← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

" قول: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ هَذَا البَيْع، فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ فَاسِدٌ (١)). وهي رواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). " قول: (وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالعَيْب، وَالمُشْتَرِي بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ أَمْسَكَ) (٣). وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (٤). " قول: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦): وإِنْ وَقَعَ أَثِمَ، وَجَازَ البَيْعُ).

стр. 7107

يعني: أنَّ الناجشَ يأثم بهذا العمل، وإن شاركه البائع في ذلك فهو شريك له في الإثم، ولكنْ يكون البيع صحيحًا، وهذا مذهب الجمهور. * قولُهُ: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ يَتَضَمَّنُ النَّهْيُ فَسَادَ المَنْهِيِّ؟ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الشَّيْءِ بَلْ مِنْ خَارِجٍ). يعني: هل النهي يكون مُنصبًّا على العقد لذاته، أو يتَّجه إلى أمرٍ خارج عن العقد؟ ولا شك أنَّ النهي هنا يتعلَّق بأمر خارج عن العقد، وإن كان له علاقة به. وهذا شبيه بمسألة من غَصَب دارًا وصلَّى فيها، أو ثوبًا، فهل تكون صلاته صحيحة؟ جمهور العلماء على أن صلاتَه صحيحة؛ لأن الجهة منفكة؛ إذ النَّهي اتَّجه إلى ما هو مُتلبِّس به من الغصب (١). * قولُهُ: (فَمَنْ قَالَ: يَتَضَمَّنُ فَسْخَ البَيْعِ لَمْ يُجِزْهُ؛ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ يَتَضَمَّنُ أَجَازَهُ. وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِذَا وَرَدَ لِمَعْنًى فِي المَنْهِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الفَسَادَ مِثْلَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبَا وَالغَرَرِ). إذا ورد لأمر في المنهي عنه كالنهيِّ عن الرِّبا، كما جاءت بذلك الأدلَّة من الكتاب والسُّنة، فهذا لا شكَّ بأنه محرَّم بل عدَّه رسولُ الله ﷺ من الموبقات السبع. وأما إذا كان لا يتَّجه إلى ذات المنهيِّ عنه، وإنَّما يتَّجه إلى أمر آخر فحينئذٍ يقعُ الخلافُ في هذه المسألة، لذلك قال:

стр. 7108

(وَإِذَا وَرَدَ الأَمْرُ مِنْ خَارجٍ لَمْ يَتَضَمَّنِ الفَسَادَ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا البَابِ نَهْيُهُ ﵊ عَنْ بَيْعِ المَاءِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: "إِنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ" (١)). هنا أمران: بيع الماء، وبيع فضل الماء، أورد المؤلفُ بعضًا من الأحاديث الواردة في بيع الماءِ، وأكثر الأحاديث تتضمن النهي عن بيع فضل الماء. وقد جاءت الأحاديث بروايات متعددة منها ما جاء في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يُمْنَعُ الْمَاءُ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ" (٢)، وفي روايةٍ للبخاري: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلأِ" (٣)، والرِّوايتان ملتقيتان من حيثُ المعنى. فهل يجوز للإنسان أن يبيع الماء؛ كأن يقف على جانب نهر أو على عينٍ من العيون أو على بئرٍ من الآبار أو على غدير أو نحو ذلك فيبيع الماء؟ نصَّ كثيرٌ من العلماء (٤) على أنَّه لا يجوز للإنسان أن يبيع الماء العِدّ (٥)؛

стр. 7109

وهو الماء الدائم الذي لا انقطاع له، مثل ماء العين وماء البئر، كذلك لا يجوز له أن يبيع نقع الماء الذي يكون بجوار البئر أو الغدير. وألحقُوا بذلك ما يتعلَّق بالكلإ (١)، فالكلأُ الذي في الأرض ليس له أن يمنعه ولا أن يبيعه إلا إذا أدخَله إلى حوزته، فلو أنَّ إنسانًا حمل ماءً في إناء أو في قِربته أو سيَّارته أو أدخله منزلَه أصبح هذا الماءُ مِلكًا له. حينئذٍ تختلف الصورة فله أن يبيعه (٢). وهناك من العلماء (٣) - وهم قلَّة - من منع بيع الماء مطلقًا، واستدلُّوا بقول الرسول ﷺ : "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي المَاءِ وَالكَلأِ وَالنَّارِ" (٤)، في بعض الرِّوايات أيضًا: "الحطب"، وسُئِلَ رسول الله ﷺ عن الذي لا يجوز للإنسان أن يبيعه؟ فقال الرسول ﷺ : "الْمَاءُ"، ثم سأل السائل عما لا يجوز للإنسان أن يبيعه؟ فقال ﷺ : "الْمِلْحُ" (٥)، فالماءُ نعمة من نِعم الله أسداها إلى عباده، لا يستغني عنه كائن حيٌّ في هذه الحياة، بل أصبح الماء لا يُستغنى عنه في الصناعات، ولو مشيت بسيارتك بدون الماء ما استطعت أن تسير بها، ولو سرت بها لأدَّى ذلك إلى فسادها. تنبيهٌ: وفي هذا تحذير للمسلم أن يمنع فضل الماء الزائد عنده عن أخيه،

стр. 7110

كذلك من أشدِّ ما ورد في ذلك قولُهُ ﷺ : "ثَلَاثَة لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُل حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أُعْطِيَ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَرَجُل مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ ﵎: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" (١)، ومحل الشاهد قولُهُ ﷺ : "وَرَجُل مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ ﵎: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ"، وهذا تهديدٌ شديدٌ، ووعيد أكيد بأنَّ الله سيحاسب من يمنع فضل الماء من المحتاج إليه، فسيمنع اللهُ عنه فضله يوم القيامة، في يوم هو أشد ما يكون إلى فضل الله وإلى عفوه وإلى مغفرته أحوج. * قولُهُ: (وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ المَاءِ (٢)، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ" (٣)، وَقَالَ: لَا يُمْنَعُ وَهُوَ بِئرٌ وَلَا بَيْعُ مَاءٍ" (٤)). ومعنى: "نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ"؛ لأنه إذا منع الماء الكلأ يحتاج إلى ماء ليستقِيَ منه وليرتوي به، فإذا وجد الماء ثُمَّ بعد ذلك أطلق على الأرض حين إذن ينبت العشب والكلأ، ولذلك جاء في بعض الراويات النهيُ عن ذلك حتى لا "يَجُوع الْعِيَالُ" (٥). * قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا النَّهْيِ، فَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ عَلَى عُمُومِهِ، فَقَالُوا: لَا يَحِلُّ بَيْعُ المَاءِ بِحَالٍ كانَ مِنْ بِئْرٍ،

