الثاني: وأما القول بأن مالكًا قد احتج بعمل أهل المدينة فإن كلامه ليس صريحًا في هذا، وقد اشتد إنكار ابن عبد البر ﵀ على من زعم من المالكية أن مالكًا ترك العمل به؛ لكون عمل أهل المدينة على خلافه، وإنما لم يأخذ به مالك ﵀، لأن وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر، كالملامسة (١).
الثالث: لا يصحُّ دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؛ لأنَّ الاختلاف فيها بالمدينة معلوم (٢).
وأمَّا مسلك التأويل، فدليلهم فيه أن حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" قد عارضَه حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تبَايَعَا فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ" فسواء كان اختلافهما قبل التفرق أو بعده على ظاهر الحديث، والمراد: إنما يكون بعد تمام البيع، قالوا: وإنما أدخل مالك ﵀ هذا الحديث في "موطَّئه" عقيب حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ"، على طريق التفسير له والبيان لمعناه (٣)، والجمع بين هذين الحديثين ممكن، بأن يُؤول حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" ولهم في تأويله وجهان:
الأول: قالوا أن لفظ: "المتبايعين" يُطلَق حقيقة على المتشاغلين
стр. 7142
بالبيع، وهي حالة السوم قبل صدور الإيجاب والقبول، أما بعد الإيجاب والقبول فيطلق لفظ: "المتبايعين" عليهما مجازًا، فالعاقدان إذا أبرمَا البيع وتراضيَا؛ فقد وقع البيع، فليسَا متبايعين في هذه الحال في الحقيقة، كما هو الشأن في سائر أسماء الفاعل.
ويجاب عن هذا: بأن إطلاق البائعين على العاقدين بعد صدور الإيجاب والقبول حقيقة لغة وشرعًا، وإطلاق ذلك على العاقدين قبل صدور الإيجاب والقبول مجاز، عكس ما يقوله نفاة خيار المجلس، دليل ذلك من حيث اللغة: أن البائع والبيع مشتق من الفعل، والأسماء المشتقة من الأفعال لا تطلق على مسمَّياتها إلا بعد وجود الفعل، كالقاتل، والزاني، والسارق، فإنها لا تتناول المسمى إلا بعد وجود القتل والسرقة والزِّنا، فكذلك البيع لا يطلق عليه اسم البائع إلا بعد وجود البيع منه، والبيع يوجد بعد إتمام العقد بالإيجاب والقبول، لا قبله.
التأويل الثاني: قولهم: إن المراد بالتفرُّق بالحديث التفرُّق بالأقوال، لا التفرق بالأبدان لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
ويناقش هذا القول من وجوه:
أولًا: حمل التفرق على الأقوال، وليس على الأبدان من قبيل المجاز، ولا يتحول إلى المجاز إلا عند تعذُّر حمله على الحقيقة.
ثانيًا: لا يقبل أن يكون اتِّفاق الإيجاب والقبول، وتطابقهما من قبيل التفرق، بل ذلك من قبيل التوافق والاتفاق.
ثمَّ إن حديث ابن مسعود الذي اعتمدوا عليه ضعيف لا يقوى على ردِّ حديث ابن عمر المروي في "الصحيحين".
* * *
стр. 7143
[البَابُ الثَّانِي: فِي المَعْقُودِ عَلَيْهِ]
قلنا: أركان البيع ثلاثة، ولكلِّ ركن شروطه، فالأول: العقد، وهو الصيغة، وقد مرّ.
والثاني: وهو المعقود عليه، من ثمَّن أو مثمَّن.
* قولُهُ: (وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ سَلَامَتُهُ مِنَ الغَرَرِ وَالرِّبَا).
المعقود عليه: لا بد أن يكون معلومًا، وصور الغرر كثيرة، وقد تقدم الكلام عليها، في أول الباب.
* قولُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ المُخْتَلَفُ فِي هَذِهِ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَأَسْبَابُ الاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرَارِهِ. وَالغَرَرُ يَنْتَفِي عَنِ الشَّيْءِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الوُجُودِ، مَعْلُومَ الصِّفَةِ، مَعْلُومَ القَدْرِ، مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ، الثَّمَنِ وَالمَثْمُونِ، مَعْلُومَ الأَجَلِ أَيْضًا إِنْ كَانَ بَيْعًا مُؤَجَّلًا).
اشترط العلماء شروطًا في المعقود عليه حتى يرتفع عنه الغرر، منها.
١ - أن يكون كل واحد من المتعاقدين عالمًا بالمعقود عليه وجودًا، وقدرًا، وصفة، فإن جهل أحدهما المبيع، أو الثمن، فسد البيع، وهذا مذهب الحنفية (١)،
стр. 7144
والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
٢ - يشترط في المعقود عليه من مبيع وثمن القدرة على تسليمه، فإن كان المبيع أو الثمن غير مقدور على تسليمه لم يصحَّ البيع، وهذا مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
٣ - يشترط أيضًا أن يكون معلوم الأجل، إذا كان بيعًا مؤجلًا؛ لأنَّ علمه لا يفضي إلى النزاع (٧).
فعن ابن عباس ﵄ قال: قدم النَّبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: "من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (٨).
стр. 7145
[البَابُ الثَّالِثُ: فِي العَاقِدَيْنِ]
* قولُهُ: (وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّالِثُ وَهُمَا العَاقِدَانِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا مَالِكَيْنِ تَامَّيِ المِلْكِ، أَوْ وَكِيلَيْنِ تَامَّيِ الوَكَالَةِ بَالغَبْنِ، وَأَنْ يَكُونَا مَعَ هَذَا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِمَا، أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا، إِمَّا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا كَالسَّفِيهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّحْجِيرَ عَلَيْهِ، أَوْ لِحَقِّ الغَيْرِ كَالعَبْدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ العَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ).
اشترط العلماء شروطًا للمتعاقدين:
الشرط الأولُ: أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه أو مأذونًا له فيه (١)
فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النبي ﷺ قال: "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ" (٢).
