← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

الخلاف في هذه المسألة، وأنَّ الجمهور بما فيهم المالكية أجازوا ذلك، وخالفهم الشافعي، وعلل ذلك بأنَّ القمح يعلوه قشر، فلا يمكن أن يحكم على صلاح الحب الذي في داخل السنبلة، ولا يُعرف ذلك إلَّا إذا فرك، أو أخرج من سنبله، وأزيل ما عليه من قشرٍ، فكأنَّ المؤلف يشير إلى أنَّ أصل هذه المسألة، مسألة سبق الكلام فيها. وقوله: (والجوز في قشره): وكذلك البيض، واللوز، والبقلة، كلها أشياء مرت بنا، وهي مغطاة مخفية، لكن جاءت الشريعة بجواز بيعها. ونجد أنَّ العلماء يقولون: منذ صدر الإسلام الأول حتى يومنا هذا، والمسلمون يتبايعون كل أنواع البقلة - ومنها: الفاصوليا، واللوبيا - ولا عُرف عن أحدٍ في ذلك خلاف، بل الناس تلقوا ذلك بالقبول، وعملوا به، ولم يقل بأنَّ هذه مخفية. * قولُهُ: (وأمَّا إِنْ كانَ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْحَيَوَانِ بِشَرْطِ الذَّبْحِ؛ إِمَّا عُرْفًا، وأمَّا مَلْفُوظًا بِهِ جُزْءًا مُقَدَّرًا، مِثْلَ أَرْطَالٍ مِنْ جَزُورٍ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (١): إِحْدَاهُمَا: الْمَنْع، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، وَالثَّانِيَةُ: الْإِجَازَةُ فِي الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ فَقَطْ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ). وقوله: (إمَّا عرفًا): يعني إمَّا عملًا؛ كأن يكون مثلًا المعروف في منطقة معينة أنَّ من يبيع حيوانًا، فإنَّه يستثني أرطالًا منه، دون أن يذكر ذلك أثناء البيع. والمقصود المحظور منه هنا: هو الغرر، والجهالة، فإذا زال الغرر،

стр. 7072

والجهالة أصبح ذلك جائزًا، والقاعدة هنا: أنَّه كلما وجد غررًا كثيرًا؛ فإنَّه يمنع، وأمَّا إن كان يسيرًا؛ فإنَّه يُعفى عنه. " قول: (وَأَجْمَعُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرَّجُلِ ثَمَرَ حَائِطِهِ، وَاسْتِثْنَاءِ نَخَلَاتٍ مُعَيَّنَاتٍ مِنْه، قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ شِرَائِهَا) (١). وقوله: (أجمعوا): لأنَّ هذا ليس فيه ضرر، وحق له، وكما أنَّ المشتري له أن يشتري جزءًا من هذا البستان، فالبائع كذلك له أن يبيع هذا البستان إلَّا بعضه، فيقول: أستثني نخلات معينات، لكن لا بُدَّ أن يُحدد. إذن فأجمع العلماء كما ذكر المؤلف على أنَّه يجوز للإنسان أن يبيع بستانه، ويستثني منه نخلًا، أو أي نوع من الأشجار، فالاستثناء إذًا يكون معينًا، فلا خلاف فيه بين العلماء، وذلك لارتفاع الجهالة، ووضوح الأمر، وزوال الغرر. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ حَائِطٍ لَهُ عِدَّةَ نَخَلَاتٍ غَيْرَ مُعَيَّنَاتٍ، إِلَّا بِتَعَيُّنِ الْمُشْتَرِي لَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ؛ لأنَّه بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَبَايِعَانِ) (٢).

стр. 7073

قال المؤلف هنا: (اتفقوا)، وفي المسألة السابقة قال: (أجمعوا). ومثال ذلك: لو قال البائع: أبيعك هذا البستان، وأستثني منه عشر نخلات؛ فهذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا النخل ما يدرى ما نوعه، ولا وصفه، وهذا يدخل في باب الغرر، والدليل على ذلك حديث: نهى رسول الله ﷺ عن الثُنيا إلَّا أن تُعلم، يعني نهى أن تستثني إلا أن يكون ما تستثنيه معلومًا، وهذا غير معلوم، بينما الأول معلوم فأجمعوا عليه. والمؤلف لا يُكرر الحديث لغير علة، لكن لو قرأنا في الكتب الفقهية الموسعة لوجدنا أنَّ حديث الثّنيا في هذه الأبواب يتكرر كثيرًا - في كل صفحة مرتين أو ثلاث -؛ لأنَّه هو عمدة أكثر هذه المسائل. وقوله: (لأنَّه بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَبَايِعَانِ): أي أنَّه بيع مجهول، كأن يقول البائع: أبيعك وأستثني خمسة أو عشرة أو عشرين نخلة، فهي غير معلومة عندهما. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْحَائِطَ، ويَسْتَثْنِي مِنْهُ عِدَّةَ نَخَلَاتٍ بَعْدَ الْبَيْعِ: فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ (١)، لِمَكَانِ اخْتِلَافِ صِفَةِ النَّخِيلِ).

стр. 7074

وقوله: (الجمهور): أي الأئمة الثلاثة. وقوله: (لِمَكَانِ اخْتِلَافِ صِفَةِ النَّخِيلِ): لأنَّ العبرة بذلك هو وقت العقد، فعندما تمَّ العقد بين المتبايعين لم يكن المبيع معلومًا، وكونه يُعَيِّنه بعد ذلك ربما يكون فيه ضرر على المشتري. وبهذا نتبين حرص العلماء ﵏ على مصلحة الناس، ودقة الفقهاء في مثل هذه المسائل، حتى لا يلحق الضرر طرفًا من المتبايعين. * قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِجَازَتُه، وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ فِي النَّخَلَاتِ، وَأَجَازَهُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْغَنَمِ (١). وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي شِرَاءِ نَخَلَاتٍ مَعْدُودَةٍ مِنْ حَائِطِهِ عَلَى أَنْ يُعَيِّنَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ الْمُشْتَرِي، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ (٢)، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (٣)). وهذه الصورة منعها الجمهور كذلك.

стр. 7075

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ مَكِيلَة مِنْ حَائِطٍ) (١). والمكيلة يعني صاعًا، ومثال المسألة إذا قال البائع: أبيعك هذا الحائط إلَّا صاعًا. وهذه المسألة فيها دليل على دقة الفقهاء ﵏، قد يسأل سائل فيقول: ما الفرق بين هذه المسألة والتي سبق وذكرناها، فهناك استثنى عشر نخلات، فقالوا: يجوز، وهنا حائط معلوم استثنى منه صاعًا واحدًا، أو عشرة أصواع، فيقولون: لا يجوز، والعلة هنا لم يُبيِّنها المؤلف، وسنبينها بإذن الله تعالى. * قولُهُ: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٢): فَمَنَعَ ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ الْفَتْوَى عَلَيْهِمْ، وَأَلَّفْتُ الْكِتَابَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ، لِنَهْيِهِ ﷺ عَنِ الثُّنْيَا فِي الْبَيْعِ، لأنَّه اسْتِثْنَاءُ مَكِيلٍ مِنْ جُزَافٍ). قولُهُ: (فقهاء الأمصار الذين تدور الفتوى عليهم): هم الذين عرفوا بكثرة فتواهم، وتخريجهم للمسائل، هاثبات علل الأحكام، كالأئمة المعروفين، وإن كان سيستثني واحدًا منهم. قولُهُ: (وألَّفتُ الكِتاب) أو: (وأُلِّفت الكُتُب … )، فإذا كانت الكلمة

