← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

يتبيَّن أنَّ مسألةً واحدةً أفتى فيها ثلاثة من علماء الكوفة واختلفوا، لذلك استغرب هذا السائل، فقال: ثلاثة من علماء بلد واحد، يختلفون في مسألة واحدة، هذا يقول: لا يجوز البيع والشرط، وهذا يقول: يجوز البيع ويبطل الشرط، والثالث يقول: يجوز البيع والشرط! وقد تبيَّنَ أنَّ كُلَّ واحدٍ استدل بدليلٍ، ومنه فعلينا أن ندرك بأنَّ الأئمة رحمهم الله تعالى - سواء كانوا الأئمة الأربعة، أو غيرهم - إنَّما كانوا يبنون فتاواهم، وقضاياهم، وإجاباتهم على أدلةٍ، وتلكم الأدلة قد تكون نصًّا في الكتابِ العزيزِ، أو فيما صَحَّ من سنةِ رسول الله ﷺ ، وربما تكون الحجة عقلية تُبنى على التَّعليل. * قولُهُ: (وَقَالَ أَحْمَدُ: الْبَيْعُ جَائِزٌ مَعَ شَرْطٍ وَاحِدٍ، وأمَّا مَعَ شَرْطَيْنِ فَلَا) (١). فقد أجاز الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - البيع مع شرط واحد؛ لأنَّ حديث: نهى عن بيع وشرط لم يصح عنده، ورجال هذا الحديث منهم من ضعفه البيهقي، والدارقطني (٢)، والإمام أحمد يحتج بحديث آخر

стр. 7037

صحيح قد مر بنا، وقد رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي؛ وصححه، قال: حديث حسن صحيح، وقد مر بنا كذلك حديث: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك" (١)، وقد جاء بألفاظ أطول من ذلك، والشاهد قولُهُ: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان ببيع"، والشرطان في البيع؛ كأن يشتري مثلًا ثوبًا ويشترط خياطته وتقصيره، فيكون بذلك قد اجتمع شرطان في بيع واحد، وأمَّا لو باع دارًا واشترط سكناها شهرًا، فهذا جائز عند الإمام أحمد (٢)، وكذلك مالك (٣). * قولُهُ: (فَمَنْ أَبْطَلَ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ أَخَذَ بِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَلِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنِ الثّنْيَا). يعني للحديث الذي فيه نهيه ﷺ عن بيع وشرط، لكن الثّنيا لا يصلح أن يكون دليلًا وحجةً في هذه المسألة؛ لأنَّ فيه النهي عن بيع الثُّنيا حتى تُعلم، وذلك تقييد، ولكن في الحديث الآخر فالنهي عن بيع وشرط بالإطلاق.

стр. 7038

* قولُهُ: (وَمَنْ أَجَازَهُمَا جميعًا أَخَذَ بِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشَّرْط، وَمَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ: أَخَذَ بِعُمُومِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ (١)). وقد ذكرنا كل تلك الأحاديث، وبيَّنَا ما فيها من أمورٍ تسببت في اختلاف الأحكام عند الفقهاء. * قولُهُ: (وَمَنْ لَمْ يجِزِ الشَّرْطَيْنِ وَأَجَازَ الْوَاحِدَ: احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ هُوَ عِنْدَكَ" (٢)). وهذا رأي الإمام أحمد (٣). وسيفصل القول في مذهب الإمام مالك، ومن يقرأ كتب المالكية المعتمدة يجد أنَّهم يقولون عن مالك: أنَّه أدق نظرًا، فقال مثلًا: أبو حنيفة قال كذا، وابن أبي ليلى قال كذا، وابن شبرمة قال كذا، ومالك رحمه الله تعالى قد أمعن النظر ودقق، وأخذ بالجميع، لكنه طبقه في مواضع، هكذا يقولون. لذلك سيشير المؤلف إلى جده ابن رشد - الجد -. * قولُهُ: (وأمَّا مَالِكٌ فَالشُّرُوطُ عِنْدَهُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ) (٤)

стр. 7039

ومذهبه في هذا التقسيم قريب من مذهب أحمد، فالحنابلة يقسمونها إلى أربعة، وهي حقيقة من حيث الجملة متداخلة مع تقسيم المالكية. وهذه الشروط سيشير إليها المؤلف في ثنايا الحديث، وسأذكر أقسامها مع بعض التفصيل كمقدمة لتيسير فهمها، وهي: الأول: من الشروط ما هو من مقتضى العقد، فعندما تشتري سلعة، وتشترط على البائع القبض، أو التسليم مباشرة؛ فإن هذا من مقتضى العقد، ولو لم تشترطه لاحتاج إلى ذلك، فيكون إذن وجوده وعدمه سِيَّان؛ لأنَّه أمر متحقق، وهذا يُسمونه شرط مقتضى العقد. الثاني: ما يكون من مصلحة العقد، أو مصلحة المتعاقدين، مثل أن يشترط الخيار، أو أن يشترط رهنًا، أو كفيلًا ضامنًا التسليم، إلى غير ذلك من الشروط ذات المصلحة. الثالث: أن يكون الشرط ليس من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، لكنه لا ينافي مقتضى العقد، وهذا يختلفون فيه، ومثاله: أن يقول البائع: أبيعك هذا المملوك شريطة أن تعتقه، فبعض العلماء صححه، وبعضهم لا. الرابع: أن يكون ليس من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، ومع ذلك نجد أنَّه لا يصح، كأن يشترط شرطين في بيعة. * قولُهُ: (شُرُوطٌ تَبْطُلُ هِيَ وَالْبَيْعُ مَعًا). يعني إذا وجد هذا الشرط في البيع بطل البيع، كأن يجتمع بيع وسلف.

стр. 7040

* قول: (وَشُرُوطٌ تَجُوزُ هِيَ وَالْبَيْعُ مَعًا). وهي التي تكون من مقتضى العقد، أو تكون من مصلحة العقد، وأمثلة ذلك كثيرة؛ ومنها: - أن يشترط الخيار، فيقول: لي الخيار. - أن يشترط مثلًا شهادة، بأن يقول: أشتري منك هذه السلعة لكن لا بُدَّ من وجود شهداء، ففي هذا تطبيق ما هو في شرع الله، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. - أن يشترط الكتابة - أي: التوثيق - كما في قولُهُ : ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. - أن يطلب الرهن. - أن يطلب كفيلًا ضامنًا (١). * قول: (وَشُرُوطٌ تَبْطُلُ وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ). كما مر بنا في الأمثلة السابقة، يعني من الشروط ما إذا بطل يصح البيع، ولا يؤثر فيه. * قول: (وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ عِنْدَهُ قِسْمًا رَابِعًا: وَهُوَ أَنَّ مِنَ الشُّرُوطِ مَا إِنْ تَمَسَّكَ الْمُشْتَرِطُ بِشَرْطِهِ بَطَلَ الْبَيْع، وَإِنْ تَرَكهُ جَازَ الْبَيْعُ). يعني مثلًا يشترط فيقول: أبيعك هذه الجارية على ألَّا تطأها، وألَّا تبيعها … إلى غير ذلك من الشروط، فهذه شروط لا تجوز. لكن أقول: لو ألغى هذه الشروط قبل أن يتم العقد؛ فحينئذٍ يكون لا أثر لها.

