← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

هذه المسألة مرت بنا قبل مسائل كثيرة في باب بيع الشروط والثنيا، وقد ذكرها المؤلف بنصها هناك، وزاد عليها تعليقًا هنا. * قوله: (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ السَّلَفِ كَذَلِكَ، فَجَاوَبَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابٍ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي ذَلِكَ). ومن أراد الاستزادة في المسألة فليرجع إلى موضعها حتى لا نكرر ما مضى. * قوله: (وَإِذْ قَدِ انْقَضَى القَوْلُ فِي أُصُولِ البُيُوعِ الفَاسِدَةِ وَأُصُولِ البُيُوعِ الصَّحِيحَةِ، وَفِي أُصُولِ أَحْكَامِ البُيُوع الصَّحِيحَةِ، وَأُصُولِ الأحْكَامِ الفَاسِدَةِ المُشْتَرَكَةِ العَامَّةِ لِجَمِيعِ البُيُوعِ، أَوْ لِكَثِيرٍ مِنْهَا فَلْنَصِرْ إِلَى مَا يَخُصُّ وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ أَرْبَعَةِ الأَجْنَاسِ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَذْكُرَ مِنْهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ). معنى قول المؤلف أننا تكلمنا عن أصول البيوع الفاسدة وأصول البيوع الصحيحة، وكذلك أحكام البيوع الصحيحة وأحكام البيوع الفاسدة. وقوله: (فلنصر) يعني فلنتحول؛ لأن "صار" من أخوات "كان" التي تفيد التحول، نقول: صار العجين خبزًا؛ أي تحول (١). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 7387

[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] [وَصَلَّى الله عَلَى محمّد وسلَّم] (كِتَابُ الصَّرْفِ) (١) عادةُ أكثر الفقهاء - رحمهم الله تعالى - أنَّهم يُضيفون الصَّرف إلى الربا، فيقولون: "باب الربا والصرف"، أو "كتاب الربا والصرف". والصَّرفُ: هو: "بيع الأثمان بعضها ببعض"، أن تبيع ذهبًا بذهبٍ، أو فضةً بفضةٍ، وكذلك: دراهمَ بدراهم، وريالات بريالات، فهو بيع نقدٍ

стр. 7388

بنقد؛ سواء كان هذا النقد مضروبًا؛ أعني: عملة معروفة؛ كالتي نتعامل بها الآن، أو كان سبائك؛ أعني: قِطَعًا من ذهب، أو قِطعًا من فضة، أو كان مصوغًا؛ كالصياغات المعروفة (١)، فهذا كله جائز بشروطه المعروفة: أولًا: أن يَسلم من النَّسيئة (٢). ثانيًا: أن يتساوى طرفاه؛ أعني: وجود المُماثلة (٣). وهذان الشرطان وُضعا لكي يَسلم المسلم من ربا النسيئة (٤)، وربَا الفضل (٥). * قوله: (وَلَمَّا كَانَ يَخُصُّ هَذَا الْبَيْعَ شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَدَمُ النَّسِيئَةِ؛ (وَهُوَ الْفَوْرُ)، وَالْآخَرُ: عَدَمُ التَّفَاضُلِ؛ (وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْمِثْلِيَّةِ)،

стр. 7389

كَانَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَجْنَاسٍ). يعني بذلك: ربا النسيئة، وربا الفضل، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، ومنها: قوله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض - يعني: لا تفضلوا بعضها على بعض - (١) ولا تبيعوا الورق بالورق إلَّا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض" (٢) وجاء في الأحاديث الأخرى: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًّا بيد، فمن زاد، أو استزاد؛ فقد أربى" (٣)، يعني: من أعطى الزيادة، أو طلب الزيادة؛ فقد وقع في الربا، والرِّبَا أبوابه كثيرة. * قوله: (الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا هُوَ نَسِيئَةٌ مِمَّا لَيْسَ بِنَسِيئَةٍ). النسيئة: هي التأجيل (٤)؛ وهذا هو الربا الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية، وهو الذي نهى اللهُ عنه في كتابه العزيز، ونهى عن الربا عُمومًا، وهذا هو الذي أشار إليه رسول الله ﷺ في آخر خُطبَةٍ خطبها في حجة الوداع؛ عندما حذَّر من الربا، وقال: "أول ربا أضعه ربَانَا؛ ربَا العباس بن عبد المطلب" (٥)، فرأينا أنَّ رسول الله ﷺ لم تأخذه في الحق لومة لائم، ولم يُحاب عمَّه الذي قال عنه: "أمَّا علمت أنَّ عمَّ الرجل صنْو الأب، أو صنو أبيه"؛ أي: مثل أبيه (٦).

стр. 7390

* قوله: (والثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَا هُوَ مُمَاثِلٌ مِمَّا لَيْسَ بِمُمَاثِلٍ). حتى يحصُلَ الابتعاد عن ربَا الفضلِ. * قوله: (إِذْ هَذَانِ الْقِسْمَانِ يَنْقَسِمَانِ بِفُصُولٍ كثِيرَةٍ، فَيَعْرِضُ هُنَالِكَ الْخِلَافُ). * قوله: (الثَّالِثُ: فِيمَا وَقَعَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَيْع بِصُورَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا هَلْ هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ (أَعْنِي: الزِّيَادَةَ، وَالنَّسِيئَةَ)، أَوْ كِلَيْهِمَا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالذَّرَائِعِ، وَهُوَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ). هذا الثالث ينقسم إلى قسمين؛ لذلك لم يذكر المصنِّف قسمًا رابعًا لو تأملت: القسم الأول: أن لا يكون وسيلة إلى ربا النسيئة؛ هذا هو الجنس الثالث. القسم الثاني: أن لا يكون وسيلة إلى ربا الفضل؛ وهذا هو الجنس الرابع، ويأتي الخامس الذي هو خصائص ما يتعلق بهذا المبيِع. ولذلك قال المصنف ﵀: (وَهَذَا يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى نوْعَيْنِ كَانْقِسَامِ أَصْلِهِ). * قوله: (الْخَامِسُ: فِي خَصَائِصِ أَحْكَامِ هَذَا الْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ - أَعْنِي: عَدَمَ النَّسَاءِ وَالتَّفَاضُلِ، أَوْ كِلَيْهِمَا -). يعني: أن لا يكون فيه نَساء، ولا تفاضل؛ لِأَنَّ الرسول ﷺ قال: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم؛ إذا كان يدًا بيد" (١)، أي: حاضرًا بحاضرٍ، وفي الحديث: "ولا تبيعوا غائبًا بناجزٍ" (٢)، إذن فالتَّأجيل لا يجوز في مثل هذه الأمور.

