أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ" (١).
وفي بعض الروايات: "فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَا لأخِيهِ بغَيرِ حَقٍّ" (٢).
وعلة منع الرسول ﷺ ذلك خشية أن تصيب هذه الثمرةَ الجارحة، فتذهب على المشتري، فيتضرر بذلك (٣)، وديننا الحنيف إنما جاء ليرفعَ الضَّرر عن الجميع، قال النَّبيُّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، ومَنْ ضَارَّ ضَرَّهُ اللهُ" (٤).
إذًا، هذا نوعٌ من الضَّرر الذي يلحق المشتري، والشارع الحكيم وَضَع مانعًا من الوقوع في ذلك حتى لا يتضرر المسلم بذلك، فالصحيح أن الثمرة تَبْقى عند صاحب الأصل إلى أن تنضج، فإن ذهبت عليه، أَوْ ذَهب بعضها قبل ذلك، فهو الذي يتحملها، أما أن تُبَاع فيقع في ذلك المشتري، فهذا حملٌ ثقيلٌ على النفس تتألم به وتتأثر، ولذلك أراد رسول الله ﷺ أن يصون المشتري، وأن يحفظه، وأن يحافظ على حقه من أن يحصل له شيء من ذلك، ولذلك سيأتي أن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط القطع - جائزٌ.
* قوله: ("وَالعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ" (٥) ".
وقَدْ مرَّ أن قوله ﷺ : "وَالعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ"، ضربٌ للمثل؛ لأن
стр. 6897
المراد حتى ينضج؛ سواء ظهر صلاحه ونضوجه بالسواد أو بغيره، بل إن بعض العنب إذا اسودَّ فسدَ، إذًا صلاحه يختلف باختلاف أنواع العنب.
* قوله: ("وَنَهْيُهُ عَنِ المَضَامِينِ، وَالمَلَاقِيحِ" (١)، أَمَّا بَيْعُ المُلَامَسَةِ (٢)).
عاد المؤلف مرة أخرى إلى المسائل ليدرسها بشيءٍ من التفصيل.
* قوله: (فَكَانَتْ صُورَتُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ).
إذًا، هَذه البُيُوع - التي ذكرت في عدة أحاديث عن رسول الله ﷺ - كانت مُنْتشرةً سائدةً قائمةً في الجاهلية، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ … ﴾ [الشورى: ١٣].
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨].
فقَدْ كان النَّاس في جاهليةٍ جهلَاء، وضلالةٍ عمياء، يأكل قَويُّهم الضَّعيف؛ فكانت السلطة والهيمنة للقوي، أما الضعيف فضائعٌ في تلك المجتمعات، ثمَّ جاء الإسلام فاستلَّ كل السخائم، وقضى على الشرك والبدع والخرافات، ثم بعد ذلك وحَّد كلمة المسلمين، وجعلهم إخوةً متحابين، وفضَّل بعضهم على بعضٍ بالتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
стр. 6898
وقال النبي ﷺ : "لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضٍ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى" (١).
إِذَا فَخَرْتَ بِآبَاءٍ لَهُمْ شَرَفٌ … لَقَدْ صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا
أَبِي الإِسْلَامُ لَا أبَ لِي سِوَاهُ … إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمِ (٢)
هذا هو شعارُ الإسلامِ، فليسَ للإنسانِ أن يفتخِرَ بقبيلَتِهِ، ولا عائلته، وإنما عليه أن يفتخر ويعتز بالإسلام، فهذا هو موضع الفخر، فالإسلام لا يفرق بين لون ولون، ولا بين لغة ولغة، ولا بين جنس وجنس، ولا بين قوم وقوم، وإنما هناك كلمة تجمع المسلمين، وهي التي توضع في الميزان يوم القيامة، ألا وهي كلمة: "لا إله إلا الله"، والتي قال عنها رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) دَخَلَ الجَنَّةَ" (٣)، فما ألذَّها وما أعظْمَها، وما أكثر ما تشتمل عليه من المعاني العظيمة! قال الله تعالى عنها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
فكانت هذه البيوع منتشرةً في الجاهلية، ثم جاء الإسلام فطهَّر ذلك المجتمع من تلك المفاسد، لذا قال النبي ﷺ : "خِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا" (٤).
стр. 6899
ثُمَّ إن الإنسان إذا عرف الجاهلية، وأدرك ما فيها من المخاطر، وما فيها من الذُّلِّ، وما فيها من المعاصي، ثم بعد ذلك تَذوَّق حلاوة الإيمان، وتَلذَّذ به، فإنه سيدرك قيمة الإسلام، ويعرف أهميته، ولذلك ترون كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ ، وكيف كان السلف يُقْبلون على هذا الدين بقوة، وكيف كانوا يبيعون أنفسهم رخيصةً لله دفاعًا عن هذا الدين!
ومع تطهير الإسلام المجتمع من هذه البيوع الفاسدة المفسدة، لكنَّه أبقى على بعض البيوع الصحيحة كالمضاربة (١) المعروفة، فقد كانت في الجاهلية، ثم جاء الإسلام وأقرَّها، فلم يكن الإسلام دين تعصب، وإنما هو دين الرحمة للناس كافة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
وقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فقد بُعِثَ رَسُولُ الله ﷺ إلى الجن والإنس ليهدي الناس إلى الحق، ويدعو الناس كما كان الرسل قبله يدعوهم إلى عبادة الله ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ومن الدعوة التي قام بها رَسُولُ الله ﷺ أنه حذرنا من هذه البيوع، ونهانا عنها، وبيَّن ما يحل وما يحرم، وخَوَّفنا من الخبائث، وبيَّن ما يترتب عليها من الأضرار، وأمرنا بألَّا نأكل إلا الطيب، وألا نطعم إلا الطيب، وألا نلبس إلا الطيب، وألا نشرب إلا الطيب، وألا نقرب الخبيث، كما قال الله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 6900
ولذلك، نجد أنَّ هذا الدين هو أيسر الأديان، وأن الرسول ﷺ كما أخبرت السيدة عائشة ﵂: "مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا" (١)، وأن الرسول الله ﷺ قد نهانا عن الظلم، وحذرنا منه، وأنه ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ فِي ذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُون اللَّهِ حِجَابٌ" (٢).
فالظُّلْم لا يجوز شرعًا، لا بين المسلمين بعضهم البعض، ولا بين المسلمين وغيرهم؛ لأن اللهَ تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرمًا، وحرَّم التَّعدِّي، وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
إذًا، البيوع التي كان يتعامل بها العرب في الجاهلية ويتقلَّبون فيها، ويربحون منها، كان يسودها الجهل والغرر والغبن والتعدي والتسلُّط، وهذه أمورٌ قَدْ طَمسها الإسلام، وأزالها، ووضع بدلًا منها ما يعين المسلمين على أن تكون كَلمتُهُم واحدةً.
* قوله: (أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ وَلَا يَنْشُرَه، أَوْ يَبْتَاعَهُ لَيْلًا).
يَعْني (٣): أن يَشْتري الرجل قماشًا - مثلًا - بمجرد ملامسته، أو
стр. 6901
يشتريه ليلًا جاهلًا بصفته، فالكيفية التي اشتراه بها لا تبيِّن له جميع صفات القماش، وقد يكون للسلعة أوصاف معينة لا تختلف، لكن ربما تخزن السلعة، ويمرُّ عليها فترات طويلة فتؤثر في جودتها، لا سيما إن كانت الحرارة شديدةً، وربما تصيبها العتة، فهذا التخزين لا يضمن سلامتها.
