← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ مَعَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي وُجُوبِ تَوْصِيلِ التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاجِبًا وَلَا مَالِكٌ، وَرَأَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَاجِبًا، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي حَرْفِ "مِنْ" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وَذَلِكَ أَنَّ "مِنْ" تَرِدُ لِلتَّبْعِيضِ، وَقَدْ تَرِدُ لِتَمْيِيزِ الجِنْسِ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ، أَوْجَبَ نَقْلَ التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا لِتَمْيِيزِ الجِنْسِ قَالَ: لَيْسَ النَّقْلُ وَاجِبًا. وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا رَجَّحَ حَمْلَهَا عَلَى التَّبْعِيضِ مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ التَّيَمُّمِ عَلَى الوُضُوءِ، وَلَكِنْ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ (١) المُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّ فِيهِ: "ثُمَّ تَنْفُخُ فِيهَا"، وَتيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى الحَائطِ" (٢). اعلم أنَّ الخلاف في هذه المسألة ناشئ عن اختلإف العلماء في تفسير قول الله تعإلى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وأن "من" في ﴿مِنْهُ﴾، هل هي للتبعيض (أي: بشيءٍ من هذا التراب)، أو لبيان الجنس (أيْ: جنس ما يمسح منه وهو الأرض)؟

стр. 772

فَذَهب الشافعيَّة (١)، والحنابلة (٢) إلى أنها للتبعيض، فَيَجب تَوْصيل التراب إلى عضوي التيمم، قياسًا للتيمم على الوضوء، ووجه ذلك: أنَّ في الوضوء غسلًا ومسحًا، ففي المغسولات لا بد من غرف الماء كَمَا في غسل الوجه والمضمضة والاستنشاق وغسل اليدين إلى المرفقين والرِّجلين إلى الكعبين. وَأمَّا الممسوح وهو الرأس، فهو شبيهٌ بالتيمُّم، فيَبل يده بالماء ويمسح رأسه، فلو مسح بدون بللٍ، لا يعتبر ماسحًا، فهذا أصل، والتيمم بدل عنه، فينبغي أن يأخذ حكمه، ولذلك فلَوْ ضَرَب بيَديه الأرض، ثم نفخ فِيهِمَا، فَزَال الترابُ كاملًا، كان لا بد من ضَرْبةٍ أُخرى يعلق فيها ترابٌ بيده؛ لقَوْل النَّبيِّ ﷺ : "فتمسح بهما" (٣)، والمُرَاد إيصال شيءٍ من الأرض، ولا يتحقَّق ذلت إلا بجُزْءٍ من التُّراب، وأمَّا قوله: "ثُمَّ تَنْفخُ فِيهَا" (٤)، فَهو تَخْفيفٌ له. وَذَهب أبو حنيفة (٥)، وَمَالك (٦) إلى أنَّها للجنس، فلا يَجب تَوْصيل التراب إلى عضوي التيمم، وعَضَّدوا مَذْهبَهم بما يلي:

стр. 773

أوَّلًا: بفعل. النَّبيِّ ﷺ ، حيث تَيمَّم على الجدار، وَجَاء هذا من حديث ابن عمر (١)، وأبي الجهيم ﵄ (٢). وَالظَّاهر أن المرادَ بالجدار: ما كان به ترابٌ؛ لأنَّ بُيُوتهم وجدرانهم كانت من الطين، وعادةًا لجدار إنما يعلق به شيءٌ من التراب. ثانيًا: بمفهوم قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وهو ما صَعد على الأرض. ثَالثًا: بما جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ، قَالَ ﷺ : "ثمَّ تنفخ فيهما" (٣)، والنفخ إزالة للغبار. * قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الاخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ وَوُجُوبِ الفَوْرِ فِيهِ هُوَ بِعَيْنِهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ، وَأَسْبَابُ الخِلَافِ هُنَاكَ هِيَ أَسْبَابُهُ هُنَا، فَلَا مَعْنَى لإِعَادَتِهِ). مر بنا في مسائل الوضوء مسألتا الترتيب والفور (أي: المُوَالَاة)، وأنَّ الحنابلة (٤)، والمالكية في المشهور عنهم أوجبوا الموالاة (٥)، خلافًا للحنفية (٦)، والشافعية (٧).

стр. 774

وَأمَّا التَّرتيبُ، فإنه وَاجبٌ عند الشافعيَّة (١)، والحنابلة في المشهور عنهم (٢)، وأنَّ اختلَافهم هذا هو بعينه هنا في التيمم، فأَوْجَب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) الترتيب بين عضوي التيمم، بَلْ هو آكد عندهم، فيبدأ بالوجه ثمَّ اليدين، سواءً كان تيممه عن حَدَثٍ أصغر، أَوْ عن حَدَثٍ أكبَر، وهناك خلافٌ تفصيليٌّ في المذاهب. قَوْله: (وَأَسْبَابُ الخِلَافِ هُنَالِكَ هِيَ أَسْبَابُهُ هُنَا، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ): وَمِنْهَا أنَّ الصَّحابَةَ الَّذين نقلوا لنا وضُوءَ رَسُول الله ﷺ ما نَقَلوه إلَّا مُرتَّبًا (٥)، وكذلك الأمر بالنسبة للتيمم، كلُّ الأحاديث التي وردت إنما فيها أنه مَسَح وجهه ويديه، أؤ قال: "إنما يكفيك أن تمسحَ بِهِما وجهك وكَفَّيك" (٦)، وفي بعضها: "تضرب بيَدَيك على الأرض، ثمَّ تنفخ فيهما، فتَمْسح بِهِما وَجْهك وكفَّيك" (٧). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 775

