← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

* قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّ مَالَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ لِسَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَالْكُوفِيُّونَ (٢)). أي: قال به الشافعي وأبو حنيفة، وكذلك أحمد (٣)، إذن جمهور العلماء قالوا بهذا القول. * قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَبِي ثَوْرٍ (٤). وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٥)، وَاللَّيْثُ (٦)).

стр. 7352

إذن الأقوال في ذلك ثلاثة: الأول: قول جمهور العلماء - الأئمة الثلاثة. الثاني: قول أهل الظاهر، وسبق وذكرنا أن أهل الظاهر قاعدتهم أنه يملك كغيره. الثالث: وهو قول الإمام مالك، حيث فرَّق بين العتق وبين غيره، وسيأتي معنا أن سبب تفريق مالك بين العتق وبين البيع هو الحديث الذي رواه في موطئه - ورواه غيره - ولكنه حديث ضعيف سيذكره المؤلف. * قوله: (فَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّ مَالَهُ فِي الْبَيْعِ لِسَيِّدِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَشْهُور، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ؛ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ"). وهو حديث صحيح معروف جاء متفقًا عليه من رواية (١)، وجاء في مسلم في رواية أخرى (٢). إذن الحديث صريح في أنه من باع عبدًا وله مال فهو للبائع؛ وذلك لأنه هو الذي ملكه إياه، وإذا كان يملكه فمن باب أولى أن يملك ماله وهو أحق به من المشتري؛ لكن لو اشترطه المشتري فإنه يتبعه في هذه الحالة، وهذا هو رأي الجمهور، وقد أخذوا بظاهر الحديث كما هو واضح. * قوله: (وَمَنْ جَعَلَهُ لِسَيِّدِهِ فِي الْعِتْقِ فَقِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ). وقد أشرنا إلى هذا في المقدمة، وقد بنوا ذلك على قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله ﷺ : "فماله للذي باعه" فقال أهل الظاهر (٣): ثبت له المال فتملك إذن هو أحق به.

стр. 7353

* قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ تَبَعٌ لِلْعَبْدِ فِي كُلِّ حَالٍ انْبَنَتْ عَلَى كَوْنِ الْعَبْدِ مَالِكًا عِنْدَهُمْ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا اخْتِلَافًا كثِيرًا؛ أَعْنِي: هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَوْ لَا يَمْلِكُ؟). إذن المسألة ذات شقين: الأول: هل يملك مطلقًا أو لا؟ - الجمهور يرون أنه لا يملك. - والظاهرية يرون أنه يملك. الثاني: هل يملك إذا ملكه سيده أم لا يملك؟ - أكثر الفقهاء - أبو حنيفة والشافعي في الجديد، وهي رواية للإمام أحمد - أنه لا يملك؛ لأنه ليس له أن يستقل فهو وماله لسيده. - والقول الآخر أنه يملك، وهو مذهب الإمام مالك والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وقلنا: هذا أصح، ويشهد أيضًا له ظاهر الحديث. * قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا غَلَّبُوا الْقِيَاسَ عَلَى السَّمَاعِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ هُوَ حَدِيث خَالَفَ فِيهِ نَافِعٌ سَالِمًا؛ لِأَن نَّافِعًا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٌ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). والحقيقة أن هذا لا يضر؛ لأن ما حصل من ابن عمر ﵁ إنما كان تفضلًا منه بأنه ملكه. * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ ﵀ فَغَلَّبَ الْقِيَاسَ فِي الْعِتْقِ وَالسَّمَاعَ فِي الْبَيْعِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإ (١): الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُبْتَاعَ إِذَا اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ نَقْدًا كَانَ، أَوْ عَرَضًا، أَوْ دَيْنًا. وَقَدْ

стр. 7354

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ غُلَامًا فَمَالُهُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ"). وقوله هنا: "إلا أن يستثنيه سيده" عكس قوله في الحديث السابق: "إلا أن يشترطه المبتاع" ولأجل ذلك فرَّق الإمام مالك بين العتق والبيع، وهذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ (١)، ورواه كذلك النسائي) (٢) وابن ماجه (٣)، وقد ضعفه العلماء (٤) فلم يأخذ به بقية الأئمة. * قوله: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَشتَرِيَ الْعَبْدَ وَمَالَهُ بِدَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ مَالُ الْعَبْدِ دَرَاهِمَ أَوْ فِيهِ دَرَاهِمُ. وَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦) إِذَا كَانَ مَالُ الْعَبْدِ نَقْدًا، وَقَالُوا: الْعَبْدُ وَمَالُهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ شَيْئَيْنِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ). وخالفه أحمد أيضًا (٧)، ومسألة بيع شيئين كالتي مرت بنا في حديث بيع القلادة التي فيها ذهب وخرز.

стр. 7355

* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي لِبَعْضِ مَالِ الْعَبْدِ فِي صَفْقَةِ الْبَيْعِ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوز، وَقَالَ أَشْهَبُ: جَائِزٌ أَنْ يَشْتَرِطَ بَعْضَه، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ (١) فَقَالَ: إِنْ كَانَ مَا اشْتَرَى بِهِ الْعَبْدَ عَيْنًا وَفِي مَالِ الْعَبْدِ عَيْن لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ دَرَاهِمُ بِعَرَضٍ وَدَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ مَا اشْتَرَى بِهِ عَرُوضًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِ الْعَبْدِ دَرَاهِمُ جَازَ). أي: إذا جاز له أن يشترط جميع ماله فله أن يشترط بعضه، ويتفرع عن هذا أيضًا مسألة أخرى لم يتكلم عنها المؤلف … يعني: بيع عرض ودراهم عرض لكن وهذا يدخل في مد عجوة ودرهم ببيع مد عجوة ودرهم أو مد عجوة ودرهم بمد عجوة. * قوله: (وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ بَعْضَهُ: تَشْبِيهُهُ بِثَمَرِ النَّخْلِ الْإِبَار. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ تَشْبِيهُ الْجُزْءِ بِالْكُلِّ). سبق وذكرنا بأنه في هذه المسائل يطبق ما يطبق في أحكام البيع الأخرى، كأن تبيع دراهم ومعها عرض بدراهم، فإنه لا بدَّ من التساوي؛ لأن الرسول ﷺ قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد". ثم قال: "وإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (٢). فإذا كان معه غيره فلا بدَّ من معرفة التساوي.

