوله: (مِنَ الجِنْسِ الرِّبَوِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي القِيمَةِ، أَوْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ رِضَا البَائِعِ؟ فَمَنْ قَالَ الاعْتِبَارَ بِمُسَاوَاتِهِ فِي القِيمَةِ قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ لِمَكَانِ الجَهْلِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ العَرَضُ مُسَاوِيًا لِفَضْلِ أَحَدِ الرِّبَوِيَّيْنِ). يعني: العلة هي الجهالة، شيءٌ يقابل شيئًا من نوعه لكن لا يمكن ضَبْطه، فلا تستطيع أن تقابل الدرهم بمكيالٍ. قوله: (عَلَى الثَّانِي، كَانَ التَّفَاضُلُ ضَرُورَةً). لذا، تجد عند الحنابلة (٣) قولًا: إذا وجد مع الاثنين وحصل

стр. 6804

التساوي، أو وجدت الزيادة مع المفرد، جاز، مثلًا: صَاعَان بصَاعٍ ودرهمٍ، هنا الزيادة جاءت مع المفرد الَّذي هو صاعٌ واحدٌ. * قوله: (مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَ كيْلَيْنِ مِنْ تَمْرٍ بِكَيْلٍ وَثَوْبٍ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الثَّوْبِ تُسَاوِي الكَيْلَ، وَإِلَّا وَقَعَ التَّفَاضُلُ ضَرُورَةً). لأن قيمةَ الثوب ربما تكون عاليةً كما تقدم في حديث القلادة، وهو صريحٌ في هذه المسألة، فهي واقعةٌ وَقعتْ في زمن الرسول ﷺ حين أشكلت على مَنْ وَقعتْ له - وهو فَضالة - كما جاء صريحًا في "صحيح مسلم" (١). * قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَيَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَرْضَى بِهِ المُتَبَايِعَان). يقول أبو حنيفة (٢) ﵀: إن الله إنما ربط البيع بالربا، فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال أيضًا: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. والرسول ﷺ يقول: "البَيِّعَان بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" (٣). وقال ﷺ أيضًا: "إِنَّمَا البَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ" (٤). فأبو حنيفة يقول: إذا وُجِدَ البيع ومعه التراضي، زال الإشكال.

стр. 6805

* قوله: (وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ أَيْضًا فِي هَذَا سَدَّ الذَّرِيعَةِ (١)، لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ جَاعِلٌ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى بَيْعِ الصِّنْفِ الوَاحِدِ مُتَفَاضِلًا، فَهَذِهِ مَشْهُورَاتُ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الجِنْسِ). أُقدِّم لكم مثالًا بسيطًا على هذه المسألة: رجلٌ اشترى لبنًا بزبدٍ، فعلى الرواية الحنابلة تصحح هذا البيع: إذا كان الزبد الذي اشترى به اللبن أكثر من الزبد الموجود في اللبن جاز، وإلا فلا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (بَابٌ فِي بُيُوعِ الذَّرَائِعِ (٢) الرِّبَوِيَّةِ) هذا العنوان (باب في بيوع الذرائع)، أي: باب تُذْكر فيه الذرائع التي يتوصل بها إلى الربا، وقد تكلمنا عن حكم الربا، وعن الأدلة على تحريمه، وعن المسائل التي ورد التنصيص فيها، وما يلحق بها، هناك مداخل وطرق ووسائل يسلكها بعض الناس، فيقع في الربا معللًا ذلك بأنه بيع، ولذلك جاء عن رسول الله ﷺ قوله: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان يُسْتَحَلُّ فِيهِ الرِّبَا بِالبَيْعِ" (٣)، أي: هو ربًا، وسمَّاه بيعًا، كما سيأتي ذلك.

стр. 6806

والذريعة هي الوسيلة إلى الشيء؛ أيْ: الطريق الذي يوصلك إلى شيءٍ، وهذه الوسيلة قد توصلك إلى الحلال، فتكون حلالًا؛ لأنها تأخذ حكم المقصد، وربما تكون هذه الوسيلة غايةً إلى الوصول إلى الحرام، فتكون تلك الذريعة حرامًا. ولذلك قال العلماء: الوسائل تأخذ حكم المقاصد (١)، والعلماء وضعوا قاعدةً أصوليةً معروفةً تُعْرف بقاعدة: "سد الذرائع" (٢)، وقد أكثر العلماء المالكية من الأخذ بها، وغيرهم من العلماء (٣)، فَسَدُّ الذرائع هو مَنْع ما يُفْضي إلى الوقوع به في الحرام، إذ كل ما يوصل المرء إلى الوقوع في الحرام فإنه حرام؛ هذا معنى سد الذرائع. ولقد خرَّج العلماء على هذه القاعدة أنواعًا كثيرة، إذ نجد أن الشارع الحكيم نَهَى عن بيع الربويات بعضها إلى بعض؛ أيْ: عن بيع الربويات بربويٍّ آخر عن طريق الخرص أو التخمين أو الظن بتقديرهما وتقدير