стр. 7111

أَوْ غَدِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ فِي أَرْضٍ مُمَلَّكَةٍ، أَوْ غَيْرِ مُمَلَّكَةٍ) (١). المراد بالنَّقع: الماء الذي يتجمَّع حول البئر، فقبل أن يُحازَ يُصبح في الحكم كماء البئرِ، ولذلك يقول العلماءُ لو أن إنسانًا باعَ أرضًا وفيها ماء أو فيها عُشب، فهل الماء والعشب تابع للمشتري أو للبائع؟ هذا يرجع إلى الخلاف في المسألة، فمن قال بأن الماء والكلأ لا يُباعان حينئِذٍ لا يدخل في ملك المشتري، ومن قال بأنهما يُباعان فيدخل عندهم في ملكه. ويعني بقوله: (مُمَلَّكَةٍ، أَوْ كَيْرِ مُمَلَّكَةٍ)؛ أي: مملوكة أو غير مملوكة. * قولُهُ: (غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَمَلَّكًا كَانَ أَحَقَّ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ مِنْهُ (٢)، وَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَرْبَعٌ لَا أَرَى أَنْ يُمْنَعْنَ: المَاء، وَالنَّار، وَالحَطَب، وَالكَلأُ (٣)). وقد ورد في قصة الزبير: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنَ الحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اسْقِ يَا زُبَيْر، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ"، فأمره النبيُّ ﷺ أن يسقي منه، ثُمَّ يُرسله (٤).

стр. 7112

ولأنه ورد في ذلك أحاديث ذكرنا بعضها؛ كقوله ﷺ : "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي المَاءِ وَالكَلأِ وَالنَّارِ" (١). ولقد أساء أولئك القوم الذين قالوا: هذا دليل على الاشتراكية، وأخذوا به ودندنوا، وهذا في الحقيقة لعدم فهمهم لسُنَّة رسول الله ﷺ ، فالاشتراكيَّة هي أن تستولي على حقوق الناسِ وعلى أموالهم. وسيأتي الحديثُ القادم - بعد هذا - ليُبطل هذا القول. وأنت ترى - بحمد الله - أن ذلك المنهج قد فشل؛ لأنَّ حقيقةَ كُلِّ منهج يأتي على غير منهج هذه الشريعة - وبخاصَّة إذا أخذ به من ينتسبون إلى الإسلام - فمصيره طال الزمان أو قَصُر إنما هو الفشل أيضًا. * قولُهُ: (وَبَعْضُهُمْ خَصَّصَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ بِمُعَارَضَةِ الأُصُولِ لَهَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ أَحَدٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْه، كَمَا قَالَ ﵊، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ (٢)). هذا حديثٌ صحيح يقول الرسول ﷺ فيه: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (٣). إذًا: لا يجوزُ لأحدٍ أن يعتديَ على مالِ غيرِه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. * قولُهُ: (وَالَّذِينَ خَصَّصُوا هَذَا المَعْنَى، اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ تَخْصِيصِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ البِئْرَ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، يَسْقِي

стр. 7113

هَذَا يَوْمًا، فَيَرْوِي زَرْعَ أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِ يَوْمِهِ، وَلَا يَرْوِي فِي اليَوْمِ الَّذِي لِشَرِيكِهِ زَرْعَه، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يَمْنَعَ شَرِيكَهُ مِنَ المَاءِ بَقِيَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ) (١). هذه من التفسيرات التي ذكرها العلماء: بئرٌ تكون بين اثنين - وقد أدركتُ البئرَ فكانت تُحفَر في البيوت فتسقي في جهةٍ لأهل هذا البيت، وفي جِهة أهل البيت الآخر، وربما هذه المزرعة وهذه المزرعة - فهذا يستقي يومًا وهذا يستقي يومًا، وربما هذا لا يحتاج إلى السقي، فلماذا يمنع جارَه من أن يسقي ذلك اليوم المستغني فيه عن السقي؟! وبعضهم فسَّر الحديثَ بهذا المعنى. * قولُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَزْرَعُ عَلَى مَائِهِ، فَتَنْهَارُ بِئْرُهُ وَيجَارِهِ فَضْلُ مَاءٍ أَنَّهُ لَيْسَ لِجَارِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ فَضْلَ مَائِهِ إِلَى أَنْ يُصْلِحَ بِئْرَه، وَالتَّأوِيلَانِ قَرِيبَانِ). وهذا فيه شيءٌ من التعاون على الخير، وعلى البر والتقوى؛ فكيف ترضى نفسُ المسلمَ أن يرى فسادَ بئر جاره، وموتَ زرعِه، وهلاكَ ماشيته وعنده فضل ماء؟! فهذا ليس من الشِّيم الكريمة، فكيف يكون من آداب الإسلام وأحكامه؟ * قولُهُ: (وَوَجْهُ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا المُطْلَقَ فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ

стр. 7114

عَلَى المُقَيَّدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ المَاءِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نَهَى عَنْ مَنْعِ فَضْلِ المَاءِ، فَحَمَلُوا المُطْلَقَ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَقَالُوا: الفَضْلُ هُوَ المَمْنُوعُ فِي الحَدِيثَيْنِ). مرادُ المؤلِّف ﵀، أنه قد جاءت روايتان: الأولى: فيها نهيٌ عن بيع الماء مطلقًا. والثانية: فيها نهيٌ عن فضلِ الماء مقيَّدة، فحَمَل أصحابُ هذا القول المطلقَ؛ الذي جاء بالنهي عن بيع الماء مطلقًا، على المقيَّد؛ الذي جاء بالنهي عن فضل الماء. وهذا هو الأَوْلى. * قولُهُ: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَأَصْلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ المَاءَ مَتَى كَانَ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ مَنِيعَةٍ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الأَرْضِ لَهُ بَيْعُهُ وَمَنْعُه، إِلَّا أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَيُخَافُ عَلَيْهِمُ الهَلَاكَ، وَحَمَلَ الحَدِيثَ عَلَى آبَارِ الصَّحْرَاءِ الَّتِي تُتَّخَذُ فِي الأَرَضِينَ الغَيْرِ مُتَمَلَّكَةٍ، فَرَأَى أَنَّ صَاحِبَهَا - أَعْنِي: الَّذِي حَفَرَهَا - أَوْلَى بِهَا، فَإِذَا رَوَتْ مَاشِيَتُهُ تَرَكَ الفَضْلَ لِلنَّاسِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ البِئْرَ لَا تتمَلَّكُ بِالإِحْيَاءِ) (١). يعني: لو أنَّ إنسانًا احتاج إلى الماء فمنعَه، فإنَّ هذا لا يجوز، بل يجب عليه أن يدفعه إيَّاه، وله بعد ذلك أن يُطالبَه بالقيمة إذا احتاج، لا سيَّما إذا كان يُخشى عليه من الهلاكِ فيجب أن يُقدِّم له الماء.

стр. 7115

[حكمُ التفرقة بين الوالدة وولدها في البيع] * قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا البَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ التَّفْرِقَةِ فِي المَبِيعِ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا، لِثُبُوتِ قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ"). يقول المؤلِّف ﵀ أنَّ ممَّا يُلحق بهذا الباب التفريقُ بين الوالدة وولدها، وهذه مسألة مهمّة جدًّا، وقد اختلف فيهَا العلماء، وقد جاء في الحديث الذي أورده المؤلف: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وهذا حديث حسنٌ رواه الترمذي (١)، وغيره (٢)، وحسَّنه العلماء (٣)، وفيه كلام لبعضهم (٤)، ولكن له عدَّة طرق. بقيت مسألتان، لذلك قال المؤلف ﵀: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي وَقْتِ جَوَازِ التَّفْرِقَةِ، وَفِي حُكْمِ البَيْعِ إِذَا وَقَعَ، فَأَمَّا حُكْمُ البَيْعِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْسَخُ، وَأَثِمَ البَائِعُ وَالمُشْتَرِي). المسألةُ الأولى: لو حصل هذا البيع فما الحكم؟ أي: لو تمَّ العقد فهل يَفسد أو لا؟

стр. 7116

المالكيةُ: يرون بطلان البيع (١). والحنفية (٢)، والشافعية (٣): يرون صحَّته؛ لأنهم يرون أن النهيَ يتوجَّه إلى نفس التفريق، ولا يتوجه إلى العقد، بل إلى أمر زائد؛ وهي تلكم الرحمة والعطف الموجود (٤). * قال: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ النَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ المَنْهِيِّ إِذَا كَانَ لِعِلَّةٍ مِنْ خَارجٍ؟ وَأَمَّا الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَقِلُ فِيهِ المَنْعُ إِلَى الجَوَازِ فَقَالَ مَالِكٌ: حَدُّ ذَلِكَ الإِثْغَار، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدُّ ذَلِكَ سَبْعُ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: حَدُّهُ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا نَفَعَ نَفْسَهُ وَاسْتَغْنَى فِي حَيَاتِهِ عَنْ أُمِّهِ). المسألة الثانية: هل هذا على إطلاقه أو أن هناك سِنًّا محدَّدة؟ اختلف العلماء في ذلك: فالإمام مالك ﵀ يرى أنَّ حدَّ الوقت الذي يُنتقَلُ فيه من عدم جواز التفريق إلى الجواز هو الإثغار (٥).

стр. 7117

و"الإثغار": هو سقوطُ سنِّ البهيمة ثم نباتها ثانيةً (١). والشافعية: حدُّوا ذلك بسبع سنين ويجوز التفريق فيما فوقها التفريق (٢). والأوزاعيُّ: حدَّه بما فوق عشر سنين (٣). وأما الحنابلة: فحدُّوا ذلك بسنِّ البلوغ (٤). وأبو حنيفة: قال له أن يبيع أحدهما؛ لأن الملك متفرق فلا يتناوله النهي عن التفريق (٥).

стр. 7118

* قولُهُ: (وَيَلْحَقُ بِهَذَا البَابِ إِذَا وَقَعَ فِي البَيْعِ غَبْنٌ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ هَلْ يَفْسَخُ البَيْعَ أَمْ لَا؟). بعض العلماء يرى أنه إذا وجد غبنًا زائدًا فسخَ البيعَ (١)، وبعضه لا يرى ذلك (٢). * قولُهُ: (فَالمَشْهُورُ فِي المَذْهَبِ أَنْ لَا يُفْسَخَ (٣). وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ: إِذَا كَانَ فَوْقَ الثُّلُثِ رُدَّ، وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٤)). واعتبارهم الثُّلثَ؛ لكونه معتبرًا في أمور أخرى في الشريعة؛ كقوله ﷺ إذا أرسل من يخرس النخل: "إِذَا خَرَسْتُمْ فَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ

стр. 7119

تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ" (١)، وكذلك قال في الوصيَّة: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٢). * قولُهُ: (وَجَعْلُهُ ﵊ الخِيَارَ لِصَاحِبِ الجَلَبِ إِذَا تُلِقِّي خَارجَ المِصْرِ، دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الغَبْنِ، وَكَذَلِكَ مَا جَعَلَ لِمُنْقِذِ بْنِ حِبَّانَ مِنَ الخِيَارِ ثَلَاثًا، لمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُغْبَنُ فِي البُيُوعِ، وَرَأَى قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ الأَوَلِ: أَنَّ حُكْمَ الوَالِدِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الوَالِدَةِ، وَقَوْمٌ رَأَوْا ذَلِكَ فِي الإِخْوَةِ). عَكَسَ المؤلِّف ﵀ الاسم، والصواب: "حَبَّانُ بْن مُنْقِذ" (٣)، وهذا هو الرَّجل الذي شكا إلى رسول الله ﷺ أنَّه يُخدع في البيوع. وبعضهم علَّل بأن في عقلِه شيئًا؛ فقال له رسول الله ﷺ : "إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ" (٤)؛ أي: لا خَدِيعة، يعني بذلك: أن يضعَ هذا شرطًا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ السَّادِسُ فِي النَّهْي مِنْ قِبَلِ وَقتِ العِبَادَاتِ) هذا بابٌ موجَز يتعلق بالنهي بسبب أوقات العبادة؛ أي: كالذي لو تلبستَ به لشغلك عن طاعة الله، وأكثر الفقهاء يبحثون مثل هذه المسألة في صلاة الجمعة؛ لعلاقتها بالجمعة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].

стр. 7120

وهذا الباب يدخل تحته عدة مسائل، ونظرًا لأهميتها سنشير إليها بإيجاز: أولًا: ما المراد بالنداء الذي جاء ذكره في قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؟ فهل هو الأذان الأول - الذي وضعه عُثمان - أم هو الأذان الثاني؟ ويوضِّح ذلك الحديث الذي أخرجه البخاريُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: "كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁، وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاء الثَّالِث عَلَى الزَّوْرَاءِ" (١). و"الزوراء": دار عالية بسوق المدينة، كان يُؤذَّن عليها. و"النداء الثالث": وسمي ثالثًا؛ لأنه مزيد على الأذان بين يدي الإمام، والإقامة للصلاة. فما حكم البيع إذا جلس الإمام على المنبر ونودي لصلاة الجمعة؟ ولو تم ذلك البيع فهل يكون فاسدًا؟ وهل هذا خاص بالبيع أو تدخل تحته العقود الأخرى التي تُشغِل عن الصلاة؟ وهل هذا الحكم يَخُصُّ صلاة الجمعة أو تُلحَق بها الصلوات الأخرى التي قد تشغل عنها مثل هذه البيوع؟ وهل المنع يختص بمن يجب عليه السعي فلا يشمل غيره؛ كالمريض والمسافر والصبي والمرأة؟ لأن هؤلاء قد استثنوا؛ كما جاء في حديث طارق بن شهاب: "صَلَاةُ الْجُمُعَةِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أُرْبَع: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوِ

стр. 7121

امْرَأَةٌ، أَوْ مَرِيضٌ" (١)، وفي بعض الروايات: "أَوْ مُسَافِرٌ" (٢). وفي بعضَها: "إِلَّا خَمْسَةٌ" (٣)، وذكر الكُلَّ معًا. وذكر العلماءُ رحمهم الله تعالى أنه لو كان إنسان في بلدة ولم يوجد العدد الذي تنعقد بهم الجمعة وباع يكون بيعه صحيحًا ولا إثم عليه. هذه المسائل عرضتها؛ لأنَّ المؤلِّف سيشير إلى شيء منها. * قال: (وَذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ فِي وَقْتِ وُجُوبِ المَشْيِ إِلَى الجُمُعَةِ فَقَطْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]). إذًا: النهي يتعلَّق بالأذان الثاني، الذي يُحدَّد بجلوس الإمام على المنبر. * قال: (وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَحْسَب، - أَعْنِي: مَنْعَ البَيْعِ عِنْدَ الأَذَانِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ) (٤).

стр. 7122

(هذا أمرٌ مجمع عليه) كما ذكر المؤلف ﵀؛ لكنَّ الخلاف بين العلماء فيما لو حصل البيع، هل يفسد أم لا؟ لذا قال ﵀: * قولُهُ: (وَاختَلَفُوا فِي حُكْمِهِ إِذَا وَقَعَ هَلْ يُفْسَخُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ فُسِخَ فَعَلَى مَنْ يُفْسَخُ؟ وَهَلْ يَلْحَقُ سَائِرُ العُقُودِ فِي هَذَا المَعْنَى بِالبَيْعِ أَمْ لَا يَلْحَقُ؟). فهل يجوز عقد النكاح بعد النداء الثاني إذا جلس الإمام؟ وهل يجوز أن تصلح بين خصمين؟ وهل يجوز أن تؤجِّر دارًا أو حانوتًا؟ وهل لك أن تهب؟ إلى غير ذلك من العقود الأخرى؟ وأكثر العلماء على أن العقود الأخرى جائزة، وأن المنع خاصّ بالبيع، لأنَّ وقوعها نادرٌ، وتعليلهم وجيه في هذه المسألة. * قولُهُ: (فَالمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ يُفْسَخُ) (١). وهي كذلك رواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢).

стр. 7123

* قولُهُ: (وَقَدْ قِيلَ: لَا يُفْسَخ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢)). وكذلك أحمد في الرواية الأخرى (٣) وهي أيضًا رواية عن مالك (٤). * قولُهُ: (وَسَبَبُ الخِلَافِ كمَا قُلْنَا غَيْرَ مَا مَرَّةٍ هَلِ النَّهْيُ الوَارِدُ لِسَبَبٍ مِنْ خَارجٍ يَقْتَضِي فَسَادَ المَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ؟). والنهي لا يتوجَّه إلى ذات البيع، لأن البيع إذا توفرت أركانه وتمت شروطه أصبح صحيحًا، لكن وجد أمر عارض هو الذي تسبب في عدم جواز البيع، وهو أن هذا البيع سيشغل المسلم عن صلاة الجمعة. والله قد أثنى على عباده المؤمنين الذين لا يشغلهم الصفق في الأسواق، ولا البيع ولا التجارة ولا الربح عن بيوت الله ، أو الصلاة؛ كما قال تعالى في سورة النور [٣٦ - ٣٨]: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ

стр. 7124

وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾. وهذا فضل عظيم من الله ، وهؤلاء موجودون في كلِّ زمان ومكان، هؤلاء الذين لا تشغلهم الحياة الدنيا عن الآخرة، لا يتعلقون بأهداف فانية ويتركون الباقية، بل قلوبهم معلقة بالله، في ليلهم ونهارهم، يتقلبون على جنوبهم، ويذكرون الله ، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. * قولُهُ: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ يُفْسَخُ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَنْ تجِبْ عَلَيْهِ الجُمُعَةُ لَا عَلَى مَنْ لَا تجِبُ عَلَيْهِ) (١). فهل لو وقع البيعُ من امرأة أو صبي أو مسافر - وهؤلاء لا تجب عليهم الجمعة - يكون البيع صحيحًا؟ والجواب: نعم؛ لأنه جاء في حديث طارق بن شهاب - الذي ذكرناه

стр. 7125

آنفًا - "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أَرْبَعَة عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ" (١)، فهؤلاء يُستثنون، فَلو تمَّ العقد بين اثنين، أحدهما: تجب عليه الجمعة، والآخر: لا تجب عليه، فلا يحرَّمُ في حقِّ من تجب عليه، ويكره في حق من لا تجب عليه؛ لأنه أعان غيره على الإثم والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. * قولُهُ: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَتَقْتَضِي أُصُولُهُمْ أَنْ يُفْسَخَ عَلَى كُلِّ بَائِعٍ) (٢). وهي رواية عن الإمام أحمد ﵀ (٣). * قولُهُ: (وَأَمَّا سَائِرُ العُقُودِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْحَقَ بِالبُيُوعِ، لِأَنَّ فِيهَا المَعْنَى الَّذِي فِي البَيْعِ مِنَ الشُّغْلِ بِهِ، لِأَنَّهَا تَقَعُ فِي هَذَا الوَقْتِ نَادِرًا بِخِلَافِ البُيُوعِ).

стр. 7126

وهذا رأيُ قليلٍ من أهل العلم (١). أما الجمهور فيفرِّقون (٢). * قولُهُ: (وَأَمَّا سَائِرُ الصلَوَاتِ فَيُمْكِنُ أَنْ تَلْحَقَ بِالجُمُعَةِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِمُرْتَقِبِ الوَقْتِ). سائر الصلوات لم يرد فيها نصٌّ يتعلَّق بالنهي عن البيع، ولكنَّ الصلاة واجبة في جماعة، وليس للمسلم أن ينشغل عنها بأيِّ أمرٍ من الأمور، وكل أمر يشغله عن الصلاة لا شكَّ أنه يأثم به؛ لذلك قال المؤلف ﵀: * قولُهُ: (فَإِذَا فَاتَ فَعَلَى جِهَةِ الحَظْرِ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ

стр. 7127

فِي مَبْلَغِ عِلْمِي، وَلِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ تَارِكِي البُيُوعِ لِمَكَانِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾. ففي هذه الآية أثنى اللهُ على عباده المؤمنين الذين يتسابقون إلى فعل الخيراتِ وإلى البِرِّ والطاعات، وخاصةً ما يتعلَّقُ بأداء الصلوات. * قولُهُ: (وَإِذْ قَدْ أُثْبِتَتْ أَسْبَابُ الفَسَادِ العَامَّةِ لِلْبُيُوعِ فَلْنَصِرْ إِلَى ذِكْرِ الأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ المُصَحّحَةِ لَه، وَهُوَ القِسْمُ الثَّانِي مِنَ النَّظَرِ العَامِّ فِي البُيُوعِ). بعد أن بيَّن المؤلف ﵀ البيوعَ غير الصحيحة، سيبيِّن لنا بأن أكثر البيوع صحيحة، وأنها إذا خَلَت من الموانع فإنَّ الأصل فيها الصِّحَّة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 7128

[الجُزْءُ الثَّالِثُ: أَسْبَابُ الصِّحَّةِ فِي البُيُوعِ المُطْلَقَةِ] [البَابُ الأوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ البَيْع وَالشِّرَاءِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (القِسْمُ الثَّانِي: وَالأَسْبَابُ وَالشُّرُوطُ المُصَحِّحَةُ لِلْبَيْعِ هِيَ بِالجُمْلَةِ ضِدُّ الأَسْبَابِ المُفْسِدَةِ لَه، وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ، النَّظَرُ الأَوَّلُ: فِي العَقْدِ. وَالثَّانِي: فِي المَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: فِي العَاقِدَيْنِ، فَفِي هَذَا القِسْمِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ). أَرْكَانُ البيعِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا حَقِيقَتهُ ثَلاثَةٌ: الأول: العقد، وهو الصِّيغَة، الإيجاب والقبول، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الرِّضا، مِنْ قَوْلٍ أَوْ فعل أو إشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ مِنْ الجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، كما سيبين. الثاني: الَمَعْقُودُ عَلَيْهِ، مِنْ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ. وَالثَّالِثُ: العَاقدانِ، وهما البَائِع وَالمُشتَري. * * *

стр. 7129

[البَابُ الأَوَّلُ: فِي العَقْدِ] * قولُهُ: (وَالعَقْدُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِأَلْفَاظِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ الَّتِي صِيغَتُهَا مَاضِيَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ البَائِعُ: قَدْ بِعْتُ مِنْكَ، وَيَقُولُ المُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ، وَإِذَا قَالَ لَهُ: بِعْنِي سِلْعَتَكَ بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: قَدْ بِعْتُهَا. فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ البَيْعَ قَدْ وَقَعَ، وَقَدْ لَزِمَ المُسْتَفْهِمَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي ذَلِكَ بِعُذْرٍ (١)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ البَيْعُ حَتَّى يَقُولَ المُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْت، وَكذَلِكَ إِذَا قَالَ المُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: بِكَمْ تَبِيعُ سِلْعَتَكَ؟ فَيَقُولُ لِلْمُشْتَرِي بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ. اخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُ البَيْعُ أَمْ لَا حَتَّى يَقُولَ: قَدْ بِعْتُهَا مِنْكَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقَعُ البَيْعُ بِالأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ وَبِالكِنَايَةِ، وَلَا أَذْكُرُ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، وَلَا يَكْفِي عِنْدَ الشَّافِعِيُّ المُعَاطَاةُ دُونَ قَوْلٍ). بدأ المؤلِّف ﵀ بالكلام على العقد لقلَّة الكلام عليه، وينعقد البيع بما يدلُّ عليه، وله صيغتان: صيغة قولية، وصيغة فعلية. الصيغة القولية: وهي الإيجابُ والقبول؛ مثل أن يقول: بعتك هذا الشَّيء، أعطيتك هذا الشيء، ملَّكتك هذا الشيء. فالمهمُّ أنه ليس هناك لفظ معيَّن ينعقد به البيع، فأي لفظٍ يدل عليه فإنه ينعقد به.

