← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

* قوله: (أَنَّ مُعْظَمَهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ إِذَا وَجَدَ المَاءَ)، هذَا ليس بمُسلَّم. وَقَالَ عطاء (١): لا يَتيمَّم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء، ونقل كذلك عن الحسن (٢)، إلا المجدور (٣) وهو من أصابه الجدري، والجمهور (٤) على أنه يتيمَّم على التفصيل الذي سبق. وَمِنَ الأمور التي يَذْكرها الفقهاء (٥) أن الإنسان لو وجد ماءً في بئر،

стр. 737

ولم يجد دلوًا، فإن كان معه رداء أو خرقة مثلًا، فإنه يدليها في الماء، ثم يرفعها ويعصر الماء حتى يجمع ما يتوضأ به وإلا تيمم. * قوله: (وَأَمَّا الحَاضِرُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَعْدمُ المَاءَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ وَإِنْ عَدِمَ المَاءَ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ الأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ). اختلف أهل العلم في الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء إلى قولين: القول الأوَّل: أنه يجوز له التيمم، وهو قول مالك (١)، والشافعي (٢)،

стр. 738

وأحمد (١)؛ لحديث أبي ذرٍّ ﵁ قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: " يا أبا ذرٍّ، أبدأ فيها "، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست، فَأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقال: " أبو ذرٍّ "، فسكت فقال: " ثَكلَتْك أمُّك أبا ذرٍّ، لأمك الويل "، فدعا لي بجاريةٍ سَوْداء، فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: " الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم ولَوْ إلى عشر سنين، فإذا وجدتَ الماء فأمسه جلدك، فإنَّ ذلك خيرٌ " (٢). القَوْل الثَّانِي: أنه لا يَجُوز له أن يتيمم، وإليه ذَهَب أبو حنيفة (٣)، وحُجَّته: أنَّ الله تَعالَى قيَّد إباحة التيمم بالسفر، فَقَال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر﴾ [النساء: ٤٣]، قال: ولم يذكر الحاضر، فيَنْبغي الوقوف عند النَّصِّ. وأمَّا الجمهور فقَدْ أَخَذوا بعموم الأدلة، وأنَّ سببَ التَّيمُّم فقدان الماء، فحيثما فُقِدَ الماء أبيح التيمُّم؛ سفرًا كان أو حضرًا، وإنما ذكر المسافر؛ لأنَّ غالبَ فقدان الماء إنَّما هو في السفر، وأمَّا الحاضر فإنه يندر ألَّا يجد الماء. والراجح هو قول الجمهور، وأنه لا خلافَ بين حال المسافر وغير المسافر.

стр. 739

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ الأرْبَعِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ). من الفقهاء المتأخرين من اعتبر كتاب " بداية المجتهد "، لأنه ذكر فيه المسائل الكبرى التي تتفرع عنها مسائل كثيرة، ولأجل هذا اعتبره كثيرٌ من العلماء كتاب قواعد (١)، وألحقوا به أيضًا كتاب " قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية " لابن جزي المالكي. * قوله: (أَمَّا فِي المَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، فَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ: هَلْ فِي الآيَةِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر﴾ [النساء: ٤٣]، فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِي الآيَةِ حَذْفًا، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الكَلَامِ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى لَا تَقْدِرُونَ عَلَى اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى المُسَافِرِ فَقَطْ، أَجَازَ التَّيَمُّمَ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] يَعُودُ عَلَى المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ مَعًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الآيَةِ حَذْفٌ لَمْ يُجِزْ لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ المَاءَ التَّيَمُّمَ). المؤلف ﵀ تكلَّف في هذه المسائل، وقد سبق ذكر أدلة الجمهور، وهي واضحة وجلية، فلسنا بحاجة إلى هذا التفصيل؛ لأن الله تعالى خفَّف عن المريض، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، [الفتح: ١٧]، وَقَال النَّبيُّ ﷺ : " صَلِّ قائمًا، فَإِنْ لَمْ تستطع فقاعدًا، فإن لم تَسْتطع فعَلَى جنبك " (٢)، إذًا المريض يُخَفَّفُ عنه.

стр. 740

أَضِفْ إلى ذلك الأدلة العامة الواردة في هذه المسألة؛ كقول النَّبيِّ ﷺ : " الصَّعيد الطيِّب كافيك وَإِنْ لَمْ تجد المَاء " (١)، وقَوْله: " الصَّعيد الطيِّب طهور المسلم وَإِنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته " (٢)، وهو حديثٌ صحيحٌ أو حسنٌ، وقد تَلَقَّاه العلماء بالقبول (٣). * قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الحَاضِرِ الَّذِي يَعْدِمُ المَاءَ، فَاحْتِمَالُ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أَنْ يَعُودَ عَلَى أَصْنَافِ المُحْدِثِينَ (أَعْنِي الحَاضِرِينَ وَالمُسَافِرِينَ، أَوْ عَلَى المُسَافِرِينَ فَقَطْ، فَمَنْ رَآهُ عَائِدًا عَلَى جَمِيعِ أَصْنَافِ المُحْدِثِينَ، أَجَازَ التَّيَمُّمَ لِلْحَاضِرِينَ، وَمَنْ رَآهُ عَائِدًا عَلَى المُسَافِرِينَ فَقَطْ أَوْ عَلَى المَرْضَى وَالمُسَافِرِينَ، لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ لِلْحَاضِرِ الَّذِي عَدِمَ المَاءَ). وَالجُمْهور (٤) على جَوَاز التيمُّم للحاضر الذي عدم الماء، ولا دليل على المنع.

стр. 741

" وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الخَائِفِ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى المَاءِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ عَلَى مَنْ عَدِمَ المَاءَ ". ذَهَبَ الجُمْهور (١) إلى جواز تيمُّم الخائف من الخروج إلى الماء إذا كان خوفًا حقيقيًّا، وكذلك لو خَافَ على ماله أو أهله إذا خرج في طلب الماء، فإنه يباح له أن يتيمم.

