← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

والمعاومة: هي أن يبيع الإنسان السلعة بعقد واحد لأعوام قادمة أو لسنين قادمة، ومر الحديث عن نهي رسول الله ﷺ عنها. • قوله: (وَاللِّفْت، وَالْجَزَر، وَالْكُرُنْبُ جَائِز عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعُهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ (١)، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ لِلْاكلِ). ويأخذ حكم هذا الجواز أشياء كثيرة، كالجزر، والثوم، وغيرها من الأشياء التي تكون في باطن الأرض. وعلة مالك في تجويز ذلك: الحاجة إلى أكله، والجمهور يمنعون ذلك: لأنَّه مستور في الأرض، لم يتبين المقصود منه وهو نفعه، ومذهب الجمهور هنا: فيه احتياطٌ أكثر. • قوله: (وَلَمْ يُجِزْهُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا مَقْلُوعًا (٢)، لأنَّه مِنْ بَابِ بَيْعِ الْمُغَيَّبِ). ولم يجزه الشافعي، ولا الإمام أبو حنيفة، ولا أحمد، وقالوا: بشرط أن يكون مقلوعًا، وعلتهم في ذلك: جهالة حاله، وصلاحه. وسيختلف الأئمة في هذه المسألة التي يظهر فيها جليًّا دقة الفقهاء، وموازينهم التي يستنبطون بها الأحكام، والتي بنوها على علل دقيقة محكمة لا تختل، فهم بعيدو الغوص رحمهم الله تعالى، فعندما استخرجوا لنا هذا الكنز العظيم من هذه المسائل الكثيرة إنَّما أفنوا أعمارهم، وزهرة شبابهم في هذا العلم الذي سينالون عليه الجزاء والثواب عند الله ، لأنَّ هذا

стр. 7002

العلم انتفع به من جاء بعدهم، وهو خدمة لما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، فرحمهم الله تعالى جميعًا، ورضي عنهم. • قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالْبَاقِلَّا فِي قِشْرِهِ). والجوز واللوز مكسو بقشرته، ومثلهما أنواع البقلاء فهي مغيبة، والسؤال لماذا منع بعض العلماء ما مر بنا، وهنا أجاز؟ فبعض الذين منعوا الغائب في الأرض أجازوا بيع اللوز والجوز والبقلاء، ونحوها من الخضروات التي تجدها مغيبة في قشورها؟ مثل الفاصوليا، ونحوها. • قوله: (أَجَازَهُ مَالِكٌ (١)، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ). قد أجازه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وهنا نرى أنَّ الإمامين أبا حنيفة وأحمد كانا مع الشافعي في المسألة الأولى، وهي أنَّه لا يجوز بيع المغطى المغيب إلا أن يقلع، بينما هنا نجد أنَهما سارا مع الإمام مالك في هذه المسألة، والفرق في ذلك واضحٌ لأنَّ التغطية هنا إنَّما جاءت في أصل الخلقة؛ فاللوز أصله يأتي مغطى بقشوره، ومثله الجوز، والبقلاء بأنواعها. وقد انفرد الشافعي في هذه المسألة بناءً على أصله الذي مر في موضع قريب؛ عندما منع بيع الحب في سنبله، ثم فصلنا مذهب الشافعي، وقلنا إنَّ مذهب الشافعي فيه تفصيل، فمثلًا الشعير والذرة يجيزها؛ لأنَّ الحبيبات تُرى في داخل السنبلة، أمَّا بالنسبة للحنطة فيمنعها؛ لأنه يَرى أنَّها تعلوها قشور، ولا يضمن ما في داخل هذا القشر؛ فلا تباع حتى يُزال القشر بالدياس، أو نحوه، فإذا فركت، أو صفيت، فحينئذ يجوز. وقد سار على أصله السابق هنا أيضًا، ويُعترض على الإمام الشافعي

стр. 7003

بمثل البيض؛ فالبيض مُغطى لا تدري ما بداخله، والشافعية يجيزونه! وهكذا هناك أمثلة عدة في مثل هذا الموضوع. • قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ مِنَ الْغَرَرِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْبُيُوعِ، أَمْ لَيْسَ مِنَ الْمُؤَثِّرِ؟ وَذَلِكَ أنَّهمُ اتَّفَقُوا أَنَّ الْغَرَرَ يَنْقَسِمُ بِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُؤَثِّرِ هُوَ الْيَسِير، أَوِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَة، أَوْ مَا جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ). فالعلة عند الشافعي: أنَّه فيه غرر؛ لأنَّه مغطى بغطاء فلا نعلم ما في داخل هذه الجوزة، ولا اللوزة، ولا الباقلاء، كالفاصوليا، واللوبيا، وأمَّا حجة الأئمة الثلاثة: أنَّ هذه القشور التي تعلوه إنَّما كانت بأصل خلقته، أمَّا الأخرى فهي مخفية في الأرض، وإذا ما جاء وقت نضجها برزت وظهرت، وعندما تُقلع نراها ونشاهدها. والحقيقة أنَّه عند كل العلماء: الضرورة لها أحكامها، ومن القواعد الكبرى المعروفة والمشهورة قاعدة: (الضرر يُزال)، وقد بنيت على نصّ جاء عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو قوله: "لا ضررَ ولا ضِرار"، وفرَّعَ عليها العلماء كثيرًا من المسائل، بل ألحقوا بذلك الحاجة فقالوا: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامَّة أو خاصَّة)، فقد يضطر الإنسان أن يكون في بلاد غير مسلمة يتعاملون بالربا، وهو في هذه الحالة يأخذ ما يضطر إليه ضرورة، وأحيانًا قد يكون الأمر لحاجة، ومن بين المسائل التي تُطرح في ذلك: أن يَأتيك إنسان يسألك عن آخر تقدم لخطبة ابنته، أو أخته، أو عمته، أو خالته، وهو وليها، فيسألك عنه، فعليك حينئذٍ إن كنت على دراية بعيوبه ألَّا تفضحه، ولكنَّك اضطررت لذلك، من باب قوله ﷺ : "الدِّينُ النَّصيحة" فعليك أن تُبين له العيوب المتعلقة بما سأل، لحاجته لذلك. • قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْغَدِيرِ، أَوِ الْبُرْكَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا). والغدير أو البركة: مكان يجتمع فيه الماء، حفرة تتجمع فيها

стр. 7004

السيول، وقد اختلف العلماء في حكم بيعها من حيث الجملة؛ فبعضهم منعوه، وبعضهم أجازه بشروط ثلاثة: الشرط الأول: أن يكون هذا السمك مملوكًا لك، يعني لا تسطوا على بركة جارك، أو تمر بمزرعة، أو ببستان فترى بركة فيها سمكًا فتبيع منه، وأنت لا تملكها، لأنَّه لا يجوز لك أن تبيع حق غيرك. الشرط الثاني: أن يكون مشاهدًا تراه، لأنَّه لا يجوز بيع السمك في الماء، ولا الطائر في السماء، ومثل ذلك بيع الآبق، وسيأتي بيانه. وقال أهل العلم في مسألة بيع الطائر في الهواء، لأنَّه لا يخلو إمَّا أن يكون ملكًا لك؛ فأنت لا تستطيع أن تسلمه للمشتري، وإمَّا ألَّا يكون ملكًا لك، فأنت تبيع ما لا تملك، ولا تقدر على تسليمه. الشرط الثالث: أن تكون قادرًا على الوصول إليه، والإمساك به، وبيعه. هذه شروط ثلاثة إذا توفرت يجوز عند بعض العلماء بيعه، كما سيأتي. * قولُهُ: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ (١)، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ (٢)،

