← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

(أَوْ إِلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ)، نهى الرسول ﷺ (١) عن هذا النوع أيضًا؛ لأنه يكون فيه استغلال. (أَوْ إِلَى ذَهَبٍ، وَعَرَضٍ بِذَهَبٍ، أَوْ إِلَى: ضَعْ وَتَعَجَّلْ)، يعني إنسان عليه دَيْن لرجل غريب، فيذهب إليه ويقول: ضع عني بعض المال وأعجل لك باقيه. (أَوْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ)، قَدْ وردت في هذا أحاديث كثيرة عن الرسول ﷺ أنه قد نهى عن بيع الطعام حتى يستوفي، وهذا حديث متفق عليه في "الصحيحين" (٢) وغيرهما (٣). (أَوْ بيع وَصَرْفٍ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ أُصُولُ الرِّبَا)، ما هو الصرف (٤)؟ يعني بيع الأثمان بعضها ببعضٍ، والأثمان هي الذهب والفضة، يعني: بيع الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب، يجوز أن تبيع ولكن بشرط التقاضي في المجلس، فإذا لم يحدث التقاضي، فإن البيع فاسد، وقد قال الرسول ﷺ : "الذَّهَبُ بِالوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً" (٥)، والوَرِقُ المقصود به الفضة، ومعنى "هاءً وهاءً"؛ هذا اسم فعل بمعنى: خذ وهات، كما قال الرسول ﵊: "بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ" (٦).

стр. 6827

* قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ). هذه من المسائل المهمة في أبواب الفقه؛ وهي بيع الطعام بالطعام قبل قبضه، هل القبض خاص بالطعام أم لا؟ وإذا قلنا: هو خاص بالطعام، فهل يختص بالمكيل مثلًا أو الموزون والمعدود، وما عدا ذلك، أم أن ذلك عام في كل شيء (يعني: أي سلعة تبيعها فلا بد من أن تقبضها)؟ لا شك أنه وردت أحاديث كثيرة فيما يتعلق بالطعام، منها حديث عبد الله بن عمر الصحيح أنه قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (١). إذًا، هذا نصٌّ، وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٢)، أي: لا يجوز له أن يبيعه حتى يقبضه من البائع؛ ولأنه أيضًا قبل القبض في ضمان البائع، والأحاديث كثيرة جدًّا أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يكون فيه الصاعان (٣): صَاع البائع وصَاع المشتري، فهذا دليل على أنه لا بد من القبض. إذًا، هل هذا خاصٌّ بالطعام أو أنه أيضًا عام؟ بعض العلماء قال: هذا خاص بالطعام، وأما غير الطعام فيجوز أن يباع قبل قبضه، أما الطعام فقد ورد فيه نص، فينبغي أن نقف. وآخرون قالوا: لا، هذا يشمل الطعام وغيره بدليل أن عبد الله بن

стр. 6828

عمر في الحديث الصحيح ذكر أنهم كانوا يبيعون الإبل في البقيع، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لَا بَأْسَ إِذَا أَخَذْتَهُمَا بِسِعْرِ يَوْمِهِمَا فَافْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ" (١). * قَوْله: (فَمَنَعَهُ مَالِكٌ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ (٣)). وأحمد، لَكن أحمد في الرواية المشهورة عنه أنه خصه بالمكيل والموزون والمعدود (٤). * قوله: (وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ (٥)، وَالثَّوْرِيّ، وَالأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ (٦)، أما قبض الطعام فهذا لم يُجِزْهُ الشافعي (٧) إنما أجازه

стр. 6829

في غير الطعام وأحمد (١). إذًا، المؤلف وَهِمَ في نسبته إلى الشافعي، ولذلك قلت: وأحمد، على أساس أنه في غير الطعام، أما بالنسبة للطعام فالإمام الشافعي لم يخالف في ذلك، ونص مذهبه واضح في هذه المسألة، ولا أعتقد أن الإمام الشافعي يخالف نصوص أحاديث متفق عليها في هذا الموضوع، إنما الذي نسب إليه ذلك إنما هو عثمان البتي، والبتي (٢) معروف بمخالفاته، ومع ذلك التمس له العلماء عذرًا، وقالوا: لعل الأحاديث لم تبلغه في ذلك (٣). إذًا، هذه المسألة لم يخالف فيها الأئمة الأربعة، وهي مسألة بيع الطعام قبل قبضه، فإنهم اتفقوا عليها (٤)، لكن الخلاف فيما عدا الطعام، هل يجوز أن يقبض قبل ذلك أو لا؟ فأجازه الإمام الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء، ومنعه مالكٌ.

стр. 6830

* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ كَرِهَهُ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسَاءً، وَمَنْ أَجَازَهُ لَمْ يَرَ ذَلِكَ فِيهِ اعْتِبَارًا بِتَرْكِ القَصْدِ إِلَى ذَلِكَ). لا شك أن الأحاديث الكثيرة الصريحة نصت في بيع الطعام، والذين منعوا غير الطعام استدلوا بهذه الأحاديث، وقالوا: هذا يشمل الطعام وغيره، والذين أجازوا بيع غير الطعام قبل قبضه استدلوا بأثر حديث ابن عمر الذي ذكرتُهُ في بيع الإبل بالبقيع، فإنهم يتبايعون قبل القبض (١)؛ يعني: كانوا يشترون هذه الإبل ويبيعونها دون أن يحصل قبضٌ في ذلك. * قوله: (وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ). اشترى طعامًا بثمن إلى أجل معلوم محدد، يعني: دفع قيمته على أن يقدم له طعامًا. * قوله: (فَلَمَّا حَلَّ الأَجَل، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَائِعِ طَعَامٌ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ). إذًا، القصد أنه دفع له مبلغًا من المال ليعطيه طعامًا، فلما حل الأجل المتفق عليه كما هو الحال في السلف، لم يجد الطعام الذي اتفق معه على أن يدفعه إليه، فماذا يفعل؟ يريد أن يحتال! * قوله: (فَاشْتَرَى مِنَ المُشْتَرِي طَعَامًا بِثَمَنٍ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ مَكَانَ طَعَامِهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ).

стр. 6831

إذًا، هناك شخصٌ دفع إلى آخر مبلغًا من المال ليدفع له طعامًا بعد وقت محدد لأجلٍ معينٍ، فلما انتهى الأجل وجاء وقت دفع الطعام كان البائع لا يملك ذلك الطعام فماذا يفعل؟ أراد أن يحتال على ذلك، فذهب إلى نفس المشتري ليشتري منه طعامًا يشبه هذا الطعام ثم يسلمه له! * قوله: (فَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ مِنْ غَيْرِ المُشْتَرِي الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ مِنَ المُشْتَرِي نَفْسِهِ). يعني وجهة الإمام الشافعي (٢) كما أنه يجوز لهذا الذي التزم أن يؤدي الطعام في وقت محدد، يجوز له أن يشتري من أي شخص يذهب إلى أي دكان من الدكاكين أو محل من المحلات، فيشتري ويدفع له الطعام أو إلى سوق الجملة، ولا يجوز أن يشتري من البائع نفسه؛ لأن فيه شبهة. * قوله: (وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ) (٣). ومنع ذلك مالكٌ، وأيضًا أحمد (٤) وأبو حنيفة (٥)