(الباب الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة وَفيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا بِتُرَابِ الحَرْثِ الطَّيِّب، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ فِعْلِهَا بِمَا عَدَا التُّرَابَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ المُتَوَلًّدَةِ عَنْهَا كَالحِجَارَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِالتُّرَابِ الخَالِصِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُلِّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا فِي المَشْهُورِ عَنْهُ: الحَصَى وَالرَّمْلِ وَالتُّرَابِ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ: وَبِكُلِّ مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الأَرْضِ مِنِ الحِجَارَةِ مِثْلَ النَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ وَالجَصِّ، وَالطِّينِ، وَالرُّخَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَهُمُ الجُمْهُورُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَتَيَمَّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللُّبَدِ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَان، أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاكُ اسْمِ الصَّعِيدِ فِي لِسَانٍ العَرَبِ، فَإِنَّهُ مَرَّةً يُطْلَقُ عَلَى التُّرَابِ الخَالِصِ، وَمَرَّةً يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الأَرْضِ الظَّاهِرَةِ، حَتَّى إِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ حَمَلَهُمْ دَلَالَةُ اشْتِقَاقِ هَذَا الاسْمِ (أَعْنِي: الصَّعِيدَ) أَنْ يجِيزُوا فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُمُ التَّيَمُّمَ عَلَى الحَشِيشِ، وَعَلَى الثَّلْجِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَعِيدًا فِي أَصْلِ التَّسْمِيَةِ (أَعْنِي: مِنْ جِهَةِ صُعُودِهِ عَلَى الأَرْضِ)، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: إِطْلَاقُ اسْمِ الأَرْضِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وَتَقْيِيدُهَا بِالتُّرَابِ فِي بَعْضِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (١)، فَإِنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "جُعِلَتْ

стр. 776

لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"، وَفي بَعْضِهَا: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ لِي تُرْبَتُهَا طَهُورًا" (١). عقد المؤلف هذا الباب لبيان المراد بالصعيد الذي يجوز التيمم به، فهُنَاك الأرض الحرث التي تصلح للزراعة، وهناك الأرض السبخة (٢)، وهناك الرمل، وهناك الطين، وتراب الطوب، وهناك الحجارة والرخام، والنورة (نوعٌ من الطِّلاء)، والجص، والزرنيخ. فَاتَّفق أهل العلم على جواز التيمُّم بتُرَاب الحرث الطيب (٣)؛ لقول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وفسر ابن عباس ﵁ الصعيد بتُرَاب الحرث (٤)، والمراد بقوله: ﴿طَيِّبًا﴾، أي: طاهرًا (٥)، ومنهم مَنْ قال: ﴿طَيِّبًا﴾، أَيْ: حلالًا (٦)، والأولُ أقربُ.

стр. 777

وَاخْتَلفوا فيما عدَا ذلك، فَذَهب الشافعيَّة والحنَابلة في المشهور عَنْهم إلى أنه يُشْترط في الصعيد المتيمم به شروط: الأوَّل: أَنْ يكون ترابًا خالصًا (١). الثَّانِي: أنْ يكونَ ذا غبارٍ (٢). الثَّالث: أن يكون طاهرًا (٣). الرَّابع: أن يعلق باليد ليخرج ما لا يعلق باليد كتُرَاب الرمل، وما كانت به رطوبةٌ تَحُول دون الْتصاقِهِ باليد (٤). وَاستدلَّ أصْحَابُ هذا القَوْل بما يلي: أَوَّلًا: تَفْسير ابن عبَّاس ﵄؛ لقَوْل الله تَعالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وأن المرادَ بالصعيد هنا تراب الحرث (٥)، (أَيْ: التُّراب الذي

стр. 778

يُحْرث ويصلح للزراعة)؛ لأنه التُّراب الذي يخرج منه الغبار بخلَاف الأرض السبخة والرمل والحجارة والنورة وغيرها. ثانيًا: قول النَّبيِّ ﷺ : "وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لنَا طَهُورًا" (١)، فقيَّد الأرض بقوله: "تربتها". وَتوسَّع الحنفية (٢)، والمالكية (٣) في ذلك، فقالوا: يجوز التيمُّم بكلِّ ما يعرف بأنه جزءٌ من أجزاء الأرض، كالنورة والزرنيخ والجصِّ. وأجاز حماد بن أبي سليمان (٤) شيخ أبي حنيفة التيممَ على الرخام. وأَجَاز بعض المالكية (٥) التيممَ على الثلج؛ لأنه جزءٌ من أجزاء الأرض، ونقل عن عمر ﵁ المنع منه (٦)، غير أنه أجاز التيمم على بعض أجزاء الحيوان (٧). وأجاز بعض المالكية (٨) التيممَ على الرمل والحشيش والخشب.

стр. 779

وأجَاز بعض الحنفيَّة (١)، والمالكيَّة (٢) التيمم على الصخرة الملساء المغسولة، فكأن المقصود عندهم الأرض لا التراب. ونقل عن أحمد (٣) ﵀ جواز التيمم على أي شيءٍ فيه تراب من لبد أو صوف أو قطن أو قماش أو غير ذلك من الأشياء، واستدل هؤلاء بما يلي: أولًا: قوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، قالوا: والمُرَاد بالصَّعيد ما صعد على الأرض. ثانيًا: قَوْل النَّبيِّ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قبْلِي" (٤)، وَفِيهِ: "وَجُعِلَتْ لَنَا" (٥)، أَوْ: "وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا" (٦)، أَيْ: بأَيِّ جُزْءٍ من أجزَائها يتيمَّم به المُصلِّي إذا عدم الماء، أَوْ عجزَ عن استعمالِهِ. ثَالثًا: حديث أبي الجهيم (٧)، وقَدْ تَقدَّم، وفيه أن النَّبيَّ ﷺ تيمَّم على جدارٍ، والجدار ليس ترابًا. رابعًا: حديث عمارٍ، وفيه: "إِنَّمَا كانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ

стр. 780

الأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ"، كَمَا فِي رواية مسلمٍ (١). وَأَجَابَ أَصْحَابُ القَوْل الأوَّل عن هَذِهِ الأدلَّة بما يلي: أَوَّلًا: أَنَّ تفسيرَ الصَّعيد في قَوْل الله تَعالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ بما صَعد على ظهر الأرض -صحيحٌ، لكن ورد تفسيره بأنه التراب (أي: تراب الحرث) (٢)، وهذا يرجح التقييد لا الإطلاق. ثانيًا: أما قول النبي ﷺ : "جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٣)، فَهَذا مطلقٌ، وقد قيَّدته الرواية الأُخرى: " … تُرْبَتُهَا لنَا طَهُورًا" (٤). وفي رِوَايةٍ: "جُعِلَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا مَسْجِدًا، وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا إِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ" (٥). ثَالثًا: وأما حديث أبي الجهيم (٦)، فالظاهر أن المراد بذلك جدارٌ عليه تراب؛ لأنَّ جدرانَهم كانت من الطين، والطين إنَّما هو أصله من التراب، والجدار غالبًا ما يعلق عليه التراب، فالرياح تسف ذلك التراب وتجمعه عليه، قالوا: ونحن نجيز أن يتيمَّم على الجدار الذي عليه الغبار، ولا سيما الحنابلة في مذهبهم (٧). رَابعًا: وأمَّا قَوْل النَّبيِّ ﷺ : "ثمَّ تنفخ فيهما"، كَمَا في حديث عمارٍ (٨)، فالمُرَاد به تخفيف التراب لا إزالته؛ لأن التراب مقصود في

