← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

أما القرض: فلا يشترط فيه القبض؛ لعدم الضمان فيه (١). * قوله: (وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا يَكُونُ بِعِوَضٍ المَهْرَ، وَالخُلْعَ، فَقَالَ: يَجُوزُ بَيْعُهُمَا قَبْلَ القَبْضِ (٢). وَأَمَّا العُقُودُ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَ قَصْدِ الرِّفْقِ وَالمُغَابَنَةِ، وَهِيَ التَّوْلِيَة، وَالشَّرِكة، وَالإِقَالَةُ). فالشركة - كما مرَّ - أن يشتري إنسان مبيعًا فيشاركه فيه غيره بأن يقول له: أشركني معك، أو: اجعلني شريكًا لك. وظاهرها الرفق، حيث تعد الموافقة على إشراك غيره معه رفقًا، وذلك بالسماح له بالاستفادة من خبرته وإعانته، وجعله شريكًا له في السلعة، وهذا كله رفق.

стр. 6862

وكذلك التولية أيضًا فيها رفقٌ كما في الشركة، ومثلهم الإقالة التي ذكرها المؤلف، وكذلك الحوالة (١)؛ لأنها نقل سلعة من ملك لملك غيره، ولا يشترط فيها القبض؛ لعدم وجود مرابحة فيها (٢). * قوله: (فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكونَ الإِقَالَة، أَوِ التَّوْلِيَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي المَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ القَبْضِ وَبَعْدَهُ). المذهب المقصود هنا مذهب الإمام مالك ﵀ الذي ينتسب إليه ابن رشد الحفيد، وكذلك جده ابن رشد كان مالكيًّا، ولا شكَّ أن آراء الأئمة الثلاثة متحدة، ومتفقة في هذه المسألة (٣). * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ)، وكذلك الإمام

стр. 6863

أحمد ﵀ (١). * قوله: (لَا تَجُوزُ الشَّرِكَة، وَلَا التَّوْلِيَةُ قَبْلَ القَبْضِ، وَتَجُوزُ الإِقَالَةُ عِنْدَهُمَا). وكذلك تجوز الإقالة قبل القبض عند الإمام أحمد (٢). إذن، أجاز الإمام مالكٌ في الشركة والتولية والإقالة التصرف في المبيع قبل القبض (٣)، ومنعه الأئمة الثلاثة عدا الإقالة (٤)، ولم يشترط

стр. 6864

مالك فيه؛ لأنه لا يرى الضمان على البائع، ويلحقها بالإقالة (١). أما الأئمة الثلاثة فقالوا (٢): إن القبض شرط فيها؛ لأنه قد جاء النص صريحًا في أحاديث رسول الله ﷺ حيث قال جابر بن عبد الله ﵁: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صَاعُ البَائِعِ، وَصَاعُ المُشْتَرِي" (٣). وقال ﷺ : "إِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكْتَلْ، وَإِذَا بِعْتَ فَكِلْ" (٤). وقال ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٥)، والأحاديث في ذلك كثيرة. وعليه، تُعَدُّ هذه الثلاثة مبيعًا عند الأئمة الثلاثة، وحجتهم: أنَّ الشركة بيع جزءٍ من المبيع بثمنه للمشتري، فهو بيعٌ في الحقيقة (٦)، والتولية

стр. 6865

أيضًا بيع؛ لأنه يبيع عليه السلعة برأس مالها، وتنزل الحوالة منزلة البيع؛ لأن السلعة تنتقل لمشتريها، فوجب في ذمَّته حق يماثلها. إذًا، سبب الخلاف بين الجمهور والمالكية: أن المالكية يرون أن بيع الشيء برأس ماله يشبه الإقالة، وهذا ليس فيه مغابنة، فلا يشترط فيه القبض، أما الجمهور فقالوا: لا تخرج هذه الثلاثة عن البيع بحال، فلا ينبغي أن تندرج تحت أحاديث رسول الله ﷺ التي أمر فيها بالقبض. * قوله: (لِأَنَّهَا قَبْلَ القَبْضِ فَسْخُ بَيْعٍ لَا بَيْعٌ، فَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرَطَ القَبْضَ فِي جَمِيعِ المُعَاوَضَاتِ أَنَّهَا فِي مَعْنَى البَيْعِ المَنْهِيِّ عَنْهُ). والبيع المنهي عنه وارد في الأحاديث التي أشرنا إليها. * قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ التَّوْلِيَةَ، وَالإِقَالَةَ، وَالشَّرِكَةَ لِلْأثَرِ وَالمَعْنَى، أَمَّا الأَثَرُ فَمَا رَوَاهُ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ"). وهذا من جملة الأحاديث المتفق عليها، لكن هذه زيادة قد أخرجها سحنون في "المُدوَّنة" (١)، والإمام عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (٢). * قوله: ("إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شَرِكَةٍ، أَوْ تَوْلِيَةٍ، أَوْ إِقَالَةٍ"، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى: فَإِنَّ هَذِهِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الرِّفْقُ لَا المُغَابَنَة، إِذَا لَمْ تَدْخُلْهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ).

стр. 6866

ليس شرطًا أن يُرَاد بها المغابنة، لأن المشتري قد يقول: اشتريت السلعة بكذا، وأريد أن أبيعها بكذا. * قوله: (وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ الصَّدَاقَ، وَالخُلْعَ، وَالجُعْلَ). استثنى أبو حنيفة الصداق، وكذلك ما يؤخذ في مقابلة الخلع والجعل (١). والمقصود بالصداق (٢): أي الذي تأخذه المرأة من الرجل، كرجلٍ أصدقَ امرأةً حديقةً أو بيتًا؛ فلا يجوز للمرأة أن تبيعه، أو تتصرف فيه قبل قبضه على قول أبي حنيفة (٣). * قوله: (لِأَنَّ العِوَضَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بَيِّنًا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَيْنًا). وعلة منع أبي حنيفة: أن العوضَ ليس بِبَيِّنٍ، لكن إذا كان عينًا - في رأي أبي حنيفة - يعني: نقدًا من ذهب أو فضة، فيكون واضحًا بيِّنًا. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 6867

(الفَصْل الثَّالِثُ فِي الفَرْقِ بَينَ مَما يُبَاعُ مِنَ الطَّعَامِ مَكِيلًا وَجُزَافًا) ولا بد من معرفة مدلولات بعض الألفاظ ليتضح المعنى المقصود. تعريف الجزاف (١): لغةً: الجيم من جزاف لها حركات ثلاث: الضم، والفتح، والكسر، والجُزَاف بضم الجيم: هو التخمين والحدس والظن، إذًا الجُزاف ليس أمرًا دقيقًا كالمكيل مثلًا؛ لأن المكيل مقياس دقيق. أما اصطلاحًا (٢): فبيع الجزاف أن تُبَاع سلعة من غير معرفة دقيقة بها من حيث الوزن والكَمُّ مثلًا؛ لذا فاحتمال الغبن قائم؛ لأنه بيع شيء جملة من غير معرفته تفصيلًا. * قَوْله: (وَأَمَّا اشْتِرَاطُ القَبْضِ فِيمَا بِيعَ مِنَ الطَّعَامِ جُزَافًا، فَإِنَّ مَالِكًا رَخَّصَ فِيهِ وَأَجَازَهُ (٣)، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ (٤)).