لذا، لا بد من توخي الحذر عند شراء مثل هذه السلع بأن تقلَّب، وينظر فيها جيدًا حتى يكون المشتري على بَيِّنةٍ؟ لكي لا يشتريها على علاتها وعيوبها، ثم يرجع بها إلى البائع، وربما لا يقبل البائع ردَّها؛ لأنه قد يقول: سلَّمتك إياها وقد أعطاك الله تعالى عينين، فلماذا لم تنظر فيها جيدًا؟!
وليس المراد بكلمة "ليلًا" أن البيع في الليل لا يجوز، إنما القصد الظلمة؛ لأن مظنة الغبن والغش فيه أكثر، ولذا إذا وُجِدَ الضوء في الليل، فلا حرج في البيع والشراء، ولا فرق حِينَئذٍ بين بيع الليل، وبيع النهار، والنهي الوارد يخصُّ ما مضى من القرون؛ إذ كانوا يسعدون في الليالي البيض؛ لظهور ضوء القمر، أما الآن فالإضاءة متوفرة ليلًا.
والفقهاء ﵏ لم يتركوا شيئًا إلا تكلموا عنه؛ لذلك فصَّلوا في شراء الأعمى، هل هو نافذ أو لا، والصحيح أنه نافذ، لكن إن تبيَّن أنه غُبِنَ في أمرٍ له علاقةٌ بالنظر، فإنَّ له أن يعيدَ ذلك المبيع (١).
стр. 6902
وَهَذَا يدعونا إلى التفكُّر في نعمة النظر التي وهبنا الله إياها لنَسْتغلها في طاعة الله ، فننظر بها إلى الحلال لنهتدي إلى الطريق السويِّ، ونغض النظر إلى المحرم، ولا نتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وعليك الثانية (١)، وهكذا ما يتعلق ببقية الحواس وغيرها.
* قَوْله: (وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ).
لأنه نص، ولا خلاف فيه (٢).
* قوله: (وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ الجَهْلُ بِالصِّفَةِ).
ولتفادي هذه العلة لا بد من النظر في السلعة جيدًا بأن يُتَأكد من سلامتها من العيوب، ومن الأوصاف المطلوبة فيها.
* قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ المُنَابَذَةِ: فَكَانَ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ الثَّوْبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَ أَنَّ هَذَا بِهَذَا).
هذا أحد التفسيرات. والثَّانِي كأن يقول: أيُّ ثوبٍ أنبذُهُ إليك هُوَ علَيك بكذا (٣).
* قَوْله: (بَلْ كَانُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى الاتِّفَاقِ).
وذلك لعدم وجود قانونٍ وضابطٍ، أو شرعةٍ ونظامٍ يحكم تلك القضية، إنما كان السائد بينهم هو النظام القَبلي، وكان يَقُوم هذا النظام على أن الغَلَبة للقوي، فكانوا يتحاربون فيما بينهم، ويقتل بعضهم بعضًا،
стр. 6903
فإذا لم يَظْفروا بالعدو البعيد، ظفروا ببعضهم، فكانت تشبُّ بينهم الحروب لأتفه الأسباب، وَتَسيل الدماء، وتزهق الأرواح؛ وذلك لعَدم وجود نظامٍ إلهيٍّ سماويٍّ - غير الأنظمة القانونية - ينضمون تحت لوائه، ولذلك سادت بينهم كثير من المنكرات، ووقعوا في الشركيات، وتخلَّقوا ببعض الأخلاق الذميمة أيضًا نتيجة لعدم وجود نظام يضبطهم، ويسيرون تحت ظلِّه، لكن لما جاء الإسلام محا كلَّ ما قبله من نفايات الجاهلية؛ وجعل الدستور كتاب الله مصدقًا لما بين يديه، ومهيمنًا عليه، وانضم المسلمون تحت هذا اللواء، وجاءت سُنَّة مُحمَّدٍ ﷺ لتُبيِّن ما أُجْمل في هذا الكتاب: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وتأتي بأحكام لا تتعارض مع ما في الكتاب الكريم، فتِلْكُم من أعْظَم ما أنعم الله به علينا، وما أعظمها من نعمة!
ولذلك، امتنَّ علينا في آخر ما نزل: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ولم يَمُتْ رسول الله ﷺ إلا وقد أتمَّ الله به الدين، وأتمَّ النعمة، يقول تعالى في آخر الآيات نزولًا في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨].
فهذه من أجلِّ النعم التي ينبغي أن يُشكَر الله عليها أن جعلنا مسلمين، ووفقنا لهذا الدين، نسأله تعالى أن يميتنا على هذا الدين الحنيف، وأن يختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وأن يجعلنا من أهل (لا إله إلا الله) الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
* قَوْله: (وَأَمَّا بَيْعُ الحَصَاةِ: فَكَانَتْ صُورَتُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولَ المُشْتَرِي: أَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الحَصَاةُ الَّتِي أَرْمِي بِهَا، فَهُوَ لِي، وَقِيلَ
стр. 6904
أَيْضًا: إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا وَقَعَتِ الحَصَاةُ مِنْ يَدِي، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ (١)، وَهَذَا قِمَارٌ).
لا شك أن كل عاقل يدرك بلُبِّ قلبه، ينفر من هذه البيوع الفاسدة، فهذه البيوع تقوم على المغامرة، والمخاطرة، والجهالة، والغرر، والفساد؛ لذا لا تقبلها النفوس الزكية، والعقول النيرة.
وفرقٌ بين إنسان عاش في خضم الجاهلية، ثم تحول إلى العيش تحت رحمة الإسلام، وضرب الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ أروع الأمثلة للفرق بين الحالين، فكان في الجاهلية يصنع الصنم من التمر ليعبده، ثم إذا جاع أكله، ويحفر لابنته ليدفنها، وهي تزيل التراب عن لحيته، ثم بعد الإسلام تَحوَّل إلى عمر الفاروق ﵁، فلما اصطبغ بصبغة الإسلام، نزل القرآن مؤيدًا لرأيه في بعض المواقف ﵁، فانظر إلى فضائل الإسلام، وكيف أنه يصقل الرجال، ويغير أحوالهم!
وكان العقلاء في الجاهلية ينفرون من بعض الأمور المحرمة في الإسلام، فالخمر - مثلًا - قد حرَّمها الله على مراحل، لكن بعض عقلاء الجاهلية - كقيس بن عاصم - قد نفر من الخمر، وحَرَّمها على نفسه، وسبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران، وسب أبويها، ورأى القمر فتكلم بشيءٍ، وأعطى الخمر كثيرًا من ماله، فلما أفاق أخبر بذلك، فحرمها على نفسه، وقال في ذلك:
رَأَيْتُ الخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا … خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحَلِيمَا
فَلَا وَاللهِ أَشْرَبُهَا صَحِيحًا … وَلَا أَشْفِي بِهَا أَبَدًا سَقِيمَا
وَلَا أُعْطِي بِهَا ثَمَنًا حَيَاتِي … وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمَا
فَإِنَّ الخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا … وَتَجْنِيهِمْ بِهَا الأَمْرَ العَظِيمَا
فهؤلاء من أهل الجاهلية كانوا يدركون إذا فكروا، ولذلك كانوا
стр. 6905
يتعهَّدون ألَّا يَسْتمعوا القرآن، ثمَّ يَتَسلَّلون خفيةً، فيأتون فيستمعون أبا بكرٍ خفيةً، ويَكْشف بعضهم بعضًا؛ لأن القرآن يأخذ بألباب القلوب، ويستولي على النفوس، ويسيطر عليها، ويأخذ بمجامع السمع والعقل والفكر، ويُسَيطر على الحواس جميعًا، وذلك لأنه كلام الله ، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢].
