← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

كانت لها أدلة من الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة، فإن الإنسان يتشوق إليها، ويُقْبل عليها أكثر. وَمَسائل الفقه كثيرةٌ ومتنوعةٌ تستوعب جميع حياتنا، لذا يجدر بنا الاهتمام بدراستها جيدًا حتى لا نقع في الحرام أو في الشبهات. فحين يقول البائع: أبيعك هذه السيارة نقدًا بخمسة آلافٍ، أو مؤجلًا بستة آلافٍ، فكأنه خيَّره، فالجمهور يقول: لا تجوز هذه الصورة، لأن البائع قال له: هذا وذاك، فأبهم عليه وجعله مترددًا، وأوقعه في الغرر. أما الإمام مالك ﵀ فردَّ ذلك إلى الخيار، فإما أن يختار هذه، أو يختار هذه. والجمهور يقولون: ربما يختار إحداهما فيندم، وربما يختار الأخرى، وفي نفسه الثانية، فنرفع هذا الوهم والغرر، ونجعل الأمور صافيةً نقيةً، ونعمل بقول رسول الله ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (١). • قَوْله: (لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَلَى الخِيَارِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ نَدَمٌ يُوجِبُ تَحْوِيلَ أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ فِي الآخَرِ، وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ المَانِع، فَعِلَّةُ امْتِنَاعِ هَذَا الوَجْهِ الثَّالِثِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جِهَةِ جَهْلِ الثَّمَنِ، فَهُوَ عِنْدَهُمَا مِنْ بُيُوعِ الغَرَرِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا). وقد نهى الرسول الله ﷺ عن بيع الغرر في حديث أخرجه مسلم وغيره (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ".

стр. 6967

قوله: (وَعِلَّةُ امْتِنَاعِهِ عِنْدَ مَالِكٍ سَدُّ الذَّرِيعَةِ المُوجِبَةِ لِلرِّبَا لإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ الخِيَارُ قَدِ اخْتَارَ أَوَّلًا إِنْفَاذَ العَقْدِ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ المُؤَجَّلِ أَوِ المُعَجَّلِ، ثُمَّ بَدَا لَه، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ). إذن، نجد في مذهب الإمام مالكٍ ﵀ التردد، وأنه يخشى من أن يكون ذلك وسيلةً إلى الربا؛ فيكون القيد الذي وَضَعه الأئمة الثلاثة هو الأنسب في هذا المقام، وهو الأحوط للمسلم، والأحفظ لدينه أن يبتعد عن مثل هذه الشبهات. • قوله: (فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ لِلثَّمَنِ الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ بَاعَ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ بِالثَّانِي، فَيَدْخُلُهُ ثَمَنٌ بِثَمَنٍ نَسِيئَةً، أَوْ نَسِيئَةً وَمُتَفَاضِلًا، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كانَ الثَّمَنُ نَقْدًا). والتردد قد يجلب الندم، والندم قد يحصل في بعض السلع التي ليس فيها ربًا كالثلاجات مثلًا، فإذا سأل المشتري عن اثنين وتردد بينهما، ثم اشترى واحدةً، فربما بعد أن يأخذها يندم ويقول: لو أنني اشتريت الأخرى لكان أفضل، فما بالك بأمورٍ خيرت فيها؛ إما أن تأخذها بمبلغ أقل نقدًا، وإما بمبلغ أكثر مؤجلًا، وتطالب به في وقته! قوله: (إِنْ كانَ الثَّمَنُ غَيْرَ نَقْدٍ بَلْ طَعَامًا، دَخَلَهُ وَجْهٌ آخَر، وَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا) (١). كذلك أيضًا يدخله التفاضل؛ لأن الطعام كما قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَصْنَاف، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٢)، وكما هو معلوم ما

стр. 6968

جاء في بيع التمر، وفي قصة تمر الجمع، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ "، قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا" (١)، أي: تمرًا جيِّدًا. • قوله: (وَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي إِلَى أَجَلٍ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ العِينَةِ، وَهُوَ بَيْعُ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَه، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا عِلَّةُ جَهْلِ الثَّمَنِ). تَكرَّرت هذه المسألة من قبل، وكلمة: "العينة" بها علةٌ صرفيةٌ، فأصلها "عِوْنة"، وقعت الواو ساكنةً بعد كسرٍ، فقُلِبَت ياءً، فصارت "عِينة" (٢)، ومعناها في اللغة (٣): السلف، يقال: اعتان الرجل: إذا اشترى الشيء بالشيء نسيئةً، أو اشترى بنسيئةٍ، وقيل لهذا البيع عينةً؛ لأن مشتري السلعة إلى أجلٍ يأخذ بدلها (أي: من البائع)، عينًا، أي: نقدًا حاضرًا. واصطلاحًا: قرض في صورة بيع لاستحلال الفضل. وللعينة المنهي عنها تفسيراتٌ، أشهرها (٤): أن يبيع سلعةً بثمنٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ثم يشتريها نفسها نقدًا بثمنٍ أقل قبل انقضاء المدة، وفي نهاية

стр. 6969

الأجل يدفع المشتري الثمن الأول، والفرق بين الثمنين فضل، هو ربا للبائع الأول، وهذه من الحيل. وقد جاء في ذلك الوعيد الشديد عن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا تبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ" (١). إذن، قد حذرنا من العينة الرسول ﷺ نصًّا، فجمهور العلماء كأبي حنيفة (٢) ومالكٍ (٣) وأحمد (٤) يرون أن بيع العينة محرمٌ، أما الشافعية فيجيزونه (٥)، ولا شك أن مذهب الجمهور أرجح، وسبق وقَدْ ذكَرنا هذه المسألة. وقد جاء المؤلف ﵀ بمثالٍ مقلوبٍ هو نفس المعنى الصَّحيح ورأيت أحد الكتب التي تعلق على المثال الذي ذَكَره المؤلف، ويقول: "أخطأ المؤلف في المثال"، والمؤلف لم يخطئ، بل قدم الشراء على البيع بقوله: "أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي إِلَى أَجَلٍ"، فلو قَدَّمنا الجملة الثانية على الأولى، لَكَانت هي المثال الصحيح.

стр. 6970

إذن، ما فعله المؤلف، فهو التقديم والتأخير ليس إلا، ومضمون عبارة المؤلف صحيحة، لكنه قدم العَجُز على الصدر. قَوْله: (وَأَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ: أَبِيعُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ بدِينَارٍ، وَقَدْ لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا أَيُّهُمَا يَخْتَار، وَافْتَرَقَا قَبْلَ الخِيَارِ). كأَنْ يقول البائع: أبيعك أحد هذين الثوبين بكذا، فاختار واحدًا منهما، يعني: يلزمه بيع أحدهما. • قَوْله: (فَإذَا كَانَ الثَّوْبَان مِنْ صِنْفَيْنِ، وَهُمَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ أَحَدُهُمَا فِي الثَّانِي). "يُسْلم"، أي: يسلم فيه، وهو السَّلَم، وسيأتي الكلام عنه مفصلًا، ورُبَّما يُوضح في هذا المقام بعض الصُّور التي فيها بعض الغموض، لأن المؤلف أدخل بعض مسائل السلم في مسائل البيوع، والسَّلم - كما هو معلومٌ - نوعٌ من أنواع البيوع، أفْرَده العلماء بباب مستقل. و"السَّلَم" (١): هو بيع شيءٍ موصوف في الذمة بلفظ السَّلَم أو السلف، وهو مستثنًى من بيع المعدوم وما ليس عند الإنسان، وذلك لحاجة الناس إلى مثل هذا العقد. ومثاله: أن تدفع مالًا إلى شخصٍ على أن يعطيك بعد ذلك السلعة، وله شروطٌ معروفةٌ أشارت إليها أحاديث رسول الله ﷺ ، كقوله: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). وَللْبُخَارِيِّ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ" (٣)، وأضَافَ العُلَماء إلى ذلك أيضًا شروطًا أخرى مُفصَّلة في بابها.

