الإطلاق بدون شرط إلى البيع بشرط القطع أن نفس البيع يقتضي التسليمَ، والتسليمُ لا بد فيه من القطع.
• قوله: (وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَاعَ الأعْيَانُ إِلَى أَجَلٍ (١). وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ الأَعْيَان إِلَى أَجَلٍ، لِكَوْن الثَّمَرِ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَيْبَسَ كُلُّهُ دُفْعَةً) (٢).
الأعيان جمع عينٍ، والمراد بها: بيع النقدين، والقصد: كل ما يُشْتَرط فيه التقابض.
وكل الأعيان - من السلع - لا تُباع إلى أجلٍ إلا بيع الثمار، واستثناه الجمهور منها، لأن لها وقتًا محددًا، كما سيأتي أن علامة بدو الثمر هو ظهور الثريا (النجم المعروف) صباحًا، وسيأتي ذكره في حديثٍ.
• قوله: (فَالكُوفِيُّونَ خَالَفُوا الجُمْهُورَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ).
خالف الكوفيون (الحنفية) الجمهورَ في بيع الثمار قبل أن تزهي عند الإطلاق، وَوَافقوهم في بيع الثمار بشرط القطع (٣).
стр. 6932
تنبيهٌ: توجد قضيتان في هذه المسألة:
الأولى: قضيَّة بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها بشرط القطع، والحنفية لا تخالف الجمهور في جوازه.
الثَّانية: قضية بيع الثمرة مطلقًا من غير شرط، فالجمهور يمنعون ذلك، والحنفية يجيزونه، لكنهم مع إجازتهم يردُّون ذلك إلى البيع بشرط القطع، فالقطع يعتبر أصلًا في مذهبهم، لذا قالوا: لا نرى فرقًا بين بيعها بشرط القطع وبيعها مطلقًا؛ فالإطلاق يرد إلى القطع، فقد أسَّسوا هذه القاعدة، واعتبروها أصلًا في مذهبهم.
قَوْله: (وَالثَّانِي: فِي مَنْعِ تَبْقِيَتِهَا بِالشَّرْطِ بَعْدَ الإِزْهَاءِ، أَوْ بِمُطْلَقِ العَقْدِ، وَخِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الأَوَّلِ أَقْوَى مِنْ خِلَافِهِمْ فِي المَوْضِعِ الثَّانِي، أَعْنِي: فِي شَرْطِ القَطْعِ وَإِنْ أُزْهِيَ، وَإِنَّمَا كَانَ خِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الأوَّلِ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ (١)).
أي: إبقاء الثمر.
• قَوْله: (وَأَمَّا بُدُوُّ الصَّلَاحِ الَّذِي جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْعَ بَعْدَه، فَهُوَ أَنْ يَصْفَرَّ فِيهِ البُسْر، وَيَسْوَدَّ فِيهِ العِنَبُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَسْوَدُّ).
بُدُو صلاح البسر عند احمراره أو اصفراره، فلا يخرج النخل عن هذين الوصفين؛ إما أن يكون بسرُهُ أصفر أو أحمر.
أما العنب ففيه ما يسود، وفيه ما يبيض، ومنه ما يبقى أحمر، ومنه ما يتموَّه، وبقية الفواكه لا بد أن تكون ناضجةً، وما لا يظهر فيه نضجٌ لقسوته، فلا بد أن يكون صالحًا للأكل كبعض أنواع الخيار، والقثاء،
стр. 6933
وقِسْ على ذلك (١).
• قوله: (وَبِالجُمْلَةِ أَنْ تَظْهَرَ فِي الثَّمَرِ صِفَةُ الطِّيبِ، هَذَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الأمْصَارِ).
"صفة الطيب"، أي: أن يكون صالحًا للأكل كما مر، وقد تختلف ثمرة الشجرة الواحدة في الطعم واللون، فقد يوجد بُسْرٌ صالحٌ للأكل، وبسر آخر - بعد ظهور صلاحه للأكل - من نفس النخلة لا يؤكل؛ لمرارته. وهَذا الاختلاف في الألوان والمذاق من حكمة الله حتى النوع الواحد من الثمار من شجرةٍ واحدةٍ ليختلف مذاقُه، كما قال تعالى: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]، وهذه الأصناف المتعددة والأنواع المختلفة من حكمة الله ، ومن لطفه بعباده.
• قوله: (لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ "أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: "حَتَّى يُزْهِيَ"، فَقَالَ: حَتَّى يَحْمَرَّ" (٢)).
стр. 6934
وَالحَديث في "صحيح البخاري"، فلم يَرْوه مالك فقط، وفي بعض الروايات: "يَحْمَرَّ" (١)، وفي بعضها: "يَحْمَارُّ وَيَصْفَارُّ" (٢)، وبعض العلماء لم يفرق في المعنى بين "يحمر ويصفر"، و"يحمار ويصفار"، وبعضهم فرق بينهما بأن "يحمار ويصفار" صيغة مبالغة؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فتكون أبلغ في الاحمرار والاصفرار، بمعنى: أنه قارب أن يكون رطبًا (٣).
• قوله: (وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَالحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ").
حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن وأحمد إلا النسائي، يعني: أخرجه أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وابن ماجه (٦)، والإمام أحمد في "مسنده" (٧)، فيجوز بيع العنب حتى يسود، والحب حتى يشتد، وفي بعض الروايات: "والحب حتى يبيض" (٨).
стр. 6935
• قَوْله: (وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْه).
في رواية مالكٍ، وكذلك البخاري أيضًا (١)، وكثيرًا ما يقتصر المؤلف ﵀ على ما رواه مالك مع وجوده في "الصحيحين"، أو أحدهما، وذلك لأنه يعتمد على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، وكتاب "الاستذكار" لابن عبد البر شرح للموطإ، وإنْ كان يجمع أحاديث أخرى وروايات وآثار، لكنه يُعْنى بروايات "الموطإ" أكثر.
قَوْله: (لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا).
يعني: أن زيد بن ثابتٍ الصحابي الجليل الذي وصفه الرسول ﷺ بأنه أفرض الصحابة، وقال فيه: "أَفْرَضُ أُمَّتِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ" (٢)، كان لا يبيع ثمره حتى تطلع الثريا، وهو النجم المعروف، وهو المنزل الثالث من منازل القمر، والثريا من أشهر نجوم الأنواء عند العرب قديمًا وحديثًا، يسميها العرب الأوائل باسم "الثريا" أو "النجم"، وهي مرتبطة بالأشْهُر القمرية العربية المتنقلة وغير الثابتة، وعلى عكس الأشهر الميلادية المرتبطة بالشمس.
أمَّا عن علاقة الثريا بنضج الفواكه (٣):
فَهي علامة في التواريخ الميلادية على وقت محدد من فصول السنة،
стр. 6936
ولذلك نصَّ العلماء على أنه إذا خرجت الثريا عند الفجر، فإنها تخرج أول ما تخرج عند بداية الحرِّ، وهو نفس الوقت لبداية نضج الثمار.
إذًا، خروج الثريا علامة على بداية نضج الثمار، لأنه يبدأ في الحر، ولذلك نجد أن العلماء قيَّدوا ظهور الثريا بالصباح عند بدء الحرِّ في بلاد الحجاز؛ لأن الحر يختلف من منطقةٍ لأخرى، فقد يبدأ في منطقةٍ، ويتأخر في أخرى، وبعض البلاد لا يوجد بها حرٌّ أصلًا.
• قوله: (وَذَلِكَ لاثْنَتَي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ أَيَارَ وَهُوَ مَايُو).
أشار إلى شهر مايو، وهو من الأشهر الميلادية المعروفة، لكن الفقهاء لا يتكلمون عن هذه الأشهر، ويقولون: عند بداية الحرِّ في بلاد الحجاز تخرج الثريا صباحًا، وهي علامة بدء النضج.
• قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا).
إذًا، قول زيد بن ثابتٍ قال به عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين.
