← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

ولا شك أن الإنسان الدنيء في أخلاقه، في تصرفاته، ينزل إلى صغائر الأمور، يكون شرسًا كذلك في معاملته، هذا أيضًا يعتبر عيبًا لكن هل هذا العيب مؤثر؟ هناك صفات جبلات يولد الإنسان وهي معه، وبعضها صفات مكتسبة، فبعض الناس يجبله الله على الكرم، وبعضهم مجبول على البخل، تجد بعضهم شجاعًا وبعضهم جبانًا، وهناك صفات يكتسبها الناس، فهذا يكتسب زيادة في أخلاقه، في مروءته، إذا جالس الصالحين استفاد من سيرتهم، وهذا يسلك المسالك الملتوية فتؤثر فيه، ولذلك وصف لنا الرسول ﷺ الجليس الصالح بأنه بمثابة صاحب المسك إن لم تشترِ منه فإنه يحذيك أي: تستفيد من رائحته الطيبة، أما الجليس السيئ فإنه بلا شك إن لم يحرق هذا الكير ثوبك فستخرج برائحة خبيثة (١)، وهذه أمور يعرفها من درسوا الأدب الإسلامي، هناك صفات تولد مع الإنسان، وهناك صفات يكتسبها، وهذه المكتسبة قد تكون خيرًا كما في التعلم، في الصنعة، في غيرها، وربما يكتسب المرء صفات كان الأولى به أن يجتنبها (٢). * قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَيْبٌ). التصرية من صرى الشيء، والمقصود بها الحبس والمنع والجمع، والمقصود بها هنا هو إبقاء الحليب في ضرع الناقة أو الشاة أو البقرة مدة

стр. 7177

طويلة، ليحتبس فيها ويتجمع (١)، فإذا جاء المشتري المسكين الذي لا يعرف إلا الصدق، لا يعرف الخداع، أحسن الظن بها، فإذا قال البائع: هذه مليحة طيبة، ما شاء الله هذه حلوب. سارع إلى شرائها وربما يزيد في ثمنها، فما هي إلا أيام تمضي ويجد أن الضرع قد جف ويجد أنها لم تعد تدر إلا شيئًا قليلًا. فهذه هي التصرية، وقد جاءت أحاديث عن رسول الله ﷺ منع فيها ذلك، فقال: "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد" يعني بعد التصرية "فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعًا من تمر" (٢). أولًا: قال الرسول ﷺ : "لا تصروا" وهذا نهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه (٣)، فقد نهى الرسول عن ذلك؛ لأن في تصريتها

стр. 7178

غشًّا (١)، .......................................................

стр. 7179

والرسول ﷺ قال: "من غشنا فليس منا" (١) أي: ليس على طريقتنا، ولا على منهجنا؛ لأن هذا الدين إنما قام على الصدق والعدل وحسن المعاملة مع الناس جميعًا، والجميع يعلم كيف كان رسول الله ﷺ يعامل الناس، فجار يضع الأذى في طريقه ﷺ ومع ذلك يفتقده فيعلم أنه مريض - وهو على غير دينه - فيذهب لزيارته ويكتب الله ﷺ له الإسلام على يدي رسول الله ﷺ (٢)، فالتصرية نهى عنها الرسول ﷺ ، لأن فيها خديعة وغشًّا. * قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ (٣)، وَالشَّافِعِيِّ (٤) عَيْبٌ، وَهُوَ حَقْنُ

стр. 7180

اللَّبَنِ فِي الثَّدْيِ أَيَّامًا حَتَّى يُوهِمَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَيَوَانَ ذُو لَبَنٍ غَزِيرٍ). ليس المراد أنه يحقن اللبن في الحيوان حقنًا طبيًّا، وإنما يقصد جمعه وحبسه. قولُهُ: (وَالتَّصْرِيَةُ … ) المقصود به هو جمع اللبن بحبس الضرع، كما ذكر الإمام الشافعي (١)، يربطه فترة أو يبعد الشاة أو الناقة عن ولدها فلا ترضع، فإذا تجمع فإنه يجلبها، فيأتي إنسان فيشتريها ظنًّا منه أنها على هذا الشكل، هذا هو الذي نهى عنه رسول الله ﷺ . * قولُهُ: (وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : "لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ"). لا أدري من أين جاء المؤلف بلفظة البقرة، وهي لم ترد في أي حديث من الأحاديث، وإنما الذي ورد في ذلك: "لا تصروا الإبل والغنم" (٢)، وقال ﷺ : "من اشترى غنمًا مصراة" (٣)، وقال ﷺ : "من ابتاع

стр. 7181

محفلة" (١)، والمراد بالمحفلة المصراة التي حبس لبنها، من المحفل، يقال: هذه محافل القوم أي الأماكن أو مواضع اجتماعاتهم، تقول: حضرت في محفل أي في اجتماع، هذه محافل أي مواضع اجتماعات (٢)، فالحديث ورد في الإبل والغنم، وأما البقرة فإن العلماء ألحقوها بذلك، ويدخل فيه أنواع بهيمة الأنعام، وسيذكر المؤلف خلاف الظاهرية في ذلك (٣)، وهو يحتاج إلى أن نعلق عليه إن شاء الله. * قولُهُ: (وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : "لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (٤)).