لذا، نجد الله تعالى يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، ولذلك قال الوليد بن المغيرة في أول الأمر عندما استمع إلى تلاوة رسول الله ﷺ أوائل سورة فصلت: "واللّه، إنَّ لهُ لحلاوةً، وإنَّ عَليْه لطلاوةً، وإنَّ أعْلاهُ لمُثْمرٌ، وإنَّ أسْفلهُ لمُغْدقٌ، وإنَّه يَعْلو ولا يُعْلى علَيه، وَمَا يَقُولُ هَذا بشرٌ" (١).
• قَوْله: (وَأَمَّا بَيْعُ حَبَلِ الحَبَلَةِ، فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَانَتْ بُيُوعًا يُؤَجِّلُونَهَا إِلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ يَنْتِجُ مَا فِي بَطْنِهَا، وَالغَرَرُ مِنْ جِهَةِ الأَجَلِ فِي هَذَا بَيِّنٌ) (٢).
وهذا بيع ما لم يخلق، وما لم يوجد، لذا فهذه بيوعٌ غير مضمونة، لا يستطيع الإنسان أن يضمنها.
• قوله: (وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ بَيْعُ جَنِينِ النَّاقَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ المَضَامِينِ، وَالمَلَاقِيحِ. وَالمَضَامِينُ: هِيَ مَا فِي بُطُونِ الحَوَامِلِ. وَالمَلَاقِيحُ: مَا فِي ظُهُورِ الفُحُولِ).
وما ذكَره عكس بيع المضامين، فالمضامينُ بيعُ ما في أصلاب
стр. 6906
الفحول. والملاقيحُ: بيع ما في بطونها، هذا ما أعلمُهُ (١)، والظاهر حصولُ قلبٍ في الكتاب، ربما في كتبٍ مصححةٍ له.
• قَوْله: (فَهَذِهِ كُلُّهَا بُيُوعُ جَاهِلِيَّةٍ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ مِنْ تِلْكَ الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا).
ويكفي في تحريمها أنها تنسب إلى الجاهلية، فالجاهلية نسبة إلى الجهل، وهي مشتقة منه؛ وذلك لأن فيها جهالةً؛ فهم يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، كما قال أحدهم، فأَبْدَلهم الله بهذه الجهالة الدينَ الحنيفَ، فانظر إلى أولئك الأقوام الذين كانوا في الجاهلية الجهلاء، ثمَّ هُمُ الآن في نورٍ وبصيرةٍ يخدمون الإسلام (٢).
قَوْله: (وَأَمَّا بَيْعُ الثِّمَارِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَحَتَّى تُزْهِيَ" (٣)).
الحديث - كما هو معلوم - أشرنا إليه سابقًا، وقد أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" (٤)، كما أخرجه أيضًا أصحاب السُّنن (٥)، وأحمد وغيرهم (٦)، والحديث: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا".
стр. 6907
وَالحَديث الآخر: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ" (١).
وفي روايةٍ أخرى: "حَتَّى تُزْهِيَ" (٢)، وجاء تفسيرها، أي: تحمر أو تصفر.
ولقَدْ أشار المؤلف إلى أنه يختار جملةً من المسائل، ولا يَسْتقصي جميع المسائل، والحديث كما نعلم - أيها الإخوة - ينبغي أن نبيِّن معناه من حيث الألفاظ، وبعض مدلولاته دون أن نستقصي ذلك حتى لا نخرج عما يتعلق بخصائص الفقه، قوله: "نَهَى" الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد ما لم يدلَّ دليلٌ أو قرينة على خلاف ذلك، وقد ينتقل النهي من الفساد إلى الكراهة، وربما يكون للتنزيه (٣)، ولا شك أن النهي المراد في هذا الحديث يقتضي الفساد، لكن هذا ليس على إطلاقه، فالمسألة تحتاج إلى تفصيلٍ كما سيأتي.
• قوله: ("نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ")
الثِّمار (٤) جمع ثمرة، وربما تطلق الثمرة وتُصْرف إلى ثمر النخل بالدرجة الأولى، لأنه أكْثَرها في هذه البلاد، ولذلك جاء التنصيص عليه في بعض الأحاديث، والمراد به ما هو أعمُّ من ثمر النخل، فيدخل في ذلك العنب وبقيَّة الفواكه، ويدخل في ذلك أيضًا البقول والخضراوات.
стр. 6908
قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أي: يظهر صَلاحها، ولماهية ظهور صلاح الثمرة التي تجزئ في البيع أربعة أقوال:
القَوْل الأوَّل (١) من العلماء مَنْ قال: إن المراد من قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أي: يظهر صلاحها في بستانٍ في قطرٍ ما من هذا البلد، فبظهور الصلاح بهذا البستان يعتبر الصلاح في بقية بساتين البلد، وهو قول المالكيَّة، لكنهم يُقيِّدون باستمرارية النضج بمعنى: ألَّا ينقطع النضج، ووافقهم الليث بن سعدٍ في ذلك.
القَوْل الثَّانِي (٢) أن المراد من قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أيْ: يبدو في كُلِّ بستانٍ على حدة، مُعللين بأن لكلِّ بستان خصائصه ومميزاته، فإذا ما ظهر صلاح الثمر في هذا البستان، ولو في بعض شجره، كان ذلك علامةً لظهور صلاح بقية البستان، ويجزئ جميعه في البيع، وهو قولٌ للإمام أحمد.
القول الثالث: أن المراد من قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أي: يظهر صلاح الثمر في النوع الواحد من الشجر كالعنب مثلًا، أو النخل وهكذا، وهو قول الشافعي (٣).
القَوْل الرَّابع: أن المراد من قوله: "حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا"، أي: يظهر
стр. 6909
في كل شجرةٍ على حدةٍ، وليس شرطًا أن تثمر مرةً أخرى، وهذه روايةٌ أخرى للحنابلة (١).
وَبهذا نتبيَّن أن مسألة ظهور صلاح الثمرة مختلف فيها بين العلماء، وهو يدلُّ على كمال حكمة الله خلقه، وأنه إنما خلق كل شيءٍ بقدرٍ، وسخر كل شيءٍ في الكون، لتكون خدمةً للإنسان، فهذه الفواكه التي نتفكه بها، وهذه النخيل التي نأكل من رطبها، والعنب التي نمتصُّ، ونأكل من ثمرها، هل تنضج في آنٍ واحدٍ؟
الجواب: لا، بل ربما يبدأ النضج في نخلةٍ واحدةٍ ويستمر لمدة شهر في كل يوم يقتطف منها رطيبات وهكذا، وقد يستمر لأكثر من شهرٍ، وربما وُجِدَ بجوارها نخلة أخرى لَمْ يكن قد بدا فيها النضج كما بدا في الأخرى، وهذا كلُّه من حِكَمِ الله ولطفه وفضله أنْ جعلنا نتمتع بهذه الثمار وهذه الفواكه، وأن تطيب نفوسنا بها، وأن نتغذَّى بها، وتستمر معنا فترةً من الزمن حتى تنقضي رحلة الصيف، وَعُلِمَ أن باختلاف المناطق يختلف نضج الثمرات، فمثلًا: في المملكة نجد أن الرطب والعنب يبدوان أوَّلًا في المدينة، ثم بعدها بشهر يبدأ في منطقة الرياض، ثم بعدها بشهرٍ في منطقة القصيم، وهذا التنوُّع أيضًا يمدد الاستفادة من هذه الثمار.