• قَوْله: (سُئِلَ عَنْ "قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ العَاهَاتِ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: "ذَلِكَ وَقْتُ طُلُوعِ الثُّرَيَّا" (١)).
وهو النجم الذي يخرج صباحًا عند الفجر أو بعد الفجر، ويكون ذلك في أوائل أيام الصيف على التفصيل الذي ذكرناه.
قَوْله: (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا، رُفِعَتِ العَاهَاتُ عَنْ أَهْلِ البَلَدِ" (٢)).
وهذا علامة على بداية صلاح الثمار، وأن الثمار قد بدأت في
стр. 6937
الإيناع والنضج، وغالبًا إن بدأت الثمار في الإيناع، فإنها - بإذن الله تعالى - تأمن العاهات.
• قَوْله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ الحَائِط، وَإِنْ لَمْ يَزهَ إِذَا أَزْهَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الحِيطَانِ (١)).
الحَائِطُ: البُستانُ والجمع: حِيطانٌ وحوائط (٢)، أو هو ما نسميه الآن بالمزرعة، يَعْني: يجوز بيع البستان إذا بدأ في الإزهاء، وليس شرطًا أن يزهي جميع ما في البستان، ولا أن تزهي الشجرة بكاملها، وقد ذكرنا - فيما مرَّ - أقوالًا أربعةً في ذلك (٣)، ومنها أن بعض العلماء قال: لو وجد في البلدة بستانٌ واحدٌ قد أينع، فإنه يكون علامةً على الإيناع في بقية بساتين البلدة للحوقها به، وهذا قول الإمام الليث بن سعد (٤)، وهي أيضًا روايةٌ للمالكية، لكن المالكية زادوا في ذلك أن يحصل التناسق، أي: أن يتتابع الثمر إيناعا، أما إذا انقطع فلا يعتبر ذلك إيناعًا (٥).
قوله: (إِذَا كَانَ الزَّمَانُ قَدْ أُمِنَتْ فِيهِ العَاهَةُ).
وَقيَّد المالكية بأن الزمان إذا أمن فيه العاهة، فالبستان إذا بدا صلاحه، يكون علامةً على زهو بقية البساتين (٦).
стр. 6938
• قوله: (يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - طُلُوعَ الثُّرَيَّا، إِلَّا أَنَّ المَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ حَائِطٌ حَتَّى يَبْدُوَ فِيهِ الزَّهْوُ (١)، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَعَ الإِزْهَاءِ طُلُوعُ الثُّرَيَّا (٢). فَالمُحَصَّلُ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ قَوْلٌ: إِنَّهُ الإِزْهَاء، وَهُوَ المَشْهُورُ (٣)).
و"الإزْهَاء" - كما عرفنا - هو علامة بدء النضج، وهو الاحمرار والاصفرار على التفصيل السابق.
• قَوْله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ طُلُوعُ الثُّرَيَّا).
وطُلُوع الثُّريَّا حقيقة لا يبعد عن الإزهاء؛ لأن طلوعه علامة على البدء في الإزهاء، والذين قالوا بالإزهاء جماهير العلماء كما مر، أما طلوع الثريا فقد أُثِرَ عن بعض السَّلف من الصحابة؛ كزَيْد بن ثابتٍ، وابن عُمَر، وهو قولٌ للمالكيَّة (٤).
• قَوْله: (وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِي الحَائِطِ فِي حِينِ البَيْعِ إِزْهَاءٌ، وَقَوْلٌ: الأمْرَانِ جَمِيعًا).
وحقيقة الأمر: أن ظهور الثريا تابع للإزهاء، فلو قُدِّر أنْ ظَهَر النجم ولم يوجد إزهاء، فالمعتبر في ذلك هو بُدُو الصلاح.
стр. 6939
قَوْله: (وَعَلَى المَشْهُورِ مِنَ اعْتِبَارِ الإِزْهَاءِ، يَقُولُ مَالِكٌ: إِنَّهُ إِذَا كانَ فِي الحَائِطِ الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ أَجْنَاسٌ مِنَ الثَّمَرِ مُخْتَلِفَةُ الطِّيبِ).
فالبستان لا يقتصر على نوعٍ واحدٍ غالبًا، فيوجد فيه - مثلًا - النخيل وأشجار العنب والرمان، وفي بعضً البساتين التفاح … إلى غير ذلك من أنواع الفواكه الكثيرة.
• قوله: (لَمْ يُبَعْ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا إِلَّا بِظُهُورِ الطِّيبِ فِيهِ (١)، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ).
وهنا مَوْضع الخلاف، فمن حيث الجملة نجد توافقًا بين المالكيَّة والليث بن سعد، لكن عند التَّفْصيل ينفرد المالكية ببعض الشروط والقيود دون الليث بن سعد ﵀ (٢).
• قَوْله: (وَأَمَّا الأَنْوَاعُ المُتَقَارِبَةُ الطِّيبِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِطِيبِ البَعْضِ).
ويجوز بيع الثمار المتقاربة الطيب - وإن اختلفت - بطيب بعضها على المذهب (٣).
• قوله: (وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ المُعْتَبَرُ عَنْ مَالِكٍ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ مِنَ الثَّمَرِ هُوَ وُجُودُ الإِزْهَاءِ فِي بَعْضِهِ لَا فِي كُلِّهِ).
وهذا - كما مرَّ - قول للإمام أحمد، وسيأتي مذهب الإمام الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.
стр. 6940
• قوله: (إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الإِزْهَاءُ مُبَكِّرًا فِي بَعْضِهِ تَبْكِيرًا يَتَرَاخَى عَنْهُ البَعْض، بَلْ إِذَا كانَ مُتَتَابِعًا).
هنا جَاء الفرق موضحًا بين المالكية وبين الليث:
فالمالكية يقولون (١): إذا ظهر الإزهاء في بستانٍ واحدٍ من بساتين البلدة، فلا مانع أن يكون ذلك علامةً على إزهاء بقية البساتين بشرط ألَّا يتوقف الإزهاء بأن يبدو ثم يتوقف، فإن بدا ثم توقف، لم يحصل التتابع المشروط، وعليه فلا يعتبر ذلك إزهاءً عندهم.
أما الإمام الليث، فإنه يطلق ذلك، فيعتبر ظهور الإزهاء في بستانٍ واحدٍ من بساتين البلدة علامةً على إزهاء بقية بساتين البلد (٢)، واللَّيْث - كما هو معلومٌ - إمام مصر قبل الإمام الشَّافعيِّ ﵏ أجمعين (٣).
• قَوْله: (لِأَنَّ الوَقْتَ الَّذِي تَنْجُو الثَّمَرَةُ فِيهِ - فِي الغَالِبِ - مِنَ العَاهَاتِ هُوَ إِذَا بَدَأَ الطِّيبُ فِي الثَّمَرَةِ ابْتِدَاءً مُتَنَاسِقًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا بَدَا الطِّيبُ فِي نَخْلَةِ بُسْتَانٍ، جَازَ بَيْعُه، وَبَيْعُ البَسَاتِينِ المُجَاوِرَةِ لَهُ إِذَا كانَ نَخْلُ البَسَاتِينِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ (٤)).
اخْتَلف الفُقَهاء في هذه المسألة، وأشرنا إليها سابقًا بالتفصيل.
• قَوْله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بَيْعُ نَخْلِ البُسْتَانِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الطِّيبُ فَقَطْ).