стр. 7076

الثانية: (الكتاب)، تكون الأولى: (ألَّفتُ)، وإن كانت: (الكتب)، فالأولى: (أُلِّفت)، وكل ذلك وارد. ولكن الأظهر أنَّه ألفتُ الكِتَابَ على مذاهبهم، واحتمال ينطبق أن المؤلف ألف وإن لم يكن مستوعبًا لمذاهبهم. وهذا هو الظاهر حقيقة؛ لأنَّ ما ألف كتاب واحد، وإنما ألفت جملة من الكتب، فمثلًا مذهب أبي حنيفة كم فيه من الكتب؟ كتب الرواية، وغيرها كتب التلاميذ؛ تلاميذ الإمام، ثم من بعدهم، وكذلك مالك، والشافعي، وأحمد، فالكتب كثيرة جدًّا، والذي يؤلف الكتاب إنَّما هو كاتب مجموعهم كتاب. وفي هذه المسألة: عندنا صبرة، أو حائط استثني منه، وهذا المستثنى معلوم، ولكنه معلوم مشاهدةً لا قدرًا، أي: لا يستطيع أحدنا أن يُقدرها تقديرًا دقيقًا، وقد كان الحال في خرص النخل تقريبي، فالخُرَّاص الذين كان الرسول ﷺ يرسلهم لخراصة التمر كانوا يقدرونها تقديرًا، لما عندهم من خبرة. قالوا: والاستثناء من المشاهد ليس كالاستثناء من المقدر؛ لأنَّ الاستثناء من المشاهد يتغير الحكم فيه، فلو استثنى أحدهم مثلًا صاعًا من صبرة، أو من حائط، فإنَّه لا يستطيع تحديد الباقي، فيصبح حينئذٍ المبيع مجهولًا، فيدخل تحت حديث: نهى رسول الله ﷺ عن الثّنيا إلَّا أن تُعلم (١)، وهذه هي وجهة نظر الجمهور. وقد قال المؤلف: (لأنَّه استثناء مكيل من جزاف)، لكنه لم يحدد لنا الأمر الجزاف. ولو سأل سائل فقال: أنتم تجيزون بيع الصبرة جملة، فلماذا تقولون لا يجوز أن تباع الصبرة ويستثنى منها صاعًا أو صاعين، نقول: لأنَّ هذه

стр. 7077

الصبرة هي معلومة قدرت بالمشاهدة لا بالقدر، ولو كانت مكيلة لجاز بيعها، واستثناء صاعًا أو صاعين مثلًا، لكن بما أنَّها جزاف؛ فلا يجوز. * قولُهُ: (وأمَّا مَالِكٌ (١)، وَسَلَفُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: فَإنَّهمْ أَجَازُوا ذَلِكَ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ، وَمَنَعُوهُ فِيمَا فَوْقَه، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الثّنْيَا عَلَى مَا فَوْقَ الثُّلُثِ (٢)، وَشَبَّهُوا بَيْعَ مَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى بِبَيْعِ الصُّبْرَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُ كَيْلِهَا فَتُبَاعُ جُزَافًا، وَبُسْتَثْنَى مِنْهَا كَيْل مَا، وَهَذَا الْأَصْلُ أَيْضًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ (أَعْنِي: إِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْهَا كيْلٌ مَعْلُومٌ)). قد يسأل سائل فيقول: أليس الإمام مالك ممن عرف بين الفقهاء بدقة استنباطه؟ نقول: نعم، لكن الإمام مالك ﵀ عَدَّ ذلك من الغرر اليسير، فتسامح فيه، والجمهور عدوا ذلك من الجهالة، فلم يتسامحوا فيه، وبهذا يتبين لنا أنَّ كل فقيه من الفقهاء الأكابر عندما يذكر تعليلًا، أو يورد حكمًا من الأحكام فله وجهة نظر، أو دليل يتمسك به. وقد أجازوا ذلك في الثلث - وهو رواية عن الإمام أحمد (٣) - لأنَّهم لاحظوا الثلث معتبر في الأحكام الشرعية، ومن ذلك أنَّ سعد بن أبي وقاص ﵁ عندما جاء إلى رسول الله ﷺ يريد أن يوصي بماله كله، فمنعه

стр. 7078

الرسول ﷺ ، ثم قال: الثلثين … إلى أن قال: "الثلث؛ والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (١)، إذن الثلث اعتُبر في الشريعة الإسلامية في كثير من القضايا، ومنها كما رأينا في الوصية، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة التي مرت بنا، ولذلك استثنى بعض العلماء الثلث، وقالوا: لاعتباره في الشرع. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ مَعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ). ومسألة (بيع وإجارة معًا في عقد واحد) من المسائل المهمة، ومثلها مسائل كثيرة؛ ومنها: - بيع وسلم. - سلم وإجارة. - بيع وشركة. - سلف وشركة. - شركة وإجارة. وقد مر بنا فيما مضى حديث رسول الله ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع"، ومن هنا أجمع العلماء على هذه المسألة، بينما باقي المسائل لم يرد فيها نص. ومسألة: (بيع وإجارة) صورتها كالتالي: أن يبيع إنسان الدار لآخر، ويقول له على أن أؤجرك داري الأخرى بمبلغ كذا. وهذه المسألة - المسائل الأخرى - التي ذكرناها قد اختلف فيها العلماء، وسنرى أنَّ الخلاف فيها بين الجمهور وبين المالكية، فالجمهور: يمنعون بعضها، ويجيزون البعض، بينما المالكية: ربما توسعوا في ذلك،

стр. 7079

لكن لو ننظر لكل أقوال الفقهاء، ورواياتهم نجد أنَّهم يجيزون بعض هذه المسائل، لذلك نحتاج أن نصحح قول المؤلف فيها. والمقصود هنا بيع وإجارة في عقد واحد، أمَّا إذا كان ذلك في أكثر من عقد فهو جائز، ومثاله: أن يقول البائع: أبيعك هذه الدار بكذا، وأؤجر لك الأخرى بكذا. * قولُهُ: (فَأَجَازَهُ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ (١)، وَلَمْ يُجِزهُ الْكُوفِيُّونَ (٢)، وَلَا الشَّافِعِيُّ (٣)). وذكر المؤلف مذهب الشافعي في هذه المسألة، فقد روي عنه القولان: الأول: الجواز؛ وهو الذي صححه أصحابه. الثاني: عدم الجواز؛ وهو القول الضعيف. فنقول: أجاز ذلك مالك، وأحمد (٤)، وهو الصحيح من مذهب الشافعية. * قولُهُ: (وَلَمْ يُجِزْهُ الْكُوفِيُّونَ، وَلَا الشَّافِعِيُّ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَرَوْنَ أنَّه يَكُونُ حِينَئِذٍ مَجْهُولًا) (٥).