стр. 7182

هذا أيضًا جاء على خلاف المعروف، يعني على خلاف ما درسناه في البيوع؛ لأن هذا إنسان غش فحبس اللبن في ضرع الشاة أو البقرة أو الناقة، ثم تبين أن ذلك خداع، فالرسول ﷺ خير المشتري بين واحد من أمرين، إما أن يقبلها بحالها، وإما أن يردها وصاعًا من تمر مقابل ما احتلبه منها، كما جاء في الحديث "الخراج بالضمان" (١). معنى الخراج: الدخل والمنفعة. قولُهُ تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ المراد بالخراج: هو المنفعة والدخل (٢). والقصد من الخراج أن الإنسان إذا كان له مبيع له دخل وريع،

стр. 7183

فإنه يستفيذ، يأخذ ريعه وغلته مقابل أنه ضامن لأصله فيما لو تلف، كالبائع في مثل هذه الحالات (١)، والخراج بالضمان هو نص حديث صحيح (٢)، وقد أخذه العلماء بنصه قاعدة فقهية، فكان من القواعد الفقهية، والقاعدة إما أن تستنبط من آية، كقاعدة (المشقة تجلب التيسير)، حيث إنها أخذت من عموم قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ومن قول الرسول ﷺ : "يسروا ولا تعسروا" (٣)، والأحاديث كثيرة، وإما أن تكون نص حديث كما في هذه القاعدة: الخراج بالضمان، وإما أن تكون مأخوذة بلفظ قريب من حديث، كقاعدة: (الضرر يزال) (٤) فهي مأخوذة

стр. 7184

من حديث: "لا ضرر ولا ضرار" (١). وسيأتي الكلام إن شاء الله عن هذه القاعدة عندما يوردها المؤلف. * قولُهُ: (قَالُوا: فَأَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ بِالرَّدِّ مَعَ التَّصْرِيَةِ، وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى كوْنِهِ عَيْبًا مُؤَثِّرًا. قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُدَلِّسٌ، فَأَشْبَهَ التَّدْلِيسَ بِسَائِرِ الْعُيُوبِ) (٢). التدليس هو التغطية، ومعلوم أن التدليس أنواع، فالمدلس في الحديث هو الذي يسقط راويًا من الرواة، والتدليس قد يكون في السند وقد يكون في غيره (٣)، والتدليس عندنا في المصطلح الفقهي إنما هو تغطية

стр. 7185

العيب وإخفاؤه، وهذا لا يجوز (١)، ولذلك أنكر رسول الله ﷺ على صاحب الطعام الذي جاءه الرسول فأدخل يده في الطعام فأخرجها فوجد بللًا في أسفلها، قال: "ما هذا يا صاحب الطعام"؟ قال: أصابه المطر. قال: "هلا أظهرته حتى يراه الناس ويعرفوه" (٢)، كما قال ﷺ ، فهذا عيب وغش، ولا يلتقي مع روح الإسلام. * قولُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَيْسَتِ التَّصْرِيَةُ عَيْبًا لِلاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اشْتَرَى شَاةً فَخَرَجَ لَبَنُهَا قَلِيلًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ (٣)). يعني لو اشترى شاة فسال من ضرعها شيء من اللبن لا يعتبر، فهذا كذاك، لكن نقول: هذا خلاف هذا، تلك مقصودة، وهي عيب قصد البائع به أن يغش، وأن يخدع المشتري.

стр. 7186

* قولُهُ: (قَالُوا: وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ يَجِبُ أَنْ لَا يُوجِبَ عَمَلًا لِمُفَارَقَتِهِ الْأُصُولَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُفَارِق لِلأصُولِ مِنْ وُجُوهٍ: فَمِنْهَا: أَنَّهُ مَعَارِضٌ لِقَوْلِهِ ﵊: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَق عَلَيْهِ (١)). الخراج يعني النفع والفائدة والدخل، وتوضيح ذلك أنه إذا اشترى إنسان مبيعًا، وكان هذا المبيع له ريع ودخل، فإنه هو الذي يستقل بذلك؛ لأن ذلك يقابل ضمان الأصل لو تلف، فلو أن إنسانًا اشترى دابة، أو سيارة ينقل عليها أو يحمل عليها، فإن فائدة هذه الدابة إنما هي لهذا المشتري؛ لأنه هو الضامن لأصلها لو تلفت، فإذا ما تبين عيب من العيوب فإنه يرد ذلك إلى البائع، ولا يضمن مثل ذلك (٢). والمصراة استتنيت من هذا الأصل "الخراج بالضمان" فترد ومعها شيء، فهذا جاء على خلاف الأصل، فعندك أصل تستفيد منه وتأخذ