стр. 6807

أحدهما؛ لأن الظن لا يغني من الحق شيئًا؛ ولأن الخرص لا يمكن أن تتقرر به الأحكام. ولذلك، عندما سُئل رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، لم يعطِ الإجابة سريعًا، وإنما سأل مَنْ حوله: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبسَ؟ " (١)، قالوا: نعم، والرسول ﷺ يعلم ذلك الحكمَ كما مر؛ يعلم بأَن الرطب إذا يبس فإنه ينقص، ولكنَّه سأل عن ذلك؛ ليقرر الحكمَ في أذهان المستمعين، وليبين أن العلَّة في التحريم إنما هي هذا الوصف الموجود له، وهو النقص، فإذا جَفَّ الرطب، اختلف أمره، فأصبح غير متوازنٍ مع التمر، كذلك نجد أن رَسُول الله ﷺ عندما نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قَالَ: "مَنْ لَمْ يَذَرِ المُخَابَرَةَ، فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ" (٢). "المُخَابرَة"، هِيَ: المُزَارعة؛ وهو أن يأخذَ الإنسانُ الأرضَ بجزءٍ مما يخرج منها (٣)، وقبل أن ندخل في تفصيل ذلك، ربما يستشكل على الإخوة أن المُزَارعة هي من الأحكام المعروفة، لكن الصحيح أن فيها خلافًا، فهناك مَنْ يقول: إن المزارعة لا تجوز بخلاف المساقاة (٤)، إذ القصد هنا وجود الجهالة في هذا الأمر؛ "مَنْ لَمْ يَذَرِ المُخَابَرَةَ، فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ" (٥) وذلك؛ لوجود الجهالة في الأمر. كَذَلك نجد أن رَسُول الله ﷺ نهى عن المحاقلة؛ وهو أن يشتري

стр. 6808

الإنسان الحَبَّ في سنبله في الحقل بالحَبِّ على وجه الأرض (١)، فهذا إذا يبس تغير حاله، فَصَار أقلَّ من ذلك، ولذلك نهى رَسُولُ الله ﷺ عن المحاقلة كما فَصَّلنا لاختلاف الأمرين، لأنه يوجَد تفاوتٌ بين الأمرين في ذلك، ومن ذلك أيضًا ما نهى عنه رَسُولُ الله ﷺ عن بيع العينة (٢)؛ فَهَذه أمثلةٌ يَسيرةٌ عرضنا لها، وستأتي إن شاء الله. * قوله: (وَهُنَا شَيْءٌ يَعْرِضُ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ)، شيء يعرض للمتبايعين؛ أولًا الرَّسُول ﷺ رسم لنا طريقًا سويًّا؛ فأوضح أن الحلال بيِّنٌ وأن الحرام بَيِّنٌ (٣)، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، ومن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه وعِرْضه، ومَنْ وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى. وَلذَلك، كلُّ إنسانٍ تقيٍّ يحرص على أن يتجنب الربا، فإن الله سييسر أمرَه، فالواجب على المسلم أن يبتعد عن كلِّ أمرٍ فيه شبه، وأن يذهب إلى ما كان صريحًا بعيدًا عن الشُّبَه وَالمُحرَّمات. * قوله: (إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ)، لأنه ربما يقول: أبيعُكَ هذا الشيء بزيادةٍ أو بنقصٍ، فينظر في هذا الأمر، هل باع هذا الأمر لأجل التَّخْفيف عليه، وأنه رقَّ لحاله، ويريد أن يعطف عليه أم أنه يريد أن يستغلَّ ذلك لأمرٍ من الأمور، ولذلك نهى عن كل بيع وسلف، وهو البيع الذي يجر منفعةً؛ لأن ذلك يدفع إليه مصلحة، وذلك لو أن إنسانًا باع لإنسان بيتًا، وقال: على أن تعطيني سيارتك مدة

стр. 6809

أسبوع أو شهر، فهنا لا يجوز البيع؛ لأن البيع جر نفعًا، وهذا لا يجوز. * قوله: (وَللْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ الشَّيْءَ الَّذِي بَاعَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ، وَهُوَ أَنْ يُتَصَوَّرَ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ تَبَايُعٌ رِبَوِيٌّ)، فرَّق بعض العلماء بين بيع العينة (١) وبيع التورق (٢)، قالوا: لأن الشبهة والضرر في بيع العينة واضح، وفي بيع التورق ليس واضحًا؛ لأنه إنسان ويحتاج إلى مالٍ ونقودٍ، ولا نقود معه، ولا يجد مَنْ يقرضه، فيذهب إلى شخص - وهذا كثير وموجود في هذا الزمان - فيشتري منه سيارةً أو سلعةً من السلع ثم يبيعها على آخر لا على نفس الشخص؛ لأنه لو باعها على الشخص نفسه تحولت إلى مسألة العينة. أما هذه فاختلف العلماء فيها (٣)؛ فبعضهم منعها؛ لوجود الضرر، وبَعْضهم أجاز؛ لأنه باعها على شخصِ آخر، فلم يرجع البيع للأول. * قوله: (مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ إِنْسَانٌ مِنْ إِنْسَانٍ سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِعِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ)، هذا الذي لا يجوز، باع سلعةً بعشرة دنانير نقدًا، ثم اشتراها بعشرين دينارٍ إلى أجلٍ، فكأن العشرة تقابل