стр. 781

التيمم، وهو بدل الوضوء، فيَنْبغي أن يُنَزَّل البدل مَنْزِلَةَ المبدل منه، ويأخذ حكمه، ولا شكَّ أنَّ الأحوط في هذه المسألة التيمُّم بالتراب. وَاختلَف العلمَاء فيمَنْ لا يجد الماء ولا التراب، وَهَذه مسألةٌ لم يعرض لها المؤلف، فقال بعضهم (١): يصلي على حاله، ولا إعادة عليه؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وَقَالَ بَعْضهم (٢): لا يجوز له أن يُصلِّي، بل ينتظر إلى أن يجدَ الماء أو التراب، ثمَّ يقضي بعد ذلك. وقال بعضهم (٣): يصلي في الوقت، ولكنه يقضي بعد ذلك. * قوله: (وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، فَقَالَ: وَبِكُلِّ مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الأَرْضِ مِنَ الحِجَارَةِ … )، هَذَا قال به بعض المالكية (٥) أيضًا. و"النُّورَة": طلاء أبيض معروف يُشبه الجص، و"الجصُّ" معروف، وكان يستخدمها الناس قديمًا قبل تَطوُّر الدهانات، و"الزرنيخ" حجارة

стр. 782

متنوعة. وَقيلَ: يَسْتخدمها الصَّيَّادون، وكذلك مَنْ يشتغل في النقاشة والدهانات؛ لأنها متلونة. * قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (١): يَتَيَمَّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللُّبَدِ): هَذِهِ من المَسَائل الفرعية التي بحثها المؤلف، فلو أنَّ أنسانًا كان يركب دابةً كالحِمَارِ، وَعَليه البردعة المعروفة، وعليها ترابٌ، فهل له أن يتيمَّم عليها أو لا؟ ومثله: لو أنَّ إنسانًا عنده أكياس من القمح أو الشعير أو غيرها، وبقيت فترة، فتجمع عليها الغبار، أو هي نفسها فيها غبارٌ من الأرض التي جمع منها، وكذلك على اللبد من الصوف الذي أشار إليه المؤلف، وكذلك القطن ونحوه، فأَجَاز أحمد ﵀ التيمم عليها؛ لأنَّ المقصودَ عنده أن يعلق بيد المتيمم تراب؛ سَوَاء كان من الأرض مباشرةً أو بواسطةٍ (٢). * قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ: هَلْ يُقْضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ أَوْ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ؟ وَالمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقْضى بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ أَنْ يُقْضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ المُطْلَقَ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، فَمَنْ كَانَ رَأْيُهُ القَضَاءَ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، وَحَمَلَ اسْمَ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ عَلَى التُّرَابِ، لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِالتُّرَابِ، وَمَنْ قَضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَحَمَلَ اسْمَ الصَّعِيدِ عَلَى

стр. 783

كُلِّ مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا، أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِالرَّمْلِ وَالحَصَى، وَأَمَّا إِجَازَةُ التَّيَمُّمِ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا، فَضَعِيفٌ، إِذْ كَانَ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الصَّعِيدِ، فَإِنَّ أَعَمَّ دَلَالَةِ اسْمِ الصَّعِيدِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الأَرْضُ، لَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الزَّرْبيخِ وَالنَّورَةِ، وَلَا عَلَى الثَّلْجِ، وَالحَشِيشِ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَالاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ الطَّيِّبِ أَيْضًا مِنْ أَحَدِ دَوَاعِي الْخِلَافِ. البَابُ السَّادِسُ فِي نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَأَمَّا نَوَاقِضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُهَا مَا يَنْقُضُ الأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ أَوِ الطُّهْرُ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: هَلْ يَنْقُضُهَا إِرَادَةُ صَلَاةٍ أُخْرَى مَفْرُوضَةٍ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ لَهَا؟ وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَنْقُضُهَا وُجُودُ المَاءِ أَمْ لَا؟). قوله: "أَهْلُ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ"؛ ليخرج أهل الكلام الذين كلامهم في العقائد. قوله: "هَلْ يُقْضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ أَوْ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ؟ "، أَيْ: هل يحمل المطلق على المقيد فيقيده، أو يحمل المقيد على المطلق فيبقى على عمومه (١).

стр. 784

فالجمهور (١) على حَمْل المطلق على المقيد، فلا يفهم المطلق على إطلاقه لوجود المقيد. وَذَهَب ابن حزم (٢) -وقَدْ تأثَّر به المؤلف- إلى الأخذ بالمطلق؛ لأنَّ به زيادة معنًى، فيعمل به. قوله: "فَمَنْ كَانَ رَأْيُهُ القَضَاءَ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، وَحَمَلَ اسْمَ الصَّعِيدِ الطَّيِّب عَلَى التُّرَاب، لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِالتُّرَاب، وَمَنْ قَضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ، وَحَمَلً اسْمَ الصَّعِيدِ عَلَى كُلِّ مَا عَلَىَ وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا، أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِالرَّمْلِ وَالحَصَى"، اعتبر المؤلف ﵀ أن هَذَا هو سبب الخلاف، والحقُّ أن هذا ليس هو سبب الخلاف، وقد تقدم قريبًا ذكر سبب الخلاف، وأنه يدور حول فَهْم قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وقول النبي ﷺ : "جُعِلَتْ لَنَا الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٣)، وقوله لعمارٍ: "ثم تنفخ فيهما" (٤)، وكونه ﷺ تيمم على جدارٍ (٥).