стр. 742

قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الخَائِفِ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى المَاءِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ عَلَى مَنْ عَدِمَ المَاءَ، وَكذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الصَّحِيحِ يَخَافُ مِنْ بَرْدِ المَاءِ، السَّبَبُ فِيهِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ عَلَى المَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنَ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَقَدْ رَجَّحَ مَذْهَبَهُمُ القَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي المَجْرُوحِ الَّذِي اغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَأَجَازَ ﵊ المَسْحَ لَهُ، وَقَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ" (١)، وَكَذَلِكَ رَجَّحُوا أَيْضًا قِيَاسَ الصَّحِيحِ الَّذِي يَخَافُ مِنْ بَرْدِ المَاءِ عَلَى المَرِيضِ بِمَا رُوِيَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّهُ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ، وَتَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فَذُكرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﵊، فَلَمْ يُعَنِّفْ). ذكرَ المؤلِّف ﵀ أنَّ سَببَ اختلَافهم في هذه المَسْألة هو القيَاس علَى المريض الَّذي يخاف من استعمال الماء، ولَيْست القضية قضية قياس كما ذكر المؤلف، حيث وَرَد النَّصُّ بذلك كما في قصة تيمم عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لمَّا أجنب في ليلةٍ باردةٍ، فتيمم وصلى بأصحابه، فَذَكروا ذلك للنبي ﷺ ، فلم يُعنِّف (٢)، أَيْ: لم ينكر عليه، ولو كان ما فَعَله خطأً لبَيَّنه رَسُولُ الله ﷺ . وَأَشَار المُؤلِّف هنا إلى حديث جابرٍ ﵁ (٣) في المجروح الذي اغتسل فمات، فأجاز النبي ﷺ المسح له، ولكنه حديثٌ ضعيفٌ، ولو صحَّ لكان حَاسمًا في المسألة. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 743

(البَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ) * قوله: (وَأَمَّا مَعْرِفَةُ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ قَوَاعِدَ: هَلِ النِّيَّةُ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِيَةُ: هَلِ الطَّلَبُ شَرْطٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ أَمْ لَا؟ وَالثَّالِثَةُ: هَلْ دُخُولُ الوَقْتِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ أَمْ لَا؟). انتقلَ المُؤلِّف إلى ذِكرِ شُرُوط الطَّهارة بالتيمُّم، وأنه يتعلَّق بها ثلاث قواعد: القَاعدة الأولى: النيَّة، وهل هي شرطٌ في الطهارة بالتيمُّم أم لا؟ وَسَبق الكلام عن النية وأهميتها وعلاقتها بأبواب الفقه عمومًا والطهارة خصوصًا، وتَقدَّم ذكر الخلاف في مسألة اشتراط النية للطهارة وأنَّ جمهور العلماء على اشتراطها في الوضوء والغسل خلافًا للحنفية (١)، وَوَافقوا الجمهور في اشتراطها في التيمُّم (٢)، وخالف في ذلك

стр. 744

زفر (١) من الحنفية، والأوزاعي (٢)، ويحيى بن شعبان من المالكية (٣). وهو خلافٌ ضعيفٌ شاذٌّ، فالخلاف في شأن النية في مسألة التيمم أضعف منه في مسألة الوضوء والغسل. واستدلَّ الحنفية على أن النية شرط في التيمم بقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وَقَالوا: إن التيمُّم هو القصد، والقصد هو النية، فالنيَّة -إذًا- مذكورة في الآية، هَذَا أوَّلًا (٤). وَثانيًا: إنَّ التيمُّم بدلٌ، والبدل أضعف من المُبْدَل منه، فينبغي أن تكون النية شرطًا فيه.

стр. 745

القاعدة الثانية: الطلب هَلْ هو شرطٌ في جواز التيمم عند عدم الماء أم لا؟ طلب الماء شرط عند عامة العلماء (١)، وللماء علامات يستدل بها عليه كأن يجد خضرةً، أو طيرًا يحلق في مكانٍ مُعيَّنٍ، أو أرضًا ندية أو نحو ذلك. القاعدة الثالثة: هل دخول الوقت شرطٌ في جواز التيمم أم لا؟ يعني: لو طلب الماء قبل دخول وقت صلاة الظهر، فلَمْ يجده، ثمَّ دَخلَ وقت الظهر، هل يَكْفيه ذلك أو لا بد من أن يعيد الطلبَ مرةً أُخرى؟ لم يتعرَّض المؤلف لهذه المسألة، وسنُبيِّن القولَ فيها إن شاء الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: (أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى: فَالجُمْهُورُ (٢) عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِيهَا شَرْطٌ لِكَوْنِهَا

стр. 746

عِبَادَةً غَيْرَ مَعْقُولَةِ المَعْنَى، وَشَذَّ زُفَرُ (١)، فَقَالَ: إِنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهَا، وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الأوْزَاعِيِّ (٢)، وَالحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ) (٣). قَوْله: "غَيْرَ مَعْقُولَةِ المَعْنَى"، أي: أنها لا تُدْرَكُ بالعقل، فطبيعة التُّراب تختلف عن طبيعة الماء، فالمَاءُ من صفاتِهِ أنه يُنَظِّفُ، والتراب قد يَكُون على العكس من ذَلكَ، ولكن الله سبحانه جعله توسعةً لنا. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ مَالِكًا ﵁ اشْتَرَطَ الطَّلَبَ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا: هَلْ يُسَمَّى مَنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ دُونَ طَلَبٍ غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ، أَمْ لَيْسَ يُسَمَّى غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ إِلا إِذَا طَلَبَ المَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ؟ لَكِنَّ الحَقَّ فِي هَذَا أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ المُتَيَقِّنَ لِعَدَمِ المَاءِ إِمَّا بِطَلَبِ مُتَقَدِّمٍ، وإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ عَادِمٌ لِلْمَاءِ، وَأَمَّا الظَّانُّ فَلَيْسَ بِعَادِمٍ لِلْمَاءِ، وَلذَلِكَ يَضْعُفُ القَوْلُ بِتَكَرَارِ الطَّلَبِ الَّذِي فِي المَذْهَبِ فِي المَكَان الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ، وَيَقْوَى اشْتِرَاطُهُ ابْتِدَاءً إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ بِعَدَمِ المَاءِ). قوله: "المسألة الثانية"، أي: بالنسبة لشروط التيمم، وهي اشتراط

стр. 747

الطلب، فذهب مالك (١) والشافعي (٢)، وأحمد (٣) إلى اشتراط الطلب؟ ولم يشترطه أبو حنيفة (٤). وسبب اختلافهم في هذا هو: هل يُسمَّى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء، أم ليس يسمى؟ فذهب الجمهور إلى أن عادم الماء لا بدَّ له من السعي في البحث عنه، فإن لم يجده انتقل إلى التيمم؛ لأنَّ التيمم ليس رخصةٌ، ولكنه ضرورة يُنْتقل إليها عند فَقْد الماء. ولَا يَدْخل فى هذا غير القادر على استعمال الماء؛ كمَنْ به مرضٌ يضرُّه معه استعمال الماء، وكذلك الذي يخشى من استعماله لبَرْدٍ أو نحوه. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ دُخُولِ الوَقْتِ). سَبَق أَنْ أشَرنا إلى أنَّ قول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] يدلُّ بظاهره على أنَّ الإنسان يجب عليه أن

стр. 748

يتطهَّر إذا أراد القيام للصَّلاة، ولكن هل له أن يتطهَّر قبل الوقت؟ أمَّا إنْ كان بالوضوء فَنَعمْ، وَذَلك لأُمُورٍ: الأوَّل: فعله ﷺ ، فقَدْ ثبتَ أنه توضأ قبل دخول الوقت (١)، وبعد دخوله (٢). الثَّانِي: أنه ﷺ صلَّى عدة صلوات بوضوءٍ واحدٍ (٣) الثالث: إجماع الأمة على مشروعية ذلك (٤)، والإجماعُ حجةٌ معتبرةٌ. أمَّا إن كان بالتيمم، فَهَذا محل خلافٍ بين العلماء، وهاك تفصيله: * قوله: (فَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ).