стр. 6971

• قوله: (فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ مَالِكٍ (١)، وَالشَّافِعِيِّ (٢) فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ). القَوْل بالتحريم ليس محصورًا على الشَّافعيِّ ومالكٍ فقط، بل كلُّ العُلَماء والأئمة مُتَّفقون على أنه عدم جوازه (٣)؛ لأن الغرر واضحٌ فيه، لكن إن كان من صنفٍ واحدٍ، فلا بأس به. • قَوْله: (وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّهُ يَجُوزُ (٤)، وَعِلَّةُ المَنْعِ الجَهْلُ وَالغَرَر، وَأَمَّا إِنْ كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، فَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ (٥)، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ). وكَذَلك لا يجوز عند الإمام أحمد ﵀، فثَلاثتُهُم متَّفقون على ذلك.

стр. 6972

• قَوْله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَإِنَّهُ أَجَازَهُ؛ لِأَنَّهُ يُجِيزُ الخِيَارَ بَعْدَ عَقْدِ البَيْعِ فِي الأصْنَافِ المُسْتَوِيَةِ). اعتبر الإمام مالكٌ ﵀ ذلك نوعًا من الخيار، فباختيار أحدهما يعتبر البيع لازمًا، وتحدد في حقِّه، وغير الإمام مالكٍ يعتبر ذلك بيعتين في بيعةٍ، وقد عرفهما عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله: "صفقتان في صفقةٍ ربًا" (١)، يعني: بيعتان في بيعة ربًا، وهو معنى حديث رسول الله ﷺ أنه نهى عن بيعتين في بيعة … الحديث (٢). • قوله: (لِقِلَّةِ الغَرَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ). أي: يرى الإمام مالكٌ - الله - أن الغرر في ذلك يسيرٌ، وأنه يمكن أن يتجاوز عنه، والقائلون بعدم الجواز يقولون: الغرر في ذلك واضحٌ، وليس يسيرًا؛ لأن المشتري وقع في إبهامٍ وحيرةٍ. • قَوْله: (وَأَمَّا مَنْ لَا يجِيزُه، فَيَعْتَبِرُهُ بِالغَرَرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُمَا افْتَرَقَا عَلَى بَيْعٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ). "علَى بيعٍ غير معلومٍ"، أي: علَى بيع مبهم لم يكن محددًا. قَوْله: (وَبِالجُمْلَةِ، فَالفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الغَرَرَ الكَثِيرَ فِي المَبِيعَاتِ لَا يَجُوزُ). كأن المؤلف رحمه الله تعالى عاد على ما سبق بإيجاز؛ فبيَّن أن العلماء متفقون على أن الغرر ينقسم إلى قسمين (٣):

стр. 6973

الأوَّل (١): غرر يسير، وهذا متسامحٌ فيه، وقد مرَّت نَماذجُ كثيرةٌ مثل ذلك في الشريعة الإسلامية، فكل بابٍ من الأبواب فيه من التسامح ما فيه، فمَنْ لم يستطع أن يتوضأ مثلًا، فإنه يتيمم، ومَنْ جرح أو كسر وعليه جبيرةٌ، فيمسح على الجبيرة، وكذلك بعض النجاسات المعفو عنها، والقاعدة المعلومة: أن "المشقة تجلب التيسير" (٢). وقد بيَّن العلماء أن أسباب التخفيف في الشريعة سبعة: * فالمسافر يخفف عنه. * وكذلك المريض.

стр. 6974

* والعبد. * والمرأة. * وكذلك أيضًا الجاهل. * والنَّاسي. * والمُكْره. فعُنيَت الشريعة الإسلامية بهؤلاء السَّبعة بسبب حَالهم، وخُفِّفت عنهم، ولقد سبق أن تكلَّمنا عن ذلك كلِّه بنوعٍ من التفصيل. • قَوْله: (وَأَنَّ القَلِيلَ يَجُوزُ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الغَرَرِ، فَبَعْضُهُمْ يُلْحِقُهَا بِالغَرَرِ الكَثِيرٍ، وَبَعْضُهُمْ يُلْحِقُهَا بِالغَرَرِ القَلِيلِ المُبَاحِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ. فَإِذَا قُلْنَا بِالجَوَازِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَقَبْضُ الثَّوْبَيْنِ مِنَ المُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَخْتَارَ، فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ، فَمَنْ يُصِيبُهُ ذَلِكَ؟). فلَوْ طرأ عيب على المبيع بأن احترق بعد التردد الذي حصل في أول البيع، فمن سيضمن ذلك التلف؟! لا شك أن الضرر سيقع على أحدهما. وعليه، فما اتَّخذه جمهور العلماء من تحريم مثل ذلك البيع هو حَسْمٌ لهذه المسألة، وإغلاقٌ لهذا الباب بكلِّ ما فيه من ضررٍ. • قَوْله: (فَقِيلَ: تَكُونُ المُصِيبَةُ بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: بَلْ يَضْمَنُهُ كُلَّهُ المُشْتَرِي إِلَّا أَنْ تَقُومَ البَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِهِ. وَقِيلَ: فَرْقٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الثِّيَابِ وَمَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ مَا لَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ كَالعَبْدِ، فَيُضَمَّنُ فِيمَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُضَمَّنُ فِيمَا لَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا هَلْ يَلْزَمُهُ أَخْذُ البَاقِي؟ قِيلَ:

стр. 6975

يَلْزَمُ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَم، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي أَحْكَامِ البُيُوعِ (١)). سيَاتِي تفصيل كلِّ ذلك - كما مرَّ تفصيله - في بيع النجش، وبيع المُلَامسة، وبيع الحصاة، وبيع الآبق، وقد أحسن المؤلف صنعًا؛ لأنه فصل في أحكام البيع لشدة الحاجة إلى ذلك. قوله: (وينْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ المَسَائِلَ الدَّاخِلَةَ فِي هَذَا المَعْنَى هِيَ: أَمَّا عِنْدَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فَمِنْ بَابِ الغَرَرِ، وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ، فَمِنْهَا مَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ ذَرَائِعِ الرِّبَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الغَرَرِ). والخلاصة: أن كلَّ ما مرَّ من مسائل من اختلاف الفقهاء - وبخاصة اختلافهم في النوع الأخير (بيعتان في بيعة) - قاعدةٌ ثابتةٌ مستقرةٌ لا تتغير عند الأئمة الثلاثة في الغرر، وكذلك الإمام مالك أحيانًا، فقد يعتبرها من البيوع الربوية، أو من باب سد الذرائع التي توصل إلى الربا، وأحيانًا يراها من باب الخيار (٢). • قوله: (فَهَذِهِ هِيَ المَسَائِلُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالمَنْطُوقِ بِهِ فِي هَذَا البَابِ. وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا) (٣).

стр. 6976

وبَيْع الثُّنْيا كالبيع على ألَّا يبيع ولا يهب، وقد نهى الرسول ﷺ عن بيع الثنيا إلا أن تكون معلومةً (١)، وهو ما استثنيته من البيوع، وهذا الاستثناء إنْ كان موافقًا لما في الكتاب والسُّنة، فيؤخذ به، وإلَّا فلا، فكلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى، فهو باطل، وإنْ كان مئة شرطٍ، وسيتكلم عنه المؤلف بالتفصيل إن شاء الله تعالى، وسيتكلم المؤلف في قصة بريرة - إن شاء الله - في محله. • قوله: (وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ). وسيأتي أيضًا التفصيل فيه، وقد ورد فيه أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع وشرطٍ" (٢)، وبعض العلماء قد ضعَّف هذا الحديث، ولذلك لم يعتدَّ به؛ فلو بيعت دار، واشترط صاحبها سكناها مدةً، فقد جوزه بعض العلماء (٣)، وحرمه بعضهم؛ عملًا بالحديث، وأخذًا به (٤).