стр. 6832

* قوله: (وَرَآهُ مِنَ الذَّرِيعَةِ إِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِي). فَمَن ابتاع طعامًا، فلا يَبعه حتى يقبضه، إذًا هنا هو عليه حق لم يؤده، فالآن يشتري من هذا الشخص كأنه باعه نفس الطعام؛ اشتراه منه ثم باعه إياه وهو لا يزال عنده، أما لو جاء واشترى منه - قبل أن يحل الأجل - طعامًا، ثم أبقاه عنده ثم باعه إياه، فهنا تختلف الصورة. * قوله: (لِأَنَّهُ رَدَّ إِلَيْهِ الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَكُونُ قَدْ بَاعَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ. وَصُورَةُ الذَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا حَلَّ الأَجَلُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ: لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ، وَلَكِنْ أشْتَرِي مِنْكَ الطَّعَامَ الَّذِي وَجَبَ لَكَ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذَا لَا يَصِحُّ). هل المسلم في حاجة إلى أن يُوقِعَ نفسه في مواضع الشبهة، وفيما ينكر عليه؟ هذا وقوع في شبهة، وأقل ما يقال فيه بأنه شبهة، لا يدري الإنسان أحلال أم حرام؟ لماذا لا يذهب إلى غيره ويشتري منه الطعام، وهذا مما أحله الله، وأدفع إليه وأتجنب مواضع الشبه والشكوك، فكل موضع فيه شبهة أو شك أو تتردد فيه، فدعه إلى ما لا تتردد فيه. * قَوْله: (لِأَنَّهُ بِيعَ الطَّعَامُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، فَيَقُولُ لَهُ: فَبعْ طَعَامًا مِنِّي وَأَرُدُّهُ عَلَيْكَ، فَيَعْرِضُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكرْنَاه، (أَعْنِي: أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامَ الَّذِي أُخِذَ مِنْه، وَيُبْقِيَ الثَّمَنَ المَدْفُوعَ إِنَّمَا هُوَ ثَمَنُ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ فِي ذِمَّتِهِ". إذًا، الشبهة قائمة هنا، فهذه وسيلة توصل بها إلى الأمر، إذًا أقل ما يقال فيه: إنها شبهة ينبغي أن تتجنب، وعرفنا مما ذكره المؤلف وغيره أن الشافعي يقول: هذه تُهَم، والتُّهم لا ينبغي أن نبني عليها الأحكام.

стр. 6833

* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَعْتَبِرُ التُّهَمَ كلمَا قُلْنَا). وهذا تكلَّمنا عنه فيما سبق وبيَّناه، وأن أكثر العلماء يأخذون بذلك من باب سد الذرائع، بل إن بعض هذه الأمور يرى أن الربا فيها صريح، كما مر في مسألة العينة، والإمام الشافعي له وجهة نظر في ذلك، وقد رأينا ما مر من حديث أنه لم يصح عند الشافعي، وبينا أن مذهب الشافعي أنه إذا صح الحديث، فإن ذلك الحكم الذي يدل عليه ذلك الحديث يعتبر مذهبًا له. * قوله: (وَإِنَّمَا يُرَاعِي فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ البُيُوع مَا اشْتَرَطَا وَذَكَرَاهُ بِأَلْسِنَتِهِمَا وَظَهَرَ مِنْ فِعْلِهِمَا لإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا، وَأَنْظِرُكَ بِهَا حَوْلًا، أَوْ شَهْرًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ). (لَا يَجُوز)، لأن هذا هو عين الربا. * قوله: (وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَسْلِفْنِي دَرَاهِمَ، وَأَمْهِلْنِي بِهَا حَوْلًا أَوْ شَهْرًا جَازَ). لأنَّ هذا قرض، ولا يُعَدُّ ذلك من الربا، أما المسائل التي مرت بنا فهي من باب الذرائع، أو من مسائل يتذرَّع بها إلى الوصول إلى الربا. * قوله: (فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا اخْتِلَافُ لَفْظِ البَيْعِ وَقَصْدِهِ، وَلَفظِ القَرْضِ وَقَصْدِهِ). ولكن الرسول ﷺ قال: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (١)، فإذا فهم ذلك من مسلكهما، فإن ذلك أقل ما يقال عنه أنه شبهة.

стр. 6834

* قوله: (وَلَمَّا كَانَتْ أُصُولُ الرِّبَا كمَا قُلْنَا خَمْسَةً). عاد المؤلف مرةً أخرى ليشير إلى أصول الربا؛ أي: مسائله التي مرت بنا، وكلها مرت مدروسةً مفسرةً. * قوله: (أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ). (أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ)؛ المعروف عند أهل الجاهلية، والتي يُعبِّرون عنها بتعبيرٍ آخَرَ: أتقضي أم تربي؛ أي: تؤدي ما عليك من الدَّين أو أزيد في الأجل، وأزيد أيضًا في المبلغ. * قوله: (وَالتَّفَاضُل، وَالنَّسَاءُ). يعني ربا الفضل، هذا هو الثاني، والثالث هو ربا النسيئة، ولا شك أن ربا الفضل وربا النسيئة كلاهما محرمٌ، لكن ربا النسيئة أشدُّ تحريمًا. * قوله: (وَضَعْ وَتَعَجَّلْ). "ضَعْ وتَعجَّل"، وهذه المسألة ستأتي إن شاء الله، فهل هذه تعدُّ من مسائل الربا أو هي ذريعة من ذرائع الربا، أو أنها تختلف تمامًا فتأتي على نقيض: "تقضي أم تربي" التي عبر عنها المؤلف بقوله: "أنظرني أزدك". * قوله: (وَبَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ). كذلك بيع الطعام قبل قبضه؛ سيأتي الكلام فيه إن شاء الله، والكلام عنه ذُو شُعْبَتين؛ أَوَّلًا: هَلْ يجوز بيع الطعام قبل قبضه أو أنه لا يجوز؟ وإن قلنا: لا يجوز، فهل لا يجوز مطلقًا أم في المسألة تفصيل؟ ثم أيضًا ما يتعلق بالضمان، هل يضمن البائع مطلقًا أو يضمن في بعض الحالات؟ * قَوْله: (فَإِنَّهُ يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ هَذَا البَابِ، إِذْ فَاعِلُ ذَلِكَ يَدْفَعُ دَنَانِيرَ، وَيَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ فِعْلٍ، وَلَا ضَمَانٍ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا هَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ).

стр. 6835

متى يحدث هذا؟ لو اشترى سلعةً ثم باعها قبل قبضها، وقلنا: إن الضمان على البائع، فكيف يبيع سلعةً ضمانها على غيره ويربح فيها؟! هذه هي العلة. * قوله: (أَمَّا ضَعْ وَتَعَجَّلْ: فَأَجَازَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١). ما معنى ضع وتعجل؟ ولماذا اختلف فيها العلماء؟ وما سبب اختلافهم في هذه المسألة؟ ثم أي القولين فيما يظهر أرجح؟ وأيهما أحوط؟ معنى "ضع وتعجل"؛ أيْ: ضَعْ عني بعض المبلغ، أُؤدِ إليك ما تبقى منه، كأن يكون لشخص على شخص دَيْن، فيَأْتِي المَدين إلى الغريِم أيْ: الدَّائن فيقول له: ضَعْ عني بعض هذا الدَّين، أدفع لك باقيه حالًا دون تأجيل، أي: يقطع الأجل. إذًا، هذا فيه تعجيلٌ في دفع المبلغ مع تقليله، وهذا يأتي في مقابله: أنظرني أزدك، فهنا ضَعْ وتَعجَّل، وهناك زِدْ وأخِّر، أو زد وأجِّل، فهل هناك توافقٌ بين المسألتين، وهل هذه تلحق بتلك أم أن الصورتين تختلفان؟ قد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم مَنْ قاس هذه على تلك، ومنهم مَنْ رأى فارقًا بينهما، ولكلٍّ أدلة يستدل بها؛ سواء كانت من الأثر أو من القياس. فجمهور العلماء منعوا ذلك: أبو حنيفة (٢) ومالك (٣)

