الْخِيَار، وَقِيلَ: لَا يَثْبُت، وَكَذَلِكَ النَّقْصُ الَّذِي هُوَ الْهُزَال، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي حُكْمِ التَّغْيِيرِ (١)).
شرع المؤلف في الكلام عن تفصيلات في مذهب مالك؛ أمَّا الشافعية فقد سبق أن قولهم في ذلك واحد.
إذن هذا كل ما قد يحصل في المبيع من تغير؛ إما بنقص كوطء البكر، وإما بزيادة، سواء كانت متصلة كالسمن والتعلم، أو منفصلة مما ليس له علاقة بالعين كالكسب وهي الغلة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي الْقَضَاءِ فِي اخْتِلافِ الْحُكْمِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ)
بعد أن ذكر المصنف العيوب وأنواعها شرع في بيان الحكم الشرعي المتعلق بهذه المسائل.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ بِهَذ الْأَحْكَامِ: فَإِنَّهُ إِذَا
стр. 7282
تَقَارَّ (١) الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى حَالَةٍ مِنْ هَذه الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا وَجَبَ الْحُكْمُ الْخَاصُّ بِتِلْكَ الْحَالِ).
أي: إذا ادعى أحد المتبايعان أن السلعة قد تعيبت عند الآخر فأقر بذلك، وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه المؤمن.
* قوله: (فَإِنْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ دَعْوَى القَائِمِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يُنْكِرَ وُجُودَ الْعَيْبِ، أَوْ يُنْكِرَ حُدُوثَهُ عِنْدَهُ).
قوله: (فإن أنكر البائع دعوى القائم) يعني أنكر هذه الدعوى التي أقامها المشتري، وهي على قسمين:
الأول - ولم يذكره المؤلف -: ما لا يحتمل كذب واحد منهما، لأنه إذا نظر في هذا العيب عرف إن كان حصل عند البائع أو عند المشتري، كما لو ادعى المشتري أن هذا المملوك فيه زيادة أصبع، فهذا لا يمكن إنكاره، ولو أنكره البائع فإنه لا يسلم له إنكاره، لأنه أمر ظاهر، أو كانت به شجة قد اندملت (٢) ومضى عليها وقت طويل فادعاها المشتري ولا يمكن أن تحصل عنده، أو حصل جرح ولا يزال طريًّا وقد مضى وقت طويل على شراء السلعة فلا يمكن أن يكون قد حصل ذلك عند البائع. فهذه حالات الأمر فيها واضح لا نحتاج إلى مطالبة أحدهما ببينة (٣).
الثاني: ما يدخله الاحتمال؛ فينكر البائع وجود العيب، وينكر
стр. 7283
المشتري حدوثه عنده، فهل يُقدم قول البائع أو قول المشتري؟ ذهب أحمد - كما في رواية عنه - إلى أن القول قول المشتري، لأن الأصل عدم حدوث العيب (١). وذهب جماهير العلماء من الحنفية (٢) والشافعية (٣) - وهو
стр. 7284
الصحيح من مذهب أحمد (١) - إلى أن القول قول البائع، لقول النبي ﷺ : " لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى أناس دماء رجال وأموالهم؛ ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (٢)، والمدعي هنا هو المشتري، لأنه يطالب البائع بعيب حصل عنده.
ويشهد لذلك ما رواه مالك في "الموطأ" عن سالم بن عبد الله: "أنَّ عبد الله بن عمر باع غلامًا له بثمانمائة درهمٍ وباعه بالبراءة، فقال الّذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داءٌ لم تسمِّه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفَّان، فقال الرَّجل: باعني عبدًا وبه داءٌ لم يسمِّه، وقال عبد الله: بعته بالبراءة؛ فقضى عثمان بن عفَّان على عبد الله بن عمر أن يحلف له: لقد باعه العبد وما به داءٌ يعلمه. فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فصحَّ عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألفٍ وخمسمائة درهمٍ" (٣).
* قوله: (فَإِنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْعَيْبِ بِالْمَبِيعِ: فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ يَسْتَوِي فِي إِدْرَاكِهِ جَمِيعُ النَّاسِ كَفَى فِي ذَلِكَ شَاهِدَان عَدْلَان مِمَّنِ اتَّفَقَ مِنَ النَّاسِ (٤)، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِعِلْمِهِ أَهْلُ صِنَاعَةٍ مَا، شَهِدَ بِهِ أَهْلُ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ).
أي: إن كان العيب من العيوب التي يستوي في معرفتها جميع الناس
стр. 7285
فيكفي في ذلك شاهدان عدلان، وإن كان من العيوب التي لا يدركها إلا أهل الصنعة وأهل الخبرة، كالتجار والأطباء، وكذلك أيضًا العيوب التي لا يدركها إلا النساء في الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، فإنه يرجع إليهم في هذا الحكم؛ لأن العادة محكمة.