стр. 7041

* قولُهُ: (وَإِعْطَاءُ فُرُوقٍ بَيِّنَةٍ فِي مَذْهَبِهِ بَيْنَ هَذه الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ عَسِيرٌ، وَقَدْ رَامَ ذَلِكَ كثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ). وقوله: (رام ذلك) يعني: قصده (١). فإنَّ البعض يلحق مسائل الفروق بمسائل القواعد، وهي التي قد تجد ظاهرها متفقًا، لكنها من حيث الباطن تجد أنَّها مختلفة، فالمؤلف يقول هذه الشروط التي ذُكرت في مذهب مالك هي شروط دقيقة، والفروق بينها أدق، ولكي يدركها القارئ لا بُدَّ له من التركيز، وتفكيك المسائل، وهي متيسرة بإذن الله تعالى، لمن يَسَّرها الله له. ومما يلاحظ أننا لو نجري نظرةً فاحصةً، وشاملةً على مسائل الفقه، نجد أنَّها ليست على نسقٍ واحدٍ، بل هي درجاتٌ مختلفة، وقد تقسم إلى ثلاثةِ أقسام: الأول: مسائل تدرك بالبداهة، ويعرفها الإنسان بأمور بسيطة بمجرد الإدراك، كما هو الحال في بعض مسائل الطهارة، والصلاة. الثاني: مسائل تحتاج إلى إعمال فكر. الثالث: مسائل تحتاج إلى تدقيق وتفسير، وغوص في المعاني، وبحث عن العلل، وإلحاق بعض المسائل ببعض، وربما نحتاج إلى ردها إلى أصولها، أو قواعدها. * قولُهُ: (وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى كَثْرَةِ مَا يَتَضَمَّنُ الشُّرُوطَ مِنْ صِنْفَيِ الْفَسَادِ الَّذِي يُخِلُّ بِصِحَّةِ الْبُيُوعِ: وَهُمَا الرِّبَا، وَالْغَرَر، وَإِلَى قِلَّتِهِ، وَإِلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ ذَلِكَ). يريد المؤلف أن يقول: قد تكون الموانع وجود ربًا في هذه المسألة،

стр. 7042

أو في المسألتين أو أكثر، وربما يكون الغرر وجود جهالة، ثم ربما يكون الغرر يسيرًا، وقد يكون كثيرًا، والأمر مختلف. * قولُهُ: (أَوْ إِلَى مَا يُفِيدُ نَقْصًا فِي الْمِلْكِ، فَمَا كَانَ دُخُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ قَبْلِ الشَّرْطِ؛ أَبْطَلَهُ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ، وَمَا كَانَ قَلِيلًا أَجَازَه، وَأَجَازَ الشَّرْطَ فِيهَا). يقول العلماء بالنسبة لضبط كلمة (لملك): الأولى أن يقال فيما يخص البشر: (المِلك) بكسر الميم، وفيما يتعلق بالله ﵎ يقال: (المُلك) بضم الميم، قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾، ولو قلت (المُلك) في حق الإنسان لا يَضر، وإنما نذكر ذلك من باب التنبيه. والمؤلف غير منهجه في كتاب البيوع بالنسبة لمذهب الإمام مالك، فقد كان فيما مضى يوازن بين الأقوال، وبين التعليل، لكنه في هذه المباحث بدأ يفصل تفصيلًا أكثر فيما يتعلق بالمذهب المالكي، وقد يكون ذلك لأسباب: - يحتمل أن يكون ذلك لدقة مسائل البيع، وصعوبة الإلمام بها. - أو ربما أنَّه لم يطلع اطلاعًا شاملًا موسعًا على ما في بقية المذاهب الأخرى. - أو أنَّه أراد حقيقة أن يُطيل نفسه في مذهب مالك. كل ذلك وارد، والله أعلم. * قولُهُ: (وَمَا كَانَ مُتَوَسِّطًا: أَبْطَلَ الشَّرْطَ، وَأَجَازَ الْبَيْعَ، ويَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ أَوْلَى الْمَذَاهِبِ، إِذْ بِمَذْهَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا، وَالْجَمْعُ عِنْدَهُمْ أَحْسَنُ مِنَ التَّرْجِيحِ) (١).

стр. 7043

هكذا تعليله، ولا شكَّ أنك عندما تجري نظرة شاملة على المذاهب، ستجد أنَّ كل واحد ربما يقول بأنَّ مذهبه هو أولى المذاهب، وهذا في حقيقة القول على إطلاقه، والقول إنَّ مذهب فلان هو أولى المذاهب جملة غير مسلم لهم، وقد يكون أولاها في مسائل، ولا يكون أولاها في مسائل أخرى، بل يكون المذهب الآخر أولى منه. ونجد أنَّ بعض العلماء يتمسك بالآثار الكثيرة، لكن ليس معنى ذلك أنَّ هذا المذهب هو المذهب الصحيح، وغيره غير صحيح، أو أنَّ الحقَّ دائمًا معه. ونحن نقول بأنَّ الأئمة، ومن قبلهم التابعون ﵏، والصحابة ﵃ مجتهدون، وأنَّ الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، وقد نبه إلى ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد" (١). ولما أرسل معاذًا ﵁ إلى اليمن قال: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد"، قال: فبسنة رسوله، قال: "فإن لم تجد" قال: أجتهد رأييِ (٢). فالفقيه أول ما ينظر في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك يجتهد، فيرد المسائل بعضها إلى بعض، لذلك لمَّا جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تطلب توريثها، قال: لا أجدُ لكِ في كتاب الله من شيء، ونظر في سنة الرسول ﷺ فلم يجد، حتى جاءه المغيرة ﵁ فذكر له أنَّ الرسول ﷺ قد ورثها الثلث (٣)، وليس معنى ذلك

стр. 7044

أنَّ من أخبره أكثر علمًا منه، لكن هذا دليل على أنَّ العالم مهما بلغ القمة من العلم، ومهما كان عنده من الفضل، فإنَّه يصعب حقيقة أن يحيط بجميع العلم، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ولذلك ذكر أبو هريرة ﵁ لما سئل لم كان يحفظ أحاديث رسول الله أكثر من غيره، مع أنَّه لم يكن من المتقدمين في الإسلام، بيَّنَ أنَّه لما كان الناس مشتغلين بالصفق (١) في الأسواق، كان هو مقيم ملازم لرسول الله ﷺ (٢)، والإنسان ربما إذا لازم الشيخ، أو جلس عنده سنوات قد يجمع ما لم يجمعه غيره في عشرين سنة. ومنه فلا نستطيع أنَّ نقول بأنَّ المذهب الفلاني هو الصحيح، ولكننا نقول بأنَّ الأئمة ﵏ ما تركوا سبيلًا ولا طريقًا من الطرق التي توعملهم إلى معرفة كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، إلَّا سلكوه، وقد بذلوا الجهد في استنباط الأحكام، وتخريج المسائل، وقد بذلوا الجهد، وضحوا بالنفس والنفيس في سبيل تحقيق ذلك، بل وأفنوا أعمارهم في خدمة هذا الدين، هذا أمرٌ لا يُشك فيه. ولكن ينبغي أن نراعي ما بينهم من فروق ودرجات، فهذا قد يحفظ ما لم يحفظه الآخر، وقد يبلغ أحدهم دليل ولا يبلغ الثاني، وقد يبلغ الجميع الدليل ويختلفون في توجيهه وفهمه، وخير دليل على ذلك قصة النفر الثلاثة الذين ذكرناهم قبل قليل - أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة - وكيف اختلفوا في مسألة واحدة، تعجب السائل من ذلك، لكن رأينا أنَّ كل واحد منهم يتمسك بدليل. أمَّا القول بأنَّ مذهب مالك أولى المذاهب في مسألة أو مسائل، فإن

стр. 7045

أراد المؤلف أنَّ ذلك على الإطلاق فلا، وكم من المسائل التي مرت بنا، ورجحنا فيها مذهب غير المالكية. * قولُهُ: (وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَأَحَدُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ جَدِّي (١)، وَالْمَازَرِيُّ (٢)، وَالْبَاجِيُّ (٣)) (٤). جده: هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، ولا شكَّ أنَّه من العلماء الذين وهبهم الله ذكاءً وعلمًا، وأنَّه من أكابر العلماء في مذهب مالك، ومن الذين يعتمد على أقوالهم في المذهب، وهو من علماء القرنين: الخامس والسادس، فقد ولد سنة أربعمائة وخمسين، وتوفي سنة خمسمائة وعشرين، أي: عاش سبعين سنة، وهو من علماء الأندلس، وهو جد المؤلف ابن رشد الذي معنا، فذاك يطلق عليه الجد، وهذا يطلق عليه (الحفيد). * قولُهُ: (وَتَفْصِيلُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّرْطَ فِي الْمَبِيعِ يَقَعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَوَّلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمِلْكِ، مِثْلُ مَنْ يَبِيعُ الأمَةَ أَوِ الْعَبْدَ، وَيَشْتَرِطُ أنَّه مَتَى عُتِقَ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ دُونَ الْمُشْتَرِي).