стр. 749

ذَهَب مالكٌ (١)، والشافعيُّ (٢)، وأحمد (٣) إلى أنه يشترط في التيمُّم أن يكون بعد دُخُول الوقت؛ لأن التيمُّم ضرورة، فلا ينتقل إليها إلا بعد دخول الوقت. وَاستدلُّوا بظاهر الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وأنَّه يدلُّ على أنه ينبغي التطهُّر عند إرَادة الصلاة، وإنما استُثْنِيَ من ذلك الوُضُوء؛ لفِعْلِ الرَّسول ﷺ ، وللإجماع عليه، فبقي البدل (وهو التيمم) على حاله. وذهب أبو حنيفة (٤)، وأهل الظاهر (٥)، وابن شعبان (٦) من أَصْحَاب مالكٍ إلى أنه لا يُشْتَرط دخول الوقت؛ لعُمُوم قَوْله تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، هذا أوَّلًا (٧).

стр. 750

ثانيًا: أن التيمم طهارة كغيرها من الطهارات، فتلحق بالوضوء، أي: أن الوضوء أصلٌ، والتيمم بدل عنه، فيأخذ حكمه، فكما أن الوضوء يجوز قبل دخول الوقت وفي الوقت، فكذلك ينبغي أن يكون التيمم (١). ثالثًا: قياسًا على إزالة النجاسة، وعلى المسح على الخُفَّين، فقالوا: إن المسح على الخفين يجوز قبل الوقت وبعده، وهو رخصة، فَكَذلك التيمم. وَأجَاب الجمهور (٢) بأنه: فرقٌ بين الوضوء والتيمم، فالوضوء قربةٌ مقصودة، وهو أصلٌ في ذلك، فلا يلحق به التيمم؛ لأن التيمم إنما يُصَار إليه عند فقدان الماء، أو عند عدم القدرة على استعماله، فلا ينبغي أن يُعْطَى أحكام الماء جملةً وتفصيلًا. وأما قياسُهُ على المسح على الخُفَّين، فإنَّ المسح على الخُفَّين رخصة، والرخصة إنما قُصِدَ فيها التخفيف، والتخفيف لا يُضَيَّقُ فيه، وإنما يوسع، ولذلك جَازَ قبل الوقت وبعده. وَأمَّا إزالَة النجاسة، فلا يصحُّ القياس عليها؛ لأنَّه إنما يُقْصد بها النظافة.

стр. 751

وَمما يُضْعف مذهب الحنفية أيضًا أن المُسْتَحاضة -وهي من أهل الأعذار- لا تتوضأ إلا بعد دُخُول الوقت، والذي لا يجد الماء هو أيضًا صاحب عذر، فلم يُفرِّق بينه وبين المستحاضة (١)؟! هَذَا مُلخَّص الخلاف في هَذِهِ المسألة وَإنْ كان المؤلف ﵀ قَدْ تنَاول المسألة بشيءٍ من البسط والتحقيق. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلْ ظَاهِرُ مَفْهُومِ آيةِ الوُضُوءِ يَقْتَضِي أَلَّا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ وَالوُضُوءُ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِ الوَقْتِ؛ لقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآيَةَ، فَأَوْجَبَ الوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ عِنْدَ وُجُوبِ القِيَامِ إِلَى الصَّلاةِ، وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الوَقْتُ، فَوَجَبَ لهَذَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فِي هَذَا حُكْمَ الصَّلَاةِ، أَعْنِي أَنَّهُ كمَا أَنَّ الصَّلاةَ مِنْ شَرْطِ صحَّتِهَا الوَقْتُ، كَذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ الوَقْتُ، إِلا أَنَّ الشَّرْعَ خَصَّصَ الوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى أَصْلِهِ أَمْ لَيْسَ يَقْتَضِي هَذَا ظَاهِرُ مَفْهُومِ الآيَةِ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمُ القِيَامَ إِلَى الصَّلاةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ لَمَا كَانَ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلا إِيجَابُ الوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُوبِ الصَّلاةِ فَقَطْ لَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ الوَقْتِ إِلَّا أَنْ يُقَاسَا عَلَى الصَّلاةِ). المُؤلِّف ﵀ جَعَل الخلَاف في هذه المسألة دائرًا حول فَهْم هذه

стр. 752

الآية، وأنَّ قَوْله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، أو إذا قمتم محدثين؟ فالجمهور (١) على أن الأمر بالتطهُّر عند القيام للصلاة، وإنَّما استُثْنِيَ الوضوء بفِعْلِ الرَّسُول (٢) ﷺ ، ثم بالإجماع (٣) كما سبق بيان ذلك، ولا يصح قياس التيمُّم على الوضوء؛ لأنَّ التيمم إنما أُبيحَ لأجل الصلاة عند عدَم وجود الماء أو العجز عن استعمالِهِ، فإباحة التيَمُّم إنَّما هي للحاجة، وأمَّا الوُضُوء فهو شرطٌ في صحة الصلاة، والذي يظهر -والله أعلم- قوة مذهب الجمهور في هذه المسألة. * قوله: (فَلِذَلِكَ الأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إِنَّ سَبَبَ الخِلَافِ فِيهِ هُوَ قِيَاسُ التَّيَمُّمِ عَلَى الصَّلاةِ، لَكِنَّ هَذَا يَضْعُفُ، فَإِنَّ قِيَاسَهُ عَلَى الوُضُوءِ أَشْبَهُ، فَتَأَمَّلْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، أَعْنِي: مَنْ يَشْتَرِطُ فِي صِحَّتِهِ دُخُولَ الوَقْتِ، وَبَجْعَلُهُ مِنَ العِبَادَاتِ المُؤَقَّتَةِ، فَإِنَّ التَّوْقِيتَ فِي العِبَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيِّ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ القَوْلُ بِهَذَا إِذَا كَانَ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ وُجُودِ المَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ، فَيَكُونُ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ أَنَّ