стр. 6941
الإمامُ الشافعيُّ ﵀ لا يربط البساتين ببعضها، وإنما يفصل بينها، فيقول (١): "وَالحَوَائِطُ تَخْتَلِفُ بِتِهَامَةَ وَنَجْدٍ وَالسَّقِيفِ، فَيَسْتَأخِرُ إبَارُ كُلِّ بَلَدٍ بِقَدْرِ حَرِّهَا وَبَرْدِهَا، وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إبَّانِهَا … وَكَذَلِكَ لَا يُبَاعُ مِنْهَا شَيءٌ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُه، وَإِنْ بَدَا صَلَاحُ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ نَخْلُ الرَّجُلِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إذَا كَانَ فِي حِظَارٍ وَاحِدٍ، أَوْ بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي غَيْرِ حِظَارٍ، فَبَدَا صَلَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْه، حَلَّ بَيْعُهُ وَلَوْ كَانَ إلَى جَنْبِهِ حَائِطٌ لَهُ آخَر، أَوْ لِغَيْرِهِ، فَبَدَا صَلَاحُ حَائِطِ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ إلَى جَنْبِهِ، لَمْ يَحِلَّ بَيْعُ ثَمَرِ حَائِطِهِ بِحُلُولِ بَيْعِ الَّذِي إلَى جَنْبِهِ، وَأَقَل ذَلِكَ أَنْ يُرَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ الحُمْرَةُ أَوْ الصُّفْرَةُ"؛ فليس شرطًا أن يَظْهر الزهو في كل شجرةٍ من ذلك البستان، لكن المعتبر أن يظهر ولو في شجرةٍ واحدةٍ، وهذه روايةٌ للإمام أحمد أيضًا (٢).
• قوله: (وَمَالِكٌ اعْتَبَرَ الوَقْتَ الَّذِي تُؤْمَنُ فِيهِ العَاهَةُ إِذَا كانَ الوَقْتُ وَاحِدًا لِلنَّوْعِ الوَاحِدِ. وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ نُقْصَانَ خِلْقَةِ الثَّمَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَطِبْ، كانَ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ الطِّيبِ فِيهِ وَهِيَ مُشْتَرَاةٌ لَمْ تُخَلَّقْ بَعْدُ).
اعتبر الإمام الشافعي ﵀ وهي أيضًا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٣) أن الثمرة إذا لم تظهر في البستان، أَوْ لم يظهر الإزهاء فيها،
стр. 6942
ثم بيع ذلك البستان، فكأنه بيع ما لم يخلق، أي: بيع ما لم يوجد؛ لأنَّ الإزهاء غير موجودٍ، فكأنه باع شيئًا لم يخلق بعد.
• قوله: (لَكِنَّ هَذَا - كَمَا قَالَ - لَا يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ الثَّمَرَةِ، بَلْ فِي بَعْضِ ثَمَرَةِ جَنَّةٍ وَاحِدَةٍ).
"جنة واحدة"، أي: بستان واحد.
• قوله: (وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَهَذَا هُوَ مَشْهُورُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ).
والخلاصة: أن في المسألة أربعة أقوال:
الأوَّل: لو أزهى بستان في البلد، كان علامةً على إزهاء بقية البساتين (١).
الثَّانِي: لابد أن يزهى كل بستان على حدة، فلو ظهرت فيه شجرة واحدة لكفت (٢).
الثَّالث: لو ظهر صلاح الثمر في النوع الواحد من الشجر كالعنب مثلًا، أو النخل، أجزأ في بقية النوع (٣).
الرابع: لا بدَّ من ظهور صلاح الثمرة في كل شجرة على حدة، وليس شرطًا أن تثمر مرَّةً أخرى (٤).
قوله: (وَمِنَ المَسْمُوعِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا البَابِ مَا جَاءَ عَنْهُ ﵊ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَالعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ).
стр. 6943
"ومن المسموع"، أي: ممَّا سمع عن رسول الله ﷺ من أحاديث في هذا الباب، ومن هذه الأحاديث التي سمعت عنه ﵊ أنه: "نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ" (١)، والسنبل جمع سنبلة، والسنبلة هي التي تحوي حبات عديدة من القمحِ (٢)، وذلكم المثل الذي ضَرَبه الله في كتابه العزيز: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
• قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا دُونَ السُّنْبُلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ وَلَا كثْرَتُهُ).
اتَّفق الفقهاء على عدم جواز بيع الحنطة في سنبلها دون السنبل (٣)؛ لأن الحب لا يزال صفته مجهولةً وكذلك قدره؛ فاجتمع مانعان: الصفة التي هو عليها، والقدر؛ لأنه لا يزال مخبأً مخفيًّا في سنبله، فعُدَّ من بيوع الغرر، ولذلك منعه العلماء.
وسيأتي مسألة بيع الحنطة مع السنبل، وكذلك مسألة جذ السنبل، وآراء العلماء فيه، وإذا ديس (يعني: استعمل معه الدياس الذي عبر عنه المؤلف بالدرس)، فهل يباع مع تبنه أو لا بد من تنقيته؟
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ السُّنْبُلِ نَفْسِهِ مَعَ الحَبِّ، فَجَوَّزَ
стр. 6944
ذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ المَدِينَةِ، وَأَهْلُ الكُوفَةِ).
أجاز جمهور العلماء من الفقهاء والمحدثين، ومنهم الإمام مالك (١) وأبو حنيفة (٢) وأحمد (٣) بيع الحب مع سنبله، مستدلين بالحديث السابق، وسيأتي أن الإمام الشافعي قد خالف في هذه المسألة، وقَدْ صحَّ الحديث في هذه المسألة، وكان مؤيدًا لمذهب الجمهور؟ فهل نعدُّ ذلك مذهبًا للإمام الشافعي؟ أو أننا نعتبر أن مذهب الإمام الشافعي هو من وَضْع القاعدة في ذلك؟ وهذا ما سيشير إليه المؤلف لأول مرة.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ السُّنْبُلِ نَفْسِهِ وَإِن اشْتَدَّ).
حقيقة مذهب الإمام الشافعي ﵀ أن له رأيين في المسألة أو مذهبين (٤)؛ مذهبه القديم وهو موافق فيه جمهور العلماء، والمعروف أن المعتبر من مذهبيه إنما هو مذهبه الجديد إلا في مسائل محصورة نص عليها الشافعي ﵀.
وهذا الإطلاق الذي ذكره المؤلف عن الإمام الشافعي فيه تفصيلٌ؛ فما أثر عن الشافعي على النحو التالي:
стр. 6945
الحَبُّ على نوعين (١):
الأوَّل: ما يُرَى في سنبله، أيْ: ما تبدو حبَّاته ظاهرةً كالشعير والذرة، فهذا يوافق فيه الشافعي الجمهور.
الثَّانِي: ما لا يُرَى حبه، أي: عليه قشرة تخفيه كما هو الحال للحنطة، فالحنطة - كما هو معلوم - عليها قشرة، تزول هذه القشرة عندما يداس القمح، أي: يدرس.
والإمام الشافعي بالنسبة للقمح وما شابهه يرى أنه لا يجوز بيعه في سنبله؛ لوجود الغرر، ألا وهي الجهالة في صفته، وجمهور العلماء يستدلون بحديث رسول الله ﷺ ، فإنه ﵊ "نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ" (٢)، وليس المراد هو بيع القشر، وإنما المراد بيع السنبل مع ما فيه.
• قَوْله: (لِأنَّهُ مِنْ بَابِ الغَرَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى بَيْعِهِ مَخْلُوطًا بِتِبْنِهِ بَعْدَ الدَّرْسِ).
فلَا بدَّ من تصفيته من التِّبْن، وهي تلكم القشور التي تخرج من
стр. 6946
السنبل بعد أن يداس، والآن - كمَا هو معلومٌ - أصبحت الآلات تنقي ذلك القمح بأن تطحنه بالمرور عليه أوَّلًا، ثمَّ بعد ذلك تُصفِّيه، فيخرج التبن في جانبٍ، ويبقى القمح في جانبٍ آخر.
• قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ شَيْئَانِ: الأَثَرُ وَالقِيَاسُ).
الأثر: هو الحديث الذي مرَّ، وهو أن الرسول ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ السنْبُلِ حَتَّى يَشْتَدَّ" (١)، فإذا اشتد، فقد زال المانع، وجاز بيعه.
• قوله: (فَأَمَّا الأَثَر، فَمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخِيلِ حَتَّى تُزْهِيَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى تَبْيَضَّ، وَتَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ").