إذًا، فضل الله علينا ونعمه كثيرة ومتكررة، لكن علينا أن ندركها، وأن نشكرها غاية الشكر حتى يزيدنا الله نعيمًا وفضلًا.
هذا ما يتعلق بالحديث، والله أعلم، وسيأتي الكلام أيضًا في حكم بيع الثمار قبل بدو صلاحها.
وعلة نَهْي الرسول ﷺ عن بيع الثمار حتى تزهي، أو تزهو، أو حتى
стр. 6910
يبدو صلاحها، أو حتى تحمر أو تصفر - وكل الألفاظ معانيها متقاربة - سدًّا لأبواب النزاع والخصام والخلاف بين المؤمنين، وسيأتي حديث زيد بن ثابت يبين السبب في ذلك.
• قوله: (وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ نَذْكرُ مِنْهَا نَحْنُ عُيُونَهَا).
عين الشيء (١): وَاجِهتُهُ وأهمُّه، ومنه عيون المسائل، أي: أمهات المسائل وأهمها وكبرياتها، ويريد المؤلف ﵀ أن يذكر المسائل الهامة البارزة الواضحة التي تستنبط من أحاديث رسول الله ﷺ ، وقد أشرنا إلى شيءٍ منها من قبل.
• قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّقَ أَوْ بَعْدَ أَنْ تُخَلَّقَ).
تختلف الثمار في صفة نضجها كما هو الحال في النخل "حتى تحمر"، أو "تصفر"، كما جاء في الحديث، وفي العنب "حتى تسود"، وليس ذلك في جميع أنواع العنب كما ذكرنا، فالعنب الأبيض نضجه بتموُّهه، أي: بتكون الماء فيه، وظهور حلاوته (٢)، وفي البطيخ حتى يحمر، وتبدو فيه الحلاوة (٣)، وكذلك الخربز (٤)، وبعض أنواعه لا يكون
стр. 6911
أحمر، وإنما يكون أصفر أو أبيض، وهناك علامات يعرفها أهل الخبرة لكل نوع من أنواع الثمار.
ومن الثمار والنباتات ما لا يعلو على سطح الأرض، مثل: البصل والثوم والجزر؛ فلا يجوز بيعها حال اختفاء رؤوسها في الأرض على قول جمهور العلماء، وهم: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) ويعدُّون بيعها من بيع الغرر.
وقد نهى الرسول ﷺ عن بيع الغرر، والقياس على الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فقالوا: هذا قياس مع وجود فارق؛ لأن الثمرة وإن لم يبدو صلاحها لكن صلاحها متتابع.
أما المالكيَّة، فيُجيزُونَ ذلك، ويرون أن الحاجة تدعو إليه، ويقولون: لا فرق بينه وبين بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها (٤).
• قَوْله: (ثُمَّ إِذَا خُلِّقَتْ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الصِّرَامِ أَوْ قَبْلَهُ).
стр. 6912
"الصِّرَام" لغةً (١): هو الجذاذ من صَرَمَ الشَّيءَ، أي: قَطَعَه، وَصَرَمَ الرَّجُلَ، أي: قَطْعَ كَلَامَه، وَصَرَمَ النَّخْلَ، أي: جَدَّهُ بالدال المهملة، أو جذَّه بالذال المعجمة (٢)، يقال: جذ النخل، وبدأ في جذاذ النخل حين يستوي ثمره (٣)، ولا يختص بالنخل وحده، لكنه يطلق على النخل أكثر تغليبًا.
والمراد به (٤): قطع الثمرة من أصولها، يعني: فَصَلها عن أصلها بعد نضجها.
ومقصود المؤلف ﵀ أن بيع الثمرة إذا خُلِّقت إما أن يكون قبل جذها أو بعده، وإما أن يكون قد بدا صلاحها أو لم يبدُ.
• قوله: (ثُمَّ إِذَا كَانَ قَبْلَ الصِّرَامِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ أَوْ بَعْدَ أَنْ تُزْهِيَ).
مقصوده: أن بيع الثمرة قبل جذها لا يخرج من أن يكون قبل نضجها أو بعده.
• قوله: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا مُطْلَقًا، أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، أَوْ بِشَرْطِ القَطْعِ).
بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لا يخلو من:
الأوَّل: أن تباع بشرط القطع.
الثَّاني: أن وتباع بشرط التبقية، أو الترك.
стр. 6913
الثَّالث: أن تباع بغير شرط مطلقًا.
وتفرع على ذلك اختلاف العلماء في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها على أقوالٍ:
الأوَّل: المنع مطلقًا، وقد ذهب إلى ذلك بعض العلماء، كابن أبي ليلى من التابعين، والثوري من الفقهاء (١).
الثاني: إنْ كان بشرط القطع جاز عند جمهور العلماء، ومنهم: الأئمة الثلاثة: مالك (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤)، ووافقهم أبو حنيفة في هذا الرأي، ويجب القطع للحال إلا بإذن البائع (٥).
الثالث: إنْ كان بشرط الترك، فالعقد فاسد باتفاق العلماء (٦)، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين، وهو المشتري، ولا يلائم العقد، ولا جرى به التعامل بين الناس.
стр. 6914
الرَّابع: إنْ كان البيع مطلقًا عن الشرط، جاز عند الحنفية (١)، ومنعه الشافعية (٢) والمالكية (٣) وأحمد (٤)، فاعتبروا ذلك داخلًا في المنع، أي: في التبقية، ورد أبو حنيفة ذلك إلى القطع؛ لأن الترك ليس بمشروطٍ نصًّا، إذ العقد مطلق عن الشرط أصلًا، فلا يجوز تقييده بشرط الترك من غير دليلٍ، خصوصًا إذا كان في التقييد فساد العقد.
الخامس: الجواز مطلقًا، وقال به بعضهم كابن أبي حبيب (٥).
قَال المصنف رحمه الله تعالى:
(أَمَّا القِسْمُ الأَوَّل، وَهُوَ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّقَ
فَجَمِيعُ العُلَمَاءِ مُطْبِقُونَ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ).
وهذا لا خلاف في منعه (٦)؛ لأنه من بيع الغرر، ومن باب بيع السنين والمعاومة، وقد ورد النهي عن هذين البيعين.
стр. 6915
• قوله: (لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَمِنْ بَابِ بَيْعِ السِّنِينَ وَالمُعَاوَمَةِ).
وقد مر تعريف بيع السنين، وبيع المعاومة، وذكرنا اختلافهم في تعيين المقصود من بيع حَبَل الحَبَلة، وهو نتاج نتاج الناقة (١).
• قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وَعَنْ بَيْعِ المُعَاوَمَةِ" (٢)، وَهِيَ بَيْعُ الشَّجَرِ أَعْوَامًا).
وقد مرَّ الحديث عنه سابقًا، وها هو المؤلف قد ذكره.
• قَوْله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (٣)، وَابْنِ الزُّبَيْرِ (٤) أَنَّهُمَا كَانَا يُجِيزَانِ بَيْعَ الثِّمَارِ سِنِينَ، وَأَمَّا بَيْعُهَا بَعْدَ الصِّرَامِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ (٥)).
стр. 6916
يقال: صرم النخل أي: جذَّه يعني: جاء عليه جميعًا فقطعه من أصله، وقد مر تعريفه مفصلًا (١).
• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُهَا بَعْدَ أَنْ خُلِّقَتْ: فَأَكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي نَذْكُرُهُ).