الشَّرط الثاني: أهلية العاقد، فيشترط في العاقد أن يكون جائز التصرف، وهو الحرُّ المكلَّف الرشيد، وهذا لا خلاف في جواز بيعه
يَعُمُّ؟ فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ هَذَا القِسْمِ، وَبِالجُمْلَةِ فَالنَّظَرُ فِي هَذَا القِسْمِ هُوَ مُنْطَوقٌ بِالقُوَّةِ فِي الجُزْءِ الأَوَّلِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ الصِّنَاعِيَّ الفِقْهِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يُفْرَدَ بِالتَّكَلُّمِ فِيهِ. وَإِذْ قَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَذَا الجُزْءِ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فَلْنَصِرْ إِلَى القِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ القَوْلُ فِي الأحْكَامِ العَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ).
بيع الفضولي: وهو الذي يبيع مالَ غيره ممَّن لا ولاية له عليه، وليس وكيلًا له (١).
وقد تكلَّم المصنف على حكم بيع الفضولي بعد الوقوع (٢)، واختلق الفقهاء في حكمه؟ هل يصح أم لا؟
القول الأول: يصحُّ بيع وشراء الفضولي إذا وافق من اشتُريَ أو بِيعَ له، وهذا قول المالكية (٣).
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن بيع الفضولي متوقِّفٌ على رضا المالك، أما شراء الفضولي ففيه تفصيل عندهم: إما أن يضيف الفضولي العقد إلى نفسه، وإما أن يضيفه إلى الذي اشتراه له، فإن أضافه لنفسه كان الشراء له، سواء أجازه من اشتري له، أو لم يجزه؛ إلا أن يجعله لغيره، أو لم يجد نفاذًا لعدم أهلية المشتري، فيتوقف على إجازة الذي اشتري له (٤).
стр. 7148
القول الثالث: ذهب الشافعية، إلى أن بيع الفضولي وشراءه باطلٌ (١).
القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن بيع الفضولي باطلٌ، أما شراؤه فإن اشترى للغير بعين مال الغير، لم يصحَّ الشراء، وإن اشترى له في ذمته، بلا إذنه، ولم يسمِّه في العقد، صحَّ للغير بالإجازة، ولزم الشراء للفضولي بعدمها (٢).
دليل من قال: بيع الفضولي وشراؤه باطل: حديث حكيم بن حزام، قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثمَّ أبيعه من السوق؟ فقال: "لا تبعْ ما ليس عندك" (٣).
قالوا: المقصود من النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، أي: ما
стр. 7149
ليس في ملكه وحيازته عند قيام العقد، وبيع الفضولي يصدق عليه أنه ليس ملكًا للبائع، ولا في حيازته، فيكون منهيًا عنه.
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِك، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ" (١).
وأما القائلون بصحَّة تصرف الفضولي إن أجازه المالك، فدليلهم: حديث عروة بن الجعد البارقي أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة -[قال سفيان: كأنها أضحية]- فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه (٢).
وجهُ الاستدلال: أن عروة قد أذن له الرسول ﷺ بشراء شاة واحدة، ولم يأذن له بالبيع، فاشترى شاة أخرى، وباع، وكلُّ ذلك كان من قبيل تصرف الفضولي، فأجازه الرسول ﷺ ، ودعا له بالبركة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(القِسْمُ الثَّالِثُ فِي الأحْكَامِ العَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ)
هذه مقدِّمات وضعها المؤلف ﵀ ليعطينا تصورًا لما سيتكلم عنه، وقد يكون فعل في هذا الباب ما لم يفعله في غيره، بعمل مقدمات مرتبة، تمهيدًا للدخول في أبواب مُهمَّة، وهي: (البيوع الصحيحة).
[القول في الأحكام العامة للبيوع الصحيحة]
* قولُهُ: (وَهَذَا القِسْمُ تَنْحَصِرُ أُصُولُهُ الَّتِي لَهَا تَعَلُّقٌ قَرِيبٌ بِالمَسْمُوعِ، فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ).
стр. 7150
فهناك بعض الأحكام التي ينطق بها النَّص، وبعضها تجدها قريبة من النَّص، لكنها لم تكن بلفظها واردة فيه؛ هذا هو الذي قال فيه: (تَعَلُّقٌ قَرِيبٌ بِالمَسْمُوعِ)، وبعضها مسكوت عنه؛ وهي المسائل التي ألحقها العلماء بالمنطوق به.
* قولُهُ: (الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي أَحْكَامِ وُجُودِ العَيْبِ فِي المَبِيعَاتِ).
لا شكَّ أن العيوب قد توجد في المبيعات لكنها تختلف؛ فبعضها يكون عيبًا في الخِلقة، كخِلقة الإنسان الذي يُباع ويشترى، أو كذلك في الحيوان، أو في السلعة، وأحيانًا تكون عيوبًا غير خِلقيَّة، وهذه تكون في الإنسان؛ كأن يرتكب محرَّمًا من المحرَّمات، أو أن تكون فيه صفة من الصفات المذمومة، كما سيأتي.
* قولُهُ: (الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الضَّمَان فِي المَبِيعَاتِ).
"الضَّمان": يُوضع له نظرية تُعرف بـ "نظرية الضمان"، فعندما نقول: "نظرية العقد" تُجمع فيه كل الأحكام والمسائل ذات العلاقة بالعقود، وليس في البيع وحده بل في كل ما يندرج تحت لفظ العقد، وهناك: "نظرية الشرط"، وهناك: "نظرية الإتلاف".
وهناك من يدَّعي بأن الفقهَ الإسلاميَّ إنما هو حُلول جزئية، وأنَّه ليست هناك روابط تربط الفقه الإسلامي، وهذا جهل ممَّن قال بذلك؛ لأنَّ الذين قالوا ذلك القول لم يُدركوا حقيقة الفقه، ولم يعلموا ما فيه، بل هذه الأصول التي ندرسها ونتعلمها (أصول فقه) لم يُسبق الإسلام بمثلها بل كان الإسلام هو السبَّاق إلى هذا العلم الجليل، بل إن من يدرسُ علم الفقه يجد فيه كثيرًا من القواعد التي فرَّع عليها العلماء كثيرًا من المسائل وجعلوها بمثابة ضابطٍ أو قاعدةٍ أو قانونٍ، تُردُّ إليها جميع الأحكام التي تشبهها وتندرج تحتها.