стр. 785

قوله: "وَأَمَّا إِجَازَةُ التَّيَمُّمِ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا، فَضَعِيفٌ، إِذْ كَانَ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الصَّعِيدِ، فَإِنَّ أَعَمَّ دَلَالَةِ اسْمِ الصَّعِيدِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الأَرْضُ، لَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الزَّرْنِيخِ وَالنَّورَةِ، وَلَا عَلَى الثَّلْجِ وَالحَشِيشِ": هذا اقترابٌ من المؤلف ﵀ من مذهب الشافعية والحنابلة، فقد علمت أن رأي المالكية على خلاف ذلك. * قوله: (أَمَّا المَسْأَلَةُ الأولَى، فَذَهَبَ مَالِكٌ فِيهَا إِلَى أَنَّ إِرَادَةَ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ تَنْقُضُ طَهَارَةَ الأُولَى، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ خِلافُ ذَلِكَ). أَشَار المؤلف هنا إلى مسألةٍ مهمةٍ، وهي: هل يلزم التيمم لكل صلاة؟ ذهب الشافعية (١)، والمالكية (٢) في المشهور عنهم، والحنابلة (٣) في روايةٍ أنه يلزمه التيمم لكل صلاة، فلا يجوز أن يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضةٍ. أما قول المؤلف: "فَذَهب مالكٌ … "، فيُشْعر بأن هذا قول المالكية وَحْدهم، والصَّواب أنه قول المالكية في المَشْهور عنهم، إِذْ قد خالف

стр. 786

بعض المالكية هذا القول (١)، وهو مذهب الشافعية، ورواية غير مشتهرة عند الحنابلة (٢). * قوله: (وَأَصْلُ هَذَا الخِلَافِ يَدُورُ عَلَى شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، أَعْنِي: إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ، أَوْ قُمْتُمْ مُحْدِثِينَ، أَمْ لَيْسَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ أَصْلًا؟ فَمَنْ رَأَى أَنْ لَا مَحْذُوفَ هُنَالِكَ قَالَ: ظَاهِرُ الآيَةِ وُجُوبُ الوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ القِيَامِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنْ خَصصَتِ السُّنَّةُ مِنْ ذَلِكَ الوُضُوءَ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى أَصْلِهِ، لَكِنْ لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَجَّ بِهَذَا لِمَالِكٍ، فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي "مُوَطَّئِهِ"، وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي: فَهُوَ تَكْرَارُ الطَّلَبِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ كلِّ صَلَاةٍ، وَهَذَا هُوَ أَلْزَمُ لأُصُولِ مَالِكٍ، أَعْنِي: أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِهَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ عِنْدَهُ الطَّلَبُ، وَقَدَّرَ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا، لَمْ يَرَ إِرَادَةَ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ مِمَّا يَنْقُضُ التَيّمُّمَ). يظهر من استدلال المُؤلِّف بهذه الآية أنه يربط التطهُّر بالوقت، أمَّا الوضوء فقد دلَّت الأدلة على جواز إيقاعه قبل الوقت، وَفِي أثناء الوقت،

стр. 787

فيبقى التيمم على أصله، فيتيمم إذا دخل وَقْتُ الصلاة، ولا يجوز له أن يتيمَّم قبلها؟ قوله: "لَكِنْ لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَجَّ بهَذَا لِمَالِكٍ، فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي "مُوَطَّئِهِ"، أي: أنه لا ينبغي أن يستدل بهذا لمالك ﵀؛ لأنه لا يرى أن في الآية تقديرًا (أي: لمحذوف)، وإنَّما يستدل بالفورية، وأن الانشغال بالطلب يؤثر على ذلك كما تقدم. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ الجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ وُجُودَ المَاءِ يَنْقُضُهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ النَّاقِضَ لَهَا هُوَ الحَدَثُ). هَذِهِ المَسْألَةُ تحتها مَسَائلُ، وقَدْ ذَكرها المؤلف بنَوْعٍ من الإجمال: المَسْألة الأولى: إذا ورد الماء على الإنسان أثناء تيممه أو بعد الفراغ منه. وقَدْ نقلَ بعض العلماء (١) الإجماع على أنَّ وُرُودَ الماء ينقض التيمُّم في هذه الحالة، لكن نُقِلَ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٢)، والشعبي (٣) أنه إذا تيمم، وفرغ من تيممه، ثمَّ طرأ الماء عليه أو وَجَده، فإن تيمُّمه صحيحٌ ولا ينتقض، لأن التيممَ بدلٌ من الوضوء، فلَا ينقضه بعد الفراغ منه، وهذا قولٌ ضعيفٌ.

стр. 788

المسألة الثانية: إذا وَرَد عليه الماء، وَهُوَ في الصلاة، وهذه محل نَظَرٍ وبَحْثٍ بين الفقهاء. فَذَهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢) إلى القول ببطلان الصلاة فيلزمه قطعها؛ لأنَّ التيمم بدل عن الوضوء عند انعدام الماء، وقد وجد الماء. وَذَهَب المالكية (٣) والشافعية (٤) إلى القول بصحَّة الصلاة، وأنه لا يلزمه قطعها؛ لأنه قد شرع في مقصود، فتيمم وفى خل في الصلاة، وذلك كمَنْ وَجبَتْ عليه كفارة ظهار، وليس عنده رقبة، فانتقل إلى الصيام، فلما شرع فيه وجد الرقبة، فإنه لا يلزمه قطع الصيام، وهذا على مذهب الحنابلة (٥). أمَّا عند الشَّافعيَّة -فيما أَظنُّ (٦) - فإنه لو أتمَّ صيامه، فليس له أن