стр. 7080

ولم يجزه الكوفيون - ومنهم الإمام أبو حنيفة -، ولا الشافعي في القول الآخر؛ لأنَّهم يرون أنَّ الثمن يكون حينئذٍ مجهولًا، وأمَّا الذين أجازوا فقالوا: إنَّ الجهالة يسيرة. * قولُهُ: (وَمَالِكٌ يَقُولُ: إِذَا كَانَتِ الْإِجَارَةُ مَعْلُومَةً لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَجْهُولًا) (١). وقد سبق أن مرت بنا مسألة يبيع دارًا ويشترط سكناها شهرًا أو أكثر، وقد بيَّنَا أنَّ هذا جائز في المذهبين المالكي، والحنبلي. * قولُهُ: (وَرُبَّمَا رَآهُ الَّذِينَ مَنَعُوهُ مِنْ بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ). وذلك لأنَّه باعه هذه الدار، وأجرة الدار، ونعلم أنَّ البيع إنَّما هو عقد على ملك، يعني بيع عين، والإجارة إنَّما هي بيع منفعة. وقد يسأل سائل فيقول: ألست إذا استأجرت هذه الدار أملكها تلك المدة؟ والجواب: أنَّك إنَّما تملك منافعها تلك المدة، ولا تملكها أصلًا، ولكن إن اشتريتها فإنَّك تملك أصلها، وبهذا يتبين الفرق بين البيع، والإجارة. * قولُهُ: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أنَّه لَا يَجُوزُ السَّلَف، أَوِ الْبَيْعُ كَمَا قُلْنَا). أمَّا قولُهُ: (لا يجوز السلف، أو البيع) هذا كلام خطأ، بل البيع جائز، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، والرسول ﷺ عندما قدم المدينة فوجد الناس يسلفون في الثمار، قال: "من أسلف في شيء

стр. 7081

فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (١). ولعله خطأ من النُّساخ، وهو أمرٌ واردٌ، والقول به حسن، لما فيه من إحسان الظن بالمؤلف ﵀. والصحيح أن نقول: (لا يجوز السلف والبيع) وقد مرت بنا هذه المسألة، وقد أجمع العلماء على عدم جواز بيع وسلف (٢)، وذلك لوجود نص صحيح صريح عن رسول الله ﷺ ، حيث قال: "لا يحل سلف وبيع" (٣)، وقوله: لا يحل بمعنى يحرم، وفي رواية: نهى عن بيع وسلف (٤)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إِجَازَةِ السَّلَفِ وَالشَّرِكَةِ، فَمَرَّةً أَجَازَ ذَلِكَ (٥)، وَمَرَّةً مَنَعَهُ (٦)). ومثال ذلك: أن يقول إنسان مثلًا: أنا أشركك في هذه على أن تسلفني مبلغ من المال، فهذه المنفعة الذي جرها هذا السلف اختلف العلماء فيها، فبعضهم يمنعها، وسيأتي في المسائل القادمة أنَّه ورد النهي عن القرض الذي يجر منفعة، وإن كان الحديث فيه كلام. أمَّا إذا لم يكن ذلك في أصل العقد فهو جائز، وأمَّا إذا وجد في العقد فيقع فيه الخلاف، كالخلاف فيما مضى.

стр. 7082

*قولُهُ: (وَهَذِهِ كلُّهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا، لاخْتِلَافِهَم بِالْأَقَلِّ وَالْأَكثَرِ فِي وُجُودِ عِلَلِ الْمَنْعِ فِيهَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَمَنْ قَوِيتْ عِنْدَهُ عِلَّةُ الْمَنْعِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْهَا مَنَعَهَا، وَمَنْ لَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ أَجَازَهَا، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى ذَوْقِ الْمُجْتَهِدِ). واختلاف العلماء سببه: وجود الغرر، فهي ليست من الربَا، لكن هناك جهالة، وربما يكون هناك غبن، فمن رأى أنَّ الغرر يسير يغتفر؛ جَوَّزَها، ومن رآه كثيرًا مؤثِّرًا، لم يجوزها. ثم هناك غرر مختلف فيه؛ أيلحق بالكثير أو بالقليل، فمن ألحقه بالكثير منعه، ومن ضمه إلى القليل أجازه. وقد نرى أن أيسر الأئمة في هذه المسائل - أو في أغلبها - هو الإمام مالك، وليس معنى هذا أن يكون المذهب الأيسر هو الرَّاجح، فباقي العلماء أخذوا بالأحوط، والترجيح يقاس بعدة أمور. وقوله: (ذوق المجتهد): لا يقصد به الذوق الذي نعرفه نحن، فذوق الفقهاء ذوقٌ يُبنى على النصِّ، والقياس الصحيح، وقصده هنا: التفهم والإدراك، فالفقه في اللغة: هو الفهم، وابن القيم رحمه الله تعالى عندما عرف الفقه في اللغة قال: هو فهم زائد (١)، ولذلك نجد أنَّ الناسَ يختلفون في مداركهم، وليس كل الناس على نسقٍ واحدٍ، فالطالب في الابتدائي مثلًا إدراكه ليس كإدراك مُعلمه، وربما يمر الزمن بالطالب ويكون أفهم من مُدَرِّسه، لكنه في هذه السن فهمه محدود، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٢)، ويقول الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾.

стр. 7083

فقوله: (ذوق المجتهد): أي أنَّ الفقيه يبذل ذوق قلبه، ويستجمع الأدلة، وينظر ما في المسألة من علل تتعلق بها، ثم بعد دراسة، وتمحيص، وتدقيق، يقول رأيه فيها. ولا شكَّ أنَّ الله قد فرَّقَ بينَ الناسِ في أذهانهم، وأفكارهم، وذكائهم، وفي سرعة بديهتهم، فهناك من هو سريع البديهة، ومن هو دون ذلك، لكن العلماء الذين يشير إليهم المؤلف هم أولئك الأعلام الذين وهبهم الله تعالى علمًا واسعًا، وصلاحًا، وتقوى، وإخلاصًا لهذا الدين. * قولُهُ: (لأنَّ هَذه الْمَوَادَّ يُتَجَاذَبُ الْقَوْلُ فِيهَا إِلَى الضِّدَّيْنِ عَلَى السَّوَاءِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهَا، وَلَعَلَّ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَادِّ يَكُونُ الْقَوْلُ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ صَوَابًا، ولهذا ذهب العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير). المؤلف يشير بكلامه هذا إلى الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "لا يُصلِّينَّ أحدٌ إلَّا في بني قريظة" (١)، ومن هنا فالصحابة اختلفوا في فهم الحديث: فبعضهم فهم من ذلك الحض، والإسراع في الوصول إليهم، ومنهم من فهم ألَّا تُصلى صلاة العصر إلَّا عندهم، ولا شكَّ أنَّ كُلًّا من الفريقين اجتهد، ومن هنا جاء قول الأصوليين: كُل مُجتهدٍ مُصيبٌ (٢). ولا شكَّ أنَّ رأي الذين صلوا في الطريق قد جمع بين أمرين؛ الاجتهاد وإصابة المراد والحق، والآخرون اجتهدوا، وكل طائفة من المجتهدين في هذا الحديث لها ثواب، لكن الذين اجتهدوا فأصابوا لهم أجران، ومن اجتهد وأخطأ في اجتهاده، أو في فهمه فله أجر؛ لأنَّه قصد الحق، والوصول إليه. وأمَّا من يجتهد، ويحكم عقله وهواه، فإنَّ ذلك لا يُعد من نوع الاجتهاد، والله يقول عن نبيه داود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾،

стр. 7084

فكم من أقدام قد زلت، وكم من أفكار قد انحرفت بسبب اتباع الهوى، والتعصب الأعمى. ولهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير، فعندما يتردد الفقهاء في مسألة ما، ولا يستطيعون القطع بحكم فيها، ولا يجدون مُرجِّحًا؛ فبعضهم يخير، والبعض الآخر يأخذ بالأحوط، وهو الأولى. قَال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الخَامِسُ: فِي البُيُوعِ المَنْهِيِّ عَنْهَا مِنْ أَجْلِ الضَّرَرِ (١)، أَوِ الغَبْنِ (٢)) وفي هذا الباب لن تجد خلافًا كبيرًا؛ لأنه قد توفَّرت جملة من الأدلة في كثير من المسائل، فكلما وُجِدَت الأدلة الصحيحة، قلَّ الاختلاف؛ حيث تقترب الأقوال ولا تتباعد. وقدَّمِ المؤلف بمقدمة طيبة؛ فقال: "البَابُ الخَامِسُ فِي البُيُوعِ المَنْهِيِّ عَنْهَا مِنْ أجْلِ الضَّرَرِ أَوِ الغَبْنِ"؛ أي: البيوع التي يكون سبب المنع فيها أو النهي إنما هو الغبن أو الضرر.