стр. 6836

والشافعي (١)، وهو المشهور عن أحمد (٢)، وعدوا هذه المسألة نوعًا من أنواع الربا، وأنها من الذرائع التي يتوصل بها إلى الربا، ولهم دليلان؛ دليل من المنقول وآخر من المعقول، ونقصد دائمًا بالمنقول ما يأتي في كتاب الله ، أو في سُنَّةِ رسوله ﷺ ، أو فيهما معًا، ونقصد بالمعقول ما يكون دليله العقل أي: القياس، فالذين قالوا: إنَّ ذلك لا يجوز، استدلوا بآثارٍ وَرَدتْ عن الصحابة؛ ورد أثر عن المقداد بن الأسود أنه قال: أسلفتُ رجلًا مائة دينار إلى أجلِ، فقلت له: عَجِّل لي تسعين دينارًا وأضع عنك عشرةً، فَسَألتُ رَسُولَ الله ﷺ فقال: "أَكَلَتْ رِبًا مِقْدَادُ وَأَطْعَمْتَهُ" (٣)، يعني يا مقداد، لأن حرف النداء هنا محذوفٌ، "أكلت ربًا يا مقداد وأطعمته"، يعني؛ أطعمته الطرف الآخر الذي وضعتَ عنه هذا المبلغ، فالرسول ﷺ سماه ربًا. إذًا، هذا الأثر - كمَا تَرَون - صريحٌ في منع مسألة: ضَعْ وتَعجَّل؛ لأنه نص فيها، والصحابة - بل السلف عمومًا، بل كل مؤمن - عنده ورع وخشية من الله ، لا يقدم على أمرٍ إلا وقد عرف الحق فيه. ولكن السؤال هنا: هل هذا الأثر صحيح أم لا؟ هذا الأثر أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" وضعَّفَه (٤)، إذًا هو ضعيف، وأنتم تعلمون بأن الحديث إذا كان ضعيفًا لا يحتج به إلا إذا

стр. 6837

وجدت له طُرُقٌ أخرى متعددة أو قرائن تُعضِّده، فإنه يَرْتفع ليصبح حُجَّةً في ذلك أيضًا، وحادثة حصلت أمام المقداد، رأى رجلين فَعلَا ذلك، أي: ضع وتعجل، فقال: كلاكما قد آذن بحربٍ من الله ورسوله (١)، أي: أنكر عليهما ذلك. وأثر عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه أنكر ذلك، ونهى عنه (٢) .. هذا من حيث الدليل المنقول. أما من حيث الدليل المعقول، فإنهم قالوا: هذا بيع حلول، يعني بيعٌ حلَّ قبل أجله، وهذا لا يجوز، وأيضًا قاسوا ذلك على: أتقضي أم تربي، ووجه الجمع بينهما أن تلك الصورة زِيدَ في الأجل، فزِيدَ في الثمن، وهذه نقص في الأجل، فنقص في الثمن، فبينهما شبه، فَهَل هذا الشبه يكون حُجَّة لمنع هذه المسألة؟ هذا هو ما احتج به المانعون (٣). وذهب فريق آخر من العلماء وهي رواية ليست المشهورة عن الإمام أحمد، وهو قول عبد الله بن عباس من الصحابة ﵃، وقول إبراهيم النخعي من التابعين، وأبي ثور من الشافعيَّة (٤)، وَكَذلك زُفَر من الحنفية (٥)، هؤلاء ذهبوا إلى أن مسألة "ضَعْ وتعجَّل" تجوز، أي: أنه يجوز للدائن أن ينقص

стр. 6838

من الدَّين مقابل أن يعطيه المدين حقَّه قبل موعده، ما دليل هؤلاء؟ دليل هؤلاء ذَكَره المؤلف من الأثر. وَالفَريق الثَّانِي لهم دليل أيضًا من الأثر والقياس، وهو ما سميناه بالمعقول، أما الأثر فقد جاء في قصة بني النضير، فكما تعلمون عندما نزلت الآيات بإجلائهم، وتعلمون بما حصل منهم، فإن الرسول ﷺ حدد لهم وقتًا معينًا على أن يخرجوا من المدينة، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله، إنَّ لنا ديونًا، يعني: حقوقًا على الناس لم تحلَّ بعد .. وتعلمون أن اليهود عرف اشتغالهم بالتجارة، حتى إن رسول الله ﷺ مات ودرعه مرهون عند يهودي، فهؤلاء طلبوا من الرسول ﷺ أن ينظرهم مدة أكثر حتى تحل ديونهم، فماذا قال لهم رسول الله ﷺ ؟ قال لهم: "ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا" (١). إذًا، هذا نصٌّ صريحٌ في هذه المسألة، لكن هل هذا الحديث صحيح أم لا؟ هذا الذي يهمنا، هذا من حيث الدليل، قالوا: فهذا نص صريح في هذه المسألة. قالوا: وقد ثَبتَ ذلك أيضًا عن عبد الله بن عباس ﵄، وهو لا يقول بمثل هذا القول، ولا يفتي به إلا وقد عرف ذلك عن رسول الله ﷺ . وأما من حيث القياس أو المعقول: فإنهم قالوا: أليس لهذا الإنسان (أي: الدَّائن صاحب الحق) أنه عندما يحل الأجل أن يسقط عن المدين بعضه؟ قالوا: نعم. قالوا: فكذلك هنا أيضًا (٢). إذًا، ما الفرق بين هذا وذاك؟ هذا رجل تنازل له عن بعض حقه

стр. 6839

مقابل أن يعطيه، وهذا أيضًا بعد أن حل الأجل جاز له ذلك، فهؤلاء فرقوا بين مسألة "ضَعْ وتَعجَّل"، وبين مسألة "أنظرني أزدك"؛ لأن مسألة "أنظرني أزدك" لا شك أن فيها إثقال كاهل المدين، وإرهاقًا له، إذًا في ذلك ضرر على طرف مع استفادة طرف آخر، لكن "ضَعْ وتعجل" قالوا: إنما الفائدة تسري وتعم الطرفين معًا، فقالوا: هنا لا ينطبق على الربا، فليس هذه من مسائل الربا، بَل إن الربا معروف في اللغة بأنه الزيادة، والزيادة هنا هي نقصٌ في الأجل، وفي الثمن، فليس هذا من أنواع الربا (١). ولكن اعترض الفريق الآخر، فقالوا: بل إن الطرف الثاني أيضًا يستفيد عندما تؤجل أنه يبعد له في الأجل، والمدين لا يخلو من واحد من أمرين: إما أن يكون معسرًا، وإما أن يكون موسرًا، فإن كان معسرًا فلا يجوز أن يُزَاد له في المدة مع زيادة الثمن، بل يجب أن ينظر كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، فَإِنْ كَانَ لا يستطيع الدفع، فَعَلى الدائن أن ينظره حتى تزول عنه العسرة. إذًا، إنظاره واجب دون مقابل، إذًا قالوا: هذا قياس مع الفارق، وقالوا: وإن كان المدين موسرًا (أي: غنيًّا)، فيجب عليه أن يدفع حق الدائن إذا حل عليه. هذا هو تقرير هذه المسألة، ولكن نأتي إلى حديث بني النضير، هذا