стр. 6977

• قوله: (فَهُوَ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ الغَرَر، فَالأَشْبَهُ أَنْ نَذْكرَهَا فِي المَبِيعَاتِ الفَاسِدَةِ مِنْ قِبَلِ الشُّرُوطِ). عادة الفقهاء أن يذكروا هذا البيع في البيوع الفاسدة، ولا غروَ في ذلك؛ لأن البيع فيها فاسدٌ. ([فَصْلٌ: البُيُوعُ المَسْكُوتُ عَنْهَا]) أورد المؤلف من قبل جملةً من الأحاديث الصحيحة، والمتفق عليها (١) في نهي الرسول الله ﷺ "عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها"، و"عن بيع النخيل حتى تزهى"، و"عن بيع السنبلة حتى يبيض"، وبَيَّن أنه سيتكلم عن عيون المسائل، أي: أُمَّهاتها، أو عمَّا هو منطوقٌ به في الشرع، وعمَّا هو مسكوتٌ عنه، وأنه سيبدأ بالمنطوق فيه، والآن سيأتي إلى الشطر الثاني وهي المسائل التي سكت عنها الشرع، وهذه تحتاج إلى التدقيق فيها أكثر. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: وَأَمَّا المَسَائِلُ المَسْكُوتُ عَنْهَا فِي هَذَا البَابِ المُخْتَلَف فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فَكَثِيرَةٌ). فقهاء الأمصار: كالليث بن سعد بمصر (٢)، ثم من بعده الشافعي (٣)،

стр. 6978

وكأبي حنيفة بالكوفة (١)، وشيخه حماد بن أبي سليمان (٢)، وقبله إبراهيم النخعي (٣)، وكالأوزاعي بالشام (٤)، وهكذا نجد أن لكل مصرٍ (أي: لكل بلدٍ من البلدان) فقيهًا. * قوله: (لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا). وكذلك فقيه المدينة (٥). • قوله: (لِتَكُونَ كَالقَانُون لِلْمُجْتَهِدِ النَّظَّارِ). سَبَق أنْ فصَّلنا في مسألة القانون، وبينا أنه يقصد به المقياس، والمراد به (٦): ما يقابل الأصل أو الضابط، فهو يشبه القاعدة الفقهية، أو القاعدة الأُصُوليَّة التي يندرج تحتها كثير من الفروع الجزئيات، فتوضع القاعدة ثم بعدُ تُجْمع المسائل والجزئيات المتشابهة المنتثرة، فتُجْعل تحت لواء هذا القانون أو هذا الأصل (٧). • قوله: (مَسْأَلَة: الْمَبِيعَاتُ عَلَى نَوْعَيْنِ: مَبِيعٌ حَاضِرٌ مَرْئِيٌّ، فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي بَيْعِهِ). وذلك أنَّك إذا ذهبت إلى متجر من المتاجر، أو مصنع، أو بقالة، أو مزاد، تجد أنَّ السلع أمامك مشاهدة ومرئية، فلمَّا يَشتري المرء هذا الشيء فهو يراه، وله أن يَقبله، أو يَرده، وقد مر علينا نهي رسول الله ﷺ عن بيع

стр. 6979

المنابذة (١)، وقد نهى الرسولُ ﷺ عن ذلك لما فيه من الغرر والجهالة (٢). وكونه لا خلاف في بيعه؛ لأنَّك تشتري أمرًا حاضرًا مشاهدًا، أمَّا إذا دلس عليك البائع، وغشك، ووجدت في داخله عيبًا؛ فهذه مسائل أُخرى سيأتي الكلام عن شروطها. • قوله: (وَمَبِيعٌ غَائِبٌ، أَوْ مُتَعَذِّرُ الرُّويَةِ، فَهُنَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ). والمبيع الغائب: هو غير الموجود أمامك، والمتعذر الرؤية: هو ما يصعب عليك أن تراه؛ لتعذر الوصول إليه، إمَّا أن يكون أساسًا لشيءٍ كأساسِ الذَّهب، وربما أنَّه يحول بينك وبين أن تصل إليه حائل يمنعك من أن تصل إليه. وكان ينبغي أن يُضيف المؤلف إلى ذلك أمرًا آخر، وهو: مرئي رؤية سابقة؛ لأنَّ المبيعَ إمَّا مشاهد مرئي في الحال، أو مرئي رؤية سابقة، والرؤية السابقة أيضًا يقسمها الفقهاء إلى قسمين: - الأول: رؤية قريبة لم يمض عليها زمن يمكن أن يحصل فيه التغير: فأنت لو رأيت دارًا جديدة قبل شهرين، فالغالب أنَّ الدارَ لا يحصل لها تغييرًا خلال تلك الفترة، وكذلك السيارة لو رأيتها قبل شهر مثلًا - ما لم يحصل لها حادث، أو نحوه -، فإنها غالبًا لا تتأثر بشيءٍ ذي بال خلال تلك الفترة.

стр. 6980

- الثاني: رؤية بعيدة مضى عليها زمنًا يمكن أن يحصل فيه تغييرًا، فلو رأيت حيوانًا مثلًا منذ شهرين، فاحتمال وقوع التغيير فيه وارد. إذن المبيع كما ذكر المؤلف، إمَّا مشاهد مرئي في الحال، أو مرئي قبل فترة، أو غائب غير مرئي، وهذا الغائب، إمَّا أنَّه يَتعذر الوصل إليه، أو لا يتعذر. ويأتي هنا الكلام عن الغائب: هل هذا الغائب لو وُصف للمشتري يكون ذلك الوصف كافيًا؟، أي مثلًا: لو أنَّ إنسانًا له سيارة، أو عنده جملٍ، أو دار غائبة يريد أن يبيعها لإنسان، فيعطيه أوصافها، أوصافًا دقيقة، هل إذا وجد تلكم الأوصاف على غير تلكم الصفة التي نعتها له البائع له الخيار أن يردها. أو لا؟، وهل يجوز أن يبيعَ بيعًا دون رؤية، ودونا وصف؟ كل ذلك تكلم فيه العلماء، وفصَّلوا الأقوال فيه، والمؤلف بحمد الله أوجزه، فنقف عند إيجازه، ونضيف بعض البيان إن شاءَ اللهُ تَعالى. قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: بَيْعُ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، لَا مَا وُصِفَ وَلَا مَا لَمْ يُوصَفْ، وَهَذَا أَشْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، أَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ لَا يَجُوزُ). وهو كما ذكر المؤلف، لأنَّ أشد الأئمة الأربعة في ذلك هو الإمام الشافعي: فهو يرى أنَّ المبيعَ الغائب لا يجوز، حتىى إن وُصف ونُعت وكان الوَصف دَقيقًا (١)، وله رأي آخر: يرى فيه جواز ذلك مع الوصف (٢)،

стр. 6981

وهناك رأي ثالث عند الشافعية: وهو أنَّه يجوز حتى دون وصف، بشرط الخيار (١)، وهذه الآراء في مذهب مالك، وفي مذهب أحمد (٢)، لذلك كل ما ابتعدنا عن الأدلة كثر الخلاف وتعدد، وتنوعت الجزئيات والأقوال، ففي الأول الخلاف كان محصورًا، وفي مسألة (بيعتين في بيعة): نجد أنَّ العلماءَ انقسموا: الأئمة الثلاثة في جانب، ومالك في جانب آخر، ولم يكن الخلاف أيضًا بين الأئمة الثلاثة ومالك خلافًا كبيرًا، إنَّما كل ما في الأمر هو في فهم السبب المانع؛ هل هو سد باب الذرائع التي توصل إلى الربا، أم هو الخيار، أو الغرر الذي يسير مع تلك المسائل. في واقعنا مسائل أصبحت مسكوتًا عنها، بعضها مرئيٌّ؛ الحكم فيه واضح، لكن غير المرئي ما الحكم فيه؟ مع أنَّ في ذلك تضييقًا على النَّاسِ، فلو كان إنسان مثلًا له دار في بلدٍ ما لا يستطيع أن يصل إليها، ويريد أن يبيعها، ويستفيد منها، فهل يقال لا يجوز ذلك؟ وقد حصل أن تبايع عثمان ﵁ وطلحة بن عبيد الله دارين لهما بالكوفة (٣) (٤)، ولكنَّ الذين عارضوا في ذلك - وهم الشافعية - قالوا: لأنَّ هذا أثر، وهو مرسل ضعيف (٥)، وسوف يتبين لنا أنَّ دليلَ الشافعية في هذا هو ما كان معنَا