فهناك روابط وصلات بين الفقه الإسلاميِّ لا تنقسم ولا تنفك، وهي كلُّها تُستقى من معين واحد، هو الكتاب العزيز والسنة النبوية، وهي إما مستمدة منهما مباشرة؛ كما جاء في المنطوق، أو ممَّا هو قريب منهما؛
стр. 7151
أي: مما يستنبط من الكتاب والسنة، أو أن تُردَّ تلكم إلى مقاصد الكتاب والسنة، وكل ذلك له قواعده المعروفة في علم أصول الفقه.
* قولُهُ: (مَتَى يَنْتَقِلُ مِنْ مِلْكِ البَائِعِ إِلَى مِلْكِ المُشْتَرِي).
فمثلًا إذا ظهر عيبٌ في السلعة المشتراة، فمن يضمنها؟
الجواب: البائع هو الذي يضمن المبيع حتى يسلمه للمشتري؛ لأنَّ الرسول ﷺ بيَّن أن الضمان على البائع فقال: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (١)، وفي مسألة: "بيع الثمار بعد بدُوِّ صلاحها"، إذا خرج فيها شيءٌ فهي من ضمان المشتري.
* قولُهُ: (وَالثَّالِثَةُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَتْبَعُ المَبِيعَ مِمَّا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ فِي حِينِ البَيْعِ مِنَ الَّتِي لَا تَتْبَعُهُ).
فقد تُباع شاة أو جارية وفي بطنها حَمل، أو مملوك ومعه مال ملَّكه إيَّاه سيدُه، أو عليه ثياب غالية الثَّمن.
* قولُهُ: (وَالرَّابِعَةُ: فِي اخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ وَإِنْ كانَ الأَلْيَقُ بِهِ كِتَابُ الأَقْضِيَةِ).
وهذه مسألة مهمَّة، فالبيِّعان كغيرهم قد يختلفان في أمر، فمن الذي يؤخذ بقوله منهما البائع أو المشتري؟ فأحيانًا يُؤخذ بقول البائع، وأحيانًا بقول المشتري، والقرائن لها أثرٌ في ذلك.
وقول المؤلف ﵀: (وَإِنْ كَانَ الأَلْيَقُ بِهِ كِتَابَ الأَقْضِيَةِ)، لأنَّها تُذكر عادة في كتاب القضاء، لأن فيها دعاوى تحتاج إلى بيِّنات، ولكُلٍّ وجهٌ من النَّظر.
* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ أَبْوَابِ أَحْكَامِ البُيُوعِ الاسْتِحْقَاقُ،
стр. 7152
وَكَذَلِكَ الشُّفْعَةُ هِيَ أَيْضًا مِنَ الأحْكَامِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهِ، لَكِنْ جَرَتِ العَادَةُ أَنْ يُفْرَدَ لَهَا كِتَابٌ).
لا يزال المؤلِّف يتحدَّث عن المقدمات؛ لأنَّه سينطلق انطلاقة واسعة فيما يتعلق ببقية البيوع.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْجُمْلَةُ الْأُولَى
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا بَابَانِ؛ الْبَابُ الأوَّلُ: فِي أَحْكَامِ وُجُودِ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ. وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِهِمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ).
الأصل البراءة، وهي أن يبيع البائع بيعه بريئًا من العيوب (١).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَحْكَامِ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ)
هنا بدأ في أحكام العيوب في البيع المطلق (٢).
стр. 7153
* قولُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي وُجُودِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قولُهُ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
الأصل في البيع: التراضي لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ والمسلم مطالبٌ دائمًا بأن يكون صادقًا في بيعه وشرائه؛ لقول رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" (١)، وقوله ﷺ : "من غشنا فليس منا" (٢)، وقوله ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعًا إلا أن يبينه له" (٣)، يعني أن يبين له ما فيه من عيب.
وجاء في حديث آخر أن الله تعالى يمقت مخفي العيب في البيع، وأن الملائكة تلعنه (٤)، وبيَّن الرسول ﷺ أن التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء (٥).
* قولُهُ: (وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ الْمَشْهُورُ) (٦).
حديث المصراة دليلٌ أيضًا على أنه لا يجوز للمسلم أن يدلس على أخيه فيخفي عليه في البيع عيبًا؛ لأن هذا من الغش، والمُصَرَّاةُ هي الشاة
стр. 7154
يُصَرُّ ضرعها حتى يجتمع فيها الحليب؛ ليخدع المشتري (١).
* قولُهُ: (وَلَمَّا كَانَ الْقَائِمُ بِالْعَيْبِ لَا يَخْلُو أَنْ يَقُومَ فِي عَقْدٍ يُوجِبُ الرَّدَّ، أَوْ يَقُومَ فِي عَقْدٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ).
إذا كان المبيع معيبًا، فقد يكون عقد بيعه فاسدًا، وقد لا يكون، فإذا كان العقد فاسدًا يوجب الرد، فربما يكون العيب هو السبب في ذلك الرد، كما هو الحال في المصراة إذا حلبها المشتري، فإنه إن وجد العيب قبل ذلك ردها ولا شيء، وإن أمسكها بعد أن يحتلبها فإنه يردها وصاعًا من تمر، كما سيأتي إن شاء الله.
* قولُهُ: (ثُمَّ إِذَا قَامَ فِي عَقْدٍ يُوجِبُ الرَّدَّ، فَلَا يَخْلُو أَيْضًا أَنْ يَقُومَ بِعَيْبٍ يُوجِبُ حُكْمًا، أَوْ لَا يُوجِبُهُ).
قد يكون العيب كالختان مثلًا، فهو لا يعد رفعة، بل يعد من النقص، فختان الجارية الذي يسمى الخفاض وختان العبد أيضًا يعد رفعة وشرفًا، لكنه في الوقت نفسه قد عد نقصًا، فهل هذا يؤثر؟ سيأتي الكلام عنه (٢).