بل بعضهم حكى الإجماع (٢)، وقد فصلنا - كما مرَّ - الخلاف في ذلك، ونقول:
أوَّلًا: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ إما أن يكون بشرط القطع، فهذا لا خلاف في جوازه بين العلماء إلا ما حكي عن ابن أبي ليلى والثوري (٣).
ثانيًا: بيعها بشرط التبقية، وهذا لا يجوز باتفاق العلماء؛ كما قال الرسول ﷺ : "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ" (٤)، فإذا جاءت الجائحة، ونزلت بهذه الثمرة، فلا شك أن المشتري سيتضرر، وذلك بضياع حقه وماله الذي دفعه، ويكون البائع بذلك آكلًا مال غيره بالباطل، ويكون المشتري سببًا في إعانة البائع على أن يأكل حق غيره بالباطل، ولذلك أراد رسول الله ﷺ لّا أن يسد هذا الباب، وأن يرشد المسلمين إلى ما فيه صلاحهم، ألا وهو أن يتبايعوا الثمار بعد بدو الصلاح، وبدو الصلاح يندر أن تحصل فيه آفةٌ، وإن حصلت آفةٌ - مع قلته - فهي لا تحصل في جميع الثمار.
والرَّسُول ﷺ قد بيَّن للناس ما فيه الخير لهم، وأرشدهم إلى الأصلح
стр. 6917
والأنفع لهم، وما يرفع النزاع والخصومات بينهم، لأنه كما سيأتي في تفصيل حديث زيد بن ثابت أنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاس، وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ، قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَان، أَصَابَهُ مُرَاضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ، عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ: "فَإِمَّا لا، فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ" (١).
• قَوْله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢)، وَعَنْ عِكْرِمَةَ (٣) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ الصِّرَامِ (٤)).
وهذا قول ضعيف يتعارض مع الأحاديث.
قوله: (فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الجُمْهُورِ: إِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الصِّرَامِ (٥)).
قول الجمهور على أنه يجوز قبل الصرام، وأبو حنيفة يوافقهم في شطرٍ من قولهم، ولخالفهم في الشطر الآخر؛ فأبو حنيفة (٦) مع الأئمة الثلاثة مالك (٧)
стр. 6918
والشافعي (١) وأحمد (٢) في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، لكن اختلف مع الجمهور إذا بيعت الثمرة قبل بُدوِّ الصلاح مطلقًا بغير شرط، فالجمهور يقول بعدم الجواز (٣)، وأبو حنيفة يجوزه (٤).
وردَّ أبو حنيفة ذلك إلى القيد بشرط القطع، والجمهور يقولون: لا يجوز الإطلاق في هذا المقام، فيردونه إلى المنع إلى ما يكون فيه التبقية.
ولا شك أن مذهب الجمهور أحوط، ويؤيده الحديث: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ" (٥)، وقوله ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (٦).
• قوله: (فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ بَعْدَ أَنْ تُزْهِيَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ، وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا مُطْلَقًا، أَوْ بَيْعًا بِشَرْطِ القَطْعِ، أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ بِشَرْطِ القَطْعِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ).
стр. 6919
وقد مرَّ تعريف الزهو أو: "تزهي".
• قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ).
وقد فَصَّلنا المسألة فيما سبق.
• قوله: (وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ).
لعدم قيامها على دليل منطوق أو مفهوم.
• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ جَوَازِهِ تَخْرِيجًا عَلَى المَذْهَبِ (١)).
وعلة عدم الجواز - كما مر - أن رسول الله ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا" (٢)، وقال: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ" (٣).
قوله: (وَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ مُطْلَقًا).
أي: قبل بدو صلاحها ونضجها بغير شرط، وهذا المختلف فيه بين الجمهور وأبي حنيفة، وقد أورد المؤلف الأقوالَ مختلطةً، وقد بيَّنَّاها مفصلةً فيما سبق.
• قَوْله: (فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ، فَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَاللَّيْث، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ (٤)).
ويعلم من استثنائه الإمام أحمد من جملة جمهور الفقهاء أن ابن رشد
стр. 6920
كان يعدُّ الإمام أحمد من الفقهاء، وبهذا يردُّ على مَنْ يقولون: إن ابن رشد عندما يترك ذكر الإمام أحمد لا يعده من الفقهاء.
هذا، وقد نبهنا على هذه المسألة كثيرًا في أوائل الكتاب، وبيَّنَّا أن ابن رشد إنما يعول في نقل المذاهب على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، فإن ذُكِرَ أحمد ذكره، وإلا فلا.
ومذهب الإمام أحمد لم يكن مشتهرًا في بلاد الأندلس، والمؤلف من تلك البلاد، فهو غير مُلمٍّ بمذهب الإمام كثيرًا، ولذلك قال: "فقهاء الأمصار"، فذكر من بينهم الإمام أحمد.
ومَنْ يدَّعي أن الإمام أحمد لم يذكره الإمامُ الطبري في كتابه: "اختلاف الفقهاء"، أو الإمام ابن عبد البر، فهو كلام مردود، لأن عدم ذِكْرِهِ ليس دليلًا على أنهم لا يعدونه فقيهًا، وإنما الصحيح أن مَنْ لم يذكره في كتابه في جملة الفقهاء:
* إما لأن مسائله لم تشتهر عندهم.
* أو لأن الإمام أحمد عُرف أكثر من غيره من الأئمة بالأحاديث، فغالبًا تأتي آراؤه مقترنةً بالأحاديث.
وَمَسائلُ الإمام أحمد مسائلُ كثيرةٌ دُوِّنت في كتب عديدة، وظهر منها جملة، ومَنْ يريد أن يتعمق في مذهب الإمام أحمد، فليرجع إلى أجلِّ وأنفع كتاب للفقهاء في هذا المذهب، ألا وهو كتاب "المغني" لابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى.
• قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ عِنْدَهُ فِيهِ القَطْعُ لَا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بَيْعُ مَا لَمْ يَرَه، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ عِنْدَهُ فِي بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ).
ولَيْس معنى هذا - على قول أبي حنيفة - أن هذا البيع من بيع ما لم يره، لكنه يعتبر أن البيع المطلق يرَدُّ إلى المقيد بشرط القطع، وبذلك يرجع
стр. 6921
إلى مذهب الجمهور، وبعض أصحابه خالفوه في هذه المسألة، واتفقوا مع جمهور الفقهاء (١).
قوله: (أَمَّا دَلِيلُ الجُمْهُورِ عَلَى مَنْع بَيْعِهَا مُطْلَقًا قَبْلَ الزَّهْوِ، فَالحَدِيثُ الثَّابِتُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"، نَهَى البَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ (٢)).
وضع المؤلف ﵀ مصطلحًا للكتاب، لكنه لم يلتزم به، فمنها أنه إذا قال: "الحديث المشهور"، قصد به المتفق عليه، وإذا قال: "الثابت"، قصد به ما خرَّجه البخاري أو مسلم، يعني: ما خرَّجه أحدهما على انفراد.
ويؤخذ على منهج المؤلف أن هذا الحديث الذي أورده متفق عليه، فكان عليه أن يقول: حديث مشهور أو متفق عليه لا أنه ثابت.
وقَدْ خرَّج الحديث البخاري ومسلم في "صحيحَيْهما" رحمهما الله تعالى، وهو على مصطلح المؤلف - كما مرَّ - حديث مشهور، ولكن على الدارج المعروف في علم مصطلح الحديث أنه حديث متفق عليه.