стр. 6868

اختلف العلماء في مسألة اشتراط قبض الطعام قبل بيعه إذا كان جزافًا، أو غير جزافٍ؛ فغير الجزاف: كالمكيل والموزون، والجزاف: فما يُبَاع تخمينًا وظنًّا، وهذا هو المراد من المسألة المختلف فيها، والترخيص فيه روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ أيضًا. * قوله: (وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)). وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (٣)؛ فقد منعوا البيع جزافًا قبل قبضه كالحال في غير المباع جزافًا، فاشترطوا فيهما القبض، ودليلهم في ذلك أحاديث، منها: حديث عبد الله بن عمر ﵄: "أنَّ النَّاسَ كَانُوا يَبْتَاعُونَ" (٤). وفي رِوَايَةٍ: "أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ" (٥). وَفِي رِوَايةٍ أُخْرَى من حديثِهِ أنَّه قَالَ: "كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ" (٦)، فهذا دليل على اشتراط القبض فيه، وقد وقع الخلاف بين الجمهور وبين الإمام مالك، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٧).

стр. 6869

* قوله: (وَحُجَّتُهُمَا عُمُومُ الحَدِيثِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْي عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ). والذي دعا الإمام مالكًا إلى القوله بجوازه أنه لم يخرِّج لفظة: "الجزاف" في "موطئه" (١)، حيث إنها لم تأتِ في كل الروايات. وقد ذهب الجمهور إلى المنع؛ لما ورد في "الصحيحين"، ولما تكرر عند مسلم أيضًا. وعليه، فذكره ثابت من طريق صحيح سيشير إليه المؤلف. * قوله: (لِأَنَّ الذَّرِيعَةَ مَوْجُودَةٌ فِي الجُزَافِ، وَغَيْرِ الجُزَافِ). و"الذريعة" (٢): هي احتمال الغبن، فالضمان على البائع؛ لأن مشتري السلعة - إنْ بَاعَها قبل قبضها - مستفيد من جهتين: أوَّلًا: من ربحها. ثانيًا: من ضمان البائع إن هلكت. وقَدْ وقع الغرر بهذه الصورة على طرفٍ (وهو البائع)، واستفاد الطرف الآخر (وهو المشتري)؛ ولذلك عَدَّه المؤلف نوعًا من الربا؛ لما فيه من إلحاق ضرر بطرف، وجلب نفع لطرف آخر، والإسلام جاء بالعدل بين الناس. * قوله: (وَمِنَ الحُجَّةِ لَهُمَا)، وكذلك الإمام أحمد في روايةٍ عنه.

стр. 6870

* قوله: (مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "كنَّا فِي زَمَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ جُزَافًا، فَبَعَثَ إِلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ" (١)). نبتاع أي: نشتري، وفرق بين "باع" و"ابتاع"؛ فباع للبيع كما هو معلوم، وابتاع للشراء (٢). * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ). هو الإمام ابن عبد البر صاحب كتاب "الاستذكار"، و"التمهيد". * قوله: (وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ لَمْ يَرْوِ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ ذِكْرَ الجُزَافِ). ويُفْهم من عبارتِهِ ﵀ أن الإمامَ مالكًا لم يأخذ بذلك لعدم تخريجه لفظ "الجزاف"، ولا يكون ذلك مانعًا (عدم تخريج رواية الجزاف في "الموطأ") للأخذ بالروايات الثلاث التي ورد فيها ذكر الجزاف. * قوله: (فَقَدْ رَوَتْهُ جَمَاعَة، وَجَوَّدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَغَيْر، وَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي حِفْظِ حَدِيثِ نَافِعٍ). وجاء أيضًا ذكر الجزاف من طريق الإمام الزُّهريِّ ﵀، وهو من التابعين (٣). * قوله: (وَعُمْدَةُ المَالِكِيَّةِ أَنَّ الجُزَافَ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فَهُوَ

стр. 6871

عِنْدَهُمْ مِنْ ضَمَان المُشْتَرِي بِنَفْسِ العَقْدِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ العُمُومِ بِالقِيَاسِ المَظْنُونِ العِلَّةِ) (١). والعموم مأخوذٌ من حديث: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ … "، والحديث متفق عليه (٢). والعُمُوم الذي يريد المؤلف الإشارةَ إليه هو أن لفظة: "طعام" جاءت نكرةً، والنَّكرة شائعة في جنسها، أي: كأنه يقول: أيُّ طعامٍ لا يُبَاع حتى يستوفَى. وذكره للعلل من المزايا التي يتميز بها هذا الكتاب؛ لأن ابن رشد مالكي. ولا شكَّ أن الكتابَ فيه كثير من المزايا إلى جانب نقصانه أيضًا كغيره، ومن ذلك إيراده في بعض المسائل جملة من الأحاديث، وأحيانًا يعول على المعقول مع وجود المنقول، وأحيانًا يصف حديثًا بالضعف، وهو في "الصَّحيحَين"، لكنه قليل جدًّا، وإذا وُزِنتْ بما في الكتاب من مزايا، فالمزايا كثيرة جدًّا. * قوله: (وَقَدْ يَدْخُلُ فِي هَذَا البَابِ إِجْمَاعُ العُلَمَاءِ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الرَّجُلِ شَيْئًا لَا يَمْلِكُهُ) (٣). مَرَّ بنا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ "نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ شَفِّ مَا لَمْ يُضْمَنْ" (٤).

стр. 6872

وَجَاء أيضًا في "صحيح مسلم" أنَّ الرسول ﷺ قال: "إِذَا ابْتَعْتَ طَعَامًا، فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ" (١)، فهذا هو الربح الذي يأتي بغير ضمانٍ، فالضامن فيه هو البائع؛ ولذلك أدرجه بعض العلماء نوعًا من الربا. * قوله: (وَهُوَ المُسَمَّى عِينَةً (٢) عِنْدَ مَنْ يَرَى نَقْلَهُ مِنْ بَابِ الذَّرِيعَةِ إِلَى الرِّبَا، وَأَمَّا مَنْ رَأَى مَنْعَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ نَقْلُه، فَهُوَ دَاخِل فِي بُيُوعِ الغَرَرِ) (٣). وقَدْ نهى الرسول ﷺ عن بيع الغرر (٤)؛ لمَا فيه من التغرير بالمشتري، والغرر نوعٌ من الجهالة، والجهالة يترتب عليها ضرر، فلا ينبغي أن يُبَاع بيع فيه ضرر (٥). * قوله: (وَصُورَةُ التَّذَرُّعِ مِنْهُ إِلَى الرِّبَا المَنْهِيِّ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: أَعْطِنِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ أَدْفَعَ لَكَ إِلَى مُدَّةِ كَذَا ضِعْفَهَا).

