* قوله: (قَالُوا: فَلَمْ يَحْكُمْ بِالْجَائِحَةِ، فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: هُوَ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِيهَا وَتَعَارُضُ مَقَايِيسِ الشَّبَهِ).
إذا تعارضت الأدلة الصحيحة فإنه يُلجأ إلى الجمع، وفي هذه المسألة لا يمكن الجمع، فسلك أهل العلم مسلك الترجيح؛ فذهبت المالكية والحنابلة إلى القول بوضح الجوائح، خلافًا للحنفية والشافعية.
* قوله: (وَقَدْ رَامَ (١) كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَرْفَ الْحَدِيثِ الْمُعَارِضِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ بِالتَّأْوِيلِ).
أي: حاول أن يصرف الدليل الآخر لتبقى أدلته حجة ظاهرة.
* قوله: (فَقَالَ مَنْ مَنَعَ الْجَائِحَةَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِهَا إِنَّمَا وَرَدَ مِنْ قِبَلِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا (٢)، قَالُوا: وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ شَكْوَاهُمْ بِالْجَوَائِحِ أَمَرُوا أَنْ لَا يَبِيعُوا الثَّمَرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُه، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَشْهُورِ (٣)).
وذلك أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد الناس يبيعون الثمار قبل بدو صلاحها؛ فكثرت النزاعات بينهم، فنهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
стр. 7317
* قوله: (وَقَالَ مَنْ أَجَازَهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَدِيمًا، فَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِجَائِحَةٍ).
* قوله: (يمكن أن يكون البائع عديمًا) أي: معدمًا لا يملك شيئًا؛ فَرَقَّ الرسول لحاله وأراد أن يساعده، فهذا مما أجاب به المالكية والحنابلة على الحنفية والشافعية.
* قوله: (أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمِقْدَارُ الَّذِي أُصِيبَ مِنَ الثَّمَرِ مِقْدَارًا لَا يَلْزَمُ فِيهِ جَائِحَةٌ).
كأن يكون قد تلف بعضه بفعل الريح الشديدة، أو بفعل الطيور التي تقع على الأشجار، أو بما يفعل ضيافة وما شاكل ذلك، فهذه لا تعتبر جائحة، ولا تأخذ حكمها.
* قوله: (أَوْ أَنْ يَكُونَ أُصِيبَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي تجِبُ فِيهِ الْجَائِحَة، مِثْلُ أَنْ يُصَابَ بَعْدَ الْجِذَاذِ أَوْ بَعْدَ الطِّيبِ).
وهذا تفريط من المشتري؛ فقد يترك المشتري التمر - مثلًا - إلى ما بعد وقت الجزاز فتصيبه آفة تفسده، وكان الواجب عليه المبادرة إلى جزِّ تلك الثمرة عند نضجها (١).
* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَرَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَكَانَ يُضَعِّفُه، وَيَقُولُ: إِنَّهُ اضْطَرَبَ فِي ذِكْرِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَجَبَ وَضْعُهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (٢)).
стр. 7318
ذكر الإمام الشافعي ﵀ أن في هذا الحديث اضطرابًا ولذلك لم يأخذ به، وقال ﵀: لو صح حديث جابر لقلت بوضع الجوائح ولم أفرق بين قليلها وكثيرها.
قلت: نعم لم يصح من الطريق التي وصلت إليه؛ لكنه صح من طرق أخرى وهو مخرج في صحيح الإمام مسلم؛ وعليه فيكون كذلك هو مذهب الإمام الشافعي، وقد ذكر الشافعي ﵀ في كثير من كتبه كـ "الرسالة" و "الأم" بعض الأحاديث التي لا تصح عنده، وأنها لو صحت لأخذ بها. والقول بوضع الجوائح هو مذهبه القديم ﵀ (١).
* قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَضَاءِ بِالْجَائِحَةِ بِالْعَطَشِ) (٢).
أي: إذا اشترى ثمرة من بستان لا ماء فيه.
* قوله: (وَقَدْ جَعَلَ الْقَائِلُونَ بِهَا اتِّفَاقَهُمْ فِي هَذَا حُجَّةً عَلَى إِثْبَاتِهَا).
стр. 7319
يعني هذا حجة للمالكية والحنابلة على من خالفهم طالما قالوا بإثبات القضاء بالجائحة بالعطش (١).
* قوله: (وَالْكَلَامُ فِي أُصُولِ الْجَوَائِحِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ).
وإنما اقتصر على مذهب مالك لأن الحنفية والشافعية لا يقولون بالجوائح، وأغفل المؤلف ذكر مذهب الحنابلة.
* قوله: (وَالْكَلَامُ فِي أُصُولِ الْجَوَائِحِ (٢) عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ؛ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الْفَاعِلَةِ لِلْجَوَائِحِ. والثَّانِي: فِي مَحِلِّ الْجَوَائِحِ مِنَ الْمَبِيعَاتِ. الثَّالِثُ: فِي مِقْدَارِ مَا يُوضَعُ مِنْهُ فِيهِ. الرَّابِعُ: فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُوضَعُ فِيهِ).
الكلام في أصول الجوائح على مذهب الإمام مالك ينحصر في تحديد أمور أربعة:
أولًا: الأسباب الفاعلة للجوائح، وتحديد كونها سماويةً أو أرضية، وأنواعها حال كونها سماوية.
ثانيًا: محل الجوائح من المبيعات، وتحديد كونها عامة أو خاصة، وشمولها للثمار والبقول من عدمه.
ثالثًا: تحديد مقدار ما يوضع من الجوائح، وهل يُقتصر على الثلث أم لا؟ ومقياس تحديد مقدارها، وحُجَّة من اقتصر على الثلث.
رابعًا: الوقت الذي توضع فيه الجائحة.
стр. 7320
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفصل الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الْفَاعِلَةِ لِلْجَوَائِحِ
وَأَمَّا مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنَ السَّمَاءِ مِثْلُ البَردِ، وَالْقَحْطِ، وَضِدِّهِ، وَالْعَفَنِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَب أَنَّهُ جَائِحَةٌ).
وقد ذَكَر المصنف الفصَول إجمالًا، ثم بدأ بالتفصيل في كلِّ فصل على حدةٍ، فبدأ بالكلام عن معرفة أسباب الجوائح وقسَّمها إلى قسمين:
الأول: ما كان بسبب آفة سماوية.
الثاني: ما كان بسبب آفة أرضية.
فإذا كانت بسبب آفةٍ سماويةٍ؛ مثل البَرْدِ؛ إذ البردُ الشديد جائحة، وكذا القحط وهو تَوَقُّفُ الأمطار حتى يُصيبَ الثمارَ العَطَش، وضِدُّ القحط السيل الكثير الذي يُغرِقُ الثمارَ، ويعتبر جائحة كذلك لأنَّ الرُّطبَ إذا نزل عليه السيل أفسده.
وكذلك إذا تَعَفَّنَت هذه الأشياءُ؛ بأن يأتيَ السَّيلُ فيَغْمُرَهَا فتُصبحَ رطبةً ثم تتَعَفَّنُ أو تذوبُ فتُصبِحُ غيرَ صالحةٍ، وكذلك الجَرَادُ الكثيرُ إذا هَاجَمَ هذه الثمارَ فأفنَاهَا أو كادَ يُفْنِيهَا.
ولا خلافَ في مذهب مالك (١) وأحمد (٢) أنَّ ما أصاب الثمرة من الآفات السماوية جائحةٌ، والإمامان متفقان على ذلك، وما يحصل من خلاف فهو خلافٌ في داخل المذهب.
الآفات الأرضية التي من صنع الآدميين فالحنابلة (١) وبعض أصحاب مالك رأوه جائحة، وبعضهم لم يره جائحة.