(فَقِيلَ فِي الْمَذْهَب: عَدْلَانِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْعَدَالَةُ وَلَا الْعَدَدُ وَلَا الْإِسْلَامُ (١). وَكَذَلِكَ الْحَالُ إِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا فِي الْقِيمَةِ، وَفِي كَوْنِهِ أَيْضًا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ أَوْ بَعْدَهُ؛ فَإِنَّه إن لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْبَائِعُ أَنَّهُ مَا حَدَثَ عِنْدَه، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى وُجُودِ الْعَيْبِ بِالْمَبِيعِ لَمْ يَجِبْ لَهُ يَمِينٌ عَلَى الْبَائِعِ (٢)).
هذا في مذهب مالك ﵀، وقد سبق ذكر أقوال المذاهب الأخرى.
стр. 7286
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا وَجَبَ الْأَرْشُ: فَوْجُهُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ الشَّيْءُ سَلِيمًا، وَيُقَوَّمَ مَعِيبًا، وَيَرُدَّ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ ذَلِكَ (١). فَإِنْ وَجَبَ الخِيَارُ: قُوِّمَ ثَلَاثَ تَقْوِيمَاتٍ: تَقْوِيمٌ وَهُوَ سَلِيمٌ، وَتَقْوِيمٌ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَتَقْوِيمٌ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَيَرُدُّ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا قُدِّرَ مِنْهُ قَدْرَ مَا تَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ الْمَعِيبَةُ عَنِ الْقِيمَةِ السَّلِيمَةِ، وَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي الرَّدَّ وَأَحَبَّ الْإِمْسَاكَ رَدَّ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ مَا بَيْنَ الْقِيمَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَعِيبَةِ عِنْدَهُ (٢)).
الأرش هو ما يكون فرقًا بين قيمة المبيع صحيحًا ومعيبًا (٣)، فإذا كان قيمة هذه السلعة صحيحة ألف ريال، ومعيبة ثمانمائة ريال يكون الأرش مائتي ريال، فتقدر السلعة سليمة ثم تقدر معيبة، كجارية لما كانت بكرًا كانت تساوي عشرة آلاف ريال، ولما أصبحت ثيبًا صارت تساوي ثمانية آلاف ريال؛ إذن الأرش هو ألفا ريال، والمرجع في تقدير ذلك إلى أهل الخبرة والمعرفة.
стр. 7287
وإذا وجد في السلعة عيبان أحدهما حصل عند البائع والآخر حصل عند المشتري، ففي هذه الحال تقدر قيمة السلعة صحيحة وقيمتها معيبة، ثم ينظر إلى العيب الذي حصل عند المشتري دون البائع، فمثلًا إن كانت السلعة تساوي صحيحة عشرة آلاف ومعيبة ثمانية آلاف، والعيب الذي حصل عند المشتري بألف، فيرد البائع للمشتري ألف ريال (١).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْبَابُ الثَّانِي: فِي بَيْعِ البَرَاءَةِ) (٢)
أي: أن يتبرأ البائع من العيوب التي تحصل عند المشتري، كأن يقول: أبيعك هذا وأنا بريء من كل عيب يحصل فيه، وقد تكون هذه العيوب قديمة.
* قوله: (اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِطَ
стр. 7288
الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْتِزَامَ كُلِّ عَيْبٍ يَجِدُهُ فِي الْمَبِيعِ عَلَى الْعُمُومِ).
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على تفصيل سيذكره المؤلف.
* قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ؛ سَوَاءٌ عَلِمَهُ الْبَائِعُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْه، سَمَّاهُ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، أَبْصَرَهُ أَوْ لَمْ يُبْصِرْهُ (١). وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٢)).
فمذهب أبو حنيفة إطلاق القول بجواز البيع بالبراءة من كل عيب، سواء علم البائع العيب أو لم يعلمه، نص عليه أو لم ينص، ظاهرًا كان أو خفيًّا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ (وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابهِ): لَا يَبْرَأُ الْبَائِعُ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ يُرِيهِ لِلْمُشْتَرِي (٣)، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ (٤)).
стр. 7289
أي: أن البائع بريء من كل عيب إلا من العيب الذي يريه للمشتري (١)، وهو رواية - أيضًا - عن الإمام أحمد، وعنه رواية أخرى وافق فيها المالكية؛ وهي أنه لا يبرأ من عيبٍ لا يعلمه (٢).
* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ: فَالْأَشْهَرُ عَنْهُ أَنَّ الْبَرَاءَةَ جَائِزَةٌ مِمَّا يَعْلَمُ الْبَائِعُ مِنَ الْعُيُوبِ، وَذَلِكَ فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً، إِلَّا الْبَرَاءَةَ مِنَ الْحَمْلِ فِي الْجَوَارِي الرَّائِعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ لِعِظَمِ الْغَرَرِ فِيهِ، وَيَجُوزُ فِي الْوَخْشِ) (٣).
قوله: (الرائعات) من الريع وهو الزيادة، يعني اللاتي لهنَّ قيمة، أي: الجواري الجياد كما يقال للفرس: الجواد (٤).
стр. 7290
و (الوخش): هو الرجل الدنيء الذي يعرف بحقارته وصغاره، يقال: فلان وخش، يعني: دنيء به صَغَار وحقارة (١).
* قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (٣). وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ (٤) أَنَّ بَيْعَ الْبَرَاءَةِ إِنَّمَا يَصِحُّ مِنَ السُّلْطَانِ فَقَطْ).
قوله: (إنما يصح من السلطان) لأنَّ السلطان يرفع الخلاف في هذه المسائل.
* قوله: (وَقِيلَ فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ وَبَيْعِ الْمَوَارِيثِ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْبَرَاءَةَ (٥). وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى الْقَوْلَ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ (٦): أَنَّ الْقِيَامَ بِالْعَيْبِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْبَائِعِ، فَإِذَا أُسْقِطَهُ سَقَطَ
стр. 7291
أَصْلُهُ سَائِر الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ (١)).
أي: أن من حقوق المشتري على البائع سلامة المبيع من العيوب، هذا هو الأصل. فإذا أسقط المشتري هذا الحق سقط عنه، فإذا قال البائع للمشتري: أنا أبيعك هذه السلعة لكني لست مسؤولًا عن عيبٍ فيها، فرضي المشتري؛ فقد تنازل عن حقه.
* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِع، وَمِنْ بَابِ الْغَبْنِ وَالْغِشِّ فِيمَا عَلِمَهُ) (٢).
قال النبي ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" (٣)، فهل يجب على البائع إذا علم أن بالسلعة عيبًا أن يبينه؟ وهل تنتفي عن البائع المؤاخذة والإثم إذا اشترط على المشتري البراءة ورضي المشتري أن يقبل هذه السلعة بما فيها من عيوب ما علمه البائع وما لم يعلمه، أم أن الحديث خاص بمن كتم العيب دون غيره؟ (٤).
قوله: (أن ذلك من باب الغرر) لأن البائع علم أن بالسلعة عيبًا فأخفاه عن المشتري، ثم باعه بيع البراءة.
стр. 7292
قوله: (ومن باب الغبن والغش) لأن هذه العيوب لو أظهرت لأثرت في المبيع؛ ولذا لما مر النبي ﷺ برجلٍ يبيع طعامًا فأدخل يده في الطعام وجد بللًا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ ". قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "هَلَّا أظهرته حتى يراه الناس، مَن غشنا فليس منا" (١). وفي رواية: "من غش فليس منا" (٢)، إذًا العيب ينبغي أن يُظهر، ولا يجوز أن يُكتم.
لكن ذكر أهل العلم أن البائع إذا اشترط البراءة وهو لا يعلم فإنه يكون بذلك معذورًا؛ لكن لا يشترط البراءة وهو يعلم أن بالمبيع عيبًا وإنما أخفاه مستغلًّا حاجة المشتري أو غفلته أو قلة خبرته (٣)؛ فعن ابن عمر ﵄: "أن رجلًا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيع، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا بايعت فقل: لا خلابة" فكان الرجل إذا بايع يقول: لاخلابة" (٤).
* قوله: (وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ مَالِكٌ جَهْلَ الْبَائِعِ) (٥).
стр. 7293
وهذا من الاستحسان، فليس الجاهل بالعيب كمن علمه وأخفاه.
* قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ: فَعُمْدَةُ مَالِكٍ مَا رَوَاهُ فِي الْموطأ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ) (١).
كذلك أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢)، والبيهقي في سننه (٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤).
* قوله: (فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ لِي، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَضَى عُثْمَانُ عَلَى عَبْدِ اللهِ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ بَاعَ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ من دَاء يَعْلَمُه، فَأَبَى عَبْدُ اللهِ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ. وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ كانَ يُجِيزُ بَيْعَ الْبَرَاءَةِ).
جاء في بعض الروايات عند غير مالك تسمية المشتري وأنه زيد بن ثابت ﵄ (٥).
قوله: (وبه داء لم يسمه) يعني بعد أن أخذه وقف فيه على عيب، وهو الداء.
стр. 7294
* قوله: (وَإِنَّمَا خَصَّ مَالِكٌ بِذَلِكَ الرَّقِيقَ لِكَوْنِ عُيُوبِهِمْ فِي الْأَكْثَرِ خَافِيَةً (١). وَبِالْجُمْلَةِ: خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ حَقٌّ ثَابِثٌ لِلْمُشْتَرِي (٢)).
إذن العيب الذي يوجد في المبيع قد يكون عيبًا يسيرًا لا تأثير له، وقد يكون عيبًا يقتضي الرد إلا إذا رضي به المشتري، وقد يكون عيبًا يثبت به للمشتري حق الأرش.
* قوله: (وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا كَاخْتِلَافِ الْمَبِيعَاتِ فِي صِفَاتِهَا وَجَبَ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْجَهْلِ بِهِ أَنْ لَا يَجُوزَ أَصْلُهُ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى جَهْلِ صِفَةِ الْمَبِيعِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الثَّمَنِ).
سبق الكلام عن البيع بالصفة واختلاف العلماء فيه؛ فمنهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من قيده بشرط أن يترك للمشتري الخيار، ومنهم من منع ذلك.