стр. 789

يرجع إلى الرقبة؛ لأنها بدلٌ انتقل إليه عند تعذُّر الأول ولم يجده إلا بعد أن أدَّى ما عليهء .. هَذَا هو الدَّليل الأوَّل، وهو دليل القياس. وَالثَّانِي: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وأَجَابَ أصحابُ القول الأوَّل عن هذا الدليل بأنه ما قطع صلاته ليبطلها، وإنما قطعها ليتمَّها على وجهها، وقَدْ حضر الماء. وَالثَّالثُ: قَوْل النَّبيِّ ﷺ : "الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم وإنْ لم يجد الماء عشر سنين" (١)، وهذا قد وجد الماء، فانتقضت طهارته، فأصبح بغير طهارةٍ، فتَرتب على ذلك بطلان الصلاة، فيلزمه حِينَئذٍ أن يتطهَّر. * قوله: (وَأَصْلُ هَذَا الخِلَافِ هَلْ وُجُودُ المَاءِ يَرْفَعُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالتُّرَابِ، أَوْ يَرْفَعُ ابْتِدَاءَ الطَّهَارَةِ بِهِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَرْفَعُ ابْتِدَاءَ الطَّهَارَةِ بِهِ قَالَ: لَا يَنْقُضُهَا إِلَّا الحَدَثُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَرْفَعُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ قَالَ: إِنَّهُ يَنْقُضُهَا، فَإِنَّ حَدَّ النَّاقِضِ هُوَ الرَّافِعُ لِلاسْتِصْحَابِ). قوله: "يَرْفَعُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ"، أَيْ: استمرارها، والمعنى: هَل وجود الماء يرفع ابتداء الطهارة، أي: إذا وجدَ ماءً لا يتيمم مرة أُخرى، أو أنَّه يمنع استمرار الطهارة، فبمُجرَّد حضور الماء يقطع الطهارة بالتيمُّم؟ فعَلَى الأوَّل وهو أن الماء يرفع ابتداء الطهارة، فإنَّه لا ينقضها إلا الحَدث، وَعَلَى الثَّانِي وهو أنه يرفع استصحاب الطَّهارة، فإنَّه يَنْقضها. * قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ الجُمْهُورُ لِمَذْهَبِهِمْ بِالحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا مَا لَمْ يَجِدِ

стр. 790

المَاءَ". وَالحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ ﵊: "مَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ"، يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ: فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ، انْقَطَعَتْ هَذِهِ الطَّهَارَةُ وَارْتَفَعَتْ، وَبُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ: فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ، لَمْ تَصِحَّ ابْتِدَاءً هَذِهِ الطَّهَارَةُ، وَالأَقْوَى فِي عَضُدِ الجُمْهُورِ هُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "فَإِذَا وَجَدْتَ المَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ"، فَإِنَّ الأَمْرَ مَحْمُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ عَلَى الفَوْرِ، وَإِنْ كَانَ أَيْضًا قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الاحْتِمَالُ المُتَقَدِّمُ، فَتَأَمَّلْ هَذَا). أَوْرَد المؤلف حجة الجمهور، وهو حديث جابر ﵁ (١)، ثم قال: "وَالحَديث مُحْتَملٌ … "، لكن جَاءَ فِي حديث أبي ذرٍّ ﵁: "فإذا وَجدت الماءَ، فأَمسَّه بَشْرتَك" (٢)، أو: "فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ"، وهذا يؤكد على أن الماء يُنْهي التيمُّم في هذه الحالة. وأما إسنَاد المُؤلِّف حديثَ النبي ﷺ : "فَإِذَا وَجَدْتَ المَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ" إلى أبي سعيدٍ، فليس بصحيح، والصحيحُ أنه من حديث أبي ذرٍّ ﵁، وفيه: "الصعيد الطيب وضوء المسلم" (٣).

стр. 791

وفي روايةٍ: " … طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" (١). وفي روايةٍ: "فإذا وجدت الماء، فأمسه بشرتك" (٢). * قوله: (وَقَدْ حَمَلَ الشَّافِعِيَّ تَسْلِيمُهُ أَنَّ وُجُودَ المَاءِ يَرْفَعُ هَذِهِ الطَّهَارَةَ أَنْ قَالَ: إِنَّ التَّيمُّمَ لَيْسَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ، أَيْ: لَيْسَ مُفِيدًا لِلْمُتَيَمِّمِ الطَّهَارَةُ الرَّافِعَةُ لِلْحَدَثِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ مَعَ بَقَاءِ الحَدَثِ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمَّاهُ طَهَارَةً، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ هَذَا المَذْهَبَ، فَقَالُوا: إِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَفَعَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ إِلَّا الحَدَثُ. وَالجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ وُجُودُ المَاءِ فِي حَقِّهَا هُوَ حَدَثٌ خَاصٌّ بِهَا عَلَى القَوْلِ بِأَنَّ المَاءَ يَنْقُضُهَا). هذه مسألة مختلفٌ فيها بين العلماء، هل التيمُّم مبيحٌ للصلاة أو لغيرها مما ينوب فيه التيمُّم عن الوضوء أو الغسل، أو أنه رافعٌ للحدث؟ فَبَعْضُ العلمَاء (٣) قَالَ: هو كالوُضُوء، لقَوْل النَّبيِّ ﷺ : "الصَّعيد الطيِّب وضوء المُسْلم" (٤). وَبَعْضهم (٥) ذَهَب إلى أنه ليس كالوُضُوء، درإنما هو مبيحٌ للصلاة؛

стр. 792

لأنها حالةٌ انتقلَ إلَيْها عند ضرورة، فلا تأخذ حكم الوضوء، وهذا ما ذهب إليه الشافعي (١)، وبعض أصحاب مالك (٢)، ومال المؤلف ﵀ إلى أنه يرفع الحدث؛ لأن الله سماه طهارةً. * قوله: (وَاتَّفَقَ القَائِلُونَ بِأَنَّ وُجُودَ المَاءِ يَنْقُضُهَا عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَعْدَ الصَّلاةِ، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَنْقُضُهَا طُرُوُّهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُ لا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُمْ أَحْفَظُ لِلأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلشَّرْعِ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَيَنْقُضُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ). سَبَقَ ذكر الخلَاف فِي مسألة وُرُود المَاء قبل الشُّرُوع في الصَّلاة، وَكَذَلك في أثناء الصَّلاة. وَأمَّا إذا وُجِدَ الماء بعد الفَرَاغ من الصَّلاة، فإن كان بعد خروج الوقت، فالصَّلاة صحيحةٌ بالإجماع (٣). وأما إن كان بعد الفراغ من الصلاة، ولم يخرج الوقت، ففيه خلاف

стр. 793

بين أهل العلم، فبعضهم (١) يرى الإعادة، وبعضهم (٢) قال: لا يعيد الصلاة. * قوله: (وَبِمِثْلِ هَذَا شَنَّعُوا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ أَنَّ الضَّحِكَ فِي الصَّلَاةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، مَعَ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ فِي ذَلِكَ إِلَى الأَثَرِ، فَتَأَمَّلْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهَا بَيِّنَةٌ). يشير المؤلف هنا إلى تشنيع الجمهور على أبي حنيفة (٣) عندما أخذَ بمُرْسل أبي العالية أن رجلًا أعمى دَخَل فَوَقع في بئرٍ - ولبَعْضهم: فِي حفرةٍ - فَضَحك بعض الَّذين يصلون، فأَمَرَهم النَّبيُّ ﷺ أن يُعِيدُوا الوضوءَ والصلاةَ … وهذا مرسلٌ ضعيفٌ (٤)، وأخذ به أبو حنيفة (٥)، وبعض أهل الكوفة (٦) فِي أنَّ القهقهةَ في الصَّلاة تنقض الوضوء! وَقَالوا: لماذا تنقضها في الصلاة، ولَا تنقضها في غير الصلاة.