стр. 6840

الحديث رواه الطبراني في "الكبير" (١)، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى" (٢)، ورواه سعيد بن منصور (٣)، والكلام فيه بالنسبة لراويه مسلم بن خالد الزنجي، هذا كل ما فيه، قال البيهقي: إن هذا الحديث لضعف راويه (٤)، ولكن قد جاءت له طرق أخرى، ولذلك صححه الحاكم في "مستدركه" (٥). ولا شك أنه من حيث تقرير الحكم ومن حيث إقامة الأدلة، يظهر رجحان القول الثاني، وربما أيضًا هذا يوسع على بعض الناس، لكن المسلم دائمًا إذا أراد أن يأخذ بالجانب الأحوط، فعليه أن يتقي ويبتعد عن ذلك، وبخاصة أن الذين خالفوا بذلك ومنعوه أكثر من الذين أجازوه، فلو قُدِّر أنَّ إنسانًا أخذ بهذه المسألة، وَعَمل بها، تكون له حُجَّة، ولو أن إنسانًا توقف عنها لكانت له حجة، ولو أن الإنسان الذي يريد أن يأخذ به تركها تورعًا واحتياطًا لدينه، لكان خيرًا له في ذلك وأعظم أجرًا، والله أعلم. * قوله: (وَزُفَرُ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ). "زفر" كما تعلمون من أصحاب الإمام أبي حنيفة، يعني: من أكابر الفقهاء، وهو أيضًا من العلماء الذين تتلمذوا على الإمام أبي حنيفة كأبي

стр. 6841

يوسف ومحمد بن الحسن، وزفر أيضًا من العلماء الذين لهم آراء مستقلة، فالعلماء السابقون من تلاميذ الأئمة وغيرهم لم يقفوا جامدين عند أقوال أئمتهم، لو تَبيَّن لَهم أنَّ الحق مع غيرهم، فإنهم يأخذون به، نحن ذكرنا ليس فقط قول ابن عباس، بل أخذ بذلك النخعي من التابعين وأبو ثور، ولذلك بعضهم (١) قال: هذا رأي للشافعي، وهذا المعروف أنه قول أبي ثور، وأبو ثور ينسب إلى الشافعية أيضًا (٢)، وهي رواية للإمام أحمد (٣)، وليست المشهورة، وأيضًا أخذ بهذا بعض المُحَققين من الحنابلة كشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وكذلك أيضًا ابن القيم (٥). * قوله: (وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (٦)). وكذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه. * قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ). لم يختلف قول الشافعي في ذلك فيما أعلم، إنما هو قول أبي ثور، وهو الذي أجاز ذلك، هذا الذي أعلمه، والله أعلم. * قوله: (فَأَجَازَ مَالِكٌ) (٧).

стр. 6842

المؤلف أدخل جزئيةً ضمن مسألة، فمالك ومن معه الذين منعوا "ضع وتعجل" أجازوا. * قوله: (وَجُمْهُورُ مَنْ يُنْكِرُ (١): ضَعْ وَتَعَجَّلْ أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ فِي دَيْنِهِ المُؤَجَّلِ عَرَضًا يَأْخُذُهُ). (عَرَضًا يَأْخذه): أي أنه فرق بين النقد وبين غيره؛ فإنه يقصد إذا أعطاه إياه عرضًا، فإن ذلك يجوز، وكما ترون هناك فرق بين المسألتين، يعني: لَا يُمْكن قياس "ضَعْ وتعجَّل" التي فيها رفقٌ ومصلحةٌ ومنفعةٌ للطرفين على "أنظرني أزدك" التي فيها استغلال لحالة الفقير، وأيضًا ضعفه، أما هذا الدائن الغني الذي يريد أن يستغله؛ لأنه ليست أمامه وسيلة إما أن يدفعه، وإما أن ينزل عند رغبة الدائن. * قوله: (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ. وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ ضَعْ وَتَعَجَّلْ: أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالزِّيَادَةِ مَعَ النَّظِرَةِ). هذا هو الدليل العقلي الذي كما ذكرنا تشبيهه بالزيادة.

стр. 6843

* قوله: (المُجْتَمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا). أيْ: المُجْمع على تحريمها؛ فَمَا هي النَّظرة المجمع على تحريمها؟ هي: أتقضي أم تربي، أنظرني أزدك، وهو فعل أهل الجاهلية، ومَنْ يفعل ذلك في أي زمنٍ، فإنه يأخذ بما كان عليه أهل الجاهلية، وهذا قد حَرَّمَه رسول الله ﷺ تحريمًا قطعيًّا. * قوله: (وَوَجْهُ شَبَهِهِ بِهَا أَنَّهُ جَعَلَ لِلزَّمَانِ مِقْدَارًا مِنَ الثَّمَنِ بَدَلًا مِنْهُ فِي المَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا). يَعْني: كأنَّ الزمَان له ثمنٌ اشتري، فهناك في "أنظرني أزدك" اشترى الزمن بالزيادة، وهنا اشترى الزمن بالنقص. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ هُنَالِكَ لَمَّا زَادَ لَهُ فِي الزَّمَانِ، زَادَ لَهُ عَرَضُهُ ثَمَنًا، وَهُنَا لَمَّا حَطَّ عَنْهُ الزَّمَانَ، حَطَّ عَنْهُ فِي مُقَابَلَتِهِ ثَمَنًا. وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَ بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإِخْرَاجِنَا، وَلَنَا عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا") (١). نَعَمْ، هذا الحديث ردَّه مَنْ ردَّه؛ لأنه لم يصح عنه (٢)، وإلا فالمسألة نصّ كما ترون، ولا شك أن المسألة ظاهرها الإرفاق، فلا يمكن أن تلحق بالمسألة الأخرى، فتلك ظاهرها استغلال وإثقال كاهن المدين. * قَوْله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ قِيَاسِ الشَّبَهِ (٣) لِهَذَا الحَدِيثِ).

стр. 6844

قياس الشَّبه هو هذا الذي مر بنا، أما قياس العلة - وهذا قياس قوي كما هو معروف - يعني إلحاق فرع بأصل في حكمٍ لعلةٍ تجمع بينهما، لكن إذا لم توجد العلة، وكان الرابط بين القياسين هو الشبه، فهذا يعتبر قياسًا ضعيفًا لا يرقى إلى درجة القياس الذي يبنى على علة، والقياس الذي ورد في الكتاب، وكذلك في السُّنَّة أيضًا ورد ما يدل عليه ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، هذا فيه إشارة إلى القياس. وكذلك السُّنَّة في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ شاكيًا بأن زوجته ولدت غلامًا على غير لون أمه وأبيه، وتعلمون بأن الرسول ﷺ سأله: "أَلَكَ إبلٌ؟ "، قال: نعم، قال: "وَكَيْفَ عَرَفْتَ أَلْوَانَهَا؟ "، قال: بأنها كذا وكذا، قال: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ "، قال: نعم، قال: "وَأَنَّى أَتَى هَذَا؟ "، قال: لعله نزعه عرق، قال: "وَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ" (١)، فَرَفع عنه الوهم والشك الذي كان يتردد بذهنه. وبهذا نَتَبيَّن - أيها الناس - كيف كان رَسُولُ الله ﷺ يقرر بعض الأحكام عن طريق ضرب المثل، فالرسول ﷺ أعطاه مَثَلًا اسْتلَّه منه، هو ثم رتَّب عليه الحكم، فذهب الرجل راضيًا مقتنعًا، ولذلك نجد أن الكتاب العزيز يكثر من ضرب الأمثلة ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. قال رحمه الله تعالى: (وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عُثْمَانَ البَتِّيِّ) (٢).