стр. 7356

* قوله: (وَفِي هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ مَسْكُوتٌ عَنْهَا كَثِيرَةٌ لَيْسَتْ مِمَّا قَصَدْنَاهُ). ومن بين هذه المسائل: - مسألة أن يملك مطلقًا أو لا يملك. - ومنها مسألة أخرى متفرعة عن هذه المسألة هي: العبد إذا باعه سيده وكانت له ملابس وأدوات - ونقصد هنا العبد مطلقًا؛ يعني سواء كان ذكرًا أو أثنى - وقد نص العلماء (١) في هذه المسألة أنه إذا باع السيد عبده وكان له ثياب فهي قسمين: الأول: الثياب العادية؛ أي: التي يعتاد لبسها كالتي يلبسها للخدمة أو للنوم. الثاني: ملابس تكون للزينة؛ أي: التي يتزين بها ويتجمَّل في المناسبات والأعياد، أو عندما يأتي ضيوف عند سيده. وكذلك الجارية تكون لها ثياب عادية تلبسها في سائر أيامها، وقد تكون لها ثياب غالية مثلًا لا تلبسها عادة كثياب الحرير، أو يكون لها مثلًا حلي وغير ذلك من أنواع الذهب. وهذه مسألة اختلف فيها العلماء، وهم يردونها إلى بعض القواعد

стр. 7357

الفقهية؛ فبعض العلماء يرى أن من باع عبدًا وله ثياب، أو جارية ولها ثياب معتادة وغير معتادة، أو كان لها حليًا فإنها تنقسم إلى قسمين: الأول: ما يتعلق بالثياب التي يعتاد العبد أن يلبسها تدخل في البيع. الثاني: لو باعه عبدًا وعليه ملابس غالية، أو كانت عنده ملابس مرتفعة القيمة لا يلبسها إلا في مناسبة فلا تدخل في البيع، وتكون للسيد الذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع. والذين قالوا: لا تلحق بالعبد حجتهم أنها أصلًا اشتراها السيد لمصلحته لا لمصلحة العبد؛ لأنه يلبسها ليتجمل بها ويتزين بها في المناسبات، فينبغي أن تعود للسيد. والآخرون قالوا: إن هذه ثياب تابعة له فينبغي أن تلحق به. ومن المسائل الفرعية التي تتفرع عما قال: لو أنه باع عبدًا والعبد له مال واشترطه المبتاع، فانتقل العبد مع ماله للمشتري، ثم بعد ذلك حصل فسخ المبيع بأن وجد عيبًا في العبد، فطالب المشتري برده فرُد، فهل يرد المال معه أو لا يرده؟ أيضًا لو حصلت الإقالة، بأن أقيل من البيع هل يرد المال معه أو لا يرده؟ وفي المسألة قولان: الأول: جمهور العلماء (١) يرون أنه كان مقصودًا فيرد. الثاني: وأهل الظاهر يقولون: إنه ليس مقصودًا؛ وإنما المقصود هو العبد فلا يرد معه المال.

стр. 7358

* قوله: (وَمِنْ مَشْهُورِ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ اللَّذَانِ يَقَعَانِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ بِمَا يَرْضَى بِهِ الْمُتَبَايِعَانِ؛ أَعْنِي: أَنْ يَزِيدَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بَعْدَ الْبَيْعِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْبَيْع، أَوْ يَحُطَّ مِنْهُ الْبَائِعُ هَلْ يَتْبَعُ حُكْمَ الثَّمَنِ أَمْ لَا؟). وقد مرَّ بنا في الكلام عن الصداق في كتاب النكاح أنه يجوز الزيادة ويجوز النقص بالنسبة للمهر، ومثال ذلك في البيع: لو اتفق اثنان؛ أحدهما تقدم ليشتري دارًا بمبلغ معين واتفقا على ذلك، ثم إن المالك طلب زيادة وتراضيا على المبلغ المتفق عليه. أو العكس؛ بأن يشتري أحد الطرفين من الآخر بيتًا بمبلغ معين، ثم يطلب منه أن ينزل الثمن بعد أن اتفقا على المبيع. وحكم ذلك الجواز، شرط ألا تكون هناك دوافع. وأمَّا لو قدر أنه تم اتفاق بين البائع والمشتري، فجاء آخر وعرض على البائع أن يزيده، فطمع البائع فعرض على المشتري الزيادة، فهذه المسألة تختلف عما ذكرنا، وفيها أمران: الأول: أنه لا يجوز لأي شخص أن يجيء إلى إنسان قد أبرم عقدًا بينه وبين غيره، فيزيد البائع على المبلغ الذي باع به، وذلك يعتبر تعديًا. الثاني: كما أنه أيضًا لا ينبغي للبائع أن يطمع - في هذا المقام - بعدما تمت الصفقة وفرغ من العقد. * قوله: (وَفَائِدَةُ الْفَرْقِ: أَنَّ مَنْ قَالَ هِيَ مِنَ الثَّمَنِ أَوْجَبَ رَدَّهَا فِي الاسْتِحْقَاقِ، وَفِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَيْضًا مَنْ جَعَلَهَا فِي حُكْمِ الثَّمَنِ الْأوَّلِ إِنْ كَانَتْ فَاسِدَةَ الْبَيْعِ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الثَّمَنِ (أَعْنِي: الزِّيَادَةَ لَمْ يُوجِبْ شَيْئًا مِنْ هَذَا)). يعرض هنا المؤلف المسألة من جانب آخر، إذ إنه ومن باب الأدب

стр. 7359

لا يليق ذلك أن يحصل إلا إذا أحس البائع أنه قد غبن وعرض على المشتري واقتنع، وكان الأمر ظاهرًا، أو إذا أحس المشتري أنه قد غبن في هذه السلعة وأنها توجد في أماكن متعددة وبسعر منخفض، وهذا يجوز. لكن إذا اشترى الإنسان من مكان بسعر أعلى، ثم وجد تلك السلعة في مكان آخر أرخص فليس له أن يردها؛ لأنه عرض عليه هذه السلعة ورضي بها. والمراد هنا بالكلام عما يترتب على هذه الزيادة التي حصلت بعد العقد؛ إذ لو حصل خلل في المبيع أو وُجد فيه عيب أدى إلى فسخ العقد، واختلفوا في حالة رد المبيع على قولين: الأول: أن رد المبيع يتطلب رد الزيادة. الثاني: أنه يرد المبيع المتفق عليه في العقد دون الزيادة. * قوله: (فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) ﵀ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الثَّمَنِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَا تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ وَلَا فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، بَلِ الْحُكْمُ لِلثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٢)).

стр. 7360

وقال به كذلك أحمد (١) وأطلق دون هذا القيد الذي ذكره أبو حنيفة، وهو إذن رأي الجمهور. وقوله: لا تثبت في حق الشفيع لأنه يعتبر استغلالًا من البائع، وبالنسبة للمرابحة؛ وهي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحًا ما للدينار أو الدرهم، وسيأتي فصل مستقل يبحث فيه المؤلف أحكامه. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) ﵀: لَا تَلْحَقُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ بِالثَّمَنِ أَصْلًا وَهُوَ فِي حُكْمِ الْهِبَةِ). وهذه شبيهة بالمسألة التي سبق ذكرها فيما إذا باع العبد وله مال واشترط ماله، ثم وجد عيبًا، فهل يرد العبد وحده أو يرد معه المال؟