стр. 7046

قولُهُ: (وتفصيله في ذلك) يعني تفصيل جده. * قولُهُ: (فَمِثْلُ هَذَا؛ قَالُوا: يَصِحُّ فِيهِ الْعَقْد، وَبَبْطُلُ الشَّرْط، لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ (١)). وهذا لا شكَّ أنَّه جاء فيه نصٌّ بأنَّ الولاء لمن أعتق، يعني كأنَّ ابن رشد الجد يقول: إنَّ مالكًا ﵀ وقف في أمر الشروط عند الأحاديث التي وردت فلم يتجاوزها، بينما رأينا أبا حنيفة أخذ بحديثه، وابن شبرمة أخذ بحديث آخر، وابن أبي ليلى أخذ بحديث ثالث، ومالك إنَّما هو يسير مع الأحاديث جميعًا، فيأخذ بهذا في مقام، وهذا في مقام آخر، وبالآخر في مسألة ثالثة. * قولُهُ: (وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ شَرْطًا يَقَعُ فِي مُدَّةِ الْمِلْكِ، وَهَذَا قَالُوا: يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْمَبِيعِ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ، وإمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي مَنْعًا مِنْ تَصَرُّفٍ عَامٍّ، أَوْ خَاصٍّ). كأن يبيع أحدهم أمة، ثم يشترط على المشتري ألَّا يبيعها، أو ألَّا يطأها. * قولُهُ: (وإمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ إِيقَاعَ مَعْنًى فِي الْمَبِيعِ، وَهَذَا أَيْضًا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ). يعني الذي يقصد به البر والصلة، كأن يقول إنسان مثلًا لآخر: أنا أبيعك هذا المملوك؛ لكن بشرط أن تعتقه لوجه الله، فمقصوده هنا بهذا الشرط البر والخير؛ لأنَّه يريد أن يكون سببًا في عتق هذا العبد، وقد يرد هنا سؤال: إذا كان يريد ذلك فلماذا لا يظفر بالفضيلة والفضل فيعتقه هو؟ لذلك اختلف العلماء في هذه المسألة هل هذا الشرط صحيح، أو غير صحيح.

стр. 7047

* قولُهُ: (وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنًى لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْبِرِّ شَيْءٌ. فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً يَسِيرَةً لَا تَعُودُ بِمَنْعِ التَّصَرُّفِ فِي أَصْلِ الْمَبِيعِ، مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ الدَّارَ ويشْتَرِطَ سُكْنَاهَا مُدَّةً يَسِيرَةً، مِثْلَ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: السَّنَةُ). كأن يقول إنسان لآخر: أريد أن أشتري منك هذه الدار، فقال له: أبيعك إيَّاها بشرط أن أبقى فيها مدة، وهذا حاصل في وقتنا هذا كما ترون، كأن يشترط شهرًا أو شهرين، وربما سنة. وهذا لا شك أنَّ الإمامين - مالكًا (١)، وأحمد (٢) - على قاعدتهما، أو أصلهما يجيزان ذلك، وأمَّا مذهب أبي حنيفة (٣)، والشافعي (٤)

стр. 7048

فلا يُجيزون ذلك، لأنَّ مذهبهما متسق في النهي عن بيع وشرط، وفي ذلك - والله أعلم - تيسيرٌ على الناس، لأنَّ الإنسان إذا أراد أن يبيع بيته، وقد أمضى وقتًا طويلًا في تأسيس هذا البيت، وفي العناية به، فإذا أراد الانتقال إلى مكان آخر يحتاج أيضًا إلى أن يبحث عن بيت مناسب له، وفي مكان مناسب كذلك، إذ ليس كل الناس يملكون بيوتًا أخرى، وذلك يأخذ منه وقتًا قد يطول وقد يقصر، وغالبًا لا يكون هناك ضرر في هذا الشرط، وهذا ما أخذ به المالكية والحنابلة، وهو صحيح، وأنا أميل إلى هذا الرأي، وأرى بأنَّه يتفق مع روح الشريعة الإسلامية، وأنَّ هذا داخل في باب التيسير الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقول الرسول ﷺ : "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، إنَّما بعثتم ميسرين" (١)، والأدلة في ذلك كثيرة معلومة. * قولُهُ: (فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ) (٢). وحديث جابر كما نعلم فيه نص في المسألة؛ فقد باع بعيره إلى رسول الله ﷺ يم، واشترط إيصال ما على ظهره إلى المدينة. * قولُهُ: (وإمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مَنْعًا مِنْ تَصَرُّفٍ خَاصٍّ، أَوْ عَامٍّ، فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لأنَّه مِنَ الثُّنْيَا، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْأَمَةَ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَهَا، أَوْ لَا يَبِيعَهَا). لأنه من الثُنيا، والرسول ﷺ نهى عن بيع الثنيا حتى تعلم (٣). فلو أنَّ إنسانًا يبيع جارية، ويقول: لا تطأها، أو لا تبيعها، أو يقول

стр. 7049

له: لا تستخدمها في الخدمة، أو يقول: أبيعك هذا المملوك على ألَّا تستفيد منه في صنعة، أو ألَّا يشتغل في الحرث، أو غير ذلك. فهذه كلها شروط لا ينبغي أن تكون، لأنَّ من يشترط ذلك فهو كمن يقول لغيره: أبيعك هذه السيارة على ألَّا تقودها، أو على ألَّا تستخدمها!! وهذا يُسمونه في القانون بالتعسف في استعمال الحق، ونحن لا نسميه تعسف - وإن كان من الفقهاء من أطلق كلمة التعسف - لكن هذا يعبر عنه في الفقه الإسلامي؛ بأنَّ الإنسان يستخدم الحق، أو يتصرف فيما أعطي الحق، كالحال في الطلاق، فالطلاق بيد الرجل، لكن ينبغي أيضًا لمن يكون في يده الطلاق أن يكون متعقلًا، وألَّا يكون ورقة ضغط يستخدمها لينال مصالح خاصة، أو كما يفعله بعض الناس عندما يحصل نزاع مع أحد أو خلاف في أي قضية، فتجد دائمًا لفظ الطلاق على لسانه. * قولُهُ: (وإمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ؛ مِثْلَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ تَعْجِيلَهُ جَازَ عِنْدَه، وَإِنْ تَأَخَّرَ لَمْ يَجُزْ، لِعِظَمِ الْغَرَرِ فِيهِ). وهذا جائز عند الإمامين مالك (١)، وأحمد (٢) في إحدى روايتيه، وأمَّا في الرواية الأخرى فلا يجوز (٣)، وكذلك عند الشافعية (٤).

стр. 7050

* قولُهُ: (وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي إِجَازَةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ الْمُعَجَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ مَنْعَ بَيْعٍ وَشَرْطٍ). يعني هذا هو المذهب المحرر عند الشافعية، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد، وأمَّا أبو حنيفة (١) فيرى أنَّ ذلك لا يجوز؛ لأنَّ هذا داخل في بيع وشرط، وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد. وقوله: (عَلَى أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ مَنْعَ بَيْع وَشَرْطٍ): قصد المؤلف بهذه العبارة لفت النظر، فكأنَّه يذكرنا - إن كنًا قد نسينا - كأنَّه يقول: لقد مر بكم أنَّ الشافعي يلتقي مع أبي حنيفة في أنَّه لا يجمع بين بيع وشرط، ولكنه في هذا المقام خالف أصله وقاعدته. فمثلًا إنسان باع عبدًا واشترط على المبتاع أن يعتقه، فهذا يعتبر بيع وشرط، ومع ذلك أجازه الشافعي، وسبب ذلك أمر قد أشار إليه المؤلف من قبل، وهو أنَّ هذا فيه وجه من أوجه البر، ولأنَّ الرسول ﷺ رغب في العتق، وحض عليه (٢)، وبَيَّن فضل وثواب المعتقين للرِّقاب، وجعله الشرع في عددٍ من الكفَّارات كما هو معلوم، فالإمام الشافعي مال إلى هذا الرأي؛ لأنَّه رأى أنَّه فيه وجه من أوجه البر والخير، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].