(ثُمَّ إِنْ قَامَ بِعَيْبٍ يُوجِبُ حُكْمًا فَلَا يَخْلُو الْمَبِيعُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدْ
стр. 7155
حَدَثَ فِيهِ تَغَيُّر بَعْدَ الْبَيْعِ، أَوْ لَا يَكُون، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْدُثْ فَمَا حُكْمُهُ؟).
قد يشتري المشتري سلعة ثم يقف على عيب فيها، لكن السلعة قد تغيرت وطرأ عليها عيب آخر، فهل ترد لذلك العيب؟
* قولُهُ: (وَإِنْ كَانَ حَدَثَ فِيهِ فَكَمْ أَصْنَافُ التَّغْيِيرَاتِ وَمَا حُكْمُهَا؟ كَانَتِ الْفُصُولُ الْمُحِيطَةُ بِأُصُولِ هَذَا الْبَابِ خَمْسَةٌ، الْفَصْلُ الْأوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ حُكْمٌ، مِنَ الَّتِي لَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا).
أحيانًا يترتب على وجود العيب حكم، وأحيانًا لا يترتب عليه حكم.
* قولُهُ: (الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ، وَمَا شَرْطُهَا الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِيهَا؟).
من أمثلة العيوب التي توجب الحكم: الجذام (١) والبرص (٢) والجنون والبخر (٣) والعمى والعرج، وكذلك بعض الصفات؛ كالزنا
стр. 7156
والتخنث (١) وغيرها، وهذه من الصفات التي سيعرض لها المؤلف، وهي كثيرة جدًّا.
* قولُهُ: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْعَيْبِ الْمُوجِبِ إِذَا كانَ الْمَبِيعُ لَمْ يَتَغَيَّرْ. الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ أَصْنَافِ التَّغْيِيرَاتِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَحُكْمِهَا. الْخَامِسُ: فِي الْقَضَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ).
يعني إصدار الحكم، وهو الذي ذكر أنه يذكر في كتاب القضاء.
* قولُهُ: (وَإِنْ كَانَ أَلْيَقَ بِكِتَابِ الْأَقْضِيَةِ).
يعني القضاء، أو إصدار الحكم، وسيبدأ المؤلف في بيان ما قدم له في حوالي صفحتين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصل الأوَّل من الباب الأول فِي مَعْرِفَةِ الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ حُكْمٌ مِنَ الَّتِي لا يَجِبُ فِيهَا)
سيتكلم عن العقود التي يترتب فيها على وجود العيب إقرار حكم من الأحكام، إما برد أو بأخذ مقابل أو بغير ذلك.
стр. 7157
* قولُهُ: (أَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِالْعَيْبِ حُكْمٌ بِلَا خِلَافٍ، فَهِيَ الْعُقُودُ الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمُعَاوَضَةُ).
يعني التي تكون مقابل عوض، كالبيع والإجارة والسلم والهبة التي تعرف بهبة الثواب، لأن الهبة على قسمين:
الأول: أن يهبك إنسان هبة ولا يريدَ مقابلًا لها، بل يريد بذلك وجه الله، فيعطيك عطية تكريمًا لك وتقديرًا، لا يرجو من ورائها شيئًا.
الثاني: أن يهدي إنسان إنسانًا كبيرًا هدية يسيرة، ويتطلع إلى ما هو أكثر (١)، كما حصل ذلك مع رسول الله ﷺ (٢).
وهذا القسم الثاني يسمى هدية ثواب، لأن المهدي يريد من المهدى إليه أن يثيبه عليها ويجازيه مقابل الهدية، فهذا له هوًى في هذه الهدية، وله مقصد منها، فلم تكن خالصة كمن يهدي لأخيه هدية خالصة لا يطلب عليها جزاء ولا شكورًا، إلا من الله (٣).
стр. 7158
وما أجمل أن تحصد دعوات وثناءات من المهدى إليه! "من أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" (١) إذا صنع لك إنسان صنيعًا طيبًا، وأسدى إليك عملًا جليلًا، دافع عنك بظهر الغيب، أو قدم لك مشورة نصحًا، فأقل ما تقدمه له أن تسأل الله أن يكافئه عن ذلك العمل، وأن يجزيه عليه خير الجزاء، وهذا هو غاية ما يسعى إليه الإنسان.
* قولُهُ: (كَمَا أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمُعَاوَضَةَ لَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْعَيْبِ فِيهَا) (٢).
لو أن إنسانًا أهداك هدية، أو قدم لآخر صدقة، فوجد فيها نقصًا، فليس له أن يحتج عليه؛ ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ لأنها ليس فيها معاوضة، هو أعطاك إياها لا يريد جزاءً منك، فإذا وجد الحيب فليس لك أن تطالبه بشيء، إلا أن تذهب إليه إن كان لا يدري فتقول: ما قدمته لي أخي الكريم فيه كذا وكذا. فلعله يبدلها لك، لكن الذي يريده المؤلف أن ليس فيها حكم ملزم.
* قولُهُ: (كَالْهِبَاتِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، وَالصَّدَقَةِ).
يعني الهبات التي لا يرجى من ورائها مقابل، ومثال ذلك أن يصنع إنسان طعامًا فيعطيه صديقه، أو تأتيه فاكهة طيبة فيقدم لصديقه أو لجاره،
стр. 7159
أو تأتيه مثلًا هدايا أو بضائع طيبة، فيقدم له نوعًا من الثياب أو اللباس أو الكتب أو غير ذلك لا يريد عليه شيئًا، لكنْ ثمة أناس يذهبون إلى أناس من الأعيان فيهدون إليهم وهم يريدون أكثر من ذلك، فالهبة التي لا يراد من ورائها مقابل هبة لغير ثواب، والأخرى هبة ثواب.
* قولُهُ: (وَأَمَّا مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الْعُقُودِ، (أَعْنِي: مَا جَمَعَ قَصْدَ الْمُكَارَمَةِ (١)، وَالْمُعَاوَضَةِ (٢)، مِثْلُ هِبَةِ الثَّوَابِ).