стр. 7391

* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ يُخَالِفُ هَذَا الْبَيْعُ الْبُيُوعَ؛ لِمَكَانِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فِيهِ في أحكامٍ كثيرةٍ). يعني: يخالف البيوع الحلال التي ليس فيها الربا. * قوله: (وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْكُتُبَ الْمَوْضُوعَةَ فِي فُرُوعِ الْكِتَابِ الَّذِي يُسمُونَهُ بِكِتَابِ الصَّرْفِ؛ وَجَدْتَهَا كُلَّهَا رَاجِعَةً إِلَى هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْخَمْسَةِ). الأجناس التي ذكرها؛ هي: ١ - عدم النسيئة، ٢ - عدم المماثلة، ٣ - ما لم يكن وسيلة إلى النَّساء، ٤ - ما لم يكن وسيلة إلى المُفاضلة، ٥ - ما اشتمل على خصائص البيع ممَّا قد يُؤدي إلى النَّساء، أو المفاضلة، أو كليهما. * قوله: (أَوْ إِلَى مَا تَرَكَّبَ مِنْهَا مَا عَدَا الْمَسَائِلَ الَّتِي يُدْخِلُونَ فِي الْكِتَابِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ، مِمَّا لَيْسَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ). يعني أنَّ هناك مِن الفقهاءِ مَن يُدخِل في هذا الباب، وفي غيره مسائل أخرى، لكنَّ الفقهاء - رحمهم الله تعالى - لا يُدخِلون مسألة من المسائل إلَّا ولها علاقة بالباب، قد تكون العلاقة قريبة جدًّا، وربما يستدعي المقام ذكر تلك المسألة لتكون بيانًا لمسألةٍ، أومَثَلًا لها، أو ربما لتجانسهما في الحكم. * قوله: (مِثْلُ إِدْخَالِ الْمالكِيَّةِ فِي الصَّرْفِ مَسَائِلَ كثِيرَةً؛ هِيَ مِنْ بَابِ الاقْتِضَاءِ فِي السَّلَفِ). هناك قضاء وهناك اقتضاء، فالقضاء: هو الذي يكون من جانب المَدِين، تقول: قضى فلانٌ دينه، وتقول: قضيتُ ديني؛ أي: سلَّمتُه للدَّائنِ، فهذا قضاء (١). والاقتضاء: يكون من جانب الدَّائن، أي الذي يأخذ الدين - (أي

стр. 7392

الحق) - من مَدِينِه، فهذا يُسمَّى قاضيًا (١) - ولا أعني به القاضي الذي يحكم بين الناس -، ولهذا يقولون: قضيتُ ديني فاقتضاه فلانٌ، أي: أخذه (٢). * قوله: (ولَكِنْ لَمَّا كَانَ الْفَاسِدُ مِنْهَا يَئُولُ إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ؛ - أَعْنِي: إِلَى صَرْفٍ بِنَسِيئَةٍ، أَوْ التفَاضُل - أَدْخَلُوهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِثْلَ مَسَائِلِهِمْ فِي اقْتِضَاءِ الْقَائِمَةِ، وَالْمَجْمُوعَةِ وَالْفُرَادَى بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ). هذه مسائل مصطلح عليها في الفقد المالكي يدخلونها؛ لأنَّها شبيهة بأبواب الربَا، والفرادى: جمع فرد (٣). * قوله: (لَكِنْ لَمَّا كانَ قَصْدُنَا إِنَّمَا هُوَ ذِكرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ مَنْطُوقٌ بِهَا فِي الشَّرْعِ، أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْمَنْطُوقِ بِهَا). هذا هو الأساس الذي رتَّب عليه المؤلف كتابه، وقد تكلم عن هذا المنهج، أمَّا الجزئيات، والفروع الكثيرة فلا يعرض لها، لكنَّ المَقام يَقتضي منه أحيانًا أن يخرج عن هذا المنهج، وقد خرج كثيرًا، وأكثر ما خرج في أبواب البيوع. * قوله: (رَأَيْنَا أَنْ نَذْكرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ سَبْعَ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ تَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ؛ لِمَا يَطْرَأُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ).

стр. 7393

هذه مقدمة طيبة، مراد المؤلف منها: أنَّ المسائل التي يذكرها هي مسائل كبرى، تجري مجرى الأصول، إذا أمسكت بهذه المسائل وضبطَّها؛ استطعتَ أن تَرُدَّ إليها الفروع، لذلك سيذكر لكم مثلًا بديعًا، ذكره تطبيقًا على أهلِ زمانه، فما بالكم بوقتنا هذا. * قوله: (فَإِنَّ هَذَا الْكِتَابَ؛ إِنَّمَا وَضَعْنَاهُ لِيَبْلُغَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ). ربما تستغرب هذا الكلام من المؤلف! هذا الكتاب إذا وزنته بكتاب "المغني"؛ لا يبلغ خمسه - ولنقل يبلغ خمسه - فكيف يقول المؤلف بأنَّ هذا الكتاب وضعه للمجتهد؟! والجواب: أنَّه قد بيَّن ذلك؛ فقال: أنا استخلصت من علم الفقه أُمهات المسائل، وأثبتها لك أيها القارئ في هذا الكتاب، فإن فهمت هذه المسائل الأصول؛ تستطيع أن ترد بقية المسائل إليها، فليس الفقه بكثرة حفظ المسائل. ولكن - مع ذلك - لو أنَّك قرأت هذا الكتاب - وحده - لا تكون فقيهًا؛ لأنَّك لا تكون فقيهًا إلَّا بوجود آلات أخرى، سيذكرها المؤلف، فلو عرفت كل مسائل الفقه، ولم تدرس النحو، ولا مباحث اللغة - من صرفٍ، وغيره - ولم تتعلم أصول الفقه، فلم تعرف الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، ومفهوم الموافقة والمخالفة، والقياس، وغير ذلك من مسائل الأصول المهمة؛ لا تكون فقيهًا؛ لِأَنَّ أصول الفقه بمثابة ميزان دقيق؛ يزن فيه الفقيه علمه في دراسة المسائل، ولذلك وضع العلماء تخريج الفروع على الأصول، ووضعوا القواعد الفقهية؛ لتضبط لك الفروع، ولذلك ردَّ ابن القيم على أولئك الذين يقولون بأنَّ السلف أسلم، والخلف أعلم، وقال: قائله يدل على جهلة، فالسلف هم الأسلم والأعلم؛ لا سيما الصحابة الذين اختصهم الله بصحبة رسوله ﷺ ، فهم أخذوا العلم من مشكاة النبوة غضًّا طريًّا؛ لم تشبه شائبة، ولم يخالطه

стр. 7394

إشكال (١)، ثم بيَّنَ ﵀ أنَّ أولئك السَّلف ما كانوا يحتاجون لدراسة النحو؛ لأنَّها لغتهم، صديقتهم، لم تخالطها أمور تُكدِّرها، والأصول مركزة في أذهانهم، وكذا بقية العلوم، فهم مهيؤون للتلقي، ولكن كما قال رسول الله ﷺ : "رُبَّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه" (٢) "ورب مبلغ أوعى من سامع" (٣)، بعد أن قال: "بلغوا عني ولو آية" (٤). * قوله: (إِذَا حَصَّلَ مَا يجِبُ لَهُ أَنْ يُحَصِّلَ قَبْلَهُ مِنَ الْقَدْرِ الْكَافِي لَهُ). أي: قبل هذا الكتاب، فلا يأتي جاهل بالنحو - لا يعرف المرفوع، ولا المنصوب، ولا الحال، وغيرها - ثم يقول: أنا فقيه!

