لا تزال معنا غضة طرية في كتاب الله ، وفي سنة رسول ﷺ ، وذلك من توفيق الله لهذه الأمة، شريعة فيها يُسر وسماحة؛ لأنَّ الله رفع عن الأمَّة الأغلال، والْإِصْرَ التي كانت على الأمم السابقة، كل ذلك يتطلب من المسلمين جميعًا أدْ يشكروا الله ، وأن يُؤدوا حقَّه، فهو سبحانه قد جعلنا خير أمة أخرجت للناس؛ تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، بل جعلنا شهداء على الأمم قبلنا؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ: تَرَدُّدُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ").
هذا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه (١)، ومعنى: "هاء وهاء" أي: خذ وهات (٢).
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِالْأَقَلِّ، وَالأَكثَرِ. فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ صَالِحٌ لِمَنْ لَمْ يَفْتَرِقْ مِنَ الْمَجْلِسِ - أَعْنِي: أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ هَاءَ وَهَاءَ - قَالَ: يَجُوزُ التَّأخِيرُ فِي الْمَجْلِسِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا وَقَعَ الْقَبْضُ مِنَ الْمُتَصَارِفَيْنِ عَلَى الْفَوْرِ، قَالَ: إِنْ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ عَنِ الْعَقْدِ فِي الْمَجْلِسِ بَطَلَ الصَّرْفُ).
والجواب: أننا إذا رجعنا إلى أصول هذه الشريعة، وما فيها من التيسير والرحمة والرأفة بهذه الأمة؛ لوجدنا أنَّ رأي الجمهور أقرب لذلك.
стр. 7422
قوله: (لاتِّفَاقِهِمْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمْ فِي الصَّرْفِ حَوَالَةٌ، وَلَا حَمَّالَةٌ، وَلَا خِيَارٌ (١)، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ؛ أَنَّهُ أَجَازَ فِيهِ الْخِيَارَ) (٢).
والحَوالة بالفتح: أنَّ تنقل ما في مُلكِك من مالٍ إلى ذمة غيرك (٣).
والحَمالة بالفتح: هي الغرامة، أنَّ يتحمل الإنسان غرامةً (٤)، مثال ذلك: جئتَ إلى شخصين مختلفين فأردتَ أن تُصلح بينهما، وعلى أحدهما دَينٌ للآخر، فأراد أن يتحمَّل هذا الدَّين ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، هذا هو المراد بالحمالة.
قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ فِي التَّأخِيرِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْمُتَصَارِفَان، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَمَرَّةً قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ مِثْلُ الَّذِي يَقَعُ بِالاخْتِيَارِ،
стр. 7423
وَمَرَّةً قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فِي تَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، لَيْسَ قَصْدُنَا ذِكْرَهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ) (١).
معنى: "الذي يُغلب عليه المتصارفان"؛ أي: يكون مغلوبًا عليهما، خارجًا عن إرادتهما؛ كأن طرأ شيء ما.
ومِنَ الذي يَغلب على أمر الإنسان أن يأتيه أمر طارئ، فيقطع الكلام في البيع والتصارُف، هل هذا يوثر أو لا؟ هل للضرورات أحكامها؟
وهنا ترى أنَّ مذهب الجمهور أخصب، وأيسر، وأمَّا المالكية فحيارى في هذه المسألة.
قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنِ اصْطَرَفَ (٢) دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا فَأَرَادَ رَدَّهُ؟).
مثال ذلك: لو باع المُتصارف دراهمَ بدنانير ثم وجد فيها درهمًا زائفًا؛ أي: فيه عيب، فهو رديء، يُقال:، "درهم زائف؛ أي: رديء" (٣)،
стр. 7424
هذه الرداءة إمَّا لوجود نقص فيه، أو في صنعته، لأنَّ الصنعة قد لا تكون جيدة، وربما تكون الرداءةُ في غِشٍّ دخَلَه؛ كما لو دخله نُحاس، أو حديدٌ، أو رصاصٌ.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يَنْتَقِضُ الصَّرْف، وَإِنْ كانَتْ دَنَانِيرَ كثِيرَةً انْتُقِضَ مِنْهَا دِينَار لِلدِّرْهَمِ).
إن كان درهمًا زائفًا فإنَّه ينتقض ويقابله دينارٌ، فإن وجد أحد عشر درهمًا زائفةً، فأراد ردَّها يكون مقابل ذلك دينارين؛ دينار عن العشرة، والدينار الآخر عن الحادي عشر، وهو بداية العدِّ الثاني.
قوله: (فَمَا فَوْقَهُ إِلَى صَرْفِ دينَار).
درهمٌ يقابله دينار، أحد عشر درهمًا يقابله ديناران، هذا هو المراد، وهكذا كلما ارتفع الزَّيف ارتفع الردُّ عند المالكية.
قال: (فَإِنْ زَادَ دِرْهَمٌ عَلَى دِينَارٍ انْتَقَضَ مِنْهَا دِينَار آخَرَ، وَهَكَذَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى صَرْفِ دِينَارٍ).
وُجِدَ درهمٌ فيه عيب يُرَدُّ دينارًا، فإن زاد على الدينار درهمٌ آخر تكون الأحد عشر مكان دينارين؛ لأنَّ الأول وجد فيه درهم؛ فأعاد ما يقابله؛ لأنه باع دراهم بدنانير، وهكذا … لو زاد على العشرة.