стр. 753

هَذِهِ العِبَادَةَ مُؤَقَّتَة، لَكِنْ مِنْ بَابِ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطَلِقُ اسْمُ الغَيْرِ وَاجِدِ لِلْمَاءِ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ: لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا، أَمْكَنَ أَنْ يَطْرَأَ هُوَ عَلَى المَاءِ). أشار المؤلف هنا إلى قياس التيمم على الصلاة، وأنه قياسٌ ضعيفٌ، وهو كما قال، بل هو غير وارد أصلًا. * قوله: (أَعْنِي: مَنْ يَشْتَرِطُ فِي صِحَّتِهِ دُخُولَ الوَقْتِ، وَيَجْعَلُهُ مِنَ العِبَادَاتِ المُؤَقَّتَةِ، فَإِنَّ التَّوْقِيتَ فِي العِبَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيِّ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ القَوْلُ بِهَذَا إِذَا كانَ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ وُجُودِ المَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ)، وَهذا رَأيٌ وجيهٌ مشهورٌ في المذهب المالكي: أن التيمُّم يُؤخَّر إلى آخر الوقت إذا كان هناك رجاءٌ لوجود ماء (١). * قوله: (وَيذَلِكَ، اخْتَلَفَ المَذْهَبُ مَتَى يَتَيَمَّمُ؟ هَلْ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟). المُؤلِّف ﵀ اعْتَبر هذه المسألة فرعًا عن المسألة الأُولى في مذهب مالك (٢)، والحال أنها من المَسَائل الكبرى التي تعددت فيها آراء

стр. 754

المذاهب، وَهي: إذا دَخَل الوقت متى يتيمم؟ ومَعْلومٌ أن: "أفضلَ الأعمال عند الله: الصلاة على وقتها" (١)، كما قال النبيُّ ﷺ . وفي روايةٍ: "الصلاة في أول وقتها" (٢). والعلماء متفقون (٣) من حيث الجملة على أنَّ الصلاة في أول وقتها أفضل إلا عند اشتداد الحر في صلاة الظهر، وكذلك صلاة العشاء على ما هو معلوم. واختلف العلماء في التيمم، هل يتيمم في أول الوقت ليحوز فضيلة الصلاة في أول الوقت أم يؤخر التيمم، فذهبت الحنفية (٤)، والحنابلة (٥) إلى أن تأخير التيمم إلى آخر الوقت أَوْلَى؛ لاحتمال حضور الماء في الوقت. وقال بعض الحنابلة (٦): الأَوْلَى أن يكون في أول الوقت إلا أن

стр. 755

يكون راجيًا لحضور الماء، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (١). وأما قول المؤلف: (وَلذَلِكَ، اخْتَلَفَ المَذْهَبُ مَتَى يَتَيَمَّمُ؟ هَلْ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟)، فتلك أقوالٌ داخل المذهب، والأولُ أشهرُ. وَذَهَب الشافعية (٢) إلى أن التيمُّم في أول الوقت أفضل إلا إذا كان متيقنًا من حضور الماء في الوقت؛ لأنه لا ينبغي أن يترك الفضيلة لأمرٍ غير محقَّق. * قوله: (لَكِنْ هَاهُنَا مَوَاضِعُ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ بِطَارِئٍ عَلَى المَاءِ فِيهَا قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ، وَلَا المَاءُ بِطَارِئٍ عَلَيْهِ). كَأَنْ يكون إنسانٌ في فلاةٍ لا يجد حوله ما يشير إلى المَاء، وَالجُمْهورُ على أنَّ الأَوْلَى في حقِّه التأخير إلى آخر الوقت (٣).

стр. 756

* قوله: (وَأَيْضًا فَإِنْ قَدَّرْنَا طُرُوَّ (١) المَاءِ، فَلَيْسَ يجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا نَقْضُ التَّيَمُّمِ فَقَطْ لَا مَنْعَ صِحَّتِهِ، وَتَقْدِيرُ الطُّرُوِّ هَذَا مُمْكِنٌ فِي الوَقْتِ وَبَعْدَهُ، فَلِمَ جُعِلَ حُكْمُهُ قَبْلَ الوَقْتِ خِلَافَ حُكْمِهِ فِي الوَقْتِ؟ أَعْنِي أَنَّهُ قَبْلَ الوَقْتِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ التَّيَمُّمِ، وَبَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ لَا يَمْنَعُهُ؟ وَهَذَا كلُّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَلَّا يَجُوزَ التَيّمَّمُ إِلَّا فِي آخِرِ الوَقْتِ فَتَأَمَّلْهُ). يشير المؤلف إلى مسألةٍ مهمةٍ، وهي ما لو تيمم إنسان وصلَّى ثم وَرَد إليه الماء، وهذا لا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أَنْ يصلَ إليه الماء بعد دخول الوقت، وقد أجمَع العلماء (٢) على صحَّة صلاتِهِ، ولا إعَادة عليه.

стр. 757

الحالة الثانية: أَنْ يصلَ إليه بعد فراغه من صلاف وهُوَ لا يزال في الوقت، وذَهَب الجمهور (الأئمة الأربعة وغيرهم) (١) إلى أن صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه. الحالة الثالثة: إذا حَضر الماء أثناء الصلاة، فقال الحنابلة (٢) ببطلان تَيمُّمه، ومن ثَمَّ صلاته، وذهب الحنفية (٣) والشافعية (٤) إلى أنه يتم صلاته

стр. 758

ولا يبطلها؛ لأنه فرضه لما دخلها كان التيمم، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. * قوله: (وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَلَّا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ إِلَّا فِي آخِرِ الوَقْتِ فَتَأَمَّلْهُ). كأنَّ المؤلِّف يميل إلى مذهب الحنفية والحنابلة، وهو الأَوْلَى في نظري أيضًا؛ لأن الإنسانَ لا يدري، فربما نزل المطر مثلًا، أَوْ وجدَ المَاء بأيِّ وَسيلَةٍ كانت، وَخاصَّةً أن وقتَ الصلاة وقتٌ موسعٌ، والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الباب الرابع في صفة هذه الطهارة وَأَمَّا صِفَةُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ، هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ. المَسْأَلَةُ الأولَى: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الأَيْدِي الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِمَسْحِهَا فِي التَّيَمُّمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾

стр. 759

[المائدة: ٦] عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، القَوْلُ الأَوَّلُ: أَنَّ الحَدَّ الوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ الحَدُّ الوَاجِبُ بِعَيْنِهِ فِي الوُضُوءِ، وَهُوَ إِلَى المَرَافِقِ، وَهُوَ مَشْهُورُ المَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ. وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الفَرْضَ هُوَ مَسْحُ الكَفِّ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَأَهْلُ الحَدِيثِ. وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: الاسْتِحْبَابُ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، وَالفَرْضُ الكَفَّانِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ. القَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الفَرْضَ إِلَى المَنَاكبِ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ). يُشيرُ المُؤلِّف هنا إلى مسألةٍ مهمةٍ، وَهي حَدُّ الأيدي الواجب مَسْحها في التيمُّم، وهذه من المسائل المختلف فيها بين أهل العلم -لسَبَبين سيَذْكرهما المؤلف- إلى أربعة أقوال: القَوْل الأوَّل: مسح اليدين إلى المرفقين، وهو مذهب أبي حَنيفَة والشافعي في الجديد، والمشهور من مذهب المالكيَّة (١). وقوله: "وَبِهِ قال فقهاء الأمصار"، أي: الأئمة الثلاثة (أَبي حَنيفَة ومالك والشافعي)، والمؤلف يُطْلق هذا المصطلح على الأئمَّة الثلاثة تأثرًا بابن عبد البَرِّ ﵀. القول الثَّانِي: مسح الكف فقط، أي: إلى مفصل الكوع، وَهَذا

стр. 760

مذهب الحنابلة (١)، وهو قول جماعةٍ من العلماء؛ كعطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه (٢)، وداود الظاهري (٣)، واختاره ابن المنذر من الشافعية (٤). القول الثالث: مسح الكفين فرضًا، ويستحب المسح إلى المرفقين، وهذا مرويٌّ عن مالكٍ (٥)، كَمَا ذكر المؤلف. وَالرَّابع: أن الفرض إلى المناكب، وهو أضعفها، وهو قول ابن

стр. 761

شهاب الزهري (١)، وحكاه المؤلف عن محمد بن مسلمة. وأَشْهَرُ هذه الأقوال: قول الجمهور (وهو المسح إلى المرفقين)، وقول الحنابلة (وهو مسح الكف فقط). واستدل الجُمْهورُ على مذهبهم بما يلي: أولًا: حَمْل المطلق في آية التيمم في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ على المقيد في آية الوضوء في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾؛ إذ لو كان الحكم مختلفًا لبيَّنه الله ﷺ ؛ أو بيَّنه رسوله ﷺ لأن هذا بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ووجه حمل المطلق على المقيد هنا: أن التيمم من جنس الوضوء؛ لأن كلًّا منهما طهارة، فنُقيِّد هذا بذاك. ثَانيًا: أنَّ القول بالمسح إلى المرفقين ثابتٌ عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن عمر (٢)، وجابر بن عبد الله (٣)، وأبي أُمَامَة (٤)، بألفاظٍ متقاربةٍ أنَّه قال: "التَّيمُّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"، وهذا نصٌّ في المسح إلى المرفقين. وهَذِهِ الأحاديث وإنْ كان في إسنادها مَقالٌ، لكنَّها تَتَقوَّى بما ورد في رواية أبي الجهيم، أن النَّبيَّ ﷺ أقبل من نحو بئر جملٍ، فَلَقيه رجل، فَسلَّم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ حتى أقبل على الجدار، فَمَسح بوجهه

стр. 762

ويديه فرد عليه، هذه رواية "الصَّحيحين" (١)، وفي روايةٍ -وهي صحيحة- قال: وذراعيه (٢). قال الشَّافعيُّ ﵀ (٣): إنَّما عدَلنا عن الأَخْذ بحديث عمارٍ الصَّحيح (٤)؛ لوُجُود أحاديث أُخرى في المسح إلى المرفقين، ولأنَّ المسح إلى المرفقين هو الأشبه بالقرآن. وَأَجَاب أصحابُ القَوْل الثَّانِي: بأنه لا يسلم القول بأن الوضوء والتيمُّم من جنسِ واحدٍ؛ لأن كلًّا منهما طهارةٌ، ولو سلمنا -وهذا غير مسلم- فلم يكَونا نوعًا واحدًا؛ لأن هذا وضوءٌ بالماء، وهذا تيممٌ بالتُّراب، ومن ثَمَّ فلا يصحُّ هنا حَمْل المطلق على المقيد. وَاستدلُّوا على أنَّ الواجب في التيمم هو الكفُّ فقط أن هذا مقتضى لغة العرب، فالعرب إنما تُطْلق اليد على الكف، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والقطع إنما هو يكون من مفصل الكوع باتِّفَاقٍ. وقوله في المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣]، وَالقَطْع إنَّما هو من المفصل أيضًا. وقَوْل النَّبيِّ ﷺ : "إذَا استيقظَ أحدُكم من نَوْمِهِ، فلا يغمس يده في

стр. 763

الإناء … "، الحديث (١)، والمراد باليد هنا الكف. وَقَوْله أيضًا: "إذا أفْضَى أحدُكُم بِيَدِهِ إلى ذَكَره" (٢)، والمراد: الكف، إذًا اليد عند الإطلاق إنما يُرَاد بها الكف … هَذَا أولًا. ثَانيًا: حديث عمار ﵁ أنه كان في سفرٍ، فأجنب، فتمرَّغ في التراب كما تتمرَّغ الدابة، ثم عاد إلى رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال: "إنَّما يكفيك أن تضربَ بيديك الأرض، فتنفغ فيهما، ثم تَمْسح بهما وَجْهَك وكَفَّيك"، وهذا نصٌّ على الكفين (٣). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اشْتِرَاكُ اسْمِ اليَدِ فِي لِسَان العَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ اليَدَ فِي كلَامِ العَرَبِ يُقَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: عَلَى الكَفِّ فَقَطْ، وَهُوَ أَظْهَرُهَا اسْتِعْمَالًا، وَيُقَالُ عَلَى الكَفِّ وَالذِّرَاعِ، وَيُقَالُ: عَلَى الكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَالعَضُدِ). شَرَع المؤلِّف في ذكر أسباب الاختلاف بين الفقهاء في هذه المسألة: السَّببُ الأوَّل: اشتراك اسْم اليَد في لسان العرب، فتُطْلق على الكف إلى مفصل الكوع، وهو الأظهرَ استعمالًا كما ذكر المؤلف، وتطلق على الكف والذراع (أيْ: إلى المِرْفَقِ)، وتُطْلق على الكف والساعد والعضد، أي: إلى المنكب. * قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عَمَّارٍ المَشْهُورَ فِيهِ مِنْ طُرُقِهِ الثَّابِتَةِ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ"، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ﵊: "وَأَنْ تَمْسَحَ بِيَدَيْكَ إِلَى

стр. 764

المَرْفِقَيْنِ". وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَان: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى المِرْفِقَيْنِ"، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ) (١). السبب الثاني الذي يرجع إليه اختلاف العلماء في هذه المسألة: اختلَاف الآثَار (يَعْني: الأحَاديث) الواردَة في ذلك. فمنها: حديث جابر ﵁، وفي بعض طرقه: "وَأَنْ تَمْسَحَ بِيَدَيْكَ إِلَى المَرْفَقَيْنِ" (٢). ومنها: حديث ابن عمر ﵄، وفيه: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَان: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَة لِلْيَدَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ" (٣)، وهو منقول كذلك عن جابر (٤)، وأبي أمامة (٥)، فاحتجَّ الجُمْهُورُ بهذه الأحاديث على ضَعْفها، وأنها تتقوَّى ببعضها، ويشهد لمَا جاء فيها أمران: الأمر الأوَّل: ما جاء في بعض روايات أبي جهيم في غير "الصحيحين" أن النبي ﷺ تَيمَّم، فمسح وَجْهَه وذِرَاعَيه (٦). الأمر الثاني: ما جاء عن عبد الله بن عمر أنه تيمم، فمسح يديه إلى الذراعين (٧)، فكان فعلُهُ على وَفْق روايته.