стр. 6810

العشرين، فهذه إلى أَجَلٍ، وهذا نقد قد جرَّ نفعًا، وهذا نوع من الربا. * قوله: (فَإِذَا أُضِيفَتِ البَيْعَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الأُولَى، اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا دَفَعَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فِي عِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ)، نحن نعلم من خلال الأحاديث الصحيحة التي مرت بنا: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَبِالمِلْحِ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ" (١)، وقد تَكلَّمنا عن ذلك وبيَّناه بيانًا مفصلًا، وبيَّنا أنه بالنسبة للصنف الواحد فينبغي ألا يوجد فيه تفاضل، فلا بد من اتحاد الصنفين، وإن وجد تفاضل فلا يجوز، لكن عند اختلاف الأجناس يجوز التفاضل، لكن يبقى بعد ذلك أن يكون يدًا بيد حتى لا يقع ربا النسيئة. * قوله: (وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِبُيُوعِ الآجَالِ)، صُوَرها متعددة وكثيرة، ومنها ما سيأتي مما يَذْكره المؤلف، وما سنضيفه، وهي أيضًا تدخل ضمن الحيل أو بعضها، أو بعض صورها تدخل ضمن الحيل المُحرَّمة، وكَذَلك الذرائع التي نُهِيَ عنها. * قَوْله: (فَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةً فِي الإِقَالَةِ)، الإقالَة في اللُّغة: هي الإزالة، إنسان اشترى من إنسان سلعةً، فأقاله منها؛ أي: أنه أنهى البيع، فهذا يسمى إقالةً، لكن هناك خلاف بين العلماء هل الإقالة فسخ أو بيع؟ فالمالكية (٢) يرون أنها بيع، لأن السلعة تعود لصاحبها بعينه، فهذا هو البيع. والآخرون يقولون: لا هي فسخ ولا بيع، وهذا مذهب

стр. 6811

الأئمة أبي حنيفة (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) في صحيح مذهبه. * قوله: (وَمَسْأَلَةً مِنْ بُيُوعِ الآجَالِ إِذْ كَانَ هَذَا الكِتَابُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ التَّفْرِيعَ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ فِيهِ تَحْصِيلُ الأُصُولِ)، هذه مسألة مهمة، فالمؤلف يريد أن يعطينا مثالًا للإقالة، ومثالًا لبيع الآجال، ثم يذكر علة عدم استرساله في ذكر الأمثلة، وفي تَعدُّدها، قال: لأن هذا الكتاب لم يضعه لأجل الفروع وجمع فروع المسائل وجزئياتها، وإنما اقتصر على كُبْريات المسائل وأصولها وأمهاتها. * قوله: (مَسْأَلَةٌ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا مَا كَأَنَّكَ قلْتَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا إِلَى أَجَلٍ)، بعت عبدًا ما، فالكلام ليس على المتكلم، وإنما على المخاطب؛ كأن يقول: بعتك عبدًا. * قوله: (ثُمَّ نَدِمَ البَائِعُ فَسَأَلَ المُبْتَاعَ أَنْ يَصْرِفَ إِلَيْهِ مَبِيعَهُ)، ثم ندم البائع، وقد جاء في الحديث الصحيح: "مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ (٤) يَوْمَ القِيَامَةِ" (٥)، فلو أنَّك بحت إنسانًا بيعًا، فلحق به ضرر،

стр. 6812

فأَقَلته من تلك البيعة، فإنَّ الله يقيل عثرتك يوم القيامة. قول المؤلف: (لم يختلفوا)، هذا فيه إجماع، والحقيقة أن المسألة من حيث الجملة فيها خلاف، نعم هناك أمر لم يختلف فيه العلماء، لو أن إنسانًا - كما ذكر المؤلف - بالنسبة إلى البائع ندم، فقبل المشتري ذلك منه، فإن ردَّت بنفس الثمن، فهذا لا خلاف فيه، لكن إن كانت بزيادةٍ كما ذكر المؤلف أو بنقصٍ، ففيها خلاف بين العلماء (١)، فبعض العلماء يمنع ذلك، ويرى أن في ذلك استغلالًا وضررًا على البائع، وبعضهم يرى أن ذلك جائز. إذًا، قول المؤلف: (لم يختلفوا)، ليس على إطلاقه، نعم هناك صور لم يختلفوا فيها، وهذا المثال الذي ذكَره فيه خلاف بين العلماء. * قوله: (وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مَثَلًا نَقْدًا، أَوْ إِلَى أَجَلٍ، أَنَّ

стр. 6813

ذَلِكَ يَجُوز، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ الإِقَالَةَ عِنْدَهُمْ إِذَا دَخَلَتْهَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ هِيَ بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ)، هي بيع عند مالكٍ، ورواية عن أحمد (١)، ووجهتهم أنها بيع؛ لأنها تعود بعينها إلى البائع، فكونها تعود إليه فهي بيع، والآخرون: الإقالة الزيادة أو الرفع، فكونها إقالةً، فقد انتهى كل شيءٍ، إذًا هي فسخ، ولكلٍّ حجة يتمسك بها (٢)، والمؤلف لم يعرض لهذه المسألة، وفيها خلاف معروف. * قوله: (وَلَا حَرَجَ فِي أَنْ يَبِيعَ الإِنْسَانُ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ اشْتَرَى مِنْهُ البَائِعُ الأَوَّلُ العَبْدَ الَّذِي بَاعَهُ بِالمِائَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَه، وَبِالعَشَرَةِ مَثَاقِيلَ (٣) الَّتِي زَادَهَا نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ لَوْ كانَ البَيْعُ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ، وَالعَشَرَة