وهذه المسألة لا دليل عليها، وإنَّما هو اجتهاد (١).
стр. 7425
قوله: (قَالَ: وَإِنْ رَضِيَ بِالدِّرْهَمِ الزَّائِفِ لَمْ يَبْطُلْ مِنَ الصَّرْفِ شَيْءٌ).
عندما يقف أحد المتصارفين على درهم مَعيب لا يخلو حاله من أحد أمرين: إمَّا أن يرضى به ولا شيء في ذلك، وتظل الصفقة كما كانت؛ أي: يظل الصرف صحيحًا، فإن لم يَرْضَ به المشتري بطل الصرف (١).
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ بِالدَرْهَمِ الزَائِف، وَيَجُوزُ تَبْدِيلُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الزُّيُوفُ نِصْفَط الدَّرَاهِمِ، أَوْ أَكْثَرَ).
أبو حنيفة ﵀ لا يرى تأثيرًا على الصَّرف بذلك، إلَّا إذا كثرت الرداءة، فحينئذ يتأثر الصرف به (٢).
قوله: (فَإِنْ رَدَّهَا بَطَل الصَّرْفُ فِي الْمَرْدُودِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا رَدَّ الزُّيُوفَ كَانَ مُخَيَّرًا إِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا، أَوْ يَكُونَ شرِيكًا لَهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ فِي الدَّنَانِيرِ - أَعْنِي: لِصَاحِبِ الدَّنَانِيرِ -) (٣).
стр. 7426
هذه مسألة أخرى في فقه المبادلة: إن كان العيب وُجد في المجلس قبل الافتراق فلا إشكال، لكن لو وُقف على العيب بعد ذلك بعد أن تفرقا، وتقابضا، هل يجوز الرد؟ بعضُ العلماء أجاز ذلك، واعتبر ذلك مجلسًا جديدًا، وبعضهم منع.
قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ بِالرَّدِّ؟ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كثِيرًا) (١).
هذا الذي ذكره المؤلف عن مذهب أحمد مُجمل؛ فإنَّ في مذهبه تفصيلًا: إمَّا أن تكون الرداءة من جنس آخر دخيل على هذا الدِّرهم، وإمَّا أن تكون منه؛ فإن كانت من نوع الدرهم فالصحيح أنَّه لا أثر لذلك؛ كما لو كانت خشنة، أو كانت سوداء، وإن كانت دخيلة أثَّرت (٢).
قوله: (وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُجِيزُ الْبَدَلَ فِي الصَّرْفِ).
يعني أنَّ مذهب ابن وهب كمذهب أحمد في هذه المسألة (٣)
стр. 7427
قوله: (وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْغَلَبَةَ عَلَى النَّظِرَةِ فِي الصَّرْفِ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْبَعْضِ، وَهُوَ أَحْسَنُ).
كلمة النَّظرة يشار فيها إلى شيء بمعنى الانتظار، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، والمؤلف يعني بالنظرة؛ التأخير (١).
قال: (وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي بُطْلَانِ الصَّرْفِ بِالزُّيُوتِ قَوْلَان) (٢).
ثم قال: (فَيَتَحَصَّلُ لِفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِإِبْطَالِ الصَّرْفِ مُطْلَقًا عِنْدَ الرَّدِّ)؛ وهو مذهب مالك، (وَقَوْلٌ بِإِثْبَاتِ
стр. 7428
الصَّرْفِ، وَوُجُوب الْبَدَلِ)؛ وهو مذهب أحمد، وابن وهب، (وَقَوْلٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكثِيرِ)، وهو مذهب أبي حنيفة، (وَقَوْلٌ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ بَدَلِ الزَّائِفِ، أَوْ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ)، وهو مذهب الثوريّ.
والمؤلف - كما ترى - لم يُرتِّب الأقوال كالترتيب الأول، ولأنَّ الشافعيّ رأيه مختلف أدرج المؤلِّفُ قولَه ضِمن تلكم الأقوال الأربعة (١).
قال: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا كُلِّهِ: هَلِ الْغَلَبَةُ عَلَى التَّأْخِيرِ فِي الصَّرْفِ مُؤَثِّرَة فِيهِ، أَوْ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ؟ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَثِّرَةً، فَهَلْ هِيَ مُؤَثِّرَة فِي الْقَلِيلِ، أَوْ فِي الْكَثِيرِ؟ وَأَمَّا وُجُودُ النُّقْصَانِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ اضْطَرَبَ فِيهِ، فَمَرَّةً قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ إِنْ رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ جَازَ الصَّرْف، وَإِنْ طَلَبَ الْبَدَلَ انْتَقَضَ الصَّرْفُ قِيَاسًا عَلَى الزُّيُوفِ، وَمَرَّةً قَالَ: يَبْطُلُ الصَّرْفُ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ) (٢).
стр. 7429
قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا إِذَا قَبَضَ بَعْضَ الصَّرْفِ وَتَأَخَّرَ بَعْضُهُ - أَعْنِي: الصَّرْفَ الْمُنْعَقِدَ عَلَى التّنَاجُزِ -).