والذين رأوه جائحة انقسموا إلى فريقين:
الأول: يرى أن ما كان بالغلبة - كالجيوش التي تأتِي على الثمارِ فتأكُلَهَا وتُفنِيَهَا ونحوِ ذلك - يُعتَبَرُ جائحةً لو هاجَمُوا المَزرَعَةَ فأكلوها غلبةً وليس مُغافَصَةً - والمُغَافَصَةُ بمعنى: المخادعة وأخذ الشيء على غِرَّة - وما كان بغير غلبة بل بخديعة أو سرقة فليس بجائحة. ومثال ذلك: إذا جاءَ سارقٌ فسرقَ الثمارَ، فهذه مسألةٌ مختَلَفٌ فيها في المذهبين؛ فبعضهم يراها جائحةً، وبعضهم لا يراها كذلك، والذي يرى أنها ليست جائحةً يقولُ بأنه مخَيَّرٌ بين أن يُنهِيَ العقدَ أو يُطَالِبَ البائعَ، وبعضهم يقولُ: بل يَبْقَى على ما بَقِيَ من الثمار ويُطَالِبَ مَن تَعَدَّى عليها.
الثاني: بعض الفقهاء اعتَبَرَ كلَّ ما يُصيبُ الثمرةَ من جهة الآدميين جائحةً على أي وجهٍ كانت؛ سرقةً أو غلبةً أو غيرها.
* قوله: (فَمَنْ جَعَلَهَا فِي الْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ فَقَطِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ قَوْلِهِ ﵊: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنْعَ اللهُ الثَّمَرَةَ؟ " (٢)).
أي: مَن جعل الجائحة في الأمور السماوية فقط استدل بظاهر قوله ﵊: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنْعَ اللهُ الثَّمَرَةَ؟ ". والمقصود بأن يمنع الله الثمرة كأن يوقف الله المطَر، أو جاء بردٌ شديدٌ أو قَحْطٌ، أو جاءَ جَرَادٌ فهاجَمَ الثَّمَرَ فقضى عليه … إلى غير ذلك من الآفات السماوية.
стр. 7323
* قوله: (وَمَنْ جَعَلَهَا فِي أَفْعَالِ الْآدَمِيِّينَ شَبَّهَهَا بِالْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ، وَمَنِ اسْتَثْنَى اللِّصَّ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يُتَحَفَّظَ مِنْهُ) (١).
وأمَّا مَن جعلَ الجائحةَ في أفعال الآدميين فقد اعتمدَ على شَبَهِهَا بالأمور السماوية، ومن استثنى اللِّص من أفعال الآدميين عَلَّل ذلك بأن اللص يمكن أن يُتحفظ منه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْفَصْل الثَّانِي: فِي مَحِلِّ الْجَوَائِحِ مِنَ الْمَبِيعَاتِ)
يتناول المصنف في هذا الفصل بالذِّكر محل الجوائح من المبيعات؛ وهو الثمار والبقول، فالثمارُ معروفةٌ كالرطب مثلًا، والبقولُ مثل ما يكون في الزروع كالعدَسِ والفولِ ونحوِهَا.
* قوله: (ومحل الجوائح؛ هي الثمار والبقول، فَأَمَّا الثِّمَارُ: فَلَا خِلَافَ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ (٢). وَأَمَّا الْبُقُولُ: فَفِيهَا خِلَافٌ، وَالْأَشْهَرُ فِيهَا الْجَائِحَة، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْبُقُولِ لاخْتِلَافِهِمْ فِي تَشْبِيهِهَا بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الثَّمَرُ (٣)).
стр. 7324
فلا خِلاف في الثمار بين المذهبين (١)؛ فإنَّ المذهبَين متفقان على أن الجائحة تكون في الثمار، أمَّا البقول فقد وقع فيها الخلاف.
فالاختلاف إذن وقع في البقول دون الثمار؛ لأن الثمر هو الأصل، وهو الذي نَصَّ عليه حديثُ: "أرأيتَ إذا منع الله الثمرة؟ " يعني: أرأيت إن بِعتَ مِن أخيك ثمرةً فأصابته جائحةٌ، فكلُّ الذي ورد في الأحاديث إنما هو ذِكرُ الثمرةِ ولم يَرِدْ ذِكرُ البُقولِ؛ وإنما ألحقنا به غيره عن طريق القياس.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مِقْدَارِ مَا يُوضَعُ مِنْهُ فِيهِ)
وفي هذا الفصل يحدد فيه المؤلف مقدار ما يوضع من الجوائح، وهذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء، وقد عُلِمَ أن الذين قالوا بوضعِ الجوائحِ هم المالكيةُ والحنابلة، ولذلك فلا مبحثَ لها عند الحنفية والشافعية.
* قوله: (وَأَمَّا الْمِقْدَارُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْجَائِحَةُ: أَمَّا فِي الثِّمَارِ: فَالثُّلُث، وَأَمَّا فِي الْبُقُولِ: فَقِيلَ: فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرٍ، وَقِيلَ: فِي الثُّلُثِ (٢)).
стр. 7325
الشيء الذي لا اختلاف فيه بين العلماء (١) الذين قالوا بوضع الجوائح: أن ما يُعد قليلًا لا يُنظر إليه، فلو ذهبت مثلًا عشر ثمرات، أو عشر تمرات، أو عشرين؛ فهذه أمور قليلة لا يُلتفت إليها؛ لأن الرسول ﷺ عندما كان يبعث السعاة الذين يخرصون الثمار؛ كان يوصيهم ﵊ بقوله: "إذا خَرَصْتم فدعوا الثلث، فإن لم تَدَعوا الثلث فدعوا الربع" (٢).
فالثمار تهزها الرياح وربما تساقط منها الشيء الكثير، وترتادها الطيور فتأكل منها وتؤثر فيها، وغير ذلك من الأسباب.
ومن هنا جاء الرأي الذي يلتقي فيه المذهبان المالكي والشافعي (٣) - في رواية في كل منهما - بأن القدر في ذلك هو الثلث، فإذا ذهب الثلث كانت جائحة، وإذا كان دون ذلك فلا.
وفي المذهبين رواية أخرى (٤): لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها؛
стр. 7326
فكل ذلك يعد جائحة، لكنهم قالوا فيما يعد قليلًا واضحًا: "لا يلتفت إليه كعدد من التمرات ونحوها".
إذًا هناك قولان - وهما في المذهبين المالكي والحنبلي -:
الأول: أنه يجب الوضع في كل جائحة قليلة كانت أو كثيرة.
الثاني: أن المقدار أو الحد المعتبر هو الثلث؛ لأن الثلث يعتبر بداية الكثير، وما دونه إنما هو قليل، وقد أُثر عن الإمام أحمد أنه قال: "لا أقول بالقليل وذكر تمرات أو ثمرات، قال: إنما الخمس والربع إنما هو جائحة" (١).
لكن القول الذي التقى حوله المذهبان هو الثلث، والعلماء الذين قالوا بذلك أخذوا ذلك من استقرار هذه الشريعة.
* قوله: (وَابْنُ الْقَاسِمِ يَعْتَبِرُ الثلُثَ بِالْكَيْلِ، وَأَشْهَبُ يَعْتَبِرُ الثُّلُثَ فِي الْقِيمَةِ (٢)، فَإِذَا ذَهَبَ مِنَ الثَّمَرِ عِنْدَ أَشْهَبَ مَا قِيمَتُهُ الثُّلْثُ مِنَ الْكَيْلِ وَضَعَ عَنْهُ الثُّلُثَ مِنَ الثَّمَنِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ثُلُثًا فِي الْكَيْلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ).