стр. 7085

وهذه البيوع التي سيشرحها المؤلف في هذا الباب، كلها بيوعٌ نهى عنها رسول الله ﷺ ، ولكن ليس كُلُّ نهيٍ يدلُّ على التحريم، فقد يدلُّ على الكراهة. وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الدين عظيم؛ فهو إلى جانب كونه شريعة فهو كذلك معاملة، وهو دينٌ ما طرق العالم مثلُه وما نزل به مثل هذه الشريعة التي جعلها الله حياةً للقلوب كما جعل الماء حياةً للنفوس، لذلك أمر الله باتِّباعها دون غيرها فقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]. والرسول ﷺ حينما نهى عن بعض البيوع؛ إنما أراد بذلك ما يجمع كلمة المسلمين، ويزيل الخلاف بينهم، وينبذ الشقاق، ويباعد بينهم وبين المكر والخديعة، وبين إيقاع الضرر من بعضهم لبعض. * قولُهُ: (وَالمَسْمُوعُ مِنْ هَذَا البَابِ). المرادُ بالمسموع: ما سُمِع؛ أي: ثبت عن رسول الله ﷺ سماعًا. * قولُهُ: (مَا ثَبَتَ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَعَنْ أَنْ يَسُومَ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ). لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" (١)، وفي بعض الرِّوايات: "لا يبع" بحذف الياء، فتجد أنه أُثبتت الياء مرة، وحُذفت أخْرى، على أنه في حالةِ الحذف تكون "لا" ناهية، وفي حالة الإثبات تكون نافية، ومن العلماء من يرى أنها قد تُقدَّر ناهية، وعلى أساس الإشباع بالكسب (بالكسر)، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، فمَنْ اسم شرط جازم، ومع ذلك أُثبتت الياء في هذه القراءة ﴿يتّقي﴾ (٢).

стр. 7086

ومثالُ السَّوم: لو اشترى رجل سلعة من رجلٍ آخر وكانا في مرحلة الخيار، فجاء ثالثٌ إلى المشتري فقال: يا فلان دع هذه السلعة وسأبيعك خيرًا منها، إمَّا بقيمتها أو أقلَّ. أو أن يذهب إلى البائع فيقول له: اعدلْ عن البيع، وسأشتري منك هذه السلعة بثمن أكثر (١). وهذا فيه إضرار من المسلم بأخيه المسلم، والإسلام يأبى ذلك وينهى عنه ويحاربه. انظر إلى كمال هذا الدين وسموِّه؛ حيثُ حرص أن تبقى العلاقة بين المسلمين قوية، فلا تنفصل تلك العروة بل تبقى متصلة؛ لأنه إذا باع الرجلُ على بيع أخيه أو سام على سومه أو خطب على خطبته، فلا شكَّ أن ذلك يترك أثرًا في النفوس، والإسلام يسعى إلى أن تكون نفوس المسلمين وأفئدتهم صافية نقية، وأن تبقى المحبة بينهم قائمة، وينتشر بينهم المودة والألفة. * قولُهُ: (وَنَهْيِهِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكبَانِ، وَنَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ). لحديث ابن عمر ﵁ قال: "نَهى رسول الله ﷺ أَن يُتَلَقى الرُّكْبان، أو يَبيع حاضرٌ لبادٍ … " (٢). وتلقِّي الرُّكبان: هو تلقي التاجر للوافدين من الرِّيف إلى المدينة لبيع محاصيلهم، وشراؤها بثمن أقل من السعر القائم، وبيعها لأهل المدينة

стр. 7087

بثمن مرتفع (١)، فإذا ما تلقاهم إنسان فاشترى منهم فهذا سيترتب عليه أمران، كما سيأتي. وبيع الحاضر للباد (٢): جاء عن عبد الله بن عباس أنَّه قال: "لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا" (٣)، وربما نفس معنى تلقي الرُّكبان. * قولُهُ: (وَنَهْيِهِ عَنِ النَّجْشِ). و"النَّجْش": هو زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا لرغبة في شرائها، بل ليخدع غيره (٤). قال الرسول ﷺ : "لَا تَنَاجَشُوا" (٥)، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عَنْ النَّجْشِ" (٦). * قولُهُ: (وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَفْصِيلِ مَعَانِى هَذه الآثَارِ اخْتِلَافًا لَيْسَ بِمُتَبَاعِدٍ). اختلافًا ليس بالمتباعد - كما ذكرنا آنفًا -، لأن اختلافهم في تفسير الأحاديث، لكنَّهم ينهلون من معين واحد من أحاديث رسول الله ﷺ ، فهم بمثابة أغصانٍ تتغذّى من أصلٍ واحد.

стр. 7088

* قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : "لَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ"، وَمَعْنَى نَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَسُومَ أَحَدٌ عَلَى سَوْمٍ أَخِيهِ وَاحِدٌ، وَهِيَ فِي الحَالَةِ الَّتِي إِذَا رَكَنَ البَائِعُ فِيهَا إِلَى السَّائِمِ، وَلمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ مِثْلُ اخْتِيَارِ الذَّهَبِ، أَوِ اشْتِرَاطِ العُيُوبِ، أَوِ البَرَاءَةِ مِنْهَا). الإمام مالك ﵀ يرى أنَّه لا فرق بين بيعه على بيع أخيه وسومه على سوم أخيه، وأن الصورتين متحدتان، والأمرين ملتقيان عند شيء واحد، لكن هذا إنما يكون إذا ركن البائع؛ أي: وافق على البيع للسَّائم. هذا هو الذي يحرم، أما لو سام سلعةً، ثُمَّ جاء آخر فسام … ، فليس ممنوعًا (١). إذًا: سومه على سوم أخيه يفتقر إلى ثلاث: الأولى: أن يَرضى بالسَّوم، فهذا الذي يحرم؛ لأنه سيُفسد على أخيه المسلم. الثانية: أن لا يرضى بالبيع، فهذا له أن يتقدَّم هو وغيره. الثالثة: أن يظهر منه علامات الرضا كنايةً لا تصريحًا، فهذا محل خلاف بين العلماء، هل تلحق بالمنع أو بالجواز؟ * قولُهُ: (وَبِمِثْلِ تَفْسِيرِ مَالِكٍ فَسَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا الحَدِيثَ (٢)، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَى "لَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ"، أَنْ لَا يَطْرَأَ رَجُلٌ