стр. 7395

* قوله: (فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَصِنَاعَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ). وبعض الناس يرى أنَّ علم النحو لا قيمة له!، ولا شكَّ أنَّ علم النحو من أجلِّ العلوم، فهو الذي ينقلك من المسالك المعوجة ليصل بك إلى كتاب الله ﷺ ، واللهُ أنزل القرآن بلسانٍ عربيٍّ مُبين، وكذلك سُنَّة رسول الله ﷺ ، ولذلك عن عبد الله بن عمر: "عندما نزلت الآية، وهو صغير، وفهمها، ثم سأل الرسولُ واستحى أن يجيب" (١)، وكثيرًا ما كان الصحابة يَلجؤون إلى أهلِ البادية ليسألونهم عن بعض الأمور - كلهجةٍ لم تكن معروفة عندهم - بل كان واضعوا علم اللغة يَطوفون في البوادي ليسألوا الأعرابَ عن لغتهم إذا أُشكلت عليهم كلمة. * قوله: (وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مُسَاوٍ لِجِرْمِ هَذَا الْكِتَابِ، أَوْ أَقَلَ). أي: ما هو مساوٍ لحجم هذا الكتاب، أو أقلَّ، فلو قرأتَ ما يساوي هذا الكتاب، أو نصفه - مجلدًا، أو نصفه - من النحو، وفهمته؛ لكفاك، وأنا أقول: نصف هذا الكتاب يكفي، لو قرأت مثلًا: كتابًا من كتب ابن هشام المبسوطة؛ كأوضح المسالك، أو شرح ابن عقيل على الألفية؛ لكفاك. * قوله: (وَبِهَذِهِ الرُّتْبَةِ يُسَمَّى فَقِيهًا، لَا بِحِفْظِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَلَوْ بَلَغَتْ فِي الْعَدَدِ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْفَظَهُ إِنْسَانٌ). هذه مسألة مهمة: الإنسان لا يكون فقيهًا بكثرة ما يحفظ من المسائل، وهو لا يخرج عن نطاقها، وإنَّما يكون فقيهًا إذا فهم الفقه،

стр. 7396

وحفظ مسائله الأصول، واستطاع أن يُخرِّج عليها كثيرًا من المسائل التي ليست من أقوال الأئمة، لذلك لمَّا جاء أصحاب المذاهب وعرفوا علل الأحكام التي بنى عليها الأئمة مسائلهم؛ حينئذٍ بدؤوا يُخرِّجون عليها المسائل النَّوازل. فلو حفظ إنسان كل مسائل الفقه - وهو ليس بفقيه -، عندما تنزل به نازلة، أو تحدث حادثة، أو يسأل عن مهمة من المهمات يقف حيرانًا، لكن الفقيه (١) اللبيب المدرك الذي يغوص في المسائل، ويدقق فيها، ويستخرج كنوزها؛ هو الذي يصل إلى هذه الرتبة. * قوله: (كَمَا نَجِدُ مُتَفَقِّهَةَ (٢) زَمَانِنَا؛ يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَفْقَهَ هُوَ الَّذِي حَفِظَ مَسَائِلَ أَكْثَرَ). هناك فقيهٌ، وهناك مُتفقِّه، والمصنِّف يقول: "زماننا"، وهو توفي سنة خمس مئة وعشرين؛ أي: في آخر القرن السادس؛ الذي كان فيه جهابذة العلماء، وكثير من الأئمة، يقول: "متفقهة زماننا؛ يظنون أنَّ من يحفظ المسائل هو الفقيه"، فماذا عن هذا الزمان الذي كثرت فيه الشواغل، وانصرفت الأذهان، وضَعُفَت الهمم، وأصبحنا نتطلب المسائل الواضحة التي لا تُكِد ذهنًا، ولا تُتعب فكرًا، بل يُقال: "المُدرس الفولاني يَتشدد، يشرح المسائل في المتون الغامضة، نحتاج أن يُوضِّح لنا، وأن يضع لنا مُذكِّرة! "، هذه فوائدها محصورة؛ لا تُخرَّج العلماء إلا من الكتب القديمة ذات الحواشي، إذا درسوها، وتعمقوا فيها، وأشغلوا أذهانهم حتى تعودوا على تفكيك تلك المسائل، والغوص فيها، وأصبحت سهلة، لكن إذا عوَّدت نفسك على المسائل البسيطة؛ يبقى

стр. 7397

ذهنك خاملًا، لا يتحمل المسائل التي تحتاج إلى إعمال فكر، وَجِدٍّ، ونشاط. * قوله: (وَهَؤُلَاءِ عَرَضَ لَهُمْ شَبِيهُ مَا يَعْرِضُ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْخَفَّافَ هُوَ الَّذِي عِنْدَهُ خِفَافٌ كَثِيرَةٌ، لَا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى عَمَلِهَا). أعطى المؤلف مثلًا دقيقًا؛ فالخفَّافُ: هو الذي يَصنع الحذاء، لا الذي يجمع الحذاء في دُكَّانه، وحانُوته (١) فيبيعها! * قوله: (وَهُوَ بَيِّنٌ أَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ خِفَافٌ كَثِيرَةٌ، سَيَأْتِيهِ إِنْسَانٌ بِقَدَمٍ لَا يَجِدُ فِي خِفَافِهِ مَا يَصْلُحُ لِقَدَمِهِ). إمَّا أن تكون قدمه صغيرة، أو تكون كبيرة فماذا سيفعل؟! * قال: (فَيَلْجَأُ إِلَى صَانِعِ الْخِفَافِ ضَرُورَةً، وَهُوَ الَّذِي يَصْنَعُ لِكُلِّ قَدَمٍ خُفًّا يُوَافِقُه، فَهَذَا هُوَ مِثَالُ أَكْثَرِ الْمُتَفَقِّهَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ). لأنَّك إذا جئت إلى حافظ المسائل؛ سيقول: هذه ما مرت بي، وليست ممَّا أحفظه، لكنَّ الفقيه - من أصحاب المسائل، والتخريجات - سيعرضها على الأصول، ويردها إلى أصلها، فيعطيك الحكم فيها. ولذلك في موضوع الاجتهاد؛ قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: فبسنة رسوله ﷺ ، قال: "فإن لم تجد " قال: أجتهد رأي، ولا آلو جهدًا (٢)، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفَّقَ رسولَ رسولِ اللهِ

стр. 7398

لما يُرضي رسولَ اللهِ" (١)، لم يجد الحكم في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ لا بُدَّ أن يجتهد، وهذا الحديث وإن تكلَّم العلماء في سنده، لكنهم اتفقوا على أنَّ معناه صحيح، وأنه يَصبُّ في هذه الشريعة (٢). وهكذا كان الصحابة ﵃، ولذلك لمَّا كتب - ذلكم الرجل الصحابي الجليل الملهم - عمر بن الخطاب ﵁ عندما كتب كتابه العظيم إلى أبي موسى الأشعري، وقد ولَّاه القضاء - والذي شرحه العلامة ابن القيم في مجلدين - أوصى فقال: "الفهمَ الفهمَ فيما يَتَلَجْلَجُ في نفسك" ثم قال: "اعرف الأشباه والأمثال، وقسِ الأمورَ برأيك"، فطلب منه أن يُعْمِلَ فكره في المسائل التي لا يجد فيها نصًّا، وأن يجتهد فيها، وأن يُدقق النظر فيها (٣). واعلم أنَّ للفقه الإسلامي مصادر، وأنَّ هذه المصادر تنقسم إلى قسمين:

стр. 7399

القسم الأول: مصادر قطعية الثبوت والدلالة. القسم الثاني: مصادر ظنية الثبوت. والدلالة. أمَّا القسم الأول: المصادر التي هي قطعية الثبوت والدلالة؛ فهذه مُسلَّمة عند العلماء. ولكنَّ القسم الثاني: الأدلة غير قطعية الدلالة، أو غير قطعية الثبوت؛ فهذه نقف عندها ونمحِّص؛ فهي مسائل اجتهادية، ولقد مرَّ في "كتاب النكاح" في قصة المرأة التي: "توفي زوجها قبل أن يدخل بها، ولم يفرض لها صداقًا". احتاروا فيها: فرجعوا إلى أحد الفقهاء الكبار من أصحاب رسول الله ﷺ ، عبد الله بن مسعود الذي كان يقول: "والله لا أعلم آية نزلت في كتاب الله إلَّا وأنا أعلم أين نزلت، وفيما نزلت، ولو كنت أعلمُ أحدًا أعلمَ مني بكتاب الله تصل إليه أكباد الإبل لضربتها إليه" (١)، سألوه عن المسألة، ولم يجبهم، وطلب منهم أن يبحثوا الدليل، وأن يسألوا، فلما احتاروا في الأمر، رجعوا إليه فقضى فيها: "بأنَّ لها صداق مثلها"، فقام معقل بن سنان، فقال: "لقد قضى رسول الله ﷺ في بروعَ بنت واشقٍ بقضائك"، فسُرَّ عبد الله بن مسعود أن وافق ما قضى وأفتى به، بما قضى وأفتى به رسول الله ﷺ (٢). والفقهاء - رحمهم الله تعالى - قسَّموا مراتبَ المجتهدين إلى أربع: المرتبة الأولى: المجتهد المطلق؛ وهو الذي يأخذ الحكم من دليله، فهو رجل وهبه الله بسطة في العلم، وفهمًا ثاقبًا في كتاب الله ، وإدراكًا لمعاني سنة رسول الله ﷺ ، وتجمعت عنده أدوات الاجتهاد،

стр. 7400

فأصبح يطوف في كل المسائل، فيأخذه من مصدرها الأصلية، من نبعها الصافيين؛ كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، هذا نسميه مجتهدًا مطلقًا؛ لأنَّه يأخذ الحكم من دليله، دون أن ينتسب إلى مذهب. المرتبة الثانية: المجتهد المنتسب؛ وهو لا يقل في العلم رتبة عن هذا الأول، لكنه ينتسب إلى مذهب من المذاهب؛ بمعنى أنَّه ملتزمٌ بأصولِ مذهبه. والمرتبة الأولى تنطبق على الأئمة الأربعة، والثانية تنطبق على بعض تلاميذهم، كمحمد بن الحسن، وأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وابن القاسم من أصحاب مالك، والبويطي، والمزني من أصحاب الشافعي، وبالنسبة للإمام أحمد ابن القاسم أيضًا، ومن المتأخرين شيخ الإسلام ابن تيمية مجتهدٌ ينتسب إلى مذهب أحمد، وإن كان شيخ الإسلام له مسائل كثيرة انفرد بها، لكنه كما قيل: "لم يترك الأول للآخر شيئًا" (١). فائدة: لا يزال باب الاجتهاد مفتوحًا؛ لأنَّ هذه الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع، وستبقى إلى أن يرثَ اللّهُ الأرضَ ومن عليها، ولأنَّ

стр. 7401

الأحكام تتجدد، والوقائع تتنوع، والحوادث تنزل، وتكثر بين فترة وفترة؛ فلا بُدَّ من إصدارِ أحكامٍ شرعية فيها، وذلك إنَّما يكون عن طريق المجتهدين، لذلك نجد أنَّ رسولَ اللّهِ ﷺ أثنى على المجتهد، فقال ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم وأخطأ فله أجر واحد" (١) الأول: كان له أجران؛ لأنَّه يأخذ الأجر الأول على اجتهاده، والثاني على إصابته الحق. والثاني: وإن أخطأ الحق ما دام قصده إذا اجتهد أن يصل إليه، فأخطأ الصواب، ولم تكن له غاية سيئة، ولا هوى؛ فإنَّه يُؤجر، لكنَّ الأول أكثر أجرًا منه؛ لأنَّه أصاب الحق. قوله: (وَإِذْ قَدْ خَرَجْنَا عَمَّا كنَّا بِسَبِيلِهِ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى حَيْثُ كنَّا مِنْ ذِكْرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي وَعَدْنَا بِهَا). قال هذا؛ لأنَّه خرج عن موضوع الصَّرف، فتكلم عن المُتفقِّه متى يكون مُجتهدًا. قوله: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ لَا يَجُوز إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ) (٢). لا يجوز؛ لأنَّ هذا هو عَينُ الرِّبَا، فإن كان هناك تأجيل فهو ربَا النسيئة، وإن كان هناك تفاضل - أي: عدم تماثل - فهو ربا الفضل. ولقد مرَّت بنا الآيات التي حذَّر الله فيها من الربا، وتلكم الأحاديث الكثيرة المتنوعة التي خوف رسول الله ﷺ فيها المُرابين؛ فقد قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات … " (٣)، وذكر منها:

стр. 7402

"الرِّبَا"، وقال رسول الله ﷺ : "لعن اللّهُ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه" (١)، وبيَّن أنَّهم سواء في الإثم. قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁). تقدَّم ذكر الخلاف في هذه المسألة، فكافة العلماء مجمعون على تحريم ربَا النَّسيئة، وأمَّا ربا الفضل فقد خالف فيه بعض من الصحابة؛ كما روي عن ابن عباس، واخْتُلِف عنه، فهناك من قال أنَّه رجع (٢)، ومهما يكن الأمر فإنَّ أحاديث رسول الله ﷺ صريحة في هذا، وعبد الله بن عباس صحابي جليل؛ دعا له رسول الله ﷺ بأن يفقهه الله في الدِّينِ (٣)، لكننا

стр. 7403

لا ننسى أنَّه مُجتهد، والمجتهد يُصيب ويُخطئ، ولابن عباس فَهمٌ لا شك، وله حديث يستند إليه في هذه المسألة؛ أورده المؤلِّف. قوله: (وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْمَكِّيِّينَ، فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْعَهُ مُتَفَاضِلًا، وَمَنَعُوهُ نَسِيئَةً فَقَطْ) (١). لأنَّهم يرون أنَّ الربَا الذي نهى الله إنَّما هو ربا الجاهلية؛ الذي هو ربا النسيئة، وأمَّا ربا الفضل فلا، ولا يُشكُّ أنَّ هناك مَن يُدَندِنُ في هذا الزمان، ويحاول أن يتمسك بهذا القول، ويتأوَّله، ويجعله وسيلة ومَنْفَذًا إلى إباحة الفوائد البنكية التي انتشرت في هذا الزمان، لكن لا شكَّ أنَّ كافة العلماء ذهبوا إلى خلاف ذلك، وأنَّ أبا سعيد الخدري أنكر على عبد الله ابن عباسٍ، وقال له: "كليف يا ابن عم رسول الله ترضى أن تُوكل - تأكل - الناس من الحرام؟ "، أو عبارة نحو ذلك (٢)، فقال: "أستغفر الله يا أخي"، وقد اختُلف في كون عبد الله ابن عباس رجع عن قوله، أو لم يرجع، ووصلتنا أدلة صريحة في هذا المَقام فنقف عندها (٣).