* قوله: (وَلِذَلِكَ حَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ آخِرَ قَوْلِهِ كَانَ إِنْكَارَ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ إِلَّا مَا خَفَّفَ فِيهِ السُّلْطَانُ (٣)، وَفِي قَضَاءِ الدُّيُونِ خَاصَّةً (٤)).
стр. 7295
قوله: (ولذلك حكى ابن القاسم في المدونة عن مالك): "المدونة" هي موسوعة الفقه المالكي والتي دُوِّن فيها الكثير من المسائل التي سُئلها مالك ﵀ وأجاب عنها، ومسائل أخرى لم يجب فيها مالك فأجاب فيها ابن القاسم، وهي رواية سحنون عنه.
* قوله: (وَذَهَبَ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ الْبَرَاءَةَ إِنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ لَا يَتَجَاوَزُ فِيهَا ثُلُثَ الْمَبِيعِ) (١).
عدَّ كثير من العلماء الثلث أصلًا من الأصول؛ إذ اعتبروه في عددٍ من مسائل الشريعة، وسيأتي طرف من ذلك في هذا الكتاب إن شاء الله؛ إذ اعتبر المالكية - ووافقهم الحنابلة - الثلث في تحديد الجائحة (٢)، القليل منها والكثير (٣). وكذلك في مسائل الوصية (٤)، كما دل عليه حديث
стр. 7296
سعد بن أبي وقاص ﵁ (١)، وكذلك في الجروح من باب الديات (٢).
* قوله: (وَالْبَرَاءَةُ بِالْجُمْلَةِ: إِنَّمَا تَلْزَمُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالشَّرْطِ (أَعْنِي: إِذَا اشْتَرَطَهَا) إِلَّا بَيْعَ السُّلْطَانِ وَالْمَوَارِيثِ عِنْدَ مَالِكٍ فَقَطْ، فَالْكَلَامُ بِالْجُمْلَةِ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ هُوَ فِي جَوَازِهِ وَفِي شَرْطِ جَوَازِهِ).
يعني هل هو جائز أو غير جائز؟ وعلى القول بأنه جائز فما شرطه؟ وقد سبق بيان ذلك.
* قوله: (وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ).
تقدمت هذه المسائل فيما مضى كما أشار المؤلف ﵀.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ)
هل هناك وقت محدد تضمن فيه المبيعات أو لا؟ هذه المسألة تتعلق بمسألة حكم بيع السلعة قبل قبضها، وقد تقدمت.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ).
стр. 7297
يعني كيف تكون خسارته إن هلك المبيع منه، فالبائع يضمن المبيع إذا تلف قبل أن يسلمه إلى المشتري، فإذا تسلمه المشتري فإنه يكون في ضمانه؛ لقول النبي ﷺ : "الخراج بالضمان"، إلا فيما يتعلق ببيع الثمار فإنها في ضمان البائع ما لم تصبها جائحة (١).
* قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ (٣)).
هناك فرق يسير بين المذهبين، فمذهب الشافعي أن البائع يضمن المبيع ما لم يقبضه المشتري، فإذا قبضه المشتري كان في ضمانه، وأمَّا البائع فيضمن المبيع إذا تلف في كل أحواله ما لم يقبضه المشتري دون استثناء، ويوافقه أبو حنيفة إلا في العقار (٤).
стр. 7298
وذهب أحمد إلى أن ما فيه توفية - أي: المكيل والموزون والمعدود - إذا كال البائع المبيع أو وزنه أو عدَّه للمشتري فإذن ذلك يعتبر قبضًا ويكون في ضمان المشتري، وأما قبل ذلك فهو في ضمان البائع (١).
ومذهب مالك قريب من مذهب أحمد، وسيأتي.
* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ).
كما قال الرسول ﷺ : "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه" (٢) - أي: يقبضه - هذا هو القسم الأول عند الإمام مالك حق فيه توفية؛ أي: أن يسلم البائع المشتري السلعة.
* قوله: (وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ (٣)، أَوْ مَا لَا يُوزَن، وَلَا يُكَال، وَلَا يُعَدُّ).
يبدو أن في العبارة شيئًا، فليس هذا هو المصطلح الشرعي للجزاف؛ فالجزاف هو الذي لا يكال ولا يوزن، أما بالنسبة للمفهوم اللغوي فهو ما
стр. 7299
يباع جملة. إذن الجزاف هو الذي لا يكال ولا يوزن ولا يعد كبيع الصبرة أو الكومة.
* قوله: (فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ) (١).
وبهذا يلتقي المذهبان المالكي والحنبلي في هذه المسألة.
* قوله: (وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ) (٢).
وهذا متفق عليه بين الحنابلة (٣) والمالكية.
* قوله: (وَأَمَّا الْمَبِيعُ الغَائِبُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ روايات).
في بعض النسخ (وأما المبيع) بإسقاط كلمة (الغائب).
وقد سبق بيان المراد بالمبيع الغائب، وصورته: أن يكون عند شخص بضاعة لكنها ليست بين يديه؛ إما لأنه يصعب الوصول إليها أو أنها بعيدة عنه، فهل يجوز له أن يبيع وهي غائبة بوصفها أو لا بد من الرؤية؟
стр. 7300
وقد سبق ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة، وأن الصحيح هو جواز ذلك (١).