стр. 7089

آخَرُ عَلَى المُتَبَايِعَيْنِ، فَيَقُولَ: عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ هَذه السِّلْعَةِ وَلَمْ يَحُدَّ وَقْتَ رُكُونٍ وَلَا غَيْرَهُ) (١). يطرأ: يُقال: طَرَأَ الأمرُ طُروءًا، فهو طارئ، والطَّارئ: الغريب (٢)، والمعنى: ألَّا يأتي شخصٌ آخر. * قولُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا تَمَّ البَيْعُ بِاللِّسَان، وَلَمْ يَفْتَرِقَا، فَأَتَى أَحَدٌ يَعْرِضُ عَلَيْهِ سِلْعَةً لَهُ هِيَ خَيْرٌ مِنْهَا). وقيَّد الشافعيُّ ﵀ مذهبه بقوله: "وَلَمْ يَفْتَرِقَا"؛ لأنه يرى أن البيع لا يلزم إلا إذا افترق المتبايعان من المجلس (٣)، (٤)؛ لذلك قال المؤلف ﵀: (وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ البَيْعَ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِالافْتِرَاقِ، فَهُوَ وَمَالِكٌ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ حَالَةَ قُرْبِ لُزُومِ البَيْعِ عَلَى مَا سَنَذْكرُهُ بَعْد، وَفُقَهَاءُ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ هَذَا البَيْعَ يُكْرَه، وإِنْ وَقَعَ مَضَى لِأَنَّهُ سَوْمٌ عَلَى بَيْعٍ لَمْ يَتِمَّ). أي: أكثر فقهاء الأمصار على أنَّ البيع لا يَفسد (٥)، لأنهم يرون أن

стр. 7090

ذلك لا يتَّجه إلى العقد، وإنما نهى رسول الله ﷺ عن ذلك؛ لما فيه من الضرر، وحُكيَ عن بعضهم أن ذلك يُفسد البيع. * قولُهُ: (وَقَالَ دَاوُد، وَأَصْحَابُهُ: إِنْ وَقَعَ فَسْخٌ فِي أَيِّ حَالَةٍ وَقَعَ؛ تَمَسُّكًا بِالعُمُومِ (١)). وهي رواية عن الإمام أحمد (٢). * قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَفُتْ؛ وَأَنْكَرَ ابْنُ المَاجِشُونِ ذَلِكَ فِي البَيْعِ فَقَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ (٣)). يريد المؤلف أنَّ هذا الخلاف الذي نُسِب إلى مالِكٍ إنما هو فيما

стр. 7091

مضى في كتاب النِّكاح من قولُهُ ﷺ : "لَا يَخْطُبْ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ". * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الذِّمِّيِّ فِي النَّهْيِ عَنْ سَوْمِ غَيْرِهِ). وسبب اختلافهم: أنه ﷺ قال: "وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْم أَخِيهِ"، وفي بعض الروايات: "لَا يَبيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِهِ"؛ فالضمير يعود إلى الأَخ، فهل لهذا القيد مفهوم أو أنه خرج مخرج الغالب؟ * قولُهُ: (قال فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ). ومن الجمهور: الأئمة الأربعة (١). * قولُهُ: (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِي المُسْلِمِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ :"لَا يَسُمْ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" (٢)).

стр. 7092

ولا شكَّ أن المقصود من ذلك هو عدم وقوع الضرر، لذلك يجب ألَّا يُوقع ضررًا بذميٍّ، كما قد جاء في الأحاديث التي حذَّرت من إيذائه. * قولُهُ: (وَمِنْ هُنَا مَنَعَ قَوْمٌ بَيْعَ المُزَايَدَةِ، وَإِنْ كَانَ الجُمْهُورُ عَلَى جَوَازهِ). بيعُ المزايدة أو البيع بالمزاد العلني: هو أن ينادي على السلعة، ويزيد الناس فيها بعضهم على بعض حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها (١)، فهذا جائز، أما ما جاء من النهي عنه فضعيف (٢). وقد وردت قصةٌ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُه، فَقَالَ: "لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ " قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَه، وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ المَاءَ، قَالَ: "ائْتِنِي بِهِمَا"، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إياه، وأخذ الدرهمين فَأَعْطَاهُمَا للأَنْصَارِي … " (٣). وهذا نصٌّ في جوازِ بيع المزايدة. ويشهد لبيع المزايدة أيضًا حديثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ " فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِكَذَا وَكَذَا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ (٤).

стр. 7093

وقوله: "عَنْ دُبُرٍ"؛ أي: قال له أنت حُرٌّ بعد موتي. وقوله: "فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ"؛ أعطى مدبَّره ثمنَه. وهذا الحديثُ في قصَّة المدبَّر (١)؛ وهو الذي يُعلِّقُ مُعتقُه عتقَه بموته؛ لكنَّ الحديثَ الذي أوردناه أوَّلًا نصٌ صريحٌ كما ذكرنا. وأمَّا ما ورد من النهي عن بيع المزايدة فلا يصحُّ، ولا شك أن بيع المزايدة يحتاج إليه الناس، وكل إنسان أراد أن يطرح سلعته فيطرحها، وتُعرض على الناس فيتزايدون فيها. * ثمَّ قال المؤلف ﵀: (وَسَبَبُ الخِلَافِ بَيْنَهُمْ هَلْ يُحْمَلُ هَذَا النَّهْيُ عَلَى الكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الحَظْرِ، ثُمَّ إِذَا حُمِلَ عَلَى الحَظْرِ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِ الأَحْوَالِ، أَوْ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ؟). أي: سببُ اختلاف الفقهاء في الأحاديث التي ذكرها المؤلِّف ﵀، هل النهي فيها محمول على الكراهة أو على التحريم؟، وإذا كان النهي محمولًا على التحريم فهل التحريم في صورة واحدةٍ، أو في جميع الصور المتعلِّقَة بكلِّ مسألة من المسائل المذكورة؟ تربويَّات: هذه الأحاديث إنما يُوصينا بها رسول الله ﷺ ؛ لنمتثلها ونعمل بها، فلا ينبغي للمسلم أن يتدخَّل في بيع سلعة تمَّت بين اثنين، ولا غير ذلك من الأمور؛ كالخِطبة، بل على المسلم دائمًا أن يكون مُحبًّا لأخيه المسلم رحيمًا به، والله ، يقول في وصف رسول الله ﷺ وفي المؤمنين معه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وإنما يرحم الله من عباده

стр. 7094

الرحماء، فلا ينبغي للمسلم أن يُفسد على أخيه المسلم أمرًا من أموره بل حتى ولو كان رجلًا ذميًّا، فالرسول ﷺ يُبيِّن لنا أحكامًا فيها آدابٌ وأخلاق، ينبغي أن نتمَثَّل بها، لأن شريعتنا الإسلامية تقوم على عقيدة التوحيد الخالص لله ، وهي كذلك عبادة تربط بين العبد وبين ربه ، وهي معاملة يتعامل بها المسلم مع أخيه المسلم، وهي أيضًا أخلاق كريمة يترفع بها المسلم من أن يقع في الحضيض. إنَّ الإسلامَ جاء فهذَّب أخلاق المؤمنين، ورسم لهم طريقَ السعادة، طريقَ الخير، ووضع كلَّ الأسباب التي تُؤلِّفُ بين قُلوبهم، وتجمع كلمتَهم؛ ولذلك يُحذِّرُنا الله تعالى من الاختلاف، فيقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] فلا ينبغي أن ينتشر بين المسلمين أيُّ خلافٍ من الخلافات، حتى وإن رآه البعضُ يسيرًا، سواءٌ في البيوعات؛ لأنَّ الدين المعاملة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فإنَّ الصلاة كما أنَّ لها أركانًا وشروطًا، فلها أيضًا آداب، ولها آثار تظهر على تصرفات صاحبها، فالمصلي المتَّقي لا فرق بين أن تراه في المسجد وبين أن تراه في السوق، لا فرق بين أن تراه في حضر أو سفر، تجده مؤمنًا حقًّا في كل تصرُّفاته؛ لأنَّ تلكم الصلاة أثرت في نفسه، واستقرت في قلبه، فكانت جميع تصرفاته تنبع من هذا الدين الحنيف. أما الذي ينقرها نقر الغراب، أو يأتي المسجدَ وباله مشغولٌ بأمور الدنيا، فإذا ما خرج إلى السوق عدل عن كل شيء، ونسي ما كان بينه وبين ربِّه من عهدٍ وميثاقٍ ومُناجاةٍ في هذه الصلاة، فتغيرت أحواله وانقلب سلوكه، فلا ينبغي للمسلم أن يكون هكذا، فالمسلم يكون سَمحًا إذا باع وسَمحًا إذا اشترى، رحيمًا بإخوانه المؤمنين وبخاصة الفقراء والمحتاجين. * * *