стр. 6873

وهذا لا يجوز بإجماع العلماء؛ لأنه عين الرِّبا، وقد مرَّت بنا الأحاديث التي نصت على تحريم الربا، وكل هذا نهى عنه الرسول ﷺ ، وحَذَّر منه. * قَوْله: (فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَا يَصْلُحُ، وَلَكِنْ أَبِيعُ مِنْكَ سِلْعَةَ كَذَا لِسِلْعَةٍ يُسَمِّيهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ بِهَذَا العَدَدِ، ثُمَّ يَعْمِدُ هُوَ، فَيَشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ، فَيَقْبِضُهَا لَهُ بَعْدَ أَنْ كمُلَ البَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَتلْكَ السِّلْعَةُ قِيمَتُهَا قَرِيبٌ مِمَّا كَانَ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ قَرْضًا، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ ضِعْفَهَا، وَفِي المَذْهَبِ فِي هَذَا تَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ). وهذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء، وهي صورةٌ من صور بيع التورُّق، والتورق مأخوذٌ من الورق، والمراد به المال بجميع أنواعه، ويَرِدُ بمعنى الدراهم أو الفضة (١)، وهو مصطلح خاصٌّ بعلماء الحنابلة بهذا اللفظ، والمراد به: أن يَشْتري مَنْ يحتاج مالًا، سلعةً مؤجَّلة بأكثر من قيمتها حالَّةً، ثم يبيعها على أجنبيٍّ نقدًا بأقل مما اشترى؛ ليقضي به حاجته (٢)، وقد مر مناقشة بيع التورق، وذكر أدلته. * قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي المَذْهَبِ، أَعْنِي: إِذَا تَقَارَّا عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ السِّلْعَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا).

стр. 6874

فبَيْع التورُّق لا يجوز على قول أكثر العلماء، ومنهم المالكيَّة (١). * قوله: (وَأَمَّا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، فَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى مَنْعِهِ) (٢). بَيْع الدَّين بالدَّين؛ كبيع دَيْنٍ مُؤجَّلٍ بأقل منه حالًّا على أجنبي غير صاحب الدَّين، وقد سَبق الكلام على هذه المسألة، وبينَّا هناك أنه لا يجوز بيع الدين بالدَّين. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ، هَلْ هِيَ مِنْهُ أَمْ لَيْسَتْ مِنْهُ؟ مِتْلُ مَا كَانَ ابْنُ القَاسِمِ لَا يُجِيزُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ غَرِيمِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ تَمْرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ) (٣).

стр. 6875

ولَا يَجُوز أخذ الرجل في الدين من غريمه تمرًا قد بدا صلاحه على قول ابن القاسم؛ لمَا في ذلك من الغَرَر، والأصل: أنَّه لا يجوز بيع التمر قبل بُدوِّ صلاحه، وليسَ ذلك خاصًّا بالتمر فقط، فالرَّسُول ﷺ نَهَى عن بيع الثمار كلها حتى يبدو صلاحها (١). * قوله: (وَلَا سُكْنَى دَارٍ، وَلَا جَارِيَةً تَتَوَاضَع، وَبَرَاهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ). اقتصر المؤلف ﵀ في هذه الجزئية على مذهب مالكٍ؛ لأنه اعتبرها مسألةً جزئيةً داخل المذهب، أما المسائل الأمهات فيذكر فيها آراء العلماء في المذاهب الأخرى، أما جزئيات المسائل فغالبًا لا يشير إليها إلا رأي المذهب. * قوله: (وَكَانَ أَشْهَبُ يجِيزُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَإِنَّمَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ (٢)، وَهُوَ قِيَاسُ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ المَالِكِيِّينَ (٣)، وَهُوَ قَوْلُ

стр. 6876

الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢)). وكذلك الإمام أحمد أيضًا (٣). * قوله: (وَمِمَّا أَجَازَهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا البَابِ، وَخَالَفَهُ فِيهِ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ (٤) مَا قَالَهُ فِي "المُدَوَّنَةِ" (٥) مِنْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَبِيعُونَ اللَّحْمَ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ، وَالثَّمَنُ إِلَى العَطَاءٍ، فَيَأْخُذُ المُبْتَاعُ كُلَّ يَوْمٍ وَزنًا مَعْلُومًا، قَالَ: وَلَمْ يَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَكذَلِكَ كلُّ مَا يُبْتَاعُ فِي الأَسْوَاقِ). يَعني: التي يسري إليها الفساد، ويُخشى أن تهلك، فإن هذه يتسامح فيها. * قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا خُشِيَ عَلَيْهِ

стр. 6877

الفَسَادُ مِنَ الفَوَاكهِ إِذَا أُخِذَ جَمِيعُهُ. وَأَمَّا القَمْحُ وَشِبْهُهُ فَلَا (١)، فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ هَذَا البَابِ، وَهَذَا البَابُ كُلُّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ فِي الشَّرْعِ لِمَكَان الغَبْنِ الَّذِي يَكُونُ طَوْعًا، وَعَنْ عِلْمٍ). والغبن - كما مر - إنما هو النقص والغلبة، فالذي يبايع إنسانًا فيغبنه، يسمى غالبًا له، وناقصًا لحقِّه. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الثَّالِثُ: فِي البُيُوعِ المَنْهِيِّ عَنْهَا) بدأ المؤلف الباب بمسائل مهمة سيذكرها لاحقًا، وأغلب المسائل التي سيوردها نَطَق بها النص، وقد بين ابن رشد في مقدمة هذا الكتاب أنه سيذكر ما نطق به النص، أو ما هو قريب من النص. ومن المعلوم أنه ليس من منهج الكتاب، ولا من طريقته، ولا من خطته التي رسمها تتبع الفروع والجزئيات. وبعض هذه المسائل - التي سيذكرها - منطوق بها نصًّا في أحاديث رسول الله ﷺ كبيع حبل الحبلة (٢)، والمنابذة، والملامسة (٣)، وبيع الحصاة (٤)، وبيع الصوف على الظهر (٥)، وغيرها من المسائل.

стр. 6878

والبعض الآخر لم ينطق بها النص، لكنها قريبة منه، فهي لا تبعد، ولا تتفرع كثيرًا عنه، وهي التي عبر عنها ابن رشد ﵀ بما هو قريب من النص، وهذا الذي يعرف عند علماء الحديث بـ "فقه الحديث". * قوله: (وَهِيَ البُيُوعُ المَنْهِيُّ عَنْهَا). لا شكَّ أن رسول الله ﷺ قد بيَّن الحلال والحرام في البيوع، وقال ﷺ في ذلك: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" (١). فَالبائعُ مستفيدٌ بما أخذ من عِوَضٍ، والمبتاع (أي: المشتري) مستفيد أيضًا بتلك السلعة التي أخذها عن صدقٍ وتعاونٍ، والمسلمون مطالبون في كل أمرٍ من أمورهم أن يتعاونوا على البر والتقوى، وألَّا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ولا شك أن من التعاون على البر والتقوى أن يكون الصدق شائعًا بين الناس، فبالصدق يبارك الله للبائع والمشتري، ويبعثهم مع الصديقين يوم القيامة. * قوله: (مِنْ قِبَلِ الغَبْنِ الَّذِي سَبَبُهُ الغَرَرُ). قد مرَّ تفصيل التعريف في الغَبْن؛ وهو كل ما فيه نقص للبائع أو المشتري، كأن يتبايع اثنان، ويغبن أحدهما الآخر، ولا يشترط أن يكون الغبن في جانب البائع فقط، بل يكون أيضًا من المشتري؛ لذا يحتاج البيع إلى المُكَياسة، أي: الفهم والدقة والمعرفة بشؤونه. وقَدْ جاء النهى عن الغرر في أحاديث رسول الله ﷺ (٢)، وبيع الغرر إنما هو بسبب الجَهَالة، فهي التي تؤدي إلى الوقوع في الغرر، وربما تؤدي أيضًا إلى الوقوع في الربا.