стр. 6814

مَثَاقِيلَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ. وَأَمَّا إِنْ نَدِمَ المُشْتَرِي فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَسَأَلَ الإِقَالَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ البَائِعَ العَشَرَةَ المَثَاقِيلَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنَ الأَجَلِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ المَسْأَلَة، فَهُنَا اخْتَلَفُوا، فَقَالَ مَالِكٌ (١): لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ (٢)). فإذا بَاعَه بأقل أو أكثر ففيه خلاف؛ فجمهور العلماء يمنعون ذلك (٣)، والشافعيَّة يُجوِّزون ذلك (٤)؛ لأنهم يقولون: يجوز أن يبيعها لشخصٍ آخر

стр. 6815

بأكثر من ذلك، ويجوز أن يبيعها للشخص نفسه بعد مدة، والآخرون يقولون: لا. * قَوْله: (وَوَجْهُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى قَصْدِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَى أَجَلٍ، وَإِلَى بَيْعِ ذَهَبٍ وَعَرَضٍ بِذَهَبٍ) (١) بيع الذهب بالذهب إلى أجل، هذا لا يجوز كما عرفنا، هو يدًا بيد مثلًا بمثل .. وهذه مسألة مرت بنا في قصة القلادة في "صحيح مسلم" التي اشتريت باثني عشر دينارًا، فَذَكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ" (٢)، يُسْتخرج ما فيها من الخرز، فوجد أن ما فيها من الذهب أكثر من الاثني عشر دينارًا، ونتبين من ذلك حكمة هذه الشريعة الغرَّاء. * قوله: (لِأَنَّ المُشْتَرِيَ دَفَعَ العَشَرَةَ مَثَاقِيلَ، وَالعَبْدَ فِي المِائَةِ دِينَارٍ الَّتِي عَلَيْهِ، وَأَيْضًا يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ)، السلف هو القرض، فكأنه باع شيئًا وأسلفه شيئًا، وهذا أيضًا لا يجوز، لأنه أصبح ذريعةً إلى الربا. * قوله: (كأَنَّ المُشْتَرِيَ بَاعَهُ العَبْدَ بِتِسْعِينَ، وَأَسْلَفَهُ عَشَرَةً). فالعشرة تعتبر من النقدين، والعبد إنما هو سلعة.

стр. 6816

* قوله: (إِلَى الأَجَلِ الَّذِي يجِبُ عَلَيْهِ قَبْضُهَا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَهَذَا عِنْدَهُ كُلُّه جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ مُسْتَأْنَفٌ)، الشافعي عنده كله جائز؛ لأن وِجْهَته في هذا أنه لا ينبغي أن نتهم الناس، وأن نبقي الأصل على براءة الذمة، ولكن الآخرين قالوا: لا، هذه أبواب لو فتحت لكانت شرًّا، وهي أبوابٌ توصل إلى الربا، لكن ليس معنى هذا أن الشافعي يُحِلُّ هذا الأمر ويرى أنه حرام، فالشافعي ﵀ لم يظهر له ذلك، فهو يرى أن العلة في ذلك تهمل؛ فهذا شئ مستأنف؛ انتهى العقد الأول وهذا عقد جديد، فلا يدخل الربا (١). ويريد الجمهور أن يسدَّ أبواب الذرائع، فيقول: كل ما يوصل للمحرم فينبغي أن نغلقه، وقالوا: هناك رابطة بينهم، وأن البيعتين إذا اجتمعتا صارتا بيعةً واحدهً، والشبهة قائمة، والرسول ﷺ يقول: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (٢). * قوله: (وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ مُؤَجَّلَةٌ، فَيَشْتَرِي مِنْهُ غُلَامًا بِالتِّسْعِينَ دِينَارًا الَّتِي عَلَيْهِ، وَيَتَعَجَّلُ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ) (٣). هذه مسألةٌ أخرى تختلف، استثناها العلماء؛ لأنه لا شبهة فيها.

стр. 6817

* قوله: (قَالَ: وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَى التُّهَمِ لَا يَجُوزُ) (١). فلا يجوز لمسلمٍ أن يتهم أخاه المسلم، وأن يسيء الظن به. * قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ البَيْعُ الأَوَّلُ نَقْدًا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدْخُلُهُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ نَسِيئَةً إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ العِينَةِ) (٢). "العينة"، هي أن يبيع إنسان سلعة بثمن معلوم لأجل، ثم يشتريها ممن اشتراها منه بثمن أقل، هذه هي مسألة العينة، إذًا، من الذي تضرر هنا؟ الذي تضرر إنما هو المشتري الأول؛ لأن الأجل محسوب عليه، وهذا اشتراها منه بأقلَّ من الثمن، فهذا ضَررٌ، فهذه هي مسألة العينة التي جاء فيها حديث رَسُول الله ﷺ ، والَّذي اشتمل على جُمْلةٍ من الأحكام والحِكَمِ والتَّحذيرات: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ" (٣). "تبايعتم بالعينة"، أي: انشغلتم بها. و"أخذتم أذناب البقر"، هذا كناية عن الانشغال بالحرث عن الجهاد. و"رضيتم بالزرع"، أي: جعلتموه غايتكم وهمتكم.