стр. 6982

سابقًا، وهم يرون أنَّ ذلك فيه غرر، ولم يوافقهم الحنفية، والحنابلة في هذا (١). قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ مِمَّا يُؤْمَنُ أَنْ تتغَيَّرَ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ صِفَتُةُ). وهي رواية للإمام أحمد (٢). فمثلًا: إنسان يقول عندي سيارة في المكان الفلاني، أريدها بعنيها، هكذا فهل هذا جاز دون أن يراها؟ فكان العلماء فيما مضى يمثلون بأمثلة: يقولون مثلًا عندي مملوك رومي، ويصفه؛ فيعطيه أوصافه، شكله كذا، طوله كذا، وعمره إلى آخر

стр. 6983

أوصافه الدقيقة، وإذا كان عنده صنعةً يُشير إلى صنعته، فهذا يعتبرونه موصوفًا وصفًا دقيقًا. وقد يقول أحدهم مثلًا عندي مملوك رومي هنا، فقد وصفه بأنَّه رومي، لكن لم يبين أوصافه التي يتميز بها، فيكون الوصف ناقصًا حينها. إذن الوصف المراد ليس على إطلاقه، فقد يكون دقيقًا يعطي تصورًا كاملًا، وكأنَّ الإنسان يشاهده، بحيث لو أنَّ إنسانًا وصف لإنسانٍ دارًا، أو وصف له سلعةً من السلع، فإذا شاهدها وجد أنَّ تلكم الأوصاف هي التي ذُكرت له، فكأنَّه رآها رؤية سابقة، وربما لا يستطيع الواصف أن يصف وصفًا كاملًا، أو يتعمد فَيُدَلس عليه بعض الأمور، فإذا شاهد وجد أنَّ الصورة تختلف. فهل له خيار الرؤية؟ (١). • قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ، ثُمَّ لَهُ إِذَا رَآهَا الْخِيَار، فَإِنْ شَاءَ أَنْفَذَ الْبَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ). أي: من غير وصف، لكن له شرط وهو الخيار (٢)، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد (٣)، وقول للمالكية (٤)، وسبب تعدد الأقوال في المذاهب هو

стр. 6984

عدم وجود نصٍّ يحسم الخلاف في هذه المسألة، فهناك من ينظر إلى التيسير على الناس، والشريعة إنَّما بُنيت على التيسير، ومن التيسير ألَّا يُضيَّق على الناس في بيوعاتهم، وفي تصرفاتهم، وبعضهم يقول: لا، هذه بيوع ينبغي أن تُبنى على التَّشدد والحيطة في أمرها، خشية الوقوع في الغرر. • قوله: (وَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَهُمْ خِيَارُ الرُّؤيَةِ وإنْ جَاءَ عَلَى الصِّفَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِذَا جَاءَ عَلَى الصِّفَةِ فَهُوَ لَازِمٌ (١)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَصْلًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ، خِيَارِ الرُّويَةِ (٢)، وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ). قوله: ما في المذهب يعني في مذهب مالك (٣)، وكذا كُلما أَطلقَ فإنَّه يريد مذهب مالك. والمدونة: هي من جمع الإمام سحنون، رواية ابن القاسم، عن مالك، وبعض المسائل لا يفتي فيها الإمام مالك، ويسكت عنها، فيجيب

стр. 6985

عنها ابن القاسم، فالمدونة إذن منسوبة إلى سحنون، وهي تجمع ثروةً عظيمةً فقهيةً من فقه المالكية (١)، وهي لا تخلو من بعض الأحاديث، لكنَّها ليست كثيرة إذا ما قورنت بكتابي "المغني"، و"المجموع". • قوله: (وَأَنْكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَقَالَ: هُوَ مُخَالِفٌ لِأُصُولِنَا (٢)، وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ نُقْصَانُ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالصِّفَةِ عَنِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحِسِّ هُوَ جَهْل مُؤَثِّرٌ فِي بَيْعِ الشَّيءِ، فَيَكُونُ مِنَ الْغَرَرِ الْكَثِيرٍ، أَمْ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ، وَأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ؟). وعبد الوهاب من كبار شيوخ المالكية، و (الحس): هو ما يُدرك عن طريق الحواس المعروفة؛ الإبصار واللمس، والشم، والذوق، وشيء تراه أمامك مشاهدةً، وآخر لا تراه، بل يوصف لك، لا شكَّ أنَّ هذا لا يكون مثل هذا، وكما قال الشاعر: فما رأيك من سمع، ففرق بين شيء تراه، وبين شيء تسمع عنه فقط. • قوله: (فَالشَّافِعِيُّ: رَآهُ مِنَ الْغَرَرِ الْكَثِيرِ (٣)، وَمَالِكٌ: رَآهُ مِنَ

стр. 6986

الْغَرَرِ الْيَسِيرِ (١)، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ خِيَارُ الرُّؤيَةِ أَنَّهُ لَا غَرَرَ هُنَاكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ رُؤيَةٌ، وَأَمَّا مَالِكٌ ﵀: فَرَأَى أَنَّ الْجَهْلَ الْمُقْتَرِنَ بِعَدَمِ الصِّفَةِ مُؤَثِّرٌ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ، وَلَا خِلَافَ عِنْدِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الصِّفَةَ إِنَّمَا تَنُوبُ عَنِ الْمُعَايَنَةِ لِمَكَانِ غَيْبَةِ الْمَبِيعِ، أَوْ لِمَكَانِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي فِي نَشْرِهِ، وَمَا يُخَافُ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنَ الْفَسَادِ بِتَكْرَارِ النَّشْرِ عَلَيْهِ). فإذا غاب المبيع، وتعذر الوصول إليه، فإنَّه في هذه الحالة يُباع، وسيذكر المؤلف ما حصل في قصة عثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ (٢)، وهناك قصة أُخرى حصلت بين عثمان وطلحة ﵄؛ كل منهما باع الآخر دارًا غائبة (٣)، بخلاف الشافعية؛ فإنَّ الأئمةَ الثلاثةَ كما يظهر أقوالهم متقاربة، وبخاصة إذا أخذنا بالقول الآخر، فنجد أنَّ الأئمة الثلاثة يجتمعون عند قوله: أنَّه يجوز بيع الغائب، وهو الذي قال به أبو حنيفة (٤)، وأخذ به الحنابلة (٥)، والمالكية في رواية (٦). وأمَّا منع الشافعية (٧): فسببه أنهم لا (٨) يرون الاستدلال بأحاديثَ:

стр. 6987

أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن بيع الغرر، وجمهور العلماء يستدلون بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وقالوا: الآية أطلقت في هذا المقام، ولم تخص المرئي من غيره، ولم يرد عن رسول الله ﷺ شيء من ذلك، وأمَّا ما ورد في ذلك؛ كحديث أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من اشترى مبيعًا لم يره؛ فإذا ما رآه - معنى الحديث - فله الخيار". فهو حديث ضعيف، وقد ذكره البيهقي، والدارقطني؛ وضعفه (١). ولا خلاف عند مالك أنَّ الصفة إنما تنوب عن المعاينة، يعني أن يصف البائع السلعة للمشتري؛ فيقول: لدي دارًا وصفها كذا - ويذكر كل تفاصيلها -، أو يكون ثوبًا، أو غير ذلك من السلع، هذا الوصف جائز عند المالكية (٢)، وعند الحنابلة (٣). • قوله: (وَمَا يُخَافُ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنَ الْفَسَادِ بِتَكْرَارِ النَّشْرِ عَلَيْهِ). أي: كذلك ما يُخشى تَطرق الفساد إليه، تنوب فيه الصفة عن المعاينة. • قوله: (وَبهَذَا أَجَازَ الْبَيْعَ عَلَى الْبَرْنَامَجِ عَلَى الصِّفَةِ، وَلَمْ يَجُزْ عَنْدَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي جِرَابِهِ، وَلَا الثَّوْبِ الْمَطْوِيِّ فِي طَيِّهِ حَتَّى يُنْشَرَ، أَوْ يُنْظَرَ إِلَى مَا فِي جِرَابِهَا). وذلك؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن بيع الملامسة (٤)، ومعلومٌ أنَّ من يلمس الثوب دون أن يقلبه لن يعلم ما فيه، وهذا مما نُهي عنه.