стр. 7187

نماءه؛ لأنه لو ضاع هذا الأصل فأنت الذي ستفقده ولا ترجع إلى البائع فتقول له: يا أخي، أنت بعتني العام الماضي - مثلًا - سلعة، الآن هلكت، إذن أنا أطالبك بقيمتها. لكن ما ورد في الثمار يختلف كما جاء في الجائحة، فهذه أمرها يختلف (١)، قال فيها الرسول: "بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (٢). وحديث: "الخراج بالضمان" صحيح، أخرجه أصحاب السنن (٣). * قولُهُ: (وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ مُعَارَضَةَ مَنْعِ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ نَسِيئَةً) (٤). معلوم ما يعرف بالخراج في الفقه الإسلامي، وكيف أن عمر ﵁

стр. 7188

فرضه على أرض السواد في العراق، وكتب العلماء السابقون كتبًا في ذلك تعرف بالخراج؛ كالإمام أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، وكذلك أيضًا ابن رجب قد ألف "الاستخراج في أحكام الخراج"، وغيرهما كذلك. وهذا مما مر ذكره، لكني أحيانًا أذكر الشيء وأوضحه؛ لأنه ربما يكون فيها غموض. ومسألة النسيئة هذه مما قد مر، فقد سبق أن الرسول ﷺ قال: "البر بالبر" قال: "الذهب بالذهب والبر بالبر" إلى آخره، ثم قال ﷺ : "مثلًا بمثل ويدًا بيد" ثم قال: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (١)، وهذا أيضًا ظاهره أنه مخالف. * قولُهُ: (وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ مُعَارَضَةَ مَنْعِ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ نَسِيئَةً، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُتْلَفَاتِ إِمَّا القِيَمُ وَإِمَّا الْمِثْلُ). يعني إذا تلف الشيء فإما أن تدفع المثل، كما مر في الحج، أن جزاء الصيد ما يقابله، فإما المثل، وإما أن تدفع القيمة، وهذا معروف، تقدر الفرق ثم تدفع القيمة كاملة وأرش النقص (٢)، وغير ذلك. * قولُهُ: (وَإِعْطَاءُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ فِي لَبَنٍ لَيْسَ قِيمَةً وَلَا مِثْلًا). لأن التمر ليس كاللبن، هذا شيء وهذا شيء، هذا سائل وهذا من

стр. 7189

أنواع الطعام (١). * قولُهُ: (وَمِنْهَا: بَيْعُ الطَّعَامِ الْمَجْهُولِ (أَيْ: الْجُزَافُ) بِالْمَكِيلِ الْمَعْلُومِ). لأن التمر معروف كيله، قال: "وصاعًا من تمر" لكن اللبن لا يعرف قدره، إذن فهو مجهول "ردها وصاعًا من تمر" ولم يحدد الرسول ﷺ مقدار اللبن. هذه الاعتراضات التي أوردوها كلها واردة، لكن لا اعتراض مع وجود نص (٢). * قولُهُ: (لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْقَدْرِ، وَأَيْضًا

стр. 7190

فَإِنَّهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَالْعِوَضُ هَاهُنَا مَحْدُودٌ (١). وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُسْتَثْنَى هَذَا مِنْ هَذه الْأُصُولِ كلِّهَا لِمَوْضِعِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ). أحسن المؤلف حيث بين أن كل هذه الاعتراضات التي أوردت موضع تقدير واحترام، وهي معارضة ظاهرًا، وقد نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة (٢)، والمزابنة أن تبيع الرطب على رؤوس النحل بالتمر على الأرض (٣)، ثم نجد أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بشروط معروفة (٤)، ونحن نرى أن السلم (٥) أيضًا ظاهره أنه جاء على خلاف

стр. 7191

القياس، تسلم مبلغًا وتنتظر السلعة لكي تأتي إليك، في الإجارة تدفع الأجرة مقدمًا وأنت بعد لم تستغرق المنفعة، لم تسكن الدار، وغيرها، فلدينا حديث متفق عليه جاء في البخاري ومسلم وفي السنن وغيرها (١)، فهو حديث صحيح نطق به رسول الله ﷺ ، وهو صريح الدلالة لا يحتمل تأويلًا ولا تبديلًا ولا تغيرًا، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وهذا مما آتانا رسول الله ﷺ ، ويقول تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فهذا هو قول رسول الله ﷺ فهو الحكم والفيصل بيننا، فهو الذي يرفع النزاع ويزيل الإشكال، فنقول: هذا حديث رسول الله ﷺ أثبت هذا الأمر، فينبغي أن نعمل به. * قولُهُ: (وَهَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ خَاصٌّ). كأن المؤلف يقول: أنا أدركت هذه المسألة من خلال الحديث وأخذتها. * قولُهُ: (وَلَكِنِ اطَّرَدَ (٢) إِلَيْهِ الْقَوْلُ). كأنه يقول: جرني إليها الكلام والحديث، فاستطردت في ذكر هذه المسألة. وأنا أقول: هذا موضعها، أو هذا موضع من مواضعها، المؤلف يتكلم عن العيوب، وهذا عيب من العيوب، وأحد أدلة الرد بالعيب حديث المصراة.