يعني أن هبة الثواب جمعت بين الوصفين، فعندما يهدي إنسان إنسانًا هديةً فلا شك أن ظاهره المكارمة، أي: إرادة إكرامه، لكن في قلبه وفي نيته شيء آخر، يقول: هات، ولا يقنع بما يساوي هديته، كما في قصة الثقفي، إذ ظل الرسول يعطيه وهو يطلب المزيد حتى قال: "لا أقبل هدية … " (٣)، فهذا له غاية وغرض، وما أكثر أمثال هؤلاء في هذا الزمان!
وعلى أية حال فالذي يهدي وفي ذهنه أن يعطى، أخف ممن يذهب يطالب إذا لم يؤت.
* قولُهُ: (فَالْأَظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ، وَقَدْ قِيلَ: يُحْكَمُ بِهِ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ مُفْسِدًا (٤)).
стр. 7160
والصحيح أنه لا حكم فيها على الرأي الأول.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْفَصل الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ وَمَما شَرْطُهَا الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِيهَا
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ نَظَرَان؛ أَحَدُهُمَا: فِي الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ وَالنَّظَرَ. الثَّانِي: فِي الشَّرْطِ الْمُوجِبِ لَهُ.
النَّظَرُ الْأَوَّلُ:
فَأَمَّا الْعُيُوبُ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ: فَمِنْهَا عُيُوبٌ فِي النَّفْسِ، وَمِنْهَا عُيُوبٌ فِي الْبَدَن).
العيب إما أن يكون عيب خِلقة، وإما أن يكون عيبًا خُلُقيًّا في أخلاق الإنسان، كأن تكون سيرته غير محمودة، باقترافه أفعالًا غير طيبة، كأن يكون شريرًا في تصرفاته، شرسًا، أحمق، دنيئًا، إلى غير ذلك من عيوب الخُلُق.
وأما بالنسبة للخلقة فقد يكون العيب مرضًا من الأمراض، أو عيبًا من العيوب التي تؤثر، كزيادة إصبع مثلًا، والمرجع في ذلك إنما هو إلى العادة، وكثيرًا ما أشرنا إلى القاعدة المعروفة: العادة محكمة (١).
стр. 7161
ومستندها أثر: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ" (١)، وهي التي تعرف بقاعدة العرف، وقد مر في أحكام الحيض أن للعادة تأثيرًا في ذلك، وسيأتي أيضًا في أحكام الصناعات وفي الأعمال، وهذا له تعلق أيضًا ببعض أحكام البياعات، فيرجع فيه إلى عادات التجار، لأن هذا العيب مرتبط بناحية مالية، فعندما نقول: (عيب) فالقصد معرفة مدى تأثيره على الجانب المعني، وهو ما يتعلق بالمال، فإذا كان ينقص من السلعة فهو عيب مؤثر في نظر التجار، فكل ما قلل من القيمة عيب.
لو جيء بإنسان مملوك يجيد الصنعة، وآخر لا يجيد، فلا شك أن الأول أفضل، ولذلك فقد يسود البائع أنامل المملوك الذي يبيعه ليخدع المشتري بأنه كاتب، وربما يأتي بأمة فيصبغ شعرها بالسواد أو يحمر وجهها؛ ليدل على أنها صغيرة، إذ قد يتبين أنه قد تقدم بها السن، إلى غير ذلك من الصفات التي تعد من العيوب، ولها أثر كبير، والكلام عنها كثير جدًّا في أحكام البيوع.
* قولُهُ: (وَهَذهِ مِنْهَا مَا هِيَ عُيُوبٌ بِأَنْ تَشْتَرِطَ أَضْدَادَهَا فِي الْمَبِيعِ، وَهِيَ تُسَمَّى عُيُوبًا مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ؛ وَمِنْهَا مَا هِيَ عُيُوبٌ تُوجِبُ الْحُكْمَ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُ أَضْدَادِهَا فِي الْمَبِيعِ، وَهَذهِ هِيَ الَّتِي فَقْدُهَا نَقْصٌ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ؛ وَأَمَّا الْعُيُوبُ الْأُخَرُ فَهِيَ الَّتِي أَضْدَادُهَا كِمَالَاتٌ).
كل هذا الكلام المجمل سيفصله المؤلف إن شاء الله.
стр. 7162
* قولُهُ: (وَلَيْسَ فَقْدُهَا نَقْصًا مِثْلُ الصَّنَائِعِ، وَأكْثَرُ مَا يُوجَدُ هَذَا الصِّنْفُ فِي أَحْوَالِ النَّفْسِ).
الصنائع مثل أن يشترط في العبد أن يكون كاتبًا، وفي الأمة أن تجيد الصناعة؛ كالغزل ونحوه، هذه شروط يشترطها البعض لكنها ليست عيوبًا، فلو أن الأمة مثلًا لا تجيد الطبخ، أو لا تجيد الكتابة أو الغسل، فلا يعد ذلك عيبًا فيها؛ لأنه لا نقص فيها، هذه صفات يكتسبها الإنسان عن طريق الخبرة والتعلم، كذلك أيضًا إذا لم يكن المملوك كاتبًا فلا يعد عيبًا، لكن للإنسان أن يشترط ذلك (١).
* قولُهُ: (وَقَدْ يُوجَدُ فِي أَحْوَالِ الْحِسْمِ. وَالْعُيُوبُ الْجُسْمَانِيَّةُ).
يقصد بأحوال النفس الأخلاق، كما لو زنت الأمة أو زنى العبد، هذا يعد عيبًا قادحًا في الخلق والدين، فهل له تأثير أو لا؟ سيأتي الخلاف فيه.
* قولُهُ: (وَالْعُيُوبُ الْجُسْمَانِيَّةُ).
وأما الجسمية فهي كثيرة جدًّا.
* قولُهُ: (مِنْهَا مَا هِيَ فِي أَجْسَامِ ذَوَاتِ الْأَنْفُسِ، وَمِنْهَا مَا هِيَ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَنْفُسِ. وَالْعُيُوبُ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْعَقْدِ هِيَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مَا نَقَصَ عَنِ الْخِلْقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، أَوْ عَنِ الْخُلُقِ الشَّرْعِيِّ).