стр. 7051

* قولُهُ: (وَحَدِيتُ جَابِرٍ عِنْدَهُ مُضْطَرِبُ اللَّفْظِ، لأنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "أنَّه بَاعَهُ وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ"، وَفِي بَعْضِهَا: "أنَّه أَعَارَهُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ"). وفي بعض الروايات جاء صريحًا أنَّه اشترط حملانه؛ يعني الحمولة التي عليه، ومع أنَّ اشتراط الظهر يراد به ما على الظهر، وهذا الأمر معروف في علم البلاغة، فقد يطلق المحل ويراد الحالّ، وقد يطلق الحالّ ويراد المحل، والحاصل في هذا الحديث بهذا اللفظ أنَّه ﷺ أطلق المحل وأراد الحالّ، أي: القائم على الظهر (١). * قولُهُ: (وَمَالِكٌ رَأَى هَذَا مِنْ بَابِ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ؛ فَأَجَازَه فِي الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَلَمْ يُجِزْهُ فِي الْكَثِيرَةِ. وأمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَعَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ ذَلِكَ). أبو حنيفة يسير على نسق واحد، وهو ممن رووا حديث: "نهى عن بيع وشرط" (٢) بسنده، ويجدر بنا التنبيه في هذا الموضع أنَّ أبا حنيفة له كتاب يعرف بـ "مسند أبي حنيفة"، والإمام الشافعي أيضًا له مسند، ومالك له "الموطأ"، ولكن أكثر الأئمة الأربعة جمعًا هو الإمام أحمد في "مسنده" ﵏ جميعًا. * قولُهُ: (وأمَّا إِفي اشْتَرَطَ مَعْنًى فِي الْمَبِيعِ لَيْسَ بِبِرٍّ؛ مِثْلَ أَنْ لَا يَبِيعَهَا، فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ). وهو لا يجوز عند مالك (٣)، ..................................

стр. 7052

ولا عند غيره (١)، فإذا قال أحدهم للآخر: أبيعك هذه السيارة على ألَّا تبيعها، أو هذه الدار على ألَّا تبيعها فهذا غير جائز. * قولُهُ: (وَقِيلَ عَنْهُ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَقِيلَ: بَلْ يَبْطُلُ الشَّرْطُ فَقَطْ. وأمَّا مَنْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ: مَتَى جِئْتُكَ بِالثَّمَنِ رَدَدْتَ عَلَيَّ الْمَبِيعَ، فَإنَّه لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ (٢)؛ لأنَّه يَكُونُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ؛ إِنْ جَاءَ بِالثَّمَنِ كَانَ سَلَفًا، وَإِنْ لَمْ يَجِع كَانَ بَيْعًا). وعند بعض العلماء من أصحاب المذاهب لا يجوز ذلك في روايات لهم. * قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ: هَلْ يَجُوزُ ذلكَ فِي الْإِقَالَةِ، أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ؛ فَسَخَهَا عِنْدَهُ مَا يَفْسَخُ سَائِرَ الْبُيُوعِ، وَمَنْ رَأَى أنَّها فَسْخٌ؛ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبُيُوعِ).

стр. 7053

قولُهُ: (في المذهب): يعني مذهب مالك. وسبق أن تكلمنا عن مسألة الإقالة، وهل هي بيع، أم فسخ، وذكرنا أنَّ أكثر العلماء على أنَّها فسخ، إلَّا عند مالك فهي بيع (١). * قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِيمَنْ بَاعَ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يَنْتَصِفَ مِنَ الثَّمَنِ، فَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ ذَلِكَ، لأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ هُوَ الْمَبِيعُ، أَوْ غَيْرُهُ). وهذا رأي كثير من الفقهاء. * قولُهُ: (وَقِيلَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لأنَّه شَرْطٌ يَمْنَعُ الْمُبْتَاعَ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ بِالْمُدَّةِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَيذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أنَّه جَائِزٌ فِي الْأَمَدِ الْقَصِيرِ). وابن القاسم، وابن المواز من علماء المالكية (٢). * قولُهُ: (وَمِنَ الْمَسْمُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ: "نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعٍ

стр. 7054

وَسَلَفٍ" (١)، اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أنَّه مِنَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ (٢)). النهي عن بيع وسلف؛ كأن يقول البائع: أبيعك هذه السيارة على أن تسلفني مبلغ كذا وكذا، أو أبيعك هذه الدار على أن تقرضني مبلغ كذا وكذا، يعني أنَّ البيع هنا جر منفعة، كما نقول: قرض جر منفعة. فهذا البيع وضع فيه شرط، وقد أجمع العلماء، واتفق الفقهاء بأنَّه لا يجوز، لورود نص عن رسول الله ﷺ في ذلك، والملاحظ أنَّه في المسائل التي تأتي فيها نصوص صحيحة صريحة نجد الإجماع أحيانًا كثيرة، وإن وقع خلافًا فلا نراه متشعبًا، كما نرى في المسائل الفرعية الجزئية التي لا تقوم على دليل، والرسول ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع" (٣)، فهذه المسألة فيها نص، ومعنى لا يحل: أي يحرم، وفي بعض الروايات: "نهى

стр. 7055

عن بيع وسلف" (١)، فقوله: نهى، فُسرت بما ورد في الرواية الأخرى من قولُهُ: لا يحل، والنهي هنا للتحريم، لا فرق بين أن نقول: بيع وسلف، أو نقول: سلف وبيع، المهم أنَّ الأمرين اجتمعا؛ البيع والسلف. وقوله: (وَمِنَ الْمَسْمُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ): يعني مما سُمع عن رسول الله ﷺ ، أو مما نُقل إلينا سماعًا عن رسول الله ﷺ . * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَرَكَ الشَّرْطَ قَبْلَ الْقَبْضِ: فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ (٤)، وَأَجَازَ مَالِكٌ (٥)، وَأَصْحَابُهُ؛ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ (٦)، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ (٧) مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ). وممن منعه أيضًا أحمد (٨)، ونستطيع أنَّ نقول: منعه الأئمة الأربعة، إذا ضممنا الرواية الأخرى للإمام مالك.

стр. 7056

* قولُهُ: (وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْه، مَعَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ فِي الْمَبِيعِ مَجْهُولًا، لاقْتِرَانِ السَّلَفِ بِهِ). هذه مسألة أصولية معروفة، والفقهاء عندهم مصطلح معروف في الاستفهام، فتجد أنَّهم في المسائل المختلف فيها يصدرونها بحرف الاستفهام: (هل)، ومن أمثلة ذلك قولهم: - هل العبرة بعموم اللفظ، أم بخصوص السبب. - هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. فإذا وجدنا الفقهاء صَدَّروا كلامهم بهذا الاستفهام نعلم أنَّ المسألة فيها خلاف. وقد ذكر المؤلف حجة الجمهور؛ وهي: أنَّ النهي يقتضي فساد المنهي عنه (١)، وهذا هو الأصل، لكن قد لا يقتضي ذلك؛ لأنَّه قد توجد قرائن، وأمور أخرى تصرف النهي عن ذلك، فيكون للكراهة، وربما يكون للتنزيه، كما أنَّ الأمر الأصل فيه الوجوب، فقول الله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ معلوم بأنَّه للوجوب. وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ معروف أنَّه للإباحة، فيختلف الأمر هنا وهناك، وقد توجد أسباب تجعل غير الواجب واجبًا، ومثال ذلك ما مر بنا في النكاح حينما ذكرنا أنَّه تجري عليه الأحكام التكليفية الخمسة، ونذكر بعضها للتمثيل، فنقول: - أحيانًا يكون النكاح واجبًا، وذلك في حق الذي لو لم يتزوج يقع في المحرم. - وأحيانًا يكون محرمًا، وذلك في حق إنسان أراد أن يتزوج امرأة، ولو فعل يلحق به الضرر.