стр. 7005

وَالشَّافِعِيُّ (١) فِيمَا أَحْسَب، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِي أُصُولُهُ). منعه مالك، والشافعي، وأحمد (٢)، ولكن مالك، وأحمد أجازاه بالشروط التي ذكرنا. وقول المؤلف: (فيما أحسب)، أو (فيما أظن) يحتمل المعنيين؛ الشك، وقد تأتي بمعنى اليقين، ومن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾. وأمَّا مراد المؤلف فلا ندري هل أورد كلمة (حسب) بمعنى اليقين فيكون كلامه على بابه، أمٍ أنَّه قصد بها الظن وهو متردد، فنقول حينها: أنَّ ظنه في محله، أي: فعلا هؤلاء منعوا من ذلك. * قولُهُ: (وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْآبِقِ). والآبق هو: المملوك الشارد الهارب، والمماليك كالسلع في أحكام البيوع، ومثلما تملك المرء المملوك بأحد الطرق المشروعة، فإذا ما أبق العبد وفر منه، فعليه إذا أراد بيعه ألَّا يخالف الشرع في ذلك، فربما تكون له مواضع يلجأ إليها، وقد يكون موضعه مجهولًا لا يدرى أين هو؟ فلا يستطيع حينئذٍ تسليمه للمشتري إذا باعه، وقد جاء في الحديث النهي عن بيعه، وبعض العلماء فصَّلَ القول في ذلك، وهو ما سيذكره المؤلف. * قولُهُ: (أَجَازَ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ). وفي ذلك أثر عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن

стр. 7006

الخطاب ﵁: فقد جاء أنَّه اشترى شاردًا من أحد أولاده (١)، وروي كذلك عن ابن سيرين التابعي المعروف، الذي اشتهر بتفسير الأحلام، وعن شريح القاضي. إذن هؤلاء هم الذين أُثر عنهم فيما أذكر، أمَّا الذين منعوا مُطلقًا: فمنهم الأئمة الأربعة الذين تعرفونهم أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد، رحم الله الجميع. * قولُهُ: (وَمَنَعَهُ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ؛ وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ (٢)). ومنهم الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد. * قولُهُ: (وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كانَ مَعْلُومَ الصِّفَةِ، مَعْلُومَ الْمَوْضِعِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي جَازَ) (٣). وهي رواية أيضًا عند الحنابلة، لكن الأصل عند الجمهور أنَّه لا يجوز بيعه. * قولُهُ: (وَأَظُنُّهُ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْإِبَاقِ، ويتَوَاضَعَانِ الثَّمَنَ؛ أَعْنِي: أنَّه لَا يَقْبِضُهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي). معلوم الإباق: يعني أن يكون المشتري عالمًا بأنَّه أبق، لأنَّ هذا عيب فيه، يجب أن يُبين، وإلَّا فيعتبر ذلك غشًّا، والرسول ﷺ يقول: "من غشنا فليس منا"، ويقول: "من غش فليس منا". والمواضعة المذكورة، هي التي سبق وفصلنا فيها القول، وهي

стр. 7007

مشهورة عند المالكية، لكن عند غيرهم إذا أطلق المواضعة تنصرف إلى المعنى الآخر الذي لم يرده المؤلف. * قولُهُ: (لأنَّه يَتَرَدَّدُ عِنْدَ الْعَقْدِ بَيْنَ بَيْعٍ وَسَلَفٍ). بين بيع وسلف: يعني كأنَّه باع هذه، وسلفه إيَّاه. * قولُهُ: (وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهِ يَمْنَعُ بِهِ النَّقْدَ فِي بَيْعِ الْمُوَاضَعَةِ، وَفِي بَيْعِ الْغَائِبِ غَيْرِ الْمَأْمُونِ، وَفيمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ). إلا ما سبق واستثناه. * قولُهُ: (وَمِمَّنْ قَالَ بِجَوَازِ بَيْعِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ: عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ (١)). وأيضًا ذكر ذلك عن ابن عمر، وابن سيرين، والقاضي شريح كما أشرنا من قبل، وقد أدخل هنا مثال من جنسه؛ وهو البعير الشارد. * قولُهُ: (وَالْحُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ: حَدِيثُ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَنعَامِ حَتَّى تَضَعَ). شهر بن حوشب - كما هو معلوم - تكلم فيه العلماء من حيث الضعف، والرواة كما هو معروف منهم من يكون ثقة، ومنهم من يكون ثقة أوثق، ومنهم من يكون عدلًا مقبولًا … إلى آخره. وأحيانًا يكون الحديث روي من طريقٍ، ويكون أحد رواته ضعيفًا، أو عدد من رواته ضعفاء، لكن نأتي له بشواهد أخرى، ومتابعات تقويه، فيرتفع إلى درجة المحتج به هذا.

стр. 7008

والحديث المذكور هنا في سنده شهر بن حوشب، وهو ضعيف عند علماء الجرح والتعديل. * قولُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَنعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ (١)). والنهي عن شراء العبد الآبق ورد من عدة طرق على ألفاظ متعددة، وكذلك النهي عن شراء ما في بطون الأنعام، مثله الحديث الذي مر بنا من قبل في النهي عن حبل الحبلة. وأمَّا الكلام عما في ضروعها، فسيفرده المؤلف في مسألة مستقلة، ومنها مسألة المصراة؛ يعني هل يجوز شراء اللبن مطلقًا دون كيل، أو وزن، أو لا بُدَّ من معرفة القدر. وأيضًا مسألة الغنائم: وهي التي يحصل عليها المسلمون في معركة من المعارك، أو غزوة من الغزوات، والله تعالى قد قسم الغنائم في كتابه العزيز، والغنيمة أولًا تأخذ، ثم بعد ذلك تحاز، ثم تقسم، فإذا قسمت هل يكفي أن تقسم، أو لا بد من أن يحوزها الإنسان إليه، فهذا أيضًا فيه تفصيل عند العلماء. * قولُهُ: (وَأَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ لَبَنِ الْغَنَمِ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، إِذَا كَانَ مَا يُحْلَبُ مِنْهَا مَعْرُوفًا فِي الْعَادَةِ، وَلَمْ يجِزْ ذَلِكَ فِي الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ) (٢). وقوله أيامًا معدودة: يعني محددة.

стр. 7009

* قولُهُ: (وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، إِلَّا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ بَعْدَ الْحَلْبِ) (١). إنَّ أيَّ إنسان له منهج يصعب عليه أن يلتزمه، والمؤلف كان له منهج في أول الكتاب؛ أنَّه يعد الآراء، ويذكر الأئمة، ولا يذكر أحمد في بعض الأمور، وذكرت لكم العلة؛ وهي أنَّه لا يعرف رأيه فيها، ولكن هنا أحيانًا يجمل فيذكر إمامًا واحدًا، وهو يركز كثيرًا عندما يتحدث عن الفروع، وعن الجزئيات عن مذهب مالك، لكنه أحيانًا في بعض المسائل يذكر الشافعي، ولا يذكر مالك، فهو يكثر من المذهبين، ولكن في بعض المسائل عندما تأخر في المباحث، يظهر أنَّه لا يحاول أن يستقصي جميع آراء الأئمة، فقد يجمل، وربما يذكر بعضهم، وربما يذكرهم جميعًا. * قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَنَعَ مَالِكٌ بَيْعَ اللَّحْمِ فِي جِلْدِه). وقد منعه مالك؛ لأنَّ فيه جهالة، وغررًا، وهذا محل خلاف عند العلماء: فبعضهم منعه، وبعضهم أجازه، والسبب هو ما يتعلق بالغرر، لأنَّ اللحم في الجلد لا يُعرف قدره. * قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْمَرِيضِ (٢): أَجَازَهُ مَالِكٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْؤوسًا مِنْهُ (٣)).