стр. 7095

[فَصْلٌ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ للْبَيْعِ] * قولُهُ: (وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ تَلَقِّي الرُّكلبَان لِلْبَيْعِ). "الركبان": هُم الَّذين يَفِدون إلى المدن أو القرى بالبضائع والسلع إليها. فبعض الناس ينطلق يتربص بهم الدوائر، يقف في الطرق ليشتري منهم. والرسول ﷺ "نهى عن تلقي الركبان" (١)، وقال: "لَا تَلَقَّوا الأجْلَابَ" (٢)؛ أي: الذين يجلبون إلى البلد أرزاق العباد للبيع، تمَّ قال الرسول ﷺ : "فَمَنْ تَلَقَّى مِنْهُ شَيْئًا فَاشْتَرَى، فَصَاحِبُهُ بالخِيَارِ، إِذَا أَتَى السُّوقَ" (٣)؛ يعني: إذا وَجَد أنَّه قد غُبِن فإنَّ له الخيار. وهذا التَّلقي يترتب عليه ضرران: الأولُ: ضررٌ على أهل السُّوق من البائعين، وربَّما لَحِق الضَّرر بالمشترين؛ لأنه حبس السلعة عنهم، وربما احتكرها إلى وقت الغلاء. والثاني: ضررٌ على صاحب السِّلعة، فقد يأتي إنسان لا خبرة له بقيمة السلع - أي: في المدينة أو القرية الذَّاهب إليها - فيتلقَّفُه إنسانٌ بالطريق، فيقول له: يا فلان أنا كذا وسأشتري منك هذه السلعة بكذا، ثم يشتري منه بسعرٍ زهيد، فهذا قد ألحق ضررًا بصاحب السلعة.

стр. 7096

ولذلك جاء في بعض روايات الحديث: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (١)، دَعْهُ يذهبُ ويطرحُ سلعتَه في السوق، لتكون على الملأ، فيستفيد ويُفيد. * قولُهُ: (فَاخْتَلَفُوا فِي مَفْهُومِ النَّهْيِ مَا هُوَ؟ فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ المَقْصُودَ بِذَلِكَ أَهْلُ الأَسْوَاقِ؛ لِئَلَّا يَنْفَرِدَ المُتَلَقِّي بِرُخْصِ السِّلْعَةِ دُونَ أَهْلِ الأَسْوَاقِ). مالكٌ ﵀ فسَّره: بأن المقصود من النهي هم أهل السوق؛ أي: الذين يبيعون ويشترون (٢). * قولُهُ: (وَرَأَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ سِلْعَةً حَتَّى تَدْخُلَ السُّوقَ، هَذَا إِذَا كَانَ التَّلَقِّي قَرِيبًا، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَا بَأْسَ بِهِ). أمَّا تحديد ذلك بالقريب أو البعيد فهذا اجتهادٌ من الإمام مَالكٍ ﵀، وليس عليه دليل. وأيضًا في مسألة: "وجوب الجمعة على من لا يسمع الأذان" فقد حدَّد مالكٌ ذلكَ بأميال. * قال: (وَحَدُّ القُرْبِ فِي المَذْهَبِ بِنَحْوٍ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ) (٣). يعني: ما يَقرُب من عشرةِ كيلو مترات.

стр. 7097

* قولُهُ: (وَرَأَى أَنَّهُ إنْ وَقَعَ جَازَ، وَلَكِنْ يُشْرِكُ المُشْتَرِي أَهْلَ الأَسْوَاقِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُوقَهَا) (١). فالإمامُ مالك ﵀ يقول: لا مانع أن تَتَلقَّى الجلَبَ، وأن تَشتريَ منهم، لكنَّك إذا جئتَ أصحابَ الحوانيتِ في السُّوق، فإنَّك تُشركهم معكَ في هذه البِضاعةِ، حتى يكون الرِّبحُ مشتركًا. * قولُهُ: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ: إِنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ البَائِعِ، لِئَلَّا يَغْبِنَهُ المُتَلَقِّي) (٢). وهذا مذهبُ أحمد كذلك (٣). لأنَّ البائع رُبَّما يأتي لا خبرة له بسعرِ السِّلع في الأسواق، فإذا قابله المتلقِّي قد يُغْريه، فيستسهل البائع ويقول لنفسه: هذا خيرٌ لي، فأنا الآن في منتصف الطريق، سأبيع وأعود، ولعلَّ الذي اشترى منه يكون مخادعًا، فعند الإمام الشافعيِّ ﵀ قد وقع الغَبنُ على البائع؛ لذا خصَّصَ النهيَ به. والظاهر: أنَّ النهي إنما هو رفع الضرر، والضرر قد يحصل للبائع ويحصل لأهل السوق معًا؛ فينبغي أن يُراعى المعنيان معًا (٤). * قولُهُ: (وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ هُوَ نَصٌّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "لَا تَتَلَقَّوُا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى مِنْهُ شَيْئًا فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُهُ بِالخِيَارِ إِذَا أَتَى السُّوقَ").

стр. 7098

مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ نصٌ في حديثِ أبي هريرة، لأنَّ الحديثَ أعطى القادم الحقَّ في الخِيار، فإذا دخل السوقَ فوجد أن السِّعر متغيِّرٌ، وأن هذا الذي تلقَّفه وتلقَّاه قد خدعه وغبنَه، فله أن يطلب الفَسخ، وأن يأخذ حقَّه، وقيَّد الشافعيَّةُ ذلك بشرطٍ فقالوا: "شريطة ألَّا يكون الغَبنُ فاحشًا"، فإن كان الغبن يسيرًا فلا أثر له عندهم (١). * قوله: (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢)، وَغَيْرُهُ). وخرَّجه أصحاب السنن، وغيرهم (٣). قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: وَأَمَّا نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَاضِرِ لِلْبَادِي، فَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَبعْ أَهْلُ الحَضَرِ لِأَهْلِ البَادِيَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي شِرَاءِ الحَضَرِيِّ لِلْبَدَوِيِّ). يعني: أنَّ بيعَ الحضريِّ للبدويِّ غير جائز؛ لأنه قد جاء النهيُ عنه، ولكِن هل شراؤُه منه كبيعه له في الحكم؟ أو لا؟ اختُلف في ذلك عن الإمام مالكٍ ﵀.

стр. 7099

* قال: (فَمَرَّةً أَجَازَهُ (١)، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ؛ وَمَرَّةً مَنَعَهُ (٢)). ومذهب الإمام أحمد الجواز (٣). * قولُهُ: (وَأَهْلُ الحَضَرِ عِنْدَهُ هُم أهل الأَمْصَارُ). هناك حاضرة وبادية: فأهل البادية: هم الذين يعيشون في البدو، وأهل الحاضرة: هم الذين يعيشون في المدن؛ أي: هم أهل التجارة والزراعة والصناعة. * قولُهُ: (وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَهْلُ القُرَى لِأَهْلِ العَمُودِ المُنْتَقِلِينَ) (٤). المراد بأهلِ العمود: أهلُ الخيام، وبيوت الشَّعْرِ ونحوها، أولئكم الذين يتتبَّعون مواقع القَطْر، ومكان العشب. فهم يتناقلون؛ تجدهم اليوم في مكانٍ، وبعد أيَّام في مكان آخر؛ لأنَّهم يحتاجون إلى ماء يشربونه، وأنعامُهم، ويحتاجون العشبَ لترعاه ماشيتُهم.