مثال ذلك: تصارفا؛ فقال له: أبيعك هذا الدينار بعشرة دراهم، فقبض خمسةً من الدراهم ولم يقبض الباقي، إذا قبض شيئًا وتأخر شيءٌ، أو هذا قبض وهذا لم يقبض، فما الحكم؟
قوله: (فَقِيلَ: يَبْطُلُ الصَّرْفُ كُلُّه، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)؛ وَقِيلَ: يَبْطُلُ مِنْهُ الْمُتَأَخِّرُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو يُوسُفَ (٢)، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ (٣)).
стр. 7430
قولان في المذهب المالكيِّ، وقولان في المذهب الحنبليِّ كذلك (١).
قوله: (وَمَبْنَى الْخِلَافِ فِي الصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ يُخَالِطُهَا حَرَامٌ وحلالٌ؛ هَلْ تَبْطُلُ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا، أَوِ الْحَرَامُ مِنْهَا فَقَطْ؟) (٢).
إذا بيعت صفقة وفيها حلال وحرام، فهل الحرام يؤثِّر على الصفقة كلها فيبطلها، أو أنَّه يبطل الحرامُ ويبقى الحلال قائمًا؟
قوله: (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاطَلَةَ جَائِزَةٌ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَفِي الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ) (٣).
стр. 7431
المراد بالمراطلة: بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة وزنًا، سُّميت مراطلة: نسبةً إلى الرطل، والرطل: هو آلة من آلات الموازين، وله قدر معين - اشتهر قديمًا عند الفقهاء -: ما يقابل وزنُه اثني عشر أوقيةً من الفضة بالبغدادية، ويساوي أربع مئة وثمانين درهمًا، والمراطلة تشتهر في المذهب المالكي (١)، وأمَّا غالب العلماء فيما أعلم فذكروا هذه المسألة ضمن مسائل أبواب الصلاة (٢).
قوله: (وَإِن اخْتَلَفَ الْعَدَدُ لاتِّفَاقِ الْوَزْن).
هذا لا خلاف فيه بين العلماء، لأنَّ الرَّسولَ ﷺ قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ثم قال في آخر الحديث: "مِتلًا بمثلٍ"، وفي الحديث الآخر: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا مثلًا بمثلٍ، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلَّا مثلًا بمثلٍ، ولا تشفوا بعضها على بعض" (٣).
قوله: (وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ صِفَةُ الذَّهَبَيْنِ وَاحِدَةٌ) (٤).
стр. 7432
أي: لا بد من وصفهما، وسيأتي أنَّ المصارفة لا تخلو من أمرين. إمَّا أن تبيع عينًا فتقول: أبيعك هذا الدينار بهذه الدَّراهم، فيقول: قبلت، هذه هي المعاينَة المشاهدَة، وإمَّا أن لا تكون موجودة فتوصف.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاطَلَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ تَخْتَلِفَ صِفَةُ الذَّهَبَيْنِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَنْقُصَ أَحَدُ الذَّهَبَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، فَيُرِيدُ الْآخَرُ أَنْ يَزِيدَ بِذَلِكَ عَرَضًا، أَوْ دَرَاهِمَ إِنْ كانَتِ الْمُرَاطَلَةُ بِذَهَبٍ).
الأول: أن يختلف جنس الذهب؛ كأن يكون أحدهما أفضل من الآخر من حيث الجودة والرداءة.
والثاني: أن ينقص أحدهما عن الآخر في الوزن، فهل للآخر أن يجبر النقص بعرض من عروض التجارة، أو بما يقابله من الدراهم؟
قوله: (أَوْ ذَهَبًا إِنْ كانَتِ الْمُرَاطَلَةُ بِدَرَاهِمَ).
هذه الصورة عكس السابقة: إن كانت المراطلة بدراهم فنقص أحد الوزنين؛ نقول: أجبر النقص بذهب، وإن كانت بذهب؛ نقول: أجبر النقص بدراهم.
قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ: أَمَّا فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ أَنْ يَخْتَلِفَ جِنْسُ الْمُرَاطَلِ بِهِمَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ -: أَنَّهُ مَتَى رَاطَلَ بِأَحَدِهِمَا بِصِنْفٍ مِنَ الذَّهَبِ الْوَاحِدِ، وَأَخْرَجَ الْآخَرَ ذَهَبَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَجْوَدُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ، وَالآخَرُ أَرْدَأُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ) (١).
стр. 7433
وفي مذهب أحمد: إن اختلفت الجودة، واتَّحد الوزن؛ فإن ذلك جائز" ولذلك ينصُّ الحنابلة على أنَّه: "يجوز بيع الذهب صحيحه ومكسره، جيده ورديئه؛ بعضه ببعض" (١).
قوله: (وَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنَ الذَّهَبَيْنِ - أَعْنِي: الَّذِي أَخْرَجَهُ وَحْدَهُ - أَجْوَدُ مِنَ الذَّهَبَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْرَجَهُمَا الْآخَر، أَوْ أَرْدَأُ مِنْهُمَا مَعًا، أَوْ مِثْلُ أَحَدِهِمَا وَأَجْوَدُ مِنَ الثَّانِي، جَازَتِ الْمُوَاطَلَةُ عِنْدَهُ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا اخْتَلَفَ الذَّهَبَانِ فَلَا يَجُوزُ ذلِكَ (٣)،
стр. 7434
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمِيعُ الْكُوفِيِّينَ، وَالْبَصْرِيِّينَ: يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ (١)).