стр. 7130

والصيغة الفعلية المعاطاة، وهي أن يعطي كل واحد الثاني بدون قول، وهو صحيح عند الجمهور (١)، خلافًا للشافعي (٢)، فإنه قال: لا ينعقد إلا بصيغة، وهذا أيضًا قول أهل الظاهر (٣). * قولُهُ: (وَلَا خِلَافَ فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّ الإيجَابَ وَالقَبُولَ المُؤَثِّرَيْنِ فِي اللُّزُومِ لَا يَتَرَاخَى أَحَدُهُمَا عَنِ الثَّانِي حَتَّى يَفْتَرِقَ المَجْلِس، (أَعْنِي:

стр. 7131

أَنَّهُ مَتَى قَالَ للْبَائِعِ: قَدْ بِعْتُ سِلْعَتِي بِكَذَا وَكَذَا فَسَكَتَ المُشْتَرِي، وَلَمْ يَقْبَلِ البَيْعَ حَتَّى افْتَرَقَا، ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ البَائِعَ". ذكر هنا ﵀ اتِّفاق العلماء على أن الإيجاب والقبول المؤثرين في صحَّة البيع يشترط فيهما عدم التراخي حتى يفترق المجلس، أو يتشاغلا عنه بما يقطعه عرفًا (١). والإيجاب: إثْبَاتُ الفِعْلِ الخَاصِّ، وَالدَّال عَلَى الرِّضَا الوَاقِعِ أَوَّلًا

стр. 7132

سَوَاءٌ وَقَعَ مِنْ البَائِعِ أَوْ مِنْ المُشْتَرِي؛ كَأَنْ يَبْتَدِئَ المُشْتَرِي فَيَقُولَ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ هَذَا بِأَلْفٍ. وَالقَبُولُ: الفِعْلُ الثَّانِي، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِثهُمَا إيجَابٌ، أَيْ: إثْبَاتٌ فَسَمَّى الثَّانِيَ بالقَبُولِ تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ الإِثْبَاتِ الأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ يَقَعُ قَبُولًا وَرِضًا بِفِعْلِ الأَوَّلِ (١). ولكن اختلفوا في زمن لزومِ البيع، هل هو بالإيجاب والقبول، أم بالافتراق عن المجلس؟ ولهذا قال ﵀: * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَكُونُ اللُّزُومُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُمَا، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ: إِنَّ البَيْعَ يَلْزَمُ فِي المَجْلِسِ بِالقَوْلِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُد، وَابْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃: البَيْعُ لَازِمٌ بِالافْتِرَاقِ مِنَ المَجْلِسِ، وَأَنَّهُمَا مَهْمَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَلَيْسَ يَلْزَمُ البَيْعُ وَلَا يَنْعَقِد، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَسَوَّارٍ القَاضِي، وَشُرَيْحٍ

стр. 7133

القَاضِي، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ) (١). فهنا قولانِ لأهل العلم في لزوم البيع وانعقاده: الأول: أنه يلزم بالإيجاب والقبول، وإن لم يتفرقا عن مجلس العقد، أي: مكان التبايع أو التعاقد، ونفوا خيار المجلس، ويكون معنى التفرق تفرق الأقوال، وممن قال بذلك الأحناف (٢)، والمالكية (٣).

стр. 7134

الثاني: أنه لا يلزم إلا بالتفرُّق عن المجلس، فما دام المكان الذي يضم كلا العاقدين واحدًا، فلهما الخيار (١) في إمضاء العقد أو فسخه، إلى أن يتفرقا، ومتى تمَّ العقد وتفرَّقا لم يكن لواحد منهما الفسخ إلا بعيب أو خيار كخيار شرط أو غبن على ما سيأتي. ويكون معنى التفرق تفرق الأبدان، وهذا قول الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)،

стр. 7135

وأهل الظاهر (١) وهو الصحيح. * قولُهُ: (وَعُمْدَةُ المُشْتَرِطِينَ لِخِيَارِ المَجْلِسِ: حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "المُتَبَايِعَان كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ" (٢)، وَفي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الحَدِيثِ: "إِلَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ" (٣)، وَهَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنْ أَوْثَقِ الأَسَانِيدِ، وَأَصَحِّهَا، حَتَّى لَقَدْ زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الإِسْنَادِ يُوقِعُ العِلْمَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ الآحَادِ (٤)). قال الإمام البخاريُّ عن هذا الإسناد: "إنه أصح الأسانيد" (٥)، ويعرف عند المحدثين بسلسلة الذهب. والعقود نوعانِ: عقود لازمة، أي: لا يجوز فسخها ولا إبطالها إلا بوجود عيب، أو نحوه، والبيع من العقود اللازمة.