стр. 6818

و"تركتم الجهاد"، أي: إنكم انصرفتم عن أمور الآخرة، وأقبلتم على أمور الدنيا، فاجتهدتم فيها، وأمضيتم أوقاتكم الثمينة التي ينبغي أن يُسْتغل جانب منها في طاعة الله . * قوله: (أَعْنِي: الَّذِي يُدَايِنُ النَّاسَ)، مسألة أخرى اسمها التورُّق فيها خلافٌ، أكثر العلماء يمنعها، والبعض يجيزها، ولا يظهر دليل صريح على تحريمها، وهو أن يحتاج الإنسان إلى نقود وليس معه شيء، فيذهب إلى صاحب معرض ويشتري سيارة، ثم بعد ذلك يبيع هذه السيارة على شخص آخر غير الذي اشتراها منه بثمن أقل، هل هذا جائز هنا؟ هذه المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يجيزها؛ لأنهم يقولون: فيها رفق؛ لأن الإنسان مضطر إلى هذا المبلغ، فلا يجد مَنْ يقرضه، ولذلك جاء في أثر عليٍّ ﵁ وفي بعض الطرق رفع إلى الرسول ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ، يَعَضُّ المُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ" (١)، أي: يمسك المال. وقد يوجد سبب لكثير من الإخوة، فيوجد عدد من الإخوة الصالحين الذين يعلمون في القرض الحسن من الخير، وما يَتَرتب عليه من الثواب، لكن المصيبة في هذا الزمان أن كثيرًا من الناس سلكوا طريق الاحتيال، فربما تقرض إنسانًا مبلغًا من المال فتطالبه أيامًا وشهورًا وسنين، وقد يضيع حقك، وممكن أن تسلك بعض الطرق التي يسلكها كثير من الناس، ولا يخلو زمان من الأزمنة من أهل الخير والصلاح، ومن الذين يحبون فعل الخير، لكن فعل بعض الأشرار أصحاب هذه المسالك جعل الصالح يخاف، يقول: أنا أخشى أن أدين، فأكون أنا صاحب الحق السيئ، ولكن

стр. 6819

نقول: إنه لا ينبغي لإنسان أن يغلق الباب؛ لأن الإنسان إذا أقرض إنسانًا، وأدرك أنه بحاجة حتى إذا لم يحصل على حقه أوْ ضاع، فالحقُّ لا يضيع عند الله . * قوله: (لِأَنَّهُ عِنْدَهُ ذَرِيعَةٌ لِسَلَفٍ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ يَتَوَصَّلَانِ إِلَيْهِ بِمَا أَظْهَرَا مِنَ البَيْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ) (١). هو ظاهرة البيع، لكن حقيقته في الواقع بيع العينة، باب من أبواب الربا، ولذلك وضع العلماء قاعدة عظيمة، فقالوا: "الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل"، من هنا ألحقوا هذه المسألة كما قلنا: الرطب تريد أن تشتريه بتمر، قلنا: الرطب كما جاء في الحديث عند تركه يجفُّ فينقصر (٢)، إذًا هنا التَّساوي غير معلوم، إذًا الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فهل يجوز لَكَ أن تبيع ذهبًا بذَهَب مع التفاضل أو أن تبيع دراهم بدراهم مع التفاضل، أو بما يلحق بذلك الأموال التي فيها ربا؟ الجواب: لا، إذًا، أنت جهلت هذا الأمر، فينزل منزلة العلم بالتفاضل، هذه قاعدة فقهية معروفة، الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فالأمر الذي تجهله ولا تتيقن حقيقته كحَبٍّ لسنبلٍ رطبٍ تبيعه بحَبٍّ جافٍّ أنت تجهل ذلك؛ لأن هذا الرطب إذا جف سيتغير حاله، وينقص في الكيل لا ينقص حجمه، وفي الميزان أيضًا لأنه يخف، إذًا هذا تغيُّر، وبالتَّالي فَهُو مجهول. * قوله: (وَأَمَّا البُيُوعُ الَّتِي يُعَرِّفُونهَا بِبُيُوعِ الآجَالِ، فَهِيَ أَنْ يَبِيعَ

стр. 6820

الرَّجُلُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِثَمَنٍ آخَرَ إِلَى أَجَلٍ آخَرَ أَوْ نَقْدًا). سوف يذكر لها المؤلف عدة صور؛ سبع منها جائز، واثنتان غير جائزتين؛ لأن السبع ليس فيها شبهة، واثنتان فيها شبهة، وما فيه شبهة وذريعة لا يجوز، وما ليس فيه كذلك فإنه جائزٌ، وأما معنى بيع الآجال فهو البيع بالأجل، فالآجال جمع أجل، ومنها ما هو محرم قطعًا. * قوله: (وَهُنَا تِسْعُ مَسَائِلَ - إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ زِيَادَةُ عَرَضٍ - اخْتُلِفَ مِنْهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَاتُّفِقَ فِي البَاقِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ بَاعَ شَيْئًا إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاه، فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ إِلَى ذَلِكَ الأَجَلِ بِعَيْنِهِ أَوْ قَبْلَه، أَوْ بَعْدَه، وَفِي كلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ مِنْهُ). قَصَد هنا أن يعطي ملخصًا، والسبب المنع في الصورة الأولى: أنها اشتملت على بيع وسلف؛ يعني بيع وقرض؛ لأن السلف المقصود به هو القرض، وهو المقصود هنا في باب الربا، فهذا هو سر المنع، ولكن في الصور الأخرى لا يتحقق ذلك. (وَإِمَّا بِأَقَلَّ، وَإِمَّا بِأكثَرَ يُخْتَلَفُ مِنْ ذَلِكَ فِي اثْنَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا قَبْلَ الأَجَلِ نَقْدًا بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ إِلَى أَبْعَد مِنْ ذَلِكَ الأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ المَدِينَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ (١)).