وقد يكون زيادة أيضًا؛ لأنهم ينصون على أنه لو نقصت يد الأمة أو
стр. 7163
العبد إصبعًا فهذا يعد عيبًا، والزيادة تعد بمثابة النقص هنا؛ لأنها على خلاف الخلقة.
* قولُهُ: (نُقْصَانًا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ (١)، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَزْمَان، وَالْعَوَائِدِ، وَالْأَشْخَاصِ، فَرُبَّمَا كَانَ النَّقْصُ فِي الْخِلْقَةِ فَضِيلَةً فِي الشَّرْعِ، كالْخِفَاضِ فِي الْإِمَاءِ، وَالْخِتَان فِي الْعَبِيدِ).
الخفاض هو قطع الجلدة التي تكون على الفرج، ويقصد به ختان المرأة، يسمى الخفاض بالنسبة للمرأة والختان بالنسبة للرجل (٢)، فهو أخذ أي نقص، لكن هل هو عيب؟ أيهما أفضل المختون من الذكور أو غير المختون؟ لا شك أن الذي ختن أفضل مع أن الختان نقص، لكنه يعتبر صفة شرف وكمال بالنسبة له، وأما بالنسبة للمرأة فالخلاف في الختان فيما يتعلق بالنساء معروف (٣).
стр. 7164
* قولُهُ: (وَيتَقَارُبِ هَذه الْمَعَانِي فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهِ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا اشْتَهَرَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاء لِيَكُونَ مَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْفَقِيهِ يَعُودُ كَالْقَانُونِ وَالدُّسْتُورِ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ).
يكون في نفس الفقيه كقواعد ثابتة مستقرة، فكلما وردت عليه مسائل جزئية أو فروع أو وقعت وقائع أو حدثت حوادث، فإنه يردها إلى هذه الأصول، ومن أخذ بالأصول سهل عليه فهم الفروع، أما الذي يتتبع الفروع دون أن تكون له ضوابط وأصول يعتمد عليها - وهو ما عبر عنه بالقانون، لأن القانون يقابل الأصل - فإنه تتيه به المسالك، ويصعب عليه ربط الجزئيات.
* قولُهُ: (فِيمَا لَمْ يجِدْ فِيهِ نَصًّا عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ)
لو أردنا أن نقف عند كل جزئية نحللها، لتأخرنا أكثر مما نحن فيه الآن، لأن الفقيه وبخاصة في هذا الزمان إذا وجد رأيًا لغيره سهل الحكم عليه، فيلحق به الفرع ويخرج عليه، لكن ربما تجد وقائع تحدث فتحتاج إلى دراسة، ولذلك لما كثرت المخدرات في هذا الزمان، وجدت فتاوى للعلماء السابقين وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، فكانت بمثابة أصول يرجع إليها الفقهاء في ذلك الأمر.
وكثير من البيوع التي جدت ووجدناها قد عولجت في زمن شيخ الإسلام وتلميذه، فإننا نفيد منها فيما يقع من مسائل، والفقيه حقًّا هو من يمعن نظره ويدقق في المسائل، ثم ينظر هل لها أصل من كتاب أو سنة، فإن لم يجد فإنه ينظر إلى أقوال السابقين هل تكلموا فيها أو لا، وكان
стр. 7165
بعض الفقهاء وبخاصة الحنفية يعنون بما يسمى بالفقه الفرضي أو الفقه التقديري، وكان بعض الفقهاء يأخذ ذلك عليهم ويقول: هذه مسائل لم تقع لماذا نفترض فروضًا لم تقع؟
كانوا يقولون: لو كان إنسان معلقًا في الهواء كيف يصلي؟ وكانوا يقولون: لو أن إنسانًا كان في مكان واتصلت به نجاسة كيف يصلي؟ لو أن إنسانًا قطعت به السفينة مسافة القصر في وقت قصير، في ساعة أو في دقائق - كما يحصل ذلك الآن والطائرة أسرع - كيف يصلي؟
فكثير من المسائل الفرعية قد وقع، فقصد المؤلف أن الفقيه هو الذي يرجع إلى أقوال من سبق إذا ما حدثت واقعة، فإن وجد خرَّج على هذه المسألة وألحق بها تلك المسائل الواقعة، وإن لم يجد فإنه يرجع إلى تلك العلل التي علل بها العلماء، أو التي استفاد منها تلاميذهم أو تلاميذ التلاميذ فخرجوا عليها.
* قولُهُ: (لِيَكُونَ مَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْفَقِيهِ يَعُودُ كَالْقَانُون وَالدُّسْتُورِ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ).
لا يريد بالقانون هنا ما نعرفه الآن، وهو ما خالف الشريعة، وإنما هو بمعنى المقياس، ومن معاني القانون الأصل الضابط، فهو يقابل القاعدة المعروفة (١).
* قولُهُ: (أَوْ فِيمَا لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصِّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَمِنْ ذَلِكَ وُجُودُ الزِّنَا فِي الْعَبِيدِ. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ).
الزنا ليس صفة خَلقية وإنما هو صفة خُلقية؛ لأن الزنا حرام، والله
стр. 7166
تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى آخر الآيات.
ولا شك أن الزنا كبيرة، فإذا وقع في الإماء، فهل يعتبر عيبًا فيهن فيؤثر أو لا؟
* قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ عَيْبٌ).
قال مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣): هو عيب.
* قولُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِعَيْبٍ).
المؤلف هنا أطلق في مذهب أبي حنيفة، وأبو حنيفة فصَّل، فزنا العبد أو الأمة إذن عيب عند الأئمة؛ مالك والشافعي وأحمد، وفصل أبو حنيفة القول في ذلك، ففرق بين الأمة وبين العبد، فقال: هو عيب في
стр. 7167
الأمة دون العبد. قال الحنفية: لأن العبد لا يراد للفراش والاستمتاع، وإنما هذا من خصائص الإماء، إذن لا يكون عيبًا فيه (١).
هكذا قالوا، وأنا أقول: لعل وجهة الحنفية أو مدخلهم أو دليلهم غير ذلك، فإن البخاري قد خرَّج في صحيحه أن الرسول ﷺ قال: "إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب - يعني يجلدها سيدها - ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت في الثالثة فليبعها، ولو بحبل من شعر" (٢).