стр. 7136

وهناك عقود غير لازمة، كعقد الوكالة، فيجوز للإنسان في أيِّ ساعة أن يبطله. ولذلك اختلف العلماء، إذا تم عقد البيع هل لهما أن يفسخاه؟ فقال بعضهم كما تقدم: إن خيار المجلس ينافي أصل عقد البيع وحملوا الحديث على تفرق الأقوال. والقول الصحيح بإثباته، وهذا ما جاء من فعل راوي الحديث وهو ابن عمر قال نافع: فكان إذا بايع رجلًا، فأراد ألَّا يقيلَه، قام فمشى هنية، ثم رجع إليه (١). * قولُهُ: (وَأَمَّا المُخَالِفُونَ فَقَدِ اضْطَرَبَ بِهِمْ وَجْهُ الدَّلِيلِ لِمَذْهَبِهِمْ فِي رَدِّ العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ. فَالَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ فِي رَدِّ العَمَلِ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُلْفِ عَمَلَ أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَيْهِ). فهم لم ينكروا ثبوت الحديث وصحته، ولكن اضطربت أقوالهم في تأويله، وردَّه، فقال الإمام مالك: أنه لم يجد أهل المدينة يعملون به، فهذا كالتواتر، وأما الحديث فهو مع صحته من أحاديث الآحاد، فقدم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد (٢). والصحيح: أنه قد ورد الخلاف عن أهل المدينة، فقد ورد عن عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب وابن أبي ذئب، وغيرهم (٣).

стр. 7137

* قولُهُ: (مَعَ أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ عِنْدَهُ مَا رَوَاهُ مِنْ مُنْقَطِعِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تَبَايَعَا فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ" (١)، فَكَأَنَّهُ حَمَلَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي المَجْلِسِ، وَبَعْدَ المَجْلِسِ، وَلَوْ كَانَ المَجْلِسُ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ البَيْعِ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَبْيِينِ حُكْمِ الاخْتِلَافِ فِي المَجْلِسِ، لِأَنَّ البَيْعَ بَعْدُ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَا لَزِمَ بَلْ بِالافْتِرَاقِ مِنَ المَجْلِسِ، وَهَذَا الحَدِيتُ مُنْقَطِعٌ (٢)، وَلَا يُعَارَضُ بِهِ الأوَّل، وَبِخَاصَّةٍ أَنَّهُ لَا يُعَارِضُهُ إِلَّا مَنْ تَوَهَّمَ العُمُومَ فِيهِ، وَالأَوْلَى أَنْ يَنْبَنِيَ هَذَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا الحَدِيثُ لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مُسْنَدًا فِيمَا أَحْسَبُ (٣)، فَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ مَالِكٌ ﵀ فِي تَرْكِ العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ).

стр. 7138

وهذا ما ذكره الشَّافعي (١) وغيره (٢). * قولُهُ: (وَأَمَّا أَصْحَابُ مَالِكٍ فَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ظَوَاهِرَ سَمْعِيَّةٍ، وَعَلَى الْقِيَاسِ، فَمِنْ أَظْهَرِ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وَالْعَقْدُ هُوَ الْإِيجَاب، وَالْقَبُول، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ يُوجِبُ تَرْكَ الْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَمَا أَنْعَمَ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا. وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِخِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهِ أَثَرٌ أَصْلُهُ سَائِرُ الْعُقُودِ، مِثْلُ النِّكَاحِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْخُلْعِ، وَالرُّهُونِ، وَالصُّلْحِ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الظَّوَاهِرَ الَّتِي تَحْتَجُّونَ بِهَا يُخَصِّصُهَا الْحَدِيثُ الْمَذْكور، فَلَمْ يَبْقَ لَكُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقِيَاس، فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ يَرَى تَغْلِيبَ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَثَرِ، وَذَلِكَ مَذْهَبٌ مَهْجُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تَغْلِيبُ الْقِيَاسِ عَلَى السَّمَاعِ، مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ رَدِّ الْحَدِيثِ بِالْقِيَاسِ، وَلَا تَغْلِيبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَأْوِيلِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ. قَالُوا: وَتَأْوِيلُ الظَّاهِرِ بِالْقِيَاصِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ (٣)).

стр. 7139

ذهب المالكية (١)، والحنفية (٢) إلى عدم القول بخيار المجلس، واستدلوا بظاهر قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] على ترك خيار المجلس، وقاسوا البيع ونحوه من المعاملات المالية في هذا على النكاح، والخلع، والعتق على مال، والكتابة، وكل منها عقد معاوضة يتم بلا خيار المجلس، بل بمجرد اللفظ الدال على الرضا، فكذلك البيع.

стр. 7140

* قولُهُ: (قَالُوا: وَلَنَا فِيهِ تَأْوِيلَان؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ المُتَبَايِعَيْنِ فِي الحَدِيثِ المَذْكورِ هُمَا المُتَسَاوِمَان اللَّذَان لَمْ يَنْفَذْ بَيْنَهُمَا البَيْعُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَكُونُ الحَدِيثُ عَلَى هَذَا لَا فَائِدةَ فيهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِ الأُمَّةِ أَنَّهُمَا بِالخِيَارِ؛ إِذْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ بِالقَوْلِ. وَأَمَّا التَّأوِيلُ الآخَر، فَقَالُوا: إِنَّ التَّفَرُّقَ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الافْتِرَاقِ بِالقَوْلِ لَا التَّفَرُّقِ بِالأَبْدَانِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، وَالاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا أَنَّ هَذَا مَجَازٌ لَا حَقِيقَة، وَالحَقِيقَةُ هِيَ التَّفَرُّقُ بالأَبْدَان، وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ أَنْ يُقَاسَ بَيْنَ ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَالقِيَاسِ فَيُغَلَّبُ الأَقْوَى، وَالحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ لِمَوْضِعِ النَّدَمِ، فَهَذ هِيَ أُصُولُ الرُّكْنِ الأَوَّلِ الَّذِي هُوَ العَقْدُ). حاصلُ ما سبق أن للمالكية في تركهم للعمل بحديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" مسلكين: المسلك الأوَّل: النَّسخ (١). والمسلك الثَّاني: التأويل. أمَّا دعوى أنه منسوخٌ، فدليلهم على ذلك أن مالكًا ﵀ قد احتجَّ بعمل أهل المدينة، وأنه لم يرض أحدًا من أهل المدينة يعمل به، وإجماع أهل المدينة عنده حجه، وأقوى من خبر الواحد. وأجيب على ذلك من أكثر من وجه: الأول: أن النسخَ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسُّف، ولا تكلف (٢).