стр. 794

وَقَد استحبَّ بَعْضُ أَهْل العِلْمِ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية (١) الأخذ بهذا الأثر، وأن المصلي إذا قهقه في الصلاة، يفعل ذلك احتياطًا. * قوله: (وَلا حُجَّةَ فِي الظَّوَاهِرِ الَّتِي يُرَامُ الاحْتِجَاجُ بِهَا لِهَذَا المَذْهَبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُبْطِلِ الصَّلَاةَ بِإِرَادَتِهِ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَهَا طُرُوُّ المَاءِ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ). أَوْرَدَ المؤلِّف هنا الآيةَ الَّتي يَسْتشهد بها العُلَماء في هَذَا الخلَاف، وَفِي غَيْره أيضًا، فَفي مَسْألة صلاة النافلة وقَدْ أقيمت الصلاة، فمنهم من ذهب إلى قطع الصلاة، لقول النبي ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" (٢)، وبعضهم قال بالإتمام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]. فأما حديث: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فهو نصٌّ في المسألة، وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ و عامٌّ، فاختلف أهل العلم: هل نأخذ بالخاص أو بالعام؟ وهناك مَنْ توسَّط، فقال: يخفف النَّافلة، وليلحق بالإمام. ومثل هذه الآية: الآيات التي جاءت في الحثِّ على المسارعة والمسابقة إلى الخيرات، فاختلف أهل العلم فيمَنْ سمع الإقامة أيهما الأفضل في حقه: أن يُسْرع إليها، أو أن يأتيها بسَكِينَةٍ، فمنهم (٣) مَنْ قال:

стр. 795

ينبغي أن يأتيها بسكينةٍ، لقول النبي ﷺ : "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا" (١)، ومنهم (٢) مَنْ قال: ينبغي أن يسرع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ السَّابعُ في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها، أو في استباحتها) وَاتَّفَقَ الجُمْهُورُ (٣) عَلَى أَنَّ الأَفْعَالَ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي

стр. 796

صِحَّتِهَا هِيَ الأَفْعَالُ الَّتِي الوُضُوءُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا مِنَ الصَّلاةِ، وَمَسِّ المُصْحَفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ). مراد المؤلف أنه يُسْتباح بالتيمُّم ما يُسْتباح بالوضوء. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُسْتَبَاحُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ صَلاةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ؟ فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لا يُسْتَبَاحُ بِهَا صَلاتَانِ مَفْرُوضَتَانِ أَبَدًا، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الصَّلاتَيْنِ المَقْضِيَّتَيْنِ، وَالمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الصَّلاتَيْنِ فَرْضًا، وَالأُخْرَى نَفْلًا، أَنَّهُ إِنْ قَدَّمَ الفَرْضَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَدَّمَ النَّفْلَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ صَلَوَاتٍ مَفْرُوضَةٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ). هَلْ يَجب على مَنْ عدم الماء أن يتيمَّم لكل صلاة؟ اتفق أهل العلم من حيث الجملة على أنه يصلي بالتيمم الصلاة المكتوبة، وما شَاءَ من السنن، ثم اختلفوا في الجمع بين صلاتين، أو بين صلاةٍ وطوافٍ، أو بين صلاةِ جنازةٍ وغيرها بتيمم واحدٍ، وكَذلك في الجمع بين الصلاة والطواف بتيمم واحدٍ، وكذلك في الجمع بين صلاة الجنازة وغيرها بتيممٍ واحدٍ على ثلاثةِ أقوالٍ: القَوْل الأوَّل: "أنه يُصلِّي بالتيمم الواحد ما شاء، ولا ينقض التيمُّم

стр. 797

إلا الحَدَث، وإليه ذَهَبَ الإمام أبو حنيفة (١)، والثوري (٢)، والأوزاعي (٣)، وداود (٤)، وأبو ثور (٥) من الشافعية، وهو رواية عند الحنابلة (٦). وَاستدلُّوا على ذلك بقَوْل النَّبيِّ ﷺ : "الصَّعيد الطيِّب وضوء المسلم وَإِنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسَّه بشرته" (٧). وأَجَاب المُخَالفون عن هذا الحديث بأنَّ معناه أن يتيمَّم لكل صَلَاةٍ في وَقْتها، وهذا تأويل ضعيف؛ لأنَّ الحديثَ مطلقٌ. القَوْل الثَّانِي (٨): أنه لا يُصلِّي بالتيمُّم الواحد إلا الفَريضة، فإن أرَاد

стр. 798

أن يُصلِّي فريضةً أُخرى، تَيمَّم، وإليه ذَهَب المالكيَّة (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) في رِوَايةٍ. واستدلوا بآثارٍ وَرَدتْ عن بعض الصحابة، منها: * ما روي عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "يتيمم لكل صلاة"، وهو ضعيف (٤). * وما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "من السُّنَّة ألَّا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة"، لكنه ضعيف (٥). * وما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "التيمُّم لكلِّ صلاة" (٦)، وهو صحيح، لكن هذا قولٌ له. القول الثالث: أنه يصلي بالتيمم الواحد المكتوبَةَ، ويجمع بين الصلوات، ويُصلِّي السننَ والنوافلَ ما دام في الوقت، فَإِنْ خَرَج الوقت انقطع تيممُهُ، وهو مشهور مذهب الحنابلة (٧).