стр. 7404

قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ؛ لِمَا رَوَاهُ عَنْ أُسَامَة بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ"، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَجْعَلِ الرِّبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ (١)). إنَّ العلماء تأوَّلوا هذا الحديثَ، وبيَّنوا أنَّ معنى "لا ربما إلَّا في النسيئة"، أو "إنَّما الربا في النسيئة": أنَّ ربا النسيئة أشدُّ خطرًا من ربا المضل، وأعظم فَتْكًا بالأمم؛ لذلك نصَّ عليه، وربا الفضلى داخل فيه تَبَعًا (٢)، وقد دلَّت على ذلك الأحاديثُ الكثيرةُ جدًّا؛ كقوله ﷺ : "مِثلًا بمثل، يدًا بيد، عينًا بعين، سواءً بسواء" (٣). قوله: (وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَصَارُوا إِلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ).

стр. 7405

الحديث المتفق عليه في الصحيحين، ورواه مالك عن أبي سعيد الخدريِّ، وهو من الأحاديث التي اشتهرت في ذلك، وهو نصٌّ في تحريم ربا الفضل: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ)؛ يعني: متساويين، (وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض)؛ أي: لا تُفَضِّلوا بعضها على بعض، لا تجعلوا هذا أزيد من هذا، بل ساووا بينها. وهذا أيضًا نصٌ صريحٌ من الرسول ﷺ ، (وَلَا تَبِيعُوا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ)، في الرواية المشهورة: "الوَرِق بالوَرِق"، والوَرِقُ: هو الفضة، ثم أكَّد ذلك بعبارة أخرى؛ فقال: (وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ)؛ يعني: لا تزيدوا بعضها على بعض (١)، ثُمَّ قال: (وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ، وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ) (٢) وهذا هو ربَا النَّسيئة (٣). فهذه الأشياء كُلُّها لا بُدَّ من وجود التساوي فيها، فإن حصل فيها تفاضل؛ وقع ربا الفضل، وكذلك ما يُلحَقُ بها ممَّا تُوجد فيه علة الرِّبَا، وقد سبق ذكره. إذًا: فهذا هو حديث رسول الله ﷺ ، وهو نصٌّ في المسألة، وحُجَّةٌ في ذلك، فالرسول ﷺ صدَّر هذا الحديث بالنَّهي، فإنَّ "لا" ناهية؛ أي: أنهاكم أن تبيعوا. قوله: (وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ). حديثُ عبادة أيضًا فيه: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر،

стр. 7406

والملح بالملح … " إلى أن قال: "مثلًا بمثلٍ، سواء بسواء، فمن زاد، أو استزداد؛ فقد أربى". وهذا الحديثُ جاء مُؤكَّدًا الآخِر (١). قوله: (فَصَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى هَذه الأحَادِيثِ؛ إِذْ كَانَتْ نَصًّا فِي ذَلِكَ). واعلم أنَّه لم يَرِد عن رسولِ اللهِ ﷺ تصريحًا، ولا ضِمنًا أنَّه أجاز ربا الفضل، إلَّا ما ورد من قوله: "لا ربا إلَّا في النسيئة" (٢)، أو "إنَّما الربا في النسيئة" (٣)، وقد سبق وذكرنا تأويله عند العلماء، ولهذا قال المؤلِّفُ: (وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِيهِ لَفْظَان؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ"، وَهَذَا لَيْسَ يُفْهَمُ مِنْهُ إِجَازَةُ التَّفَاضُلِ، إِلَّا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا عَارَضَهُ النَّصُّ). دليل الخطاب (٤): هو مفهوم المخالفة، وقد كرَّره المؤلف كثيرًا في هذا الكتاب، فقوله: "إنَّما الربا في النسيئة"؛ مفهومه بالمخالفة: أنَّ ربا الفضل والزيادة ليس ربا.

стр. 7407

قوله: (وَأَمَّا اللَّفْظُ الْآخَرُ: وَهُوَ: "لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ"). لأنَّ "لا" نافية، و"ربا" نكرةٌ في سياق النفي، والنكرةُ في سياقِ النَّفي تَعُمّ، فكأنَّه قال: لا ربا يوجد إلَّا في شيء اسمه النَّسيئة (١). قوله: (فَهُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا عَدَا النَّسِيئَةَ فَلَيْسَ بِرِبًا). المؤلف هنا يريد أن يوازن بين اللفظين، يقول: اللفظ الثاني "لا ربا إلا في النسيئة" أقوى في الدلالة على الاقتصار على ربا النسيئة؛ لأن اللفظ الأول: "إنما الربا في النسيئة" يُفهم منه إخراج ربا الفضل عن طريق مفهوم المخالفة، ومع ذلك فإنَّ الثاني وإن كان أقوى، لكنَّه ليس نصًّا في إخراج ربا الفضل، بدليل الأحاديث الصحيحة الصريحة المتعددة التي رواها جمع من الصحابة بعضها في الصحيحين كلُّها تؤكد تحريم ربا الفضل. ثُمَّ قال: (لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ"، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْأَكْثَرِ). مراد المؤلف أن الغالب والأكثر إنما هو في النسيئة فنصَّ عليه، فإن نبَّه على الأكثر والأخطر دَخَل فيه الأدنى؛ لذلك بعض العلماء يقولون إنَّ

стр. 7408

هذا الحديثَ يدلُّ على تحريم الصِّنفين ربا النسيئة والفضل (١). قوله: (وَإِذَا كَانَ هَذَا مُحْتَمَلًا، وَالْأَوَّلُ نَصٌّ، وَجَبَ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَفَاضِلًا). فإذا كان هذا الحديث يحتمل معنى آخر، فإنَّ القاعدةَ الأصوليةَ، تقول: "إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال"، فكيف لو كان معنا أحاديث نَصٌّ في المسألة، صريحةُ الدلالة على المدَّعى توضح وتؤكِّد أنَّ ربَا الفضلِ مُحرَّم؟! قوله: (وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَسْكُوكَه، وَتِبْرَه، وَمَصُوغَهُ سَوَاءٌ فِي مَنْعِ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ) (٢). المَسكُوكُ: المضروبُ؛ كالدراهم، والدنانير، والريالات، والجنيهات، يُسمَّى مسكوكًا؛ لأنه دخل السَّك (٣).