стр. 6845

قَوله هذا يتناقض مع ما نَسَبَهُ إلى الإمام الشافعي آنفًا بأنه يرى جواز بيع الطعام قبل قبضه، وقلتُ لكم حينها: يحتمل أن في العبارة سقطًا؛ لأن هذا القول لا يُعْرَف عن الشافعي، وها هو المؤلف يعود فيقول: إن الشافعي قاله في غير الطعام، أما الطعام فلا يرى جواز بيعه قبل قبضه، بل إن الشافعي يعمم الحكم، فيرى عدم جواز بيع أيِّ سلعةٍ إلا بعد قبضها؛ لأن الضمان عنده من مسؤولية البائع (١). إذًا، هذه المسألة تنقسم إلى قسمين: الأوَّل: الطعام الذي يشتريه الإنسان، هل لا بد من قبضه ليدخل في ملك المشتري وضمانه؟ وما الحكم لو تلف قبل القبض؟ بعض العلماء يرى أنه مِنْ ضمان البائع ما لم يقبض، فهو من ضمان المشتري، سواء كان مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا، منقولًا أو غير منقولٍ، وذا هو مذهب الشافعي. وبعضهم يفرق بين المكيل والموزون، أو بين المكيل والموزون والمعدود، فيقول: المكيل والموزون والمعدود لو تلف قبل قبضه، فَمِنْ ضمان البائع، وعكسه ليس مِنْ ضمانه (٢)، وبعضهم يُفَرِّقُ بين الأموال

стр. 6846

الربوية المطعومة وغير المطعومة (١)، وربما هو الذي يشير إليه المؤلف. تبقى المسألة الأخرى: هل يجوز أن يُبَاع الطعام قبل قبضه؟ لو اشتريتَ مِنْ إنسانٍ تمرًا ولم تقبضه، فهل يجوز لك أن تبيعه قبل قبضه؟ لا شك أن هناك أحاديث صحيحة في "الصحيحين" وغيرهما تنص على عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه، ومنها الحديث المتفق عليه عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ أن يباع الطعام إذا اشتراه حتى يستوفيه" (٢). وفي روايةٍ: "حتى يقبضه" (٣). ومعنى "يستوفيه": يقبضه، إذن يتملك المشتري الطعام بقبضه، وكيف يقبضه؟ لكلِّ نوعٍ بحسبه، المكيل يُكَال، والموزون يُوزن، والمعدود يُعَدُّ، والثابت (العقار) كالأرض والدار يُخَلَّى عنه، والسيارة بالاستلام، ونحو ذلك. * قوله: (وَإِنَّمَا أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ عَنْ

стр. 6847

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ … ). هذا الحديث رواه مالكٌ في "الموطإ" (١)، وهو متفقٌ عليه، يعني: أخرجه البخاري ومسلم، وأخرجه غيرهما أيضًا (٢)، فهو حديثٌ معروفٌ. * قوله: (قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"). "مَنِ ابْتَاعَ"، يعني مَن اشْتَرى طعامًا، "فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"، وبعض الناس يتعجل فيشتري سيارةً قبل أن يراها، ثم يبيعها قبل أن يستلمها، وهذا لا يجوز، لا بد مِنْ تَسلُّمها ونقلها قبل التصرُّف بها بالبيع. لماذا نهى ﷺ عن ذلك؟ لأن الضمان قبل القبض إنما هو على البائع، فكيف تبيع شيئًا لست ضامنًا له، وتتربح فيه، ولو حصل به تلفٌ يتحمله غيرك! وذكرَ المؤلف حديثًا واحدًا، والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ، منها ما رواه عبد الله بن عمر أيضًا أنه قال: "وكنا نشتري الطعام من الرُّكبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه" (٣)، أيْ: نحوزه إلينا ونتسلمه، فيُصْبح في عهدتنا وتحت مسؤوليتنا حينئذٍ، ولنا أن نبيعه. * قوله: (وَاخْتُلِفَ مِنْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ؛ أَحَدُهَا: فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ القَبْضُ مِنَ المَبِيعَاتِ). المواضعُ المختلف فيها ثلاثةٌ: الأول: ما هي المبيعات التي يُشْترط فيها القبض، هل كلُّ مبيع

стр. 6848

يشترط فيه القبض؟ هناك مَنْ قال بذلك، وهل هو خاصٌّ بالطعام فقط؟ وهل هناك فرقٌ بين المطعومات الربوية التي جاءت في حديث: "البُر والشعير والتمر والملح" أو يدخل في ذلك سائر المطعومات؟ وهل هناك فرقٌ بين المكيل والموزون وبين غيرهما؟ لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري (١)، وقال ﷺ : "إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكتَلْ" (٢) يعني: لو كنتَ البَائع للطعام، فَكِلْهُ لغيرك، "وَإِذَا ابْتَعْتَ" أي: اشتريت طعامًا "فَاكتَلْهُ"، يعني: اطلب مِنَ البائع أن يكيله لك، وهو حديث صحيحٌ. وَالحديث الآخر: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان"، فهل هذا التنصيص خاصٌّ بالطعام، فلا يدخل فيه غيره؟ أو هو عامٌّ؟ * قوله: (وَالثَّانِي: فِي الاسْتِفَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا القَبْضُ مِنَ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ). بعض الأشياء يُشْترط فيها القبض، وبعضها لا يُشْترط، وبعضها فيها غبنٌ، وبعضها لا غبن فيها، وبعضها فيه مُكَايسةٌ، وبعضها لا مكايسة فيها، كالهبة، والعطية، ونحو ذلك. * قوله: (وَالثَّالِثُ: فِي الفَرْقِ بَيْنَ مَا يُبَاعُ مِنَ الطَّعَامِ مَكِيلًا وَجُزَافًا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ). [وَجُزافًا]، يعني: يُبَاع جملةً غير مكيلٍ، ولا موزونٍ، كصُبْرةِ تمرٍ، كأن يقول البائع: هذه الصُّبْرة بكذا. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 6849

الفَصْلُ الأَوَّلُ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ القَبْضُ مِنَ المَبِيعَاتِ وَأَمَّا بَيْعُ مَا سِوَى الطَّعَامِ قَبْلَ القَبْضِ، فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي إِجَازَتِهِ، وَأَمَّا الطَّعَامُ الرِّبَوِيُّ فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِهِ). يعني: الطعام الذي يدخل فيه الربا: "وَالبُرُّ بِالبُرِّ مِثْل بِمِثْلٍ … يَدًا بِيَدٍ" (١). * قوله: (أَنَّ القَبْضَ شَرْطٌ فِي بَيْعِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الرّبَوِيِّ مِنَ الطَّعَامِ، فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: المَنْع، وَهِيَ الأَشْهَر، وَبِهَا قَالَ أَحْمَد، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢) إِلَّا أَنَّهُمَا اشْتَرَطَا مَعَ الطَّعَامِ الكَيْلَ وَالوَزْنَ). أمَّا اشتراط الكيل والوزن في المطعومات، فللإمام أحمد عدة رواياتٍ: الأولى: يشترط الكيل والوزن، يعني لا بد في المكيل أن يكال، والموزون أن يوزن، والمعدود أن يُعَدُّ. الثانية: الاقتصار على المكيل أن يكال، والموزون أن يوزن. الثالثة: أن كل ما يُبَاع يشترط فيه القبض (٣)، كما سيأتي في مذهب الإمام الشافعي.