* قوله: (أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَالثَّالِثَةُ:
стр. 7301
الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الاقْتِضَاءِ كالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاء) (١).
لأن الحيوان ليس مأمون بل عرضة لأن يهلك، وكذلك الفواكه والخضروات فهي عرضة للتعفن والفساد.
لكن ثمة أشياء لا تتأثر بذلك كالعقار فإنه يبقى على حاله، وكذلك أيضًا بعض العروض، وهذا استحسان من الإمام مالك ﵀، ومعلوم أن المالكية يأخذون بالاستحسان كثيرًا (٢).
* قوله: (وَالْخِلَافُ فِي هَذه الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ على هَل الْقَبْض شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْعَقْدِ، أَوْ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ لَازِمٌ دُونَ الْقَبْضِ؟).
стр. 7302
مراد المؤلف: أي عبارة تأتي بها سواء مقتضى واجبًا، أو من مقتضى العقد، أو من لزوم العقد، أو من لوازمه، أي: عبارة تدل على الإجابة.
* قوله: (فَمَنْ قَالَ: الْقَبْض مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، أَوْ لُزُومِهِ، أَوْ كَيْفَمَا شِئْتَ أَنْ تُعَبِّرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الضَّمَانُ عِنْدَهُ مِنَ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي).
وهذا هو مذهب الشافعية والحنفية مطلقًا (١).
* قوله: (وَمَنْ قَالَ: هُوَ حُكْمٌ لَازِمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمَبِيعِ وَالْبَيْعِ وَقَدِ انْعَقَدَ، وَلَزِمَ قَالَ: الْعَقْدُ يَدْخُلُ فِي ضَمَان الْمُشْتَرِي، وَتَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ؛ وَالَّذِي فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَالَّذِي لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةِ اسْتِحْسَان) (٢).
ليس الأمر كما ذكر المؤلف؛ فقوله: (وَتَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ الْغَائِبِ وَالْحَاضِر) نعم، هذا فيه استحسان ومراعاة للمصلحة، وأما ما فيه توفية أو غير توفية فدليله النص وليس الاستحسان؛ لأن الرسول ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه"، وفي رواية: "فلا يبعه حتى يستوفيه" (٣)، فمالك ﵀ راعى في ذلك المصلحة والاستحسان، ولا شك أن من
стр. 7303
مقاصد الشريعة مراعاة المصلحة، فالشريعة قامت على أسس ثابتة مستقرة، ومنها: التيسير على الناس، ومراعاة مصالحهم، وإقامة العدل بينهم.
* قوله: (وَمَعْنَى الاسْتِحْسَان فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ هُوَ الالتِفَات إِلَى الْمَصْلَحَةِ، وَالْعَدْلِ).
ولما كانت المصلحة من مقاصد هذه الشريعة رُبط الاستحسان بها؛ إذن ليس المراد بالاستحسان هنا هو ما تستحسنه النفوس مما يكون مطابقًا لهواها ورغباتها، وإنما المراد بالاستحسان المعتمد شرعًا والمعمول به فقهًا هو الاستحسان الذي يبنى على أصل من أصول الشريعة؛ إما أن يكون معتمدًا على دليل من الكتاب أو السنة، أو يرد إلى مقصد من مقاصد الشريعة وأصل من أصولها التى قامت عليها، أما إذا كان المراد بالاستحسان ما يبنى على الهوى، أو ما يوافق مزاج الإنسان أو مذهبه، فهذا استحسان منبوذ مخالف لشريعة الإسلام (١).
* قوله: (وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ بِالْعَقْدِ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فِيمَا أَحْسَبُ) (٢).
стр. 7304
يرى أهل الظاهر أن كل هذه الأمور لا حاجة لها؛ لأن الله تعالى أمر بالوفاء بالعقود؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فبمجرد إقامة العقد والالتزام به يصبح المشتري المسؤول عن المبيع لأنه ضامن له؛ إذ بهذا العقد نقلت الملكية من البائع إلى المشتري، والله تعالى يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ والعهد هو العقد، هذا هو تعليل أهل الظاهر.
وأهل الظاهر - كما هو معلوم - يقفون عند ظواهر النصوص وينكرون القياس، ويرون أن القياس لا يتفق مع أصول الشريعة؛ لأن القياس في نظرهم قائم على العقل، والشريعة لم تقم على العقل، ويستدلون بأثر عليٍّ ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه" (١)؛ لأنه هو الذي يتأثر بملامسة الأرض، وأيضًا لو كان الدين بالرأي لما كان التراب بديلًا عن الماء؛ لأن الماء ينظف ويزيل الأوساخ، والتراب ربما يلوث الوجه واليدين؛ إذن هناك أمر تَعبُّدي، ولما كان القياس عقليًّا فإنه ينبغي رده ورفضه، وقد مر بنا أن الرسول ﷺ اعتبر القياس وعمل به وضرب عدة أمثلة فيما يتعلق بالقياس (٢).