سَبق التَّنْبيه على هذا الحديث، وقد رَوَاه الخمسة (٢)، أي: رَوَاه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وهو حديثٌ صحيحٌ؛ فما دام حديثًا صحيحًا، فهو حُجَّة، وإلى جانب صحته، فهو أيضًا صريح الدِّلالة على هذه المسألة، وهو حجة للجمهور.
• قوله: (وَهِيَ زِيَادَة عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ).
روَاية الإمام مَالِكٍ أن الرسول ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ"، ثم جاءت هذه الزيادة: "وَعَنْ بَيْعِ السُّنبُلِ حَتَّى يَشْتَدّ"، ثم بين أن القصد من ذلك هو أَمْن العاهات؛ إذًا هذه الزيادة جاءت عن طريق الثقات، وكما هو معلوم زيادة الثقة مقبولة، وهذه قضية مُسلَّم بها عند علماء الحديث (٣).
стр. 6947
• قَوْله: (وَالزِّيَادَةُ إِذَا كانَتْ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَتْهُ هَذه الزِّيَادَة، رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ).
هذه إشَارةٌ من المؤلف ﵀ إلى قول الإمام الشافعي ﵀: "إذَا صحَّ الحديث فهو مذهبي"، ولا شك أن ذلك لا يخص الإمام الشافعي وحده، بل جميع العلماء العاملين من الأئمة الأربعة وغيرهم، ينتهجون هذا المنهج رحمهم الله تعالى، فلا يقدِّمون على كتاب الله أيَّ قول، ولا على قول رسول الله ﷺ أيَّ قول مهما كانت مكانة ذلك القائل، ومهما كان عنده من الفضل والعلم والقدر، فلا يجوز أن يُقدَّم قول أيِّ أحدٍ على قول الله ، ولا على قول رسول الله ﷺ (١).
فإما أنه وصلته هذه الزيادة، وأنه أخذ بها، والله أعلم؛ لأن المعروف أن هذا هو مذهبه الجديد، وأنه باقٍ عليه، فالمذهب الجديد للإمام الشافعي هو هذا الذي أورده المؤلف في هذه المسألة، لكنه أورده إجمالًا، وقد فصلنا القول فيه، فلا يشمل جميع الحبوب، بل يختص بما يغطيه القشر.
والإنصاف ألَّا يعتبر ذلك مذهبًا للإمام الشافعي ﵀، فأيّ مسألةٍ خالف فيها الإمام الشافعي الجمهور، فإما لعدم صحة الحديث عنده ﵁، أو أنه لم يبلغه ذلك الحديث، فينبغي أن تبنى أقوال الإمام الشافعي ﵀ على قاعدته التي أسسها وتلقاها عنه العلماء بالقبول، وهي: "إذا صحَّ الحديث، فَهُوَ مذهبي"، ولا شكَّ أن ذلك حجة على كل شافعي يعارض الحديث الصحيح بدعوى أن قول الإمام الشافعي على خلاف ذلك.
والإمام الشافعي قد برأ ذمته ممن يتمسك بقوله ويترك النصَّ والدليلَ الصحيح، واعتبر أنَّ كل حديث صحيح مقدم على قوله وعلى قول غيره،
стр. 6948
وبما أنَّ ذلكم الحديث قد صح، فينبغي أن يجعل مذهبًا للإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الحَدِيثِ).
المؤلف ﵀ يريد أن يجعل المسألة إلزاميَّةً - كما هو معلومٌ - على ما قرره الإمام الشافعي، وأنه لا أخذ بقياس مع وجود نصٍّ صحيحٍ صريحٍ، والحديثُ صحيح في بابه، فينبغي أن يأخذ به الشافعية.
وقَدْ ذَكر المُحقِّقون من العلماء (١) أنه لا يوجد قياس صحيح يعارض نصًّا صحيحًا صريحًا، لأن القياس الصحيح يُبْنَى على فقهٍ صحيحٍ، وعلى فطرةٍ صحيحةٍ، والفطرة الصحيحة لا تتعارض مع نصوص هذه الشريعة، لأن الشريعة الإسلامية جاءت موافقةً للفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
ولذلك، لمَّا جاء عُمَرُ بْنِ الحَكَمِ (٢) إلى النبي ﷺ كي يعتق جاريته، قال: " … قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أعْتِقُهَا؟ قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا"، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: "أَيْنَ اللهُ؟ "، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: "مَنْ أَنَا؟ ". قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: "أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" (٣) "؛ لأن هذا يدل على الفطرة.
ولهذا، جاء في الحديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (٤)، ولم يقل: يسلمانه؛ لأن الأصلَ فيه الإسلام.
стр. 6949
قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ السُّنْبُلِ إِذَا أُفْرِكَ وَلَمْ يَشْتَدَّ).
"فرك الزرع" إذا بلغ أن يفرك باليد، وفركته فهو مفروك وفريك (١)، أي: إذا أُخِذَ السنبل وفرك فركًا باليد ثم صُفِّي ولم ينضج بعد، ففيه خلافٌ سيذكره المؤلف، أما إذا فرك بعد اشتداده، فلا إشكال في جواز بيعه.
• قوله: (فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إِلَّا عَلَى القَطْعِ).
وهذا مذهب الجمهور، وليس مذهب مالكٍ وحده (٢)، وقد مرَّ أن رسول الله ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا" (٣)، وأن العلماء فصَّلوا القولَ في هذه المسألَة، فمَنْ باع ثمرةً قبل بدو صلاحها، فلا يخلو من أمرين:
الأوَّل: أن يبيعها بشرط القطع، وهذا جائزٌ كما مرَّ (٤).
стр. 6950
الثَّانِي: أن يبيعها بشرط التبقية، وهذا لا يجوز (١)، لأنه لو قطعها وأخذها، فقد انتهى الأمر، أما إذا أبقاها فَإنها عُرْضة بأن تصيبها الآفات والعيوب والأمراض، فيُؤدِّي ذلك إلى تَضرُّر المشتري، وهذا ما نَهَى عنه رسول الله ﷺ بقوله: "أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ" (٢).
• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ السُّنْبُلِ غَيْرَ مَحْصُودٍ، فَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ. وَقِيلَ: لَا يَجُوز، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي حُزَمِهِ (٣)).
يَجُوز بيع السُّنبل غير محصودٍ عند أكثر العلماء، وقد مرَّ تفصيل مذهب الشافعية في ذلك (٤).
إمَّا إذا كان السُّنبل في حزمه مربوطًا، فَهَذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء، والقصد من ذلك ما يجز مرات، فيوجد بعض الثمار التي تجز ثم يظهر بعضها، فيكون قد أثمر بعضه، والآخر لم يثمر، فلو قُدِّر وجود نوعٍ من القثاء أو الخيار أو نحو ذلك، فهل يجوز بيعه جملةً، أو لا بعد أن تُباع كل جزة على حدةٍ، يعني: قطفة قطفة؟ هذا ما سيأتي تفصيله.
• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُهُ فِي تِبْنِهِ بَعْدَ الدَّرْسِ).
"فِي تِبْنِهِ"، أي: القشيرات الصفر التي تخرج بعد الدرس، وقصد المؤلف بالدرس، أي: ما يُعْرف بالدياس.
• قَوْله: (فَلَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ فِيمَا أَحْسَبُ) (٥).
стр. 6951
لا يَجُوز بلا خِلَافٍ، لأن هذا البيع بهذه الصفة فيه جهالةٌ؛ فكيف يُبَاع القمح مليئًا بالقشور، فهذه الجهالة تمنع البيع للغبن الذي تُحْدثه.
• قَوْله: (هَذَا إِذَا كانَ جُزَافًا).
مرَّ التفصيل في بيع الجزاف. والجزاف: ما يُبَاع جملةً واحدةً، والقصد من الجزاف في المعنى الاصطلاحي أو المصطلح الفقهي: ما لا يُكَال، ولا يُوزَن، ولا يُعَدُّ.
• قوله: (فَأَمَّا إِذَا كانَ مَكِيلًا، فَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ قَوْلًا لِغَيْرِهِ).