هناك خلاف في داخل المذهب المالكي في تفسير معنى اعتبار الثلث؛ أي: هل المعتبر عندما قالوا بالثلث هو المقياس - الكيل المعروف -
стр. 7327
فيكال هذا الثمر فيعرف الثلث وهو الذي يعتبر جائحة، أو أن المعتبر في ذلك إنما هي القيمة؟
وابن القاسم ﵀ وهو من كبار المالكية - يعتبر ثلث الثمر بالكيل، وبعض المالكية كأشهب يعتبر ثلث الثمر بالقيمة.
وأمَّا الحنابلة فإنهم يطلقون ذلك، والمراد هو ذهاب الثلث (١).
* قوله: (وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ (٢): فَإِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ مِنَ الثَّمَرِ الثُّلُثُ مِنَ الْكَيْلِ، فَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا لَيْسَ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ بُطُونِهِ حَطَّ عَنْهُ مِنَ الثَّمَنِ الثُّلُثَ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةَ الْقِيَمِ، أَوْ كَانَ بُطُونًا مُخْتَلِفَةَ الْقِيَمِ أَيْضًا اعْتَبَرَ قِيمَةَ ذَلِكَ الثُّلُثَ الذَّاهِبَ مِنْ قِيمَةِ الْجَمِيعِ، فَمَا كَانَ قَدْرهُ حَطَّ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الثَّمَنِ فَفِي مَوْضِعٍ يَعْتَبِرُ الْمَكِيلَةَ فَقَطْ، حَيْثُ تَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ فِي أَجْزَاءِ الثَّمَرَةِ وَبُطُونِهَا وَفِي مَوْضِعٍ يَعْتَبِرُ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا حَيْثُ تَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ).
والمعلوم أن الثمار تختلف نوعًا وصنفًا وقيمة، فمنها ما هو غالي الثمن، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما هو دون، وأيضًا تختلف في أنواعها سواء كانت ثمارًا أو فاكهة أو غيرها.
стр. 7328
والثمر الواحد يختلف نوعه - وقد سبق ذكر ذلك تفصيلًا - فالنخل نفسه ليس على نسق واحد؛ بل هو أنواع مختلفة، فمنه ما هو غالي القيمة، ومنه ما هو قليل القيمة، ومنه ما هو متوسط، وكذلك الحال بالنسبة للفاكهة والخضروات.
وهذا الذي اختُلف فيه داخل المذهب المالكي إنما هو استحسان (١)، وهذا المذهب يدلل في الكثير من المسائل بالاستحسان (٢).
* قوله: (وَالْمَالِكِيَّةُ يَحْتَجُّونَ (٣) فِي مَصِيرِهِمْ إِلَى التَّقْدِيرِ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ؛ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهَا مُطْلَقًا بِأَنَّ الْقَلِيلَ فِي هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ حُكْمِ الْعَادَةِ أَنَّهُ يُخَالِفُ الْكَثِيرَ؛ إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْقَلِيلَ يَذْهَبُ مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ).
مراده أن العادة محكمة (٤) في كثير من الأمور، والقصد بتحكيم العادة ألا تخالف نصًّا من نصوص الكتاب والسنة، ومعلوم أنَّ في القواعد
стр. 7329
الكبرى في الفقه الإسلامي العادة محكمة، أو ما يُعرف بقاعدة العرف، وأن دليلها أثر عبد الله بن مسعود ﵁: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيء" (١).
ولقد مرَّ بنا - ونحن ندرس هذا الفقه العظيم - اعتبار العادة في مسائل كثيرة، كما في أبواب الطهارة عامة، وأبواب الحيض خاصة، وفيما يتعلق بالنكاح، وفي أبواب أخرى متعددة.
فما اعتاد الناس أن يسموه قليلًا يكون قليلًا، ولذلك نرى بأن العلماء (٢) عندما تكلموا في أبواب الطهارة عن الدم الذي يخرج من البدن - الفاحش وغير الفاحش - ما تقريره: أن تقييم ذلك ما يراه الإنسان في نفسه، كما جاء في الحديث: "يَا وَابِصَة، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْس، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ" (٣). فما يراه كثيرًا فهو كثير، أو ما جرت العادة باعتباره كثيرًا فهو كثير.
* قوله: (فَكَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِالْعَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِالنُّطْقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَائِحَةَ الَّتِي عُلِّقَ الْحُكْمُ بِهَا تَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرٍ، قَالُوا: وَإِذَا وَجَبَ الْفَرْقُ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيه إِذْ قَدِ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ).
ومعنى الجائحة هي الآفة التي تذهب هذا الحق، فذهاب شيء من
стр. 7330
هذا الحق لا يعتبر جائحة إذا كان قليلًا، لأنه - كما ذكرنا - لا بدَّ من ذهاب نصيب منه؛ فالطير له حق، وكذلك أيضًا الريح تسقط شيء منه، وهناك ضيف ربما يمر بهذا الحائط فيأكل منه، ومعلوم أنه يجوز أن يأكل الإنسان مما تساقط باتفاق (١)، وهناك خلاف في المعلق ما لم يكن هذا البستان مسورًا.
وما ذكره المؤلف يعتبر تقديمة لتقليل الثلث، وأن الثلث وإن لم يرد التنصيص عليه في وضع الجوائح - أي: في كونه قدرًا - لأن الرسول ﷺ أمر بوضع الجوائح، وفي الحديث الآخر قال: "إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا تأخذ من مال أخيك شيئًا، بما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟! " (٢). لكنه ﵊ أطلقه ولم يبين القدر.
وعندما نستقرئ أحكام الشريعة نجد بأن الثلث قد اعتُبر في مواضع كثيرة، منها:
- اعتبر في الوصية كما في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ (٣).
- اعتبر في عطايا المريض إلى الثلث (٤).
- اعتبر في تساوي المرأة والرجل في الجراح، فإنها تساوي الرجل
стр. 7331
في الجراح إلى الثلث ثم يحصل بعد ذلك خلاف (١).
وقد أُثر عن الإمام أحمد أنها اعتبرت في سبع عشرة مسألة أنه اعتبر - أي: الثلث (٢) - يساوي عشرة.
إذًا الثُّلث مُعتبر، ولذلك قال الرسول ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص: "الثلث، والثلث كثير" (٣).
* قوله: (وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ (٤) يَضطَرِبُ فِي هَذَا الْأَصْلِ، فَمَرَّةً يَجْعَلُ الثُّلُثَ مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ كَجَعْلِهِ إِيَّاهُ هَاهُنَا، وَمَرَّةً يَجْعَلُهُ فِي حَيِّزِ الْقَلِيلِ).
المذهب يعني به المذهب المالكي، ويقصد أن المذهب هو مصدره، وليس مستقر على رأي في المسألة، هل الثلث يدخل في حيز القليل أم في الكثير؟ وكذلك الحال بالنسبة للمذهب الحنبلي (٥)، فعندهم الخمس والربع والثلث والقليل.
стр. 7332
والحقيقة أن هناك شبه اتفاق بين العلماء (١) بأن الثلث بداية الكثير؛ يعني: منه تبدأ الكثرة وما دونه قليل.
* قوله: (وَلَمْ يَضْطَرِبْ فِي أَنَّهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ).
أي: كأنها مرحلة متوسطة، فالثلث هو واسطة بين القليل والكثير؛ أي: أن ما قبله قليل، وما فوقه كثير، وهو من الكثير، لأن الرسول ﷺ نصَّ عليه بقوله: "الثلث، والثلث كثير".
* قوله: (وَالْمُقَدَّرَاتُ يَعْسُرُ إِثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ) (٢).
والمقدرات - أي: الأحكام التي يراد تقريرها - يصعب أن تقدر بالقياس، فكأنه يقول: لا بد من دليل وارد في ذلك؛ لأنها مسائل موقوفة توقيفية.