стр. 6850

* قوله: (وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى: الجَوَاز، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَالقَبْضُ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي كُلِّ بيعٍ مَا عَدَا المَبِيعَاتِ الَّتِي لا تَنْتَقِلُ وَلَا تُحَوَّلُ مِنَ الدُّورِ وَالعَقَارِ). أبو حنيفة ﵀ يرى أن القبضَ مُتَعَيَّنٌ في كل شيءٍ إلا ما يتعذر نقله كالأرض والعقارات، فيكون قَبْضها بالتَّخلية (١). * قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّ القَبْضَ عِنْدَهُ شَرْط فِي كُلِّ مَبِيعٍ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ). تشدَّد الشافعي ﵀ في أمر القبض، فقال: كلُّ مبيعٍ لا يُبَاع قبل أن يُقبَض، سواء كان طعامًا أو غيره، سيارة أو ثيابًا أو ثلاجَةً أو غير ذلك، لا بد من القبض، وقَبْضُ كلِّ شيءٍ بحسبه، هذا هو مذهب الإمام الشافعي. * قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ). لا شكَّ أن هذا القولَ أحوط، نعم ورد النصُّ في الطعام: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٢)، وعليه أكثر الأحاديث، لكن الحديث -

стр. 6851

كما تعلمون - له منطوقٌ ومفهومٌ، فمنطوقُهُ أن الطعام لا يُبَاع حتى يقبض، ومفهوم المخالفة (١) الذي يُسمِّيه المؤلف: (دليل الخطاب) أن غير الطعام يُبَاع قبل قبضه، كما نقول: في سائمة الغنم الزكاة (٢)، معناه أن الغنمَ المعلوفة لا زكاةَ فيها. * قوله: (وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ (٣): كُلُّ شَيْءٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَن، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ). لكن بالنسبة للمكيل والموزون لا بد مِن توضيح ما نُقِلَ عنهما. * قوله: (فَاشْتَرَطَ هَؤُلَاءِ القَبْضَ فِي المَكِيلِ وَالمَوْزُون، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَرَبِيعَةُ). ابن حبيب من أصحاب الإمام مالكٍ، وابنُ أبي سلمة إمامٌ معروفٌ، وربيعةُ شيخ الإمام مالكٍ الذي يُعْرف بـ: ربيعة الرأي (٤). * قوله: (وَزَادَ هَؤُلَاءِ مَعَ الكَيْلِ وَالوَزْنِ المَعْدُودَ، فَيَتَحَصَّلُ فِي اشْتِرَاطِ القَبْضِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ، الأَوَّلُ: فِي الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ فَقَطْ. وَالثَّانِي: فِي الطَّعَامِ بِإِطْلَاقٍ. الثَّالِثُ: فِي الطَّعَامِ المَكِيلِ وَالمَوْزُون. الرَّابعُ: فِي

стр. 6852

كُلِّ شَيْءٍ يُنْقَلُ. الخَامِسُ: فِي كُلِّ شَيْءٍ. السَّادِسُ: فِي المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ. السَّابِعُ: فِي المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ وَالمَعْدُودِ. أَمَّا عُمْدَةُ مَالِكٍ فِي مَنْعِهِ مَا عَدَا المَنْصُوصَ عَلَيْهِ، فَدَلِيلُ الخِطَابِ فِي الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ). أما دليل الإمام مالكٍ في منْعِ غير المنصوص عليه، فهو مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) للحديث المتقدم: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبعْهُ حَتَّى يَقْبضَهُ"، يعني غير الطعام لا يُشتَرَطُ فيه القبض، فالإمامُ مالكٌ فَرَّق بين المطعومات الرِّبوية وغير الربوية، فهنالك مطعوماتٌ لا يدخلها الربا، وهناك مطعوماتٌ يدخلها الربا، بعضها منصوصٌ عليها، وبعضها أُلْحِقَتْ بها، فالعلة الموجودة في القمح موجودةٌ في غيره من المطعومات، وكذلك الشعير والذرة. * قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ فِي تَعْمِيمِ ذَلِكَ فِي كُلِّ بَيْعٍ، فَعُمُومُ قَوْلِهِ ﵊: "لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"). حذف المؤلف هنا طرفًا من الحديث، ولفظه كاملًا: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" (١)، أربعةُ أمورٍ نبه إليها النبي ﷺ بهذا الحديث الصحيح، والنهي عن بَيْعٍ وسَلَفٍ معناه ألَّا تبيع، ويكون مع البيع قرضٌ، ونهى عن شرطان في بيعٍ، وهل يجوز بيعٌ وشرطٌ؟ "وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ" مرت بنا هذه المسألة في الكلام على القبض، فلا يجوز أن تبيع طعامًا لم تقبضه وتتربح فيه، وضمانه على البائع. "وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"، وهذا أيضًا يؤيد ما جاء في حديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"؛ لأن ما لم تقبضه، فليس عندك، فلا يحل لك بيعه.

стр. 6853

وكما ترون أن أحاديث رسول الله ﷺ إنما هي قواعدُ وأسسٌ؛ وقد خصَّ الله نبيه ﷺ بخصائصَ منها: أنه أعطاه جوامع الكَلِمِ، يقوله كلامًا قليلًا موجَزًا يحمل معاني كثيرةً، ربما يكتب أحدهم مجلدًا، فإذا بالنبي ﷺ يختصر ذلك بكلماتٍ يسيرةٍ. وأنبه هنا إلى خطإ الذين قالوا: "إن السَّلَفَ (الصحابة والتابعين وتابعيهم) أسلم، والخلفَ أعلمُ"، هذا خطأ، بل نقول: إن السَّلَفَ أسلمُ وأعلم، فليس العِلْمُ بكثرة الكلام، ولا بتحليته وتزيينه، لا، العلمُ هو خلاصة هذه الأمور، فقَوْل الرسول ﷺ : "الخَرَاجُ بالضَّمَانِ" (١)، يُعَدُّ قاعدةً عظيمةً من قواعد الضمان والتغريم (٢)، وقوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (٣) أَخذَ منه العلماء قواعدَ كثيرةً، منها قاعدة: "الضرر يُزَال" (٤). * قوله: (وَهَذَا مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ أَنَّ القَبْضَ شَرْطٌ فِي دُخُولِ المَبِيعِ فِي ضَمَانِ المُشْتَرِي). الإمام الشافعي له قاعدةٌ استقرت في مذهبه، ويلتقي معه الإمام أحمد في بعض أجزائها؛ فعند الشافعي ﵀ لا يجوز للمشتري أن يبيعَ ما

стр. 6854

اشتراه حتى يَقبِضَه؛ لأن الضمان عنده على البائع، لا على المُشْتري (١)، فهو الذي يتحمَّل التلف في المبيع، فكيف للمشتري أن يبيع شيئًا ويتربح به وهو لا يضمنه، فليس له أن يبيعه حتى ينقله ويكون بحوزته. * قوله: (وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ؟ فَقَالَ: "يَابْنَ أَخِي، إِذَا اشْتَرَيْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ". قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِصْمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ: … وَيُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ لَا أَعْرِفُ لَهُمَا جُرْحَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَقَطْ). هذا كلامٌ غريبٌ من الإمام الجليل الحافظ الكبير ابن عبد البر ﵀ في يُوسُف بن ماهك؛ لأن الرجل من رواة "الصحيحين"، وروى عنه ما لا يقل عن خمسةَ عشرَ من أكابر العلماء، منهم التابعي الجليل عطاء بن أبي رباحٍ وغيره، وعبد الله بن عصمة روى عنه ما لا يقلُّ عن ثلاثةٍ (٢). * قوله: (وَذَلِكَ فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجُرْحَةٍ، وَإِنْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ المَعْنَى أَنَّ بَيْعَ مَا لَمْ يُقْبَضْ يُتَطَرَّقُ مِنْهُ إِلَى الرِّبَا). هذا كله تقدم ذِكْرُه، وأورده المؤلف، وذكر أقوال أهل العلم فيه، وبَيَّن اختلافهم، وذكر بعض الأدلة، وقد أضفنا إليها أدلةً أخرى.