стр. 6879

* قوله: (وَالغَرَرُ يُوجَدُ فِي المَبِيعَاتِ مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ عَلَى أَوْجُهٍ). (مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ)، أي: الجهالة بالمبيع، أما إذا وُجد شيءٌ فيه جهالة من قِبَلِ المتبايعين، فهذه مسألة أخرى؛ لأن الإنسان قد يعذر بجهله إذا لم يكن متعمدًا. وَالمَقْصود: أنهما قد يتبايعان بيعًا فيه جهالة، أيْ: فيه أمرٌ ليس واضحًا. * قوله: (إِمَّا مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ بِتَعْيِينِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ). قد تكون الجهالة بتعيين المعقود عليه هي السبب في الغرر، كأن يقول البائع للمشتري: أبيعك عبدًا من عبيدي، فالعقد بهذه الصفة فيه جهالةٌ؛ لأنَّ عبيده يختلفون وصفًا ونتاجًا، وفيهم القوي والضعيف والمتوسط، وفيهم مَنْ يجيد صنعةً، ومن لا يجيد، وفيهم مَنْ يَتميَّز بأمورٍ، وفيهم مَنْ لا يقابل بعمله ما يقدم له من أكلٍ وشرب … إلى غير ذلك. إذًا، العبيد مختلفون، فهذا البيع بهذه الصفة وهذه الصيغة لا يجوز؛ لأن فيه جهالةً، والصحيح أن يقول: أبيعك فلانًا ابن فلان. وكذلك الحال في كل ما يعقد عليه بيعًا، فعنذما يقول البائع للمشتري: بعتك سيارةً من سياراتي، فَلَا بُدَّ من تعيينها، أما إذا كانت السيارات من نوعٍ واحدٍ وينطبق عليها جميع الأوصاف، فلا بأس بإطلاق الصيغة من غير تعيين. وَكثيرٌ من الغرر الذي كان معروفًا، زال في كثيرٍ من الأمور؛ لأنَّ الصناعات الآن أصبح لها أوصافٌ دقيقة كالأرقام، وبيان نوع الصَّنعة وكيفيتها، ولو ذهبت إلى تاجر قماش، فوصف لك نوعًا منه، فهذا الوصف يكفي أن يعطيك لونه وشكله ووصفه.

стр. 6880

* قوله: (أَوْ تَعْيِينِ العَقْدِ). أي: قَدْ يكون العقد نفسه غير مُعيَّنٍ. * قوله: (أَوْ مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ بِوَصْفِ الثَّمَنِ وَالمَثْمُونِ المَبِيعِ). يحتمل أن تَقَع الجهالة على السلعة بأن يعطي البائع أوصافًا غير دقيقةٍ لها، وربما يكون الجهل بعدم تعيين ثمن السلعة نفسها. وَنَجد ذلك في بيع المنابذة، كأن يقول أحدهم (١): أيُّ ثوبٍ تنبذه إليَّ هو لك بكذا، فيشتريه، ولا يدقق النظر فيه، ولا يتبين صفة هذا الثوب، فربما يكون باليًا مع أنه جديد لمرورِ زمنٍ طويلٍ عليه، وربما يكون فيه بعض الحروق الخفية، أو فيه بعض الخروق الدقيقة، أو ربما تكون صناعته غير جيدة كما نرى في هذا الزمان، فهناك صناعات قوية جيدة متقنة، وهناك صناعات تأتي تقليدًا لتلك الصناعات. فهذه الأمور ينبغي أن يدقق فيها البائع، فإذا أخذ السلعة فعليه أن يمحصها، ويدقق النظر فيها؛ لكي يكون على بَيِّنةٍ، وقد أرشدنا الرَّسول ﷺ إلى ذلك، وليس ذلك من العيب، ولا ينبغي للإنسان أن يستحي إذا جاء إلى صاحب دكان أو حانوت أو متجر، فأراه السلعة ألا يقلبها، وألا يدقق فيها، وليس أيضًا من حق صاحب هذا المتجر أن يعارضه في ذلك؛ لأنه جاء يشتري بماله، فعليه أن يختار ما فيه مصلحته والخير له. * قوله: (أَوْ بِقَدْرِهِ). أي: وقَدْ تحصل الجَهالة بقدر المبيع، أو يكون القدر غير دقيقٍ، أما لو حُدِّد القدر بالمكاييل أو الموازين، أو قال مثلًا: هذا سبر من تمر،

стр. 6881

وعرف وصفها وشكلها ورآها حتى وإنْ لم يعرف دقتها، فلا حرج، وهناك بعض الأمور قد يُتَسامح فيها، كالَّذي يشتري بيتًا، فلا يحق له أن يطلب من البائع أن يحفر له لكي يرى أساسات البيت؛ لأن الأصل في الإنسان أن يحسن الظنَّ، والأصل في البيت أن يقوم على أساسٍ سليمٍ؛ وعليه لا يُشْترط أن ينظر إلى أساسه؛ لأنه من المُسلَّمات، فلا يتصور قيام بيتٍ بغير أساسٍ، وإنما القصد في مثل العقارات أن ينظر في الأمور الظاهرة، فهذا مما يغتفر فيه، وكل هذه الأمور تعتبر مقدمات سيدعمها ويؤيدها المؤلف بعد ذلك في أقوال سيذكر فيها الأمثلة مع أدلتها. * قوله: (أَوْ بِأَجَلِهِ إِنْ كانَ هُنَالِكَ أَجَلٌ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ بِوُجُوبٍ، أَوْ تَعَذُّرِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ). ومعنى الجهل بوجوده: كأن يبيع ما لم يخلق، فمثلًا: إِنْ غرس غرسًا ولم يظهر بعد على سطح الأرض، فَهذا غير موجودٍ، ومثله ما يُعْرف ببيع المُعَاومة، وبيع السنين (١). أَوْ لا يكون قادرًا على تسليمه، كأنْ يقول: أبيعك هذا الطير في السماء، فالطَّير يحتمل أنه يكون ملكًا له، ويحتمل أن يكون ملكًا لغيره، فإنْ لم يكن ملكًا له، فيكون قد جمع بين عيبين: أوَّلًا: بيع ما لا يملك. ثانيًا: بيع ما لم يستطع تسليمه، وإنْ كان ملكًا له، فَإنَّه يبيع ما لا يستطيع تسليمه، وتسليم المبيع شرط في البيع، ومثله أيضًا بيع السمك في الماء، أو ما يجهل مكانه كعبدٍ آبقٍ (أي: فرَّ) من صاحبه، أو جَمَل شرد أو فرس، أو سلعة اختفت أو غير ذلك من الأمور، فبيع ما لا يُسْتطاع تسليمه من البيوع المنهي عنها.