стр. 7409

"وتبره": المراد به غير المسكوك (١). وغير المصوغ، أي: السبائك؛ قطع الذهب، وقطع الفضة. والمراد بالمصوغ: ما يُصاغ صياغةً؛ أي: تدخله الصناعة بأشكال مختلفة، كقلائدَ، أو غيرها. فهذا كله لا يختلف في الحكم، لا فرق بين أن يكون الذهب سبائك، وبين أن يكون قد صيغ صياغة فأصبح داخلًا في الصياغات، وبين أن يكون مضروبًا؛ أي مسكوكًا دراهم، أو غيرها، بل بعضهم يزيد، ويقول: "ولا فرق بين صحيحه ومكسره، رديئه وجيده"، كل ذلك يدخل في الحكم. وبهذا يظهر أنَّ الحكم ليس مقصورًا على الدراهم، والدنانير، فلو كان عند إنسان قطعة من ذهب، وعند آخر قطعة أخرى؛ فلا يجوز أن يبيع هذه بهذه مبادلةً، إلا بمعرفة التماثل، فلا يجوز أن تكون أحد السبيكتين أكثر من الأخرى، ولو كانت مصوغة، وسيأتي الكلام في المصوغ. قوله: (لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ كَانَ يُجِيزُ التَّفَاضُلَ بَيْنَ التِّبْرِ، وَالْمَصُوغِ لِمَكَانِ زِيَادَةِ الصِّيَاغَةِ). لم يذكر المؤلف أثر معاوية ﵁ في ذلك، فقد جاء أنَّه: "باع آنية من فضة بفضة مطلقًا" (٢)، وجاء أنَّه: "باع ساقية من ذهب،

стр. 7410

أو وَرِق بأكثر من وزنها" (١)، والسِّقايةُ هي: نوعٌ من الآنيةِ (٢)، باعها بأكثر من وزنها، وهنا الشاهد، وقد أنكر عليه الصحابي الجليل أبو الدرداء ﵁، وقال: "سمعت من رسول الله ﷺ أنَّ هذا لا يجوز؛ إلَّا مثلًا بمثل"، ولما غادر أبو الدرداء الشامَ وجاء إلى عمر ﵁ في المدينة أخبره بما فعل معاوية ﵁، فكتب عمر ﵁ إلى معاوية: "أن لا تبع ذهبًا إلَّا مثلًا بمثل، يدًا بيد"، وكذلك ورد أنَّ عبادة بن الصامت أنكر ذلك، كما في قصة الإناء، وقال: "سمعت من رسول الله ﷺ يدل على أنَّ هذا لا يجوز، إلَّا مثلًا بمثل"، وحديث عبادة صريح: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة"، وفي بعض الرِّوايات: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة" إلى أن قال: "إلَّا مثلًا بمثل، عينًا بعين، يدًا بيد، فمن زاد، أو استزداد فقد أربى"، وسيأتي اختلاف العلماء في هذه المسألة.

стр. 7411

مسألة: عندما يُوجد إناء، أو سيف مُمَوَّه (١) بالذهب، أو غير ذلك، وقابله ذهب آخر صافٍ، أو وُجدت فِضَّةٌ مشُوبةٌ (٢) وقابلها فضة خالصة، فبعض العلماء قالوا: لا بُدَّ من تساوي النقديين في الأمرين معًا، وذاك يُخرج بعد ذلك، ويُحسب حِسابه، فلا ينبغي أن يكون ذلك داخل في ذلك. قوله: (وَإِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَأْتِي دَارَ الضَّرْبِ بِوَرِقِهِ، فَيُعْطِيهِمْ أُجْرَةَ الضَّرْبِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ دَنَانِيرَ، وَدَرَاهِمَ وَزْنَ وَرِقِهِ أَوْ درهمِهِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ خُرُوجِ الرُّفْقَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ). دار الضرب: هي التي تُسَكُّ فيها الدراهم والدنانير (٣). مثال ذلك: رجلٌ يريد السفر ومعه ذهبٌ أو فضَّة، وليس معه رُفقةٌ يحتمي بها، فيذهب إلى الدار المختصَّة بالضرب؛ لتضرب له وزن ما معه من ذهب أو فِضَّة؛ دراهمَ مثلًا. فأجاز الإمام مالك ذلك للضرورة؛ لأنَّ القاعدة الفقهية تقول: "الضرورات تُبيح المحظُورات" (٤)، والقاعدة الأخرى تقول: "الحاجة تُنزَّل

стр. 7412

منزلةَ الضرورة؛ عامَّةً كانت أو خاصَّة" (١)، وهذه حاجة خاصة فتُنَزَّل منزلة الضرورة. وقد تغيَّر الحال الآن فأصبحت العملات موجودة ولها رصيد، لكنَّ المؤلف يتكلم عن أمورٍ عامَّة. قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسمِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ) (٢).

стр. 7413

من بين جمهورِ العلماء الذين أنكروه: الشافعيَّةُ (١) والحنابلَةُ (٢). قوله: (وَأَجَازَ مَالِكٌ بَدْلَ الدِّينَارِ النَّاقِصِ بِالْوَازِن، أَوْ بِالدِّينَارَيْنِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي الْعَدَدِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، مِنَ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَى جِهَةِ الْمَعْرُوف) (٣). إذا وُجد في الدراهم، أو الدنانير درهم أو دينار به نقصٌ في الوزن أو عيب، هل يؤثر ذلك في التقابض؟ هذا سيعرض له المؤلف. قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السَّيْفِ،

стр. 7414

وَالْمُصْحَفِ الْمُحَلَّى: يُبَاعُ بِالْفِضَّةِ وَفِيهِ حِلْيَةُ فِضَّةٍ، أَوْ بِالذَّهَبِ وَفِيهِ حِلْيَةُ ذَهَبٍ؟). السيف المحلَّى بالذهب: هل يجوز بيعه بذهب خالص؟ والسيف المحلَّى بالفضة: هل يجوز بيعه بفضة خالصة؟ وكذلك المصحف المحلَّى، أو القلم، أو الساعة المحلَّاة، اختلف العلماء في ذلك: القول الأول: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ). قال بذلك الشافعيُّ (١)، وأحمدُ (٢)، وإن كان لأحمد رواية ليست مشهورة، يُوافق فيها مذهب أبي حنيفة (٣).

стр. 7415

قوله: الِجَهْلِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضةِ فِي ذَلِكَ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ). فالعلة التي بنى عليها الشافعية والحنابلة مذهبهما: "جهل المماثلة"؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "مثلًا بمثل"، وقال: "فمن زاد"؛ أي: أعطى الزيادة، "أو استزداد"؛ أخذ الزيادة "فقد أربى" (١)، وجاء في قصة القلادة التي وردت في "صحيح مسلم" وفي "سنن أبي داود"؛ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: "اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ" (٢). ولقول ولثاني: (وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ قِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ، أَوِ الْفِضَّةِ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ جَازَ بَيْعُهُ - أَعْنِي: بِالْفِضَّةِ إِنْ كَانَتْ حِلْيَتُهُ فِضَّةً، أَوْ بِالذَّهَبِ إِنْ كَانَتْ حِلْيَتُهُ ذَهَبًا -، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ) (٣). الإمام مالك يقول: إن كان هذا المُحلَّى يَقِلُّ عن المشترَى به، وكانت قيمةُ ما فيه من الذهب، أو الفضَّة الثلث، أو أقلَّ من الثلث؛ فيجوز.