وفي حديث آخر أو في لفظ آخر في البخاري أن الرسول ﷺ سئل عن الأمة تزني وهي لم تحصن بعد، فقال: "إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير" (٣) أي: بحبل (٤)، فالنص في الأمة ولم يعرض للعبد، فلعل هذه هي وجهة الحنفية في هذا المقام، أنه حصل التفريق (٥).
أما جمهور العلماء فقد ردوا الاستدلال بالحديث على التفرقة، لأنه خرج مخرج الغالب، أي: أن أكثر ذلك يحصل من الإماء، لكن قد يسأل
стр. 7168
سائل فيقول: لماذا تباع إذا كان فيها عيب؟ سينتقل العيب إذن إلى المالك الجديد، سأذكر تعليل العلماء، وجواب جمهور الفقهاء في ذلك أيضًا أن ليس شرطًا أن ما يثبت في الإماء لا يثبت في العبيد؛ فالحد إنما نص الله ، عليه في الإماء دون العبيد، ومع ذلك أجمع العلماء على إلحاق العبد بالأمة (١).
ففي قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ لم يرد ذكر العبد، فألحق بالأمة.
يأتي بعد ذلك السؤال الذي أوردت: أليس إذا بيعت تنتقل بعيبها؟ الجواب: نعم. لماذا؟ إنما يبيعها لقول الرسول ﷺ : "بل يبيعها ولو بحبل من شعر". هذا دليل على أن لهذا تأثيرًا في الخُلُق؛ لأنه لو لم يكن مؤثرًا لما طلب الرسول من صاحبها أن يبيعها ولو بحبل، وجعل الرسول ﷺ الحبل علامة على الدناءة والقلة، كما في قولُهُ: "لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده" (٢). هذا دليل على أن ذلك قد أثر فيها.
أجاب العلماء عن السؤال السابق بالنسبة للأمة من وجهين:
الأول: أنه إذا انتقل الملك إلى غير المالك، فقد يزوجها فيعفها، أو أنه يُعِفُّها هو.
الثاني: أن من انتقلت إليه قد يؤدبها تأديبًا صارمًا، بأن تكون له هيبة "رحم الله امرأً علق سوطه بحيث يراه أهله" (٣) فالناس يختلفون في مواضع
стр. 7169
الأذى، فمن الناس من تجد فيه الحزم والجد والصلابة، فيؤدبها تأديبًا شديدًا فيردعها ويمنعها عن الوقوع في الخطأ. ومن الناس من يتساهل نتيجة طيبة أو تسامح أو غفلة (١).
أما بالنسبة للعبد فإن الحنفية قالوا بأنه لا يراد للفراش، فأجاب الجمهور بأن العبد لو زنى فإن الإنسان لا يأمن عليه أهله ولا حريمه ولا من في بيته، فهو غير موثوق به؛ لأن هذا نقص في خلُقه فذلك مؤثر، ولا شك أن مذهب جمهور العلماء أقوى في هذه المسألة وهو الصحيح (٢).
* قولُهُ: (وَهُوَ نَقْصٌ فِي الْخُلُقِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ الْعِفَّةُ. وَالزَّوَاجُ
стр. 7170
عِنْدَ مَالِكٍ عَيْبٌ، وَهُوَ مِنَ الْعُيُوبِ الْعَائِقَةِ عَنْ الاسْتِعْمَالِ (١)، وَكذَلِكَ الدَّينُ (٢)).
كان ينبغي على المؤلف ﵀ أن يبين قصده بزواج الأمة، وهو أن شراء الأمة المزوجة عيب، فليس قصده بالنقص أن الزواج عيب، بل العكس، فالزواج عفة وفيه صيانة، وفيه حفظ للمرأة والأمة، ولذلك قال الرسول ﷺ : "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٣).
إذن ليس المراد هنا أن الزواج ذاته عيب، بل مراده أن الأمة المزوجة يعتبر ذلك نقصًا فيها؛ لأمرين الأول: أنه ربما يريد السيد أن يتمتع بها فلا يتمكن.
الثاني: الآخر أن الأمة المزوجة تنشغل بزوجها ولا تتفرغ لخدمة سيدها.
стр. 7171
الدين أيضًا، هل هو عيب؟ الدين ليس عيبًا أيضًا، فمتى يكون الدين عيبًا؟ العيب إنما هو في عدم سداد الحقوق، وعدم أداء الأمانات إلى أهلها، أما أن يستدين الإنسان فخير البرية قد استدان، وقد مات رسول الله ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي بشعير (١)، هذا نوع من الدين، والناس للناس من بدو وحاضرة، بعضهم لبعض، ويعد الدين نقصًا في العبد إذا كان في الرقبة وكان السيد معسرًا، أما لو كان مدينًا والتزم سيده أن يسدد عنه زال المانع.
إذن ذكر المؤلف أمرين:
أولًا: أن زواج الأمة عيب بالنسبة للسيد، لأنه لا يتمتع بحقوقه كاملة منها.
ثانيًا: الدين أيضًا يعتبر عيبًا، ويقصد به النقص، لا أن ذات الدين عيب.
وكذلك الجناية التي يترتب عليها القود، فهي أيضًا نقص، فهذه الأمور كلها لها تأثير، وليس الأمر عند مالك، بل هذا مما قد اتفق عليه الأئمة الأربعة، فيما يتعلق بالدين (٢)، وما يتعلق بالزواج (٣)،
стр. 7172
وما يتعلق بالجناية (١)، هذه كلها موضع اتفاق بين العلماء، ولقد وهم
стр. 7173
المؤلف فيما نسبه إلى الشافعية، والله أعلم (١).
* قولُهُ: (وَذَلِكَ أَنَّ الْعَيْبَ بِالْجُمْلَةِ هُوَ مَا عَاقَ فِعْلَ النَّفْسِ، أَوْ فِعْلَ الْجِسْمِ، وَهَذَا الْعَائِقُ قَدْ يَكُونُ فِي الشَّيْءِ وَقَدْ يَكُون مِنْ خَارجٍ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ الدَّينُ وَلَا الزَّوَاجُ بِعَيْبٍ فِيمَا أَحْسَبُ).