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى ذَلِكَ (٣) اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخَرَاجَ قَبْلَ
(عتاب بن أسيد) أرسله الرسول ﷺ حاكمًا على أهل مكة، وكان من سنة النبي ﷺ إذا أرسل أميرًا أوصاه بتقوى الله ، ورسم له الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه، وبين له المنهج الذي ينبغي أن يعمل به والطريق السوي الذي ينبغي أن يسير عليه في أحكامه عليه، كما في قصة إرساله معاذًا إلى اليمن (١)، وعلى هذا سار الخلفاء الراشدون كما في وصية عمر بن الخطاب ﵁ العظيمة إلى أبي موسى الأشعري ﵁ لما أرسله إلى العراق (٢).
стр. 7307
وهذا الحديث - حديث أسيد - في سنده مقال (١)؛ لكن يغني عنه قول النبي ﷺ : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما لم يضمن، ولا تبع ما ليس عندك" (٢).
* قوله: (وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي شَرْطِ الْقَبْضِ فِي الْمَبِيعِ فِيمَا سَلَفَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ، إِلَّا فِي الْعُهْدَةِ وَالْجَوَائِحِ (٣). وَإِذْ قَدْ ذَكَرْنَا الْعُهْدَةَ فيَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا الْجَوَائِحَ).
стр. 7308
هذا من حسن ترتيب المؤلف؛ إذ يشير إشارات لطيفة إلى المسائل التي سبق ذكرها.
قوله: (وقد تكلمنا في شرط القبض … إلخ) سبق الكلام عن القبض وأن العلماء متفقون على أنه من ضمان المشتري بعد القبض إلا ما يتعلق بالعهدة؛ والعهدة - كما سبق - من مفردات مذهب مالك ولم يقل بها الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة والشافعي وأحمد - لأن الأحاديث التي وردت فيها لم تصح عندهم (١).
قوله: (الْجَوَائِح): الجوائح جمع جائحة؛ من جاح يجوح كأنها تجتاح الشيء. قالوا: اجتاحت السيول المكان، أي مرت عليه وأثرت فيه، وربما جعلته خرابًا، والجائحة هي الآفة التي تصيب الثمار، وتكون الجائحة بالآفات السماوية كالبرق، وكذلك أيضًا بالقحط والسيول والجراد ونحوها (٢). وسيذكر المؤلف حكم الجوائح واختلاف العلماء فيها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 7309
(الْقَوْلُ فِي الْجَوَائِحِ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الثِّمَارِ؛ فَقَالَ بِالْقَضَاءِ بِهَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُه، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ، وَاللَّيْثُ).
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنها من ضمان المشتري، وبه قال مالك وأحمد وأصحابهما (١).
القول الثاني: المنع من ذلك، وبه قال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي في الجديد (٢).
стр. 7310
* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ بِوَضْعِهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، عَلَى مَاذَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟! ". خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ ﵁ (١)).
قوله: "من باع ثمرًا … إلخ" الحديث؛ رواه مسلم، وفي رواية: "إن بعت من أخيك ثمرًا فَأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟! " (٢). ففي بعض الروايات: "بغير حق" (٣)، وفي بعضها بالإطلاق: "لِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! " (٤)، وفي رواية أخرى لحديث جابر: "أن الرسول ﷺ أمر بوضع الجوائح"، وفي حديث أنس: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! " (٥).
стр. 7311
* قوله: (وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ" (١)).
هذه الأدلة التي ذكرها المؤلف نصت على أن الجائحة معتبرة وأنها من ضمان البائع، وهو ما ذهب إليه مالك وأحمد.
* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الْجَوَائِحَ: حَدِيثَا جَابِرٍ هَذَانِ (٢)، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ أَيْضًا).
(قياس الشبه) نوع من أنواع القياس، وهو أضعف أنواع القياس (٣).
стр. 7312
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ مَبِيعٌ بَقِيَ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، بِدَلِيلِ مَا عَلَيْهِ مِنْ سَقْيِهِ إِلَى أَنْ يُكْمِلَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ مِنْهُ أَصْلُهُ سَائِر الْمَبِيعَاتِ الَّتِي بَقِيَ لهَا حقُّ تَوْفِيَةٍ، وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ هَذَا الْمَبِيعِ، وَبَيْنَ سَائِرِ الْبُيُوعِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ، وَالْمَبِيعُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْد، فَكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي ضَمَانِهِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ) (١).
أراد المؤلف هنا أن يبين الفرق بين هذا البيع وبين سائر أنواع البيوع، فقد اتفقوا على أن سائر أنواع البيوع إذا اشتراها المشتري فإنها تكون في ضمانه لو تلفت بعد أن يقبضها؛ وإنما خُص هذا لوجود روابط تربطه بالبائع ألا وهو استيفاء ما تبقى من حقوق.
* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْقَضَاءِ بِهَا: فَتَشْبِيهُ هَذَا الْبَيْعِ
стр. 7313
بِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ وَأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي هَذَا الْمَبِيعِ هُوَ الْقَبْضُ).