стр. 7057

- ويكون مكروهًا في حق إنسان قد يُقصر في حق المرأة، لكنه لا يقصد الإضرار بها (١). ولكن الأصل في النِّكاح أنَّه سنة، وأنَّ الرَّسولَ ﷺ رَغَّب فيه، وقال: "النكاح سنتي؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢). * قولُهُ: (وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الْبَرْمَكِيَّ سَأَلَ عَنْ هَذه الْمَسْأَلَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيَّ، فَقَالَ لَهُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْبَيْعِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ بَاعَ غُلَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، فَلَمَّا عَقَدَ الْبَيْعَ، قَالَ: أَنَا أَدَعُ الزِّقَّ، قَالَ: وَهَذَا الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِإِجْمَاعٍ) (٣). ومثل هذه المسألة التي طرحها المؤلف تُعتبر من مَزايا الفقهاء، ففي بعض كتب الفقه نجد مثل هذه المناقشة، أو طرح سؤال والجواب عنه، وربما لا يكون الجواب مُقنعًا، فيعلق المؤلف، ويُبيِّن الصواب على حسب ما يرى، ويوضح أدلته النقلية والعقلية فيما ذهب إليه، وقد نقل هنا سؤال السائل والإجابة عنه، ثم اعترض على الجواب، وأنا مع المؤلف في اعتراضه. ومما يحسب له: أنَّه لا يرده شيء عن انتقاد كلام من كان قبله، ولو كان من علماء مذهبه، طالما كانت الحجة معه. والزق: هو الوعاء الصغير من جلد، يوضع فيه اللبن أو الخمر (٤).

стр. 7058

والقصد هنا أنَّ الغلام بيعه صحيح، لكن خلطه بشيء لا يجوز، فقد باع الغلام ومعه الزق، لكن بعد أن عقد البيع، قال: لكي يبقى البيع صحيحًا أبعد هذا الزق، وأقتصر على الغلام، وذلك لا يستوي، لأنَّ العقد إنَّما تم بمجموع الأمرين معًا، والله ﵎ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ والعقد غير الصحيح، فيكون فاسدًا. والمسألة الثانية فيها بيع وسلف، وليس المعنى أن الاثنين لا يجوزان، بل العكس، فالسلف هو القرض، وقد رَغَّبَ اللَّهُ فيه، وحَضَّ عليه رسول الله ﷺ ، لكن لما اجتمع مع البيع وُجد هناك سبب أدَّى إلى عدم جوازه. * قولُهُ: (فَأَجَابَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ هَذَا بِجَوَابٍ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ وَهُوَ أَنْ قَالَ لَهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي تَرْكِهِ، أَوْ عَدَمِ تَرْكِهِ، وَلَيْسَ كذَلِكَ مَسْأَلَةُ زِقِّ الْخَمْرِ، وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ نَفْسُ الشَّيْءِ الَّذِي طُولِبَ فِيهِ بِالْفَرْقِ، وَذَلِكَ أنَّه يُقَالُ لَهُ: لِمَ كَانَ هُنَا مُخَيَّرًا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مُخَيَّرًا فِي أَنْ يَتْرُكَ الزِّقَّ، وَيَصِحَّ الْبَيْعُ؟ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّحْرِيمَ هَا هُنَا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ السَّلَف، لأنَّ السَّلَفَ مُبَاحٌ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ فِي نَفْسِهِ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا امْتُنِعَ مِنْ قِبَلِ اقْتِرَانِ الشَّرْطِ بِهِ، وَهُنَالِكَ إِنَّمَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِ اقْتِرَانِ شَيءٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ بِهِ، لَا أنَّه شَيْءٌ مُحَرَّمٌ مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ) (١). واستفتاح المؤلف رده بعبارة: (أشبه ما يكون) ولم يقل مثلًا:

стр. 7059

(والجواب أنَّه)، لأنَّه لم يقطع بذلك، فهو في هذه المسألة يتلمس العلة والسبب، فقال: (والأشبه) يعني: الأقرب، والأمثل. والذي ينبغي أن يقال: والعلة التي ذكرها أنَّه لم يكن هنا المنع لشيء قد حُرم لعينه، لأنَّ السلف مباح، بل مرغب فيه، والبيع كذلك، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، لكن هناك اجتمع بيع مع زق خمر، وأحدهما جائز، والثاني لا يجوز، والرسول ﷺ كما هو معروف لعن فيمن لعن: بائع الخمر (١). والحقيقة أنَّ ما ذكره المؤلف تعليل وجيه، ودقيق، يعني أنَّ العلة التي جعلت العقد غير صحيح: أنَّه قرن بالبيع السلف. * قولُهُ: (وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ: هَلْ إِذَا لَحِقَ الفَسَادُ بِالْبَيْعِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ إِذَا ارْتَفَعَ الشَّرْط، أَمْ لَا يَرْتَفِع، كلمَا لَا يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ اللَّاحِقُ للْبَيْعِ الْحَلَالِ مِنْ أَجْلِ اقْتِرَانِ الْمُحَرَّمِ الْعَيْنِ بِهِ؟ وَهَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، هُوَ هَلْ هَذَا الْفَسَادُ حُكْمِيٌّ، أَوْ مَعْقُولٌ؟). والمسألة: إذا كان الفساد الذي يلحق البيع لوجود شرط فيه، فهل يرتفع الفساد إذا أبطلنا الشرط، وقد مر بنا الخلاف في هذه المسألة. وقول المؤلف: (حكميٌّ أم معقولٌ): هذه العبارة تتكرر من المؤلف، وقد ذكرها في أول الكتاب لما تكلم عن مسألة النية، فذكر الدليل العقلي، وقال: هل الوضوء أمر تعبدي، أم هو لأجل النظافة، والتعبدي والحكمي لهما نفس المعنى، فإذا كان الأمر حكميًّا، فيكون حكمه مستقرًا، وأمَّا إذا كان غير حكميٍّ فيكون معقول المعنى، ومعقول المعنى ينبغي أن نبحث عنه.

стр. 7060

لذلك فالوضوء لا يمنع كونه عبادة أن يكون مشتملًا على النظافة، فالوضوء عبادة لا شك، لكنه في نفس الوقت ينظف الأعضاء، غير أنَّ النظافةَ ليست هي المقصودة ذاتها في الوضوء، بدليل أنَّه إذا لم يجد الإنسان ماءً تيمَّم. * قولُهُ: (فَإِنْ قُلْنَا: حُكْمِيٌّ لَمْ يَرْتَفِعْ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قُلْنَا: مَعْقُولٌ ارْتَفَعَ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ). لأنَّنا إذا قلنا العلة واضحة بأنَّ الشرط هو المانع، وقد عقلنا ذلك تمامًا، يزول ذلك المانع بزوال الشرط. * قولُهُ: (فَمَالِكٌ رَآهُ مَعْقُولًا، وَالْجُمْهُورُ رَأَوْهُ غَيْرَ مَعْقُولٍ). يقصد بالجمهور الأئمة الثلاثة، وهذا تكلمنا عنه فيما مضى، ولا بأس بالتذكير به ليستقر في الذِّهن. * قولُهُ: (وَالْفَسَادُ الَّذِي يُوجَدُ فِي بُيُوعِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ هُوَ اكْثَرُ ذَلِكَ حُكْمِيٌّ، وَلذَلِكَ لَيْسَ يَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ أَصْلًا). يريد المؤلف القول بأنَّ غالب الموانع الموجودة في أبواب الربا إنَّما هي حكمية، أي: متعلقة بالأحكام، ولذلك لا ترتفع، ومعلوم أنَّ الرِّبَا من أشد الأحكام تحريمًا. * قولُهُ: (وَإِنْ تَرَكَ الرِّبَا بَعْدَ الْبَيْعِ، أَوِ ارْتَفَعَ الْغَرَرُ). يعني أنَّه إذا خالطه ربَا فإنَّه لا يرجع إلى الإباحة. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ إِذَا وَقَعَ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْعُرْبَانِ: فَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أنَّه غَيْرُ جَائِزٍ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ التَّابِعِينَ أنَّهمْ أَجَازُوهُ؛ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ (١)،