قال: (وَعُمْدَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مَنْعِهِ ذَلِكَ: الاتِّهَام، وَهُوَ مُصَيِّرٌ إِلَى الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ (٢)، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَتَّهِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاطِلُ إِنَّمَا قَصَدَ بِذلِكَ بَيْعَ الذّهَبَيْنِ مُتَفَاضِلًا (٣)).
فمالِكٌ ﵀ يرى أنَّه مُتَّهم، فيُخشى أن يكون ذلك وسيلة إلى التفاضل؛ فقال بالمنع سدًّا للذرائع، وسدُّ الذرائع؛ إغلاق كل باب قد يُوصل سالكه إلى المحرَّم.
قوله. (فَكَأَنَّهُ أَعْطَى جُزْءًا مِنَ الْوَسَطِ بِأَكثَرَ مِنْهُ مِنَ الْأَرْدَأ، أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ مِنَ الْأعْلَى، فَيَتَذَرَّعُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا).
إذا قصد المُراطل بيع أحد العوضين - أعني: أحد الثمنين - بالآخر؛ فهذا لا يجوز.
قوله: (مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ إِنْسَانًا قَالَ لِآخَرَ: خُذْ مِنِّي خَمْسَةً
стр. 7435
وَعِشْرِينَ مِثْقَالًا وَسَطًا بِعِشْرِينَ مِنَ الْأَعْلَى، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا لَنَا، وَلَكِنْ أُعْطِيكَ عِشْرِينَ مِنَ الْأَعْلَى، وَعَشَرَةً أَدْنَى مِنْ ذَهَبِكَ، وَتُعْطِينِي أَنْتَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْوَسَطِ، فَتَكُونُ الْعَشَرَةُ الْأَدْنَى يُقَابِلُهَا خَمْسَةٌ مِنْ ذَهَبِكَ، وَيُقَابِلُ الْعِشْرِينَ مِنْ ذَهَبِ الْوَسَطِ الْعِشْرِينَ مِنْ ذَهَبِكَ الْأعْلَى).
فالجهالة واردة في مثل هذا المثال.
قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: اعْتِبَارُ التَّفَاضُلِ الْمَوْجُودِ فِي الْقِيمَةِ. وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ: اعْتِبَارُ وُجُودِ الْوَزْنِ مِنَ الذَّهَبَيْنِ، وَرَدُّ الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ).
لأنَّ الحنفية يأخذون بعلة الوزن، و قد رجَّحنا سابقًا أنَّ العلةَ هي الثمنية، فأبو حنيفة ﵀ يرى أنَّ المعتبر هو الوزن؛ فإذا تساويا في الوزن ارتفع بعد ذلك الإشكال (١).
قوله: (وَكَمَثَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمُصَارَفَةِ الَّتِي تَكُونُ بالعدد - أَعْنِي: إِذَا اخْتَلَفَتْ جَوْدَةُ الذَّهَبَيْنِ أَوِ الْأَذْهَابِ -).
مثال ذلك: ذهبٌ من نوع واحد، لهذا عدد وللآخر عدد مختلف، هل هذا يجوز؟
لا شكَّ أنَّ الذي يرفع الجهالة إنَّما هو الوزن، لا العدد؛ كما في قصة القِلَادة، فإنَّ الرسول ﷺ قال لمشتريها: "لا، حتى تميزها"؛ أي: تفصلها، فلمَّا ميَّزها جاز له أن يبيع ما فيها من الذهب مقابل غيره،
стр. 7436
والقصد من ذلك هو رفع الجهالة (١).
ثم شرع المؤلف ﵀ في الموضع الثاني الذي هو: (أن ينقص أحد الذهبين عن الآخر، فيريد الآخر أن يزيد بذلك عرضًا، أو دراهم إن كانت المراطلة بذهب، أو ذهبًا إن كانت المراطلة بدراهم)، فقال:
قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ إِذَا نَقَصَتِ الْمُرَاطَلَة، فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَزِيدَ شَيْئًا آخَرَ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا أو ممَّا لا رِبَا فيه، فقريبٌ من هذا الاختلافِ مثل أن يُراطِلَ صَاحِبَهُ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ، فَيَنْقُصُ أَحَدُ الذَّهَبَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، فَيُرِيدُ الَّذِي نَمصَ ذَهَبُهُ أَنْ يُعْطِيَ عِوَضَ النَّاقِصِ دَرَاهِمَ، أَوْ عَرَضًا).
يعني: يريد أن يَجبُر الناقص بشيءٍ آخر؛ إمَّا بدراهم، أو بعرض، أمَّا لو أكمله بذهب لزال الإشكال وارتفع.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَاللَّيْثُ: إِنَّ ذَلِكَ
الْفَضْلِ مُقَابِلَ للْعَرَضِ، وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: التُّهْمَةُ فِي أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا، وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: عَدَمُ الْمُمَاثَلَةِ بِالْكَيْلِ، أَوِ الْوَزْنِ، أَوِ الْعَدَدِ الَّذِي بِالْفَضْلِ، وَمِثْلُ هَذَا يَخْتَلِفُونَ إِذَا كَانَتِ الْمُصَارَفَةُ بِالْعَدَدِ).