استدل الشافعية والحنفية على ما ذهبوا إليه بدليل نقلي وآخر عقلي:
أما الدليل النقلي: فما جاء في "الصَّحيحين" (١): أن امرأة أتت إلى رسول الله ﷺ فقالت: "يا رسول الله، إن ابني اشترى ثمرة فأصابتها جائحة فأتى صاحبها أن يضع عنه فأبى"، وفي بعض الروايات: فتألَّى - يعني أقسم (٢) - فقال رسول الله: "تألى ألا يفعل خيرًا" (٣). قالوا: فهذا الحديث فيه دلالة صريحة على أن وضع الجوائح ليس واجبًا، وأنه ليس حقًّا على البائع لأنه لو كان كذلك لأمر الرسول ﷺ البائع أن يضمن ذلك لكنه لم يفعل؛ فدل على أنه ليس لازمًا، وأنها ليست من ضمانه، وإنما معنى قول النبي ﷺ : "تألى ألا يفعل خيرًا" يعني أن الأَوْلى به أن يرفق بالمشتري وأن يعينه، وأن يخفف عنه (٤).
стр. 7314
وأجاب المالكية والحنابلة عن هذا الدليل بما يلي:
أولًا: أن النبي ﷺ لم يأمر البائع لأنه لم يقر بذلك ولم يكن حاضرًا، فكيف يصدر الرسول ﷺ حكمًا لم يحضر فيه إلا أحد طرفي القضية.
ثانيًا: أن النبي ﷺ قال: "تألى ألا يفعل خيرًا"، وهو مطالب بأن يفعل الخير، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾، وقال: ﴿وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إذًا هو مأمور بفعل الخير.
ثالثًا: أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح، وقال: "لا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟! "، ولو لم يكن ذلك واجبًا لما نفى الحل (١).
وأما الدليل العقلي: قالوا: إن سائر المبيعات إذا قبضت تكون من ضمان المشتري، فكذلك أيضًا الثمار، فلماذا استثنيت هذا على خلاف الأصل؟! (٢).
стр. 7315
* قوله: (وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعَاتِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنَ الْمُشْتَرِي (١). وَمِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُجِيحَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا وَكَثُرَ دَيْنُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتُصَدَّقَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" (٢)).
قوله: (أُجِيحَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا) (٣): فسرته الرواية الأخرى: "أصيب رجل في جائحة".
وفي الحديث: رأفة النبي ﷺ ورفقه بالمؤمنين حيث طلب من المسلمين أن يعينوه في نكبته، فإن من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة (٤).
وفيه: أن الجائحة لا تلزم البائع لقوله ﷺ : "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" (٥).
стр. 7316
* قوله: (قَالُوا: فَلَمْ يَحْكُمْ بِالْجَائِحَةِ، فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: هُوَ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِيهَا وَتَعَارُضُ مَقَايِيسِ الشَّبَهِ).
إذا تعارضت الأدلة الصحيحة فإنه يُلجأ إلى الجمع، وفي هذه المسألة لا يمكن الجمع، فسلك أهل العلم مسلك الترجيح؛ فذهبت المالكية والحنابلة إلى القول بوضح الجوائح، خلافًا للحنفية والشافعية.
* قوله: (وَقَدْ رَامَ (١) كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَرْفَ الْحَدِيثِ الْمُعَارِضِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ بِالتَّأْوِيلِ).
أي: حاول أن يصرف الدليل الآخر لتبقى أدلته حجة ظاهرة.
* قوله: (فَقَالَ مَنْ مَنَعَ الْجَائِحَةَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِهَا إِنَّمَا وَرَدَ مِنْ قِبَلِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا (٢)، قَالُوا: وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ شَكْوَاهُمْ بِالْجَوَائِحِ أَمَرُوا أَنْ لَا يَبِيعُوا الثَّمَرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُه، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَشْهُورِ (٣)).
وذلك أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد الناس يبيعون الثمار قبل بدو صلاحها؛ فكثرت النزاعات بينهم، فنهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
стр. 7317
* قوله: (وَقَالَ مَنْ أَجَازَهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَدِيمًا، فَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِجَائِحَةٍ).
* قوله: (يمكن أن يكون البائع عديمًا) أي: معدمًا لا يملك شيئًا؛ فَرَقَّ الرسول لحاله وأراد أن يساعده، فهذا مما أجاب به المالكية والحنابلة على الحنفية والشافعية.
* قوله: (أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمِقْدَارُ الَّذِي أُصِيبَ مِنَ الثَّمَرِ مِقْدَارًا لَا يَلْزَمُ فِيهِ جَائِحَةٌ).
كأن يكون قد تلف بعضه بفعل الريح الشديدة، أو بفعل الطيور التي تقع على الأشجار، أو بما يفعل ضيافة وما شاكل ذلك، فهذه لا تعتبر جائحة، ولا تأخذ حكمها.
* قوله: (أَوْ أَنْ يَكُونَ أُصِيبَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي تجِبُ فِيهِ الْجَائِحَة، مِثْلُ أَنْ يُصَابَ بَعْدَ الْجِذَاذِ أَوْ بَعْدَ الطِّيبِ).