стр. 7416

مثال ذلك: إنسان عنده سيف محلَّى بالذهب؛ فاشتراه شخصٌ بما يُقابل ألفًا وثلاث مئة من الذهب، فإذا كانت الآلة - غير الحُليِّ الذي عليها - تساوي ألفًا، فهذا لا يُمنع منه عند مالك ﵀؛ لأنَّ الذهبَ الذي حُلِّيَ به لا يتجاوز الثلثَ، وكذلك لو كان أقلَّ من الثلث، كالربع فهذا جائز عنده، فإن كان أكثر من الثلث؛ لم يجُز. قال: (وَكَأنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ قَلِيلَةً لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً فِي الْبَيْعِ، وَصَارَتْ كَأَنَّهَا هِبَةٌ). القول والثالث: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ أَكثَرَ مِنَ الْفِضَّةِ الَّتِي فِي السَّيْفِ، وَكذَلِكَ الْأَمْرُ فِي بَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالذَّهَبِ). قال أبو حنيفة ذلك دون تقييد بالثلث، أو غيره، فلو أنَّ هذا الحُلي قيمتُه الثلث فأكثر فإنَّ البيع جائز؛ لأنَّ هذا مقابل الصنعة؛ أعني: صناعة السيف، أو نحوه (١)، وهذه مسألة تعرف عند الفقهاء بـ "مسألة دِرْهَمٍ وَمُدِّ عَجْوَةٍ"، والعجوة: هي التمر، وهي مسألة اعتبرها العلماء قاعدة فقهية: أن تبيع مُدَّ عجوة ودرهم بمدِّ عَجْوة، أو مدَّ عجوة ودرهم بدرهمين، أو نحو ذلك، هل هذا جائز أو لا؟ المسألة التي ذكرها المؤلف مثلها تمامًا (٢).

стр. 7417

قوله: (لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْفِضَّةَ الَّتِي فِيهِ، أَوِ الذَّهَبَ يُقَابِلُ مِثْلَهُ مِنَ الذَّهَبِ، أَوِ الْفِضَّةِ الْمُشْتَرَاةِ بِه، وَيَبْقَى الْفَضْلُ قِيمَةَ السَّيْفِ). الفَضْل: هي الزيادة التي تُقدَّم من ثمن المُشْتَرى. قوله: (وَحُجَةُ الشافِعِيِّ). وحجةُ الشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء حديث فَضَالَة السابق. قوله: (عُمُومُ الْأَحَادِيثِ). ذكر المؤلف للجمهور دليلين: الدليل الأول: عموم الأدلَّة المذكورة؛ كحديث عبادة، وحديث أبي سعيد، وحديث عمر ﵁ المتفق عليه: "الذهب بالذهب ربَا إلَّا هاء وهاء" (١)، يعني: خُذ وهَات. فعموم هذه الأدلة يتطلَّب المُماثلة، فلا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، سواء كان خالصًا من الطرفين، أو مشتركًا إلَّا بالمُماثلة. والدليل الثاني، ذكره فقال: (وَالنَّصِّ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: "أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ، وَخَرَزٌ، وَهِيَ مِنَ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ يُنْزَعُ وَحْدَه، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ) (٢). جاء في رواية أبي داود أنَّه اشتراها "بتسعةِ دنانيرَ، أو بسبعةِ

стр. 7418

دنانيرَ" (١)، وفي رواية: "باثني عشر دينارًا" (٢)، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "لا، حتى تُمَيِّزَ بينه وبينه"؛ أي: تفصلَ الذهب، والخرز الذي في القلادة، فتجعل كلًّا منهما في جانب، ثم بعد ذلك تَزِنْه بما يقابله من الذهب، ثم يُنظر. تنبيه: الخرَزُ لا يدخل في الرِّبَا لكنَّ الكلام عن الذهب الذي في القلادة فقط. قوله: (وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ كَمَا قُلْنَا فَأَجَازَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ). أجازه معاوية ﵁ بناءً على أنَّ هذه الزيادة تكون مُقابلَ الصنعة، لكن عبادة، وأبو الدرداء ﵄ أَنكرا ذلك كما تقدَّم، وقال المؤلِّف: (وَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: لَا أَسْكُنُ فِي أَرْضٍ أَنْتَ فِيهَا، لِمَا رَوَاهُ مِنَ الْحَدِيثِ). والحديث الذي رواه أبو سعيد؛ هو: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا مثلًا بمثلٍ، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلَّا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجزٍ" (٣). قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّرْفِ أَنْ يَقَعَ نَاجِزًا). ومعنى أنَّ يقع الصَّرفُ ناجزًا (٤): أي: حاضرًا دون تأجيل، فتشتري من إنسان دراهمَ بدراهمَ؛ ويعني طريقة خُذْ وهَات؛ كما في حديث

стр. 7419

عمر ﵁: "الذهب بالذهب ربَا إلَّا هاء وهاء"، فلا بد من التقابض في المجلس. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّمَان الَّذِي يَحُدُّ هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: الصَّرْفُ يَقَعُ نَاجِزًا مَا لَمْ يَفْتَرِقِ الْمُتَصَارِفَان تَعَجَّلَ أَوْ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ (١)، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ بَطَلَ الصَّرْفُ (٢)). مثال ذلك: لو كنت مع صاحب دُكَّان تريد أنَّ تُصارِفَه، فما دُمتَ عنده فلك الحق وإن طال الزمن عند الأئمة الثلاثة، أمَّا الإمام مالك ﵀ لا يرى هذا، وقال: إنْ تأخر القبض في المجلس بطل الصرف، فلا بُدَّ عنده من خذ وهات، بل إنَّ الشافعي، وأحمد يقولان: لو أنَّ المتصارفين انطلقا معًا، فذهبا إلى بيت أحدهما، أو إلى مكانٍ ما؛ فذلك جائز، كذلك ما لم يفترقا، فإذا حصل الافتراق حرم ذلك. قوله: (وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى كَرِهَ الْمُوَاعَد فِيهِ). هذا تمام قول مالك؛ أي: إِنْ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ بَطَلَ

стр. 7420

الصَّرْفُ وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا، ولا شكَّ أنَّ هذا ليس فيه نصٌّ، لكنَّ مالكًا أخذها بجانب الحيطة، والجمهور قالوا: ما دمت في المجلس، ولم تفارق صاحبَك فالقبضُ حاصل. تذييل: هذه الشريعة مع أنَّها قامت على اليُسر، ومراعاة مصالح الناس، إلَّا أنَّها حريصةٌ كلَّ الحرص أن يكون مأكلَ الإنسان ومَشرَبَه ومَلبَسه طيِّبًا حلالًا؛ كما أرشد رسول الله ﷺ فقال: "أَيُّهَا النَّاس، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُوْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثمَّ ذَكَرَ الْرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَأ رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ " (١). لكنَّ الشريعة لا تُضيِّقُ على الناس، تُراعي ظروفهم وأحوالهم، بل تُبيح لهم المحرمات في وقت الشدائد، فإذا تعلَّق الأمر بمهجة الإنسان، وذهاب حياته، فإنَّه تبيح له أن يأكل الميتة، وأن يدفع الغُصَّة بمحرَّم، وأن ينطق بكلمة الكفر ما دام قلبه مطمئنًّا بالإيمان، فهل هناك شريعة أجلَّ، أو أعظم من هذه الشريعة؟ هي شريعة خالدة؛ أنزلها الله ؛ لتكون علاجًا من الأسقام، تسير معك أيها المسلم في كل أحوالك، في ليلك ونهارك، وصحتك ومرضك، وسفرك وحضرك، تبذل لك كُلَّ خيرٍ، وتزيلُ عنك كُلَّ إشكال، هي شريعة شاملة استوعبت جميع حاجات الناس، فلا خير إلَّا وأرشدت إليه، ودلَّت عليه، ولا شرَّ إلَّا حظرت منه، وحثَّت على الابتعاد عنه، هذه هي شريعة الإسلام التي جاء بها محمد بن عبد الله ﷺ ، وهي