стр. 7192

* قولُهُ: (وَلَكِنِ اطَّرَدَ إِلَيْهِ الْقَوْل، فَلْنَرْجِعْ إِلَى حَيْثُ كُنَّا، فنَقُولُ). كأنه يقول: أخذنا بأطراف الحديث واستطردنا في موضوع المصراة، فنرجع إلى موضع العيوب. * قولُهُ: (فنَقُولُ: إِنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي الْعَوَرِ، وَالْعَمَى). القصد بالعور ذهاب إحدى العينين كاملة، وهذا سبق أن تكلمنا عنه في الأضحية وفي الهدي، وأما العمى فهو ذهاب العينين معًا. * قولُهُ: (وَقَطْعِ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ). لا شك أن قطع اليد عيب، فصاحب اليدين ليس كصاحب يد واحدة، ومن يمشي على رجلين ليس كمن يمشي على إحدى الرجلين فقط، لأن هؤلاء يشترون للخدمة. * قولُهُ: (أَنَّهَا عُيُوبٌ مُؤَثِّرَةٌ). أليست هذه إذا جلبت في الأسواق تؤثر في القيم؟ الجواب: بلى، رجعنا إذن إلى الأصل، هي تؤثر في القيمة، إذن فهي عيوب (١). * قولُهُ: (وَكَذَلِكَ الْمَرَضُ فِي أَيِّ عُضْوٍ كَانَ). المرض كأن تشل رجل من الأرجل مع وجودها، فالرجل غير مقطوعة لكنها شلاء، وربما كانت اليد أو اليدان كذلك، وربما يكون

стр. 7193

المرض عامًّا، فيكون الإنسان مقعدًا، وربما لا يكون مقعدًا لكنه يكون هزيلًا ضعيفًا لا يستطيع أن يقوم بالخدمة، يريده الذي يشتريه ليعمل في الفلاحة، أو ليعمل في الصناعة، أو في التجارة، أو في غير ذلك، وهو لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل، فهذا عيب، لو جلبه إلى السوق فوضع أمام صحيح لوجد أن قيمته أقل، إذن فهذه عيوب يرد بها المبيع. * قوله: (أَوْ كَانَ فِي جُمْلَةِ الْبَدَنِ). يعني عمومًا. * قوله: (وَالشَّيْبُ فِي الْمَذْهَبِ عَيْبٌ فِي الرَّائِعَةِ). مر تفسير الرائعة بأنها ذات النمو والزيادة. "* قوله: (وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ فِيهَا) (١). لأنه كما قال الشاعر (٢): قد يشيب الفتى وليس عجيبًا … أن يرى النور في القضيب الرطيب يعني: في الغصن الرطيب (٣)، تأتي إلى غصن أخضر في غاية ريعانه وجماله وزهوه، وتجد أن البياض وجد في أماكن منه، هذا لا يعد عيبًا؛ لأنه لا يزال الغصن رطيبًا، كذلك قد تجد هذا الفتى الشاب القوي اليافع

стр. 7194

والشيب في رأسه ظاهر، وبعض الناس ينيف على الستين وتجد أن رأسه ولحيته باقيان على حالهما من السواد، فالشيب ليس له سن محددة، حتى إن بعض الناس يظهر فيه الشيب قبل الثلاثين. * قولُهُ: (وَكَذَلِكَ الاسْتِحَاضَةُ عَيْبٌ فِي الرَّقِيقِ وَالْوَخْشُ). الاستحاضة درسناها بالتفصيل، وهي استمرار الدم، فهي غير الحيض (١)، وهي عيب، لأنها تشغل المرأة فتأخذ جزءًا من وقتها (٢). * قولُهُ: (وَكَذَلِكَ ارْتِفَاعُ الْحَيْضِ عَيْبٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ) (٣). يعني انقطاع الحيض، أما انقطاعه في السن المعتادة التي تكلم عنها العلماء، فليس عيبًا، إنما المقصود هنا انقطاعه قبل ذلك؛ لأن هذه الأمة إذا انقطع حيضها فهي ليست أهلًا للولادة، وهذا عيب.

стр. 7195

* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ ارْتِفَاعُ الْحَيْضِ عَيْبٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالزَّعَرُ عَيْبٌ). المراد بالزعر قلة الشعر، فالأزعر هو قليل الشعر (١)، أو الإنسان الشرس، يفسر بهذا وذاك (٢)، فالشراسة عيب من العيوب (٣). لكل داء دواء يستطب به … إلا الحماقة أعيت من يداويها (٤) لذلك يتكلم الفقهاء - كما مر - عن اختيار الزوج أو البيت الذي لا يعرف بالحماقة؛ لأن الحماقة تدفع صاحبها إلى الوقوع في الخطأ، ولذلك نهي القاضي أن يقضي وهو غضبان (٥)، والأحمق تجده دائمًا في حالة غضب، كل شيء يثيره يعكر صفوه، فهذا عيب من العيوب (٦).