والحديث المتفق عليه يختصر الطريق على طالب العلم، فلا يحتاج إلى البحث عن سنده، فكل ما في "الصَّحيحَيْن" حديث صحيح، وإذا اجتمعا في حديث من الأحاديث، فذلك يزيده قوةً وثباتًا.
قوله: (فَعُلِمَ أَنَّ مَا بَعْدَ الغَايَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الغَايَةِ).
"حتى" تدلُّ على الغاية، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالغاية في الأكل
стр. 6922
حتى يظهر الفجر الصادق، إذًا، هناك غاية ومغيًّا، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقد فصلنا الكلام في مسألة دخول ما بعد الغاية في المغيَّا في أبواب الوضوء والطهارة، فليرجع إليه.
أما النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، أي: أنَّ بيعها قبل ظهور صلاحها ونضجها لا يجوز، لأن الغاية هي ظهور صلاحها.
قوله: (وَأَنَّ هَذَا النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ البَيْعَ المُطْلَقَ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَلَمَّا ظَهَرَ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ المَعْنَى فِي هَذَا خَوْفُ مَا يُصِيبُ الثِّمَارَ مِنَ الجَائِحَةَ غَالِبًا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ، لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ الزَّهْوِ: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (١)).
وهذا يُظْهِرُ ما في هذه الشريعة من الرحمة والعناية بأمور الناس، وحرصها ألَّا يضيع حق واحد بيد آخر، ولذلك قال النبي ﷺ : "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَع اللَّهُ الثَّمَرَةَ"، لا يحصل شيء إلا بإرادة الله وبقدرته، فإذا ما نزلت آفة من السماء كأمطارٍ غزيرةٍ فأثَّرت على الثمار، أو رياح عاتية، أو جائحة من الجوائح - والمراد بالجائحة، أي (٢): التي تخرج عن قدرة الإنسان - كحريق أو غيره، ثم قال النبي ﷺ : "فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"؟ (٣).
فبين الرسول ﷺ العلة في المنع، وهي الضرر الواقع على المشتري، فكيف يأكل البائع مال أخيه ولمَّا يستفد بهذه الثمرة التي اشتراها.
وقد يقول قائلٌ: قد تضرر البائع أيضًا؟!
стр. 6923
نقول: إن البائع قد حبس الأصل له، فلو ضاعت عنه هذه الثمرة، فالأصول باقية، وسيعوضه الله تعالى في المستقبل، وهذا معروف، فكَمْ من المزارعين قد خسروا في زراعة القمح أو النخل أو الفواكه أو الخضار وغيرها، لكن الله يُعوِّضهم على ذلك، وبخاصَّة إذا رجع الإنسان إلى الله واعتقد بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن كل ما ينزل بالمرء المسلم في هذه الحياة إنما هو بإرادة الله وقدرته (١)، وأن مَنْ صَبَر، فإن الله يثيبه ويجازيه على صبره، وقد يُعجِّل له الجزاء في هذه الحياة الدنيا، وربما يؤجل له الجزاء في الآخرة، فيكون أعظم وأنفع له في الدار الآخرة.
• قوله: (لَمْ يَحْمِلِ العُلَمَاءُ النَّهْيَ فِي هَذَا عَلَى الإِطْلَاقِ، أَعْنِي: النَّهْيَ عَنِ البَيْعِ قَبْلَ الإِزْهَاءِ، بَلْ رَأَى أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ هُوَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إِلَى الإِزْهَاءِ، فَأَجَازُوا بَيْعَهَا قَبْلَ الإِزْهَاءِ بِشَرْطِ القَطْعِ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَرَدَ البَيْعُ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الحَالِ).
عَادَ المُؤلِّف مرةً أخرى إلى قضية بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها مطلقًا بغير شرطٍ، والخلاف بين أبي حنيفة والجمهور، فالجمهور يمنعون، وأبو حنيفة يجيز (٢)، ولكلٍّ وجهةٌ يتمسك بها، وقد مر تفصيل المسألة.
стр. 6924
تنبيه: يحتاج الكتاب دائمًا إلى توضيح أكثر، لأنه ربما يكرر بعض العبارات، وربما يذكر طرفًا من المسألة، فيدخل فيها مسألةً أخرى، ثم يعود إليها مرةً أخرى.
• قوله: (هَلْ يُحْمَلُ عَلَى القَطْعِ وَهُوَ الجَائِزُ، أَوْ عَلَى التَّبْقِيَةِ المَمْنُوعَةِ؟ فَمَنْ حَمَلَ الإِطْلَاقَ عَلَى التَّبْقِيَةِ، أَوْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ يَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِهِ قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى القَطْعِ قَالَ: يَجُوز، وَالمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الإِطْلَاقَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّبْقِيَةِ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى القَطْعِ).
وَالمُؤلِّف مترددٌ بين أن يحمل هذا الإطلاق على التبقية أو القطع، وحمله على التبقية أوْلَى، فيمنع كالتبقية، وهذا هو الأحوط، وهو الذي أخذ به الجمهور، وحجتهم حديث: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"؟ (١).
• قوله: (وَأَمَّا الكُوفِيُّونَ).
يقصد المؤلف ﵀ بالكوفيين: أبا حنيفة ومَنْ معه، فأبو حنيفة - كما هو معلوم - يقيم بالكوفة (٢)، ومالك بالمدينة (٣)، والشافعي ﵀ تنقَّل حتى ألقى عصا التسيار في مصر، فكان بالعراق فترةً، ثم انتقل إلى مكة، ثم فلسطين إلى أن قضى آخر حياته - رحمه الله تعالى - في مصر، فلذلك دون فقهه الجديد بمصر، وهذا ما يُعْرف بمذهب الشافعي الجديد (٤).
وأما الإمام أحمد، فقدم ببغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت التي كانت تُعْرف بدار السلام (٥)، وَلَكن الأئمة كانوا يتنقَّلون
стр. 6925
رحمهم الله تعالى؛ فالإمام أبو حنيفة مثلًا بدأ أوَّلًا بالاشتغال بعلم الكلام (بالتوحيد)، وكان يتردد بين الكوفة والبصرة، وكان ينازل فرق المعتزلة، ويدافع عن الإسلام، وعن عقيدة التوحيد، وكان يتغلب عليهم قبل أن يتحوَّل إلى الفقه، أما الإمام مالك ﵀ فقد اشتهر ببقائه بالمدينة (طيبة الطيبة).
• قَوْله: (فَحُجَّتُهُمْ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ مُطْلَقًا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا المُبْتَاعُ" (١)).
"قَدْ أُبِّرَتْ"، يعني: لُقِّحت، وتلقيح النخل، أي: أدخل فيها طلع الذَّكر لتُثْمِر، وهو التأبير المذكور (٢).
وفي النص دليل على أن هناك فرقًا بين بيع الثمر وحده، وبين بيع الثمر مع الأصل، فلو أن شخصًا باع ثمر نخل قبل بدو صلاحه مع النخل، فجائز، ودليله هذا الحديث (٣).
стр. 6926
قَوْله: (قَالُوا: فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاع، جَازَ بَيْعُهُ مُفْرَدًا، وَحَمَلُوا الحَدِيثَ الوَارِدَ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ عَلَى النَّدْبِ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ).
وما نَبَّهتُ عليه آنفًا، سيَذْكره المؤلف في قصة منع رسول الله ﷺ بيع الثمار قبل بُدُو صلاحها.
وزيد بن ثابت هو الصحابي المعروف الذي أشاد به رسول الله ﷺ في مواضعَ كثيرة (١).