стр. 799

ولَا شكَّ أن القولَ الأولَ أقرب، فليسَ هناك ما يدلُّ على خلاف ذلك من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ. * قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الصَّلاتَيْنِ المَقْضِيَّتيْنِ، وَالمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الصَّلاتَيْنِ فَرْضًا، وَالأُخْرَى نَفْلًا، أَنَّهُ إن قَدَّمَ الفَرْضَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَدَّمَ النَّفْلَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا). أي: قول مالك ﵀ (١). * قوله: (وَأَصْلُ هَذَا الخِلَافِ هُوَ: هَلِ التَّيَمُّمُ يَجِبُ لِكُلِّ صَلاةٍ أَمْ لَا؟ إِمَّا مِنْ قِبَلِ ظَاهِرِ الآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ وُجُوبِ تَكْرَارِ الطَّلَبِ، وَإِمَّا مِنْ كِلَيْهِمَا). يُشير المؤلف إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. فَهَل ظاهر الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، أي: عند إرادة الصلاة ينبغي التطهر، لكن استُثْنِيَ الوضوء بدلالة فعل النبي ﷺ (٢)، وبدلالة

стр. 800

الإجماع (١)، وبقي التيمم على حاله؟ أو يتكرر الطلب، بمعنى أنه كلما أراد أن يصلي، بحث عن الماء؟ قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 801

[كِتَابُ (الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ)] سمَّاه (كتاب الطهارة) أيْ أنَّ المراد: تَطهُّر الإنسان من النجاسة. و"النجاسة" (١): إنما هي القذارة كما ذكرنا، ويقال: شيء نجس، أي: قذر. فَالمُرَاد: هو أن يُنظَّف البدن من هذه النجاسة. وَتكون النَّجاسَة في البدن، وتكون من بولٍ أو من غائطٍ أو دمٍ، وَرَبما يكون قيحًا (٢) أو صديدًا (٣)، وكذلك المَنِي (٤) على رأي مَنْ يقول بنجاسته؛ لأن الأئمة الأربعة- كما سيأتي- منقسمون فيه إلى قسمين: الأول: الشافعي (٥)، والحنابلة (٦) يقولون بطهارته.

стр. 802

الثاني: الحنفية (١)، والمالكية (٢) يقولون بنجاسته. وَسَوف تمرُّ معنا أدلة كل فريق، مع ذِكْرِ الخلاف الدائر حول أحاديث عائشة الواردة في هذه المسألة من حيث كونها كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان رطبًا، وَتَفْركه إذا كان يابسًا (٣). كَمَا سيمرُّ معنا أن الحنفية (٤) قيدوا أنه إذا كان يابسًا، فإنه يُكتفَى بالفرك؛ ولذلك فإنَّ مَذْهبهم أقل خلافًا من مذهب المالكيَّة في هذه المسألة. كَذَلك تكون النجاسة من المَذْي، وهو -بلا شكٍّ- نجس، وسيأتي أيضًا الكلام عنه إن شاء الله.

стр. 803

* قوله: (وَالقَوْلُ المُحِيطُ بِأُصُولِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَقَوَاعِدِهَا يَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ، البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ). ومُرَاد المؤلف أنَّ ما في هذا الباب مِن مسائل هو محاظ فِي مسائل هي أُمَّهات، وليس مرادُهُ أنَّ كلَّ ما في الطهارة من النجَس قد أودعه كتابه، وأفرغه فيه، بَلْ هناك مسائل لم يعرض لها المؤلف، لكنه أخذ أُمَّهاتها وأصولها كما ذكرنا ذلك كثيرًا وفَصَّلناه. * قوله: (أَعْنِي فِي الوُجُوبِ أَوْ فِي النَّدْبِ). أَيْ: بيان حُكْمِ هذه الطهارة، ونحن عرفنا هناك أنَّ الطهارة من الحدَث شَرطٌ في صِحَّةِ الصلاة، ونأتي لهذه الطهارة من النجس، ما حكمها؟ المؤلف هنا يعطينا كلامًا مجملًا، لا مفصلًا، لأن أنواع النجاسات تختلف باختلافها، فليس بول الإنسان -على سبيل المثال- بمثابة بول الحيوان، وليس بول الحيوان مأكول اللحم بمثابة بول الحيوان غير المأكول، ولذلك وجدنا أن الرسول ﵊ أمر العُرَنيين الذين قدموا من عرين أو عقل أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها (١). إذًا، فالأمر مختلفٌ هنا" ولذلك سيأتي خلاف العلماء فيما يتعلق بأبوال وأرواث الحيوانات، فما يؤكل لحمه له حكمٌ، وما لا يؤكل لحمه له حكمٌ آخَر.

стр. 804

* قوله: (إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُشْتَرَطَة فِي الصَّلَاةِ). وَضَعَ المؤلف قيدًا حتى لا يؤخذ عليه مطلقًا، لأنه ليس معنى كلامي هنا لما يقول هل هي واجبة أو سنة، بمعنى أنه يوجد من العلماء مَنْ يقول مثلًا بأن النَّجاسةَ سُنَّة كما سيذكر عن المالكيَّة؛ لأنَّ المالكيَّة لا يُخَالفون في أنَّ البولَ نجسٌ، فهذا أمرٌ ورد النص والإجماع عليه (١)، ومثله الغَائط حيث ورَد الإجماع عليه (٢)، لكن هو يَتَحدَّث من حيث العموم مطلقًا، فقال: إنه لا يريد أن يخص مسألةً من مسائله بعينها. * قوله: (البَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ). النَّجاسات يأتي في مُقدِّمتها أولًا البول، والكثير يعلمون خطورة البول، وسيأتي فيه الحديث المتفق عليه أنَّ الرسول- ﵊ مرَّ بقبرين، وهما يُعذَّبان، فقال: "إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ" (٣). ليسَ الأمر أنهما لا يُعذَّبان في كبيرٍ بالنسبة لسهولة ما فَعلَاه (٤)؛

стр. 805

لأنَّ ما أقدم عليه أحدهما إنما هي النميمة، والنميمة -كما هو معلوم- من الكبائر، بَلْ هي من أخطر الأمور التي يقَع فيها المسلم، وَلَكن قد يتساهل الإنسان في البول لظنه أن الأمر سهلٌ، فيتساهل فيه، وربما أيضًا قد يَتسَاهل في نقل كلام لزيدٍ ثم يعود، وهو أيضًا ينقل للآخر؛ فهو بذلك قد يُوغِرُ الصدور، ولثيرًا لفتن، ويفرق الكلمة، فبدلًا مِن أن يجمع يفرق، وبدلًا أن يضم الصفوف بعضها إلى بعض، إنما هو بذلك يوزعها؛ فيُوجِد النزاع والاختلاف، وهذا أمر منبوذ حرَّمه الإسلام. ولذلك، وَرَد في الحديث الصحيح أنَّ الرسولَ ﵊ حذَّر من النميمة، وقَدْ يحسب الإنسان ذلك هينًا، وهو عند الله عظيم. لذلك، قد جاء في حديث آخر: "لا يَدْخل الجنَّة قتَّاتٌ" (١) يَعْني: نمام (٢). وفي هذا الحديث: "إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، أما أحدُهُما: فكان لا يَسْتنزه من البول". وفي بعض الرِّوايات: "لَا يَسْتَبرئ من البَول" (٣)، يعني: لا يحتاط في التوقِّي من البول (٤). "وأمَّا الآخَر، فكان يمشي بالنميمة"، وما أخطر النميمة! وكثيرًا ما يَقع فيها بعض المسلمين، وهي كما قال الله في قضية الإفك: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥].