* قوله: (لِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ قُلْتُ بِالْجَائِحَةِ لَقُلْتُ فِيهَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ) (٣).
قد أشرنا سابقًا إلى أنَّ الشافعية مع الحنفية في هذه المسألة، وأنهم
стр. 7333
لا يرون القضاء بالجوائح؛ لكن الإمام الشافعي ﵀ لم يقل بها؛ لأنه لم يصح عنده الحديث، أو لم يصح الحديث من الطريق الذي رواه هو، لكنه صح عند غيره، وقد أخرجه مسلم في صحيحه في أكثر من رواية، فهو حديث مُسَلَّم بصحته، ولنا أن نقول إذن أنه مذهب الشافعي.
وقول الشافعي: (لَوْ قُلْتُ بِالْجَائِحَةِ لَقُلْتُ فِيهَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ)؛ لأنه لم يرِد تحديد للجائحة، فتبقى مطلقة، وإذا أطلقت دخل فيها القليل والكثير.
* قوله: (وكون الثلث فرقًا بين القليل والكثير هو نص في الوصية في قوله ﷺ : "الثلث، والثلث كثير").
ومعنى قول المؤلف أنه وإن كان الثلث لم يرد نصًّا في مسألتنا في الجوائح، فإنه قد ورد التنصيص عليه في الوصية، وذلكم في حديث سعد بن أبي وقاص الطويل؛ فإنه رضي الله تعالى عنه لما مرض في حجة الوداع عاده رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله - في معنى الحديث - أشفيت على الموت (يعني أشرفت وقاربت على الموت) وأنا رجل ذو مال (يعني كثير المال) وليس لي إلا ابنة واحدة (يعني ليس له من يرثه إلا ابنة، وإلا فأقاربه كثيرون) أفأتصدق بثلثي مالي؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا". قال: قلت: فبشطر مالي؟ قال: "لا؛ الثلث والثلث كثير؛ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". ثم قال له رسول الله ﷺ مبينًا له فضل الإنفاق وما أعده الله تعالى للمنفقين -: " إنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك" (١). وفي رواية: "تضعها في فِيّ امرأتك" (٢).
فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو على فراش المرض، وقد شفي منه، ونعلم بأنه جاهد بعد ذلك وأبلى في الإسلام بلاءً حسنًا، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أيضًا خالُ رسول الله ﷺ ومن السابقين في
стр. 7334
الإسلام، وممن كانت لهم مكانة عظيمة، فإنه عرف رسول الله ﷺ بأنه ذو مال، وهذا دليل على أن المال ليس مكروه، وأن جمع المال إذا كان من طريق مشروع وأدى الإنسان حق الله فيه؛ فإنه يكسب عن طريق ذلك المال فضلًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا من الله تعالى، لكن لو أخذه عن طريق حرام، أو أنفقه في الحرام، فإنه سيكون بلا شك وبالًا عليه.
وقد منعه رسول الله ﷺ من أن ينفق ثلثيه، ومن أن ينفق نصفه، ثم أرشده ﷺ إلى الحد الذي ينبغي أن يفعله فقال: "الثلث، والثلث كثير". ثم ذكر العلة ﵊ التي لأجلها منعه أن يتصدق بماله أو ثلثيه أو نصفه وقال له: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير" أي: أخير لك وأفضل وأجل لك، "من أن تدعهم عالة" بمعنى فقراء "يتكففون الناس" أي: يمدون أكفهم إلى الناس يسألونهم لا يدرون أعطوهم أم منعوهم.
فالرسول ﷺ يوصي بذلك لصلة الأرحام، والعناية بالأقارب والاهتمام بهم، وإعطائهم حقوقهم، كما نجد أن الرسول ﷺ حضَّ أيضًا على النفقة ورغب فيها فقال: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في فِيّ امرأتك".
ونعلم بأن حظ الإنسان - كما يقول العلماء - من هذه الحياة الدنيا هي المرأة الصالحة، وهي أكثر ما يداعبها الإنسان ويلاعبها، وغالبًا إذا وضع اللقمة في فيها فإنه عن طريق الملاعبة والمداعبة، ومع ذلك فإذا فعل هذا المباح وقصد به وجه الله تعالى فإنه يثيبه عليه.
ونستخرج حكمًا عظيمًا من هذا الحديث بأن الأفعال التي أباحها الله إذا فعلها أحدنا وقصد بها وجه الله تعالى والدار الآخرة، فإن الله تعالى يبدله بها ثوابًا عظيمًا، ويجازيه عليها، هذا إذا كان في حق امرأته، فما بالكم لو كان بحق غيرها؟!
وبهذا نتبين سمو هذه الشريعة ومكانتها وعنايتها بالنفوس، وأيضًا ما فيها مما أعده الله للمتقين المحسنين الذين يبذلون أموالهم في سبيل الله ابتغاء مرضاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 7335
(الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي توضَعُ فِيهِ:
وَأَمَّا زَمَانُ الْقَضَاءِ بِالْجَائِحَةِ، فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ (١) عَلَى وُجُوبِهَا فِي الزَّمَانِ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَبْقِيَةِ الثَّمَرِ عَلَى رُؤُوسِ الشَّجَرِ حَيْثُ يَسْتَوْفِي طِيبَهُ).
أي: أن الجائحة توضع في الوف الذي يتطلبه بقاؤها، فليس للمشتري أن يطلب من البائع أن يزيلها؛ والمراد أنها تلزم إذا لم تكن قد بلغت النضج وتركها المشتري بأن أهملها وتساهل فيها.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَبْقَاهُ الْمُشْتَرِي فِي الثِّمَارِ لِيَبِيعَهُ عَلَى النَّضَارَةِ، وَشَيْئًا شَيْئًا، فَقِيلَ: فِيهِ الْجَائِحَةُ تَشْبِيهًا بِالزَّمَانِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ فِيهِ جَائِحَةٌ تَفْرِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّمَانِ الْمُتَّفَقِ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِالْجَائِحَةِ فِيهِ (٢)؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الزَّمَانَ يُشْبِهُ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ وَيُخَالِفُهُ مِنْ جِهَةٍ؛ فَمَنْ غَلَّبَ الاتِّفَاقَ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَائِحَةَ؛ وَمَنْ غَلَّبَ الاخْتِلَافَ لَمْ يُوجِبْ فِيهِ جَائِحَةً (أَعْنِي: مَنْ رَأَى أَنَّ النَّضَارَةَ مَطْلُوبَةٌ
стр. 7336
بِالشِّرَاءِ كَمَا الطِّيِبُ مَطْلُوبٌ، قَالَ: بِوُجُوبِ الْجَائِحَةِ فِيهِ؛ وَمَنْ لَمْ يَرَ الْأمْرَ فِيهِمَا وَاحِدًا قَالَ: لَيْسَ فِيهِ جَائِحَةٌ)، وَمِنْ هَاهُنَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْجَوَائِحِ فِي الْبُقُولِ).
قوله: (يبيعه على النضارة) يعني: ينتظر أن يبيعه انتظارًا وليس صفقة.
فهو إمَّا أن يبيعه شيئًا فشيئًا، أو يبيعه عن طريق الانتظار، فإذا تجاوز الحد ثم جاءت الجائحة بعد أن نضجت الثمار واستوت على سوقها ثم جاءتها جائحة، ففي اعتبار البائع أيضًا ضامنًا أو لا؛ قولين:
الأول: المشهور في المذهبين أنه لا يؤاخذ بذلك.