• قَوْله: (قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ).
"جَدَّ النَّاسُ" بالمعجمة مفتوحة، ودال، أي: قطعوا ثمر النخل (٢).
• قوله: (قَالَ المُبْتَاعُ:)
أي: المشتري.
• قوله: (أَصَابَ الثَّمَرَ الزَّمَانُ).
ليس "الزمان"، بل "الدُّمَانُ" بدال مشددة تضم وتفتح، فيقال: الدَّمانُ والدُّمان، يعني: عاهة تصيب النخلة، فتؤدي إلى تَعفُّنها، أو عفن يصيب النخل فيسوَدُّ ثمره، أو يتعفن طلعها، فينتهي إلى تعفن الثمرة (٣).
стр. 6927
قوله: (أَصَابَهُ مَا أَضَرَّ بِهِ قُشَامٌ وَمُرَاضٌ لِعَاهَاتٍ يَذْكُرُونَهَا).
"المُرَاضُ" بضم الميم، وبعد الراء المخففة ألف، ثم ضاد معجمة بوزن الصُّداع: اسم لجميع الأمراض، وهو داء يقع في الثمر فيهلك، وفي لفظ البخاري: "المرض"، وهو ما يصيب الثمرة من الآفات كالعاهات والعيوب (١).
و"القُشَام" بضم القاف وتخفيف الشين المعجمة، أي: انتفض قبل أن يصير ما عليه بُسْرًا، أو شيء يصيبه حتى لا يرطب. وقيل: هو مرض يمنع البلح من أن يترطب، أي: يحول بين ثمرة النخلة أن تكون رطبًا، ويسميه العوام: نوعًا من الحصرمة (٢).
إذًا، هذه أمراض معروفة، أما الآن بعد تقدم الطب، وتتبع ذلك، بدؤوا بتشخيص هذه الأمراض إلى أن ظهرت - كما يقولون - ما يعرف بسوسة النخل وغيرها.
وأهل الخبرة في ذلك - قبل الطب الحديث - كانت لهم معرفة ودراية بعلاج مثل هذه الأمراض، فيضعون فيها أشياء أحيانًا، أو يحرقون النخلة أو جزءًا منها، وهذه أمور يعرفها أهل الخبرة في ذلك.
• قوله: (فَلَمَّا كثُرَتْ خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ قَالَ كالمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا عَلَيْهِمْ).
كثرت الخصومة والجدال في ذلك، والرسول ﷺ يريد أن تبقى نفوس المسلمين دائمًا طيبةً خاليةً من الحسد، خاليةً من الحقد، وما يدفع إلى النفرة، فأراد ﷺ أن يباعد بينهم وبين النزاع والخصام في مثل هذه الأمور، فأرشدهم إلى أمرٍ يغلق هذا الباب ويسده، ويجعلهم أيضًا أبعد ما
стр. 6928
يكون عن ذلك؛ لأن الإنسان - مهما علا قدره - قد جُبِلَ على حب المال، فإذا هلك ماله في سلعةٍ من السلع، فلا شكَّ أنه سيتأثر، وربما يَحْمل في نفسه غِلًّا على أخيه، فأراد الرسول ﷺ أن يباعد بينهم وبين الغل، وأن تبقى نفوسهم صافيةً خاليةً من كل الشوائب.
• قوله: ("لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا").
قال بعضهم: هذا في أول الأمر، ولكن الرسول ﷺ أكَّد النهي، فكان نهيًا جازمًا يدل على تحريم ذلك قطعًا، ولذلك لم يخالف في بيع الثمر قبل القطع إلا ابن أبي حبيب (١).
• قَوْله: (وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ المَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: "حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ"، هُوَ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (٢)).
يَقُولُ بعض الناس: إن الشريعة الإسلامية إنما هي جزئيات الفقه الإسلامي، ولا نجد رابطةً تربط بينهما، لكننا نجد أن القانون الوضعي وضع النظريات الكبرى، وأَسَّس القواعد العظيمة؛ ولذلك سهل علينا فهمه وإدراكه.
ويرَدُّ عليهم بأن الفقه الإسلامي قد سبقهم في كل ما يدعون، وأن ما وضع في هذا الأمر إنما هو مستفادٌ أوَّلًا مما في الفقه الإسلامي، وأن الفقه الإسلامي مليءٌ بالنظريات.
ويقولون: إن نظرية الجوائح موجودة في القانون الوضعي، وغير موجودة في الشريعة، وها هو حديث رسول الله ﷺ ينطق بذلك ويبينه: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ "، فهل هناك قاعدة أعظم من هذه القاعدة؟ وهل هناك توجيه أعظم من هذا التوجيه؟
стр. 6929
وهل هناك إرشاد أقوى وأكثر تأثيرًا من هذا التوجيه الذي صدر عن رسول الله ﷺ ؟ وهو يتضمن الإنكار.
إذن، وضع لنا رسول ﷺ قاعدةً عظيمةً في منع الجوائح أو رفعها.
• قوله: (وَقَدْ كَانَ يجِبُ عَلَى مَنْ قَالَ مِنَ الكُوفِيِّينَ بِهَذَا القَوْلِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ بَيْعِ الثِّمَارِ القَطْعَ أَنْ يُجِيزَ بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ).
لأن الحنفية في ذلك خلاف أبي حنيفة، فلهم رأيان في تلك المسألة، فينبغي على هذا القول أن يجيزوا بيعَ الثمر بشرط التبقية، وإلا ليثبتوا في قولهم مع الجمهور، وهذا هو مُرَاد المؤلف ﵀.
ومن مزايا ابن رشد ﵀ في هذا الكتاب أنه يناقش المسائل، ولا يتأثر لأي قولٍ، فهو مع الدليل أينما ذهب، وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يسلكه كل مسلم.
• قَوْله: (فَالجُمْهُورُ يَحْمِلُونَ جَوَازَ بَيْعِ الثِّمَارِ بِالشَّرْطِ قَبْلَ الإِزْهَاءِ عَلَى الخُصُوصِ، أَعْنِي: إِذَا بِيعَ الثَّمَرُ مَعَ الأَصْلِ (١)).
مُرَاد المؤلف ﵀ أنه إذا بيع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط التبقية مع الأصل (النخلة نفسها) على الإطلاق، فهذا جائزٌ عند الجمهور.
• قوله: (وَأَمَّا شِرَاءُ الثَّمَرِ مُطْلَقًا بَعْدَ الزَّهْوِ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَالإِطْلَاقُ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ .. " الحَدِيثَ).
أيْ: يجوز شراء النخل بعد بدو صلاح ثمره، وتركه لصاحب البستان
стр. 6930
ليتفكه منها، أي: يأكل من ثمرها هو وأولاده، وهذا حاصلٌ وكثيرٌ من الناس يسلكونه، والأصل معروف أنه محبس للبائع.
• قَوْله: (وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّ الجَوَائِحَ إِنَّمَا تَطْرَأُ فِي الأكثَرِ عَلَى الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَمَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَلَا تَظْهَرُ إِلَّا قَلِيلًا).
نعم، كَمَا ذكر المؤلف ﵀؛ لأن الجوائح التي تطرأ على الثمرة غالبًا ما تطرأ عليها قبل ظهور صلاحها.
والجوائح - كما هو معروفٌ - إنما هي الآفات والأمراض التي تصيب النخل والثمر (١).
• قوله: (وَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي المَبِيعِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ جَائِحَةٌ تُتَوَقَّع، وَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلًا) (٢).
لا شك أن قول المؤلف جيد جدًّا، لكن ينتابه نوعٌ من الغموض.