стр. 7010

المريض قد مر بنا وفصلنا القول فيه، وبيَّنَا أن المرض ليس على درجة واحدة، وهو قسمين: الأول: المرض اليسير؛ الألم الذي يُصيب الإنسان من صداع، أو نحو ذلك، وهذا يُعتبر مرضًا يسيرًا لا تأثير له في الأحكام، وربما يكون المرض أشد من ذلك فيكون له تأثيرًا. الثاني: أن يكون المرض أشد، ويقال عنه المرض المخوف، وهو المرض الذي لا يرجى بُرأه، فهذا المريض إذا باع بيعًا، وهو في تلك الحالة، وهو على فراش الموت، وإن قدر أنَّه باع على من يرثه، فهل الحكم يختلف؟ الجواب: نعم، اختلف العلماء في بيعه، هل ينفذ أم لا؟ وذلك كما أشار المؤلف؛ فمن العلماء من أجازه، وقالوا: إنَّ بيعه وشرائه، إنَّما هو يدور في ملكه، ولكل إنسان أن يتصرف في ملكه، وهذا إنسان رشيد فله أن يتصرف في ملكه، وليس الأمر من حيث التصرف يرتبط بالبلوغ وحده، فكم من أناس قد بلغوا السن - أي: سن البلوغ - ولكنهم غير راشدين، ولذلك نجد أنَّ الله حض على الحجر عليهم في قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. إذن إنَّ هذا الآن في حالة ضعف، وقد يخشى منه أن يكون قد تصرف تصرفًا غير محمود، وهو غير مدرك لعواقبه، وهذا التصرف في البيع ربما يضر بالورثة، وهنا مكمن الخلاف بين أهل العلم، وهو هل ينفذ هذا الحكم، أو لا ينفذ؟ وقد أجازه مالك وأحمد في رواية لهما، إلَّا أن يكون ميؤوسًا منه. * قولُهُ: (وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهِيَ رِوَايَة أُخْرَى عَنْهُ). أي: إنَّ الرواية الأخرى للإمامين مالك وأحمد، ومنه فأكثر العلماء يمنع ذلك احتياطًا خشية أن يكون تصرفه ليس تصرفًا رشيدًا في حالة مرضه، وهو موضع شك، وربما كان هذا التصرف من غير إدراك، وربما

стр. 7011

يكون هناك دافع من الدوافع، وربما يكون فيه حرمان لبعض الورثة. والآخرون قالوا: هذا ملكه الخاص، وله أن يتصرف فيه، حتى ولو لم يبقَ له في هذه الحياة الدنيا إلَّا سُويعات. * قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ، وَالصَّوَّاغِينَ). إنَّ البقايا التي تكون مع تراب الذين يشتغلون بالصياغة، وكذلك المعادن حكم بيع بعضها ببعض عدم الجواز؛ وهو من المعاملات الربوية، ولقد درسنا باب الربا والصرف، وعرفنا ما يتعلق به، وأنَّ رسول الله ﷺ قد وضع لنا أصول الربا، وحذرنا منه، وأنَّ الله قد شنع أمر الربا، وبين أنَّ من يسلك طريقه إنَّما هو يحارب الله ورسوله ﷺ ، والرسول ﷺ بين لنا كيف يكون التعامل في الأموال الربوية، فقال ﷺ : "الذهب بالذهب وزنًا بوزن"، وقال في الحديث الآخر: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، سواء بسواء"، فلا بُدَّ من المماثلة، ومنه فبيع مثل هذه الأموال - حتى وإن كانت بقايا - دون أن يعرف قدرها هي من أنواع الربا. ومنه فالسر في المنع هنا: هو أنَّ المماثلة غير متيقنة؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "مثلًا بمثل، يدًا بيد". * قولُهُ: (فَأَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ تُرَابِ الْمَعْدِنِ بِنَقْدٍ يُخَالِفُه، أَوْ بِعَرَضٍ، وَلَمْ يُجْزِ بَيْعَ تُرَابِ الصَّاغَةِ (١)، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ الْبَيْعَ فِي الْأَمْرَيْنِ جميعًا (٢)). وهذا تفصيل المالكية في ذلك: وهو أنَّ هذا لا يجوز، لكن لو

стр. 7012

بيعت بغير ذلك بعرض من الأعراض، أو بيع الذهب مثلًا بالفضة - على الرأي بأنَّ الفضة تختلف عن الذهب كما مر بنا - فبعض العلماء كره ذلك ممن منعوا الأصل، ومنهم من أجاز ذلك، وقال: إنَّ العلة قد زالت، والعلة إنَّما كانت في المماثلة، والرسول ﷺ يقول: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد"، وقد اختلف الجنسين، فينبغي أن يكون ذلك جائزًا. وأمَّا الذين منعوا قالوا: إنَّ الجهالة لا تزال قائمة فيكون في ذلك غرر، وبالتالي يمنع البيع من هذه الناحية. * قولُهُ: (وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي الْأَمْرَيْنِ جميعًا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (١)). قال به الحسن، وكذلك بعض العلماء من التابعين؛ كالنخعي، وغيره. * قولُهُ: (فَهَذ هِيَ الْبُيُوعُ الَّتِي يُخْتَلَفُ فِيهَا، أَكثَرُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ بِالْكَيْفِيَّةِ). وأقرب مثال للكيفية تراب الصاغة: فنحن لا نعرف كيفيته، وهو خليط لا ندري عن مماثلته، فالكيف مجهول، وإذا كان كذلك وهو من أموال الربا، فينبغي أن يمنع. * قولُهُ: (وأمَّا اعْتِبَارُ الْكَمِّيَّةِ: فَإنَّهمُ اتَّفَقُوا عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنَ الْمَكِيلِ، أَوِ الْمَوْزُونِ، أَوِ الْمَعْدُودِ، أَوِ الْمَمسْوحِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي) (٢).

стр. 7013

وأمَّا اعتبار الكمية فهو الاختلاف في القدر، وهذا إنَّما يكون في المكيل، والموزون، والمعدود، وفي المساحات، وربما في الأقيسة أيضًا؛ كما ترون بائع القماش لا يكيل القماش، ولا يزنه، لكنه يقيسه بالذراع، أو بالمتر، وكذلك الأرض لها مقاييس معروفة، وهذه كلها في الواقع؛ المكيال، أو الميزان، أو الذراع، أو المتر؛ هذه كلها نسميها مقاييس؛ لأنَّها تقاس بها الأشياء، أي: تقدر بها. وهنا مسألة مهمة نبه إليها المؤلف؛ وهي: أنَّه لا يجوز التبايع فيما يكال إلا بالكيل، وفيما يوزن إلا بالوزن، وفيما يُعد إلا بالعَد، وفيما يُقاس إلا بالمقياس. ثم أضاف مسألة أخرى، وهي: هل هناك اشتراط أن يكون القدر معلومًا عند الطرفين - البائع والمبتاع - أو لو علم أحدهما كفى ذلك، وبيَّنَ أنَّه لا بُدَّ من معرفة الأمرين معًا، فيكون البائع على علم حتى لا يخسر في بضاعته، والمشتري يكون عالمًا بالقدر حتى لا يغبن، وحتى ترتفع الجهالة أيضًا. * قولُهُ: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَكُونُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ قِبَلِ الْكَيْلِ الْمَعْلُومِ، أَوِ الصُّنُوجِ الْمَعْلُومَةِ؛ مُؤَثِّرٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَفِي كُلِّ مَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْكَيْلِ، وَالْوَزْن عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ جَمِيعِ الْأشْيَاءِ الْمَكِيلَةِ، وَالْمَوْزُونَةِ، وَالْمَعْدُودَةِ، وَالْمَمْسُوحَةِ). الكيل معروف وهو: الصاع، والمد إلى غير ذلك، وقوله: الصنوج:

стр. 7014

جمع صنج، وهو إناء مدور من نحاس أو غيره (١)، وهذا الذي يريده الفقهاء من قولهم الصنج. والمقصود من قولُهُ: (الممسوحة)؛ يعني التي تأخذ عن طريق المساحة، أي: المقياس، والآن يُعبرون في المصطلح الجديد على من يقوم بمسح الأراضي وقياسها (بالمساح). * قولُهُ: (وَأَنَّ الْعِلْمَ بِمَقَادِيرِ هَذه الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْجُزَافَ؛ يَجُوزُ فِي أَشْيَاءَ، وَيُمْنَعُ فِي أَشْيَاءَ) (٢). وقوله: (من قبل الحزر والتخمين) يعني: من باب التقدير، أي إنَّ هذه أمور ليست مقدرة تقديرًا دقيقًا، وإنَّما قائمة على التخمين والظن القريب من الصحة، بخلاف الأمور التي تقوم على العلم واليقين؛ كالكيل، والوزن، والقياس. الجزاف: هو ما لا يُكال، ولا يوزن، ولا يُعد؛ يعني المبيعات التي لا تتم عن طريق المقاييس المعروفة التي أشار إليها رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه ثبت عن الرسول ﷺ أنَّه قال: "المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان

стр. 7015

أهل مكة"، والقصد في ذلك المكيال التي كانت في زمن رسول الله ﷺ ، الصَّاع، والمد، والميزان إنَّما هو ميزان أهل مكة. والجزاف يجوز في بعض الأشياء، ولا يجوز في بعضها، ومما جاز فيه حديث عبد الله بن عمر ﵁ الذي أصله في الصحيحين، ولفظه عند مسلم، قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا فنهانا رسول الله ﷺ أنَّ نبيعه حتى ننقله من مكانه، إذًا الرسول ﷺ لم ينكر عليهم بيع الطعام جزافًا، إنَّما أنكر عليهم أن يبيعوا ما اشتروه قبل أن يقبضوه ويتسلموه، وهذا الحديث نصهم في جواز بيع الطعام ونحوه جزافًا. ومن كان له مثلًا كومة من تمر، أو قمح فيجوز لك أن تبيعها جزافًا، وفي ذلك تفصيل، لكن شريطة ألَّا تكون معلومة القدر، وأمَّا كيفية القبض: فالمكيل يكون قبضه بالكيل، والموزون بالوزن، والمعدود بالعد، وما لا يمكن كيله ولا عده بالتخلية عنه، كالأراضي والدور، وكل ذلك مر بنا. * قولُهُ: (وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: أنَّه يَجُوزُ فِي كلِّ مَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْكَثْرَةُ لَا آحَاد). ومثال الكثرة: كبيع القمح - فلا يعلم كم فيه من الحبات -، والتمر، ونحو ذلك. * قولُهُ: (وَهُوَ عِنْدَهُ على أَصْنَافٍ: مِنْهَا مَا أَصْلُهُ الْكَيْل، وَبَجُوزُ جُزَافًا، وَهِيَ الْمَكِيلَات، وَالْمَوْزُونَاتُ). وذلك مثل الصُّبرة، فالأصل في الطعام أن يكال، لكن يجوز أن تباع صُبرة منه - يعني كومة - جزافًا، كما نجد ذلك أيضًا في خرس التمر على النخل، فإنَّ الرَّسولَ ﷺ رخص في بيع العرايا بالشروط التي أشرنا إليها من قبل - وستأتي إن شاء الله - ومع أنَّ الرسولَ ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة عندما نفسرها نجد: أنَّها تطلق على الخرس، لكن الخرس استثني منها، فلا يجوز شراء رطبًا على رؤوس النخل بتمر على الأرض، وقد

стр. 7016

استثنى الرسول ﷺ من ذلك بيع العرايا في حدود خمسة أوسق، إلى غير ذلك من الشروط الخمسة التي سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله قريبًا. * قولُهُ: (وَمِنْهَا مَا أَصْلُهُ الْجُزَاف، وَيَكُونُ مَكِيلًا، وَهِيَ الْمَمْسُوحَاتُ كَالْأَرَضِينَ، وَالثّيَابِ). وذلك أنَّك لو وجدت جملة من الثياب؛ فيقول لك صاحبها: أبيعك عبدًا من عبيدي بكذا، أو ثوبًا من ثيابي بكذا، أو أرضًا من أراضيا بكذا، إذ لا بُدَّ من تحديدها، ومعرفة ذلك. * قولُهُ: (وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّقْدِيرُ أَصْلًا بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، بَلْ إِنَّمَا يَجُوزُ فِيهَا الْعَدَدُ فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا جُزَافًا، وَهِىَ كلمَا قُلْنَا الَّتِى الْمَقْصُودُ مِنْهَا آحَادُ أَعْيَانها). لأنَّ الأشياء المعدودة قد لا يبينها الكيل، وقد يبينها الوزن، لكنها اصطلح على أنَّها تباع عدًّا كالثياب، ونحوها. * قولُهُ: (وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ التِّبْرَ وَالْفِضَّةَ غَيْرَ الْمَسْكُوكيْنِ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) (١). التبر: هو الذَّهب الذي لم يُضرب بَعد، يعني ذهب سبائك، وأمَّا المضروب فيسمَّى نقدًا، سواء كان ذهبًا، أو فضةً. وقوله: (غير المسكوكين) أي: غير المضروبين. وخالفه جمهور العلماء، كما سينبه المؤلف، حيث ذكر الإمامين، ويضاف إليهم أحمد (٢).

стр. 7017

"قول: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢): يَجُوز، وَيُكْرَهُ). فقد أجازوه، وبعضهم أضاف الكراهة، واستدلوا بحديث: "الذهب بالذهب عينها وتبرها، تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها" (٣). إذًا فالرسول ﷺ أجاز ذلك، وفيه حُجة للجمهور. ولتوضيح المسألة أكثر؛ نقول: إنَّهم يرون أنَّه يباع الذهب بالذهب مسبوكًا؛ فتبيع بعضه ببعض، وكذلك الفضة إذا كانت مسبوكة، بعضها ببعض، أو كان بعض الذهب مسبوكًا وبعضه غير مسبوك، وكذلك الفضة، لكن بشرط وجود التماثل، وأن يكون يدًا بيد، مثلًا بمثل. لكن عندما تختلف الأموال الربوية - ويقصد بالأموال الربوية في مصطلح الفقهاء هي التي يدخلها الربا - فهذه لا يجوز بيعها ببعض، إلا إذا وجد التساوي. " قول: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تُبَاعَ الصُّبْرَةُ الْمَجْهُولَةُ عَلَى الْكَيْلِ (٤)، أَيْ: كُلُّ كليْلٍ مِنْهَا بِكَذَا، فَمَا كانَ فِيهَا مِنَ الأكيَالِ وَقَعَ مِنْ

стр. 7018

تِلْكَ الْقِيمَةِ بَعْدَ كَيْلِهَا، وَالْعِلْمِ بِمَبْلَغِهَا؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُ إِلَّا فِي كَيْلٍ وَاحِدٍ (١)، وَهُوَ الَّذِي سَمَّيَاهُ). والصُّبرةُ على أنواع، ولا يخلو إمَّا أن تبيع صبرة بصبرة، أو أن تبيع صبرة بغيرها: - فأمَّا بيع الصبرة بمثلها، فهذا لا يجوز؛ لأنَّ العلم بالتساوي هنا غير معلوم، والعلة هنا أنَّه غير معلوم معنى صبرة، وهذا بيع جزاف. - وأمَّا أن تبيع صبرة بثمن آخر، فهذا جائز، وفيه تفصيل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ومما يجدر التنبه إليه أنَّ المؤلف لما دخلنا في مسائل البيوع بدأ يتوسع في مذهب مالك، وقد خرج بذلك عن مذهبه الذي كان عليه؛ وهو أنَّه كان يوازن بين المذاهب، فقد بدأ يدخل في بعض الفروع في مذهب مالك مع أنَّه ذكر بأنَّه يقتصر على أمهات المسائل - يعني في التفصيل - وفي بعض الجزئيات يستطرد في ذكر مذهب المالكية. * قولُهُ: (وَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْعَبِيدِ، وَالثِّيَابِ (٢)، وَفِي الطَّعَامِ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الثِّيَابِ، وَالْعَبِيدِ (٣)،

стр. 7019

وَمَنَعَ ذَلِكَ غَيْر فِي الْكُلِّ فِيمَا أَحْسَبُ، لِلْجَهْلِ بِمَبْلَغِ الثَّمَنِ). فهذا لا يجوز عند مالك وحده، بل يجوز عند مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وقد وهم المؤلف أيضًا في حكاية مذهب أبي حنيفة، وهو - أي: أبو حنيفة - مع جمهور الأئمة، يعني أنَّ هذا رأي الأئمة الأربعة فيما أعلم. * قولُهُ: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَصْدُقَ الْمُشْتَرِي البَائِعَ فِي كَيْلِهَا، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَيْعُ نَسِيئَةً (١)؛ لأنَّه يَتَّهِمُهُ أَنْ يَكُونَ صَدَقَه لِيُنْظِرَهُ بِالثَّمَنِ). وهذه الإشارات مما يعجبني عند المؤلف، والتي يكون ظاهرها أنَّها بسيطة، لكنها ليست كذلك. فقوله: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَصْدُقَ الْمُشْتَرِي البَائِعَ)، أي: إذا جاء المشتري إلى البائع فقال: هذه الصبرة - مثلًا - وزنها كذا، وكيلها كذا، فعند مالك يصدقه شريطة ألَّا تكن ناسيًا، لأنَّه عندما يقول البائع للمشتري هذه الصبرة وزنها كذا، أو كيلها كذا فسيوافق، والمشتري هنا ليس متهمًا؛ لأنَّه إن حصل ضرر سيكون على نفسه، لكن عندما يشتريه نسيئة ربما يكون حصل تواطؤ مع البائع، لأنَّه سيؤجل له الثمن، - فكما نقول: نزل رأسه لك وطأطئه لأنَّه يعلم أنَّه سيبيع البيع مُؤجلًا - إذًا التهمة هنا حاصلة، ولا تحصل في الأولى، ففرَّق مالكٌ بين ذلك. وهذا هو مذهب أحمد أيضًا، وهذا إن دَلَّ فإنَّه يدل على دقة الفقهاء ﵏ في مثل هذه الأمور، فلا نظن أنَّه لما يقول أحدهم بقول؛ أنَّه يقول ذلك جُزافًا، إنَّما يقول ذلك عن دراية، وروية، وبُعد