стр. 6821

إذ هذا جر منفعة بيع وسلف، فهذا لا يجوز؛ لأنه لما أبعد الأجل، زاد في القيمة، أو لما زاد في القيمة، باعد الأجل، ولذلك نُهي عن ربا الجَاهليَّة، لأنَّه يكون لأَحَدٍ دينٌ على آخر، فإذا انتهى الأجل فقال له: أتقضي أم تربي، فالمرابي يود أن يقول له: بل أربي، ويزيد في الأجل فيزيد في الثمن، وبعض الفقهاء يعبر عنه بعبارة: أنظرني أزده. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَدَاوُد، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): يَجُوزُ. فَمَنْ مَنَعَهُ فَوَجْهُ مَنْعِهِ اعْتِبَارُ البَيْعِ الثَّانِي بِالبَيْعِ الأَوَّلِ). يَعْني: رَبْط البيعتين بعضهما ببعض، فمن يفعل ذلك فهو محل للتهمة، وإذا قامت التهمة، كانت شبهة، وربما كانت مقصدًا إلى الربا، إذ تدخل في أبواب الربا التي هي من الذرائع التي سدَّت، أيضًا تكون من الذرائع أو الوسائل التي توصل للربا. (فَاتَّهَمَهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ دَنَانِيرَ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ، وَهُوَ الرِّبَا المَنْهِيُّ عَنْهُ). هذا لو تحقق له تهمة؛ ربما يكون ذلك مقصودًا، وربما يكون غير مقصود، فلو كان مقصودًا يكون عين الربا، وإنْ لم يكن مقصودًا، حينئذٍ تَبْقى الشُّبهة، فالشافعي ﵀ يرى أن يحسن الظن بالناس، وألا يتهم، وأن يكون الأصل في ذلك هو براءة ذمم الناس، والجمهور يقولون: هذا

стр. 6822

موقف شبهة، وموضوع يشق فيه، والرَّسول ﷺ قال: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ". (فَزَوَّرَ لِذَلِكَ هَذِهِ الصُّورَةَ لِيتَوصَّلَا بِهَا إِلَى الحَرَامِ). انظر إلى عبارة المؤلف: [فزور لذلك هذه الصورة]، أي: تزيف كأنه احتيل في هذه الصورة لتكون طريقًا إلى الحرام، "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ الرِّبَا بِالبَيْعِ" (١)، أي: باسم البيع كما في العينة تمامًا، فظاهره البيع لكنه وسيلة للربا. (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَائِل لِآخَرَ: أَسْلِفْنِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ إِلَى شَهْرٍ، وَأَرُدُّ إِلَيْكَ عِشْرِينَ دِينَارًا)، هذا لا يَجُوزُ؛ لأن هذا هو عين الربا، فهذا واضح تمامًا لا لبس فيه، ولا غموض. (فَيَقُولُ: هَذَا لَا يَجُوز، وَلَكِنْ أَبِيعُ مِنْكَ هَذَا الحِمَارَ بِعِشْرِينَ إِلَى شَهْرٍ، ثُمَّ أَشْتَرِيهُ مِنْكَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا)، هذه هي العينة؛ أيْ: يبيعه هذا الحمار أو يبيعه سيارةً بمبلغٍ مُعيَّنٍ، ثم بعد ذلك يشتريها بأقل، فهنا حصل تحايلٌ على ذلك العمل، فهذا مبرر اتخذ ليتوصل به إلى هذه الغاية. (وَأَمَّا فِي الوُجُوهِ البَاقِيَةِ فَلَيْسَ يُتَّهَمُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الأَجَلِ لَمْ يُتَّهَمْ، وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الأَجَلِ)، حرَّم الله الربا؛ يقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ فالله أحل البيع لما فيه من الإرفاق