أمَّا إذا كان مكيلًا أو موزونًا، ففيه خلاف بين الفقهاء، فجوزه مالك، ومنعه غيره (١)، كما اختلفوا في أمر تسليم المبيع، وفَرَّقوا بين الثمار والمكيل والموزون في التسليم، وقد سبق أن المبيع يجب تسليمه، وأنه إذا أَصَابته آفة، فتارةً يكون من ضَمان البائع، وتارةً يكون من ضَمان المشتري، وسيأتي تفصيل الفرق بينهما إنْ شاء الله تعالى.
стр. 6952
• قَوْله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَجَازُوا بَيْعَ السُّنْبُلِ إِذَا طَابَ عَلَى مَنْ يَكُونُ حَصَادُهُ وَدَرْسُهُ).
والمقصود بـ "طابَ"، أي: إذا ظهر فيه النضج، أو كما جاء في الحديث: "حتى يحْمَرَّ أو يصْفَرَّ"، أي: إذا ظهر فيه الصلاح للأكل.
وهذه من المسائل المهمة، ولا خلاف في مسألة تعيين المسؤول عن جزاز النخل، وحصاد السنبل وتنظيفه، وجز الزرع في مثل شراء نخل مثلًا، أو قمح في مزرعة، وقد حكى المؤلف فيها الخلاف، وسيأتي تفصيل المسألة.
• قوله: (فَقَالَ الكُوفِيُّونَ: عَلَى البَائِعِ حَتَّى يَعْمَلَهُ حَبًّا لِلْمُشْتَرِي، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: هُوَ عَلَى المُشْتَرِي).
قوله: "الكوفيون"، دون استثناء أبي حنيفة يوهم أن أبا حنيفة يوافقهم، وأبو حنيفة رأيه كرأي الجمهور في هذه المسألة، وهو أن المسؤول إنما هو المشتري (١).
وقَدْ تقرَّرَ - كَما مَرَّ - أن تسليم المبيع أو القبض شرط في الضمان، أما هنا فخولفت هذه القاعدة، لأن تسليم المبيع هناك شرط في المكيل والموزون؛ ولذلك كان من ضمان البائع، أما المبيع هنا فإنه يحصل تسليمه بالتخلية، ولذلك يجوز لمن اشترى ثمر النخل أن يبيعها على غيره، وأن يتصرَّف فيها.
إذًا، الصورتان مختلفتان، فالأولى لا يجوز للمشتري أن يتصرف في مكيل أو موزون أو معدود حتى يتسلَّمه، أي: لا يجوز له بيعه (٢)، أمَّا هنا فيحصل القبض بالتخلية، فحِينَئذٍ يصبح داخلًا في ملك المشتري، وله أن
стр. 6953
يتصرَّف فيه تصرفًا كاملًا، ويأتي في مقدمة ذلك التصرف أَنَّ له أن يبيعَه على غيره.
ويُعْتبر ذكر الخلاف تقصيرًا من المؤلف ﵀ حيث يقول: "وقال غيرهم"، "وقال الكوفيون"؛ لأن الأئمَّة الأربعة كلهم متفقون في ذلك، بل بعض العلماء كابن قدامة في "المغني"، أو ابن المنذر في بعض كتبه يذكرون أن المسألة لا خلاف فيها، كأنهم يعتبرون الخلاف شاذًّا في هذه المسألة، وكأن المؤلف ﵀ اعتبر الخلاف كبيرًا في هذه المسألة حيث يقول: الكوفيون، فكأنه أدخل الحنفية فيهم، وهم ليسوا كذلك.
إذًا، الصحيح أن يقال: اتفق العلماء كافة إلا قليلًا منهم، فذهبوا إلى أن الضمان على المشتري (١).
• قَوْله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ مَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ" (٢)).
وهذه من المسائل المهمة الخطيرة، ويذكر العلماء لهَا صورًا عديدةً جدًّا، وَربما يقع فيها بعض الناس، وأذكر أنَّ بعض الإخوة سألني منذ
стр. 6954
فترةٍ، وقال: لو أنني تبايعت مع أحد البائعين، وقال لي: هذه السلعة نقدًا بكذا، أو مؤجلةً بكذا، فقلت له: هذه الصورة لا تجوز؛ لأن فيه قولًا للعلماء بتحريمه، وقد قال: وهذا سيتبين - إن شاء الله - في هذه المسألة مفصلًا، فقد قال الرسول ﷺ كما مر: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" (١).
وثبت أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، والرسول ﷺ ، لا ينهى عن أمرٍ إلا وفيه ضررٌ، ولا يأمر ويحض ويحرض على أمرٍ إلا وفيه خيرٌ وصلاحٌ للناس.
وقد انقسم الأئمة الأربعة في ذلك إلى قسمين:
القسم الأول: الإمام الشافعي (٢) وأبو حنيفة (٣) وأحمد (٤) على نهج واحد في تحريم تلك الصورة.
القسم الثاني: الإمام مالك، وهو على نفس النهج، حيث اتفقوا جميعًا على تَحْريم تلك الصُّورة من البيع، لكن الخلاف بينهم في العلة، فمنهم مَنْ قال (٥): الجهالة، ومنهم مَنْ قال غير ذلك، وقد فصل المؤلف ﵀ تفصيلًا طيبًا في هذه المسألة.
• قَوْله: (وَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (٦)).
ذكرَ المؤلف ﵀ أنَّ في المسألة أحاديثَ ثلاثة:
стр. 6955
أولها: حديث ابن عمر.
والثاني: ابن مسعود (١).
والثالث: حديث أبي هريرة.
فهذه الأحاديث الثلاثة - من حيث الرواية - كلها عن الإمام أحمد (٢)، لكن الأول وافقه فيه البزار (٣)، والثالث وافقه فيه النسائي (٤) والترمذي، وصححه (٥).
وحديث أبي هريرة رُوي من عدة طرق، وبألفاظ متعددة، منها: "مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة، فَلَهُ أَوْكَسهُمَا" (٦).
وفي بعضها: "فَلَهُ أَوْكسهُمَا أو الرِّبَا" (٧)، وَهذِهِ أصح الرِّوايات التي ذكرها المؤلف.
إذًا، النهي عن بيعتين في بيعة صحَّ عن رسول الله ﷺ .
أما تفسير "بيعتين في بيعة"؛ فلها صور عديدة جدًّا، منها (٨):
كأن تقول لشخصٍ: أبيعك هذه الدار بمبلغ كذا، وهذه السيارة بمبلغ
стр. 6956
كذا؛ فهذا نوع منها. أو: أبيعك هذه الدار بمبلغ كذا على أن تبيعني سيارتك بمبلغ كذا، فهذه من صور بيعتين في بيعة، وَمنها ما أشرت إليه قبل قليل، كأن يقول البائع: أبيعك هذه السلعة نقدًا بمبلغ كذا، أو مؤجلًا بمبلغ كذا.
وهذه المسألة لها صور عديدة، ذكر العلماء جملةً منها، وانتهوا إلى أنها لا تجوز، واتفقوا - مع وجود خلافٍ في بعضها - على أن ذلك إذا قصد به اللزوم، فلا يجوز، أما إذا قُصِدَ به الخيار، ففيه خلاف (١)، والمؤلف يقسمها تقسيمًا بديعًا؛ فيقول: "هي بيع مثمونين بمثمونين، أوبيع مثومنين بثمن، أو بيع مثمون بثمنين"، فهذه جملةٌ من صورها التي ذَكَرها المؤلف، وسيبين بعد ذلك الأوجه والخلاف فيها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
وقَدْ ذكرت أن الكتاب يحتاج إلى عنايةٍ، فإلى جانب ما فيه من علمٍ، ففيه أيضًا عبارات تحتاج إلى وقفةٍ.
• قَوْله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ) (٢).
أكثر المؤلف ﵀ من ذِكْرِ أبي عمر في هذا الكتاب؛ لأنه عمدته في نقل المذاهب، وما أوثق أن يُعْتمد على مثل هذا الرجل في نقل مذاهب الأمصار! فهو عالمٌ نِحْريرٌ جليل، كم له من باعٍ في علم الحديث والفقه وغير ذلك.