الثاني - وهو الوسط -: أنَّ الإنسان لو تركها لعدم وجود زبون يشتريها واحتاج إلى ذلك فلا يعتبر ذلك تقصيرًا، أما لو أهملها وتركها فإنه يكون مسؤولًا عنها. والسبب في اختلافهم فيها كونها لا تحتاج إلى أن تبقى مدة طويلة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ جُمَلِ النَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ وَهُوَ فِي تَابِعَاتِ الْمَبِيعَاتِ
وَمِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ الْمَشْهُور اثْنَتَانِ).
قوله: (تابعات المبيعات) يعني: الأمور التي تتبع المبيعات لتعلقها بها، ولا تحتبر أصلًا فيها.
* قوله: (الْأُولَى: بَيْعُ النَّخِيلِ وَفِيهَا الثَّمَرُ مَتَى يَتْبَعُ بَيْعَ الْأَصْلِ وَمَتَى لَا يَتْبَعُهُ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (١) عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ نَخْلًا فِيهَا ثَمَرٌ قَبْلَ أَنْ يُؤَبَّرَ فَإِنَّ الثَّمَرَ لِلْمُشْتَرِي).
стр. 7337
وقد سبق وتكلمنا عن بيع الثمار التي على النخيل أو على الأشجار، وفي هذه المسألة يريد البائع أن يبيع الأصل التي عليها ثمر، فهل هناك فرق بين أن يكون الثمر مستويًا أو لا؟ أو بمعنى أدق: هل هناك فرق بأن يكون البيع قبل التلقيح أو بعده؟ والمراد بالتلقيح أن تتشقق الثمرة فيلقحها وهو ما يعرف بالإبار أو التأبير.
وقد جاء في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: "خَيْرُ مَالِ الْمَرْءِ لَهُ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ" (١). والسكة المأبورة (٢) هي النخل المصفوف صفًّا، فعندما يدخل المرء بستانًا ويجد فيه النخيل قد رُصت على نسق واحد، ونظمت تنظيمًا بديعًا، فإنه يرى لها منظرًا جميلًا.
والتلقيح أن تلقح الأنثى بالذكر؛ أي: عندما يتشقق الطلع وتبدو ثمرة الشجرة أو النخلة فإنه يأخذ من الفحل الذكر فيمر به على الأنثى، والله جعل ذلك بين كل ذكر وأنثى.
قوله: (جمهور الفقهاء) - في هذه المسألة - هم المالكية والشافعية والحنابلة، وقد قالوا بأن من باع نخلًا فيها ثمر قبل أن يؤبر فإن الثمر للمشتري.
стр. 7338
ويظهر هنا أن اختلاف الفقهاء يسير وفق الأدلة، فلا تجد أن فلانًا يتبع فلانًا لأنه شيخ، أو لأن هذا مذهبه؛ بل متى ما ظهر له الحق فهو معه. وفي مسائل قريبة مرت بنا رأينا أن المالكية والحنابلة في جانب، والشافعية في جانب آخر، ونحن الآن في هذه المسألة نجد أن الأئمة الثلاثة - مالك والشافعي وأحمد - قولهم متحد فيها.
* قوله: (وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ بَعْدَ الإبَارِ فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاع، وَالثِّمَارُ كُلُّهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَعْنَى النَّخِيلِ، وَهَذَا كُلُّهُ لِثُبُوتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَطْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ" (١)).
إذن فالثمر حينها للبائع؛ لا أن يشترطه المبتاع، وفي بعض الروايات: "من باع نخلًا بعد أن تؤبر … " (٢) يعني: بعد أن تلقح (٣).
والجمهور قد أخذوا بظاهر الحديث، والحديث له ظاهر وله مفهوم أيضًا؛ وهو ما يسمى: مفهوم المخالفة، ويُعبر عنه المؤلف كثيرًا بـ " دليل الخطاب" (٤)؛ لأنه يفهم من الخطاب، ومفهوم الموافقة هو الذي يُعرف عند الأصوليين بـ "دلالة النص أو بفحوى الخطاب" (٥).
* قوله: (قَالُوا: فَلَمَّا حَكَمَ ﷺ بِالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ بَعْدَ الْإِبَارِ).
стр. 7339
إذن مفهوم قوله ﷺ : "بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع" واضح، وأمَّا مفهوم المخالفة فهو: أنها إذا لم تؤبر فالثمرة للمشتري، وهذا محل الخلاف بين العلماء.
* قوله: (عَلِمْنَا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ الْإِبَارِ بِلَا شَرْطٍ).
وهذا هو دليل وتعليل جمهور العلماء.
ودليل الخطاب هو ما يسمى بمفهوم المخالفة؛ وهو إثبات عكس حكم المنطوق به للمسكوت عنه؛ يعني أن هناك عبارة منطوق، وهي في الحديث قوله: "من باع نخلة بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع" لأنه هو الذي تعب عليها وأمضى الوقت فيها، فلما باع الأصل كان أولى بها، ودليلها المخالف أنها إذا لم تؤبر فهي للمشتري وليست للبائع.
ومفهوم المخالفة له أقسام عدة، وهو بلا شك حجة عند جمهور العلماء (١)، وفي بعض مدلولاته يُعد حجة عند الحنفية، وقد عمل به العلماء في مسائل كثيرة في الفقه الإسلامي؛ كحديث الزكاة المفروضة في سائمة الغنم، فنص الحديث أن الزكاة في السائمة (٢)، ومفهوم المخالفة أو دليل الخطاب أن المعلوفة لا زكاة فيها.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: هِيَ لِلْبَائِعِ قَبْلَ الإبَارِ، وَبَعْدَه، وَلَمْ يُجْعَلِ الْمَفْهُومُ هَاهُنَا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ؛ بَلْ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى) (٣).
стр. 7340
قال أبو حنيفة: هي للبائع مطلقًا؛ أبرت أو لم تؤبر، وأخذ بمفهوم دلالة الأولى والأحرى، وهو ما يعرف عند الحنفية بدلالة النص، وهو ثبوت حكم بالمنطوق به للمسكوت عنهم لاشتراكهما في علة الحكم، فهم يرون أن حكم المنطوق به يثبت للمسكوت عنه ثبوتًا أولى وأحرى، وهو ما يعرف عند بقية الأصوليين بمفهوم الموافقة.
لكن هذه العلة الموجودة في الملحق - المسكوت عنه - قد تكون مساوية لحكم المنطوق به، وربما تكون أقوى منها، فهي بذلك على قسمين:
الأول: إن كانت أقوى منها نسميه مفهوم أولى وأحرى، كما في قول الله في شأن الوالدين: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤] فالله يحرم التأفف من الولد لوالديه، فلا يجوز له أن يقول لهما: "أف"، وليس له أن ينهرهما ولا أن يرفع صوته عليهما، وهذا نصٌّ في التحريم.
فما بالك أن يشتم والديه، أو يضربهما، أو يمنعهما الطعام أو الشراب أو الكساء، أو يؤذيهما بأي نوع من الأذى؛ فلا شك أن هذا أشد قسوة وأعظم إثمًا.
وهذا الذي يسمى عند الأصوليين مفهوم أولى؛ لأن العلة فيه أقوى، فلا شك أن السب والضرب ومنع الأكل والحبس إنما هي أقوى من التأفف؛ بل ذكر العلماء بأنه لا ينبغي للولد أن يظهر أمام والديه التضجر، وكلمة (أف) لا ينبغي أن يقولها أمامهما، فالأب والأم فيهما من الشفقة التي غرسها الله في قلوبهما ونفوسهما مما لا يوصف تجاه أولادهما، وحتى إن كبر الرجل وشبَّ وأصبح رجلًا سويًّا فالرحمة والشفقة والعطف
стр. 7341
والحنان تتبعه منهما، وأي أذًى من الولد ولو كان صغيرًا فهو يؤثر فيهما ويسبب لهما الحزن والأسى. وعليه أن يظهر أمامهما السرور والراحة حتى ولو وجد ما يضيق صدره ويعكر صفوه، وينبغي ألا ينكر ذلك حتى يحافظ على شعورهما ولا يؤذيهما.