فائدة:
انظر كيف يتشدد العلماء، وكيف يأخذون بالأحوط؛ للنَّجاة من الوعيد الشديد لآكلِ الرِّبَا، أو المعين عليه، كل ذلك حذر الله منه، وحذَّر منه رسول الله ﷺ ، فكل باب يوجد فيه ولو منفذًا يسيرًا، تجد العلماء يسعون إلى إغلاقه؛ حتى لا يكون ذلك وسيلة إلى الربا، ومن هنا شدَّد بعضهم في مسائل منه؛ لأنَّه يرى أنَّ ذلك رُبما يكون ذريعة توصل إلى وقوع الربا، وإذا وقع الإنسان في الربا وقع في الحرام، وهذا ممَّا نهى الله ورسوله ﷺ عنه.
قوله: (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ).
هذه المسألة تحتاج إلى انتباه؛ لتفرِّق بينها وبين التي بعدها.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَنَانِير، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ).
مثال ذلك: اثنان كل واحد منهما مَدين للآخر؛ زيدٌ يطالب بكرًا بدنانير، وبكرٌ يطالب زيدًا بدراهم، والسؤال:
(هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَارَفَاهَا وَهِيَ فِي الذِّمَّةِ؟).
ومدار المسألة هنا أنَّ بعضَهم يجيزه، وبعضُهم يمنعه؛ لذلك قال:
стр. 7439
(فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا كَانَا قَدْ حَلَّا مَعًا (١).
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ فِي الْحَالِ وَفِي غَيْرِ الْحَالِ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَاللَّيْثُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَلَّا، أَوْ لم يَحِلَّا (٤)).
إذًا: فهناك من منع مطلقًا، وهناك من أجاز مطلقًا، وهناك من أجاز بقَيْدٍ؛ ١ - فالشافعي، والليث، وأحمد (٥) - ولم يذكره المؤلف -: منعوا مطلقًا.
стр. 7440
٢ - وأبو حنيفة: أجاز مطلقًا.
٣ - ومالك: فرَّق بين الحالِّ وغيره.
مثال ذلك: رجل يطالب آخر بدنانير، والثاني نفسه يطالبه بدراهم، وقد اجتمعا في مكانٍ، فهل يجوز أن يتصارفا؛ هذا يعطي دراهم، وهذا دنانير، أو لا يجوز؟
أما مالك ﵀ فأجاز ذلك إذا كانا قد حَلَّا معًا؛ لأنَّه يرى أنَّ الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
ومعنى قولنا: "الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة": وجود عين مشاهدة بين المتبايعين؛ كشخص يقول لآخر: أبيعك هذا الدينار بعشرة دراهم، فيقول: قبلت، هذه عين نسميها حاضرة؛ لأنَّها مشاهدة، وقد لا تكون مشاهدة فتُوصف، فالإمام مالك يُنَزِّل الذمةَ الحاضرة منزلة العين الحاضرة.
ومعنى "الذمة الحاضرة": أنَّ المدينين قد اجتمعا معًا، فالذِّمة حاضرة؛ لأنَّ كُلَّ واحد من المدينين حاضر مع صاحبه، فيُنزلا منزلة العين الحاضرة.
وأمَّا الذين منعوا: فقد استدلوا بقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: "ولا تبيعوا منها غائبًا بناجزٍ" (١)؛ أي: غائبًا بحاضرٍ.
وقد بيَّن المؤلِّف ﵀ وجه استدلالهم من الحديث، فقال:
(وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ: أَنَّهُ غَائِبٌ بِغَائِبٍ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ غَائِبٌ بِنَاجِزٍ كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ غَائِبٌ بِغَائِبٍ).
وقد أجاب على ذلك الإمام مالك: بأنَّه لا غيبة هنا؛ لأنَّ كل واحد من المدينين حاضر مع صاحبه - الأول له دنانير على الثاني، والثاني له
стр. 7441
دراهم على الأول - فيتبادلان في ذلك، فيوفي الأول للثاني حقَّه بالدراهم، ويوفي الثاني للأول حقَّه بالدنانير؛ تنزيلًا للذمة الحاضرة منزلة العين الحاضرة.
قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ: فَأَقَامَ حُلُولَ الْأَجَلَيْنِ فِي ذَلِكَ مَقَامَ النَّاجِزِ بِالنَّاجِزِ) (١).
هذا هو معنى قولنا السابق: "جعل مالكٌ الذِّمةَ الحاضرةَ كالعين الحاضرة"، غير أنَّ المؤلف ﵀ أوردها بعبارة أخرى، ومعنى "حلول الأجلين": من قولهم: "حلَّ الدَّينُ حُلُولًا"؛ إذا جاء وقتُ أدائه (٢) ومعنى "النَّاجِز بِالنَّاجِز": الحاضر بالحاضر (٣)؛ فمالِكٌ ﵀ أقام وقتَ أداء الدَّين مقام الحاضر بالحاضر، وبمعنى أكثرَ وضوحًا: لما انتهى الأجلُ وأصبح كلٌ منهما يُوفِي صاحبه؛ نزل ذلك منزلة العين الحاضرة.