стр. 7361

وقلنا: إن العلماء مختلفون في ذلك؛ فبعضهم يرى رد الجميع وهذا هو الظاهر، وبعضهم يرى أن الذي يرد هو الأصل فقط. * قوله: (وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَلْحَقَ الزِّيَادَةَ بِالثَّمَنِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] قَالُوا: وَإِذَا لَحِقَتِ الزِّيَادَةُ فِي الصَّدَاقِ بِالصَّدَاقِ لَحِقَتْ فِي الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ). والمراد بالفريضة هنا إنما هو المهر، والمهر كما هو معروف له عدة مسميات، فيطلق عليه الصداق والمهر والفريضة والنحل وغير ذلك. ويجوز إذن الزيادة على المهر، ويجوز أيضًا النقص، وإذا حصل خلاف بين الزوج والزوجة فحصلت الفرقة وطولبت المرأة بالمهر، فله أن ينقص من ذلك وله أن يسقطه. والمراد هنا أنه ما دام الزيادة والنقص جائزان في النكاح، فهما كذلك جائزان في البيع؛ لأن ذاك عقد وهذا عقد، وهناك زيادة ونقص وهنا كذلك، فليس بينهما فرق، وما دام أحكام الشريعة متحدة، فهناك تجوز الزيادة على المهر ويجوز النقص وهنا كذلك لكن شريطة أن يكون عن تراضٍ، فالمسألة إذن قياسية. * قوله: (وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي: بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْحَقُ فِي الشُّفْعَةِ. وَبِالْجُمْلَةِ: مَنْ رَأَى أَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ قَدْ تَقَرَّرَ قَالَ: الزّيَادَةُ هِبَةٌ. وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا فَسْخٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَعَقْذ ثَانٍ عَدَّهَا مِنَ الثَّمَنِ). ولا أرى تسميتها فسخًا، بل هي زيادة تمَّ التراضي عليها، وأمَّا إن كانت عن غير طريق الرضى فلا تجوز. وكل هذه المسائل التي مضت في عيوب البيع وهي كثيرة، والمؤلف لم يستقصِ جميع المسائل لكنه يذكر نماذج منها، ويركز أكثر على المسائل الكلية - أي الكبرى - ويعرض عن المسائل الجزئية، وذلك من باب قولهم: من ضبط الأصول سهُل عليه معرفة الفروع. * * *

стр. 7362

[الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْبَيْعِ وَاخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ: فَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مُتَّفِقُون (١) عَلَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ بِالْجُمْلَةِ، وَمُخْتَلِفُونَ فِي التَّفْصِيلِ؛ أَعْنِي: فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِالْأَيْمَانِ وَالتَّفَاسُخِ).

стр. 7363

في هذه المسألة حصل خلاف بين المتبايعين في السلعة، ومثالها أن يقول البائع: بعتك هذه السلعة بألف ومائتين، والمشتري يقول: بل اشتريتها بألف. إذن هناك فرق بين كلام البائع والمشتري، والمسألة هنا لا تخلو من أمرين: الأول: أن يكون عند أحد المتبايعين بينة: فإن كانت هناك بينة عند البائع بأنه باع هذه السلعة بألف ومائتين فلا شك أن قوله هو المقدم؛ لأن عنده شهودًا يثبتون ذلك، وإن كانت البينة في جانب المشتري فإنه في هذه الحالة أيضًا القول قول المشتري، ولم يتعرض لها المؤلف لأنه لا خلاف فيها. وهذا إذا حصل خلاف بينهما عن طريق النسيان؛ لكن أن يتعمد أحد الطرفين استغلال الآخر ويطلب أكثر فهذا لا يجوز، ويدخل في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]؛ لأنه قد يكون أحد طرفي النزاع إنسانًا سهلًا ضعيفًا لا يحب الخصومة، ويقبل بالخسارة على أن يقع فيها، فيكون الآخر حينها قد اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، وهو حينها من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم. والناس أيضًا يختلفون؛ فمنهم من إذا طلبت منه اليمين أخذته الخشية والخوف وامتنع، وبعضهم ما أسهل اليمين الكاذبة على لسانه، بل هو يؤديها دون أن تطلب منه. الثاني: ألا يكون لأحد المتبايعين بينة: وهي المسألة المقصودة في هذا المبحث، فأحد المتبايعين يقول: السلعة بكذا، والآخر يقول: اشتريتها بكذا، ولا بينة لأحدهما، ولا شك أن أحدهما في هذا المقام مدعٍ، والآخر منكر، وربما ينطبق عليهما الأمران، فيكون البائع مدعٍ في جانب ومنكرًا في جانب آخر، والمشتري أيضًا يدعي بأن ثمن السلعة كذا، وينكر ما يقوله البائع، وقد يجتمعان في طرف!! والملاحظ أن الاختلاف كبير في هذه المسائل، فكل مسألة لا نجد نصًّا يحسم النزاع فيها ويرفعه، والخلاف فيها يتشعب والأقوال تتعدد،

стр. 7364

لكن مهما اختلف الفقهاء ومهما قرروا أقوالهم ومهما استأنس المدعي بقول فقيه من الفقهاء، فإن هذا لا يكون مبيحًا له أن يأكل الحرام؛ لأن العلماء يجتهدون في المسائل ويقررون ويفتون بما يظهر لهم رجحانه، وبعض الناس يتتبع من الأقوال ما يجد أنه في مصلحته فيأخذ به ويقول: هذا بيني وبين النار، فإذا سئلت يوم القيامة أقول: أنا أخذت بقول فلان. ومثل هؤلاء الناس يقال لهم بأن هذا لا ينجي من عذاب الله ﵎؛ لأن العالم الذي قال هذا القول لم يقله بدافع الهوى، ولا تعصبًا لرأيه، ولا لغرض في نفسه، وإنما قاله لأنه ظهر له رجحانه، وقد يكون الحق مع مخالفه، فينبغي في هذا المقام أن يتقي المسلم الله في بيعه وفي شرائه وفي كل أموره، وأن يجعل خشية الله نصب عينيه. فإن لم يكن لأحد المتبايعين بينة ولم تكن هناك بينة أنما فإذا وجدت بينة فيحكم لصاحبها كما قال الرسول ﷺ : "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (١)، وفي رواية: "البينة على المدير، واليمين على المدعى عليه" (٢)، وهي في "الصحيحين"، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الناس بعضهم على بعض بالباطل، وما أكثر هؤلاء في كل الأزمان، وإذا كانت القرون المفضلة وجد فيها من ارتكب المعاصي وشق عصا الطاعة وأكل الحرام وتعامل بالربا، فما بالكم بمثل هذه القرون المتأخرة التي كثرت فيها الأحداث والأسباب وبُعد كثير من الناس عن دين الله، واستخفاف بعضهم بالدين وتساهلهم في أموره، وتشبثهم بأمور يجدون أنها مخارج لهم.

стр. 7365

قوله: (فَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مُتَّفِقُونَ … ). ففقهاء الأمصار متفقون على أنهما يتحالفان طالما ليس هناك بينة، فلا بدَّ إذن من اليمين، واليمين كما هو معروف عهد، والإنسان إذا أقسم بالله فإنه جعل ذلك عهدًا، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وربما يحلف البائع أنه باع هذه السلعة بكذا وهو كاذب، وهذا لا ينجيه من عذاب الله ، وربما حلف المشتري وكان الورع في جانب البائع، فيعطيه السلعة وهو كاذب، وهذا لا يغير من الحكم؛ لأن رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى يأتيه الخصمان فيقول: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا" (١). هذا من حيث الجملة وليس حكمًا نهائيًّا؛ إذ يتحالفان ويتفاسخان، وسيأتي تفصيل المسألة. * قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ (٢): إِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ مَا لَمْ تَفُتْ عَيْنُ السِّلْعَةِ). إذن المسألة على نوعين، والحال لا يخلو إمَّا أن تكون السلعة قائمة موجودة مشاهدة بينهما، وربما تكون السلعة قد ذهبت إما عن طريق التصدق بها أو الهبة أو الفوات أو غير ذلك؛ بمعنى أنها زالت عن ملك المشتري بأي نوع من أنواع الإزالة. * قوله: (فَإِنْ فَاتَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ).