الثاني: إذا كانت العلة مساوية لحكم المنطوق به (١)، ومنه قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠] فالله تعالى حرم أكل أموال اليتامى لأن اليتيم كما هو معروف ضعيف، والضعيف ينبغي أن يهتم بأمره، ولذلك ذكر الرسول ﷺ مما يرفع قدر عمل العبد ويثاب عليه أن يمسح على رأس اليتيم، وأن يعطف عليه لأنه بحاجة إلى الشفقة والرفق، وبحاجة إلى العناية، ومن العناية أن يحفظ ماله ويحافظ عليه لا أن يضيع، إذن نص الآية ولو أُحرق مال اليتيم أو أُغرق فهو لا شك كأكله تمامًا، وهذا نسميه مفهوم موافقة مساوي، فالعلة في المنطوق به تكون مساوية للعلة في المسكوت عنه، ومن الأمثلة كذلك ما مرَّ بنا في باب النكاح، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهي عِدَّة التي تحيض، إذ تتربص بنفسها ثلاثة قروء.
ويقول ﵎ أيضًا: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ومنه فعدة المرأة ثلاثة قروء بالنسبة للمطلقة، والعلة في كون المرأة المطلقة تتربص ثلاثة قروء هو براءة الرحم، إذن كذلك التي يفسخ نكاحها
стр. 7342
أو التي تخلع زوجها وقد وطئها، عدتها ثلاثة قروء للتساوي الحاصل بين علة الطلاق وعلة الفسخ.
وهذا أيضًا يسمى مفهوم موافقة، والكلام فيه كثير جدًّا، ومسائله عديدة، وهو الذي أشار إليه المؤلف، فالحنفية يعتبرون ذلك مفهوم أحرى وأولى، والجمهور يقولون: هو مفهوم مخالفة، ولا شك أن رأي الجمهور أولى في ذلك.
* قوله: (قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ لِلْبَائِعِ بَعْدَ الْإِبَارِ فَهِيَ أَحْرَى أَنْ تَجِبَ لَهُ قَبْلَ الْإِبَارِ).
وليس شرطًا إذا وجبت له قبل الإبار فإنها تجب له بعد الإبار؛ لأنه بعد الإبار قد تعب فيها، لكنه قبل الإبار لم يعمل شيئًا فلا شك أن هناك فرق بينهما.
* قوله: (وَشَبَّهُوا خُرُوجَ الثَّمَرِ بِالْوِلَادَةِ، وَكلمَا أَنَّ مَنْ بَاعَ أَمَةً لَهَا وَلَدٌ فَوَلَدُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ كَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي الثَّمَر).
ووجه الشبه بين الأمرين أن في التأبير النخلة تشق فتخرج الثمرة، وفي الولادة كذلك يخرج الولد من الأمة، فهنا خروج وهناك خروج، ومنه فكما أن الأمة إذا ولدت ولدًا وبيعت فإنه يتبعها إلا أن يشترطها كذلك المبتاع، فكذلك الأمر في الثمرة.
* قوله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (١): سَوَاءٌ أَبَّرَ أَوْ لَمْ يُؤَبِّرْ إِذَا بِيعَ الْأَصْلُ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَطَهَا أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا، فَرَدَّ الْحَدِيثَ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الثَّمَرَ جُزْءٌ مِنَ الْمَبِيعِ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْقَوْلِ إِلَّا إِنْ كَانَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ).
стр. 7343
قال بذلك ابن أبي ليلى إلحاقًا للفرع بالأصل؛ لأنه يعتبر الثمرة تتبع الأصل، فلما أصبح الأصل للمشتري فينبغي أن تلحق الثمرة بأصلها - أي: الشجرة - فتكون له كذلك.
ونحن نقول: إن هذا القياس - أو التعليل - مقبول لو لم يرد نص، لكنه لا قياس مع النص، فالنص موجود بين أيدينا وهو حديث متفق عليه، وينبغي أن نأخذ به، ومذهب جمهور العلماء في رأيي - مع أنهم يستدلون بمفهوم المخالفة - أقوى؛ لأنه أصرح دلالة من مفهوم الموافقة الذي استدل به الحنفية.
ونحن لا نستطيع أن نحكم بأنه رد الحديث بالقياس، فربما أن الحديث لم يبلغه، أو أنه سمع الحديث فتأوله، لكن الحديث يرد عليه بلا شك، ولا مجال للقياس مع وجود نص صحيح صريح في المسألة.
* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يَرُدَّ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا خَالَفَ مَفْهُومَ الدَّلِيلِ فِيهِ).
يقصد المؤلف أن أبا حنيفة ما رد الحديث؛ لكنه تأول الدليل بأن فيه مفهوم موافقة، وهو بعيد جدًّا، والحديث لفظ منطوق ومفهوم، والمفهوم هو مفهوم مخالفة؛ لأنه لما نص على أن من باع ثمرًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع الذي أبرها وتعب فيها؛ مفهومه أنه إذا لم يؤبرها هذا يتبادر إلى ذهن الإنسان مباشرة أنها للمشتري.
* قوله: (فإذن سَبَبُ الْخِلَافِ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ - وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ - مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِدَلِيلِ مَفْهُومِ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى فَحْوَى الْخِطَابِ، لَكِنَّهُ هَاهُنَا
ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ).
وأحمد أيضًا، فالأئمة الثلاثة رأيهم واحد في هذه المسألة.
стр. 7344
وقوله: (فحوى الخطاب) هو ما يعرف بدلالة النص أو مفهوم
الموافقة؛ أي: مراد الخطاب ومقصده.
يريد المؤلف أن يقول بأن للحديث مفهومين؛ مفهوم مخالفة ومفهوم موافقة، والجمهور يأخذون بمفهوم المخالفة، بينما أبو حنيفة أخذ بمفهوم الموافقة، ولكن الحديث يدل على مفهوم المخالفة أكثر من دلالته على مفهوم الموافقة؛ لأن دلالته على مفهوم الموافقة بعيدة جدًّا.
* قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ مُخَالَفَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: فَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلسَّمَاعِ، وَهُوَ كَمَا قُلْنَا ضَعِيفٌ).
والقياس هو كونه ألحق الثمرة بالأصل فقال: تتبع أصلها.
* قوله: (وَالْإِبَارُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ (١): أَنْ يَجْعَلَ طَلْعَ ذُكُورِ النَّحْلِ فِي طَلْعِ إِنَاثِهَا، وَفِي سَائِرِ الشَّجَرِ أَنْ تُنَوَّرَ وَتُعْقَدَ، وَالتَّذْكِيرُ فِي شَجَرِ التِّينِ الَّتِي تُذَكَّرُ فِي مَعْنَى الْإِبَارُ).
وعامة الناس يعرفون ذلك؛ لأن النخل أيضًا كالإنسان والحيوان منه الذكر ومنه الأنثى، فيأخذ عرق من الذكر فيمرر على الأنثى، وهذا هو التلقيح.
стр. 7345
وأما التين فيقول العلماء (١): إن علامة تأبيرها أن يزول ما عليها من قشر وما عليها من نور، فتصبح حينئذٍ ثمرة، وهذا علامة على أنها قد تفطرت، وليس شرطًا أن يكون هناك تأبير.
وأهل العلم يثبتون الثمر حينئذٍ للبائع، فكل ثمرة يظهر عليها التأبير، إمَّا فعلًا كالنخلة، وإمَّا لأنها تتأبر عادة بمعنى أنها تتشقق وتظهر ثمرتها، فهي من حق البائع.