стр. 7020

نظر، وتدقيق في المسائل، فقد فرَّقوا في هذه المسألة بين الأمرين، لأنَّه عندما يقول البائع للمشتري هذه الصبرة - أو هذه الكومة - من الحنطة كيلها كذا تساوي مثلًا مائة صاع، فيصدقه ولا يبالي هذا إذا كان البيع نقدًا، لكن لو كان نسيئةً، قالوا: لا يصدُقه، ولا بُدَّ من كيلها؛ لأنّ الشبهة قائمة، والشبهة هي خشية أن يكون المشتري سكت عن ذلك، لأنَّه يخشى أن لو عارض البائع في ذلك، وشكك في الأمر، لأبطل البيعة، وذهبت عنه. * قولُهُ: (وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَكْتَالَهَا الْمُشْتَرِي؛ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى تَجْرِيَ فِيهِ الصِّيعَان، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمِمَّنْ مَنَعَهُ: أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَمِمَّنْ أَجَازَهُ بِإِطْلَاقٍ: عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ (٤). أمَّا أحمد فسبق وذكرنا أن مذهبه كمذهب مالك.

стр. 7021

وهذا الكلام مر بنا أثناء حديثنا عن القبر، فذكرنا أنَّ الرسول ﷺ قال في الحديث الصحيح: "إذا بعت فَكِل، وإذا ابتعت فاكتل"، يعني إذا بعت لغيرك فكِل، وعلى المشتري إذا ابتاع من غيره أن يطلب من البائع أن يكيل له البضاعة، وهذا أمر مطلوب، ولا ينبغي أن يمنع الإنسان شيء من الحقِّ الذي شرعه الله ، وسنَّهُ رسول الله ﷺ . وقد نهى النبي ﷺ عن البيع حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع، وصاع المشتري، وهذا هو نص الحديث: "حتى يجري فيه الصاعان"، ومما يؤكد ذلك أنَّه جاء تفسيره في الحديث، ففيه: "حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع وصاع المشتري"، ويفسره حديث: "إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل"، وهذا ليس معناه أن البائع له صاع، والمشتري له صاع، فالصاع مكيل معروف قدره، لكن المقصود أن يكيل هذا، والآخر يُكال له، حتى يجري فيه الصاعان. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه، والدارقطني (١)، وقد ضعَّف بعضهم إسناده لوجود ابن أبي ليلى - وهو من التابعين - في سنده، لكن الحديث روي من عدة طرق، وهو من حديث أبي هريرة ﵁ (٢)، وغيره، فهو إذن حديثٌ حسنٌ صالحٌ للاحتجاجِ به. فهو إذن حجةٌ لمن قال بذلك، والحديث الذي أورده المؤلف ليس بنصٍّ؛ لأنَّ لفظ: "الصيعان" ليس حجة في المسألة، وأمَّا لفظ: "الصاعان" كما ورد في الحديث الذي ذكرناه فيه حجة، ويؤيده الحديث الآخر الصحيح الذي ذكرنا.

стр. 7022

* قولُهُ: (وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَعْلَمَ الْبَائِعُ الْكَيْلَ، ويَبِيعَ الْمَكِيلَ جُزَافًا (١)، مِمَّنْ يَجْهَلُ الْكَيْلَ). لا يجوز ذلك عند مالك، وأحمد كذلك. هذه مسألة أخرى، حيث لا يجوز للبائعِ العالمِ بقدر الطعام مكيلًا أن يبيعه للمشتري جُزافًا، لأنَّه يحصل حينئذٍ نوع من الغشِّ، والرسول ﷺ يقول: "من غشنا فليس منا"، كما أنَّ فيه تدليس على المشتري، والتدليس نوع من الغرر، وربما ينتهي أيضًا إلى الغبن. فينبغي للبائع أن يكون صادقًا، وقد رأينا أنَّ من أصول البيوع التي ينبغي أن تكون مستمدة منه أو تبنى عليه: الصدق، كما جاء في الحديث: "فإن صَدَقَا وبيَّنَا بُورك لهما في بيعهما"، فينبغي للبائع أن يكون صدوقًا، وليعلم أنَّه إذا صدق مع المشتري فإنَّ اللهَ ﵎ سيبارك له في ربحهِ، وإن قَلَّ، فإنَّ اللهَ تعالى سينميه له حتى يَكثُر، فيستفيد منه في هذه الحياة الدنيا، ويجد ثواب ذلك في الآخرة، كما أنَّه مر بنا فيما مضى من الأحاديث ثواب الذين يخففون عن الناس، ويرفعون عنهم الكربات، وما أُعد لهم من الثواب، زيادة على ما ذكر رسول الله ﷺ من صفة التاجر الصادق، ومع من يحشر، فهذا كله حضَّ عليه الإسلام. أمَّا إذا غش البائع ودلس وأخفى؛ فلا شك أنَّه آثمٌ في ذلك، ومهما زاد ماله، فإنَّ البركة قليلة، وربما يظن بعض الناس أنَّ المال بكثرته، ولكن الأمر عكس ذلك تمامًا، فكم من أناس تجد لديهم أموالًا طائلةً، ولكنهم لا ينعمون بها، فربما يأكلون أحسن المأكولات، ويلبسون أحسن الملبوسات لكنك تجدهم يفتقدون الرَّاحة، ويغلب على حالهم القلق،

стр. 7023

وعدم استقرار نفس، بينما تجد إنسانًا لا يملك إلَّا دُريهمات يسيرة؛ إذا أكل غداءه ربما لا يجد ما يتعشى به، لكنه من أسعدِ الناس، راضٍ بنعمة الله، يحمد تلكم النعمة، ويشكره عليها، ويرى أنَّ الله قد أعطاه ما لم يعطِ غيره، وهذا هو الفضل العظيم؛ أن يكون المرء شاكرًا لله نعمه. * قولُهُ: (وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢)). والصحيح أنَّه يجوز عند الشافعي، وأبو حنيفة، أي اللام هنا زائدة. * قولُهُ: (وَالْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا هِيَ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ) (٣). والمزابنة: هي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر على الأرض، وقد نهى عنها رسولُ اللّهِ ﷺ ، لكن استثنى فقال: "إلا العرايا" (٤)، وفي رواية: "إلا العرية" (٥)، يأكلها أهلها رطبًا عند خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق، وقصده من ذلك التيسير على الناس. فائدة: ورسول الله ﷺ يدرك أنَّ جميع الناس لا يملكون نخلًا، وذلك