стр. 7366

فالقول إذن قول المشتري مع يمينه؛ لأن السلعة غير موجودة حتى نقول: إنهما يتحالفان وترد. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (٢) صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَشْهَبُ صَاحِبُ مَالِكٍ: "يَتَحَالَفَانِ فِي كُلِّ وَقْتٍ"). يتحالفان في كل وقت؛ سواء كانت السلعة موجودة أو ذهبت؛ لأن الحكم لا يتغير، وهذا هو رأي الأكثر، وهو قول أحمد بن حنبل (٣) كذلك. ومما يجدر بنا التنبيه عليه هنا أن محمد بن الحسن من أخص تلاميذ أبي، حنيفة، وهو أكثر أصحابه خدمة للمذهب الحنفي، ورأيه حجة فيه، بل يعتبر هو من المؤسسين لهذا المذهب والواضعين لأصوله وقواعده، وهو المرجع في غالب كتبه. ومع ذلك كله فقد خالف إمامه في هذه المسألة. وكذلك أشهب خالف مالكًا فيها؛ ومنه يتبين لنا أنَّ قاعدة هؤلاء الأكابر هي أنَّ الحق ضالة المؤمن. * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ ﵀ (٤)، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُمَا

стр. 7367

يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَبَعْدَ القَبْضِ القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ، وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ أَشْهَبَ). فرواية مالك الأولى يوافق فيها الشافعية والحنابلة، فهؤلاء هم الجمهور، ولهم رواية أخرى يقدم فيها البائع، والرواية الثانية يوافق فيها الإمام مالك أبا حنيفة، وله قول انفرد به. * قوله: (وَالفَوْتُ عِنْدَهُ يَكُونُ بِتَغْيِيرِ الأَسْوَاقِ، وَبِزِيَادَةِ المَبِيعِ، وَنُقْصَانِهِ) (١). يعني أن الفوت عنده يكون بتغير الأسواق لا بانتقال السلعة؛ لأنَّ السلعة أيضًا ربما ترتفع أو تنخفض. * قوله: (وَقَالَ دَاوُد، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ زُفَرُ (٣) إِلَّا أَنْ يَكُونَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّفَاسُخُ عِنْدَهُمْ وَالتَّحَالُفُ).

стр. 7368

وينبغي لنا ألا نستغرب من تعدد الآراء وتنوعها في المذاهب، وبخاصة في المسائل التي لا يكون هناك نص يُستند إليه، والملاحظ أنه كلما كان في المسألة دليل صريح من كتاب أو سُنة نجد أنه غالبًا ما يُتفق في مثل هذه المسألة، وحتى إن وجد خلاف فيكون خلافًا محصورًا، لكن عندما تكون المسألة اجتهادية بحتة فحينئذٍ تتنوع الأقوال، بل تجد أن الآراء تتنوع، وليس هذا في مذهب مالك فقط، بل في مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة أيضًا. وقولهم بأن القول قول المشتري؛ لأنهم اعتبروا أن البائع مدعٍ والمشتري منكِر، فحينئذٍ يطلب من البائع البينة ولا بينة عنده؛ إذن يكون القول قول المشتري مع يمينه، فيرجعون إلى الحديث المعروف. وقوله: (جِنْسِ الثَّمَنِ) أي: هل هو دراهم أو دنانير أو عروض أو بر ببر أو غير ذلك؟ * قوله: (وَلَا خِلَافَ (١) أَنَّهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوِ المَثْمُونِ أَنَّ الوَاجِبَ هُوَ التَّحَالُف، وَالتَّفَاسُخُ).

стр. 7369

الثمن: هو المراد به ما يعرف بالصرف عن السلع. والمثمون: هي السلعة. * قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ إِلَى القَوْلِ عَلَى الجُمْلَةِ بِالتَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ عِنْدَ الاخْتِلَافِ فِي عَدَدِ الثَّمَنِ). وإنما قال فقهاء الأمصار على الجملة؛ يعني من حيث الجملة لا التفصيل التي قدم للمسألة بها أنهم متفقون على التحالف تحالف ففسخ هذا هو إطار المسألة، ثم بعد ذلك يأتي التفصيل الذي سمعته؛ فالمؤلف يريد أن يقول: لماذا اتفق فقهاء الأمصار على التحالف من حيث الجملة ثم التفاسخ؟ * قوله: الحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تبَايَعَا، فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ، أَوْ يَتَرَادَّان" (١)). وهذا الحديث كما تعلمون فيه كلام للعلماء من حيث الصحة؛ لكن له طرق عديدة مما جعل الكثير من العلماء يأخذون به. وقوله ﷺ : "أيما بيعين تبايعا"، فحرف (أي) من صيغ العموم؛ يعني: أي بيع كان، ولا يخص بيعًا معينًا دون غيره. وقوله: "فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ، أَوْ يَتَرَادَّان"، فالقول قول البائع؛ لأنه صاحب الأصل - أي: السلعة - وهذا هو أسهل طريق، فإذا اختلف البيعان فالقول قول البائع، فإذا لم يوافقه المشتري على قوله حينئذٍ يحصل التحالف وترد السلعة إلى صاحبها. * قوله: (فَمَنْ حَمَلَ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى وُجُوبِ التَّفَاسُخِ وَعُمُومِهِ قَال: يَتَحَالَفَانِ فِي كُلِّ حَالٍ وَيَتَفَاسخَانِ، وَالعِلَّةُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ).

стр. 7370

فالمشتري يدعي أنه اشترى السلعة بكذا، ثم ينكر أيضًا قول البائع، والبائع يدعي أنه باعها بسعر كذا وينكر قول المشتري؛ إذن كل منهما مدعٍ من جانب ومنكر من جانب آخر، فيدعي أن ثمن السلعة كذا وينكر قول صاحبه. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ الحَدِيثَ إِنَّمَا يجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الحَالَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَتَسَاوَى فِيهَا دَعْوَى البَائِعِ وَالمُشْتَرِي قَالَ: إِذَا قَبَضَ السّلْعَةَ، أَوْ فَاتَتْ، فَقَدْ صَارَ القَبْضُ شَاهِدًا لِلْمُشْتَرِي، وَشُبْهَةً لِصِدْقِهِ). هذه وجهة نظر للفريق الآخر، قالوا: إذا بيعت السلعة ثم حصل القبض؛ فكون البائع أقبضها المشتري - أي: وفَّاها إياه - بمثابة شبهة تكون في جانب المشتري؛ يعني تكون شبهة يتقوى بها قول المشتري، ولكنها ليست حجة؛ إذ هناك فرق بين الشبهة وبين الحجة، ولذلك المالكية كما سينص المؤلف يغلبون أحيانًا جانب البائع لوجود شبهة، وأحيانًا يغلبون جانب المشتري لوجود شبهة كذلك. * قوله: (وَاليَمِينُ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى أَقْوَى المُتَدَاعِيَيْنِ شُبْهَةً، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ مَالِكٍ (١) فِي الأَيْمَانِ؛ وَلِذَلِكَ يُوجِبُ فِي مَوَاضِعَ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعِي، وَفِي مَوَاضِعَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَجِبِ اليَمِينُ بِالنَّصِّ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي الأَكْثَرِ أَقْوَى شُبْهَةً، فَإِذَا كَانَ المُدَّعِي فِي مَوَاطِنَ أَقْوَى شُبْهَةً، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اليَمِينُ فِي حَيِّزِهِ). ففي الحديث: "البينة على المدعي واليمين على مَن أنكر" (٢) فالبينة