стр. 7421

لا تزال معنا غضة طرية في كتاب الله ، وفي سنة رسول ﷺ ، وذلك من توفيق الله لهذه الأمة، شريعة فيها يُسر وسماحة؛ لأنَّ الله رفع عن الأمَّة الأغلال، والْإِصْرَ التي كانت على الأمم السابقة، كل ذلك يتطلب من المسلمين جميعًا أدْ يشكروا الله ، وأن يُؤدوا حقَّه، فهو سبحانه قد جعلنا خير أمة أخرجت للناس؛ تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، بل جعلنا شهداء على الأمم قبلنا؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: تَرَدُّدُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ"). هذا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه (١)، ومعنى: "هاء وهاء" أي: خذ وهات (٢). قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِالْأَقَلِّ، وَالأَكثَرِ. فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ صَالِحٌ لِمَنْ لَمْ يَفْتَرِقْ مِنَ الْمَجْلِسِ - أَعْنِي: أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ هَاءَ وَهَاءَ - قَالَ: يَجُوزُ التَّأخِيرُ فِي الْمَجْلِسِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا وَقَعَ الْقَبْضُ مِنَ الْمُتَصَارِفَيْنِ عَلَى الْفَوْرِ، قَالَ: إِنْ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ عَنِ الْعَقْدِ فِي الْمَجْلِسِ بَطَلَ الصَّرْفُ). والجواب: أننا إذا رجعنا إلى أصول هذه الشريعة، وما فيها من التيسير والرحمة والرأفة بهذه الأمة؛ لوجدنا أنَّ رأي الجمهور أقرب لذلك.

стр. 7422

قوله: (لاتِّفَاقِهِمْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمْ فِي الصَّرْفِ حَوَالَةٌ، وَلَا حَمَّالَةٌ، وَلَا خِيَارٌ (١)، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ؛ أَنَّهُ أَجَازَ فِيهِ الْخِيَارَ) (٢). والحَوالة بالفتح: أنَّ تنقل ما في مُلكِك من مالٍ إلى ذمة غيرك (٣). والحَمالة بالفتح: هي الغرامة، أنَّ يتحمل الإنسان غرامةً (٤)، مثال ذلك: جئتَ إلى شخصين مختلفين فأردتَ أن تُصلح بينهما، وعلى أحدهما دَينٌ للآخر، فأراد أن يتحمَّل هذا الدَّين ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، هذا هو المراد بالحمالة. قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ فِي التَّأخِيرِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْمُتَصَارِفَان، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَمَرَّةً قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ مِثْلُ الَّذِي يَقَعُ بِالاخْتِيَارِ،

стр. 7423

وَمَرَّةً قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فِي تَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، لَيْسَ قَصْدُنَا ذِكْرَهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ) (١). معنى: "الذي يُغلب عليه المتصارفان"؛ أي: يكون مغلوبًا عليهما، خارجًا عن إرادتهما؛ كأن طرأ شيء ما. ومِنَ الذي يَغلب على أمر الإنسان أن يأتيه أمر طارئ، فيقطع الكلام في البيع والتصارُف، هل هذا يوثر أو لا؟ هل للضرورات أحكامها؟ وهنا ترى أنَّ مذهب الجمهور أخصب، وأيسر، وأمَّا المالكية فحيارى في هذه المسألة. قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنِ اصْطَرَفَ (٢) دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا فَأَرَادَ رَدَّهُ؟). مثال ذلك: لو باع المُتصارف دراهمَ بدنانير ثم وجد فيها درهمًا زائفًا؛ أي: فيه عيب، فهو رديء، يُقال:، "درهم زائف؛ أي: رديء" (٣)،

стр. 7424

هذه الرداءة إمَّا لوجود نقص فيه، أو في صنعته، لأنَّ الصنعة قد لا تكون جيدة، وربما تكون الرداءةُ في غِشٍّ دخَلَه؛ كما لو دخله نُحاس، أو حديدٌ، أو رصاصٌ. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يَنْتَقِضُ الصَّرْف، وَإِنْ كانَتْ دَنَانِيرَ كثِيرَةً انْتُقِضَ مِنْهَا دِينَار لِلدِّرْهَمِ). إن كان درهمًا زائفًا فإنَّه ينتقض ويقابله دينارٌ، فإن وجد أحد عشر درهمًا زائفةً، فأراد ردَّها يكون مقابل ذلك دينارين؛ دينار عن العشرة، والدينار الآخر عن الحادي عشر، وهو بداية العدِّ الثاني. قوله: (فَمَا فَوْقَهُ إِلَى صَرْفِ دينَار). درهمٌ يقابله دينار، أحد عشر درهمًا يقابله ديناران، هذا هو المراد، وهكذا كلما ارتفع الزَّيف ارتفع الردُّ عند المالكية. قال: (فَإِنْ زَادَ دِرْهَمٌ عَلَى دِينَارٍ انْتَقَضَ مِنْهَا دِينَار آخَرَ، وَهَكَذَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى صَرْفِ دِينَارٍ). وُجِدَ درهمٌ فيه عيب يُرَدُّ دينارًا، فإن زاد على الدينار درهمٌ آخر تكون الأحد عشر مكان دينارين؛ لأنَّ الأول وجد فيه درهم؛ فأعاد ما يقابله؛ لأنه باع دراهم بدنانير، وهكذا … لو زاد على العشرة. وهذه المسألة لا دليل عليها، وإنَّما هو اجتهاد (١).

стр. 7425

قوله: (قَالَ: وَإِنْ رَضِيَ بِالدِّرْهَمِ الزَّائِفِ لَمْ يَبْطُلْ مِنَ الصَّرْفِ شَيْءٌ). عندما يقف أحد المتصارفين على درهم مَعيب لا يخلو حاله من أحد أمرين: إمَّا أن يرضى به ولا شيء في ذلك، وتظل الصفقة كما كانت؛ أي: يظل الصرف صحيحًا، فإن لم يَرْضَ به المشتري بطل الصرف (١). قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ بِالدَرْهَمِ الزَائِف، وَيَجُوزُ تَبْدِيلُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الزُّيُوفُ نِصْفَط الدَّرَاهِمِ، أَوْ أَكْثَرَ). أبو حنيفة ﵀ لا يرى تأثيرًا على الصَّرف بذلك، إلَّا إذا كثرت الرداءة، فحينئذ يتأثر الصرف به (٢). قوله: (فَإِنْ رَدَّهَا بَطَل الصَّرْفُ فِي الْمَرْدُودِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا رَدَّ الزُّيُوفَ كَانَ مُخَيَّرًا إِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا، أَوْ يَكُونَ شرِيكًا لَهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ فِي الدَّنَانِيرِ - أَعْنِي: لِصَاحِبِ الدَّنَانِيرِ -) (٣).
следующие страницы →