стр. 7024

الزَّمان ليس كزماننا هذا، فقد تغيرت الأحوال بحمد الله تعالى، فكان رسول الله ﷺ وأصحابه يُصيبهم الجوع، وكم مرت من الأيام التي يربطون الأحزمة على بطونهم، ويضعون الحصى ليخففوا آلامه، وقد كان يصيبهم التعب والنصب نتيجة الجوع، أمَّا الآن فالناس تصيبهم الأمراض بسبب كثرة الأكل، لكنهم مع تلكم القلة ومع الكفاف كانوا شاكرين لله، وربما يمر الشهر الكامل من الهلال إلى الهلال ولا يوجد في بيت آل محمد ﷺ إلَّا الأسودان؛ الماء والتمر، لا يوجد اللحم بأنواعه، ولا الفاكهة، ولا غيرها، ومع ذلك كان ﵊ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فيقال له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، كما قال الله تعالى في سورة الفتح: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾، فكان جوابه ﷺ : "أفلا أكلون عبدًا شكورًا" (١). هكذا يكون حال الشاكرينَ المطيعينَ للَّهِ ، الذين يرجون جنة عرضها السماوات والأرض، أُعدت للذين آمنوا بالله ورسله، وأعدت للذين يُنفقون في السراءِ والضراءِ، والكاظمينَ الغيظَ، والعافينَ عن الناسِ، واللهُ يُحبُّ المحسنين، هكذا كان الصالحون في عهد رسول الله ﷺ ، وبعده، وإلى يومنا هذا، فهناك أناس باعوا الفانية بالباقية، فكم من أناس طلقوا الدنيا، واشتغلوا بأمور الآخرة، وانصرفوا عنها؛ لأنَّهم يرجون الثواب والجزاء من الله ، وذلك دليل على عظم ثقتهم باللّه ، فهم يحسنون الظن بربهم، ويدركون أنَّ الله وعد المتقين الجنة، وأنَّه تعالى لا يُخلفُ الميعاد. * قولُهُ: (وَهِيَ بَيْعُ مَجْهُولِ الْكَمِّيَّةِ بِمَجْهُولِ الْكَمِّيَّةِ، وَذَلِكَ إمَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ فَلِمَوْضِعِ التَّفَاضُلِ، وإمَّا فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ فَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْقَدْرِ). وقوله: (مجهول الكمية بمجهول الكمية)؛ لأنَّ الرطب هو تمر، ولكنه رطب، ولذلك سمي رطبًا، ولو أخذه صاحبه ووضعه في مكان في الشمس، أو في غيرها وجف فلا يبقى كما كان، وإن وزنته ستجد أنَّه

стр. 7025

خف، وإن جئت تكيله ستجد أنَّه قلَّ، لأنَّه يضمر؛ لأنَّه إذا جف خف وزنه، وقلَّ كيله، فيكون التساوي هنا غير وارد، ولكن نظرًا لحاجة الناس، وعدم تمكنهم جميعًا من الحصول على ذلك استثني بيع العارية، ليتمتع الناس به، وحتى لا يتلذذ بعضهم دون بعض. ومثل ذلك حكمة الشريعة في إخراج زكاة الفطر؛ فأفضل وقت تخرج فيه يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز قبله بيوم أو يومين حتى يأخذها الفقير، وبدلًا أن يبقى في انتظار وصول وقتها، وأولاده يحسون بالآلام، ويرون غيرهم في سعادة ورفاهية، تجد الفقير إذا أخذها فإنَّه في ذلكم الوقت يتنعم بها، ويأكل كما يأكل غيره، وهذا فيه عناية الإسلام بالمسلمين جميعًا، فهو دائمًا يحرص على أن يكون الناس كلهم أمة صالحة. أمَّا الربويات فكما سبق وذكرنا مثلًا بمثل، فإذا زال التساوي حَلَّ الرِّبا، وأمَّا في غيرها فيكون القدر غير متساويًا فيحصل الغبن، والغبن قد نهي عنه. * * * قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْبَابُ الرَّابعُ فِي بُيُوعِ الشُّرُوطِ والثُّنْيَا) * قولُهُ: (وَهَذِهِ الْبُيُوعُ؛ الْفَسَادُ الذي يَكُونُ فِيهَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْفَسَادِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْغَرَرِ). فالسبب في فساد البيوع؛ وجود الغرر فيها، فربما يغرر البائع بالمشتري فيخدعه، ويبيعه سلعة أعلاها صالحٌ، وأسفلها فاسد، أو ثوبًا ظاهره صالح، وباطنه غير صالح، أو يبيع على إنسان سلعة يجهل الأسعار

стр. 7026

فيغبنه فيها، كما قال الرسول ﷺ لذلك الرجل الذي يغبن في البيوع بأنَّه إذا ابتاع بيعًا أن يقول: "لا خلابة" (١). * قولُهُ: (وَلَكِنْ لَمَّا تَضَمَّنَهَا النَّصُّ وجبَ أَنْ تُجْعَلَ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ عَلَى حِدَةٍ). فالعلة في هذه البيوع، أو النهي عنها؛ الغرر، وكان يناسب أن تذكر فيما مضى من بيوع الغرر، لكن لما وردت فيها نصوص خاصَّة مستقلة اقتضى الأمر - لأهميتها - أن تُفرد بباب مستقل، وقد سمَّاه باب الشروط والثنيا، يعني كأنَّه يقول: لو ذكرناها مع البيوع التي يتطرق إليها الغرر لكانت قد ذُكرت في موضعها، وهذه عادة كثير من الفقهاء، وحتى في الكتب الكبيرة تجد أنَّ بيعَ الثنيا والشروط يدرج ضمن بيوع الغرر ونحوها، وبما أنَّ هذا الكتاب له مزايا: منها حسن الترتيب والتبويب والتقسيم جعلها في باب مستقل. * قولُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ). قد مر بنا أن المؤلف سار على منهجٍ معينٍ، فيذكر آراء العلماء، ثم بعد ذلك يذكر أسباب الخلاف، ثم يذكر الأدلة، والترجيح قليل عنده، لكنه الآن غير أسلوبه. فائدة: وهكذا الإنسان عندما يسير في عمل طويل يصعب عليه أن يبقى على نفس السِّياق الذي سار عليه في هذا العمل. ومثل ذلك الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى صاحب الكتاب العظيم: (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، والعيني الحنفي له أيضًا: (عمدة القاري لشرح صحيح البخاري)، وهما متعاصران، وقد بدأ ابن حجر في

стр. 7027

كتابه أوائل المائة الثامنة، وانتهى منه سنة ثمانمئة واثنتين وأربعين، يعني قبل وفاته بعشر سنوات، واشتهر ذلكم الكتاب، وفرح به الناس، وطاروا به في البلدان، ثم بعده وُجد كتاب البدر العيني (عميدة القاري)، فسئل ابن حجر عن كتابه، وأنَّ العيني في بعض المواضع فصَّلَ أكثر مما في فتح الباري، فبيَّنَ رحمه الله تعالى بأنَّه وقف على ما وقف عليه العيني، ولكن هذا العمل إنَّما هي أعمال جزئية. وكذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي بدأ في شرح صحيح البخاري قبل ابن حجر، وسمى كتابه فتح الباري، لكنه وصل فيه إلى الجنائز ولم يكمله، وتوسع فيه بالأحاديث أكثر من ابن حجر، وهذا كتاب يستفاد منه، وكثير من شروح البخاري، لكن ابن حجر أراد أن يكون كتابه على نسقٍ فمشى في توازن كامل وحافظ عليه، فاحتفظ كتابه (فتح الباري) بقيمته، أمَّا العيني فقد توسع في بعض الأمور، ثم بعد ذلك في النهاية قلَّل في أمور الأخرى، وقد عني باللغة العربية كثيرًا لاشتغاله بها، أمَّا ابن حجر فقد توسع في سائر العلوم، لكنَّه عني أكثر بالحديث، والفقه. وأمَّا كتابنا كما هو ظاهر فقد سار على نسقٍ، لكنَّه غير منهجه فيه، وربما طبيعة البحث تقتضي من الإنسان مثل هذه الأمور، لأنَّه أحيانًا يمر بمسائل ليست كُبرى؛ كمسألة المريض الذي باحثها، وما يتعلق أيضًا بالتبر، وما يتعلق بتراب المعادن، وتراب الصاغة، فبالرغم من أنَّ هذه المسائل تعتبر جزئية، فقد أدخلها المؤلف في كتابه، مع أنَّ كتابه في المسائل الكلية التي يقتضي البحث فيها ألَّا يكون مُطولًا. وهذا الباب بُني على أصل، والأصل عادة يكون إمَّا أصلًا منقولًا، أو أصلًا معقولًا، وقد يجتمعان معًا، فأمَّا الأصل المنقول؛ فهي الأدلة من الكتاب العزيز، ومن سنة رسول الله ﷺ ، وأمَّا المعقول؛ فهو ما يُعرف بالقياس. والكلام هنا عن الأدلة من السنة النبوية المطهرة.