стр. 7141

الثاني: وأما القول بأن مالكًا قد احتج بعمل أهل المدينة فإن كلامه ليس صريحًا في هذا، وقد اشتد إنكار ابن عبد البر ﵀ على من زعم من المالكية أن مالكًا ترك العمل به؛ لكون عمل أهل المدينة على خلافه، وإنما لم يأخذ به مالك ﵀، لأن وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر، كالملامسة (١). الثالث: لا يصحُّ دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؛ لأنَّ الاختلاف فيها بالمدينة معلوم (٢). وأمَّا مسلك التأويل، فدليلهم فيه أن حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" قد عارضَه حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تبَايَعَا فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ" فسواء كان اختلافهما قبل التفرق أو بعده على ظاهر الحديث، والمراد: إنما يكون بعد تمام البيع، قالوا: وإنما أدخل مالك ﵀ هذا الحديث في "موطَّئه" عقيب حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ"، على طريق التفسير له والبيان لمعناه (٣)، والجمع بين هذين الحديثين ممكن، بأن يُؤول حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" ولهم في تأويله وجهان: الأول: قالوا أن لفظ: "المتبايعين" يُطلَق حقيقة على المتشاغلين

стр. 7142

بالبيع، وهي حالة السوم قبل صدور الإيجاب والقبول، أما بعد الإيجاب والقبول فيطلق لفظ: "المتبايعين" عليهما مجازًا، فالعاقدان إذا أبرمَا البيع وتراضيَا؛ فقد وقع البيع، فليسَا متبايعين في هذه الحال في الحقيقة، كما هو الشأن في سائر أسماء الفاعل. ويجاب عن هذا: بأن إطلاق البائعين على العاقدين بعد صدور الإيجاب والقبول حقيقة لغة وشرعًا، وإطلاق ذلك على العاقدين قبل صدور الإيجاب والقبول مجاز، عكس ما يقوله نفاة خيار المجلس، دليل ذلك من حيث اللغة: أن البائع والبيع مشتق من الفعل، والأسماء المشتقة من الأفعال لا تطلق على مسمَّياتها إلا بعد وجود الفعل، كالقاتل، والزاني، والسارق، فإنها لا تتناول المسمى إلا بعد وجود القتل والسرقة والزِّنا، فكذلك البيع لا يطلق عليه اسم البائع إلا بعد وجود البيع منه، والبيع يوجد بعد إتمام العقد بالإيجاب والقبول، لا قبله. التأويل الثاني: قولهم: إن المراد بالتفرُّق بالحديث التفرُّق بالأقوال، لا التفرق بالأبدان لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]. ويناقش هذا القول من وجوه: أولًا: حمل التفرق على الأقوال، وليس على الأبدان من قبيل المجاز، ولا يتحول إلى المجاز إلا عند تعذُّر حمله على الحقيقة. ثانيًا: لا يقبل أن يكون اتِّفاق الإيجاب والقبول، وتطابقهما من قبيل التفرق، بل ذلك من قبيل التوافق والاتفاق. ثمَّ إن حديث ابن مسعود الذي اعتمدوا عليه ضعيف لا يقوى على ردِّ حديث ابن عمر المروي في "الصحيحين". * * *

стр. 7143

[البَابُ الثَّانِي: فِي المَعْقُودِ عَلَيْهِ] قلنا: أركان البيع ثلاثة، ولكلِّ ركن شروطه، فالأول: العقد، وهو الصيغة، وقد مرّ. والثاني: وهو المعقود عليه، من ثمَّن أو مثمَّن. * قولُهُ: (وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ سَلَامَتُهُ مِنَ الغَرَرِ وَالرِّبَا). المعقود عليه: لا بد أن يكون معلومًا، وصور الغرر كثيرة، وقد تقدم الكلام عليها، في أول الباب. * قولُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ المُخْتَلَفُ فِي هَذِهِ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَأَسْبَابُ الاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرَارِهِ. وَالغَرَرُ يَنْتَفِي عَنِ الشَّيْءِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الوُجُودِ، مَعْلُومَ الصِّفَةِ، مَعْلُومَ القَدْرِ، مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ، الثَّمَنِ وَالمَثْمُونِ، مَعْلُومَ الأَجَلِ أَيْضًا إِنْ كَانَ بَيْعًا مُؤَجَّلًا). اشترط العلماء شروطًا في المعقود عليه حتى يرتفع عنه الغرر، منها. ١ - أن يكون كل واحد من المتعاقدين عالمًا بالمعقود عليه وجودًا، وقدرًا، وصفة، فإن جهل أحدهما المبيع، أو الثمن، فسد البيع، وهذا مذهب الحنفية (١)،

стр. 7144

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). ٢ - يشترط في المعقود عليه من مبيع وثمن القدرة على تسليمه، فإن كان المبيع أو الثمن غير مقدور على تسليمه لم يصحَّ البيع، وهذا مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). ٣ - يشترط أيضًا أن يكون معلوم الأجل، إذا كان بيعًا مؤجلًا؛ لأنَّ علمه لا يفضي إلى النزاع (٧). فعن ابن عباس ﵄ قال: قدم النَّبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: "من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (٨).

стр. 7145

[البَابُ الثَّالِثُ: فِي العَاقِدَيْنِ] * قولُهُ: (وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّالِثُ وَهُمَا العَاقِدَانِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا مَالِكَيْنِ تَامَّيِ المِلْكِ، أَوْ وَكِيلَيْنِ تَامَّيِ الوَكَالَةِ بَالغَبْنِ، وَأَنْ يَكُونَا مَعَ هَذَا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِمَا، أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا، إِمَّا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا كَالسَّفِيهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّحْجِيرَ عَلَيْهِ، أَوْ لِحَقِّ الغَيْرِ كَالعَبْدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ العَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ). اشترط العلماء شروطًا للمتعاقدين: الشرط الأولُ: أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه أو مأذونًا له فيه (١) فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النبي ﷺ قال: "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ" (٢). الشَّرط الثاني: أهلية العاقد، فيشترط في العاقد أن يكون جائز التصرف، وهو الحرُّ المكلَّف الرشيد، وهذا لا خلاف في جواز بيعه
следующие страницы →