стр. 6988

قوله: (وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : وَدِدْنَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تبَايَعَا حَتَّى نَعْلَمَ أَيُّهُمَا أَعْظَمُ جَدًّا فِي التِّجَارَةِ، فَاشْتَرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَرَسًا بِأَرْضٍ لَهُ أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، أَوْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ، وَفِيهِ بَيْعُ الْغَائِبِ مُطْلَقًا). وذلك لِما عُرف عنهما من الخبرة، والدراية فيما يتعلق بأمور التجارة، فعثمان بن عفان ﵁ معروف شأنه في الإسلام، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد المبشرين بالجنة، وكذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁ هو أحد المبشرين بالجنة. وهذا ليس حديثًا مرفوعًا إلى الرسول ﷺ ، وإنما هي أمنية تمناها بعض الصحابة ﵃ أن يحصل تبايع بين الصحابيين الجليلين، ليُرى أيهما أكثر خبرة، أو أقدر في أمور التجارة، وكلاهما له باع معروف في هذا الأمر. وهذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، وقد اعترض عليه الشافعية، وهم كما ذكرنا لا يجيزون بيع الغائب مطلقًا في الرأي المشهور عندهم، ويستدلون بأنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر، ويعتبرون ذلك من الغرر، لما فيه من الجهالة، فهو داخل في النَّصِّ، وأمَّا بقية العلماء خالفوا، فأبو حنيفة يجيز الغائب مطلقًا بشرط أن يُرى بعد ذلك، ومالك وأحمد يُجيزانه بالوصف. • قوله: (وَلَا بُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ اشْتِرَاطِ الْجِنْسِ (١). وَيَدْخُلُ

стр. 6989

الْبَيْعُ عَلَى الصِّفَةِ، أَوْ عَلَى خِيَارِ الرُّؤيَةِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ غَائِبٌ غَرَرٌ آخَر، وَهُوَ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَوْ مَعْدُومٌ؟). وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك" (١)، وغيره من الأحاديث الصحيحة أنَّه لا يجوز لمسلم أن يبيعَ سلعة ليست عنده، بدعوى أنَّه يذهب ليشتريها، ونحو ذلك. فكلام العلماء فيما هو موجودٌ، لكنه يصعب الوصول إليه، أو يتعذر الوصول إليه في وقت معين، وليس في ما هو غير موجود أصلًا. ولا يدخل في هذه المسألة بيع الآبق، الذي سيأتي؛ لأنَّه مستثنًى بالنص، فليس من بيع الغائب بيع الآبق، إلا على رأي عند بعض العلماء، وذلك إذا عُرف مكانه. • قوله: (وَيذَلِكَ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا، كَالْعَقَارِ). واشترطوا أن يكون قريب الغيبة، لأنه لو كان بعيد الغيبة يخشى أن يكون قد ذهب وفني، ولذلك نص المؤلف على مثال العقار؛ لأنَّ هذا ثابت مستقر. قوله: (وَمِنْ هَا هُنَا أَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ الشَّيءِ بِرُؤيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ؛ (أَعْنِي: إِذَا كَانَ مِنَ الْقُرْبِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ أَنْ لا تَتَغَيَّرَ فِيهِ) (٢)، فَاعْلَمْهُ). يعني إذا رأى إنسان سلعةً - دارًا، أو ثوبًا أو سيارةً أو جملًا، أو غير ذلك - ثم بعد ذلك غاب عنه، فهل يجوز أن يشتريه دون أن يشاهده وقت العقد ويراه؟ فمالك أجاز ذلك، وهي أيضًا الرواية المشهورة عن

стр. 6990

الإمام أحمد (١)، ولم يُجزه بقية العلماء؛ وقالوا: لأنَّه يتطرق إليه التغير، والتبدل. • قوله: (مَسْأَلَةٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ إِلَى أَجَلٍ) (٢). هناك مسائل يجب على طلبة العلم أن يَنتبهوا لها جيدًا؛ لأنَّها تحتاج إلى دقة، وهذه من المسائل الدقيقة في الكتاب، فقوله: (أجمعوا على أنَّه لا يجوز بيع الأعيان)، هذا الكلام فيه شيء من التفصيل، سيأتي الكلام عنه لاحقًا. وقوله: الأعيان، مفردها عين، والعين كما هو معلوم تطلق على عدةِ معانٍ، فتطلق على العين الباصرة، والعين الجارية، وتطلق على النقدين، ويقال: فرض عيني، وتطلق على الجاسوس، ولها معانٍ كثيرة، أوصلها بعض أهل اللغة إلى عشرين، والعين لها جموع ثلاثة: - عين تجمع على عيون. - وتجمع على أعين. - وتجمع على أعيان. والمراد بالعين هنا: الحاضر من كل شيءٍ ماديٍّ، وهو ما يُقابل الدين، فالعين الحاضر، والدَّين هو المؤجل أو الغائب، فكل سلعة تراها

стр. 6991

أمامك؛ كجملٍ مثلًا، أو سيارة، أو أي نوع من أنواع البضاعة نسميها عينًا، أمَّا الدَّين: فهو ما كان غير موجود، كما يحصل في السلم، فإنَّك تقدم مبلغًا من المال بشروطٍ وأوصافٍ معينة إلى إنسان على أن يُقدِّم لك بضاعة، فهي عين غير مرئية، إذن هذا يعتبر مؤجل الدين. • قوله: (وَأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُبْتَاعِ بِأَثَرِ عَقْدِ الصَّفْقَةِ). أي: أن من شرط العين أن تسلم من قبل البائع إلى المشتري - أي المبتاع - عقب عقد الصفقة مباشرةً، و (الصفقة): هي السلع التي يتبادلها الناس، فمثلًا: ذهبت لتشتري سيارة، هذه السيارة صفقة، ذهبت لتشتري أنواع من البضاعة جملة، هذه نسميها صفقة، وهذا ما يتعامل به التجار، والبائعون، والمشترون (١)، ومما يجدر التنبيه عليه أنَّ المؤلفَ سيأتي بمثال قد لا يظهر لنا، لأنَّه قد يأتي بعبارة لها معنى ظاهر، ومعنى بعيد، وهو يريد المعنى البعيد لا القريب. • قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا ﵀، وَرَبِيعَةَ، وَطَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَجَازُوا بَيْعَ الْجَارِيَةِ الرَّفِيعَةِ عَلَى شَرْطِ الْمُوَاضَعَةِ، وَلَمْ يُجِيزُوا فِيهَا النَّقْدَ (٢)، كَمَا لَمْ يجِزْهُ مَالِكٌ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ (٣)، وَإِنَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ الْجُمْهُور، لِمَا يَدْخُلُهُ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَمِنْ عَدَمِ التَّسْلِيمِ). هو ربيعة بن عبد الرحمن، ويقال له: ربيعة الرأي، وهو شيخ مالك. ومعنى قوله: (طائفة من أهل المدينة) أي: من علماء المدينة.