стр. 6882

* قوله: (وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الجَهْلِ بِسَلَامَتِهِ، أَعْنِي: بَقَاءَهُ). قَدْ يكون المبيع سليمًا، أو غير سليم، فقد تكون السلعة المعروضة للبيع قماشًا أصابه بللٌ كأن تكون السفينة التي حُمِلَ فيها قد تسرب لها ماء البحر، أو يكون طعامًا أصابه مطرٌ، أو دابةً أصيبت بمرضٍ إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي تعتري البيوع وغيرها. * قوله: (وَهَاهُنَا بُيُوعٌ تَجْمَعُ أكْثَرَ هَذِهِ أَوْ بَعْضَهَا). سيبدأ المؤلف في إيراد نصوص الأحاديث الصحيحة - مُخرَّجة في "الصَّحيحَين" وغيرهما مع صحتها - ويعلق عليها تعليقًا خفيفًا. * قوله: (وَمِنَ البُيُوعِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا هَذِهِ الضُّرُوبُ مِنَ الغَرَرِ: بُيُوعٌ مَنْطُوقٌ بِهَا). و"المنطوق" (١): ما نطق به النص من كتاب وسُنَّة؛ كالنهي الوارد في أحاديث رسول الله ﷺ عَنْ بيع المنابذة، وبيع الملامسة (٢)، وبيع حبل الحبلة (٣)، وبيع الغرر (٤)، وبيع الحصاة (٥)، فهذه كلها أحاديث نطق بها رسول الله ﷺ ، أي: تكلم بها، وهذا معنى: (منطوق بها).

стр. 6883

* قوله: (وَبُيُوعٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا). مسكوتٌ عنها في الشرع (١)، لكنها تُؤْخذ من أحكام النصوص عمومًا من الكتاب أو السُّنَّة. * قوله: (وَالمَنْطُوقُ بِهِ أكْثَرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). لأن النُّصُوص التي وردت عن رسول الله ﷺ أغلبها صحيحةٌ، وقد قررت أحكامها، فكان حكمه ﵊ فيها واضحًا كفلق الصبح، لا يحتاج إلى ترددٍ أو تأويلٍ. وهناك مسائل اختلف العلماء في تفسيرها كما سيأتي الكلام في تفسير حبل الحبلة. * قوله: (وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ فِي شَرْحِ أَسْمَائِهَا). كحَبَل الحبلة، أي (٢) أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز بيع حبل الحبلة (٣)،

стр. 6884

ولكنهم اختلفوا في تعيين المقصود من بيع حبل الحبلة (١). * قوله: (وَالمَسْكُوتُ عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَوَّلًا المَنْطُوقَ بِهِ فِي الشَّرْعِ). نبَّه المؤلف ﵀ إلى أنه سيذكر المنطوق به في الشرع أولًا؛ لأنه المقدم، ثم بعد ذلك ينتقل إلى المسكوت عنه، وَهُوَ المفهوم من النصِّ. ويقتصر ﵀ في كتابه على المسكوت عنه القريب إلى النص لا البعيد، أي: يغض الطرف عن الجزئيات والفرعيات البعيدة التي تتفرق من المسألة. * قوله: (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الفِقْهِ). أيْ: سيذكر أيضًا ما يتعلق بالحديث من فِقْهٍ. ومن المعروف أن فقه الكتاب هي الأحكام التي تؤخذ من الآيات، وأما فقه السُّنَّة فهي الأحكام الفقهية التي تؤخذ من سُنَّة المصطفى ﷺ ، والفقه المذكور هنا مستمدٌّ - غالبًا - من كتاب الله ومن سُنَّة رسوله ﷺ . وكُتُب الفقه التي تتوسع أكثر، فتذكر اختلاف الفقهاء وآراءهم في كل

стр. 6885

مسألةٍ تسمى بكتب اختلاف الفقهاء، وهذا مثل الكتاب الذي بأيدينا "بداية المجتهد". * قوله: (ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَسْكُوتِ عَنْهُ مَا شَهُرَ الخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ). أيْ: يذكر المؤلف ﵀ بعد ذِكْرِهِ المنطوق به في الشرع - المسائل المسكوت عنها، لكنه خصص منها ما اشتهر فيه الخلاف بين الفقهاء. أما ما تجزأ وانغمس في المجاهل، فإنه لا يذكر؛ لأنه يصعب أن يتتبع كل تلك الجزئيات، بل إنَّ الكتب الكبيرة في الفقه ككتاب: "المغني" لابن قدامة، أو كتاب "المجموع" للنووي لم تحصِ جميع مسائل الفقه؛ لكثرتها وتعددها وكثرة الخلافات داخل المذاهب. وَالحَاصل: أنَّ العلماء ﵏ يدونون أهم المسائل في ذلك، ويصعب جمع واستقصاء كل المسائل في كتاب واحد. * قوله: (لِيَكُونَ كالقَانُون فِي نَفْسِ الفِقْهِ). أي: ليكون كالمقياس لكل شيءٍ، ومثال ذلك: "الصاع"، فهو آلةٌ للكيل؛ إذًا هو مقياسٌ، وكذلك الميزان فهو آلة للوزن، ولهذا تسمى قوانين، أي: مقاييس وروابط تضبط بها هذه الأمور. وكلمة: "قانون" (١) معربة، أي: لم تكن من اللغة العربية، لكنها أُدْخلَت إليها، فصارت جزءًا منها. والكلمة يونانية الأصل، وانتقلت إلى الفارسية بنفس اللفظ، بمعنى أصل كل شيءٍ ومقياسه، ثم عُرِّبت عن الفارسية بمعنى الأصل، ودرج

стр. 6886

استخدامها بمعنى أصل الشيء الذي يسير عليه، أو المنهج الذي يسير بحسبه. وبطلق القانون على كل من: ١ - القضية الكلية. ٢ - الأمر الكلى المنطبق على جميع جزئياته. إذًا، فالقانون يقابل الأصل، ويقابل القاعدة الفقهية. وقال الفقهاء: إن القانون يضبط للفقيه أصول المذهب، وتَطلُّعه على مآخذ الفقه، وتظهر له ما تغيب عنه، وتقرب له المسائل، وتنظمها له في عِقْدٍ واحدٍ. وكان المصطلح عليه عند الفقهاء فيما مضى أن القاعدة والضابط بمعنًى واحدٍ، ثم أصبح الفقهاء في القرون الوسطى يفرقون بين القاعدة والضابط، فيعرفون القاعدة بأنها (١): ما اشتمل على ما اندرج تحتها، أو: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها، أي: أن القاعدة ما اندرج تحتها مسائل كثيرة من أبواب شتَّى. والضابط: ما يندرج تحته مسائل من بابٍ واحدٍ (٢)، فبذلك تكون القًاعدة أشمل من الضابط. وَيشْتركان في أن كُلًّا منهما ينطبق على عددٍ من الفروع الفقهيَّة، ويَفْترقان بأن القاعدة تجمع فروعًا من أبوابٍ شتَّى، والضابط يجمعها من بابٍ واحدٍ، هذا هو الأصل (٣). فأَسَاسُ الفرق بين القاعدة والضابط هو في نِطَاقِ كلٍّ منهما،