стр. 7061

وَابْنُ سِيرِينَ (١)، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ (٢)، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ (٣)، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ شَيْئًا فَيَدْفَعُ إِلَى الْمُبْتَاعِ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ شَيْئًا عَلَى أنَّه إِنْ نَفَذَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ الْمَدْفُوعُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَذْ تَرَكَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الْجُزْءَ مِنَ الثَّمَنِ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَلَمْ يُطَالِبْهُ بِهِ. وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ؛ لأنَّه مِنْ بَابِ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ، وَأَكْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ زَيْدٌ يَقُولُ: أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ: ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). يُقال: العربان على وزن فعلان، ويقال: العربون على وزن فعلون، ويقال: أربون بإبدال العين همزة، وأربان، وهو معروف (٤)، وربما تعامل به عددٌ منا، فإذا أراد إنسان أن يشتري سلعة من إنسان، يدفع له جزء من المبلغ، ولنفترض أنَّه اشترى سلعة بعشرة آلاف ريال، فيدفع له مثلًا مائتين، ويقول هذا عربون يبقى عندك، وذلك ليطمئن البائع على بضاعته بأنَّ هذا المشتري صادقٌ، والمشتري يطمئن على أنَّه قد أمسك هذه البضاعة، وأصبحت محبوسة له. فإذا ما مضى وقت، ولم يأتِ المشتري فهل هذا المبلغ - المائتين - يكون للبائع حقًّا له أو لا؟ هذا هو المراد الذي نعرفه نحن الآن، وهو جائز أنَّ الإنسان يشتري السلعة فيقدم جزءًا منها، ثم يأتي بعد ذلك فيكمل الجزء المتبقي من المال، هذا لا خلاف فيه.

стр. 7062

لكن الخلاف في الصورة التي ذكر المؤلف؛ أن يشتري سلعةً بثمن، ثم ينقده جزء منها، ويقول له: إن أخذت هذه السلعة فهذا المبلغ المقدم يكون جزء من ثمنها، وإذا لم آخذ السلعة فهو لك. فإذا أخذ البائع هذا المبلغ فيما إذا لم يشتر المشتري السلعة، فسيأخذه دون عوض، والمعلوم أنَّ البيع مبادلة مال بمال، فالبائع يدفع السلعة، والمشتري يدفع ثمنها، إذن هناك عوض ومعوض، ولكن هنا دفع الأول عوضًا، ولا يقابله معوض، وهذا ما سيبينه المؤلف، وسنعرف الأدلة الواردة فيه. وقوله: (فَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أنَّه غَيْرُ جَائِزٍ): هم الأئمة أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)؛ إذ قالوا لا يجوز بيع العربون؛ وذلك لأنَّه أخذ مال الغير دون عوض. وقول المؤلف: (وَإنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ؛ لأنَّه مِنْ بَابِ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ): الحقيقة أنَّ الخلاف لم يكن كما ذكر المؤلف، والجمهور استدلوا بحديث الرَّسول ﷺ أنَّه نهى عن بيع العربون، وقد رواه الإمام مالك في "موطئه" (٤)، وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥) - مع أنَّه لم يأخذ

стр. 7063

به -، وأبو داود (١)، وابن ماجه (٢). وجاء في أثرٍ آخر، عن زيد بن أسلم: أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن بيع العربون، قال: فأحله (٣)، وقد رواه عبد الرزاق، و [ابن أبي شيبة] في مصنفه (٤). فهذه أدلة الفريقين، ويستدلون على رأي الإمام أحمد في القول بجواز ذلك بما ثبت عن عمر ﵁ في قصة شراء السجم من صفوان بن أمية، فقد روي عن نافع بن الحارث أنَّ عمر ﵁ وكل إليه أن يشتري له دار صفوان بن أمية، فعرض عليه ثمنًا، فقال: إن رضي عمر - يعني اشتراها - وإلَّا فَلَكَ كذا وكذا (٥)، كما صحَّ عن عبد الله بن عمر أنَّه قال بجواز أخذ العربون (٦)، وأثر ذلك عن بعض التابعين؛ كسعيد بن المسيمب (٧)، والنخعي (٨)، وابن سيرين (٩)، وعن بعض الفقهاء؛ كإسحاق (١٠)، وابن (١١) ثور (١٢).

стр. 7064

إذا نظرنا إلى عدد العلماء نجد أنَّ القائلينَ بجواز العربون جماعة من أكابر العلماء، بل أُثر ذلك عن بعض الصحابة، كما رأينا عن عمر، وابنه عبد الله ﵃. وبالرجوع إلى دليل المانعين؛ وهو ما رواه مالك في "موطئه" بلاغًا، قال: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده … الحديث، ومن المعلوم أنَّ الإمام مالكًا لم يدرك عمرو بن شعيب، فالسند منقطع، لوجود راوٍ لم يُسم، وقد وردت تسميته في طريق آخر للحديث؛ رواه ابن ماجه، قال: مالك، عن عبد الله بن عامر، عن عمرو بن شعيب، وعبد الله بن عامر متكلم، فهو ضعيف، وفي هذا السند حبيب، كاتب الإمام مالك، وهو ضعيف، وأمَّا الروايات الأخرى للحديث؛ فبعضها جاء فيها ابن لهيعة، وهو معروف بضعفه. وبناءً على كل ما سبق حكم كثير من العلماء على الحديث بأنَّه منقطع. وأمَّا ما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن زيد بن أسلم، قالوا: إنَّه مرسل، فقد قال فيه: "سئل رسول الله ﷺ "، زيادة على أنه من رواية إبراهيم بن يحيى؛ وهو ضعيف، وهذا ما أشار إليه المؤلف بقوله: (وَقَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ: ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). ولما سئل الإمام أحمد عن ذلك: أفاد بأنَّ الحديث الذي استدل به الجمهور لم يصح عنده، فقيل له: أتأخذ بذلك، قال: وماذا أقول بعد قول عمر، وفعله ﵁، في إشارة إلى قصة دار صفوان بن أمية التي ذكرناها. فالمسألة مختلف فيها، وللترجيح نقول: إنَّ الأحوط ألَّا يأخذ البائع شيئًا؛ لأنَّ هذا المال أخذ دون مقابل، فالبائع حبس بضاعته، وربما يأتي إنسان ليشتريها بثمن أكبر في تلك الفترة، وربما إذا طالب المشتري باسترجاع ماله يضر ذلك بالبائع، لكن يبقى هذا المبلغ الذي أخذ، إنَّما هو أخذ دون عوض، فمن أخذ العربون، وعمل به؛ فقد أثر ذلك عن

стр. 7065

بعض الصحابة ﵃، فلا ننكر عليهم، ومن ترك ذلك فهو أحوط لدينه، وأبعد من الخلاف، والله أعلم. * قولُهُ: (وَفِي الاسْتِثْنَاءِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا؛ أَعْنِي: هَلْ تَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ عَنِ الثُّنْيَا، أَوْ لَيْسَتْ تَدْخُلُ؟). عاد المؤلف مرة أخرى إلى الاستثناء، ويشير إلى أنَّ الرسول ﷺ نهى عن الثُّنيا إلَّا أن تُعلم، وسيذكر المؤلف مسائل دقيقة في هذا الموضع ينبغي التنبه لها. والمعروف أنَّ حديث الثُّنيا صحيح، وقد جاء مفردًا في السنن (١)، وجاء مع جملة من النَّواهي؛ كالنهي عن النجش، وغيرها في "صحيح مسلم" (٢). * قولُهُ: (فَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حَامِلًا، وَيَسْتَثْنِيَ مَا فِي بَطْنِهَا). هذه مسألة مهمة، وللتذكير فقد درسنا أنَّ ذلك جائز في العتق، يعني له أن يعتق الأمة، ويستثني ما في بطنها، واختلف العلماء في كون البيع كالعتق في هذه المسألة، أم لا. * قولُهُ: (فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)،

стр. 7066

وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢) عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ). ونعود لنُصحِّحَ كلام المؤلف، فنقول: وهو الصحيح في مذهب أحمد (٣). واستدلوا بحديثٍ أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثّنيا إلَّا أن تُعلم، وقالوا: إنَّ ما في بطنها مجهول غير معلوم. * قولُهُ: (وَقَالَ أَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٥)، وَدَاوُدُ (٦) ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (٧)). وقد ثبت أنَّ عبد الله بن عمر ﵁ باع جاريةً حاملًا، واستثنى ما في بطنها، وقد استدل أصحاب هذا الرأي بدليلين: الأول: قالوا: ثبت أنَّ عبد الله بن عمر ﵁ باع جاريةً واستثنى ما في بطنها، وهو لا يمكن أن يفعل ذلك بمجرد رأيه، دون علم بالحكم، فطالما فعل ذلك، ولم يعرف له مخالفة، فإنَّه يدل على جوازه عنده، وأمَّا حديث: نهى عن بيع الثّنيا إلَّا أن تُعلم (٨)، فهو عام.