стр. 6992

وقوله: (على شرط المواضعة) هذه الجملة فيها غموض، ما المراد بالمواضعة؟ (١). إنَّ أيَّ إنسانٍ على معرفة بالفقه عندما يسمع كلمة المواضعة يَنصرف ذهنه إلى أقرب شيء، والمواضعة تحتمل عدة معانٍ؛ يقال: وضع فلان الدَّين عن فلان، بمعنى أسقطه عنه، وتقول: وضعت الأمانة عند فلان، أي: تركتها عنده، أمَّا المواضعة المشهورة في علم الفقه: هو أن يخبر البائعُ المشتري برأس مال هذه السلعة - أي: بقيمتها الأصلية بدون زيادة، أو نقصان - ثم يقول له: أبيعك هذه السلعة؛ نفترض سيارة اشتراها بألف، فنقول قيمة هذه السيارة ألف ريال، وأبيعك إيَّاها مواضعة؛ أي: يُنزل له شيئًا، يعني من قيمتها، كنسبة عشرة بالمائة، فإذا أسقط عنه عشرة بالمائة فيبيعها إيَّاه بتسعمائة ريال. وليست هذه هي المواضعة التي يعنيها المؤلف؛ لأنَّها لا تَنطبق مع سياقِ الكلام، فقد ربط ذلك فيما يتعلق بالتسليم، وعليه فالمواضعة هنا: هي وضع السلعة عند عدل، يعني هذه الجارية رفيعة القدر، يضعها عند إنسان عدل مأمون، يُؤمن عليها منه. ووضعها عند عدل؛ أي: أنَّه لم يُسلمها لمن اشتراها، ولم يستلم البائع الثمن، فترد هنا شبهة بيع الدَّين بالدَّين، وهي من المسائل الدقيقة، كما ذكرنا من قبل. لكن جمهور العلماء يخالفون الإمام مالك في ذلك: فهم يرون أنَّها تسلم لصاحبها شريطة ألَّا يَطأها (٢)، مع العلم بأنَّ الرَّسولَ ﷺ نَهى أن

стр. 6993

تُوطأ ذاتُ حملٍ حتى تَضع، وذاتُ حيضٍ أن تستبرأ بحيضة (١). وجمهور العلماء يمنعون ذلك؛ لأنَّ الصفقةَ يَنبغي أن تَعقب المبيع مباشرة، ولا يجوز أن توضع عند غير المشتري، بل تُسلَّم إلى المشتري في هذه الحالة، وفي غيرها؛ لأنَّها عينٌ من الأعيانِ التي مر الحديث عنها، وهي هنا حاضرة، فينبغي، بل يجب أن تُسلم له، وعليه ألَّا يَطأها حتى تستبرأ بحيضة. ولم يُجيزوا فيها النَّقدَ؛ لأنَّه لم يَستلم السلعةَ حتى يُسلِّم القيمة. وقوله: (كما لم يجزه مالك في بيع الغائب)؛ ففي بيع الغائب هو يَشتري لكن لا يُسلم الثمن إلا إذا تسلم السلعة، يدًا بيدٍ. وقوله: (لما يدخله من الدَّيْنِ بالدَّين)، أي: كأنَّك تبيع دَينًا بدينٍ لإنسان اشترى سلعة لم يتسلمها، أو بدين إنسان باع سلعة لم يتسلم ثمنها، إذًا هو بيع دين بدين. وقوله: (ومن عدم التسليم)؛ لأنَّه ما سلم السلعة له، وهو صريح بأنَّ مراده بالمواضعة كما فسرناها. • قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ (أَعْنِي: لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَرَرِ مِنْ عَدَمِ التَّسْلِيمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ) لَا مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي عِلَّةِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ). يعني هذا قريب من بيع الدَّين بالدين، وليس من باب الرِّبَا، لأنَّ الربا فيه زيادة، وهنا لا وجود لها.

стр. 6994

قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا كانَ يَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ (١): أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ غَرِيمِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ثَمْرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُه، ويَرَاهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ). وذلك لأنَّه لم يحصل تسلمًا كاملًا، وعند الجمهور لا يضر، لأنَّ البدء في التَّسلم كالحال في التسلم. • قوله: (وَكَانَ أَشْهَبَ يجِيزُ ذَلِكَ (٢)، وَيَقُولُ: إِنَّمَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قَبْضِ شَيْءٍ مِنْه، أَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ مِنَ الْأَثْمَانِ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْأوَاخِرِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ (٣)، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ). وهذا هو مذهب جماهير العلماء؛ الأئمة أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. • قوله: (مَسْأَلَةٌ: أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى بَيْعِ الثَّمْرِ الَّذِي يُثْمِرُ بَطْنًا وَاحِدًا، يَطِيبُ بَعْضُهُ وَإنْ لَمْ تَطِبْ جُمْلَتُهُ معًا) (٤).

стр. 6995

الذي جاء في بعض النسخ: (التمر)، وجاء في بعضها (الثمر)، وهو أولى؛ لأنَّه حقيقة ليس المقصود التمر، وإنما يدخل في ذلك بقيت الثمار، ورسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فتخصيصه بالتمر، وهو نوع من الثمر مرجوح، والأولى أن يَعُم، ولو قيل: التمر فهو من باب المثال، لكن قولنا الثمر يكون أعمُّ وأيسر للفهم، ليدخل في ذلك أنواع الثمار الكثيرة؛ التي منها التمر، والعنب، ومنها بقيت الفواكة. وقوله: (يثمر بطنًا واحدًا)؛ يعني يخرج في العام مرة واحدة؛ لأنَّه من البقول ما يتكرر، فمثلًا تجد الكُرات والنعناع، وكذلك بعض الخضروات يتكرر ويخرج بطنًا بعد بطن، وبعضها لا يتكرر؛ كالقمح والتمر، والعنب. وقوله: (يَطِيبُ بَعْضُهُ وَإِنْ لَمْ تَطِبْ جُمْلَتُهُ)؛ لأنَّه ورد في بعض الأحاديث أنَّ الرسولَ ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تطيب (١)، وفي بعضها حتى يَبدُوَ صلاحها (٢)، وفي أخرى: "حتى تزهى" (٣)، وغيرها: "حتى

стр. 6996

تزهو " (١)، كل هذا ورد في أحاديث متفق عليها. وقوله: (وَإنْ لَمْ تَطِبْ جُمْلَتُهُ مَعًا)؛ يعني كله، كما قلنا من قبل: نخلة بدا فيها بدو الصلاح، لا يشترط أن يكون في جميع عروقها، أو في كله، وذكرنا أنَّ هذا من حكمة الله ، ورحمته بعباده أنَّ الثمار لا تأتي دفعة واحدة، وإنَّما تأتي بالتدريج شيئًا فشيئًا حتى يتمتع الناس بها، ويستفيدوا. • قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُثْمِرُ بُطُونًا مُخْتَلِفَةً). وما يثمر بطونًا مختلفة يجز، ثم بعد ذلك يطول وينبت، ثم يجز مرة أخرى، كما هو الأمر في البرسيم، والكرات، وغيرهما. وقصده بالبطون: الأماكن التي نزرع فيها هذه المحصولات. • قوله: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْبُطُونَ الْمُخْتَلِفَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَتَّصِلَ، أَوْ لَا تَتَّصِلَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْعُ مَا لَمْ يُخَلَّقْ مِنْهَا دَاخِلًا فِيمَا خُلِّقَ (٢)؛ كَشَجَرِ التِّينِ يُوجَدُ فِيهِ الْبَاكُور، وَالْعَصِيرُ). يعني هناك ما خفي في الأرض؛ كالجزر مثلًا، وهناك ما هو بارز ظاهر مشاهد، وهناك ما هو مخفي في قشره، كما سيأتي في اللوز، والجوز، الباقور يعني مقدمة الثمرة. • قوله: (ثُمَّ إِنِ اتَّصَلَتْ: فَلَا يَخْلُو أَنْ تَتَمَيَّزَ الْبُطُون، أَوْ لَا تتمَيَّزُ؛ فَمِثَالُ الْمُتَمَيِّزِ: جَزُّ الْقَصِيلِ الَّذِي يُجَزُّ مُدَّةً بَعْدَ مُدَّةٍ).