* قوله: (وَإِبَارُ الزَّرْعِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ إِبَارَهُ أَنْ يُفْرَكَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الثَّمَرِ (٢). وَهَلِ الْمُوجِبُ لِهَذَا الْحُكْمِ هُوَ الْإِبَارُ أَوْ وَقْتُ الْإِبَارُ؟ قِيلَ: الْوَقْت، وَقِيلَ: الْإِبَار، وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي الاخْتِلَافُ إِذَا أُبِّرَ بَعْضُ النخل ولم يؤبر البعض، هل يتبع ما لم يأبر ما أبر أو لا يتبعه (٣)).
يعني هل الموجب للحكم بالثمر للبائع هو الإبار أو وقت الإبار؟ والحقيقة أن الموجب هو الإبار وليس وقته؛ أي: لو جاء وقت الإبار ولم تؤبر فلا تعتبر حينئذٍ مؤبرة، والحديث صريح في ذلك.
ولكن الحديث صريح باعتبار الإبار تأبير النخل.
وقوله: (وعلى هذا ينبني الاختلاف إذا أبر بعض النخل ولم يؤبر البعض).
стр. 7346
هذه المسألة مختلف فيها، واعتبرها العلماء فرعًا. فلو أبر بعض النخل وترك بعضه، هل يعتبر ما لم يؤبر تابعًا للمؤبر يأخذه البائع، أم أن هناك فرق بينهما؟
في ذلك خلاف (١)، والصحيح أن ما أبر فهو للبائع، وما لم يؤبر فهو للمشتري، كما لو لم يؤبره مطلقًا؛ لأن الرسول ﷺ قال: "من باع نخلًا قد أبرت ثمره" (٢)، وهذه لم تؤبر، فهي إذن من حقِّ المشتري وليست من حق البائع.
* قوله: (واتفقوا (٣) فيما أحسبه على أنه إذا بيع ثمر وقد دخل وقت الإبار فلم يأبر أن حكمه حكم المؤبر).
وهذا ليس كما ذكر المؤلف، فهو ليس محل اتفاق؛ بل أكثر العلماء ينازع فيه؛ لأن الحديث صريح الدلالة على المعنى، قال رسول الله ﷺ : "من باع نخلًا قد أبرت ثمره" فما لم يؤبر، حتى وإن مرَّ به الوقت لا يعتبر مؤبرًا، فينبغي أن نقف عند صريح الحديث؛ لأنه نص في هذه المسألة، فكيف نترك دلالة الحديث ونأخذ بمفهومه.
* قوله: (المسألة الثانية وهي اختلافهم في بيع مال العبد).
стр. 7347
المؤلف يبحث في هذه المسألة ما يتعلق ببيع مال العبد، ويقصد بالعبد المملوك، وأمَّا من حيث التعبد فالخلق كلهم عبيد الله ، لا فرق بين أبيضهم وأسودهم، ولا بين أحمرهم وأصفرهم، ولا بين كبيرهم ولا صغيرهم، ولا بين شريفهم ووضيعهم، فهم كلهم متساوون في عبادة الله ، وكلهم أيضًا بحاجة إليه ، فهو الغني وهم الفقراء، ولا شك أنَّ من أجلِّ وأحسن ما يتحلى به المؤمن أن يكون عبدًا لله ، ولذلك ذكر الله نبيه في موضع الثناء فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
والمملوك إنما حصل رقه بسبب القتال، فقد كان كافرًا، ثم بعد ذلك أُسر، وهذا الأسير كما هو معلوم تترتب عليه أحكام، وهو يباع ويشترى كسائر الأموال؛ لكن الإسلام لم يُغفل جانبه، فقد حضَّ على إعتاق الرقيق ورغب في ذلك أيضًا، وأكده فيما يتعلق بالكفارات كما مر بنا في كفارة الجماع في رمضان، وكذلك فيما يتعلق بالمظاهرة والقتل وغير ذلك.
ومبحثنا في هذه المسألة هو ما يخص المملوك من حيث ماله؛ وفي ذلك عدة أمور هي:
الأول: هل المملوك يملك أو لا يملك؟
الثاني: إذا قلنا أنه لا يملك مطلقًا فكيف إذا ملَّكه سيده مالًا من الأموال أو صنفًا من الأصناف؟ هذا أيضًا محل خلاف بين العلماء، والأول الخلاف فيه أشد.
الثالث: المملوك إذا بيع وليس له مال، ولكن له ثياب وتبعات، فهل هي تتبعه أيضًا في المبيع أو لا؟ أي: هل هي من حق المشتري أو أن ذلك يختلف؟ وهي أيضًا مسألة فيها تفصيل.
الرابع: وعلى القول بأنه إذا اشترط أيضًا المشتري ماله فأخذه، ثم فسخ العقد بسبب من الأسباب - كالإقالة أو وجود عيب أو في وقت الخيار - فهل يعود هذا المال إلى المالك الأول أو لا؟
стр. 7348
فهذه كلها مسائل اختلف فيها العلماء، والمؤلف لم يستوعبها، ولكننا نشير إليها لارتباط بعضها ببعض.
فأمَّا قولنا: هل يملك أو لا يملك، نقصد مطلقًا دون أن يملكه سيده؛ فأهل الظاهر (١) يذهبون إلى أنه يملك، ويستدلون بقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وكلمة: (لكم) هذه عامَّة، ومنه قالوا: فهو يدخل في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ حيث يدخل فيها الحر والعبد، وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ أي: أنهم يتساوون في الملك، فكما أن الحر له الحق في أن يملك، كذلك أيضًا العبد له أن يملك، ثم أكدوا ذلك بقول رسول الله ﷺ : "من باع عبدًا له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع" (٢). وقالوا في هذا الحديث ما يدل على أن العبد يملك وذلك لأن الرسول قال فماله قالوا فذكر المال للعبد وبلام الملك دل على أنه يملك وله مال، واللام تدل على الملك. وأما الجمهور فردوا ذلك بقول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: ٧٥] فنجد أن الله فرَّق بينهما. وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قالوا: وإذا كان لا يقدر على شيءٍ فهو لا يملك، ثم جاء الطرف الآخر - وهو الحر - فأثبت الله له الملك فقال: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾. ثم قال : ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ أي: أن هناك فرقًا بينهما.
стр. 7349
وقال أيضًا جمهور العلماء (١): هو لا مال له أصلًا لأنه سلعة، فهو يُباع ويُشترى، فكيف يملك وهو مملوك، وهذه مسألة لم يتعرض لها المؤلف فأحببت أن أُشير إليها.
ثم بعد ذلك يختلف العلماء أيضًا: هل إذا ملَّكه سيده مالًا بأن أعطاه دراهم أو دنانير، أو ملَّكه دارًا أو بستانًا أو غير ذلك؟ على أقوال:
الأول: الحنفية (٢) والشافعي (٣) - في الجديد - وهي رواية للإمام أحمد (٤): أنه لا يملك، ووجهة نظرهم أنه لو ملك فماله لسيده؛ لأنه مملوك فلا يملك.
الثاني: ذهب الإمام مالك (٥)، وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد (٦)
стр. 7350
- وفي نظري أن ذلك هو الصحيح -: أنه يملك؛ بدليل أن الرسول ﷺ قال: "من باع عبدًا له مال" فأثبت المال له.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَالِ الْعَبْدِ: هَلْ يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ):
قصد المؤلف في قوله: (بيع مال العبد) ليس بيع ماله منفصلًا، والمقصود أنه إذا بيع عبد وله مال ملكه إياه سيده، فهل المال يتبعه أو لا؟
أي: هل المال منفصل عنه فيكون للبائع، أو أنه تابع له فيكون للمشتري، أو أنه في الأصل للبائع ولو اشترطه المشتري لكان له؟
ثم إن هناك جزئية لم يتعرض لها المؤلف، وهي الفرق بين أن يشتري إنسان عبدًا وله مال، وبين أن يكون قصده من الشراء العبد والمال - أي: أن يكون المال مقصودًا - فإن كان العبد هو المقصود يدخل المال تبعًا، وإن كان المال مقصودًا فإنه ينطبق عليه ما ينطبق في أحكام البيوع، وعلينا أن نذكر هنا مسألة القلادة (١) التي بيعت وسُئل عنها رسول الله ﷺ فقال: "لا". يعني: لا يجوز بيعها حتى تصفى ويعرف ما فيها من الذهب ومن غيره، وقد وجد أن ما فيها من الذهب أكثر من الثمن الذي أراد المشتري أن يهبه.