стр. 7028

* قولُهُ: (أَحْدُهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ، قَالَ: "ابْتَاعَ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا، وَشَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ"، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ (١)). وهو حديث طويل، والمؤلف جاء بمحل الشاهد فقط، وجابر ﵁ كان معه جمل، فأتعبه هذا الجمل حتى كاد أن يسبقه، أو أن يتركه، قال فلحق بي النبي ﷺ فدعا لي، وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله، والرسول ﷺ أحيانًا لا يكون في مقدمة الركب، ويقال: إنَّه من شأن المسؤول أن يكون في المؤخرة، ليتتبع أحوال الناس، وكذلك فعل رسول الله ﷺ ، فرأى ما عناه جابر ﵁ من التعب، والمشقة مع البعير. ومعلوم أنَّ دعوةَ رسول الله ﷺ مستجابة، ومن ذلك ما مر بنا في أحكام الجمعة، عندما كان رسول الله ﷺ يخطب في الناس فدخل أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادعُ الله لنا، فدعا رسول الله ﷺ رافعًا يديه إلى السماء، يسأل الله تعالى فنزل المطر، فجاء في الأسبوع الثاني يطلب من رسول الله ﷺ أن يدعو بإيقاف المطر (٢)، وقد استجاب له الله ﵎؛ لأنَّه صادق مع الله ، والله يستجيب دعوة الدَّاع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. ولما دعا له رسول الله ﷺ ، وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله من قبل، وأصبح نشيطًا، عرض عليه ﷺ قال: "بعني"، قال: لا تغيرت الحال، ثم كرر عليه الرسول ﷺ : "بعني"، قال: نعم بعتكه، واشترط حملانه إلى أهله، وفي بعض الروايات إلى المدينة، وهذا في الصحيحين.

стр. 7029

وفي هذا الحديث بيان منهج الرسول ﷺ في عنايته بأمته، ورحمته بها، وتواضعه ﷺ ؛ حيث عرض ﷺ على جابر ﵁ أن يشتري منه البعير الذي دعا له، وتغير حاله، ومع ذلك يقول: لا، ولم يؤثر ذلك في خلق رسول الله ﷺ ، ثم يُكرر رسول الله ﷺ ذلك عليه، وجابر ﵁ يعلم مكانة رسول الله ﷺ فيستجيب لرغبته، ويشترط شرطًا، وهذا الذي له علاقة ببيع الشروط والثُنيا؛ لأنَّ رسول الله ﷺ ابتاع ذلك الجمل من جابر ﵁، واشترط جابر ﵁ حملانه إلى المدينة، أو إلى أهله. * قولُهُ: (وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ بَرِيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ"، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ) (١). وهو الحديث طويل، وقد اختصره المؤلف، وجاء بموضع الشاهد فقط، وله قصة: فبريرة كانت مملوكة، فكاتبت أهلها على تسع أواق - والمكاتبة نوع من أنواع العتق، لكنه يأتي على مراحل - تدفع لهم في كل عام أوقية، فكأنَّه شق ذلك عليها، فجاءت إلى عائشة - أم المؤمنين - ﵂ تطلب منها العون والمساعدة، فما كان من عائشة ﵂ إلَّا أن قالت: اذهبي إلى أهلك - أي: الذين يملكونها - فسوف أعدها لهم على أن يكون ليَ الولاء - وهذا هو الأصل - فذهبت إليهم، فأبوا، وقالوا: الولاء لنا، وكان رسول الله ﷺ جالسًا فقال لعائشة ﵂: "اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، - وإن اشترطي لهم الولاء، لا يضر -، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس خطيبًا فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أَمَّا بَعْد، فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وإنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللّهِ

стр. 7030

أَحَقّ، وَشَرْطُ اللّهِ أَوْثَق، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلَانًا وَالْوَلَاءُ لِي، إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" وهذا محل الشاهد. فرسول الله ﷺ ردَّ على من يريدون أن يخالفوا ما في كتاب الله، والله تعالى يقول ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وقال ﵎: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، لذلك قال رسول الله ﷺ : "قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق"، وبيَّن أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط. ونحن نقول كل شرط، وكل عمل ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ فهو مردود على صاحبه، كما قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" (١)، وقال: "مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ" (٢). ومما يجدر التنبيه إليه أننا إلى جانب هذا الفقه الذي ندرس أحكامه، نجد فيه من الفوائد، والدروس، والتوجيهات، والأخلاق النبوية الكريمة ما نستفيد به في تهذيب سلوكياتنا، وتربية أنفسنا. وفي الحديث أنَّ رسولَ اللّهِ ﷺ لمَّا رأى منكرًا ما سكت عنه، ولكنه ﷺ كان يعالج الأمور بالحكمة، فما كان من دأبه أن يجمع الناس فيقول: لماذا فلان فعل كذا وكذا، ولكنه كان يقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"، وهنا قال: "ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله". ونحن نقول: ما بالنا نجرح في المسلمين، ونذكرهم بما ليس فيهم، ونتسلى ونستمتع بذلك، بل ونجده من فواكه المجلس، ونحن نعلم ما في

стр. 7031

النميمةِ من خطورة، وأنَّ الرسول ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتات" (١)، أي: نمَّامٍ. * قولُهُ: (وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ جَابِرٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ (٢)، وَالْمُزَابَنَةِ (٣)، وَالْمُخَابَرَةِ (٤)، وَالْمُعَاوَمَةِ (٥)، وَالثُّنْيَا (٦)، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا (٧)، وَهُوَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ؛ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٨)).

стр. 7032

وقد سبق التعريف بهذه المصطلحات: المحاقلة، المزاينة، المخابرة، المعاومة، الثنيا. وهناك بيوع أخرى نهى عنها رسول الله ﷺ ، وسيأتي الحديث عنها، كبيع العصا (١)، وبيع النجز (٢)، وتلقي الركبان (٣)، وبعضها مر بنا؛ كبيع الآبق (٤). وقوله: (وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا)؛ وسيأتي التفصيل فيها في مبحث مستقل إن شاء الله بشروط معروفة. * قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أنَّه رَوَى: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ" (٥). فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ لِتَعَارُضِ هَذِهِ الْأحَادِيثِ فِي بَيْعٍ، وَشَرْطٍ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: الشَّافِعِيُّ (٦)،

стр. 7033

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١). وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: ابْنُ أَبِي شُبْرُمَةَ (٢). وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى (٣)). والذي رواه أبو حنيفة في القصة التي أشرت إليها قبل قليل، عندما قدم ابن عبد الوارث بن سعيد إلى مكة فوجد ثلاثة من أكابر فقهاء الكوفة؛ من هم؟ أبو حنيفة؛ الإمام المعروف، وابن أبي ليلى؛ التابعي، وابن شبرمة. فأمَّا أبو حنيفة فهناك خلاف هل هو تابعي، أو من أتابع التابعين؟ فالحنفية يقولون: بأنَّه تابعي (٤)، ويقولون بأنَّه رأى أنس بن مالك، وكان

стр. 7034

يقول: رأيت أنس بن مالك ﵁ واقفًا يصلي في مسجد الكوفة. وقالوا: إنَّه روى عنه حديث: "من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه؛ دخل الجنة" (١). وأمَّا ابن أبي ليلى فلا خلاف في أنَّه تابعي (٢)، وكذلك الثالث ابن شبرمة (٣)؛ هؤلاء الثلاثة لقيهم - ابن عبد الوارث بن سعيد - سألهم عن مسألة من باع بيعًا، وشرط شرطًا، سنذكر التعليق على ذلك، ونعرف بما أجابه كل واحد، وبما استدل على رأيه، إن شاء الله عندما يذكر ذلك المؤلف. فعندما قدم ابن عبد الوارث بن سعيد إلى مكة، فوجد ثلاثة من أكابر فقهاء الكوفة مجتمعين فيها، فسأل أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - عمن باع بيعًا وشرط فيه شرطًا، فأجابه أبو حنيفة بقوله: البيع باطل، والشرط فاسد، ومنه فأبو حنيفة يرى بطلان البيع الذي شرط فيه شرط، ويرى أنَّ الشرط باطل (٤). ثم عرج على ابن أبي ليلى فسأله، فقال: البيع صحيح، والشرط باطل.