стр. 7067

الثاني: أنَّهم قاسوا ذلك على العتق، فقالوا: كما أنَّه يجوز للإنسان أن يعتق أمة حاملًا، ويستثني ما في بطنها، كذلك له أن يبيعها، ويستثني ما في بطنها؛ قياسًا على العتق. * قولُهُ: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلِ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعٌ مَعَ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْه، أَمْ لَيْسَ بِمَبِيعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ؟ فَمَنْ قَالَ: مَبِيعٌ، قَالَ: لَا يَجُوز، وَهُوَ مِنَ الثُّنْيَا الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، لِمَا فِيهَا مِنَ الْجَهْلِ بِصِفَتِهِ، وَقِلَّةِ الثِّقَةِ بِسَلَامَةِ خُرُوجِهِ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ؛ أَجَازَ ذَلِكَ). المبيعُ هو: الأمة، والحمل الذي في بطنها هو المستثنى، فمن قال: إنَّه يدخل في البيع عندما يطلق، فإنَّه لا يجوِّز استثناءه، ومن قال: لا يدخل، فهو يجيز استثناءه، ويرى أنَّه باقٍ في ملك البائع. والمراد بالصفة التي يكون عليها؛ أي: هل هو ذكر، أم أنثى، وهل سيخرج سليمًا، أو غير سليم، وكل تلك الأمور مجهولة؛ لأنَّ ما في بطنها مغيب، وهذا يدخل في باب بيع المغيبات، وقد مر بنا اختلاف العلماء في بيع المغيبات التي تكون داخل الأرض، وفيما يكون عليه قسط - كالقمح -، وأنَّ الجمهور: أجازوا ذلك إلَّا الشافعية، فالمسائل بعضها مرتبط ببعض. * قولُهُ: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ حَيَوَانًا، وَاسْتَثْنَى بَعْضَهُ: أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ شَائِعًا، أَوْ مُعَيَّنًا، أَوْ مُقَدَّرًا). وهذه مسألة أخرى، والمؤلف سيعرض عدة مسائل، قد نراها جزئيات، لكنها في الواقع ليست جزئيات، بل هي مسائل قائمة بذاتها. وتفصيلها: أنَّ إنسانًا باع حيوانًا واستثنى منه شيئًا، كأن يستثني رأسه، أو أطرافه، أو جلده، أو غير ذلك مما فيه، وهذا الحيوان الذي يباع لا يخلو إمَّا أن يكون مأكولًا، أو غير مأكول، وتفصيل ذلك:

стр. 7068

- إن كان غير مأكول، فيجوز ذلك؛ لأنَّه لا يُذبح، والاستثناء إذن غير وارد هنا. - إن كان مأكولًا وقصد ذبحه، فهذه هي مسألتنا، وسنتكلم عن جواز الاستثناء فيه من عدمه. وقد أطال المؤلفُ نَفَسَه في مذهب مالك، والحقيقة أنَّ المسألةَ كما هو معلوم مُلخصها: أنَّ العلماء قالوا: من باع حيوانًا مذبوحًا - يعني مأكولًا - واستثنى منه شيئًا، كأن يقول: أبيعك هذه الشاة بمبلغ كذا وكذا، وأستثني رأسها، أو رجليها، أو ما في بطنها، وقد انقسموا قسمين: الأول: أجازه مالك (١)، وأحمد (٢)، وقد استدلوا بحديث: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثُنيا إلَّا أن تُعلم، وقالوا: أمَّا هذه فهي معلومة، أليس الرأس معلومًا، واليدان معلومتان، وغير ذلك مما فيه، وإذا استثنى البائع شيئًا معلومًا معروفًا؛ فالبيع جائز. والثاني: لم يجزه أبو حنيفة (٣)، والشافعي (٤)، وقالوا: لأنَّ هذه الأمور لو أفردت لما جاز بيعها، إذ لا يجوز للإنسان أن يأتي بشاة، فيقول: بعتك رأسها بكذا، أو يدها بكذا، وقاسوا ذلك على بيع الحمل في البطن. وبهذا نتبيَّن أنَّ العلماء عندما يختلفون؛ سنجد أنَّ لاختلافهم سببًا، وقد يكون عدة أسباب، ونجد أنَّ أسباب اختلافهم مجموعة أدلة، فلهذا

стр. 7069

دليل، ولغيره دليل آخر، يرى أنَّه أقوى أو أوضح دلالة من دليل غيره، والآخر يرى أنَّ دليله وتعليله أقوى، وهكذا. وهذا باختصار ما حصل من خلاف بين الأئمة في هذه المسألة، وأدلة كل فريق، والمؤلف سيطيل التفصيل في مذهب مالك كما سيأتي. * قولُهُ: (فَإِنْ كَانَ شَائِعًا: فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا إِلَّا رُبْعَهُ). إلا ربعه، أو ثلثه، أو نصفه، وهكذا. * قولُهُ: (وأمَّا إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُغَيَّبًا؛ مِثْلَ الْجَنِينِ، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ مُغَيَّبٍ، فَإِنْ كَانَ مُغَيَّبًا فَلَا يَجُوز، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُغَيَّبٍ كَالرَّأْسِ، وَالْيَدِ، وَالرِّجْلِ، فَلَا يَخْلُو الْحَيَوَانُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُه، أَوْ لَا يَكُونُ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُه، فَإنَّه لَا يَجُوزُ؛ لأنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ غُلَامًا وَيَسْتَثْنِيَ رِجْلَهُ؛ لأنَّ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ، وَلَا مُتَبَعِّضٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ). التقسيمات التي ذكرها المؤلف هنا نسميها في علم الفقه: مقدمات، فقد ذكر عدة تفاصيل، وأقسام للوصول إلى الصورة التي أراد الكلام عنها، والحكم عليها؛ وهي: بيع جزء من الحيوان المذبوح المعقول. * قولُهُ: (وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُهُ؛ فَإِنْ بَاعَهُ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ عُضْوًا لَهُ قِيمَةٌ بِشَرْطِ الذَّبْحِ، فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهِ قَوْلان؛ أَحَدُهُمَا: أنَّه لَا يَجُوز، وَهُوَ الْمَشْهُورُ (١)، وَالثَّانِي: يَجُوز، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، جَوَّزَ

стр. 7070

بَيْعَ الشَّاةِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الْقَوَائِمِ وَالرَّأْسِ (١)). وهو كما ذكرنا مذهب الإمام أحمد. وحقيقة لو أردنا أنَّ نفصل، لوجدنا له أدلة في قصة الذي باع جملًا، أو بقرةً - فيما أذكر - فاستثنى ثُنياها؛ فإنَّ عليًّا ﵁ أقر ذلك (٢)، وفيما حكم فيه زيد بن ثابت، وغيره من الصحابة ﵃، في قصة الذي باع بقرة، واستثنى رأسها، وقد أقر ذلك البيع (٣). وذلك كان معروفًا عند الصحابة ﵃، ووردت فيه آثار. * قوله: (وأمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَثْنَى قِيمَةً؛ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِي الْمَذْهَبِ (٤)، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ: أنَّه إن كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بِجِلْدِهِ فَمَا تَحْتَ الْجِلْدِ مُغَيَّبٌ، وَإِنْ كانَ لَمْ يَسْتَثْنِهِ بِجِلْدِهِ؛ فَإنَّه لَا يَدْرِي بِأَيِّ صِفَةٍ يَخْرُجُ لَهُ بَعْدَ كشْطِ الْجِلْدِ عَنْه، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: أنَّه اسْتَثْنَى عُضْوًا مُعَيَّنًا مَعْلُومًا، فَلَمْ يَضُرَّهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْجِلْدِ، أَصْلُهُ شِرَاءُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ، وَالْجَوْزِ فِي قِشْرِهِ). هذه تعليلات وتفصيلات في هذه المسألة، وقد ذكرنا خلاصة أقوال الأئمة في أول هذه المسألة. وأصل هذه المسألة عند ابن حبيب قياسها على الحَبِّ، وقد مر بنا