стр. 6887

فالقاعدة أوسع نِطَاقًا من الضابط؛ ذلك أنها لا تقتصر على بابٍ من أبواب الفقه، بل تَتضَمَّن حُكمًا كُليًّا يمتدُّ شموله لِكَثِيرٍ من الأبواب الفقهيَّة، وهذا بخلاف الضَّابط الذي اقتصر من حيث نطاقه على بابٍ من أبواب الفقه، واختصَّ بميدانٍ واحدٍ من مواضيعه. * قوله: (أَعْنِي: فِي رَدِّ الفُرُوعِ إِلَى الأُصُولِ). ومَقْصوده ﵀ أن يذكر أمهات المسائل وأصولها، ولذلك يقول الفقهاء: إن دراسة طالب الفقه للقواعد الفقهية تعينه أكثر من دراسته للفروع، لكن لا يَنْبغي أن تأتي دراسته للقواعد سابقةً لدراسته للفروع؛ لأن دراسة القواعد تنبني على الفروع، فلا يستطيع فقيهٌ مهما كان قدره أن يضبط القواعد دون أن يكون ملمًّا - ولو إجمالًا - بفروع المسائل. وإذا وَفَّق الله طالب العلم، وأدرك وألمَّ بالقواعد الفقهية، فإنه بذلك يستطيع أن يقرب الفقه إلى ذهنه أكثر، وشمهل عليه بذلك الموازنة بين المذاهب الأربعة؛ لأن الموازنة في أصول المذاهب أخف وأيسر من الموازنة بينها في فروع المسائل؛ لكثرة الفروع، بل تكاد لا تحصى. * قوله: (فَأَمَّا المَنْطُوقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ فَمِنْهُ: "نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ" (١)). الحَبَل - بفتح الباء - في اللغة: جمع حابل، كظلمة جمع ظالم، وكَتبَة جمع كاتب، وفَجَرة جمع فاجر، وهو الحَمْل، وأكثر ما يطلق الحبَل على الآدميات، أي: على النساء، وأما الحمل فيُطْلق على النساء وعلى غيرهن من الإناث، أي: من إناث الحيوان والنبات (٢).

стр. 6888

والمقصود هنا (١): النهي عن بيع الجنين الذي يولد من هذه الأمهات، أو بيع ما ينتجه هذا الجنين (يعني: بيع نتاج النتاج) على التفصيل الذي سيأتي عند شَرْح هذا الحديث. وقَدْ ثَبتَ في "الصَّحيحَين" وفي غيرهما أنَّ الرسول ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَة" (٢). وجاء تفسير "حبل الحبلة" عن نافعٍ راوي هذا الحديث، عن عبد الله بن عمر (٣)، وقيل: إن الذي فسَّره عبد الله بن عمر نفسه (٤). وقَدْ جاء تفسير ذلك في روايةٍ للبزار (٥)، قال: حَدَّثنا مُؤَمَّل بن هشام، حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن أَيُّوبَ، عَن نافعٍ، عَن ابْنِ عُمَر أَخْبَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَن بَيْعِ حَبَل الحَبَلَة"، يَعْنِي: نِتَاجَ النِّتَاجِ. فأكثر الفقهاء أخذوا أن بيع "حَبَل الحبلة" هو بيع ما ينتجه الجنين، وهو المشار إليه بـ "نِتَاجَ النِّتَاج"، وهو بيع ما لم يخلق، فهو بيع شيءٍ ليس موجودًا، وأخذ بهذا التفسير أبو حنيفة (٦)، ومالك (٧) والشافعي (٨).

стр. 6889

أما الإمام أحمد (١)، فقد أخذ بتفسير أبي عبيد - من علماء اللغة والفقه - وكذلك إسحاق بن راهويه (٢)، وهو أن حبل الحبلة ما في بطن الناقة (٣)، أي: المَوْجود فيها حالًا، وما في بطن الناقة مجهول أيضًا. وَالعلَّة في نَهْي الرَّسول الله ﷺ أنَّ البائع يبيع ما ليس عنده، أو ما لا يَضْمنه (٤). * قوله: (وَمِنْهَا: "نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ" (٥)). بل لا يجوز أيضًا بيع ما لم يخلق عمومًا (٦)؛ فلا يجوز بيع الثمر قبل ظهوره كأن يباع الثمر بما ظهر من غرسه في الأرض.

стр. 6890

ومن ذلك أيضًا بيع السنين (١)، أي: أن يبيع إنسان ثمرة أو يشتريها لسنين مقبلة بعقدٍ واحدٍ (٢)، أما اشتراء الثمرة لعام، فهذا جائز، وسيأتي بشروطه المعلومة. * قوله: ("وَعَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِي" (٣)). "تُزْهِي"، أي: تحمر أو تصفر (٤)، فالرطب مثلًا ينبت صغيرًا، تم يصير بلحًا أخضر، ثم بعد ذلك يصفر، وليس شرطًا فقط أن يصفر، بل ربما يشترط الاحمرار. ولذلك، جاء في الحديث أن النَّبيَّ ﷺ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ" (٥). وفي رِوَايَةٍ: قَالَ: "حَتَّى تَحْمَارَّ" (٦). أمَّا العِنَب، فقال فيه النَّبيُّ ﷺ : "وَعَنْ بَيْعِ العِنَب حَتَّى يَسْوَدَّ" (٧)، وليس بقيد في العنب؛ لأن جميع أنواع العنب لا يظهَر نضجه بالسواد فقط، فمنه ما يسود إذا نضج، ومنه ما يحمر، ومنه ما يبيض، وربما يكون من أجود أنواع العنب المعروفة الآن، وتوجيه قول الرسول ﷺ : "حَتَّى يَسْوَدَّ" إلى أنه أراد ضربَ المثل.

