← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

وأمَّا عن الضبط بالعدد: فلا بُدَّ كذلك، كالأقمشة، تقول: "تبلغُ مترًا أو مترين"، وهكذا (١). قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَنْضَبِطُ مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَالرَّقِيقُ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢)،

стр. 7457

وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَالْأَوْزَاعِيُّ (٢)، وَاللَّيثُ إِلَى أَنَّ السَّلَمَ فِيهِمَا جَائِزٌ (٣)). وهذا هو المشهور عن أحمد، وعنه رواية أخرى غير مشهورة (٤). قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ). وهو قول ابن عباس كذلك، وابن مسعود في أَحد قَولَيْه، وقال به جَمعٌ كثيرٌ من التابعين؛ فأكثر العلماء أجازوا السَّلم في الحيوان (٥).

стр. 7458

قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ (٣)). وهي الرواية غير المشهورة عن الإمام أحمد ﵀ (٤). قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ) (٥). الذي أعلمُه أنَّ ابن مسعودٍ ﵁ هو الذي له في المسألة قولان (٦)، أمَّا عُمر ﵁ فلا أعلم إلَّا القول الموافق لأبي حنيفة، والثوريِّ، والله أعلم.

стр. 7459

قوله: (وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ السَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ"، وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ). لأنَّ في سَندِه من هو مُختَلفٌ فيه (١). ومن الأدلة التي يستدل بها الحنفية أيضًا: أثرُ عمر ﵁ في تحديد أبواب الربَا، قال: "إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَبْوَابَ الرِّبَا … ، ثم قال: "أَنْ يَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ نَسِيئًا، وَأَنْ يَبْتَاعَ الثَّمَرَةَ وَهِيَ مُعَصْفَرَةٌ لَمْ تَطِبْ، وَأَنْ يُسْلِمَ فِي سِنٍّ" (٢). فذكر منها السَّلم في السِّن، أي: في الحيوان، وهذا يُرجِّحُ ما ذكرتُه أنَّ لعُمَرَ قولًا واحدًا فقط. قال: (وَرُبَّمَا احْتَجُّوا أَيْضًا بِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً) (٣). قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفَدَتِ الْإِبِل، فَأَمَرَهُ

стр. 7460

أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قِلَاصِ الصَّدَقَةِ، فَأَخَذَ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَدَقَةِ" (١)). ليس هذا ابن عمر ﵄ كما ذكر المؤلف ﵀، بل هو عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وربما لم يكن الخطأ من المؤلف؛ فقد يكون خطأً مطبعيًّا. والقِلاصُ: "هي البكر من الإبل" (٢). وهذا دليلٌ صحيحٌ صريحٌ يدلٌّ على جواز السَّلم في الحيوان. قوله: (وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا"). وهذا أيضًا حديثٌ صحيحٌ (٣). قوله: (قَالُوا: وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ). هذه الأحاديث صحيحةٌ صريحةٌ في جواز السَّلم في الحيوان، فقد فعل ذلك رسول الله ﷺ حينما استسلف بَكْرًا، وكذلك أمر عبد الله بن عمروٍ أن يفعله (٤).

стр. 7461

قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ؛ أَحَدُهُمَا: تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَالثَّانِي: تَرَدُّدُ الْحَيَوَانِ بَيْنَ أَنْ يُضْبَطَ بِالصِّفَةِ، أَوْ لَا يُضْبَطُ). لأنَّه قد يصعب عليك أن تضبط صفة حيوانٍ صفةً تامَّة، وإن حددت فصيلته، ونوعه، لكنَّه قد يختلف حجمًا وشكلًا؛ مثل كونه أكحل أو غير أكحل، وغير ذلك. قوله: (فَمَنْ نَظَرَ إِلَى تَبَايُنِ الْحَيَوَانِ فِي الْخَلْقِ، وَالصِّفَاتِ، وَبِخَاصَّةٍ صِفَاتُ النَّفْسِ قَالَ: لَا تَنْضَبِطُ. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى تَشَابُهِهَا قَالَ: تَنْضَبِطُ) (١). وهذا القول هو الذي يتفق مع روح الشريعة، وهو قول الجمهور (٢). فائدة: الحيواناتُ أصبحت في عصرنا معروفة، وأصبحت الآن توزن، فزال الإشكال الذي كان موجودًا. قوله: (وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْبَيْضِ وَالدَّرِّ).

стр. 7462

البَيْضُ: هو الذي يخرج من الدَّجاج (١). والدَّرُّ: هو اللبن الذي تَدرُّه البقرة، أو الشاة (٢). أمَّما البيضُ؛ فلأنَّه يَختَلِف في أحجامه، منه الكبير، ومنه الصغير، والذين أجازوا السَّلم فيه قالوا: وإن اختلف فهو متقارب، فلا يكون اختلافُ حجمه كبيرًا.