وهذا تفريط من المشتري؛ فقد يترك المشتري التمر - مثلًا - إلى ما بعد وقت الجزاز فتصيبه آفة تفسده، وكان الواجب عليه المبادرة إلى جزِّ تلك الثمرة عند نضجها (١).
* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَرَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَكَانَ يُضَعِّفُه، وَيَقُولُ: إِنَّهُ اضْطَرَبَ فِي ذِكْرِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَجَبَ وَضْعُهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (٢)).
стр. 7318
ذكر الإمام الشافعي ﵀ أن في هذا الحديث اضطرابًا ولذلك لم يأخذ به، وقال ﵀: لو صح حديث جابر لقلت بوضع الجوائح ولم أفرق بين قليلها وكثيرها.
قلت: نعم لم يصح من الطريق التي وصلت إليه؛ لكنه صح من طرق أخرى وهو مخرج في صحيح الإمام مسلم؛ وعليه فيكون كذلك هو مذهب الإمام الشافعي، وقد ذكر الشافعي ﵀ في كثير من كتبه كـ "الرسالة" و "الأم" بعض الأحاديث التي لا تصح عنده، وأنها لو صحت لأخذ بها. والقول بوضع الجوائح هو مذهبه القديم ﵀ (١).
* قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَضَاءِ بِالْجَائِحَةِ بِالْعَطَشِ) (٢).
أي: إذا اشترى ثمرة من بستان لا ماء فيه.
* قوله: (وَقَدْ جَعَلَ الْقَائِلُونَ بِهَا اتِّفَاقَهُمْ فِي هَذَا حُجَّةً عَلَى إِثْبَاتِهَا).
стр. 7319
يعني هذا حجة للمالكية والحنابلة على من خالفهم طالما قالوا بإثبات القضاء بالجائحة بالعطش (١).
* قوله: (وَالْكَلَامُ فِي أُصُولِ الْجَوَائِحِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ).
وإنما اقتصر على مذهب مالك لأن الحنفية والشافعية لا يقولون بالجوائح، وأغفل المؤلف ذكر مذهب الحنابلة.
* قوله: (وَالْكَلَامُ فِي أُصُولِ الْجَوَائِحِ (٢) عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ؛ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الْفَاعِلَةِ لِلْجَوَائِحِ. والثَّانِي: فِي مَحِلِّ الْجَوَائِحِ مِنَ الْمَبِيعَاتِ. الثَّالِثُ: فِي مِقْدَارِ مَا يُوضَعُ مِنْهُ فِيهِ. الرَّابِعُ: فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُوضَعُ فِيهِ).
الكلام في أصول الجوائح على مذهب الإمام مالك ينحصر في تحديد أمور أربعة:
أولًا: الأسباب الفاعلة للجوائح، وتحديد كونها سماويةً أو أرضية، وأنواعها حال كونها سماوية.
ثانيًا: محل الجوائح من المبيعات، وتحديد كونها عامة أو خاصة، وشمولها للثمار والبقول من عدمه.
ثالثًا: تحديد مقدار ما يوضع من الجوائح، وهل يُقتصر على الثلث أم لا؟ ومقياس تحديد مقدارها، وحُجَّة من اقتصر على الثلث.
رابعًا: الوقت الذي توضع فيه الجائحة.
стр. 7320
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفصل الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الْفَاعِلَةِ لِلْجَوَائِحِ
وَأَمَّا مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنَ السَّمَاءِ مِثْلُ البَردِ، وَالْقَحْطِ، وَضِدِّهِ، وَالْعَفَنِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَب أَنَّهُ جَائِحَةٌ).
وقد ذَكَر المصنف الفصَول إجمالًا، ثم بدأ بالتفصيل في كلِّ فصل على حدةٍ، فبدأ بالكلام عن معرفة أسباب الجوائح وقسَّمها إلى قسمين:
الأول: ما كان بسبب آفة سماوية.
الثاني: ما كان بسبب آفة أرضية.
فإذا كانت بسبب آفةٍ سماويةٍ؛ مثل البَرْدِ؛ إذ البردُ الشديد جائحة، وكذا القحط وهو تَوَقُّفُ الأمطار حتى يُصيبَ الثمارَ العَطَش، وضِدُّ القحط السيل الكثير الذي يُغرِقُ الثمارَ، ويعتبر جائحة كذلك لأنَّ الرُّطبَ إذا نزل عليه السيل أفسده.
وكذلك إذا تَعَفَّنَت هذه الأشياءُ؛ بأن يأتيَ السَّيلُ فيَغْمُرَهَا فتُصبحَ رطبةً ثم تتَعَفَّنُ أو تذوبُ فتُصبِحُ غيرَ صالحةٍ، وكذلك الجَرَادُ الكثيرُ إذا هَاجَمَ هذه الثمارَ فأفنَاهَا أو كادَ يُفْنِيهَا.
ولا خلافَ في مذهب مالك (١) وأحمد (٢) أنَّ ما أصاب الثمرة من الآفات السماوية جائحةٌ، والإمامان متفقان على ذلك، وما يحصل من خلاف فهو خلافٌ في داخل المذهب.