стр. 6855

* قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مَا يُحَوَّلُ وَيُنْقَلُ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يُنْقَلُ). استثنى أبو حنيفة (١) ذلك؛ لأن القبضَ عنده يكون بالتخلية، يرى أن البائع إذا خلَّى المبيع للمشتري، فكأنه أزال الحائل الذي كان يَحُول بينه وبينه. * قوله: (لِأَنَّ مَا يُنْقَلُ القَبْضُ عِنْدَهُ فِيهِ هِيَ التَّخْلِيَةُ). أيْ: التخلِّي عنه وتَرْكُه، كالأراضي والدور ونحوهما. * قوله: (وأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ الكَيْلَ وَالوَزْنَ فَلاتِّفَاقِهِمْ أَنَّ المَكِيلَ وَالمَوْزُونَ لَا يَخْرُجُ مِنْ ضَمَان البَائِعِ إِلَى ضَمَان المُشْتَرِي إِلَّا بِالكَيْلِ أَوِ الوَزْنِ). وكذلك مَنْ أضاف المعدود، فلا يخرج من ضمان البائع إلا بقبضه، وإلَّا يبقى البائع مسؤولًا عنه حتى يتسلمه المشتري. * قوله: (وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُضْمَنْ). ما دام المبيع خارجَ يد المشتري، فَهو من ضمان البائع، فلا يحلُّ للمشتري بيعه حتى يقبضه. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفصْلُ الثَّانِي: فِي الاسْتِفَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا القَبْضُ مِنَ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ).

стр. 6856

هذا مبحث جديد يفصل فيه المؤلف الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض. تعريف "الاستفادات" لغةً: مصذر استفاد يستفيد، وهي جمع استفادة، كفوائد جمع فائدة، بمعنى: جلب النفع (١). ويصح إطلاق اسم الفاعل (المستفيد) على البائع والمشتري معًا؛ لحصول الفائدة لهما، فاستفادة البائع ثمن السلعة، واستفادة المشتري السلعة نفسها، وكذلك كل من يرشد ضالًّا إلى الطريق، فقد استفاد أجرًا وثوابًا، وأفاد غيره، وكل من يزيل الأذى عن الطريق، فقد استفاد وأفاد؛ لأن أدنى مراتب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق (٢). وقد قصد المؤلف ﵀ أن يبين المعوضات التي تحصل بها الاستفادة من بيع وإيجار، وما يؤخذ في أمور النكاح من مهر أو خلع أو صلح مالي وغيرها من الأمور الكثيرة، فليس الأمر مقصورًا على باب البيع فقط. * قوله: (وَأَمَّا مَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِ مِمَّا لَا يُعْتَبَر، فَإِنَّ العُقُودَ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ بِمُعَاوَضَةٍ، وَقِسْمٌ يَكُونُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ). قسم المؤلف ﵀ العقود إلى قسمين: القسم الأول: ما يكون بمعاوضة.

стр. 6857

والقسم الثاني: ما يكون بغير معاوضةٍ؛ كالهبات والصدقات، لعدم الضمان فيها. ومن العقود ما قد يجمع بين العقدين معًا كما سيأتي. * قوله: (وَالَّذِي يَكُونُ بِمُعَاوَضَةٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: يَخْتَصُّ بِقَصْدِ المُغَابَنَةِ وَالمُكَايَسَةِ، وَهِيَ البُيُوع، وَالإِجَارَات، وَالمُهُور، وَالصُّلْح، وَالمَالُ المَضْمُونُ بِالتَّعَدِّي وَغَيْرِهِ). "الغَبْن" لغةً: الغَبْن بالتَّسكين في البيع، والغَبَن بالتَّحريك في الرأي (١). ويطلق الغَبْن في اللغة على: * النقص، غَبِنَ رأيه بالكسر إذا نقصه. * الغلط، غبنت كذا من حقي عند فلانٍ، أي: نسيته وغلطت فيه. * الغفلة والجهل، كغبن الشيء، أَيْ: نسيه وأغفله وجهله. * ضعف الرأي، يُقَال في رأيه غبن، فهو غبين، أيْ: ضعيفٌ الرأي. * النسيان والضياع، كغبنت رأيك، أيْ: نسيته وضيعته. * في عدم الرؤيا، وغبن الرجل يغبنه غبنًا: مرَّ به، وهو ماثلٌ فلم يرَه، ولم يفطن له. "الغبن" اصطلاحًا (٢): مبادلة السلعة السليمة بأقل أو أكثر من قيمتها الحقيقية لسببٍ من الأسباب.

стр. 6858

فالغبن كل ما فيه نقص للبائع أو المشتري، كأن يتبايع اثنان، ويغبن أحدهما الآخر، ولا يشترط أن يكون الغبن في جانب البائع فقط، بل يكون أيضًا من المشتري، لذا يحتاج البيع إلى المُكَايسة، أي (١): الفهم والدِّقَّة والمعرفة بشؤونه، فكأن الذي يغبن شخصًا قد تغلَّب عليه في البيع، وفي الوقت ذاته قد نقصه من حقه، وهو منهيّ عنه، لأن فيه ضررًا. و"المكايسة": هي الصادرة من الفطِن اللبيب، فالبائع لا يخلو من أن يكون فطنًا لبيبًا يعرف المكايسة والممارسة والأخذ والعطاء، وإما أن يكون غير ذلك. * قوله: (وَالقِسْمُ الثَّانِي: لَا يَخْتَصُّ بِقَصْدِ المُغَابَنَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الرّفْقِ وَهُوَ القَرْضُ). فالقرض الحسن - على الحقيقة - كله رفق، وليس فيه مغابنة على الإطلاق، لأن من يقرض محتاجًا بنية أن يوسع عليه عمله ومعيشته بما أرشد الله إليه، وبما وجَّه إليه رسوله ﷺ ، فلا شك أن الله سيثيبه على ذلك، فالله لا يضيع أجرَ مَنْ أحسن عملًا، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقد دعا الرسول ﷺ إلى التَّخفيف على المسلمين وإعانتهم، فقال: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (٢). ولا يشترط القبض في القرض الحسن. * قوله: (وَالقِسْمُ الثَّالِثُ: فَهُوَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَلَى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، أَعْنِي: عَلَى قَصْدِ المُغَابَنَةِ، وَعَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ؛ كَالشَّرِكَةِ، وَالإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ).