стр. 7196

* قولُهُ: (وَأَمْرَاضُ الْحَوَاسِّ وَالْأَعْضَاءِ كُلُّهَا عَيْبٌ بِاتِّفَاقٍ). الحواس كأن يكون أصم، أي: به صمم فلا يسمع، فمن أمراض الحواس ألا يسمع أو لا يتكلم أو لا يشم، هذه عيوب فيه؛ لأن هذه الحواس تؤثر فيه، فإنسان يشتغل في مكان ينبغي أن يشم الرائحة، فإن لم يكن يشم فذلك يؤثر، وإنسان لا يسمع ربما تترتب على ذلك أضرار، وإنسان لا يتكلم وهو يراد متكلمًا في مكان عمله، فهذه كلها عيوب (١). والرتق (٢) في المرأة من العيوب (٣)، ولكن المؤلف اكتفى بذكر بعض الأمثلة؛ لتكون كالقواعد.

стр. 7197

* قولُهُ: (وَبِالْجُمْلَةِ فَأَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ مَا أَثَّرَ فِي الْقِيمَةِ (أَعْنِي: نَقَصَ مِنْهَا) فَهُوَ عَيْبٌ). هذه القاعدة أسسنا لها قبل، كل ما يؤثر في القيمة يعتبر عيبًا، كل ما نقص من قيمة السلعة يعتبر عيبًا فيها، والمرجع في ذلك التجار، فهم الذين يرجع إليهم في ذلك. * قولُهُ: (وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ عَيْبٌ) (١). البول في الفراش أطلقه المؤلف، وهذا فيه تفصيل عند العلماء، لا شك أنهم اتفقوا من حيث الجملة على أن البول في الفراش عيب بالنسبة للعبد وللأمة، لكن فصل القول في ذلك، على مذاهب: الأول مذهب الحنفية: إذا استطاع هذا الذي يبول على فراشه أن يأكل بنفسه ويشرب بنفسه ويخدم نفسه فقد أصبح مدركًا، ما دام أدرك فاستطاع أن يأكل ويشرب ويلبس ويقوم ويذهب، فهو يعرف أن البول ليس أمرًا حسنًا، فهذا يعتبر البول في الفراش عيبًا فيه (٢).

стр. 7198

الثاني مذهب أحمد: إذا وصل إلى سن العاشرة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم بالمضاجع" فجعل علامة الضرب أو البدء في ضرب الابن والقسوة عليه سن العاشرة، فإذا وصل إلى سن العاشرة فإنه يعتبر عيبًا أيضًا (١). الثالث: إذا بلغ الحلم، لأنه حينئذٍ يصبح مكلفًا، وقبل ذلك يكون مرفوعًا عنه القلم، واعتبار ذلك عيبًا تتعلق به كتابة القلم فيه مخالفة لما أخبر عنه رسول الله ﷺ في قولُهُ: "رفع القلم عن ثلاثة" (٢). هكذا قال العلماء، فالأقوال في ذلك متعددة، لكنه - أي البول في الفراش - من حيث الجملة عيب باتفاق العلماء، وهو عيب لأنه يعتبر دليلًا على وجود ضرر في البطن. * قولُهُ: (وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ عَيْبٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَقَالَ

стр. 7199

أَبُو حَنِيفَةَ: تُرَدُّ الْجَارِيَةُ بِهِ، وَلَا يُرَدُّ الْعَبْدُ بِهِ (١)، وَالتَّأنِيثُ فِي الذَّكرِ وَالتَّذْكِيرُ فِي الْأُنْثَى عَيْبٌ) (٢).

стр. 7200

كذلك التخنث في الذكر والترجل (١) في المرأة مما نهي عنه، وقد حذر الرسول ﷺ من هذا النوع، فلا ينبغي للرجل أن يكون متمايلًا في مِشيته وفي حركته، وفي كلامه؛ فإن الرسول ﷺ أمر بإخراج هذا النوع (٢)، وكذلك المرأة أيضًا ينبغي ألا تكون مترجلة في تصرفاتها، وفي أقوالها وفي أعمالها، فهذا عيب. * قولُهُ: (هَذَا كلُّهُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَّا مَا ذَكرْنَا فِيهِ الاخْتِلَافَ). وهناك أشياء كثيرة جدًّا لم يعرض لها المؤلف، أمثلة كثيرة، ولكنه وضع هذه بمثابة أصول، البخر عيب (٣)؛ لأن رائحته كريهة يتأثر به صاحبه ويتضرر، وكذلك غيره، وكذلك الرتق أيضًا كما ذكرنا (٤)، كذلك البرص، والجذام، وضعف العقل، فهذه لها تأثير أيضًا (٥). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 7201

(النَّظَرُ الثَّانِي) يبقى مسألة أخرى لم يذكرها المؤلف، لأنه سينتقل، فقد ذكر الزنا فقط. والمسألة: إذا كان سارقًا أو آبقًا يعني، إذا كان هذا يسرق أو ينتهب من الناس فما الحكم هنا؟ تكلم العلماء عن هذا، فمن أهل العلم من فرق بين الصغير والكبير، فقالوا: إن كان صغيرًا فلا يؤاخذ، وإن كان كبيرًا، أي: وصل إلى سن العاشرة، فإنه يؤاخذ، ومنهم من قيد ذلك بسن البلوغ (١).