стр. 7071

الخلاف في هذه المسألة، وأنَّ الجمهور بما فيهم المالكية أجازوا ذلك، وخالفهم الشافعي، وعلل ذلك بأنَّ القمح يعلوه قشر، فلا يمكن أن يحكم على صلاح الحب الذي في داخل السنبلة، ولا يُعرف ذلك إلَّا إذا فرك، أو أخرج من سنبله، وأزيل ما عليه من قشرٍ، فكأنَّ المؤلف يشير إلى أنَّ أصل هذه المسألة، مسألة سبق الكلام فيها. وقوله: (والجوز في قشره): وكذلك البيض، واللوز، والبقلة، كلها أشياء مرت بنا، وهي مغطاة مخفية، لكن جاءت الشريعة بجواز بيعها. ونجد أنَّ العلماء يقولون: منذ صدر الإسلام الأول حتى يومنا هذا، والمسلمون يتبايعون كل أنواع البقلة - ومنها: الفاصوليا، واللوبيا - ولا عُرف عن أحدٍ في ذلك خلاف، بل الناس تلقوا ذلك بالقبول، وعملوا به، ولم يقل بأنَّ هذه مخفية. * قولُهُ: (وأمَّا إِنْ كانَ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْحَيَوَانِ بِشَرْطِ الذَّبْحِ؛ إِمَّا عُرْفًا، وأمَّا مَلْفُوظًا بِهِ جُزْءًا مُقَدَّرًا، مِثْلَ أَرْطَالٍ مِنْ جَزُورٍ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (١): إِحْدَاهُمَا: الْمَنْع، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، وَالثَّانِيَةُ: الْإِجَازَةُ فِي الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ فَقَطْ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ). وقوله: (إمَّا عرفًا): يعني إمَّا عملًا؛ كأن يكون مثلًا المعروف في منطقة معينة أنَّ من يبيع حيوانًا، فإنَّه يستثني أرطالًا منه، دون أن يذكر ذلك أثناء البيع. والمقصود المحظور منه هنا: هو الغرر، والجهالة، فإذا زال الغرر،

стр. 7072

والجهالة أصبح ذلك جائزًا، والقاعدة هنا: أنَّه كلما وجد غررًا كثيرًا؛ فإنَّه يمنع، وأمَّا إن كان يسيرًا؛ فإنَّه يُعفى عنه. " قول: (وَأَجْمَعُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرَّجُلِ ثَمَرَ حَائِطِهِ، وَاسْتِثْنَاءِ نَخَلَاتٍ مُعَيَّنَاتٍ مِنْه، قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ شِرَائِهَا) (١). وقوله: (أجمعوا): لأنَّ هذا ليس فيه ضرر، وحق له، وكما أنَّ المشتري له أن يشتري جزءًا من هذا البستان، فالبائع كذلك له أن يبيع هذا البستان إلَّا بعضه، فيقول: أستثني نخلات معينات، لكن لا بُدَّ أن يُحدد. إذن فأجمع العلماء كما ذكر المؤلف على أنَّه يجوز للإنسان أن يبيع بستانه، ويستثني منه نخلًا، أو أي نوع من الأشجار، فالاستثناء إذًا يكون معينًا، فلا خلاف فيه بين العلماء، وذلك لارتفاع الجهالة، ووضوح الأمر، وزوال الغرر. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ حَائِطٍ لَهُ عِدَّةَ نَخَلَاتٍ غَيْرَ مُعَيَّنَاتٍ، إِلَّا بِتَعَيُّنِ الْمُشْتَرِي لَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ؛ لأنَّه بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَبَايِعَانِ) (٢).

стр. 7073

قال المؤلف هنا: (اتفقوا)، وفي المسألة السابقة قال: (أجمعوا). ومثال ذلك: لو قال البائع: أبيعك هذا البستان، وأستثني منه عشر نخلات؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا النخل ما يدرى ما نوعه، ولا وصفه، وهذا يدخل في باب الغرر، والدليل على ذلك حديث: نهى رسول الله ﷺ عن الثُنيا إلَّا أن تُعلم، يعني نهى أن تستثني إلا أن يكون ما تستثنيه معلومًا، وهذا غير معلوم، بينما الأول معلوم فأجمعوا عليه. والمؤلف لا يُكرر الحديث لغير علة، لكن لو قرأنا في الكتب الفقهية الموسعة لوجدنا أنَّ حديث الثّنيا في هذه الأبواب يتكرر كثيرًا - في كل صفحة مرتين أو ثلاث -؛ لأنَّه هو عمدة أكثر هذه المسائل. وقوله: (لأنَّه بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَبَايِعَانِ): أي أنَّه بيع مجهول، كأن يقول البائع: أبيعك وأستثني خمسة أو عشرة أو عشرين نخلة، فهي غير معلومة عندهما. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْحَائِطَ، ويَسْتَثْنِي مِنْهُ عِدَّةَ نَخَلَاتٍ بَعْدَ الْبَيْعِ: فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ (١)، لِمَكَانِ اخْتِلَافِ صِفَةِ النَّخِيلِ).

стр. 7074

وقوله: (الجمهور): أي الأئمة الثلاثة. وقوله: (لِمَكَانِ اخْتِلَافِ صِفَةِ النَّخِيلِ): لأنَّ العبرة بذلك هو وقت العقد، فعندما تمَّ العقد بين المتبايعين لم يكن المبيع معلومًا، وكونه يُعَيِّنه بعد ذلك ربما يكون فيه ضرر على المشتري. وبهذا نتبين حرص العلماء ﵏ على مصلحة الناس، ودقة الفقهاء في مثل هذه المسائل، حتى لا يلحق الضرر طرفًا من المتبايعين. * قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِجَازَتُه، وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ فِي النَّخَلَاتِ، وَأَجَازَهُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْغَنَمِ (١). وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي شِرَاءِ نَخَلَاتٍ مَعْدُودَةٍ مِنْ حَائِطِهِ عَلَى أَنْ يُعَيِّنَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ الْمُشْتَرِي، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ (٢)، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (٣)). وهذه الصورة منعها الجمهور كذلك.

стр. 7075

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ مَكِيلَة مِنْ حَائِطٍ) (١). والمكيلة يعني صاعًا، ومثال المسألة إذا قال البائع: أبيعك هذا الحائط إلَّا صاعًا. وهذه المسألة فيها دليل على دقة الفقهاء ﵏، قد يسأل سائل فيقول: ما الفرق بين هذه المسألة والتي سبق وذكرناها، فهناك استثنى عشر نخلات، فقالوا: يجوز، وهنا حائط معلوم استثنى منه صاعًا واحدًا، أو عشرة أصواع، فيقولون: لا يجوز، والعلة هنا لم يُبيِّنها المؤلف، وسنبينها بإذن الله تعالى. * قولُهُ: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٢): فَمَنَعَ ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ الْفَتْوَى عَلَيْهِمْ، وَأَلَّفْتُ الْكِتَابَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ، لِنَهْيِهِ ﷺ عَنِ الثُّنْيَا فِي الْبَيْعِ، لأنَّه اسْتِثْنَاءُ مَكِيلٍ مِنْ جُزَافٍ). قولُهُ: (فقهاء الأمصار الذين تدور الفتوى عليهم): هم الذين عرفوا بكثرة فتواهم، وتخريجهم للمسائل، هاثبات علل الأحكام، كالأئمة المعروفين، وإن كان سيستثني واحدًا منهم. قولُهُ: (وألَّفتُ الكِتاب) أو: (وأُلِّفت الكُتُب … )، فإذا كانت الكلمة
следующие страницы →