стр. 6891

أما السُّنبلة (أي: الحب)، فقال فيه النبي ﷺ : "لَا تَبِيعُوا الحَبَّ فِي سُنْبُلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ" (١). وفي روايةٍ أُخْرى: "وَعَنْ بَيْعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ" (٢). والمَقْصود بذلك كلِّه: النضج، سواء فيما تعلق بالنخل، أو في بقية الثمار، فإنها تُصْبح صالحةً للبيع والشراء إذا وصلت إلى النضج؛ ولذلك نجد النبي ﷺ الذي أُعطي جوامع الكلم - يقول: "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا" (٣)، فلفظ: "يَبْدُوَ صَلَاحُهَا" عام يدخل فيه جميع أنواع الثمار، إذا بدا صلاحها، أي: ظهرت عليها علامات النضج والصلاح، وسيأتي الكلام في بيع الثمار قبل بُدوِّ صلاحها، وهي مسائل مهمة كبقية مسائل الفقه. * قوله: ("وَعَنْ بَيْعِ المُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ" (٤)). بيع الملامسة (٥)، كأن يقول البائع: بعتك هذا الثوب على أنك متى لمسته، فهو عليك بكذا، أو يقول المشتري: أيُّ ثوبٍ ألمسه، فهو لي بكذا. فالمشتري لم يمعن النظر فيه، ولم يدقق، فربما يخدع فيه، ولذلك نُهِيَ عن ذلك؛ لما فيه من الجهالة.

стр. 6892

والمُنَابذة، كأن يقول (١): أيُّ ثوبٍ نبذته إليَّ أو رميته إليَّ، فهو عليَّ بكَذا، وفيه جهالةٌ أيضًا لما فيه من الغرر، والرَّسُول ﷺ يريد دائمًا أن تبقى علاقات المسلمين قائمةً على المحبة والمودة والألفة، وألَّا يحصل التقاطع والتنافر، وأن تَبْقى صُدُورهم دائمًا صافيةً نقيةً، وهذا هو الواجب على المسلمين؛ لأنَّ الرسول ﷺ نهى المسلمين أن يتباغضوا، أَوْ أن يحقر أحدهم الآخر، فقال: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ اكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا" (٢). وبَيَّن أن المُسْلمَ على المُسْلم حرامٌ، فقال: "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُه، وَمَالُه، وَعِرْضُهُ" (٣). إذن، لا يَجُوز للمُسْلم أن يظلم أخاه المسلم، ولا أن يَحْسده، ولا أن يحقره؛ لنهيه ﷺ عن كل هذه الأمور؛ لتبقى دائمًا صدور المؤمنين صافيةً خاليةً من الغلِّ والحسد، ولذلك كان الرسول ﷺ يكره أن ينقل إليه ما يسوؤه عن أحدٍ أصحابه حتى يظلَّ صدرُهُ دائمًا رحبًا مطمئنًّا خاليًا من أن يكون فيه شيء على أحدٍ، وهذا هو وَاجب المُؤْمنين عمومًا، فالرَّسول الله ﷺ يضع لنا الأُصُول والأسس، ويخطُّ لنا طريقًا مستقيمًا لا عوجَ فيه، وَلَا انحراف؛ فيَنْبغي لنا جميعًا أن نَسْلكه، وأن تكون عَلَاقةُ المسلم بأخيه المسلم قائمةً على الرَّحمة والمودة والتعاطف والتعاون والبر والتقوى والخير، وهَذِهِ هي العَلَاقات التي ينبغي أن تكونَ بين المؤمنين.

стр. 6893

وَخير مِثَالٍ على ذلك ما حَصل بين المهاجرين والأنصار من الرَّوابط التي ربط بها رَسُولُ الله ﷺ بينهم من الأخوة والمحبة والمودة، واصطبغهم جميعًا بصبغة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فكانوا جميعًا إخوةً بحقٍّ حتى قال الله تعالى عنهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. فيا ليتنا - وإنْ لم نصل إلى درجتهم - أن نحبَّ لأخينا ما نحبُّ لأنفسنا (١)، أو على الأقل لا نسعى في إلحاق الضرر بأخينا المسلم، ويجب على كل مسلم أن يسعى بالخير إلى أخيه، فإن رآه بخير حالٍ، سُرَّ بذلك، وسأل الله أن يعطيه كما أعطاه، ودعا الله له بالمزيد، وسأل الله لنفسه الصَّلاح والتُّقى كأخيه، وكلما رأى أخاه المسلم يتقلب بالنعيم، ازداد رضًا وفرحًا وسعادةً بذلك. * قوله: ("وَعَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ" (٢)). "بيع الحصاة" كأن يقول: أيُّ حَصَاةٍ تَرمي أو أرميها، فتقع على ثوبٍ أو على كذا، فَهو لك بكذا، أو يقول: بعتك من هذه الأرض بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، وهذا كلُّه من المغامرات أو المخاطرات التي جاء الإسلام لينفيها، فالإسلام قام على أصولٍ ثابتةٍ مستقرةٍ (٣). * قوله: (وَمِنْهَا: "نَهْيُهُ عَنِ المُعَاوَمَةِ" (٤)).

стр. 6894

المعاومة (١): مأخوذةٌ من الأعوام جمع عام، يعني: أن يبيعه مثلًا نخلةً أو شجرةً أعوامًا عديدةً، وهذا لا يستطيع أحدٌ أن يضمنه، فَكَأنه باع ما لم يضمن لأعوامٍ عديدةٍ، كأن يقول البائع: أبيعك هذه (ثمرة هذه الشجرة) لعشرة أعوامٍ، وهذا أمرٌ لا يضبط مع أنه قد أثر عن البعض جواز ذلك (٢)، لكن جماهير العلماء على خلاف ذلك (٣). وَمثلُهُ: بيع السنين، كَأنْ يقولَ البائع: أبيعك هذه الثَّمرة لخمس سنواتٍ مثلًا، ويذكر ذلك في عقدٍ واحدٍ، أما لو باعه ثمرة هذه السنة، ثمَّ جدَّده، وهكذا، فهذا جائزٌ (٤)، أمَّا هذا فقد نهى عنه رسول الله ﷺ في أحاديثَ صَحيحَةٍ في "صحيح مسلم"، وفي غيره (٥)، وما جاء النهي فيه عن بيع المنابذة وبيع الملامسة، فقد ثبت في "الصَّحيحَيْن" أيضًا (٦).

стр. 6895

* قوله: ("وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ" (١)، "وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ" (٢)). كَمَا مرَّ بنا أن رَسُولَ الله ﷺ "نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ" (٣). أمَّا النَّهْي "عن بيعٍ وشرطٍ"، ففيه خلافٌ بين العلماء؛ بعضهم منعه مطلقًا، وبعضهم أجازه، وَسَيأتِي الحَديث عنه، وعن بيعينِ وشرطٍ، وعن بيعتين أيضًا في بَيْعةٍ. * قوله: ("وَعَنْ بَيْعٍ، وَسَلَفٍ" (٤)). يعني: عن بيع وقرض. * قوله: ("وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ" (٥)). أَيْ: حتى ينضج كما جاء في الحديث الآخر: "وَعَنْ بَيْع الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ" (٦)، والبياض إنما هو علامةٌ لبدء النضج. وقَدْ يَسْأل سائلٌ فيَقُول: لماذا نُهِيَ عن بيع التمرة قبل صلاحها، وعن بيع السُّنبل حتى يبيض؟ الجواب: قال النَّبيُّ ﷺ : "أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ

стр. 6896

أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ" (١). وفي بعض الروايات: "فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَا لأخِيهِ بغَيرِ حَقٍّ" (٢). وعلة منع الرسول ﷺ ذلك خشية أن تصيب هذه الثمرةَ الجارحة، فتذهب على المشتري، فيتضرر بذلك (٣)، وديننا الحنيف إنما جاء ليرفعَ الضَّرر عن الجميع، قال النَّبيُّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، ومَنْ ضَارَّ ضَرَّهُ اللهُ" (٤). إذًا، هذا نوعٌ من الضَّرر الذي يلحق المشتري، والشارع الحكيم وَضَع مانعًا من الوقوع في ذلك حتى لا يتضرر المسلم بذلك، فالصحيح أن الثمرة تَبْقى عند صاحب الأصل إلى أن تنضج، فإن ذهبت عليه، أَوْ ذَهب بعضها قبل ذلك، فهو الذي يتحملها، أما أن تُبَاع فيقع في ذلك المشتري، فهذا حملٌ ثقيلٌ على النفس تتألم به وتتأثر، ولذلك أراد رسول الله ﷺ أن يصون المشتري، وأن يحفظه، وأن يحافظ على حقه من أن يحصل له شيء من ذلك، ولذلك سيأتي أن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط القطع - جائزٌ. * قوله: ("وَالعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ" (٥) ". وقَدْ مرَّ أن قوله ﷺ : "وَالعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ"، ضربٌ للمثل؛ لأن

стр. 6897

المراد حتى ينضج؛ سواء ظهر صلاحه ونضوجه بالسواد أو بغيره، بل إن بعض العنب إذا اسودَّ فسدَ، إذًا صلاحه يختلف باختلاف أنواع العنب. * قوله: ("وَنَهْيُهُ عَنِ المَضَامِينِ، وَالمَلَاقِيحِ" (١)، أَمَّا بَيْعُ المُلَامَسَةِ (٢)). عاد المؤلف مرة أخرى إلى المسائل ليدرسها بشيءٍ من التفصيل. * قوله: (فَكَانَتْ صُورَتُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ). إذًا، هَذه البُيُوع - التي ذكرت في عدة أحاديث عن رسول الله ﷺ - كانت مُنْتشرةً سائدةً قائمةً في الجاهلية، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ … ﴾ [الشورى: ١٣]. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]. فقَدْ كان النَّاس في جاهليةٍ جهلَاء، وضلالةٍ عمياء، يأكل قَويُّهم الضَّعيف؛ فكانت السلطة والهيمنة للقوي، أما الضعيف فضائعٌ في تلك المجتمعات، ثمَّ جاء الإسلام فاستلَّ كل السخائم، وقضى على الشرك والبدع والخرافات، ثم بعد ذلك وحَّد كلمة المسلمين، وجعلهم إخوةً متحابين، وفضَّل بعضهم على بعضٍ بالتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 6898

وقال النبي ﷺ : "لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضٍ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى" (١). إِذَا فَخَرْتَ بِآبَاءٍ لَهُمْ شَرَفٌ … لَقَدْ صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا أَبِي الإِسْلَامُ لَا أبَ لِي سِوَاهُ … إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمِ (٢) هذا هو شعارُ الإسلامِ، فليسَ للإنسانِ أن يفتخِرَ بقبيلَتِهِ، ولا عائلته، وإنما عليه أن يفتخر ويعتز بالإسلام، فهذا هو موضع الفخر، فالإسلام لا يفرق بين لون ولون، ولا بين لغة ولغة، ولا بين جنس وجنس، ولا بين قوم وقوم، وإنما هناك كلمة تجمع المسلمين، وهي التي توضع في الميزان يوم القيامة، ألا وهي كلمة: "لا إله إلا الله"، والتي قال عنها رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) دَخَلَ الجَنَّةَ" (٣)، فما ألذَّها وما أعظْمَها، وما أكثر ما تشتمل عليه من المعاني العظيمة! قال الله تعالى عنها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. فكانت هذه البيوع منتشرةً في الجاهلية، ثم جاء الإسلام فطهَّر ذلك المجتمع من تلك المفاسد، لذا قال النبي ﷺ : "خِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا" (٤).

стр. 6899

ثُمَّ إن الإنسان إذا عرف الجاهلية، وأدرك ما فيها من المخاطر، وما فيها من الذُّلِّ، وما فيها من المعاصي، ثم بعد ذلك تَذوَّق حلاوة الإيمان، وتَلذَّذ به، فإنه سيدرك قيمة الإسلام، ويعرف أهميته، ولذلك ترون كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ ، وكيف كان السلف يُقْبلون على هذا الدين بقوة، وكيف كانوا يبيعون أنفسهم رخيصةً لله دفاعًا عن هذا الدين! ومع تطهير الإسلام المجتمع من هذه البيوع الفاسدة المفسدة، لكنَّه أبقى على بعض البيوع الصحيحة كالمضاربة (١) المعروفة، فقد كانت في الجاهلية، ثم جاء الإسلام وأقرَّها، فلم يكن الإسلام دين تعصب، وإنما هو دين الرحمة للناس كافة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨]. وقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فقد بُعِثَ رَسُولُ الله ﷺ إلى الجن والإنس ليهدي الناس إلى الحق، ويدعو الناس كما كان الرسل قبله يدعوهم إلى عبادة الله ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ومن الدعوة التي قام بها رَسُولُ الله ﷺ أنه حذرنا من هذه البيوع، ونهانا عنها، وبيَّن ما يحل وما يحرم، وخَوَّفنا من الخبائث، وبيَّن ما يترتب عليها من الأضرار، وأمرنا بألَّا نأكل إلا الطيب، وألا نطعم إلا الطيب، وألا نلبس إلا الطيب، وألا نشرب إلا الطيب، وألا نقرب الخبيث، كما قال الله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

стр. 6900

ولذلك، نجد أنَّ هذا الدين هو أيسر الأديان، وأن الرسول ﷺ كما أخبرت السيدة عائشة ﵂: "مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا" (١)، وأن الرسول الله ﷺ قد نهانا عن الظلم، وحذرنا منه، وأنه ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُون اللَّهِ حِجَابٌ" (٢). فالظُّلْم لا يجوز شرعًا، لا بين المسلمين بعضهم البعض، ولا بين المسلمين وغيرهم؛ لأن اللهَ تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرمًا، وحرَّم التَّعدِّي، وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. إذًا، البيوع التي كان يتعامل بها العرب في الجاهلية ويتقلَّبون فيها، ويربحون منها، كان يسودها الجهل والغرر والغبن والتعدي والتسلُّط، وهذه أمورٌ قَدْ طَمسها الإسلام، وأزالها، ووضع بدلًا منها ما يعين المسلمين على أن تكون كَلمتُهُم واحدةً. * قوله: (أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ وَلَا يَنْشُرَه، أَوْ يَبْتَاعَهُ لَيْلًا). يَعْني (٣): أن يَشْتري الرجل قماشًا - مثلًا - بمجرد ملامسته، أو
следующие страницы →