стр. 765

* قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى تَرْجِيحِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَلَى حَدِيثِ عَمَّارٍ الثَّابِتِ مِنْ جِهَةِ عَضُدِ القِيَاسِ لَهَا: أَعْنِي مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ التَّيَمُّمِ عَلَى الوُضُوءِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ عَدَلُوا بِلَفْظِ اسْمِ اليَدِ عَنِ الكَفِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَظْهَرُ إِلَى الكَفِّ وَالسَّاعِدِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا بِالسَّوَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَدِهِمَا أَظَهَرُ مِنْهُ فِي الثَّانِي، فَقَدْ أَخْطَأَ، فَإِنَّ اليَدَ وَإِنْ كَانَتْ اسْمًا مُشْتَرَكًا، فَهِيَ فِي الكَفِّ حَقِيقَةٌ، وَفيمَا فَوْقَ الكَفِّ مَجَازٌ، وَلَيْسَ كُلُّ اسْمٍ مُشْتَرَكٍ هُوَ مُجْمَل، وإنَّمَا المُشْتَرَكُ المُجْمَلُ الَّذِي وُضِعَ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ مُشْتَرَكًا. وَفِي هَذَا قَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّهُ لا يَصحُّ الاسْتِدْلالُ بِهِ؛ وَيذَلِكَ مَا نَقُولُ: إِنَّ الصَّوَابَ هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الفَرْضَ إِنَّمَا هُوَ الكَفَّانِ فَقَطْ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ اليَدِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي الكَفِّ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الأَجْزَاءِ، أَوْ يَكُونَ دَلالَتُهُ عَلَى سَائِرِ أَجْزَاءِ الذِّرَاعِ وَالعَضُدِ بِالسَّوَاءِ، فَإِنْ كَانَ أَظْهَرَ، فَيَجِبُ المَصِيرُ إِلَى الأخْذِ بِالأَثَرِ الثَّابِتِ، فَأَمَّا أَنْ يُغَلَّبَ القِيَاسُ هَاهُنَا عَلَى الأثَرِ، فَلَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا أَنْ تُرَجَّحَ بِهِ أَيْضًا أَحَادِيثُ لَمْ تَثْبُتْ بَعْدُ، فَالقَوْلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ بَيِّن مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَتَأَمَّلْهُ). رجح الجمهور تلك الأحاديث المشار إليها آنفًا على حديث عمار لعضد القياس لها، وذلك أن الوضوء مقيَّد، والتيمم مطلق، فنحمل المطلق على المقيد … هذا أولًا. وثانيًا: لأن الوضوء أصل، والتيمم بدل، فيأخذ البدل حكم الأصل. وقالوا أيضًا: يقول الله تعالى: لَه ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، وَالمطلوبُ هو مَسْح جميع الوجه إلا ما يكون من الشعر الذي يصعب تخليلُهُ، وكذلك ينبغي أن يكون الأمر في اليدين.

стр. 766

وأجيب: بأن هذا منقوضٌ؛ لأنَّ الوضوءَ فيه غسل الفم والأنف، ولا يطلب في التيمم إدخال التُّراب إلَيْهما، فالصورة -إذًا- مختلفة. قوله: (وَهُوَ بِعَيْنِهِ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ عَدَلُوا بِلَفْظِ اسْمِ اليَدِ عَنِ الكَفِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَظْهَرُ إِلَى الكَفِّ وَالسَّاعِدِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَدِهِمَا أَظَهَرُ مِنْهُ فِي الثَّانِي، فَقَدْ أَخْطَأَ): فيه توسعٌ من المؤلف في المُنَاقشات العقلية، وهذا ليس غريبًا عليه؛ لأنه ممن اشتهروا بالفلسفة، ومع ذلك كانت له عنايةٌ بالدليل كما هو ظاهرٌ من كلامه ﵀. قوله: (فَإِنَّ اليَدَ وَإِنْ كانَتِ اسْمًا مُشْتَرَكا، فَهِيَ فِي الكَفِّ حَقِيقَةٌ، وَفِيمَا فَوْقَ الكَفِّ مَجَاز … ): كأن المؤلِّف يريد أن يقول: عندما تطلق اليد فإنها تشمل الكف والذراع والعضد، فهل هي حقيقةٌ فيها كلها؟ أو أنها حقيقة في بعضها مجاز في البعض الآخر؟ وَالجَوابُ: أنها حقيقة فيها كلها، لكن الأظهر أنها تنصرف إلى الأول. * قوله: (فَيَجِبُ المَصِيرُ إِلَى الأَخْذِ بِالأَثَرِ الثَّابِتِ، فَأَمَّا أَنْ يُغَلَّبَ القِيَاسُ هَاهُنَا عَلَى الأَثَرِ، فَلَا مَعْنًى لَهُ، وَلَا أَنْ تُرَجَّحَ بِهِ أَيْضًا أَحَادِيثُ لَمْ تَثْبُتْ بَعْدُ): هذا تَضْعيفٌ من المؤلف لقول الجمهور، وانتصارٌ لمذهب الحنابلة، وذلك لسَبَبين: الأوَّل: أنَّ اليدَ عندما تُطْلق، فهي أظهر في الكفِّ من غيره. وَالثَّانِي: لأنَّ الحديثَ الذي ورَد في ذلك هو حديثٌ متفقٌ عليه،

стр. 767

وهي قَضيةٌ -أيضًا- عَمليةٌ حصلَتْ لعمارٍ عندما تَمعَّك في التراب (١)، ثم وصف فعل رسول الله ﷺ في كيفية ضربه بيديه، وفي بعضها أنه قال: "إنَّما يكفيك أن تفعلَ ذَلكَ" (٢)، فَهُوَ حافظٌ للأمر؛ لأنه عن طريق القول والتطبيق العمليِّ. فمَذْهب الحنابلة هو الأظهر من حيث الدليل، لكن قول الجمهور أحوط، ولذلك فإنَّ الحنابلَة يرَون أن المسحَ على الذراعين جائزٌ. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الآبَاطِ (٣)، فَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: "تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى المَنَاكِبِ" (٤)، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنْ يُحْمَلَ تِلْكَ الأَحَادِيثُ عَلَى النَّدْبِ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ عَلَى الوُجُوبِ، فَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ إِذْ كَانَ الجَمْعُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ، إِلَّا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الأَحَادِيثُ) (٥). فَهَذا مَيْلٌ من المؤلف إلَّا أن الوارد في حديث عمار هو القدر الواجب، وما تجاوز ذلك، فهو قدر مستحب، وأن هذا هو الأحوط. قوله: (إِلَّا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الأَحَادِيثُ). وسبق أن رواية أبي الجهيم صحيحة، ولتقوَّى مذهب الجمهور بما وَرَد من فعل عبد الله بن عمر ﵄.