стр. 6859

"الشِّركة" (١) لغةً: بكسر الشين وإسكان الراء على وزن "فِعْلة"، وبفتح الشين وكسر الراء "شَرِكة" على وزن "فَعِلة"، وهو يشمل جميع أنواع الشركات الاصطلاحية عند الفقهاء. واصطلاحًا (٢): عبارة عن عقد بين المتشاركين في الأصل والربح؛ بأن يشتري إنسان مبيعًا، فيشاركه فيه غيره بأن يقول له: أشركني معك، أو: اجعلني شريكًا لك. و"التولية" (٣) لغةً: مصدر وَليَ، يقال: وليته البلد، وعلى البلد، أي: جعلت واليًا عليهما، وليت فلانًا الأمر، أي: جعلته واليًا عليه. واصطلاحًا (٤): أن يشتري الرجل سلعةً بثمن معلوم، ثم يبيع تلك السلعة لرجل آخر بالثمن الذي اشتراها به بأن يخبر البائعُ المشتري برأس ماله في السلعة، فهو يدفعها إلى المشتري بمثل ما اشتراها به. و"الإقالة" (٥) لغةً: الرفع، وتستعمل في العقود بمعنى رفع أحكام العقد وآثاره. وَاصطلاحًا (٦): إلغاء عقد البيع بموافقة الطرفين في جميع المبيع أو بعضه.

стр. 6860

ووقع الخلاف بين الجمهور ومالكٍ، هل هي صورةٌ من صور البيع أم أنها فسخٌ؟ وسنُوضِّحها إن شاء الله. * قوله: (وَتَحْصِيلُ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الأَقْسَامِ: أَمَّا مَا كَانَ بَيْعًا وَبِعِوَضٍ، فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ القَبْضِ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَشْتَرِطُ فِيهِ القَبْضَ وَاحِدٌ وَاحِدٌ مِنَ العُلَمَاءِ). لَا خلاف بين العلماء في اشتراط القبض في البيع (١) كما مرَّ، لكن اختلفوا، هل هذا الاشتراط خاص بالطعام أم هو عام؟ فمَنْ خصَّصه استدل بما جاء في أكثر الأحاديث، ومنها المتفق عليها أن الرسول ﷺ قال: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْه، حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٢)، ولو كان خاصًّا بالطعام، فهل يختص بالمكيل والموزون والمعدود والجزاف أم أنه عام بأن يكون كل ما يباع من الطعام يشترط فيه القبض؟ وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله. * قوله: (وَأَمَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِلرِّفْقِ، أَعْنِي: القَرْضَ، فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ القَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا فِي بَيْعِهِ (أَعْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَ القَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ". اشترط العلماء القبض في البيع على التفصيل الآتي؛ لأنَّ ضمان السلعة قبل قبضها على البائع، وهذا فيه غبن للبائع، لذا لا يَجُوز بيع سلعةٍ أو التصرُّف فيها قبل قبضها (٣).

стр. 6861

أما القرض: فلا يشترط فيه القبض؛ لعدم الضمان فيه (١). * قوله: (وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا يَكُونُ بِعِوَضٍ المَهْرَ، وَالخُلْعَ، فَقَالَ: يَجُوزُ بَيْعُهُمَا قَبْلَ القَبْضِ (٢). وَأَمَّا العُقُودُ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَ قَصْدِ الرِّفْقِ وَالمُغَابَنَةِ، وَهِيَ التَّوْلِيَة، وَالشَّرِكة، وَالإِقَالَةُ). فالشركة - كما مرَّ - أن يشتري إنسان مبيعًا فيشاركه فيه غيره بأن يقول له: أشركني معك، أو: اجعلني شريكًا لك. وظاهرها الرفق، حيث تعد الموافقة على إشراك غيره معه رفقًا، وذلك بالسماح له بالاستفادة من خبرته وإعانته، وجعله شريكًا له في السلعة، وهذا كله رفق.

стр. 6862

وكذلك التولية أيضًا فيها رفقٌ كما في الشركة، ومثلهم الإقالة التي ذكرها المؤلف، وكذلك الحوالة (١)؛ لأنها نقل سلعة من ملك لملك غيره، ولا يشترط فيها القبض؛ لعدم وجود مرابحة فيها (٢). * قوله: (فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكونَ الإِقَالَة، أَوِ التَّوْلِيَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي المَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ القَبْضِ وَبَعْدَهُ). المذهب المقصود هنا مذهب الإمام مالك ﵀ الذي ينتسب إليه ابن رشد الحفيد، وكذلك جده ابن رشد كان مالكيًّا، ولا شكَّ أن آراء الأئمة الثلاثة متحدة، ومتفقة في هذه المسألة (٣). * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ)، وكذلك الإمام

стр. 6863

أحمد ﵀ (١). * قوله: (لَا تَجُوزُ الشَّرِكَة، وَلَا التَّوْلِيَةُ قَبْلَ القَبْضِ، وَتَجُوزُ الإِقَالَةُ عِنْدَهُمَا). وكذلك تجوز الإقالة قبل القبض عند الإمام أحمد (٢). إذن، أجاز الإمام مالكٌ في الشركة والتولية والإقالة التصرف في المبيع قبل القبض (٣)، ومنعه الأئمة الثلاثة عدا الإقالة (٤)، ولم يشترط

стр. 6864

مالك فيه؛ لأنه لا يرى الضمان على البائع، ويلحقها بالإقالة (١). أما الأئمة الثلاثة فقالوا (٢): إن القبض شرط فيها؛ لأنه قد جاء النص صريحًا في أحاديث رسول الله ﷺ حيث قال جابر بن عبد الله ﵁: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صَاعُ البَائِعِ، وَصَاعُ المُشْتَرِي" (٣). وقال ﷺ : "إِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكْتَلْ، وَإِذَا بِعْتَ فَكِلْ" (٤). وقال ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٥)، والأحاديث في ذلك كثيرة. وعليه، تُعَدُّ هذه الثلاثة مبيعًا عند الأئمة الثلاثة، وحجتهم: أنَّ الشركة بيع جزءٍ من المبيع بثمنه للمشتري، فهو بيعٌ في الحقيقة (٦)، والتولية

стр. 6865

أيضًا بيع؛ لأنه يبيع عليه السلعة برأس مالها، وتنزل الحوالة منزلة البيع؛ لأن السلعة تنتقل لمشتريها، فوجب في ذمَّته حق يماثلها. إذًا، سبب الخلاف بين الجمهور والمالكية: أن المالكية يرون أن بيع الشيء برأس ماله يشبه الإقالة، وهذا ليس فيه مغابنة، فلا يشترط فيه القبض، أما الجمهور فقالوا: لا تخرج هذه الثلاثة عن البيع بحال، فلا ينبغي أن تندرج تحت أحاديث رسول الله ﷺ التي أمر فيها بالقبض. * قوله: (لِأَنَّهَا قَبْلَ القَبْضِ فَسْخُ بَيْعٍ لَا بَيْعٌ، فَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرَطَ القَبْضَ فِي جَمِيعِ المُعَاوَضَاتِ أَنَّهَا فِي مَعْنَى البَيْعِ المَنْهِيِّ عَنْهُ). والبيع المنهي عنه وارد في الأحاديث التي أشرنا إليها. * قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ التَّوْلِيَةَ، وَالإِقَالَةَ، وَالشَّرِكَةَ لِلْأثَرِ وَالمَعْنَى، أَمَّا الأَثَرُ فَمَا رَوَاهُ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ"). وهذا من جملة الأحاديث المتفق عليها، لكن هذه زيادة قد أخرجها سحنون في "المُدوَّنة" (١)، والإمام عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (٢). * قوله: ("إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شَرِكَةٍ، أَوْ تَوْلِيَةٍ، أَوْ إِقَالَةٍ"، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى: فَإِنَّ هَذِهِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الرِّفْقُ لَا المُغَابَنَة، إِذَا لَمْ تَدْخُلْهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ).
следующие страницы →