стр. 6997

والقصيل هنا: فعيل بمعنى مفعول، أي: قصيل بمعنى مقصول، كالبرسيم مثلًا؛ يطول ثم يُجز، ثم يُقدم علفًا للدوابِّ. • قوله: (وَمِثَالُ غَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ: الْمَبَاطِخ، وَالْمَقَاثِئ، وَالْبَاذِنْجَان، والقرعُ). وقد رأيت في بعض النسخ مكتوب المطابخ! والمباطيخ هي التي تمشي، البطاطيخ التي تسمى البطيخ، إذن يبقى هذا كلام صحيح، وهذا يعني أنَّها نسخة طيبة. والمباطخ: التي يزرع فيها البطيخ؛ أي البطيخ، وهو الذي إذا فتح كان أحمر، أو ما يسمى بالخربز. وأما المقاثئ: فهي الأماكن التي تكون فيها القثاء، ومثلها الخيار، والباذنجان، والقرع بجميع أنواعه، وفيه أنواع كثيرة جدًّا، وهذا من فضلِ اللهِ ، ومن نعمه على عباده. وهو ما يُعرف بالدب، والرسول ﷺ كان يحبها كثيرًا، كما جاء في "صحيح البخاري"، وغيره، وأنَّه ﷺ كان يتتبعها في الصحفة (١). • قوله: (فَفِي الَّذِي يَتَمَيَّزُ عَنْهُ وَيَنْفَصِلُ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: الْجَوَاز، وَالْأخْرَى: الْمَنْعُ. وَفِي الَّذِي يَتَّصِلُ وَلَا يَتَمَيَّزُ قَوْلٌ وَاحِدٌ؛ وَهُوَ الْجَوَازُ (٢). وَخَالَفَهُ الْكُوفِيُّونَ (٣)، ...............................

стр. 6998

وَأَحْمَدُ (١)، وَإِسْحَاقُ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ فِي هَذَا كلِّهِ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَطْنٍ مِنْهَا بِشَرْطِ بَطْنٍ آخَرَ). إذن خالفه جماهير العلماء؛ ومنهم الأئمة الثلاثة، وربما يظهر تقارب بين المذاهب الثلاثة في كثير من المسائل، عدا مسائل قليلة انفرد فيها الإمام الشافعي. وإسحاق يقصد به: إسحاق بن راهويه" صاحب الإمام أحمد، وقرينه. وقولهم: (لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَطْنٍ مِنْهَا بِشَرْطِ بَطْنٍ آخَرَ): يعني أنَّها ليست مرتبطة بعضها ببعض، كالحال بالنسبة لبدو الصلاح. • قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِيمَا لَا يَتَمَيَّزُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَبْسُ أَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ). يعني هذه الأمور التي تكون في الأرض وغير ظاهرة الاستواء، فمالك يرى أنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك، وأنَّه ينبغي أن يدخل ما لم ينضج في ما نضج، أي ما بدا صلاحه بما لا يبدو، وجمهور العلماء يخالفونه، وحجتهم أنَّ ذلك يختلف عن الثمار، فالثمار إذا بدا فيها الصلاح تتابع، أمَّا هذه فلا.

стр. 6999

ومراد الإمام مالك أنَّه لا يمكن أن يحبس ما استوى منه حتى ينتظر ما لم يستوي، فبالنسبة للخيار والقثاء مثلًا؛ قد تذهب فائدته، ويكبر حجمه، ويذهب طعمه، وكذلك الحال بالنسبة للدبة؛ فالعوام يقولون (عود)؛ يعني أصبح عودًا كبيرًا تقل فائدته، لكن الجمهور يقولون: يباع ما انتهى وصلح، وينتظر ما لم يصلح. • قوله: (فَجَازَ أَنْ يُبَاعَ مَا لَمْ يُخَلَّقْ مِنْهَا مَعَ مَا خُلِّقَ وَبَدَا صَلَاحُه، أَصْلُهُ جَوَازُ بَيْعِ مَا لَمْ يَطِبْ مِنَ الثَّمَرِ مَعَ مَا طَابَ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ فِي الصِّفَةِ شَبَّهَهُ بِالْغَرَرِ فِي عَيْنِ الشَّيءِ). فجاز أن يُباع ما لم يخلق: يعني ما ظهر وشوهد، وأصبح عينًا، ما هو في داخل الأرض ينبغي أن يُباع هذا تباعًا لذلك. ودليل الإمام مالك هنا الحاجة، والقياس على الثمار، والجمهور يقولون: إنَّ هذا قياس مع الفارق، فالثمار مستثناة، وأمرها يختلف، لأنَّه إذا استوت تتابعت، وأيضًا هي مأمونة، وظاهرة المشاهدة، أمَّا تلك فلا. • قوله: (وَكَأنَّه رَأَى أَنَّ الرُّخْصَةَ هَا هُنَا يجِبُ أَنْ تُقَاسَ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي بَيْع الثِّمَارِ؛ (أَعْنِي: مَا طَابَ مَعَ مَا لَمْ يَطِبْ) لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَالأصْلُ عِنْدَهُ: أَنَّ مِنَ الْغَرَرِ مَا يَجُوزُ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ). يعني أنَّ الإمام مالك يقسم الغرر إلى قسمين: فمن الغرر ما يوافقه فيه غيره، وهناك من الغرر ما يمكن للقاضي أن يتجاوز عنه للضرورة، فإذا وجدت ضرورة، أو حاجة - والحاجة تنزل منزلة الضرورة عامَّة كانت أو خاصَّة - فهذا يستثنى، أمَّا الجمهور: فلا يرون حاجة لذلك، ويرون أنَّ هذا الذي بدا وصلح يُؤخذ، ثم بعد ذلك يُؤخذ الباقي، وقالوا: إنَّ هذا من باب بيع المعدوم، والرسولُ ﷺ نهى عن ذلك، فقد نَهى عن بيع

стр. 7000

الحمل في البطن (١)، وعن بيع الغرر، وقالوا: هذا يدخل في هذه الأصناف. • قوله: (وَيذَلِكَ مُنِعَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ؛ بَيْعُ الْقَصِيلِ بَطْنًا أَكثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ لأنَّه لَا ضَرُورَةَ هُنَاكَ إِذَا كانَ مُتَمَيِّزًا. وَأَمَّا وَجْهُ الْجَوَازِ فِي الْقَصِيلِ، فَتَشْبِيهًا لَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّز، وَهُوَ ضَعِيفٌ (٢)). وبمقارنة القولين أيهما أولى نظرًا وتدقيقًا وتطبيقًا على نظر الفقه والواقع؛ نجد أنَّ ما ذهمب إليه الجمهور أَدَقُّ، وهو في نفس الوقت أحوط، ذلك لأنَّ ما أخذ به المالكية موضع شبهة، والرسول ﷺ يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٣)، وأمَّا ما أخذ به الجمهور؛ ففيه حيطة، وبُعد عن مواضع الشبه، فالرسول ﷺ قد نهى عن بيع الغرر، وهذا شيء مجهول حاله - فهو في باطن الأرض - وربما يكون صالحًا، وربما يكون غير ذلك، وقد يخرج وقد لا يخرج. ومن كل ما سبق ذكره فلا شكَّ أنَّ مذهب جمهور العلماء في هذه المسألة؛ أدق، وأحوط. قوله: (وأمَّا الْجُمْهُورُ: فَإِنَّ هَذَا كلَّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَمِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ مُعَاوَمَةً). والجمهور هنا: هم الأئمة الثلاثة الذين مر ذكرهم؛ أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.