стр. 7371

على المدعي، والمنكر هو الذي يحلف اليمين. لكن مالكًا أحيانًا يعكس القضية فيطلب من المدعي اليمين؛ وذلك لأنه يرى وجود شبهة في جانبه تقوي رأيه، فيعتبرها تغليبًا له فلا يطلب من المشتري اليمن حتى لا يضيع حق الذي وجدت عنده قرينة - وهي الشبهة في صفِّ البائع. والأصل أن المدعي يأتي بالبينة؛ لأنه هو الذي يطلب حقًّا، وهو الذي أثار الخلاف، فيقال له: هاتِ البينة، فأنت صاحب دعوى، والأصل في المسلمين إنما هي البراءة فيحسن الظن بهم، وأنت تدعي خلاف هذا الأصل فأتِ ببينتك. فإن جاء بها حُكم له، وإن لم يأتِ ببينةٍ وجب عليه اليمين؛ لأن الإمام مالكًا يعتبر الشبهة هنا قرينة تقوي الطرف الآخر. وهذا تعليل واستحسان من المالكية، وقد توسعوا في هذا المقام، وإلا فالحديث صريحٌ في أنَّ البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وفي رواية الصحيحين (١): "اليمين على المدعى عليه" لأنَّ الأول يطالب بحقه، فنفاه الثاني، وكونه مسلمًا يخشى الله ويخافه - في الأصل - يطلب منه اليمين، فإن كان صادقًا فالحمد لله ولكون قد بر بيمينه، وإن كان كاذبًا فإن هذه اليمين لن تنجيه من عذاب الله تعالى. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى القَوْلَ قَوْلَ المُشْتَرِي، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ البَائِعَ مُقِرٌّ لِلْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ، وَمُدَّعٍ عَلَيْهِ عَدَدًا مَا فِي الثَّمَنِ). فالفقهاء (٢) انقسموا في ذلك إلى ثلاثة:

стр. 7372

الأول: منهم من يغلب جانب المشتري. الثاني: من يغلب جانب البائع. الثالث: من يرى أن كل واحد منهما مدعٍ من جانب ومنكر من جانب آخر. وهذه المسألة ورد فيها حديث متكلم في صحته، فمن صححه أخذ به، ومن تكلم فيه لم يعمل به. * قوله: (وَأَمَّا دَاوُدُ (١)، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ (٢) فَرَدُّوا حَدِيثَ ابْنِ

стр. 7373

مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَإِنَّمَا خَرَجَهُ مَالِكٌ). وليس شرطًا أن يكون الحديث الذي لم يخرجه الشيخان ضعيفًا، فهناك أحاديث في غير "الصحيحين" هي برتبة ما في "الصحيحين"، وربما بعضها فات الشيخين أو أحدهما، وهناك أحاديث كثيرة جدًّا صحيحة ليست في "الصحيحين"؛ لكن الحديث الذي ذكر فيه كلام هل هو منقطع أو متصل؟ وقد أخرجه مالك (١) وأحمد (٢) والبيهقي (٣) وغيرهم (٤). * قوله: (وَعَنْ مَالِكٍ: إِذَا نَكَلَ المُتَبَايِعَانِ عَنِ الأَيْمَانِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: الفَسْخ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ البَائِعِ (٥)). وقوله: (نكل) (٦)، أي: امتنع أن يحلف بالله، وهذا مر بنا في قضية عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ﵄؛ عندما باع أو ابتاع زيد ﵁ من عبد الله بن عمر ﵁ بثمانية دراهم، ثم وقف على عيب، فرُفع أمرهما إلى عثمان ﵁ فطلب من عبد الله بن عمر ﵁ أن يحلف فأبى، فرد إليه الغلام

стр. 7374

فباعه بألف دينار بدل ثمانمائة (١). وهذه تفريعات في مذهب مالك، وكما سبق وذكرنا بأن المؤلف لما بدأ في البيوع خالف منهجه، فأصبح يتوسع في فروع مذهب مالك، ولعل خبرته في هذا المذهب دفعته إلى ذلك، زيادة على شدة احتياج الناس إلى البيوع والتعامل بها. * قوله: (وَكَذَلِكَ مَنْ يَبْدَأُ بِاليَمِينِ؟ فِي المَذْهَبِ فِيهِ خِلَافٌ، فَالأَشْهَرُ البَائِعُ عَلَى مَا فِي الحَدِيثِ). سبق وتكلمنا في هذه المسألة، وأوردنا حديث رسول الله ﷺ : "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ؛ وَلَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (٢). وفي رواية: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (٣). * قوله: (وَهَلْ إِذَا وَقَعَ التَّفَاسُخُ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَخْتَارَ قَوْلَ صَاحِبِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي المَذْهَبِ) (٤). لكن الأولى ألا نرجع إلى ذلك بل نقف عند حديث رسول الله ﷺ ، فهو الحكم والفيصل في هذا المقام. * * *

стр. 7375

[الجُزْءُ الخَامِسُ: الأحْكَامُ العَامَّةُ لِلْبُيُوعِ الفَاسِدَةِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (القِسْمُ الرَّابِعُ مِنَ النَّظَرِ المُشْتَرَكِ فِي البُيُوعِ وَهُوَ النَّظَرُ فِي حُكْمِ البَيْعِ الفَاسِدِ إِذَا وَقَعَ). بعض من المسائل التي سيذكرها المؤلف فيها تشابه، وربما تكرار مع ما مضى كما سيأتي، ولعل سبب ذلك أنه يضطر أحيانًا إلى الإشارة إلى مسائل سابقة أو إلى ذكر شيء منها؛ لأن المقام يستدعي ذلك. والبيع الفاسد إمَّا أن يكون سببه خلل في العقد أو في المبيع؛ بأن يبيعه بيعًا لا يجوز بيعه؛ لأنه يشترط في المبيع أن يكون مالًا متقومًا مقدورًا على تسليمه، وأن يكون مما يباح بيعه، فلو باعه خمرًا أو خنزيرًا أو ميتة فإن العقد يعتبر فاسدًا. * قوله: (فَنَقُولُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ (١) عَلَى أَنَّ البُيُوعَ الفَاسِد إذَا وَقَعَتْ وَلَمْ تَفُتْ بِإِحْدَاثِ عَقْدٍ فِيهَا).