• قوله: (وَأَمَّا الحَنَفِيَّة، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الثَّمَرِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَالإِطْلَاقُ عِنْدَهُمْ - كمَا قُلْنَا - مَحْمُولٌ عَلَى القَطْعِ، وَهُوَ خِلَافُ مَفْهُومِ الحَدِيثِ).
يُكرِّر المؤلف بعض المسائل، وهذا التكرار لا ينبغي حتى لا يلتبس على طالب العلم.
• قوله: (وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ نَفْسَ بَيْعِ الشَّيءِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَه، وَإِلَّا لَحِقَهُ الغَرَرُ).
أي: أن حجة الحنفية في صرف بيع الثمرة قبل بدو صلاحها على
стр. 6931
الإطلاق بدون شرط إلى البيع بشرط القطع أن نفس البيع يقتضي التسليمَ، والتسليمُ لا بد فيه من القطع.
• قوله: (وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَاعَ الأعْيَانُ إِلَى أَجَلٍ (١). وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ الأَعْيَان إِلَى أَجَلٍ، لِكَوْن الثَّمَرِ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَيْبَسَ كُلُّهُ دُفْعَةً) (٢).
الأعيان جمع عينٍ، والمراد بها: بيع النقدين، والقصد: كل ما يُشْتَرط فيه التقابض.
وكل الأعيان - من السلع - لا تُباع إلى أجلٍ إلا بيع الثمار، واستثناه الجمهور منها، لأن لها وقتًا محددًا، كما سيأتي أن علامة بدو الثمر هو ظهور الثريا (النجم المعروف) صباحًا، وسيأتي ذكره في حديثٍ.
• قوله: (فَالكُوفِيُّونَ خَالَفُوا الجُمْهُورَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ).
خالف الكوفيون (الحنفية) الجمهورَ في بيع الثمار قبل أن تزهي عند الإطلاق، وَوَافقوهم في بيع الثمار بشرط القطع (٣).
стр. 6932
تنبيهٌ: توجد قضيتان في هذه المسألة:
الأولى: قضيَّة بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها بشرط القطع، والحنفية لا تخالف الجمهور في جوازه.
الثَّانية: قضية بيع الثمرة مطلقًا من غير شرط، فالجمهور يمنعون ذلك، والحنفية يجيزونه، لكنهم مع إجازتهم يردُّون ذلك إلى البيع بشرط القطع، فالقطع يعتبر أصلًا في مذهبهم، لذا قالوا: لا نرى فرقًا بين بيعها بشرط القطع وبيعها مطلقًا؛ فالإطلاق يرد إلى القطع، فقد أسَّسوا هذه القاعدة، واعتبروها أصلًا في مذهبهم.
قَوْله: (وَالثَّانِي: فِي مَنْعِ تَبْقِيَتِهَا بِالشَّرْطِ بَعْدَ الإِزْهَاءِ، أَوْ بِمُطْلَقِ العَقْدِ، وَخِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الأَوَّلِ أَقْوَى مِنْ خِلَافِهِمْ فِي المَوْضِعِ الثَّانِي، أَعْنِي: فِي شَرْطِ القَطْعِ وَإِنْ أُزْهِيَ، وَإِنَّمَا كَانَ خِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الأوَّلِ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ (١)).
أي: إبقاء الثمر.
• قَوْله: (وَأَمَّا بُدُوُّ الصَّلَاحِ الَّذِي جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْعَ بَعْدَه، فَهُوَ أَنْ يَصْفَرَّ فِيهِ البُسْر، وَيَسْوَدَّ فِيهِ العِنَبُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَسْوَدُّ).
بُدُو صلاح البسر عند احمراره أو اصفراره، فلا يخرج النخل عن هذين الوصفين؛ إما أن يكون بسرُهُ أصفر أو أحمر.
أما العنب ففيه ما يسود، وفيه ما يبيض، ومنه ما يبقى أحمر، ومنه ما يتموَّه، وبقية الفواكه لا بد أن تكون ناضجةً، وما لا يظهر فيه نضجٌ لقسوته، فلا بد أن يكون صالحًا للأكل كبعض أنواع الخيار، والقثاء،
стр. 6933
وقِسْ على ذلك (١).
• قوله: (وَبِالجُمْلَةِ أَنْ تَظْهَرَ فِي الثَّمَرِ صِفَةُ الطِّيبِ، هَذَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الأمْصَارِ).
"صفة الطيب"، أي: أن يكون صالحًا للأكل كما مر، وقد تختلف ثمرة الشجرة الواحدة في الطعم واللون، فقد يوجد بُسْرٌ صالحٌ للأكل، وبسر آخر - بعد ظهور صلاحه للأكل - من نفس النخلة لا يؤكل؛ لمرارته. وهَذا الاختلاف في الألوان والمذاق من حكمة الله حتى النوع الواحد من الثمار من شجرةٍ واحدةٍ ليختلف مذاقُه، كما قال تعالى: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]، وهذه الأصناف المتعددة والأنواع المختلفة من حكمة الله ، ومن لطفه بعباده.
• قوله: (لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ "أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: "حَتَّى يُزْهِيَ"، فَقَالَ: حَتَّى يَحْمَرَّ" (٢)).
стр. 6934
وَالحَديث في "صحيح البخاري"، فلم يَرْوه مالك فقط، وفي بعض الروايات: "يَحْمَرَّ" (١)، وفي بعضها: "يَحْمَارُّ وَيَصْفَارُّ" (٢)، وبعض العلماء لم يفرق في المعنى بين "يحمر ويصفر"، و"يحمار ويصفار"، وبعضهم فرق بينهما بأن "يحمار ويصفار" صيغة مبالغة؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فتكون أبلغ في الاحمرار والاصفرار، بمعنى: أنه قارب أن يكون رطبًا (٣).
• قوله: (وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَالحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ").
حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن وأحمد إلا النسائي، يعني: أخرجه أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وابن ماجه (٦)، والإمام أحمد في "مسنده" (٧)، فيجوز بيع العنب حتى يسود، والحب حتى يشتد، وفي بعض الروايات: "والحب حتى يبيض" (٨).
стр. 6935
• قَوْله: (وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْه).
في رواية مالكٍ، وكذلك البخاري أيضًا (١)، وكثيرًا ما يقتصر المؤلف ﵀ على ما رواه مالك مع وجوده في "الصحيحين"، أو أحدهما، وذلك لأنه يعتمد على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، وكتاب "الاستذكار" لابن عبد البر شرح للموطإ، وإنْ كان يجمع أحاديث أخرى وروايات وآثار، لكنه يُعْنى بروايات "الموطإ" أكثر.
قَوْله: (لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا).
يعني: أن زيد بن ثابتٍ الصحابي الجليل الذي وصفه الرسول ﷺ بأنه أفرض الصحابة، وقال فيه: "أَفْرَضُ أُمَّتِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ" (٢)، كان لا يبيع ثمره حتى تطلع الثريا، وهو النجم المعروف، وهو المنزل الثالث من منازل القمر، والثريا من أشهر نجوم الأنواء عند العرب قديمًا وحديثًا، يسميها العرب الأوائل باسم "الثريا" أو "النجم"، وهي مرتبطة بالأشْهُر القمرية العربية المتنقلة وغير الثابتة، وعلى عكس الأشهر الميلادية المرتبطة بالشمس.
أمَّا عن علاقة الثريا بنضج الفواكه (٣):
فَهي علامة في التواريخ الميلادية على وقت محدد من فصول السنة،