نقل ابن المنذر إجماع الفقهاء على ذلك، ومنهم الشافعية (٢)، والذي في مذهب الشافعي هو تعليقات على صفات سوى التي ذكرها المؤلف، أما بالنسبة للدين الذي في الرقبة فقد نص الشافعية على الدين الذي في الرقبة، أما إذا كان دينًا لا يوفيه، بمعنى دين عليه يقسطه فهذه مسألة أخرى (٣).
стр. 7174
إذن فالدين الذي في الرقبة أيضًا، والأمة المتزوجة، والعبد الذي جنى فترتب عليه القود، هذه كلها موضع اتفاق بين الأئمة كلهم، ولم يخالف الشافعي ﵀ فيما أعلم - في ذلك.
* قولُهُ: (وَالْحَمْلُ فِي الرَّائِعَةِ عَيْبٌ عِنْدَ مَالِكٍ) (١).
تقريب المسألة أن الإنسان إذا كان عنده بستان فلا شك أن له ريعًا، هذه الثمرات التي يجنيها منه تسمى ريعًا، وإذا كان عندك عمارة أو محلات تؤجرها فإن ما تحصل عليه يسمى ريعًا، فالريع معناه النماء والزيادة (٢)، ويقال: فرس رائع، أي جواد (٣)، فهذه الرائعة هل يؤثر فيها الحمل؟ نعم، يؤثر فيها عند المالكية (٤).
стр. 7175
* قولُهُ: (وَفِي كَوْنِهِ عَيْبًا فِي الْوَخْشِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ) (١).
المراد بالوخش الإنسان الدنيء الذي يعرف بالصغار والحقارة (٢)،
стр. 7176
ولا شك أن الإنسان الدنيء في أخلاقه، في تصرفاته، ينزل إلى صغائر الأمور، يكون شرسًا كذلك في معاملته، هذا أيضًا يعتبر عيبًا لكن هل هذا العيب مؤثر؟
هناك صفات جبلات يولد الإنسان وهي معه، وبعضها صفات مكتسبة، فبعض الناس يجبله الله على الكرم، وبعضهم مجبول على البخل، تجد بعضهم شجاعًا وبعضهم جبانًا، وهناك صفات يكتسبها الناس، فهذا يكتسب زيادة في أخلاقه، في مروءته، إذا جالس الصالحين استفاد من سيرتهم، وهذا يسلك المسالك الملتوية فتؤثر فيه، ولذلك وصف لنا الرسول ﷺ الجليس الصالح بأنه بمثابة صاحب المسك إن لم تشترِ منه فإنه يحذيك أي: تستفيد من رائحته الطيبة، أما الجليس السيئ فإنه بلا شك إن لم يحرق هذا الكير ثوبك فستخرج برائحة خبيثة (١)، وهذه أمور يعرفها من درسوا الأدب الإسلامي، هناك صفات تولد مع الإنسان، وهناك صفات يكتسبها، وهذه المكتسبة قد تكون خيرًا كما في التعلم، في الصنعة، في غيرها، وربما يكتسب المرء صفات كان الأولى به أن يجتنبها (٢).
* قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَيْبٌ).
التصرية من صرى الشيء، والمقصود بها الحبس والمنع والجمع، والمقصود بها هنا هو إبقاء الحليب في ضرع الناقة أو الشاة أو البقرة مدة
стр. 7177
طويلة، ليحتبس فيها ويتجمع (١)، فإذا جاء المشتري المسكين الذي لا يعرف إلا الصدق، لا يعرف الخداع، أحسن الظن بها، فإذا قال البائع: هذه مليحة طيبة، ما شاء الله هذه حلوب. سارع إلى شرائها وربما يزيد في ثمنها، فما هي إلا أيام تمضي ويجد أن الضرع قد جف ويجد أنها لم تعد تدر إلا شيئًا قليلًا.
فهذه هي التصرية، وقد جاءت أحاديث عن رسول الله ﷺ منع فيها ذلك، فقال: "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد" يعني بعد التصرية "فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعًا من تمر" (٢).
أولًا: قال الرسول ﷺ : "لا تصروا" وهذا نهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه (٣)، فقد نهى الرسول عن ذلك؛ لأن في تصريتها
والرسول ﷺ قال: "من غشنا فليس منا" (١) أي: ليس على طريقتنا، ولا على منهجنا؛ لأن هذا الدين إنما قام على الصدق والعدل وحسن المعاملة مع الناس جميعًا، والجميع يعلم كيف كان رسول الله ﷺ يعامل الناس، فجار يضع الأذى في طريقه ﷺ ومع ذلك يفتقده فيعلم أنه مريض - وهو على غير دينه - فيذهب لزيارته ويكتب الله ﷺ له الإسلام على يدي رسول الله ﷺ (٢)، فالتصرية نهى عنها الرسول ﷺ ، لأن فيها خديعة وغشًّا.
* قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ (٣)، وَالشَّافِعِيِّ (٤) عَيْبٌ، وَهُوَ حَقْنُ
стр. 7180
اللَّبَنِ فِي الثَّدْيِ أَيَّامًا حَتَّى يُوهِمَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَيَوَانَ ذُو لَبَنٍ غَزِيرٍ).
ليس المراد أنه يحقن اللبن في الحيوان حقنًا طبيًّا، وإنما يقصد جمعه وحبسه.
قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ … ) المقصود به هو جمع اللبن بحبس الضرع، كما ذكر الإمام الشافعي (١)، يربطه فترة أو يبعد الشاة أو الناقة عن ولدها فلا ترضع، فإذا تجمع فإنه يجلبها، فيأتي إنسان فيشتريها ظنًّا منه أنها على هذا الشكل، هذا هو الذي نهى عنه رسول الله ﷺ .
* قولُهُ: (وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : "لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ").
لا أدري من أين جاء المؤلف بلفظة البقرة، وهي لم ترد في أي حديث من الأحاديث، وإنما الذي ورد في ذلك: "لا تصروا الإبل والغنم" (٢)، وقال ﷺ : "من اشترى غنمًا مصراة" (٣)، وقال ﷺ : "من ابتاع