стр. 7376

يعني البيع الفاسد إذا وقع لا يخلو من أمرين: * إمَّا أن يكون المبيع لا يزال قائمًا موجودًا في يد المشتري، هذا واحد. * أو أن يكون قد خرج من يده؛ فإن كان في يده فإنه في هذه الحالة يرد إلى البائع، هذا يأخذ سلعته وذاك يأخذ ثمنها، وانتهى الأمر؛ لكن الخلاف - كما سيأتي - فيما إذا خرج من يد المشتري. * قوله: (أَوْ نَمَاءٍ، أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ حَوَالَةِ سُوقٍ أَنَّ حُكْمَهَا الرَّدّ، أَعْنِي: أَنْ يَرُدَّ البَائِعُ الثَّمَنَ، وَالمُشْتَرِي المَثْمُونَ). ذكر المؤلف عدة أمثلة للفوت (١)، هي: ١ - أن يكون هلك المبيع. ٢ - أن ينتقل إلى مِلْكِ غيره؛ إمَّا عن طريق عتق أو بيع أو صدقة أو هبة. ٣ - أن يكون حصل فيه تغير بنماء - أي: زيادة - كأن تكون الدابة قد سمنت، أو الغلام الذي اشتراه تعلم صنعة أو تجارة. ٤ - أن يحصل فيه نقص بأن مرض أو ضعُف، أو أن تكون جارية بكر فيطؤها أو نحو ذلك. ٥ - أن يحصل فيه حوالة سوق بأن يحيل حول هذا إلى شخص آخر. وهذا ليس فيه خلاف كما ذكر المؤلف؛ بل موضع اتفاق، فالسلعة موجودة وعرفنا أن العقد فاسد؛ إذن ترد السلعة إلى صاحبها ويأخذ المشتري ثمن السلعة.

стр. 7377

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا قُبِضَتْ وَتُصُرِّفَ فِيهَا بِعِتْقٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ: هَلْ ذَلِكَ فَوْت يُوجِبُ القِيمَةَ، كَذَلِكَ إِذَا نَمَتْ أَوْ نَقَصَتْ؟). يعني إذا خرجت عن يد المشتري، ومثال ذلك أن يكون عبدًا أو جارية فأعتقهما أو وهبهما لغيره، أو سلعة تصدق بها، أو حيوان فمات أو هلك حينئذٍ يكون الأمر فيه خلاف، والخلاف هنا: هل تُرد القيمة فيه أو لا ترد؟ * قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَوْتًا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ فِي البَيْعِ الفَاسِدِ، وَأَنَّ الوَاجِبَ الرَّدُّ). وهو قول أحمد كذلك، والشافعي وأحمد متفقان في كل مسائل هذا الفصل. وهما هنا يريان أنَّ ذلك لا يعتبر من الفوت الذي يغير الحكم؛ بل الحكم هنا كما لو كانت السلعة موجودة في يده. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (١): كُلُّ ذَلِكَ فَوْتٌ يُوجِبُ القِيمَةَ إِلَّا مَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ (٢) فِي الرِّبَا أَنَّهُ لَيْس بِفَوْتٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَالَ

стр. 7378

أَبُو حَنِيفَةَ (١)). إذًا، الرأي الأول لا يعتبرون ذلك فوتًا، بل ترد السلعة ما دامت موجودة حتى وإن كانت خرجت عن يده، وأمَّا مالك وأبو حنيفة فاعتبروه فوتًا، وأوجبوا القيمة على المشتري؛ لأنَّ المبيع خرج عن يده فكأنَّه أصبح خارج ملكه. * قوله: (وَالبُيُوعُ الفَاسِدَةُ عِنْدَ مَالِكٍ تَنْقَسِمُ إِلَى مُحَرَّمَةٍ، وَإِلَى مَكْرُوهَةٍ). وقد سبق وذكرنا فيما مضى التفصيل الذي في مذهب مالك، وذلك في مسائل الغرر والغبن والجهالة، وقد رأينا أن المالكية يفصلون القول في هذه المسألة، فيرون أن اليسير مغتفر - يعني يتسامح فيه - وهنا أيضًا المبيع قسمه المالكية في هذه الحالة إلى قسمين: إمَّا محرم أو مكروه. * قوله: (فَأَمَّا المُحَرَّمَةُ: فَإِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ مَضَتْ بِالقِيمَةِ. وَأَمَّا المَكْرُوهَةُ: فَإِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ صَحَّتْ عِنْدَه، وَرُبَّمَا صَحَّ عِنْدَهُ بَعْضُ البُيُوعِ الفَاسِدَةِ بِالقَبْضِ لِخِفَّةِ الكَرَاهَةِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ) (٢).

стр. 7379

فالمحرمة كأن يبيعه خمرًا أو خنزيرًا أو ميتة أو مغصوبًا، أو غير ذلك (١) * قوله: (فَالشَّافِعِيَّةُ (٢) تُشَبِّهُ المَبِيعَ الفَاسِدَ لِمَكَانِ الرِّبَا، وَالغَرَرَ بِالفَاسِدِ لِمَكَانِ تَحْرِيمِ عَيْنِهِ؛ كَبَيْعِ الخَمْرِ، وَالخِنْزِيرِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِيهِ فَوْتٌ). يعني أنَّ الشافعية والحنابلة (٣) يجعلون ذلك بمثابة المبيع الذي دخله غبن أو غرر أو جهالة، ولما كان الغبن والغرر يؤثر في المبيع ويفسده كذلك كان هنا، وهو يقتضي الرد، والمالكية يرون خلاف ذلك.

стр. 7380

ومحرم العين كالخمر، كما جاء في الحديث: "حرمت الخمر" (١)، أي: عينها، وبيع الخمر والخنزير لا خلاف فيه (٢) بنص القرآن العزيز، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. * قوله: (وَمَالِكٌ (٣) يَرَى أَنَّ النَّهْيَ فِي هَذِهِ الأُمُورِ إِنَّمَا هُوَ لِمَكَانِ عَدَمِ العَدْلِ فِيهَا (أَعْنِي: بُيُوعَ الرِّبَا وَالغَرَرِ)، فَإِذَا فَاتَتِ السِّلْعَةُ فَالعَدْلُ فِيهَا هُوَ الرُّجُوعُ بِالقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُقْبَضُ السِّلْعَةُ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا، وَتُرَدُّ وَهِيَ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ، أَوْ بِالعَكْسِ). ومعنى قوله: لعدم العدل فيها - أن المالكية يفرقون بين هذه المسألة وبين بيوع الربا، فبيوع الربا إنما حرمت وترد لانعدام العدالة فيها، فالربا يصحبه زيادة، وفيه ظلم لأحد الطرفين، وهنا البائع يُلحق ضررًا بالمشتري عن طريق استغلاله - إما لحاجته أو نحو ذلك - فالعدالة إذن غير قائمة، حيث استفاد أحد الطرفين وتضرر الآخر. وإذا وجدت الاستفادة لجانب وتضرر منها جانب آخر، فذلك مما تأباه الشريعة الإسلامية؛ لأنها قامت على أسس منها العدل، والربا لا يتفق مع هذه القاعدة فهو مضاد للعدل، وهذا هو مراد المؤلف.