ومنه فإن لم يكن المال مقصودًا فهذا لا يضر؛ فلو يشتري أحدهم مثلًا بيتًا من البيوت، ثم يجد أن سقفه جميعًا مموهة بالذهب، أو يشتري الحيطان وتحتها أسس، كل هذه الأشياء تتبع أصلها لأنها لم تكن مقصودة. لكن إذا قصد المشتري هذا المال حينئذٍ لا بدَّ أيضًا أن يراعى فيه ما يراعى في البيوع من ألا يكون قد دخل في أبواب الربا، أو ألا يكون بيع وسلف أيضًا كما مضى في المسائل السابقة.
стр. 7351
* قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّ مَالَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ لِسَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَالْكُوفِيُّونَ (٢)).
أي: قال به الشافعي وأبو حنيفة، وكذلك أحمد (٣)، إذن جمهور العلماء قالوا بهذا القول.
* قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَبِي ثَوْرٍ (٤). وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٥)، وَاللَّيْثُ (٦)).
стр. 7352
إذن الأقوال في ذلك ثلاثة:
الأول: قول جمهور العلماء - الأئمة الثلاثة.
الثاني: قول أهل الظاهر، وسبق وذكرنا أن أهل الظاهر قاعدتهم أنه يملك كغيره.
الثالث: وهو قول الإمام مالك، حيث فرَّق بين العتق وبين غيره، وسيأتي معنا أن سبب تفريق مالك بين العتق وبين البيع هو الحديث الذي رواه في موطئه - ورواه غيره - ولكنه حديث ضعيف سيذكره المؤلف.
* قوله: (فَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّ مَالَهُ فِي الْبَيْعِ لِسَيِّدِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَشْهُور، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ؛ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ").
وهو حديث صحيح معروف جاء متفقًا عليه من رواية (١)، وجاء في مسلم في رواية أخرى (٢).
إذن الحديث صريح في أنه من باع عبدًا وله مال فهو للبائع؛ وذلك لأنه هو الذي ملكه إياه، وإذا كان يملكه فمن باب أولى أن يملك ماله وهو أحق به من المشتري؛ لكن لو اشترطه المشتري فإنه يتبعه في هذه الحالة، وهذا هو رأي الجمهور، وقد أخذوا بظاهر الحديث كما هو واضح.
* قوله: (وَمَنْ جَعَلَهُ لِسَيِّدِهِ فِي الْعِتْقِ فَقِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ).
وقد أشرنا إلى هذا في المقدمة، وقد بنوا ذلك على قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله ﷺ : "فماله للذي باعه" فقال أهل الظاهر (٣): ثبت له المال فتملك إذن هو أحق به.
стр. 7353
* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ تَبَعٌ لِلْعَبْدِ فِي كُلِّ حَالٍ انْبَنَتْ عَلَى كَوْنِ الْعَبْدِ مَالِكًا عِنْدَهُمْ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا اخْتِلَافًا كثِيرًا؛ أَعْنِي: هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَوْ لَا يَمْلِكُ؟).
إذن المسألة ذات شقين:
الأول: هل يملك مطلقًا أو لا؟
- الجمهور يرون أنه لا يملك.
- والظاهرية يرون أنه يملك.
الثاني: هل يملك إذا ملكه سيده أم لا يملك؟
- أكثر الفقهاء - أبو حنيفة والشافعي في الجديد، وهي رواية للإمام أحمد - أنه لا يملك؛ لأنه ليس له أن يستقل فهو وماله لسيده.
- والقول الآخر أنه يملك، وهو مذهب الإمام مالك والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وقلنا: هذا أصح، ويشهد أيضًا له ظاهر الحديث.
* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا غَلَّبُوا الْقِيَاسَ عَلَى السَّمَاعِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ هُوَ حَدِيث خَالَفَ فِيهِ نَافِعٌ سَالِمًا؛ لِأَن نَّافِعًا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٌ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
والحقيقة أن هذا لا يضر؛ لأن ما حصل من ابن عمر ﵁ إنما كان تفضلًا منه بأنه ملكه.
* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ ﵀ فَغَلَّبَ الْقِيَاسَ فِي الْعِتْقِ وَالسَّمَاعَ فِي الْبَيْعِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإ (١): الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُبْتَاعَ إِذَا اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ نَقْدًا كَانَ، أَوْ عَرَضًا، أَوْ دَيْنًا. وَقَدْ
стр. 7354
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ غُلَامًا فَمَالُهُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ").
وقوله هنا: "إلا أن يستثنيه سيده" عكس قوله في الحديث السابق: "إلا أن يشترطه المبتاع" ولأجل ذلك فرَّق الإمام مالك بين العتق والبيع، وهذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ (١)، ورواه كذلك النسائي) (٢) وابن ماجه (٣)، وقد ضعفه العلماء (٤) فلم يأخذ به بقية الأئمة.
* قوله: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَشتَرِيَ الْعَبْدَ وَمَالَهُ بِدَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ مَالُ الْعَبْدِ دَرَاهِمَ أَوْ فِيهِ دَرَاهِمُ. وَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦) إِذَا كَانَ مَالُ الْعَبْدِ نَقْدًا، وَقَالُوا: الْعَبْدُ وَمَالُهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ شَيْئَيْنِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ).
وخالفه أحمد أيضًا (٧)، ومسألة بيع شيئين كالتي مرت بنا في حديث بيع القلادة التي فيها ذهب وخرز.
стр. 7355
* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي لِبَعْضِ مَالِ الْعَبْدِ فِي صَفْقَةِ الْبَيْعِ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوز، وَقَالَ أَشْهَبُ: جَائِزٌ أَنْ يَشْتَرِطَ بَعْضَه، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ (١) فَقَالَ: إِنْ كَانَ مَا اشْتَرَى بِهِ الْعَبْدَ عَيْنًا وَفِي مَالِ الْعَبْدِ عَيْن لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ دَرَاهِمُ بِعَرَضٍ وَدَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ مَا اشْتَرَى بِهِ عَرُوضًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِ الْعَبْدِ دَرَاهِمُ جَازَ).
أي: إذا جاز له أن يشترط جميع ماله فله أن يشترط بعضه، ويتفرع عن هذا أيضًا مسألة أخرى لم يتكلم عنها المؤلف …
يعني: بيع عرض ودراهم عرض لكن وهذا يدخل في مد عجوة ودرهم ببيع مد عجوة ودرهم أو مد عجوة ودرهم بمد عجوة.
* قوله: (وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ بَعْضَهُ: تَشْبِيهُهُ بِثَمَرِ النَّخْلِ الْإِبَار. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ تَشْبِيهُ الْجُزْءِ بِالْكُلِّ).
سبق وذكرنا بأنه في هذه المسائل يطبق ما يطبق في أحكام البيع الأخرى، كأن تبيع دراهم ومعها عرض بدراهم، فإنه لا بدَّ من التساوي؛ لأن الرسول ﷺ قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد". ثم قال: "وإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (٢).
فإذا كان معه غيره فلا بدَّ من معرفة التساوي.