стр. 7202

*قولُهُ: (وَأَمَّا شَرْطٌ الْعَيْبِ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ بِهِ فَهُوَ أَنْ يَكونَ حَادِثًا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ بِاتِّفَاقٍ). وأما شرط العيب الموجب للرد، الموجب في الحكم به، يعني يقتضي أن يحكم فيه بالردِّ مطلقًا أو أن يرد البيع مع أرش، أو أن يأخذ هو الأرش ويبقى البيع في ذمته، كل ذلك سيأتي في مسائل مفصلة إن شاء الله. * قولُهُ: (فَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ بِاتِّفَاقٍ) (١).

стр. 7203

مراده أن يكون العيب الذي يحصل في المبيع قد حصل عند البائع له، وإذا طرأ العيب عند المشتري وقد قبض سلعته وتسلمها، فإنه لا يكون البائع مسؤولًا عن ذلك، إلا ما سيأتي في مسائل يخالف فيها المالكية غيرهم. * قولُهُ: (أَوْ فِي الْعُهْدَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا). إذا لم يشترط البائع البراءة من العيوب فهناك ما يعرف عند المالكية بالعهدة (١)، وهم يقسمون العهدة إلى قسمين: عهدة يحصرونها بأيام ثلاثة كما مر، أو كما سيأتي بالنسبة للخيار، هذه العهدة التي يجعلون لها مدة محددة بأيام ثلاثة هي عهدة الرقيق. وهناك عهدة السنة، وهذه تكون في نوع من الأمراض، وهي التي يعبر عنها الفقهاء بالداء العضال، وذلك في الأمراض الثلاثة: الجذام والجنون والبرص (٢)، وهذه مسألة انفرد بها

стр. 7204

المالكية عن غيرهم، فلم يوافقهم الأئمة؛ الشافعي (١)، وأبو حنيفة (٢)، وأحمد فيما ذهبوا إليه (٣).

стр. 7205

* قوله: (فَيجِبُ هَاهُنَا أَنْ نَذْكرَ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي الْعُهْدَةِ، فَنَقُولُ: انْفَرَدَ مَالِكٌ). المؤلف نبه إلى أن الإمام مالكًا انفرد من بين الأئمة، لكن الإمام مالك ﵀ لم ينفرد بالقول، بل وافقه سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، ومحمد بن شهاب الزهري، وافقه جمع من أكابر العلماء، لكنه انفرد عن أصحابه، أو عن بقية الأئمة الأربعة (١). قد يقول قائل: لماذا ينفرد مالك عن الأئمة؟ سيأتي بعد قليل إن شاء الله ما يذكره المؤلف من دليل، لكن الخلاف في تصحيح ما احتج به المالكية، هل هو صحيح أم لا؟ لقد ردَّه بقية الأئمة؛ لأنه لم يصح، وأخذ به مالك؛ لأنه وافق إجماع أو قول أهل المدينة (٢)، ومعلوم أن إجماع أهل المدينة حجة عند المالكية (٣)، وليس

стр. 7206

بحجة عند غيرهم (١)؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ - كما هو معلوم - تفرقوا في الأمصار؛ فمنهم من ذهب إلى الشام، ومنهم من ذهب إلى مصر، ومنهم من ذهب إلى مكة، ومنهم من ذهب إلى الطائف، وقد انتشروا في الآفاق، ومنهم من بقي في المدينة، وكذلك غيرهم من التابعين، فلا يعتبر إجماع أهل المدينة إذن حجة عند غير المالكية.

стр. 7207

* قولُهُ: (فَنَقُولُ: انْفَرَدَ مَالِكٌ بِالْقَوْلِ بِالْعُهْدَةِ دُونَ سَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَسَلَفُهُ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَغَيْرُهُمْ). ليس قصده هنا بالعهدة العهد الذي نعرفه، وإنما الالتزام، إنه يترتب على هذا المبيع الذي لم يشترط البائع فيه البراءة من العيوب - هذه العهدة. * قولُهُ: (وَمَعْنَى الْعُهْدَةِ: أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ حَدَثَ فِيهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ). لكن هذا ليس على إطلاقه، فليس في كل أنواع السلع، وإنما هذا في الرقيق بالنسبة للأيام الثلاثة (١). * قولُهُ: (وَهِيَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا عُهْدَتَان: عُهْدَةُ ثَلَاثَةِ الْأَيَّامِ: وَذَلِكَ مِنْ جَميعِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ فِيهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي). أي: الحديثة، التي قد حدثت في هذه الأيام الثلاثة، ما لم يشترط البائع البراءه من العيوب؛ لأنه حينئذٍ ليس مسؤولًا عنها، يقول: هذه السلعة أمامك، ليس فيها عيب، افحصها ودقق النظر فيها، أما ما خفي فهذا لا يعلمه إلا الله ، فلا يستطيع أن يذكر مرضًا خفيًّا لا يعلمه، ولا علة غير بارزة، وإنما قد يبين العيب في دار جدارها فيه تصدع، أو ثوب أكله مرور السنين والأيام، أو بضائع نزل عليها مطر مما يتأثر بذلك، إلى غير ذلك مما يؤثر، ولا شك أن العيوب تختلف، فمنها اليسير ومنها المتوسط ومنها الفاحش. * قولُهُ: (وَعُهْدَةُ السَّنَةِ: وَهِيَ مِنَ الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ: الْجُذَام، وَالبَرَص، وَالْجُنُونُ). هذه التي عبر عنها الفقهاء رحمهم الله تعالى بالداء العضال، يعني