стр. 768

* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي عَدَدِ الضَّرَبَاتِ عَلَى الصَّعِيدِ لِلتَيمُّمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَاحِدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ، وَالَّذِينَ قَالُوا اثْنَتَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَهُمُ الجُمْهُورُ، وَإِذَا قُلْتُ: الجُمْهُورَ، فَالفُقَهَاءُ الثَّلَاثَةُ مَعْدُودُونَ (أَعْنِي: مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ضَرْبَتَان لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَعْنِي: لِلْيَدِ ضَرْبَتَافي، وَللْوَجْهِ ضَرْبَتَانِ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ الآيَةَ مُجْمَلَة فِي ذَلِكَ، وَالأَحَادِيثَ مُتَعَارِضَةٌ، وَقِيَاسُ التَّيَمُّمِ عَلَى الوُضُوءِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَالَّذِي فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ الثَّابِتِ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ مَعًا، لَكِنَّ هَاهُنَا أَحَادِيثَ فِيهَا ضَرْبَتَان، فَرَجَّحَ الجُمْهُورُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ لِمَكَانِ قِيَاسِ التَّيَمَّمِ عَلَى الوُضُوءِ). مَذَاهبُ العُلَمَاء فِي عَدَد الضَّربات على الصَّعيد للتيمُّم: ذَهَب الحَنَابلَة (١) إلَى الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ، واستدلُّوا على ذَلكَ بما يَلي: أوَّلًا: قَوْل اللهِ تَعالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٤٣]، وليسَ في الآية ما يدلُّ على أكثر من ضربة واحدة. ثانيًا: حديث عمار ﵁ الذي تقدَّم، وَفيه: "فَضَرب بيديه على الأرض، فَمَسَح بهما وجهه وكَفَّيه" (٢). ثالثًا: احتجُّوا بالقياس، فَقَالوا: أليسَ المتوضِّئ يَكْفيه أن يغسلَ فمَه وأنفه بغرفةٍ واحدةٍ إذا أمكنَه؟ وَكَذلك لَه أن يمسح رأسه وأُذُنيه بِمَاءٍ وَاحِدٍ،

стр. 769

فَكَذلك يُجْزئه في التيمم ضربةٌ واحدةٌ لوجهِهِ وكفَّيه، فالتيمم بدلٌ، والبدلُ يأخذ حُكْم المبدل منه. وَاعْتَرض الجُمْهورُ على مذهب الحنابلة، فَقَالوا: أنتم تقولون يضرب ضربةً واحدةً، فيمسح بها وجهه وكفَّيه، ولا بد في التراب المتيَمم به عندكم أن يكون ذا غبار يعلق باليد، فإذا مسح وجهه، فأين التُّراب المتبقِّي لليدين؟ فَأَجَاب الحَنابلَة عن ذَلكَ: بأن يمسحَ وجهَه بباطن أصابع اليدين، ثمَّ يمسح راحة اليسرى (١) على كفِّ اليمنى، وراحة اليمنى على كفِّ اليسرى، أو يمسحُ وجهه مسحًا خفيفًا، ثم يضغط على يديه يَمْسحهما. قالوا: وإن لم يبق شيءٌ من التراب، فلا مانع أن يضرب ضربة ثانية (٢)، ولو لم تكفِ ضرب ثالثًا، لأن القصد هو إيصال التراب، لكن ليس لَه من الأصل أن يستخدم الثلاث كالحال في الوضوء، وهذا من الفَوَارق التي سنُبيِّنها بين الغسل في الوضوء، والمسح في التيمُّم. وَذَهَب الجمهورُ إلى أنه لا بد من ضربتين، ضربة للوجه، وضربة لليدين (٣)، للأحاديث التي فيها ضربتان كما في قصة أبي الجهيم الحديث

стр. 770

المتفق عليه (١): أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُل فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُول اللهِ ﷺ عَلَيْهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ ويدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. وَفِيهِ أنَّه ضَرَب ضَرْبَتين (٢)، لَكن أجَاب الحَنابلَة بأنَّ هذا يدل على الجواز لا الوُجُوب. وَذَهَب بعض أهل العلم إلى أنه لا بدَّ من ضربتين لكل واحدٍ منهما، فلليد ضربتان، وللوجه ضربتان. وَذَهب جماعةٌ إلى أنه يضرب ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة لليد اليمنى، وضربة لليد اليسرى (٣). مسألة: استحبَّ العلماء أن يضرب بيديه على الأرض مُفرَّجتي الإصبع حتى تحمل ترابًا أكثر، وعلى القول بالمسح إلى الذِّراعين، فإنَّه يبدأ من أصَابع اليد كما في الوضوء، ثم يعمِّم يده بالماء. ويَجُوز أن يبدأ من المرفق وينزل حتى أطراف الأصابع، فالمهمُّ أن يعمم اليد بالماء. تنبيه: لم يتعرض المؤلف ﵀ إلى كيفيَّة الضرب، وهل يضرب بيديه مضمومة الأصابع أو أنه يُفرِّجها؟ والجمهور على أنه يفرجها (٤).