стр. 6823

بالناس، فكل من البائع والمشتري يستفيد من ذلك، إذ المصلحة متبادلة بينهما، قال رسول الله ﷺ : "البَائِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكتَمَا مُحِقَتْ بَرَكةُ بَيْعِهِمَا" (١). (وَمِنَ الحُجَّةِ لِمَنْ رَأَى هَذَا الرَّأْيَ حَدِيثُ أَبِي العَالِيَةِ)، العَالية هي زَوْجة أبي إسحاق السبيعي؛ العالية بنت أيفع بن شراحيل، هذه امرأة ذكرها ابن سعد في "طبقاته" (٢)، وأحسن في وصفها؛ وصفها بأنها عالية القدر، وأنها معروفة، وليست امرأة مجهولة، وهي تحكي ذلك عن عائشة، وليس عن رسول الله ﷺ . (عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّهَا سَمِعَتْهَا وَقَدْ قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إِنِّي بِعْتُ مِنْ زَيْدٍ عَبْدًا إِلَى العَطَاءِ بِثَمَانِمَائَةٍ)، يعني: باعته عبدًا إلى أن يأتي وقت العطاء الذي كان يصرف لهم. (فَاحْتَاجَ إِلَى ثَمَنِهِ، فَاشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ مَحِلِّ الأَجَلِ بِسِتِّمِائَةٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا شَرَيْتِ، وَبِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ، أَبْلِغِي زيدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ لَمْ يَتُبْ، قَالَتْ: أَرَأَيْتِ إِنْ تَرَكْتُ وَأَخَذْتُ السِّتَّمِائَةِ دِينَارٍ؟ قَالَتْ: فَهُوَ، ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] " (٣)) الربا أشد خطرًا وضررًا؛، لأنه يفتك بالمجتمعات، ويكون سببًا أيضًا في مَحْق الأموال؛ لأن الله يمحق

стр. 6824

الربا، ويُرْبي الصَّدقات، قالت: لو تركتُ له الزيادة أكون هكذا قد رفع عني هذا الأمر الذي وقع، قالت: نعم؛ لأن التوبةَ - كَمَا هو معلوم - تَجُبُّ ما قبلها. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: لَا يَثْبُتُ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زَيْدًا قَدْ خَالَفَهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَة، فَمَذْهَبُنَا القِيَاسُ (١)، وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢). وَأَمَّا إِذَا حَدَثَ بِالمَبِيعِ نَقْصٌ عِنْدَ المُشْتَرِي الأَوَّلِ، فَإِنَّ الثَّوْرِيَّ وَجَمَاعَةً مِنَ الكُوفِيِّينَ (٣)) هذه صورة أخرى، فإذا باع إنسان لآخر سلعةً إلى أجل، فلا يجوز أن يشتريها بثمن أقل على أن ينقده ذلك، لكن قد يحدث في هذه السلعة نقص أو عيب، فإذًا الصورة تغيرت، فقد منع من الصورة الأولى؛ لوجود علة الربا فيه، وهكذا يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية تمنع ما فيه الضرر. (أَجَازُوا لِبَائِعِهِ بِالنَّظِرَةِ)، أيْ: بالانتظار.

стр. 6825

(أَنْ يَشْتَرِيَهُ نَقْدًا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (١). وَالصُّوَرُ الَّتِي يَعْتَبِرُهَا مَالِكٌ فِي الذَّرَائِعِ فِي هَذِهِ البُيُوعِ هِيَ أَنْ يَتَذَرَّعَ مِنْهَا)، هذه أصولٌ من أصول الربا، ولكن يريد أن يجعله ذريعةً ليصل إلى هذه الأمور؛ ليزينه ويلونه للمتبايعين على أساس أنه بيع وليس بربا. (إِلَى: أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ)، هذا هو ربا الجاهلية: أتقضي أم تربي؟ كانوا في الجاهلية يقرضون كذلك، يأتي المحتاج إلى الغني، فيقترض منه مالًا، وما أسعد صاحب هذا المال أن يأتي له المقترض عند حلول الأجل وهو عاجز عن السداد! لأنه لا رحمة بينهم، كان في قلوبهم غلظة، وهذا المسكين قد تَجمَّعت الديون على كاهله، فيقول: بل أربي، فيزيده مع مد الأجل. (أَوْ إِلَى بَيْعِ مَا لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا)، هذا ربا الفضل الذي أشار إليه الرسول ﷺ فقال: "الذَّهَبُ بِالذَّهَب، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ … إلخ"، وقال في آخره: "يَدًا بِيَدٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ" (٢)، فلا يجوز أن تبيع أحدهما بالآخر مع الزيادة، ولا ما يلحق أيضًا بالربويات؛ لوجود علةٍ تجمع بينهما كما ذكرنا ذلك. (أَوْ بَيْعِ مَا لَا يَجُوزُ نَسَاءً)، أيْ: ربا النسيئة؛ فالبيع إلى آجلٍ أيضًا لا يجوز، وهو المعروف في الجاهلية، وهو الذي جاء تحريمه تحريمًا قطعيًّا دون خلافٍ فيه البتَّة.

стр. 6826

(أَوْ إِلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ)، نهى الرسول ﷺ (١) عن هذا النوع أيضًا؛ لأنه يكون فيه استغلال. (أَوْ إِلَى ذَهَبٍ، وَعَرَضٍ بِذَهَبٍ، أَوْ إِلَى: ضَعْ وَتَعَجَّلْ)، يعني إنسان عليه دَيْن لرجل غريب، فيذهب إليه ويقول: ضع عني بعض المال وأعجل لك باقيه. (أَوْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ)، قَدْ وردت في هذا أحاديث كثيرة عن الرسول ﷺ أنه قد نهى عن بيع الطعام حتى يستوفي، وهذا حديث متفق عليه في "الصحيحين" (٢) وغيرهما (٣). (أَوْ بيع وَصَرْفٍ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ أُصُولُ الرِّبَا)، ما هو الصرف (٤)؟ يعني بيع الأثمان بعضها ببعضٍ، والأثمان هي الذهب والفضة، يعني: بيع الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب، يجوز أن تبيع ولكن بشرط التقاضي في المجلس، فإذا لم يحدث التقاضي، فإن البيع فاسد، وقد قال الرسول ﷺ : "الذَّهَبُ بِالوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً" (٥)، والوَرِقُ المقصود به الفضة، ومعنى "هاءً وهاءً"؛ هذا اسم فعل بمعنى: خذ وهات، كما قال الرسول ﵊: "بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ" (٦).