قوله: (وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ مَعًا؛ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) (٤).
стр. 7442
فقد "نهى النبي ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ" (١). يعني: الدَّين بالدَّين (٢).
قوله: (وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ كنَانَةَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ) (٣).
أيَّد بعضُ المالكية؛ كابن وهبٍ، وابن كنانَةَ مذهبَ الجمهور - الشافعية والحنابلة -؛ لأنه أقرب إلى الدليل، وإن كان لم يرد في المسألة نصٌّ، لكنَّ النص يؤيد مذهبهم، وقد أقاموا مذهبهم كذلك على قاعدة سد الذرائع.
وأمَّا ما علَّل به المالكية مذهبهم، فهو تعليل ضعيفٌ في مواجهة حديث: "لا تبيعوا منها غائبًا بناجز"، فما بالكم أيُّها المالكية لو كان غائبًا بغائب؟!
قوله: (وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الصَّرْفِ عَلَى مَا
стр. 7443
لَيْسَ عِنْدَهُمَا، إِذَا دَفَعَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى - صَاحِبِهِ قَبْلَ الافْتِرَاقِ؛ مِثْلُ أَنْ يَسْتَقْرِضَاهُ فِي الْمَجْلِسِ فَتَقَابَضَاهُ قَبْلَ الافْتِرَاقِ).
هذه مسألة جزئية ذكرها المؤلف ضمن مسألة أخرى، ولكنَّها مهمةٌ جدًّا، وتحتاج كذلك إلى انتباه.
المراد بها: أن يكون رجلان في مجلسٍ واحدٍ فيقول أحدهما للآخر: يا فلان أَبيعك الدينار - لا يقول هذا الدينار؛ لأنَّه ليس موجودًا عنده - أَبيعك الدينار الكُويْتِيَّ مثلًا بعشرة ريالات سعودية، فقال الآخرُ: قَبِلتُ.
ولاحظ أنَّه وصفه؛ لأنَّه لمَّا قال: "الدينار الكويتي" فقد وصفه، ولمَّا قال: "ريالات سعودية" فقد وصفها كذلك.
أكثر العلماء أجازوا ذلك بشرط: أن يتم القبض في المجلس؛ كأن يقترض أحدهما من شخص، أو يكون مع أحدهما الدينار، والثاني يُرسل ابنه، أو عامله ليأتيه بالمبلغ، فتتم الصفقة.
وبعض العلماء منع ذلك.
والذين أجازوه يرون أنَّ هذا من باب التيسير.
وقوله: (إِذَا دَفَعَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الافْتِرَاقِ): هذا إذا كان أحدهما معه والآخر ليس معه، أمَّا لو كان كل منهما ليس معه لا بُدَّ من كل واحد منهما أن يدفعه للآخر في المجلس بطريق الاقتراض، أو الطلب مثلًا.
إذًا، عندنا احتمالان:
الأول: ألَّا يكون مع أحدٍ منهما شيء، ثم يحصلان عليه في المجلس.
والثاني: أن يكون أحدهما معه وليس مع الآخر، فيقترض من شخص آخر حاضرًا معه، أو يرسله فيطلب.
стр. 7444
قوله: (فَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)).
وأجازه أحمد كذلك (٣)، ومنع ذلك مالكٌ؛ لأنَّ مالكًا يرى أنَّ هذا داخل في بيع الدين بالدين، وفي بيع غائب بناجز (٤).
وأمَّا الجمهور فيقولون: إنَّ المراد بالحديث النهي عن بيع آجل - أي مؤجلًا - بعاجلٍ، والآجل هو غير المقبوض، والعاجل المقبوض، أمَّا إذا بعت عاجلًا بعاجلٍ -؛ أي مقبوضًا بمقبوضٍ - كما هي المسألة التي معنا فجائز.
стр. 7445
قوله: (وَكرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَاسْتَخَفَّهُ مِنَ الطَّرَفِ الْوَاحِدِ، - أَعْنِي: إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا هُوَ الْمُسْتَقْرِضَ فَقَطْ -) (١).
استخفَّه؛ من الاستخفاف الذي بمعنى التسامح لا الاستسهال؛ أي: رأى أنَّه إذا كان من طرف واحد فهو متسامحٌ فيه. وقد اعتبروا هذه روايةً في مذهب مالك: إن كان من الطرفين ردُّوه، وإن كان من طرف واحدٍ فهو أخفُّ.
ثُمَّ قال: (وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ) (٢).
قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ دَرَاهِمُ إِلَى أَجَلٍ: هَلْ يَأْخُذُ فِيهَا إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ ذَهَبًا أَوْ بِالْعَكسِ؟).
مثال ذلك: رجل له على الآخر دراهم، ثم حَلَّ الأجَل، هل يجوز له أن يُوفيه بدلها ذهبًا؟ أو العكس: رجلٌ له على الآخر ذهبًا، فهل يجوز للمَدِين أن يوفِّيَه دراهم بدلًا منها؟
ورد في هذا نصٌ؛ هو حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه قال: كنْتُ
(وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، أَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ، وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ).
البقيع؛ المكان الذي بالمدينة (١).