стр. 7381

وهذا تعليل طيب، وهو مما يعبر عنه بالاستحسان، والسلعة يختلف سعرها، فربما بعد مضيِّ زمن يرتفع ويتضاعف. ومثال ذلك أن تكون سلعة تساوي خمسمائة، وبعد مضي مدة من الزمن أصبحت تساوي ألفًا، وربما العكس؛ فالتي كانت تساوي ألفًا انحدرت قيمتها وانحطت فأصبحت لا تزيد على خمسمائة، وهذا هو تعليل المالكية. وأمَّا غيرهم فيقولون: نحن لدينا أصل، والأصل ينبغي أن نقف عنده زادت السلعة أو نقصت. * قوله: (وَلِذَلِكَ يَرَى مَالِكٌ حَوَالَةَ الأَسْوَاقِ فَوْتًا فِي المَبِيعِ الفَاسِدِ. وَمَالِكٌ يَرَى فِي البَيْعِ وَالسَّلَفِ أَنَّهُ إِذَا فَاتَ وَكَانَ البَائِعُ هُوَ المُسْلِفَ رَدَّ المُشْتَرِي القِيمَةَ مَا لَمْ تَكُنْ أَزْيَدَ مِنَ الثَّمَنِ (١)). وهنا انضم الإمام أبو حنيفة (٢) أيضًا إلى الإمامين الشافعي (٣) وأحمد (٤)، وأصبح الأئمة الثلاثة في جانب ومالك في جانب آخر، وهذه

стр. 7382

المسألة هي بيع المماثلة، والأئمة الثلاثة - أبو حنيفة والشافعي وأحمد - يمنعون ذلك، ويرون أن العبرة إنما هي عند العقد، فلا يؤثر في ذلك أنه بيع وسلف، ثم بعد العقد يلغي قضية السلف؛ لأنه يعتبر بيعًا جرَّ نفعًا كالقرض الذي يجر نفعًا. فقول المشتري: على أن تسلفني كذا، يحتمل أن يكون زاد في السعر، وربما العكس؛ بأن يكون المشتري هو الذي يسلف فكأنه حينها قد جامله وخفض في السعر، فيكون في ذلك ضرر. والجمهور اعتبروا الأصل في ذلك ولا اعتبار لما يأتي بعده؛ لأنه وإن ألغي هذا الشرط فهم يرون أن العلة التي من أجلها نهي عن ذلك وقعت عند العقد. ومثال ذلك أن يقول: أبيعك هذه الدار مثلًا بعشرة آلاف على أن تسلفني عشرة آلاف، أو يقول: أشتري منك هذه الدار بمبلغ كذا وهذه السيارة على أن تقرضني مبلغ كذا. فقد يكون ذلك من البائع وربما يكون من المشتري، وهذا قد جاء فيه نص عن رسول الله ﷺ ، ومالك ﵀ لا يخالف في الأصل، وإنما يخالف فيما إذا أبطل هذا الشرط، مع أنه - أي: الإمام مالك - له رواية يلتقي فيها مع الجمهور، وهي الأصل. والحديث الوارد في ذلك قوله ﷺ : "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (١). وقد ورد بروايات عديدة سبق أن تكلمنا عنها. وليس في ذلك خلاف بين العلماء من حيث وجود بيع وشرط أو بيع وسلف عند قيام العقد؛ لكن لو ألغي هذا بعد قيام العقد فهو يؤثر عند

стр. 7383

الجمهور، وعند مالك لا يؤثر، وهذا هو موضع الخلاف بين الأئمة الثلاثة ومالك رحمهم الله تعالى أجمعين. * قوله: (لِأَنَّ المُشْتَرِي قَدْ رَفَعَ لَهُ فِي الثَّمَنِ لِمَكَانِ السَّلَفِ، فَلَيْسَ مِنَ العَدْلِ أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كانَ المُشْتَرِي هُوَ الَّذِي أَسْلَفَ البَائِعَ فَقَدْ حَطَّ البَائِعُ عَنْهُ مِنَ الثَّمَنِ لِمَكَانِ السَّلَفِ، فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى المُشْتَرِي القِيمَةُ رَدَّهَا مَا لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ البُيُوعَ إِنَّمَا وَقَعَ المَنْعُ فِيهَا لِمَكَانِ مَا جُعِلَ فِيهَا مِنَ العِوَضِ مُقَابِلَ السَّلَفِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ لِعَونِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ). وهذا العوض شبهة لوقوع خلل عدم العدالة؛ لأنه ربما يجامل البائع المشتري لوجود قرض، وربما يكون العكس، فإذا كان السلف من المشتري فالشبهة هنا قائمة، ورأي الأئمة قائم على حديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١). * قوله: (وَمَالِكٌ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ أَفْقَهُ مِنَ الجَمِيعِ). على كل حال هذا هو تعليل المؤلف، ولا شك أن الإمام مالكًا عنده فقه وعند الأئمة فقه، ونحن نقول بأن الأئمة الثلاثة معهم نص، ولا شك أن قول رسول الله ﷺ مقدَّم على قول كل أحد مهما كان، ونحن لا ننكر فضل الأئمة ولا ما وهبهم الله ﵎ من العلم، ولا ما أعطاهم من الفقه في الدين، فهذا كله أمر مسلَّم به، لكن معنا حديث وهذا الحديث مطبق ولم يستثن منه أنه لو ألغي ذلك بعد العقد فإنه لا تأثير له، فالجمهور إذن معهم الأصل، وهو حديث رسول الله، وليست المسألة مسألة فقه أو تفقه. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَرَكَ الشَّرْطَ قَبْلَ القَبْضِ (أَعْنِي: شَرْطَ

стр. 7384

السَّلَفِ): هَلْ يَصِحُّ البَيْعُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَسَائِرُ العُلَمَاءِ (٣): البَيْعُ مَفْسُوخٌ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ (٤): البَيْعُ غَيْرُ مَفْسُوخٍ إِلَّا ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ قَالَ: البَيْعُ مَفْسُوخٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الجُمْهُور (٥)). ومذهب أحمد (٦) في ذلك كأبي حنيفة والشافعي، والحديث صريح في هذه المسألة وقد تكلمنا عن ذلك.

стр. 7385

* قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ: أَنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ فَسَادَ المَنْهِيِّ، فَإِذَا انْعَقَدَ البَيْعُ فَاسِدًا لَمْ يُصَحِّحْهُ بَعْدُ رَفْعُ الشَّرْطِ الَّذِي مِنْ قِبَلِهِ وَقَعَ الفَسَاد، كَمَا أَنَّ رَفْعَ السَّبَبِ المُفْسِدِ فِي المَحْسُوسَاتِ بَعْدَ فَسَادِ الشَّيْءِ لَيْسَ يَقْتَضِي عَوْدَةَ الشَّيْءِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الفَسَادِ مِنَ الوُجُودِ فَاعْلَمْهُ). إنَّ الأصل في النهي أنه يقتضي فساد المنهي عنه، والأصل في الأمر أنه للوجوب، كما أن الأصل في النهي أنه للتحريم ما لم يوجد صارف يصرفه عنه أو قرينة أو نحو ذلك؛ ومنه فالنهي في الأصل لا يقتضي فساد المنهي عنه. يعني أن الجمهور يقولون بأنه قد وقع هذا البيع في أصله فاسدًا، فإبطال هذا الشرط لا يغير شيئًا؛ لأن هذا المبيع بُني على عقد فاسد، فلا يتغير فساد العقد بإلغاء هذا الشرط. ومثال ذلك لو باع سلعة ومعها شيء من خمر أضافه إليه، ثم بعد العقد ألغي هذا المضاف، فلا خلاف بين العلماء بأن البيع فاسد، وهذا في المحسوسات، وكذلك الأمر بالنسبة للمعنويات. * قوله: (وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ البَرْمَكِيَّ سَأَلَ عَنْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ المَالِكِيَّ، فَقَالَ لَهُ: مَا الفَرْقُ بَيْنَ السَّلَفِ، وَالبَيْعِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ بَاعَ غُلَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، فَلَمَّا انْعَقَدَ البَيْعُ بَيْنَهُمَا قَالَ: أَنَا أَدَعُ الزِّقَّ، وَهَذَا البَيْعُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ بِإِجْمَاعٍ) (١).