стр. 7208

الأمراض الصعبة التي تعرف الآن بالأمراض الخطيرة (١)، فالجذام هو تناثر اللحم، فتجد اللحم من كثرة القروح والجروح التي بالجسم يتمزق ويتساقط (٢)، والبرص كلنا يعرفه، وهو تغير لون البشرة (٣)، وكذلك الجنون وهو فقدان العقل، وهذا العقل هو الذي يميز به الإنسان بين ما ينفع وما يضر، وهو الذي جعله الله تعالى خاصة لهذا الإنسان، فميزه به على سائر الحيوان، ولذلك نجد أولئك الذين يذهبون عقولهم بأسباب إنما وقعوا في كبيرة من الكبائر، وتعدوا على ذلكم العقل الذي وهبه الله للإنسان، وأمره بصيانته والمحافظة عليه، وهذه كلها عيوب، ويرد بها النكاح أيضًا، وإن الإنسان لو لم يعلم بذلك فإن النكاح يرد، لكن لو قبل الأمر فالحكم يختلف. * قولُهُ: (فَمَا حَدَثَ فِي السَّنَةِ مِنْ هَذه الثَّلَاثِ بِالْمَبِيعِ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ). عند المالكية أن ما حصل من عيب في الأيام الثلاثة في الرقيق الخاصة، فهو من ضمان البائع، وما حصل بالنسبة للأمراض الثلاثة طيلة العام حتى ينتهي - والوقت يحسب بعد الثلاثة الأيام - فإنه يكون أيضًا من ضمان البائع (٤). * قولُهُ: (وَمَا حَدَثَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْعُيُوبِ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَصْلِ. وَعُهْدَةُ الثَّلاثِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْجُمْلَةِ). مراد المؤلف أنه إذا أخرج عهدة الثلاثة الأيام والأمراض الثلاثة فإنه يرجع إلى الأصل، والأصل أن الذي يضمن ما يحصل في المبيع بعد

стр. 7209

شرائه وقبضه إنما هو المشتري (١). * قولُهُ: (وَعُهْدَةُ الثَّلاثِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالْجُمْلَةِ بِمَنْزِلَةِ أَيَّامِ الْخِيَارِ). معلوم أن رسول الله ﷺ جعل الخيار ثلاثة أيام كما جاء في حديث المصراة وغيرها. * قولُهُ: (وَأَيَّامِ الاسْتِبْرَاءِ، وَالنَّفَقَةُ فِيهَا). قصده بالاستبراء البراءة من العيب (٢). * قولُهُ: (وَالضَّمَانُ مِنَ الْبَائِعِ. وَأَمَّا عُهْدَةُ السَّنَةِ: فَالنَّفَقَةُ فِيهَا وَالضَّمَانُ مِنَ الْمُشْتَرِي إِلَّا مِنَ الْأَدْوَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَهَذِهِ الْعُهْدَةُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الرَّقِيقِ، وَهِيَ أَيْضًا وَاقِعَةٌ فِي أَصْنَافِ الْبُيُوعِ فِي كُلِّ مَا الْقَصْدُ مِنْهُ الْمُمَاكسَةُ (٣)، وَالْمُحَاكرَةُ).

стр. 7210

قصده أن العيوب التي تطرأ ويكتشفها المشتري ويكون البائع قد دلس عليه فيها، فإن له الحق أن يرجع عند ذلك، وهذا معروف لا يخالف فيه الأئمة، فإذا وجد عيب قد غطاه البائع وعلم أنه لا يمكن أن يكون قد حدث، كأن يكون جرح قد اندمل ومضى عليه وقت طويل، فهذا لا يمكن أن يقال إنه حصل عند المشتري؛ لأنه يعلم أنه مر عليه وقت طويل، إذن فهذا شيء أخفاه البائع عن المشتري فيطالب به (١). * قولُهُ: (وَاقِعَةٌ فِي أَصْنَافِ الْبُيُوعِ فِي كُلِّ مَا الْقَصْدُ مِنْهُ الْمُمَاكسَةُ وَالْمُحَاكرَةُ). المراد بالمماكسة: أن يبذل المشتري كل ما يستطيع في محاورته ومفاوضته للبائع حتى يقلل له من ثمن السلعة، الناس يختلفون، فبعض الناس يأتي ويقول: أعطني السلعة. لكن كثيرًا من الناس إذا أرادوا أن يشتروا فإنهم يماكسون، يبذلون جهدهم لكي يقلل لهم البائع من قيمة السلعة. والمحاكرة: هي حبس السلعة (٢)، كأمثال الذين يحتكرون السلع حتى يأتي وقت من الأوقات ترتفع أسعارها فيخرجونها ليبيعوها الناس بأسعار عالية، والاحتكار فيه كلام معروف للعلماء (٣).