• قوله: (وَكلُّهَا مِنْ نَقْلِ العُدُولِ).
إذًا، هذه الأحاديث وإنْ تعددت طرقها، فقد رواها الثقات عن الثقات، العدول عن العدول، حتى وصلت إلى رسول الله ﷺ .
والمؤلف لم يأتِ برواية أبي هريرة المختلف في تصحيحها، إنما
стр. 6957
اختار هذا اللفظ الذي اجتمع على روايته هؤلاء الصحابة الثلاثة ﵃ جميعًا.
• قوله: (فَاتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى القَوْلِ بِمُوجَبِ هَذَا الحَدِيثِ عُمُومًا) (١).
أي: اختلفوا في القول بموجب هذا الحديث، أي: ما يوجبه، فهناك موجِب وموجَب، والموجَب: ما ذكره العلماء من الأمور التي تعرف عند الأصوليين بالقوادح (٢).
والقول بالموجَب: وهو تسليم الدليل مسجلًا مع بقاء النزاع.
والموجِب: ما يوجب الالتزام والوقوف عنده، أي: أن الواجب في ذلك عدم جواز بيعتين في بيعة.
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيلِ أَعْنِي: فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا هَذَا الاسْمُ مِنَ الَّتِي لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا).
إذًا، المعاملات دقيقة، وقد نَبَّهت من قبل أن كتاب البيوع يحتاج إلى وقفاتٍ، ودقةِ نظرٍ، وعمقِ غوصٍ فيه؛ لأن أكثر مسائله نتعامل بها في حياتنا اليومية.
وقَدْ قال النبي ﷺ : "الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْم، كانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ، أَوْشَكَ أنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ" (٣).
стр. 6958
فَيَجب على كلِّ مسلمٍ أن يحرص على تحري الحلال في كسبه ومطعمه وملبسه ومشربه، لكن بعض النفوس الضعيفة تدفع صاحبها إلى الوقوع ببعض المشتبهات معلِّلًا بأنَّ ذلك فيه خلاف لبعض العلماء، أو بأن تحريم ذلك غير واضحٍ، وأن الله غفور رحيم، وغير ذلك من المبررات.
لذا، يجب على المسلم دائمًا أن يراقب الله في السر والعلن، وأن يتجنب مواضع الشبهات، وأن يعلم أن الله تعالى قد أنعم عليه بنعم كثيرة لا حصر لها، وأن أجلَّ ما يقف عنده أن يقف عند حدود الله، ولا يتجاوزها.
وَعَليه، فَباب البيوع باب مهم جدًّا؛ لأننا نحتاج إليه في حياتنا اليومية من بيع وشراء، فكل منا يتردد على الباعة بشتَّى أنواعهم في كلِّ احتياجاتنا اليومية من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ، وغير ذلك من الأشياء الكثيرة التي لا يستغني عنها إنسان.
لذلك، نجد بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - قسموا الفقه إلى قسمين:
القسم الأول: عبادات.
القسم الثاني: معاملات.
وَجَعلوا في مقدمتها البيوع.
وبعضهم قَسَّم الفقه إلى أقسام عدةٍ: فجعل قسمًا للعقيدة، وقسمًا للعبادات، وقسمًا للمعاملات، وقسمًا لنظام القضاء، وقسمًا لنظام الأسرة، وقسمًا لنظام العلاقات الدولية، وهكذا تقسيمات متعددة، لكن لا شك أن البيوع من أهمِّ هذه الأمور على الإطلاق.
• قَوْله: (وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى بَعْضِهَا، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ).
أخذ المؤلف ﵀ في إعطاء تصورٍ لصور البيعتين في بيعةٍ، وهذا
стр. 6959
شيءٌ جيدٌ، فكما يقولون: "الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره" (١)، فلكَيْ تحكم على أمرٍ من الأمور، أو تعرف ماهية ذلك الأمر، لا بد من مدخلٍ يوصلك إليه، وَهَذا المدخل بمثابة كَشَّافٍ يضيء لك الطريق، وهذا الكشاف هو الصور التي رسمها لنا المؤلف رحمه الله تعالى؛ لتكون طريقًا ومنفذًا لمعرفة هذه الأمور، فرسم الطريق جملة، ثم بعد ذلك يصور تلك المسائل بأمثلةٍ حيةٍ؛ واحدة تلو الأخرى، فتثبت في ذهن القارئ.
• قوله: (أَحَدُهَا إِمَّا فِي مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، أَوْ مَثْمُونٍ وَاحِدٍ بِثَمَنَيْنِ).
"مثمونين بثمنٍ واحدٍ"، أيْ: كأن يقول البائع: أبيعك هذه الدار وهذه الدار بكذا، هذا الكتاب وهذا الكتاب بكذا، هذه الدابة وهذه الدابة بكذا، وهَلُم جرًّا.
• قوله: (أَوْ مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ عَلَى أنَّ أحَد البَيْعَيْنِ قَدْ لَزِمَ).
(على أن أحد البيعين قد لزم)، في الصورتين، أحدهما يلزم كأن يقول: أبيعك نقدًا بكذا، ومؤجلًا بكذا.
• قوله: (أَمَّا فِي مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ عَلَى وَجْهَيْنِ).
يريد المؤلف أن يعطينا صورتين لهذه الصورة (مَثْمونين بثمنين).
• قوله: (أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذه السِّلْعَةَ بِثَمَنِ كَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذه الدَّارَ بِثَمَنِ كَذَا).
الصُّورَة الأولى أن يقول (٢): أبيعك هذه السيارة بثمن كذا؛ - هذه السلعة الأولى وثمنها - على أن تبيعني هذه الدار بمبلغ كذا، وهذه السلعة
стр. 6960
الثانية بمقابل آخر، فالسيارةُ لها ثمن، والدار لها ثمن، فإن كان الأمر لازمًا كما ذكر المؤلف، فَهَذا ينظر إليه أصلًا.
• قوله: (وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ، أَوْ هَذِهِ الأُخْرَى بِدِينَارَينِ).
الصُّورة الثَّانية (١): كأن يقول البائع: أبيعك هذه السلعة بكذا، وتبيعني هذه السلعة بكذا، أو لا أبيعك هذه السلعة بكذا، أو هذه السلعة بكذا، أي: يجعله متحيرًا، فكأنه في النهاية يبيع إحداهما بالأخرى، فكما قيل على الإنسان: إذا أردت أن تُحيِّره خَيِّره، فَمثلًا يقول للمشتري: أبيعك هذه السيارة نقدًا بستة آلافٍ، أو مؤجلًا بثمانية آلافٍ، فبسبب اختلاف الناس في مفاهيمهم، يقول بعضهم: آخذها بثمانية آلافٍ وأتاجر فيها، فربما إذا حال عليها الحول يَتَضاعف ثمنها.
ويقول آخر: سآخذها بستة آلاف، وأعمل عليها وأوفر الألفين.
فالناس يختلفون في وجهات نظرهم وتَوجُّهاتهم، كبعض الناس يكون معه مالٌ، فيقول: لماذا أشتري به بيتًا للسُّكنى، ثم أصبح صفر اليدين؟ فيستأجر بيتًا بمبلغ أقل ويتاجر بما معه من أموالٍ، فيربح ثم يشتري ما يريد.
وهذه من الأمور التي يسلكها التجار، وللناس فيما يحبون ويبغون مذاهب، لكن القضية هي الحلال والحرام.
• قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ مَثْمُون وَاحِدٍ بِثَمَنَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ).
أيْ: الخلَاف في كلِّ هذه المسائل التي أوردها المؤلف يدور حول أمرٍ واحدٍ عند الأئمة الثلاثة، أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، ألَا وهو
стр. 6961
"الغرر"، وقد ثَبتَ في "صحيح مسلم" أنَّ رسول الله ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ" (١)، ويعتبرون تلك الصور منه.