стр. 6827

* قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ). هذه من المسائل المهمة في أبواب الفقه؛ وهي بيع الطعام بالطعام قبل قبضه، هل القبض خاص بالطعام أم لا؟ وإذا قلنا: هو خاص بالطعام، فهل يختص بالمكيل مثلًا أو الموزون والمعدود، وما عدا ذلك، أم أن ذلك عام في كل شيء (يعني: أي سلعة تبيعها فلا بد من أن تقبضها)؟ لا شك أنه وردت أحاديث كثيرة فيما يتعلق بالطعام، منها حديث عبد الله بن عمر الصحيح أنه قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (١). إذًا، هذا نصٌّ، وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٢)، أي: لا يجوز له أن يبيعه حتى يقبضه من البائع؛ ولأنه أيضًا قبل القبض في ضمان البائع، والأحاديث كثيرة جدًّا أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يكون فيه الصاعان (٣): صَاع البائع وصَاع المشتري، فهذا دليل على أنه لا بد من القبض. إذًا، هل هذا خاصٌّ بالطعام أو أنه أيضًا عام؟ بعض العلماء قال: هذا خاص بالطعام، وأما غير الطعام فيجوز أن يباع قبل قبضه، أما الطعام فقد ورد فيه نص، فينبغي أن نقف. وآخرون قالوا: لا، هذا يشمل الطعام وغيره بدليل أن عبد الله بن

стр. 6828

عمر في الحديث الصحيح ذكر أنهم كانوا يبيعون الإبل في البقيع، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لَا بَأْسَ إِذَا أَخَذْتَهُمَا بِسِعْرِ يَوْمِهِمَا فَافْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ" (١). * قَوْله: (فَمَنَعَهُ مَالِكٌ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ (٣)). وأحمد، لَكن أحمد في الرواية المشهورة عنه أنه خصه بالمكيل والموزون والمعدود (٤). * قوله: (وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ (٥)، وَالثَّوْرِيّ، وَالأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ (٦)، أما قبض الطعام فهذا لم يُجِزْهُ الشافعي (٧) إنما أجازه

стр. 6829

في غير الطعام وأحمد (١). إذًا، المؤلف وَهِمَ في نسبته إلى الشافعي، ولذلك قلت: وأحمد، على أساس أنه في غير الطعام، أما بالنسبة للطعام فالإمام الشافعي لم يخالف في ذلك، ونص مذهبه واضح في هذه المسألة، ولا أعتقد أن الإمام الشافعي يخالف نصوص أحاديث متفق عليها في هذا الموضوع، إنما الذي نسب إليه ذلك إنما هو عثمان البتي، والبتي (٢) معروف بمخالفاته، ومع ذلك التمس له العلماء عذرًا، وقالوا: لعل الأحاديث لم تبلغه في ذلك (٣). إذًا، هذه المسألة لم يخالف فيها الأئمة الأربعة، وهي مسألة بيع الطعام قبل قبضه، فإنهم اتفقوا عليها (٤)، لكن الخلاف فيما عدا الطعام، هل يجوز أن يقبض قبل ذلك أو لا؟ فأجازه الإمام الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء، ومنعه مالكٌ.

стр. 6830

* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ كَرِهَهُ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسَاءً، وَمَنْ أَجَازَهُ لَمْ يَرَ ذَلِكَ فِيهِ اعْتِبَارًا بِتَرْكِ القَصْدِ إِلَى ذَلِكَ). لا شك أن الأحاديث الكثيرة الصريحة نصت في بيع الطعام، والذين منعوا غير الطعام استدلوا بهذه الأحاديث، وقالوا: هذا يشمل الطعام وغيره، والذين أجازوا بيع غير الطعام قبل قبضه استدلوا بأثر حديث ابن عمر الذي ذكرتُهُ في بيع الإبل بالبقيع، فإنهم يتبايعون قبل القبض (١)؛ يعني: كانوا يشترون هذه الإبل ويبيعونها دون أن يحصل قبضٌ في ذلك. * قوله: (وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ). اشترى طعامًا بثمن إلى أجل معلوم محدد، يعني: دفع قيمته على أن يقدم له طعامًا. * قوله: (فَلَمَّا حَلَّ الأَجَل، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَائِعِ طَعَامٌ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ). إذًا، القصد أنه دفع له مبلغًا من المال ليعطيه طعامًا، فلما حل الأجل المتفق عليه كما هو الحال في السلف، لم يجد الطعام الذي اتفق معه على أن يدفعه إليه، فماذا يفعل؟ يريد أن يحتال! * قوله: (فَاشْتَرَى مِنَ المُشْتَرِي طَعَامًا بِثَمَنٍ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ مَكَانَ طَعَامِهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ).
следующие страницы →