واعلم أنَّه إذا أُطلق لفظُ "الدينار" فإنَّه ينصرف إلى الذهب، وإذا أطلق لفظ "الدرهم" انصرف إلى الفضة. وقد ذكر ابن عمر للنبيِّ ﷺ أنَّه يبيع بالدنانير ويأخذ الدراهم، ويبيع بالدراهم ويأخذ الدنانير: فأحيانًا يأخذ مقابل الدرهم دينار، وأحيانًا أخرى يعطي مقابل الدرهم دينار؛ فما حكم ذلك؟
فائدة:
عبد الله بن عمر كان يشتغل بالإبل يبيع فيها ويشتري؛ لأنَّ البيع ممَّا رغَّب الله تعالى فيه، كما قال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فما أجمل أن يشتغل الإنسان بالبيع الحلال، وهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ فعلوا ذلك؛ بل إنَّ أبا بكرٍ ﵁ ظلَّ فترة يبيع ويشتري بعد أن تولى الخلافة. وكان الأئمة الأعلام؛ كالإمام أحمد - رحمه الله تعالى - يُنفق من
стр. 7448
كسب يده (١)، وبعضهم كان يعمل في مِهَنٍ كثيرة؛ لأنَّهم يريدون أن يتلذذوا بالطعام؛ إذ إنَّ خير ما يأكله الرجل من كسبه (٢)، فهو أحسن ما تجد لذةً.
قوله: (فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهِ).
بسعر يومه؛ لأنَّ الدينار يرتفع وينخفض، ومثله الدرهم. وبقيَّة الحديث: "مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ"؛ "ما لم" استثناء "تفترقا وبينكما شيء" بمعنى: صُفِّيَ الحساب فأخذت حقَّك وأخذ الآخر حقَّه دون تأجيل، وهذا يدل على تأكيد القبض في المجلس، فبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، أو العكس لا بُدَّ فيه من التقابض إلى جانب التماثل.
قوله: (خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ).
هذا الحديث الذي أخرجه الخمسة، وإذا أُطلق لفظ "الخمسة" قُصِد أصحابُ السُّنن: (أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦)) ومعهم: (الإمام أحمد في مسنده) (٧). وهو حديث صحيح (٨)،
стр. 7449
وقد رواه غيرهم؛ كالبيهقي في "سننه الكبرى" (١).
قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ: مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَغَيْرِهِ: "وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ") (٢).
لكنَّ حديث ابن عمر ﵁ نصٌّ في المسألة؛ فإنَّه قد وصفها للنبيِّ ﷺ وصفًا دقيقًا، فأجازها رسول الله ﷺ كما ذكرنا.
قوله: (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اخْتُلِفَ فِي الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ).
مثال ذلك: أن يُصارف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز الدرهم أو النصف، فيدفع إليه عرضًا بقدره، وصورة أخرى: أن يُصارف دينارًا بعشرة دراهم، فيزيد الدينار أو الدرهم، وكسره غير جائز، فيدفع إليه عرضًا بقدره.
قوله: (فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ) (٣).
المنعُ في مثل هذه الأمور خشيةَ أن يكون ذلك دافعًا للزيادة في الثمن، هذه شُبهة دعت أكثر العلماء إلى المنع.
وهذا القول عند المذاهب الأخرى؛ والذين أجازوا أكثر من الذين منعوا - فيما أعلم - (١).
стр. 7452
[بسم الله الرحمن الرحيم]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
كِتَابُ السَّلم
(وفي هذا الكتاب ثلاثة أبواب)
السَّلَمُ لغةً: التقديم والتسليم (١).
стр. 7453
وشرعًا: بيعُ شيءٍ موصوفٍ في الذِّمَّة بثَمن معجَّل (١).
فالمبيع يُسمَّى: مُسلَّمًا فيه، والثمن يُسمَّى: رأس المال، والبائع يُسمَّى. مُسلَّمًا إليه، والمشتري يُسمَّى: ربُّ السَّلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البابُ الْأَوَّلُ: فِي مَحِلِّهِ وَشرُوطِهِ
أَمَّا مَحِلّه: فَإِنَّهُمُ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ فِي كُلِّ مَا يُكَال، أَوْ يُوزَنُ (٢)؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورِ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِمُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي ثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ").
الغريبُ أنَّ المؤلِّف ﵀ ذكر لفظة "التَّمْرِ" التي رواها الدارقطني ﵀ في "سننه" (٣)، وضرب صفحًا عن الرِّوايات التي في "الصحيحين"، ومنها: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ" (٤)، مع أنَّه ذكر في أوَّل الكتاب أنّه إذا أطلق مصطلح "المشهور" فيعني به: "المتفق عليه"، وقال: "وَمَتَى قُلْتُ: ثَابِتٌ، فَإِنَّمَا
стр. 7454
أَعْنِي بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَوْ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ" (١).
ومِنْ هذا الحديث الجليل القدر الذي خرج من مشكاة النبوة استنبطَ الفقهاءُ منه شروطًا ستَّة لا يصحُّ السَّلم إلَّا بها: ١ - أن يكون المُسلَم فيه موصوفًا، ٢ - وأن يكون منضبطًا، ٣ - وأن يكون مُؤجَّلًا، ٤ - وأن يكون مُقدَّرًا بكيلٍ أو وزنٍ، ٥ - وأن يكون الثمن مدفوعًا عند العقد، ٦ - وأن يكون موجودًا إذا حَلَّ الأجل (٢).