стр. 7386

هذه المسألة مرت بنا قبل مسائل كثيرة في باب بيع الشروط والثنيا، وقد ذكرها المؤلف بنصها هناك، وزاد عليها تعليقًا هنا. * قوله: (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ السَّلَفِ كَذَلِكَ، فَجَاوَبَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابٍ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي ذَلِكَ). ومن أراد الاستزادة في المسألة فليرجع إلى موضعها حتى لا نكرر ما مضى. * قوله: (وَإِذْ قَدِ انْقَضَى القَوْلُ فِي أُصُولِ البُيُوعِ الفَاسِدَةِ وَأُصُولِ البُيُوعِ الصَّحِيحَةِ، وَفِي أُصُولِ أَحْكَامِ البُيُوع الصَّحِيحَةِ، وَأُصُولِ الأحْكَامِ الفَاسِدَةِ المُشْتَرَكَةِ العَامَّةِ لِجَمِيعِ البُيُوعِ، أَوْ لِكَثِيرٍ مِنْهَا فَلْنَصِرْ إِلَى مَا يَخُصُّ وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ أَرْبَعَةِ الأَجْنَاسِ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَذْكُرَ مِنْهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ). معنى قول المؤلف أننا تكلمنا عن أصول البيوع الفاسدة وأصول البيوع الصحيحة، وكذلك أحكام البيوع الصحيحة وأحكام البيوع الفاسدة. وقوله: (فلنصر) يعني فلنتحول؛ لأن "صار" من أخوات "كان" التي تفيد التحول، نقول: صار العجين خبزًا؛ أي تحول (١). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 7387

[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] [وَصَلَّى الله عَلَى محمّد وسلَّم] (كِتَابُ الصَّرْفِ) (١) عادةُ أكثر الفقهاء - رحمهم الله تعالى - أنَّهم يُضيفون الصَّرف إلى الربا، فيقولون: "باب الربا والصرف"، أو "كتاب الربا والصرف". والصَّرفُ: هو: "بيع الأثمان بعضها ببعض"، أن تبيع ذهبًا بذهبٍ، أو فضةً بفضةٍ، وكذلك: دراهمَ بدراهم، وريالات بريالات، فهو بيع نقدٍ

стр. 7388

بنقد؛ سواء كان هذا النقد مضروبًا؛ أعني: عملة معروفة؛ كالتي نتعامل بها الآن، أو كان سبائك؛ أعني: قِطَعًا من ذهب، أو قِطعًا من فضة، أو كان مصوغًا؛ كالصياغات المعروفة (١)، فهذا كله جائز بشروطه المعروفة: أولًا: أن يَسلم من النَّسيئة (٢). ثانيًا: أن يتساوى طرفاه؛ أعني: وجود المُماثلة (٣). وهذان الشرطان وُضعا لكي يَسلم المسلم من ربا النسيئة (٤)، وربَا الفضل (٥). * قوله: (وَلَمَّا كَانَ يَخُصُّ هَذَا الْبَيْعَ شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَدَمُ النَّسِيئَةِ؛ (وَهُوَ الْفَوْرُ)، وَالْآخَرُ: عَدَمُ التَّفَاضُلِ؛ (وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْمِثْلِيَّةِ)،

стр. 7389

كَانَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَجْنَاسٍ). يعني بذلك: ربا النسيئة، وربا الفضل، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، ومنها: قوله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض - يعني: لا تفضلوا بعضها على بعض - (١) ولا تبيعوا الورق بالورق إلَّا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض" (٢) وجاء في الأحاديث الأخرى: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًّا بيد، فمن زاد، أو استزاد؛ فقد أربى" (٣)، يعني: من أعطى الزيادة، أو طلب الزيادة؛ فقد وقع في الربا، والرِّبَا أبوابه كثيرة. * قوله: (الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا هُوَ نَسِيئَةٌ مِمَّا لَيْسَ بِنَسِيئَةٍ). النسيئة: هي التأجيل (٤)؛ وهذا هو الربا الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية، وهو الذي نهى اللهُ عنه في كتابه العزيز، ونهى عن الربا عُمومًا، وهذا هو الذي أشار إليه رسول الله ﷺ في آخر خُطبَةٍ خطبها في حجة الوداع؛ عندما حذَّر من الربا، وقال: "أول ربا أضعه ربَانَا؛ ربَا العباس بن عبد المطلب" (٥)، فرأينا أنَّ رسول الله ﷺ لم تأخذه في الحق لومة لائم، ولم يُحاب عمَّه الذي قال عنه: "أمَّا علمت أنَّ عمَّ الرجل صنْو الأب، أو صنو أبيه"؛ أي: مثل أبيه (٦).

стр. 7390

* قوله: (والثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَا هُوَ مُمَاثِلٌ مِمَّا لَيْسَ بِمُمَاثِلٍ). حتى يحصُلَ الابتعاد عن ربَا الفضلِ. * قوله: (إِذْ هَذَانِ الْقِسْمَانِ يَنْقَسِمَانِ بِفُصُولٍ كثِيرَةٍ، فَيَعْرِضُ هُنَالِكَ الْخِلَافُ). * قوله: (الثَّالِثُ: فِيمَا وَقَعَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَيْع بِصُورَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا هَلْ هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ (أَعْنِي: الزِّيَادَةَ، وَالنَّسِيئَةَ)، أَوْ كِلَيْهِمَا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالذَّرَائِعِ، وَهُوَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ). هذا الثالث ينقسم إلى قسمين؛ لذلك لم يذكر المصنِّف قسمًا رابعًا لو تأملت: القسم الأول: أن لا يكون وسيلة إلى ربا النسيئة؛ هذا هو الجنس الثالث. القسم الثاني: أن لا يكون وسيلة إلى ربا الفضل؛ وهذا هو الجنس الرابع، ويأتي الخامس الذي هو خصائص ما يتعلق بهذا المبيِع. ولذلك قال المصنف ﵀: (وَهَذَا يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى نوْعَيْنِ كَانْقِسَامِ أَصْلِهِ). * قوله: (الْخَامِسُ: فِي خَصَائِصِ أَحْكَامِ هَذَا الْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ - أَعْنِي: عَدَمَ النَّسَاءِ وَالتَّفَاضُلِ، أَوْ كِلَيْهِمَا -). يعني: أن لا يكون فيه نَساء، ولا تفاضل؛ لِأَنَّ الرسول ﷺ قال: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم؛ إذا كان يدًا بيد" (١)، أي: حاضرًا بحاضرٍ، وفي الحديث: "ولا تبيعوا غائبًا بناجزٍ" (٢)، إذن فالتَّأجيل لا يجوز في مثل هذه الأمور.
следующие страницы →