стр. 7211

* قولُهُ: (وَكَانَ بَيْعًا لَا فِي الذِّمَّةِ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ). في مذهب مالك؛ لأن الأئمة رأيهم صريح في هذا فيما يتعلق بالعهدة. * قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَعُهْدَةُ السَّنَةِ تُحْسَبُ عِنْدَهُ بَعْدَ عُهْدَةِ الثَّلاثِ فِي الْأَشْهَرِ مِنَ الْمَذْهَبِ). يعني أنها لا تتداخل، فلا نقول بأن عهدة الأيام الثلاثة تدخل ضمن عهدة السنة، بل تنتهي هذه أولًا - أي عهدة الأيام الثلاثة - ثم تأتي الأخرى، كمثل الحال في البراءة، وسيعقد لها المؤلف فصلًا مستقلًّا (١). * قولُهُ: (وَعُهْدَةُ السَّنَةِ تُحْسَبُ عِنْدَهُ بَعْدَ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فِي الْأَشْهَرِ مِنَ الْمَذْهَبِ (٢)، ...............................................

стр. 7212

وَزَمَانُ الْمُوَاضَعَةِ (١) يَتَدَاخَلُ مَعَ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ إِنْ كَانَ زَمَانُ الْمُوَاضَعَةِ أَطْوَلَ مِنْ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ (٢). وَعُهْدَةُ السَّنَةِ لَا تَتَدَاخَلُ مَعَ عُهْدَةِ الاسْتِبْرَاءِ (٣). سيأتي ما يتعلق بالاستبراء أو البراءة. * قولُهُ: (هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَقَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ: لَا يَتَدَاخَلُ مِنْهَا عُهْدَة مَعَ ثَانِيَةٍ). يعني: أن هناك اتفاقًا بين المالكية والفقهاء السبعة من حيث الجملة

стр. 7213

على وجود العهدتين، لكنهم يختلفون في تفصيل ذلك. * قولُهُ: (وَقَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ: لَا يَتَدَاخَلُ مِنْهَا عُهْدَةٌ مَعَ ثَانِيَةٍ، فَعُهْدَةُ الاسْتِبْرَاءِ أَوَّلًا، ثُمَّ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ، ثُمَّ عُهْدَةُ السَّنَةِ (١)، وَاخْتَلَفَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ: هَلْ تَلْزَمُ الْعُهْدَةُ فِي كُلِّ الْبِلَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْمِلَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا؟). هذه العهدة التي قال بها المالكية هل تطبق في كل البلاد الإسلامية، أو أنه يختلف بها بلد دون بلد؟ عاد المؤلف ليتحدث عن قاعدة العادة محكمة، أو قاعدة العرف (٢)، فهذه العهدة هل تطبق في كل بلد أو أن لكل بلد عادتها وعرفها؟ لا شك أن المعروف أن العادة محكمة، وأن البلاد تختلف في أعرافها، فأنت لو ذهبت من هنا، من المملكة، إلى بلد يتعامل بغير الريال

стр. 7214

كالكويت مثلًا، ثم اشتريت سلعة، فقيل لك: هذه بعشرة. لا تحتج عليه وتقول: هي عشرة ريالات، لأنهم يتعاملون هناك بالدينار، والدينار أكثر، إذن يرجع إلى العرف، الحق يكون مع البائع، لأنك تتعامل بعرف تلك البلاد وصرفها، وكذلك العكس لو جاء هنا. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ: هَلْ تَلْزَمُ الْعُهْدَةُ فِي كُلِّ الْبِلَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْمِلَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا؟ فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَان (١)). المراد: هل تلزم بمجرد وقوعها أو أن الأمر يتعلق بالإلزام كأن يفرضه الوالي عليهم مثلًا لمصلحة اقتضت ذلك، فيكون ذلك من باب المصالح، يعني تعميم هذا الحكم؟ * قولُهُ: (فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَان، فَإِذَا قِيلَ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ هَذه الْبَلَدِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ حُمِلُوا عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَان فِي الْمَذْهَبِ (٢)، وَلَا يَلْزَمُ النَّقْدَ).

стр. 7215

مذهب مالك ليس فيه اتفاق على حمل البلاد الأخرى، فمن المالكية من يرى الحمل ومنهم من لا يرى، والذي لا يرى هو الأقرب إلى مذهب الأئمة الثلاثة الباقين (١). * قولُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ النَّقْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَإِن اشْتُرِطَ، وَيَلْزَمُ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ؛ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَكْمُلْ تَسْلِيمُ الْبَيْعِ فِيهَا لِلْبَائِعِ). لا يلزم في عهدة الثلاث لقصر مدتها، ويلزم في السنة لطول المدة، والعلة في ذلك أنه يكمل تسليم البيع فيها للبائع (٢). * قولُهُ: (قِيَاسًا عَلَى بَيْع الْخِيَارِ لِتَرَدُّدِ النَّقْدِ فِيهَا بَيْنَ السَّلَفِ، وَالْبَيْعِ (٣)، فَهَذ كُلُّهَا مَشْهُورَاتُ أحْكَامِ الْعُهْدَةِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ).
следующие страницы →