стр. 7001

والمعاومة: هي أن يبيع الإنسان السلعة بعقد واحد لأعوام قادمة أو لسنين قادمة، ومر الحديث عن نهي رسول الله ﷺ عنها. • قوله: (وَاللِّفْت، وَالْجَزَر، وَالْكُرُنْبُ جَائِز عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعُهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ (١)، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ لِلْاكلِ). ويأخذ حكم هذا الجواز أشياء كثيرة، كالجزر، والثوم، وغيرها من الأشياء التي تكون في باطن الأرض. وعلة مالك في تجويز ذلك: الحاجة إلى أكله، والجمهور يمنعون ذلك: لأنَّه مستور في الأرض، لم يتبين المقصود منه وهو نفعه، ومذهب الجمهور هنا: فيه احتياطٌ أكثر. • قوله: (وَلَمْ يُجِزْهُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا مَقْلُوعًا (٢)، لأنَّه مِنْ بَابِ بَيْعِ الْمُغَيَّبِ). ولم يجزه الشافعي، ولا الإمام أبو حنيفة، ولا أحمد، وقالوا: بشرط أن يكون مقلوعًا، وعلتهم في ذلك: جهالة حاله، وصلاحه. وسيختلف الأئمة في هذه المسألة التي يظهر فيها جليًّا دقة الفقهاء، وموازينهم التي يستنبطون بها الأحكام، والتي بنوها على علل دقيقة محكمة لا تختل، فهم بعيدو الغوص رحمهم الله تعالى، فعندما استخرجوا لنا هذا الكنز العظيم من هذه المسائل الكثيرة إنَّما أفنوا أعمارهم، وزهرة شبابهم في هذا العلم الذي سينالون عليه الجزاء والثواب عند الله ، لأنَّ هذا

стр. 7002

العلم انتفع به من جاء بعدهم، وهو خدمة لما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، فرحمهم الله تعالى جميعًا، ورضي عنهم. • قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالْبَاقِلَّا فِي قِشْرِهِ). والجوز واللوز مكسو بقشرته، ومثلهما أنواع البقلاء فهي مغيبة، والسؤال لماذا منع بعض العلماء ما مر بنا، وهنا أجاز؟ فبعض الذين منعوا الغائب في الأرض أجازوا بيع اللوز والجوز والبقلاء، ونحوها من الخضروات التي تجدها مغيبة في قشورها؟ مثل الفاصوليا، ونحوها. • قوله: (أَجَازَهُ مَالِكٌ (١)، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ). قد أجازه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وهنا نرى أنَّ الإمامين أبا حنيفة وأحمد كانا مع الشافعي في المسألة الأولى، وهي أنَّه لا يجوز بيع المغطى المغيب إلا أن يقلع، بينما هنا نجد أنَهما سارا مع الإمام مالك في هذه المسألة، والفرق في ذلك واضحٌ لأنَّ التغطية هنا إنَّما جاءت في أصل الخلقة؛ فاللوز أصله يأتي مغطى بقشوره، ومثله الجوز، والبقلاء بأنواعها. وقد انفرد الشافعي في هذه المسألة بناءً على أصله الذي مر في موضع قريب؛ عندما منع بيع الحب في سنبله، ثم فصلنا مذهب الشافعي، وقلنا إنَّ مذهب الشافعي فيه تفصيل، فمثلًا الشعير والذرة يجيزها؛ لأنَّ الحبيبات تُرى في داخل السنبلة، أمَّا بالنسبة للحنطة فيمنعها؛ لأنه يَرى أنَّها تعلوها قشور، ولا يضمن ما في داخل هذا القشر؛ فلا تباع حتى يُزال القشر بالدياس، أو نحوه، فإذا فركت، أو صفيت، فحينئذ يجوز. وقد سار على أصله السابق هنا أيضًا، ويُعترض على الإمام الشافعي

стр. 7003

بمثل البيض؛ فالبيض مُغطى لا تدري ما بداخله، والشافعية يجيزونه! وهكذا هناك أمثلة عدة في مثل هذا الموضوع. • قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ مِنَ الْغَرَرِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْبُيُوعِ، أَمْ لَيْسَ مِنَ الْمُؤَثِّرِ؟ وَذَلِكَ أنَّهمُ اتَّفَقُوا أَنَّ الْغَرَرَ يَنْقَسِمُ بِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُؤَثِّرِ هُوَ الْيَسِير، أَوِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَة، أَوْ مَا جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ). فالعلة عند الشافعي: أنَّه فيه غرر؛ لأنَّه مغطى بغطاء فلا نعلم ما في داخل هذه الجوزة، ولا اللوزة، ولا الباقلاء، كالفاصوليا، واللوبيا، وأمَّا حجة الأئمة الثلاثة: أنَّ هذه القشور التي تعلوه إنَّما كانت بأصل خلقته، أمَّا الأخرى فهي مخفية في الأرض، وإذا ما جاء وقت نضجها برزت وظهرت، وعندما تُقلع نراها ونشاهدها. والحقيقة أنَّه عند كل العلماء: الضرورة لها أحكامها، ومن القواعد الكبرى المعروفة والمشهورة قاعدة: (الضرر يُزال)، وقد بنيت على نصّ جاء عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو قوله: "لا ضررَ ولا ضِرار"، وفرَّعَ عليها العلماء كثيرًا من المسائل، بل ألحقوا بذلك الحاجة فقالوا: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامَّة أو خاصَّة)، فقد يضطر الإنسان أن يكون في بلاد غير مسلمة يتعاملون بالربا، وهو في هذه الحالة يأخذ ما يضطر إليه ضرورة، وأحيانًا قد يكون الأمر لحاجة، ومن بين المسائل التي تُطرح في ذلك: أن يَأتيك إنسان يسألك عن آخر تقدم لخطبة ابنته، أو أخته، أو عمته، أو خالته، وهو وليها، فيسألك عنه، فعليك حينئذٍ إن كنت على دراية بعيوبه ألَّا تفضحه، ولكنَّك اضطررت لذلك، من باب قوله ﷺ : "الدِّينُ النَّصيحة" فعليك أن تُبين له العيوب المتعلقة بما سأل، لحاجته لذلك. • قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْغَدِيرِ، أَوِ الْبُرْكَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا). والغدير أو البركة: مكان يجتمع فيه الماء، حفرة تتجمع فيها

стр. 7004

السيول، وقد اختلف العلماء في حكم بيعها من حيث الجملة؛ فبعضهم منعوه، وبعضهم أجازه بشروط ثلاثة: الشرط الأول: أن يكون هذا السمك مملوكًا لك، يعني لا تسطوا على بركة جارك، أو تمر بمزرعة، أو ببستان فترى بركة فيها سمكًا فتبيع منه، وأنت لا تملكها، لأنَّه لا يجوز لك أن تبيع حق غيرك. الشرط الثاني: أن يكون مشاهدًا تراه، لأنَّه لا يجوز بيع السمك في الماء، ولا الطائر في السماء، ومثل ذلك بيع الآبق، وسيأتي بيانه. وقال أهل العلم في مسألة بيع الطائر في الهواء، لأنَّه لا يخلو إمَّا أن يكون ملكًا لك؛ فأنت لا تستطيع أن تسلمه للمشتري، وإمَّا ألَّا يكون ملكًا لك، فأنت تبيع ما لا تملك، ولا تقدر على تسليمه. الشرط الثالث: أن تكون قادرًا على الوصول إليه، والإمساك به، وبيعه. هذه شروط ثلاثة إذا توفرت يجوز عند بعض العلماء بيعه، كما سيأتي. * قولُهُ: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ (١)، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ (٢)،

стр. 7005

وَالشَّافِعِيُّ (١) فِيمَا أَحْسَب، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِي أُصُولُهُ). منعه مالك، والشافعي، وأحمد (٢)، ولكن مالك، وأحمد أجازاه بالشروط التي ذكرنا. وقول المؤلف: (فيما أحسب)، أو (فيما أظن) يحتمل المعنيين؛ الشك، وقد تأتي بمعنى اليقين، ومن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾. وأمَّا مراد المؤلف فلا ندري هل أورد كلمة (حسب) بمعنى اليقين فيكون كلامه على بابه، أمٍ أنَّه قصد بها الظن وهو متردد، فنقول حينها: أنَّ ظنه في محله، أي: فعلا هؤلاء منعوا من ذلك. * قولُهُ: (وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْآبِقِ). والآبق هو: المملوك الشارد الهارب، والمماليك كالسلع في أحكام البيوع، ومثلما تملك المرء المملوك بأحد الطرق المشروعة، فإذا ما أبق العبد وفر منه، فعليه إذا أراد بيعه ألَّا يخالف الشرع في ذلك، فربما تكون له مواضع يلجأ إليها، وقد يكون موضعه مجهولًا لا يدرى أين هو؟ فلا يستطيع حينئذٍ تسليمه للمشتري إذا باعه، وقد جاء في الحديث النهي عن بيعه، وبعض العلماء فصَّلَ القول في ذلك، وهو ما سيذكره المؤلف. * قولُهُ: (أَجَازَ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ). وفي ذلك أثر عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن
следующие страницы →