ويُوَافقهم الإمام مالك أحيانًا على إثبات الغرر في تلك، وأحيانًا يعدُّه من باب الخيار؛ فالإمام مالك ﵀ لا يلتفت إلى اللفظ، وإنما يُعوِّل على المقصد والمراد، فَما دامت السِّلعةُ صحيحةً خاليةً من الحرام والعيوب، وكان البيع معلومًا، اعتبر ذلك نوعًا من التخيير.
• قَوْله: (أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الثَّمَنَيْنِ نَقْدًا، وَالآخَرُ نَسِيئَةً، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِثَمَنِ كَذَا عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلِ كَذَا بِثَمَنِ كَذَا) (٢).
ولا تجوز هذه الصورة أيضًا، ولو قال البائع: أبيعك هذه السيارة بعشرين ألفًا لمدة عامٍ أو عامين لجاز.
والفَرْق: أن قوله: "بكذا أو كذا" يجعل المشتري في حيرةٍ وترددٍ، فالبائع إن اشترى التي بألفٍ كأنه اشترى بها الأخرى، أو بَاع بها الأخرى، وإن اشترى التي بألفين إلى أَجلٍ، فكأنه باع شيئًا بشيءٍ، فالغَرر موجودٌ، والإبهام موجود أيضًا.
• قوله: (وَأَمَّا مَثْمُونَانِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ).
وربما يقول البعض: لماذا يُتْعب الفقهاء أنفسهم، ويضيعون أوقاتهم في مثل هذه المسائل، وهذه الجزئيات، بل قد نجد بعضهم يفني عمره كله، ويقضي حياته في مثل هذه المسائل الخلافية، ولماذا لا ندع كل تلك الجزئيات ونأخذ الأحكام الظاهرة؟ أو نأخذها مباشرةً من الكتاب والسُّنَّة؟
الجواب: لا شكَّ أن المصدرين الأساسيين للتشريع إنما هما الكتاب والسُّنة، وهذا أمر لا ينازع فيه، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة،
стр. 6962
وخير من يعلم ذلك ويعمل به هم الأئمة الكبار أصحاب المذاهب، لكن قد نجد بعض المسائل والحوادث التي تنزل بالأمة، والوقائع التي تتكرر، ولا يوجد لها نصٌّ صريحٌ في كتاب الله، وسُنَّة رسوله ﷺ ، فذلك أمرٌ يحتاج إلى معرفة العلل، فتلاميذ الأئمة ﵏ لمَّا وجدوا هذا الكنز العظيم، تَحيَّروا في كيفية ترتيب تلك المسائل، وأن يقرروها، وأن يقيموا عليها الأدلة، فأخذوا يبحثون عن علل تلك الأحكام التي بنى عليها الأئمة مسائلهم، فلما وقفوا عليها، بدؤوا يُدوِّنون تلك المسائل، فتكوَّن هذا الفقه العظيم.
إذًا، لا شك في رجوعنا إلى الكتاب والسُّنة الصحيحة، لكننا أحيانًا قد لا نجد الحكم ظاهرًا فيهما، فنأخذ بمقاصد الشريعة، ومقاصد الشريعة مطلوب الأخذ بها، لأن الشريعة لها أصولٌ قامت عليها، وكلها مقاصد سامية ينبغي أن يُرْجع إليها، وهكذا كان الصَّحابة ﵃ أجمعين، ثم مَنْ بعدهم التابعون ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.
• قوله: (فَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ بِثَمَنِ كَذَا) (١).
أي: كأن يقول البائع مثلًا: أبيعك أحد هذين الثوبين.
• قوله: (أَمَّا الوَجْهُ الأوَّل، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذَا الغُلَامَ بِكَذَا).
إذن، لقد رتب البائع مسألة بيعه على بيع الآخر، كأن يقول: أبيعك هذه الدار بكذا على أن تبيعني هذا الغلام بكذا، فمعنى ذلك: إذا لم يبعه هذا الغلام، لم يبعه الدار، وربما إذا لم يبعه هذا الغلام أيضًا، زاد عليه في سعر الدار، فالبَيْعُ بهذه الصورة فيه جهالةٌ وغررٌ، ولذلك نهى شرعنا الحنيف عنه.
стр. 6963
• قوله: (فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي كِلَيْهِمَا يَكُونُ مَجْهُولًا).
هذا مذهب الإمام الشافعي (١)، وكذلك أيضًا أبو حنيفة (٢) وأحمد (٣)، فهذه الصور كلها لا تجوز عندهم.
• قَوْله: (لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ المَبِيعَيْنِ، لَمْ يَتَّفِقَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي المَبِيعَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَأَصْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رَدِّ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ إِنَّمَا هُوَ جَهْلُ الثَّمَنِ، أَوِ المَثْمُونِ. وَأَمَّا الوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ، أَوْ هَذِهِ الأُخْرَى بِدِينَارَيْنِ عَلَى أَنَّ البَيْعَ قَدْ لَزِمَ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الجَمِيعِ).
"على أن البيع قد لزم في أحدهما"، أي: البيع بهذه الصورة إما أن يكون قد لزم، أي: حصل الالتزام به، وإما أن يكون على الخيار، أي: كأنه يقول له: اختر كذا أو اختر كذا (٤).
• قوله: (وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْدُ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا؛ وَخَالَفَ
стр. 6964
عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَجَازَهُ إِذَا كَانَ النَّقْدُ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا (١)، وَعِلَّةُ مَنْعِهِ عِنْدَ الجَمِيعِ الجَهْلُ؛ وَعِنْدَ مَالِكٍ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ؛ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَخْتَارَ فِي نَفْسِهِ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ).
أَيْ: علَّة المنع عند الإمام مالكٍ ﵀ لا تتفق مع بقيَّة الأئمَّة في هذه الصُّورة، فَجميعٍ الأئمَّة مُتَّفقون على أن علة تحريمها هي الغرر، لكن الإمام مالكًا ﵀ يحرم هذه الصورة من باب سد الذرائع، أي: سد كل بابٍ ربما يوصل البائعين إلى التعامل بالربا؛ ولذلك قال: بالخيار.
ومن هنا بدأ المؤلف يفصل أكثر، فذكر أنه ربما يختار أحد الثوبين أو يختار الآخر، فيحصل عنده ترددٌ في ذلك وتحيُّر، فلم يجزم باختيار أحد الثوبين.
ولهذا، نَجد أن رسول الله ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: "البَيِّعَان بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" (٢).
• قَوْله: (فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ ثَوْبًا وَدِينَارًا بِثَوْبٍ وَدِينَارٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ).
لأنه قد يكون قد اختار ثوبًا في ظاهره، وفي باطنه اختار ثوبًا آخر، فكأنه بهذا التحيُّر قد باع ثوبًا بثَوْبٍ، وهذا على التَّصوُّر.
• قوله: (وَأَمَّا الوَجْهُ الثَّالِث، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذَا
стр. 6965
الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا، أَوْ نَسِيئَةً بِكَذَا) (١).
وهذَا يقع فيه كَثير من الناس؛ كأن يقولَ: أبيعك هذا الثوب، أو هذه السلعة، أو هذه السيارة نقدًا بكذا، أو نسيئةً (إلى أجلٍ) بكذا، فَهذا حاصل وموجود بين الناس.
• قَوْله: (فَهَذَا إِذَا كانَ البَيْعُ فِيهِ وَاجِبًا، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوز، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ البَيْعُ لَازِمًا فِي أَحَدِهِمَا، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ (٢)، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)).
وكَذَلك منعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٥).
• قوله: (لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَلَى ثَمَنٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، وَجَعَلَهُ مَالِكٌ مِنْ بَابِ الخِيَارِ).
وَهَكذا مسائلُ الفِقْهِ مختلفة، وربما نجد في بعضها غموضًا، وربما تحتاج إلى بحثٍ وتدقيقٍ وتأملٍ، وكل الكلام فيها قد يُظن أنه نوعٌ من التكرار (٦)، لكنه في الحقيقة نوعٌ من التوضيح، والمسائل - دائمًا - إذا
стр. 6966
كانت لها أدلة من الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة، فإن الإنسان يتشوق إليها، ويُقْبل عليها أكثر.