стр. 7100

* قولُهُ: (وَبِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَالأَوْزَاعِيُّ (٢)؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ (٣): لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الحَاضِرُ لِلْبَادِي، وَيُخْبِرَهُ بِالسِّعْرِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ (٤) - أَعْنِي: أَنْ يُخْبِرَ الحَضَرِيُّ البَادِيَ بِالسِّعْرِ -، وَأَجَازَهُ الأَوْزَاعِيُ (٥)). يعني: أنَّ مالكًا جعل النهيَ للكراهة، وكذلك يرى أحمدُ الكراهة مثله (٦). * قولُهُ: (وَالَّذِينَ مَنَعُوهُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ القَصْدَ بِهَذَا النَّهْيِ هُوَ إِرْفَاقُ أَهْلِ الحَضَرِ، لِأَنَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ أَهْلِ البَادِيَةِ أَيْسَرُ مِنْ أَهْلِ الحَاضِرَةِ، وهي عندهم أرخص، بَلْ أكْثَرُ مَا يَكُونُ مَجَّانًا عِنْدَهُمْ - أَيْ: بِغَيْرِ ثَمَنٍ -). أي: منعوا أن يُخبِر الحضريُّ الباديَ بالسِّعرِ. معنى: "إِرْفَاقُ أَهْلِ الحَضَرِ"، أي: نفعهم بأهل البادية، يقال: ارتفق

стр. 7101

به؛ انتفع به، والمَرفِق: ما يُنتفع به، قال: "لِأَنَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ أَهْلِ البَادِيَةِ أَيْسَرُ مِنْ أَهْلِ الحَاضِرَةِ". هذا باعتبارِ ما كان، أمَّا الان فقد تغيَّرت الأمور، فكان فيما مضى يحتاج أهل المدن إلى السَّمن والألبان فلا يجدونها، فكان أهل البادية يأتون المدنَ فيبيعون هذه الأشياء للناس، فإذا جاء البدويُّ ودخل السوق يشتري منه الناس بأسعار ليس فيها مغالاة. * قولُهُ: (فَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَنْصَحَ الحَضَرِيُّ لِلْبَدَوِيِّ، وَهَذَا مُنَاقِفق لقَوْلِهِ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" (١)، وَبِهَذَا تَمَسَّكَ فِي جَوَازِهِ أَبُو حَنِيفَةَ). وليست النصيحة - في علَّة الكراهة لدى الفقهاء - التي بمعنى الدعوة إلى الصلاح والنهي عن الفساد، وإنما القصدُ بها ألَّا يُخبِره بالسِّعر فيُضَيِّق على أهل الحضرِ. ولذلك جاءت الحكمة في قول رسول الله ﷺ في آخر الحديث: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (٢). * قولُهُ: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، ذَرُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (٣)). اللفظةُ المشهورة في الحديث: "دَعُوا" (٤)، أما لفظة: "ذَرُوا"، فلا أعلم هل وردت أو لا (٥).

стр. 7102

وعلى كُلِّ فإنَّ: "ذَرُوا" تؤدِّي معنى: "دَعُوا"، والمعنى: اتركوا. (وَهَذ الزِّيَادَةُ انْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُدَ فِيمَا أَحْسَبُ). يقول: "فِيمَا أَحْسَبُ"، وهذا جيِّد من المؤلِّف ﵀، وإلا فهي في صحيح مسلم، وعند أصحاب السنن (١)، وأحمد (٢)، وأبي داود الطيالسي (٣)، وابن خزيمة (٤)، وغيرهم (٥)، فهي رواية مشهورة. وأهمُّ ما في الأمر أنها في "صحيح مسلم"؛ لأنه قال: "انْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُدَ"!!، مع كونها منصوصًا عليها في "صحيح مسلم"، والحديث إذا كان في "الصحيحين"، وفي أحدهما كانت له قوَّة خاصة من حيث الصحة. * قولُهُ: (وَالأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ غَبْنِ البَدَوِيِّ، لِأَنَّهُ يَرِدُ وَالسِّعْرُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ). وقد ثبتت الروايةُ كما بيَّنا، والمؤلف يريد أن يقول: إذا صحَّت فإنَّ المراد: ألا يأتي إنسان من الحاضرة فيملأ صدر هذا البادي ويحرِّضَه، يقول: "لا تبع إلا بالسعر الفلاني، فإنَّ بضاعتك لا مثيل لها، لا تتسرع وانتظر؛ فإنَّ البضائع قلَّت في الأسواق" وهكذا، حتى يُقسِّي قلبه، هذا فيه ضرر على الناس، فهذه الزيادة تنهى عن ذلك: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ". وفي عصرنا قد تجد بعضَ الناس إذا أراد أن يبيع سلعةً بسماحة،

стр. 7103

يأتي آخرُ ويقول: "يا فلان لا تبعها إلا بكذا، فإنَّ بضاعتك تساوي أكثر"!!، يا أخي دَعْه فربَّما يريد أن يُيسِّر على أخيه المسلم. * قولُهُ: (وَيَكُونَ عَلَى هَذَا مَعْنَى الحَدِيثِ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكبَانِ (١) عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ: إِذَا وَقَعَ فَقَدْ تَمَّ، وَجَازَ البَيْعُ (٢)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (٣)). لا شكَّ أن معنى النهي عن تلقي الركبان على ما تأوَّله الشافعيُّ (٤) - وكذا أحمد (٥) - ثابتٌ، وهو مذهب جماهير العلماء. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ فِي هَذَا المَعْنَى أَصْحَابُ مَالِكٍ (٦)، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفْسَخ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُفْسَخُ (٧)).

стр. 7104

وعن الإمام أحمد رواية بالفسخ (١)، لكنَّ الرواية المشهورة عنه هي الموافقة لمذهب الجمهور. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَصلٌ وَأَمَّا نَهْيُهُ ﷺ عَنِ النَّجْشِ) (٢). النجش في اللُّغة: أصله من تنفير الصيد واستثارته، فإذا جاء الصائد ليستثير الصيد، وكذلك أيضًا يثيره، فيُقال: ناجشَه، وبعضُهُم فسَّره بالخديعةِ، والمعنى متقارب، فإنَّ الذي يُريد أن يصيد الصيد يأتيه خُفية (٣). وكذا في الشَّرع: يقال: نجَشَ فلان في البيع، أي: زاد في ثمن السِّلعة، ليُغري غيره بالزيادة. فالنَّجْش اصطلاحًا: هو زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا لرغبة في شرائها، بل ليخدع غيره، ويوهمه بنفاستها (٤).