стр. 771

* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ مَعَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي وُجُوبِ تَوْصِيلِ التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاجِبًا وَلَا مَالِكٌ، وَرَأَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَاجِبًا، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي حَرْفِ "مِنْ" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وَذَلِكَ أَنَّ "مِنْ" تَرِدُ لِلتَّبْعِيضِ، وَقَدْ تَرِدُ لِتَمْيِيزِ الجِنْسِ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ، أَوْجَبَ نَقْلَ التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا لِتَمْيِيزِ الجِنْسِ قَالَ: لَيْسَ النَّقْلُ وَاجِبًا. وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا رَجَّحَ حَمْلَهَا عَلَى التَّبْعِيضِ مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ التَّيَمُّمِ عَلَى الوُضُوءِ، وَلَكِنْ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ (١) المُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّ فِيهِ: "ثُمَّ تَنْفُخُ فِيهَا"، وَتيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى الحَائطِ" (٢). اعلم أنَّ الخلاف في هذه المسألة ناشئ عن اختلإف العلماء في تفسير قول الله تعإلى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وأن "من" في ﴿مِنْهُ﴾، هل هي للتبعيض (أي: بشيءٍ من هذا التراب)، أو لبيان الجنس (أيْ: جنس ما يمسح منه وهو الأرض)؟

стр. 772

فَذَهب الشافعيَّة (١)، والحنابلة (٢) إلى أنها للتبعيض، فَيَجب تَوْصيل التراب إلى عضوي التيمم، قياسًا للتيمم على الوضوء، ووجه ذلك: أنَّ في الوضوء غسلًا ومسحًا، ففي المغسولات لا بد من غرف الماء كَمَا في غسل الوجه والمضمضة والاستنشاق وغسل اليدين إلى المرفقين والرِّجلين إلى الكعبين. وَأمَّا الممسوح وهو الرأس، فهو شبيهٌ بالتيمُّم، فيَبل يده بالماء ويمسح رأسه، فلو مسح بدون بللٍ، لا يعتبر ماسحًا، فهذا أصل، والتيمم بدل عنه، فينبغي أن يأخذ حكمه، ولذلك فلَوْ ضَرَب بيَديه الأرض، ثم نفخ فِيهِمَا، فَزَال الترابُ كاملًا، كان لا بد من ضَرْبةٍ أُخرى يعلق فيها ترابٌ بيده؛ لقَوْل النَّبيِّ ﷺ : "فتمسح بهما" (٣)، والمُرَاد إيصال شيءٍ من الأرض، ولا يتحقَّق ذلت إلا بجُزْءٍ من التُّراب، وأمَّا قوله: "ثُمَّ تَنْفخُ فِيهَا" (٤)، فَهو تَخْفيفٌ له. وَذَهب أبو حنيفة (٥)، وَمَالك (٦) إلى أنَّها للجنس، فلا يَجب تَوْصيل التراب إلى عضوي التيمم، وعَضَّدوا مَذْهبَهم بما يلي:

стр. 773

أوَّلًا: بفعل. النَّبيِّ ﷺ ، حيث تَيمَّم على الجدار، وَجَاء هذا من حديث ابن عمر (١)، وأبي الجهيم ﵄ (٢). وَالظَّاهر أن المرادَ بالجدار: ما كان به ترابٌ؛ لأنَّ بُيُوتهم وجدرانهم كانت من الطين، وعادةًا لجدار إنما يعلق به شيءٌ من التراب. ثانيًا: بمفهوم قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وهو ما صَعد على الأرض. ثَالثًا: بما جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ، قَالَ ﷺ : "ثمَّ تنفخ فيهما" (٣)، والنفخ إزالة للغبار. * قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الاخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ وَوُجُوبِ الفَوْرِ فِيهِ هُوَ بِعَيْنِهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ، وَأَسْبَابُ الخِلَافِ هُنَاكَ هِيَ أَسْبَابُهُ هُنَا، فَلَا مَعْنَى لإِعَادَتِهِ). مر بنا في مسائل الوضوء مسألتا الترتيب والفور (أي: المُوَالَاة)، وأنَّ الحنابلة (٤)، والمالكية في المشهور عنهم أوجبوا الموالاة (٥)، خلافًا للحنفية (٦)، والشافعية (٧).

стр. 774

وَأمَّا التَّرتيبُ، فإنه وَاجبٌ عند الشافعيَّة (١)، والحنابلة في المشهور عنهم (٢)، وأنَّ اختلَافهم هذا هو بعينه هنا في التيمم، فأَوْجَب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) الترتيب بين عضوي التيمم، بَلْ هو آكد عندهم، فيبدأ بالوجه ثمَّ اليدين، سواءً كان تيممه عن حَدَثٍ أصغر، أَوْ عن حَدَثٍ أكبَر، وهناك خلافٌ تفصيليٌّ في المذاهب. قَوْله: (وَأَسْبَابُ الخِلَافِ هُنَالِكَ هِيَ أَسْبَابُهُ هُنَا، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ): وَمِنْهَا أنَّ الصَّحابَةَ الَّذين نقلوا لنا وضُوءَ رَسُول الله ﷺ ما نَقَلوه إلَّا مُرتَّبًا (٥)، وكذلك الأمر بالنسبة للتيمم، كلُّ الأحاديث التي وردت إنما فيها أنه مَسَح وجهه ويديه، أؤ قال: "إنما يكفيك أن تمسحَ بِهِما وجهك وكَفَّيك" (٦)، وفي بعضها: "تضرب بيَدَيك على الأرض، ثمَّ تنفخ فيهما، فتَمْسح بِهِما وَجْهك وكفَّيك" (٧). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 775

(الباب الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة وَفيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا بِتُرَابِ الحَرْثِ الطَّيِّب، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ فِعْلِهَا بِمَا عَدَا التُّرَابَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ المُتَوَلًّدَةِ عَنْهَا كَالحِجَارَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِالتُّرَابِ الخَالِصِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُلِّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا فِي المَشْهُورِ عَنْهُ: الحَصَى وَالرَّمْلِ وَالتُّرَابِ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ: وَبِكُلِّ مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الأَرْضِ مِنِ الحِجَارَةِ مِثْلَ النَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ وَالجَصِّ، وَالطِّينِ، وَالرُّخَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَهُمُ الجُمْهُورُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَتَيَمَّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللُّبَدِ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَان، أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاكُ اسْمِ الصَّعِيدِ فِي لِسَانٍ العَرَبِ، فَإِنَّهُ مَرَّةً يُطْلَقُ عَلَى التُّرَابِ الخَالِصِ، وَمَرَّةً يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الأَرْضِ الظَّاهِرَةِ، حَتَّى إِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ حَمَلَهُمْ دَلَالَةُ اشْتِقَاقِ هَذَا الاسْمِ (أَعْنِي: الصَّعِيدَ) أَنْ يجِيزُوا فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُمُ التَّيَمُّمَ عَلَى الحَشِيشِ، وَعَلَى الثَّلْجِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَعِيدًا فِي أَصْلِ التَّسْمِيَةِ (أَعْنِي: مِنْ جِهَةِ صُعُودِهِ عَلَى الأَرْضِ)، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: إِطْلَاقُ اسْمِ الأَرْضِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وَتَقْيِيدُهَا بِالتُّرَابِ فِي بَعْضِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (١)، فَإِنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "جُعِلَتْ
следующие страницы →