وَمَسائل الفقه كثيرةٌ ومتنوعةٌ تستوعب جميع حياتنا، لذا يجدر بنا الاهتمام بدراستها جيدًا حتى لا نقع في الحرام أو في الشبهات.
فحين يقول البائع: أبيعك هذه السيارة نقدًا بخمسة آلافٍ، أو مؤجلًا بستة آلافٍ، فكأنه خيَّره، فالجمهور يقول: لا تجوز هذه الصورة، لأن البائع قال له: هذا وذاك، فأبهم عليه وجعله مترددًا، وأوقعه في الغرر.
أما الإمام مالك ﵀ فردَّ ذلك إلى الخيار، فإما أن يختار هذه، أو يختار هذه.
والجمهور يقولون: ربما يختار إحداهما فيندم، وربما يختار الأخرى، وفي نفسه الثانية، فنرفع هذا الوهم والغرر، ونجعل الأمور صافيةً نقيةً، ونعمل بقول رسول الله ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (١).
• قَوْله: (لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَلَى الخِيَارِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ نَدَمٌ يُوجِبُ تَحْوِيلَ أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ فِي الآخَرِ، وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ المَانِع، فَعِلَّةُ امْتِنَاعِ هَذَا الوَجْهِ الثَّالِثِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جِهَةِ جَهْلِ الثَّمَنِ، فَهُوَ عِنْدَهُمَا مِنْ بُيُوعِ الغَرَرِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا).
وقد نهى الرسول الله ﷺ عن بيع الغرر في حديث أخرجه مسلم وغيره (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ".
стр. 6967
قوله: (وَعِلَّةُ امْتِنَاعِهِ عِنْدَ مَالِكٍ سَدُّ الذَّرِيعَةِ المُوجِبَةِ لِلرِّبَا لإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ الخِيَارُ قَدِ اخْتَارَ أَوَّلًا إِنْفَاذَ العَقْدِ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ المُؤَجَّلِ أَوِ المُعَجَّلِ، ثُمَّ بَدَا لَه، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ).
إذن، نجد في مذهب الإمام مالكٍ ﵀ التردد، وأنه يخشى من أن يكون ذلك وسيلةً إلى الربا؛ فيكون القيد الذي وَضَعه الأئمة الثلاثة هو الأنسب في هذا المقام، وهو الأحوط للمسلم، والأحفظ لدينه أن يبتعد عن مثل هذه الشبهات.
• قوله: (فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ لِلثَّمَنِ الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ بَاعَ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ بِالثَّانِي، فَيَدْخُلُهُ ثَمَنٌ بِثَمَنٍ نَسِيئَةً، أَوْ نَسِيئَةً وَمُتَفَاضِلًا، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كانَ الثَّمَنُ نَقْدًا).
والتردد قد يجلب الندم، والندم قد يحصل في بعض السلع التي ليس فيها ربًا كالثلاجات مثلًا، فإذا سأل المشتري عن اثنين وتردد بينهما، ثم اشترى واحدةً، فربما بعد أن يأخذها يندم ويقول: لو أنني اشتريت الأخرى لكان أفضل، فما بالك بأمورٍ خيرت فيها؛ إما أن تأخذها بمبلغ أقل نقدًا، وإما بمبلغ أكثر مؤجلًا، وتطالب به في وقته!
قوله: (إِنْ كانَ الثَّمَنُ غَيْرَ نَقْدٍ بَلْ طَعَامًا، دَخَلَهُ وَجْهٌ آخَر، وَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا) (١).
كذلك أيضًا يدخله التفاضل؛ لأن الطعام كما قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٢)، وكما هو معلوم ما
стр. 6968
جاء في بيع التمر، وفي قصة تمر الجمع، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا" (١)، أي: تمرًا جيِّدًا.
• قوله: (وَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي إِلَى أَجَلٍ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ العِينَةِ، وَهُوَ بَيْعُ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَه، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا عِلَّةُ جَهْلِ الثَّمَنِ).
تَكرَّرت هذه المسألة من قبل، وكلمة: "العينة" بها علةٌ صرفيةٌ، فأصلها "عِوْنة"، وقعت الواو ساكنةً بعد كسرٍ، فقُلِبَت ياءً، فصارت "عِينة" (٢)، ومعناها في اللغة (٣): السلف، يقال: اعتان الرجل: إذا اشترى الشيء بالشيء نسيئةً، أو اشترى بنسيئةٍ، وقيل لهذا البيع عينةً؛ لأن مشتري السلعة إلى أجلٍ يأخذ بدلها (أي: من البائع)، عينًا، أي: نقدًا حاضرًا.
واصطلاحًا: قرض في صورة بيع لاستحلال الفضل.
وللعينة المنهي عنها تفسيراتٌ، أشهرها (٤): أن يبيع سلعةً بثمنٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ثم يشتريها نفسها نقدًا بثمنٍ أقل قبل انقضاء المدة، وفي نهاية
стр. 6969
الأجل يدفع المشتري الثمن الأول، والفرق بين الثمنين فضل، هو ربا للبائع الأول، وهذه من الحيل.
وقد جاء في ذلك الوعيد الشديد عن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا تبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ" (١).
إذن، قد حذرنا من العينة الرسول ﷺ نصًّا، فجمهور العلماء كأبي حنيفة (٢) ومالكٍ (٣) وأحمد (٤) يرون أن بيع العينة محرمٌ، أما الشافعية فيجيزونه (٥)، ولا شك أن مذهب الجمهور أرجح، وسبق وقَدْ ذكَرنا هذه المسألة.
وقد جاء المؤلف ﵀ بمثالٍ مقلوبٍ هو نفس المعنى الصَّحيح ورأيت أحد الكتب التي تعلق على المثال الذي ذَكَره المؤلف، ويقول: "أخطأ المؤلف في المثال"، والمؤلف لم يخطئ، بل قدم الشراء على البيع بقوله: "أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي إِلَى أَجَلٍ"، فلو قَدَّمنا الجملة الثانية على الأولى، لَكَانت هي المثال الصحيح.
стр. 6970
إذن، ما فعله المؤلف، فهو التقديم والتأخير ليس إلا، ومضمون عبارة المؤلف صحيحة، لكنه قدم العَجُز على الصدر.
قَوْله: (وَأَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ: أَبِيعُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ بدِينَارٍ، وَقَدْ لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا أَيُّهُمَا يَخْتَار، وَافْتَرَقَا قَبْلَ الخِيَارِ).
كأَنْ يقول البائع: أبيعك أحد هذين الثوبين بكذا، فاختار واحدًا منهما، يعني: يلزمه بيع أحدهما.
• قَوْله: (فَإذَا كَانَ الثَّوْبَان مِنْ صِنْفَيْنِ، وَهُمَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ أَحَدُهُمَا فِي الثَّانِي).
"يُسْلم"، أي: يسلم فيه، وهو السَّلَم، وسيأتي الكلام عنه مفصلًا، ورُبَّما يُوضح في هذا المقام بعض الصُّور التي فيها بعض الغموض، لأن المؤلف أدخل بعض مسائل السلم في مسائل البيوع، والسَّلم - كما هو معلومٌ - نوعٌ من أنواع البيوع، أفْرَده العلماء بباب مستقل.
و"السَّلَم" (١): هو بيع شيءٍ موصوف في الذمة بلفظ السَّلَم أو السلف، وهو مستثنًى من بيع المعدوم وما ليس عند الإنسان، وذلك لحاجة الناس إلى مثل هذا العقد.
ومثاله: أن تدفع مالًا إلى شخصٍ على أن يعطيك بعد ذلك السلعة، وله شروطٌ معروفةٌ أشارت إليها أحاديث رسول الله ﷺ ، كقوله: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).
وَللْبُخَارِيِّ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ" (٣)، وأضَافَ العُلَماء إلى ذلك أيضًا شروطًا أخرى مُفصَّلة في بابها.