وهذه الشروطُ سيتكلَّم عنها المؤلف ﵀ بشيءٍ من التفصيل.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِهِ فِيمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَهِيَ الدُّورُ وَالْعَقَارُ).
لأنَّ هذه لا يَنطَبِقُ عليها تعريف السَّلم (٣).
стр. 7455
قوله: (وَأَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَان فَاخْتَلَفُوا فِيهَا).
المراد بالعُروض؛ عُروض التجارة.
قوله: (فَمَنَعَ ذَلِكَ دَاوُدُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مُصَيَّرًا إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ).
أهلُ الظاهر وقفوا عند ظاهر النصِّ: "فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، ووجه استدلالهم: أنَّ الحديثَ لم يذكر العُروض، فلا تدخل في ذلك (١).
ولمَّا كان أهل الظاهر لا يعملون بالقياس ضاق باعُهم فلم يصلوا إلى ما وصل إليه بقية الفقهاء ﵏؛ لذلك قال المؤلف:
(وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّه جَائزٌ فِي الْعُروضِ الَّتِي تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، وَالْعَدَدِ).
أمَّا عن الضبط بالصفة: فلا بُدَّ؛ ولذلك ذكرنا في التعريف: "بيعُ شيءٍ موصوفٍ في الذِّمَّة"، فإن كان المُسلَم فيه حيوانًا - مثلًا - تَصِفُه؛ بنوعه، وسِنِّه، ولونه، وإن كان سيارةً فتقول: "هي من صُنع اليابان"، وقد يقول قائل: لماذا اشترط الفقهاء أن يكون وصفًا مضبوطًا؟ وَالجواب: لأنَّ هذا ممَّا يختلف فيه السَّلم عن البيع، فأنت عندما تشتري سلعة تراها أمامك، لكنَّ السَّلم يُوصف في الذِّمة، فلا بد من أوصاف دقيقة حتى يتطابق المسلَم فيه مع الثمن.
стр. 7456
وأمَّا عن الضبط بالعدد: فلا بُدَّ كذلك، كالأقمشة، تقول: "تبلغُ مترًا أو مترين"، وهكذا (١).
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَنْضَبِطُ مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَالرَّقِيقُ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢)،
стр. 7457
وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَالْأَوْزَاعِيُّ (٢)، وَاللَّيثُ إِلَى أَنَّ السَّلَمَ فِيهِمَا جَائِزٌ (٣)).
وهذا هو المشهور عن أحمد، وعنه رواية أخرى غير مشهورة (٤).
قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ).
وهو قول ابن عباس كذلك، وابن مسعود في أَحد قَولَيْه، وقال به جَمعٌ كثيرٌ من التابعين؛ فأكثر العلماء أجازوا السَّلم في الحيوان (٥).
стр. 7458
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ (٣)).
وهي الرواية غير المشهورة عن الإمام أحمد ﵀ (٤).
قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ) (٥).
الذي أعلمُه أنَّ ابن مسعودٍ ﵁ هو الذي له في المسألة قولان (٦)، أمَّا عُمر ﵁ فلا أعلم إلَّا القول الموافق لأبي حنيفة، والثوريِّ، والله أعلم.
стр. 7459
قوله: (وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ السَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ"، وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ).
لأنَّ في سَندِه من هو مُختَلفٌ فيه (١).
ومن الأدلة التي يستدل بها الحنفية أيضًا: أثرُ عمر ﵁ في تحديد أبواب الربَا، قال: "إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَبْوَابَ الرِّبَا … ، ثم قال: "أَنْ يَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ نَسِيئًا، وَأَنْ يَبْتَاعَ الثَّمَرَةَ وَهِيَ مُعَصْفَرَةٌ لَمْ تَطِبْ، وَأَنْ يُسْلِمَ فِي سِنٍّ" (٢). فذكر منها السَّلم في السِّن، أي: في الحيوان، وهذا يُرجِّحُ ما ذكرتُه أنَّ لعُمَرَ قولًا واحدًا فقط.
قال: (وَرُبَّمَا احْتَجُّوا أَيْضًا بِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً) (٣).
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفَدَتِ الْإِبِل، فَأَمَرَهُ
стр. 7460
أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قِلَاصِ الصَّدَقَةِ، فَأَخَذَ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَدَقَةِ" (١)).
ليس هذا ابن عمر ﵄ كما ذكر المؤلف ﵀، بل هو عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وربما لم يكن الخطأ من المؤلف؛ فقد يكون خطأً مطبعيًّا.
والقِلاصُ: "هي البكر من الإبل" (٢).
وهذا دليلٌ صحيحٌ صريحٌ يدلٌّ على جواز السَّلم في الحيوان.
قوله: (وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا").
وهذا أيضًا حديثٌ صحيحٌ (٣).
قوله: (قَالُوا: وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ).
هذه الأحاديث صحيحةٌ صريحةٌ في جواز السَّلم في الحيوان، فقد فعل ذلك رسول الله ﷺ حينما استسلف بَكْرًا، وكذلك أمر عبد الله بن عمروٍ أن يفعله (٤).