стр. 7035

ثم بعد ذلك مر على ابن شبرمة، فقال: البيع صحيح، والشرط صحيح. فما كان منه إلَّا أن عاد إليهم مرة أخرى، فأتى أبا حنيفة فأخبره بما قال، فأجابه أبو حنيفة بأنَّه وإن لم يعلم بما أجاباه، فذكر حديث عمرو بن شعيب قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط (١)، ومنه فإنَّ أبا حنيفة يرى أنَّ ذلك نصّ في فساد المبيع الذي يُقيد بشرط، وسيأتي الكلام في الشروط تفصيلًا إن شاء الله. ثم بعد ذلك ذهب إلى ابن أبي ليلى، فقال: لا أدري ما قال لك - كما قال أبو حنيفة - ثم بعد ذلك، أورد حديث بريرة في قصتها مع عائشة ﵂؛ الذي قال فيه الرسول ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" (٢)، فإنَّ الرسول ﷺ أجاز ذلك، وأبطل الشرط. ثم بعد ذلك ذهب إلى ابن شبرمة، فقال له: لا أدري ما قال لك، ثم أورد حديث جابر في قصة جمله (٣)، وأنَّ رسول الله ﷺ ابتاعه منه، وأنَّ جابرًا اشترط حملانه إلى المدينة، فقال: هذا يدل على صحة البيع، وصحة الشرط؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم يُنكر على جابرٍ ذلك الشرط. وحديث جابر صحيح، ودعوى ما يَدَّعيه البعض - ونسب إلى الشافعي - بأنَّ الحديث فيه اضطراب، فهذه دعوى غير مسلمة (٤)، وبهذا

стр. 7036

يتبيَّن أنَّ مسألةً واحدةً أفتى فيها ثلاثة من علماء الكوفة واختلفوا، لذلك استغرب هذا السائل، فقال: ثلاثة من علماء بلد واحد، يختلفون في مسألة واحدة، هذا يقول: لا يجوز البيع والشرط، وهذا يقول: يجوز البيع ويبطل الشرط، والثالث يقول: يجوز البيع والشرط! وقد تبيَّنَ أنَّ كُلَّ واحدٍ استدل بدليلٍ، ومنه فعلينا أن ندرك بأنَّ الأئمة رحمهم الله تعالى - سواء كانوا الأئمة الأربعة، أو غيرهم - إنَّما كانوا يبنون فتاواهم، وقضاياهم، وإجاباتهم على أدلةٍ، وتلكم الأدلة قد تكون نصًّا في الكتابِ العزيزِ، أو فيما صَحَّ من سنةِ رسول الله ﷺ ، وربما تكون الحجة عقلية تُبنى على التَّعليل. * قولُهُ: (وَقَالَ أَحْمَدُ: الْبَيْعُ جَائِزٌ مَعَ شَرْطٍ وَاحِدٍ، وأمَّا مَعَ شَرْطَيْنِ فَلَا) (١). فقد أجاز الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - البيع مع شرط واحد؛ لأنَّ حديث: نهى عن بيع وشرط لم يصح عنده، ورجال هذا الحديث منهم من ضعفه البيهقي، والدارقطني (٢)، والإمام أحمد يحتج بحديث آخر

стр. 7037

صحيح قد مر بنا، وقد رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي؛ وصححه، قال: حديث حسن صحيح، وقد مر بنا كذلك حديث: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك" (١)، وقد جاء بألفاظ أطول من ذلك، والشاهد قولُهُ: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان ببيع"، والشرطان في البيع؛ كأن يشتري مثلًا ثوبًا ويشترط خياطته وتقصيره، فيكون بذلك قد اجتمع شرطان في بيع واحد، وأمَّا لو باع دارًا واشترط سكناها شهرًا، فهذا جائز عند الإمام أحمد (٢)، وكذلك مالك (٣). * قولُهُ: (فَمَنْ أَبْطَلَ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ أَخَذَ بِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَلِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنِ الثّنْيَا). يعني للحديث الذي فيه نهيه ﷺ عن بيع وشرط، لكن الثّنيا لا يصلح أن يكون دليلًا وحجةً في هذه المسألة؛ لأنَّ فيه النهي عن بيع الثُّنيا حتى تُعلم، وذلك تقييد، ولكن في الحديث الآخر فالنهي عن بيع وشرط بالإطلاق.

стр. 7038

* قولُهُ: (وَمَنْ أَجَازَهُمَا جميعًا أَخَذَ بِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشَّرْط، وَمَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ: أَخَذَ بِعُمُومِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ (١)). وقد ذكرنا كل تلك الأحاديث، وبيَّنَا ما فيها من أمورٍ تسببت في اختلاف الأحكام عند الفقهاء. * قولُهُ: (وَمَنْ لَمْ يجِزِ الشَّرْطَيْنِ وَأَجَازَ الْوَاحِدَ: احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ هُوَ عِنْدَكَ" (٢)). وهذا رأي الإمام أحمد (٣). وسيفصل القول في مذهب الإمام مالك، ومن يقرأ كتب المالكية المعتمدة يجد أنَّهم يقولون عن مالك: أنَّه أدق نظرًا، فقال مثلًا: أبو حنيفة قال كذا، وابن أبي ليلى قال كذا، وابن شبرمة قال كذا، ومالك رحمه الله تعالى قد أمعن النظر ودقق، وأخذ بالجميع، لكنه طبقه في مواضع، هكذا يقولون. لذلك سيشير المؤلف إلى جده ابن رشد - الجد -. * قولُهُ: (وأمَّا مَالِكٌ فَالشُّرُوطُ عِنْدَهُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ) (٤)

стр. 7039

ومذهبه في هذا التقسيم قريب من مذهب أحمد، فالحنابلة يقسمونها إلى أربعة، وهي حقيقة من حيث الجملة متداخلة مع تقسيم المالكية. وهذه الشروط سيشير إليها المؤلف في ثنايا الحديث، وسأذكر أقسامها مع بعض التفصيل كمقدمة لتيسير فهمها، وهي: الأول: من الشروط ما هو من مقتضى العقد، فعندما تشتري سلعة، وتشترط على البائع القبض، أو التسليم مباشرة؛ فإن هذا من مقتضى العقد، ولو لم تشترطه لاحتاج إلى ذلك، فيكون إذن وجوده وعدمه سِيَّان؛ لأنَّه أمر متحقق، وهذا يُسمونه شرط مقتضى العقد. الثاني: ما يكون من مصلحة العقد، أو مصلحة المتعاقدين، مثل أن يشترط الخيار، أو أن يشترط رهنًا، أو كفيلًا ضامنًا التسليم، إلى غير ذلك من الشروط ذات المصلحة. الثالث: أن يكون الشرط ليس من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، لكنه لا ينافي مقتضى العقد، وهذا يختلفون فيه، ومثاله: أن يقول البائع: أبيعك هذا المملوك شريطة أن تعتقه، فبعض العلماء صححه، وبعضهم لا. الرابع: أن يكون ليس من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، ومع ذلك نجد أنَّه لا يصح، كأن يشترط شرطين في بيعة. * قولُهُ: (شُرُوطٌ تَبْطُلُ هِيَ وَالْبَيْعُ مَعًا). يعني إذا وجد هذا الشرط في البيع بطل البيع، كأن يجتمع بيع وسلف.

стр. 7040

* قول: (وَشُرُوطٌ تَجُوزُ هِيَ وَالْبَيْعُ مَعًا). وهي التي تكون من مقتضى العقد، أو تكون من مصلحة العقد، وأمثلة ذلك كثيرة؛ ومنها: - أن يشترط الخيار، فيقول: لي الخيار. - أن يشترط مثلًا شهادة، بأن يقول: أشتري منك هذه السلعة لكن لا بُدَّ من وجود شهداء، ففي هذا تطبيق ما هو في شرع الله، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. - أن يشترط الكتابة - أي: التوثيق - كما في قولُهُ : ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. - أن يطلب الرهن. - أن يطلب كفيلًا ضامنًا (١). * قول: (وَشُرُوطٌ تَبْطُلُ وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ). كما مر بنا في الأمثلة السابقة، يعني من الشروط ما إذا بطل يصح البيع، ولا يؤثر فيه. * قول: (وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ عِنْدَهُ قِسْمًا رَابِعًا: وَهُوَ أَنَّ مِنَ الشُّرُوطِ مَا إِنْ تَمَسَّكَ الْمُشْتَرِطُ بِشَرْطِهِ بَطَلَ الْبَيْع، وَإِنْ تَرَكهُ جَازَ الْبَيْعُ). يعني مثلًا يشترط فيقول: أبيعك هذه الجارية على ألَّا تطأها، وألَّا تبيعها … إلى غير ذلك من الشروط، فهذه شروط لا تجوز. لكن أقول: لو ألغى هذه الشروط قبل أن يتم العقد؛ فحينئذٍ يكون لا أثر لها.
следующие страницы →