стр. 7105

يجد سلعة معروضة في الأسواق عند تاجر، - ربَّما الذي يُنادي بها إنما هو صديقه، وربَّما شريكه -، فينجش السلعة، برفع سعرها، وكُلَّما زاد واحدٌ زاد هو حتَّى يوقعَ الناس، ولا شكَّ أنَّه خائنٌ، ومخادع. * قولُهُ: (فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَأَنَّ النَّجْشَ هُوَ أَنْ يَزِيدَ أَحَدٌ فِي سِلْعَةٍ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ شِرَاؤُهَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْفَعَ البَائِعَ، وَيَضُرَّ المُشْتَرِيَ). إذًا: لا خلاف بين العلماء في منع النجش (١)، وأن من يفعل ذلك يكون آثمًا؛ لأنه أوقع أخاه المسلم في ضرر. لكنَّ موضع اختلافهم في عقد البيع، هل يكون عقدًا صحيحًا أو يكون فاسدًا؟ (٢)، وعلى القول بأنه صحيح، فلأنَّ النَّهي لا يتوجه إلى العاقد وإنما يتوجه إلى صفة النجش، فهل الجِهةُ منفكَّة أو لا؟ (٣). وقول المؤلف: (يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْفَعَ البَائِعَ وَيَضُرَّ المُشْتَرِيَ)، هذا ليس ضابطًا، فقد يكون البائع في غنًى عنه أصلًا.

стр. 7106

" قول: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ هَذَا البَيْع، فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ فَاسِدٌ (١)). وهي رواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). " قول: (وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالعَيْب، وَالمُشْتَرِي بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ أَمْسَكَ) (٣). وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (٤). " قول: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦): وإِنْ وَقَعَ أَثِمَ، وَجَازَ البَيْعُ).

стр. 7107

يعني: أنَّ الناجشَ يأثم بهذا العمل، وإن شاركه البائع في ذلك فهو شريك له في الإثم، ولكنْ يكون البيع صحيحًا، وهذا مذهب الجمهور. * قولُهُ: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ يَتَضَمَّنُ النَّهْيُ فَسَادَ المَنْهِيِّ؟ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الشَّيْءِ بَلْ مِنْ خَارِجٍ). يعني: هل النهي يكون مُنصبًّا على العقد لذاته، أو يتَّجه إلى أمرٍ خارج عن العقد؟ ولا شك أنَّ النهي هنا يتعلَّق بأمر خارج عن العقد، وإن كان له علاقة به. وهذا شبيه بمسألة من غَصَب دارًا وصلَّى فيها، أو ثوبًا، فهل تكون صلاته صحيحة؟ جمهور العلماء على أن صلاتَه صحيحة؛ لأن الجهة منفكة؛ إذ النَّهي اتَّجه إلى ما هو مُتلبِّس به من الغصب (١). * قولُهُ: (فَمَنْ قَالَ: يَتَضَمَّنُ فَسْخَ البَيْعِ لَمْ يُجِزْهُ؛ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ يَتَضَمَّنُ أَجَازَهُ. وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِذَا وَرَدَ لِمَعْنًى فِي المَنْهِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الفَسَادَ مِثْلَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبَا وَالغَرَرِ). إذا ورد لأمر في المنهي عنه كالنهيِّ عن الرِّبا، كما جاءت بذلك الأدلَّة من الكتاب والسُّنة، فهذا لا شكَّ بأنه محرَّم بل عدَّه رسولُ الله ﷺ من الموبقات السبع. وأما إذا كان لا يتَّجه إلى ذات المنهيِّ عنه، وإنَّما يتَّجه إلى أمر آخر فحينئذٍ يقعُ الخلافُ في هذه المسألة، لذلك قال:

стр. 7108

(وَإِذَا وَرَدَ الأَمْرُ مِنْ خَارجٍ لَمْ يَتَضَمَّنِ الفَسَادَ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا البَابِ نَهْيُهُ ﵊ عَنْ بَيْعِ المَاءِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: "إِنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ" (١)). هنا أمران: بيع الماء، وبيع فضل الماء، أورد المؤلفُ بعضًا من الأحاديث الواردة في بيع الماءِ، وأكثر الأحاديث تتضمن النهي عن بيع فضل الماء. وقد جاءت الأحاديث بروايات متعددة منها ما جاء في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يُمْنَعُ الْمَاءُ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ" (٢)، وفي روايةٍ للبخاري: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلأِ" (٣)، والرِّوايتان ملتقيتان من حيثُ المعنى. فهل يجوز للإنسان أن يبيع الماء؛ كأن يقف على جانب نهر أو على عينٍ من العيون أو على بئرٍ من الآبار أو على غدير أو نحو ذلك فيبيع الماء؟ نصَّ كثيرٌ من العلماء (٤) على أنَّه لا يجوز للإنسان أن يبيع الماء العِدّ (٥)؛

стр. 7109

وهو الماء الدائم الذي لا انقطاع له، مثل ماء العين وماء البئر، كذلك لا يجوز له أن يبيع نقع الماء الذي يكون بجوار البئر أو الغدير. وألحقُوا بذلك ما يتعلَّق بالكلإ (١)، فالكلأُ الذي في الأرض ليس له أن يمنعه ولا أن يبيعه إلا إذا أدخَله إلى حوزته، فلو أنَّ إنسانًا حمل ماءً في إناء أو في قِربته أو سيَّارته أو أدخله منزلَه أصبح هذا الماءُ مِلكًا له. حينئذٍ تختلف الصورة فله أن يبيعه (٢). وهناك من العلماء (٣) - وهم قلَّة - من منع بيع الماء مطلقًا، واستدلُّوا بقول الرسول ﷺ : "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي المَاءِ وَالكَلأِ وَالنَّارِ" (٤)، في بعض الرِّوايات أيضًا: "الحطب"، وسُئِلَ رسول الله ﷺ عن الذي لا يجوز للإنسان أن يبيعه؟ فقال الرسول ﷺ : "الْمَاءُ"، ثم سأل السائل عما لا يجوز للإنسان أن يبيعه؟ فقال ﷺ : "الْمِلْحُ" (٥)، فالماءُ نعمة من نِعم الله أسداها إلى عباده، لا يستغني عنه كائن حيٌّ في هذه الحياة، بل أصبح الماء لا يُستغنى عنه في الصناعات، ولو مشيت بسيارتك بدون الماء ما استطعت أن تسير بها، ولو سرت بها لأدَّى ذلك إلى فسادها. تنبيهٌ: وفي هذا تحذير للمسلم أن يمنع فضل الماء الزائد عنده عن أخيه،

стр. 7110

كذلك من أشدِّ ما ورد في ذلك قولُهُ ﷺ : "ثَلَاثَة لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُل حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أُعْطِيَ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَرَجُل مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ ﵎: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" (١)، ومحل الشاهد قولُهُ ﷺ : "وَرَجُل مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ ﵎: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ"، وهذا تهديدٌ شديدٌ، ووعيد أكيد بأنَّ الله سيحاسب من يمنع فضل الماء من المحتاج إليه، فسيمنع اللهُ عنه فضله يوم القيامة، في يوم هو أشد ما يكون إلى فضل الله وإلى عفوه وإلى مغفرته أحوج. * قولُهُ: (وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ المَاءِ (٢)، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ" (٣)، وَقَالَ: لَا يُمْنَعُ وَهُوَ بِئرٌ وَلَا بَيْعُ مَاءٍ" (٤)). ومعنى: "نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ"؛ لأنه إذا منع الماء الكلأ يحتاج إلى ماء ليستقِيَ منه وليرتوي به، فإذا وجد الماء ثُمَّ بعد ذلك أطلق على الأرض حين إذن ينبت العشب والكلأ، ولذلك جاء في بعض الراويات النهيُ عن ذلك حتى لا "يَجُوع الْعِيَالُ" (٥). * قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا النَّهْيِ، فَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ عَلَى عُمُومِهِ، فَقَالُوا: لَا يَحِلُّ بَيْعُ المَاءِ بِحَالٍ كانَ مِنْ بِئْرٍ،
следующие страницы →