стр. 806

إذًا، البَولُ يَأْتِي في مقدمة هذه الأمور، وقد وَرَدَ التَّنصيص على نَجَاستِهِ أيضًا في أدلةٍ كثيرةٍ، منها: قوله ﵊ في حديث صفوان وقد مرَّ بنا: "لكن من بولٍ أو غائطٍ" (١). وَأيضًا أجمعَ العُلَماء علَى تحريمِهِ (٢)، والأدلَّة على ذلك كثيرةٌ، سيورد المؤلف طرفًا منها. * قوله: (البَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ المَحَالِّ الَّتِي يَجِبُ إِزَالَتُهَا عَنْهَا). إذًا، الأوَّلُ هي أنواعُ النَّجاسات: بول، أو غائط، أو مذي، أو ودي، أو دم، أو صديد، أو قيح (٣)، وهَذِهِ كلُّها يتكلم عنها العلماء،

стр. 807

ويُدْخلونها في أنواع النجاسات، وهناك أمورٌ أُخرى قَدْ تخرج من أحد السَّبيلين على غير المعتاد، مثل: الدود أو الحصى، وقد عَرَفنا نجاستها عند الجمهور (١)، خلافًا للمالكية (٢) فيما مضَى، وقد مرَّ معنا رأي الشافعية فيما مضَى أنهم لا يرون أنَّ الدمَ الخارج من غير السَّبِيلَيْن ينقض الوضوء، لكنهم يرَوْنَ أيضًا نجاسة الدم في هذه المسائل (٣). الخلاصة: أن هناك بولًا وغائطًا ووَدْيًا ومذيًا، وهذه كلها مُجمَع على أنها نجسة، وهناك ما هو محل خلاف كالمنيِّ. أيضًا يُلحق بذلك رطوبة (٤) الفرج (٥)، وسيأتي أيضًا الكلام عنها، ولا

стр. 808

أظن أن المؤلف يعرض لها، أما من حيث رطوبتها فالعلماء مختلفون فيها، منهم مَن يرَى أنها نجسة (١)، ومنهم مَن يرى طهارتها (٢). * قوله: (البَابُ الرَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ تُزَالُ). أي: في معرفة الشيء الذي به تُزَال هذه النجاسة، ولكن كيف تُزَال؟ تُزَال بالماء، وقد تُزَال بالحجارة، كما هو الحال بالنسبة للاستجمار (٣)، ولكن الأصل أن تُزَال بالماء، وكذا سائر النجاسات، وهذا

стр. 809

أمرٌ مُجْمعٌ عليه (١)، لأنَّ الاستجمارَ لا يقطع عين النجاسة، بل قَدْ يَبْقَى لها أثرٌ، فَهَذا أحَد موَاضع نص العلماء على أنها ممَّا خففت فيه الشَّريعة الإسلامية. إذًا، الاستجمار من المسائل التي وردت في أبواب التخفيف. * قوله: (البَابُ الخَامِسُ: فِي صِفَةِ إِزَالَتِهَا فِي مَحَلٍّ مَحَلٍّ). ما هي الصِّفة التي تُزَال بها، هل تزال بالغَسْل، أم بالنَّضْح (٢)، فالصفاتُ متنوعة بتنوُّع درجة النجاسة خفةً أو ثقلًا. * قوله: (البَابُ السَّادِسُ: فِي آدَابِ الأَحْدَاثِ). فَالكَلَامُ هنا عن آدَاب الإحدَاث. * قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ، أَمَّا مِنَ الكِتَابِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]]. هذه الآية وَرَدتْ في سورة "المدثر"، والمُرَادُ بالثياب إذا أُطلقت في لغة العرب الثيابُ المعروفة التي نلبسها، لكنه أيضًا يُكنَّى عن القلب بأنه ثوبٌ، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء، هل هذه الآية فيها دلالةٌ نصِّيَّة على النجاسة، أو أن المراد بذلك طهَارة القلوب؛ فيكون المقصود من ذلك هي الطهارة المعنوية، وهي الطهارة من الشرك (٣).

стр. 810

* قوله: (وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ، فَآثَارٌ كَثِيرَةٌ ثَابِتَةٌ). يُقْصد بالآثار هنا: الأحاديث، وهي غالب الأحاديث التي سيوردها المؤلف في هذا الباب، وهي متفق عليها، وما لم يكن من المتفق عليه، فهو في أحد "الصحيحين". * قوله: (مِنْهَا قَوْلُهُ ﵊: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ" (١)، "وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ" (٢). جَاءَ ذِكْرُ الاستجمار في حديث: "مَن استجمَر فليوتر"، فهو دَليلٌ إذًا على إزالة النجاسة، وقد يَبْقى أثرها، وَلكنه أمرٌ قد خُفِّف في الشَّريعة الإسلَامِيَّةِ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. * قوله: (وَمِنْهَا: "أَمْرُهُ ﷺ بِغَسْلِ دَمِ الحَيْضِ مِنَ الثَّوْبِ"). يشير إلى حديث أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄ لمَّا سَألت رَسُولَ الله ﷺ : إحدَانا يصيب ثوبها دم الحيض، ما تصنع؟ فقال لها الرسول ﷺ : "تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرصُهُ بِالمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ" (٣)، هذه مراتب بيَّنها الرسول ﷺ . "تَحتُّه" إذا كان يابسًا، أما إذا كان رطبًا فإنها "تَقْرصه" (٤)، أي: تغسله، ثم تنضح عليه الماء بعد أن تفرقه، ثم بعد ذلك تصلي فيه؛ لأنه
следующие страницы →