стр. 7463

وفي واقعنا يشتري الإنسانُ طبقَ البيض، وفيه بيضةٌ أكبر من أُخرى، فلا شك أنَّ القول بجوازه هو الصحيح؛ لأنَّ العدَّ بمنزلة الكيل والوزن. وأمَّا اللبنُ: فبعض العلماء أجاز السَّلم فيه، لعدم وجود التساوي والاتفاق، وبعضهم قال: لا، وهذا الخلاف الموجود يسير لا يؤثر. قوله: (وَغَيْرِ ذَلِكَ). كالقِثَّاء؛ وهو الخِيَار، والبرتقال، والمَوْز، والسَّفَرْجَل، والتفاح، والكُمَّثْرَى، فقد اختلفوا فيها كذلك (١).

стр. 7464

قوله: (فَلَمْ يُجِزْ أَبُو حَنِيفَةَ السَّلَمَ فِي الْبَيْضِ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ بِالْعَدَدِ (١)). وعَنْ مالكٍ رواية أخرى بعدم الجواز (٢)، وعن أحمدَ ﵀ روايتان كمالِكٍ (٣).

стр. 7465

وهذا الخلاف ليس في البيض وحده، كما أشرنا سابقًا، فالرُّمَّان والبِطِّيخ ويُسمَّى الخِرْبز يدخلان في هذا الخلاف (١). قوله: (وَكَذَلِكَ فِي اللَّحْمِ: أَجَازَهُ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)،

стр. 7466

وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (١)). وأجازه أحمدُ أيضًا (٢). قوله: (وَكَذَلِكَ السَّلَمُ فِي الرُّءُوسِ وَالأَكَارعِ: وأَجَازَهُ مَالِكٌ (٣)، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ) (٤). الأكَارعُ؛ بالنسبةِ للدَّابةِ قوائمُها (٥). وقد أجازه أحمد ﵀ في روايةٍ، وعنه رواية أخرى توافق مذهب

стр. 7467

أبي حنيفة ﵀ (١). قوله: (وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيِّ (٣)).

стр. 7468

اختلف قولهما كمالك (١) وأحمد؛ يعني: أنَّ لكُلِّ واحدٍ منهما قولين في المسألة. فائدة: لو قال المؤلف ﵀: "واختلف في ذلك قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة"؛ لكان أجود. قوله: (وَكَذَلِكَ السَّلَمُ فِي الدُّرِّ وَالْفُصُوصِ: أَجَازَهُ مَالِكٌ (٢)، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ (٣)).

стр. 7469

أمَّا الدُّرُّ؛ فجمع دُرَّة، وهي اللؤلؤة العظيمة الكبيرة (١). وأمَّا الفُصُوص؛ فجمع فَصٍّ، وهو ما يُركَّب في الخاتم من الأحجار الكريمة؛ كالياقوت أو اللؤلؤ، وغيرها (٢). تنبيه: هذه المذكورات كُلُّها أصبحت تُوزَن فزال الإشكال، وجاز فيها السَّلم؛ لأنَّها إذا وزنت انضبطت، كما قال الرسول ﷺ : "من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم" (٣)، فالوزن يرفع إشكال كِبَرِ الحجم أو صِغَره، فإذا كانت حبَّاتها صغيرة فسيكون عددها أكثر، وإذا كانت كبيرة فسيكون العدد أقل، والمتوسطة تكون بينهما، فارتفع الغررُ الذي كان موجودًا. ولذلك لمَّا سُئل الإمام أحمد ﵀ عن مسألةٍ تتعلق بمثل هذه

стр. 7470

الأمور، قال: "لا يجوز"، فقيل له: إنَّها توزن، فتوقَّف (١). قوله: (وَقَصْدُنَا مِنْ هَذه الْمَسَائِلِ إِنَّمَا هُوَ الْأُصُولُ الضَّابِطَةُ لِلشَّرِيعَةِ، لَا إِحْصَاءُ الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ). فالمؤلف ﵀ ما عرض لكُلِّ شيءٍ، فإنَّك لو أردت أن تستعرض جميع البضائع لتُطَبِّق عليها قواعدَ كتاب السَّلم لبلغت الآلاف، لكنَّ المؤلف ﵀ وضع أصولًا لمسائل السَّلم، لو فهمناها لاستطعنا أن نُلحق بها كلَّ شيء، فأنت إذا رأيت الخلاف بين الفقهاء في البَيْض - مثلًا - لألحقت به الرُّمَّانَ، والبِطِّيخَ، وهكذا. قوله: (وَأَمَّا شُرُوطُهُ: فَمِنْهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا مُخْتَنَفٌ فِيهَا). وهذا يدلُّ على حَصَافة (٢) الفقهاء؛ حيث استنبطوا هذه الشروط من حديث الرسول ﷺ الذي ذكره المؤلف آنفًا. قوله: (أَمَّا الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا: فَهِيَ سِتَّةٌّ:) (٣). الشرط الأول: (مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَن، وَالْمَثْمُونُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ النَّسَاءُ). الثَّمن: هو الذي يدفعه ربُّ السَّلَم (المشتري).

стр. 7471

والمثمون: هو الذي يدفعه المُسْلَم إليه (البائع)؛ ثمرة، أو غيرها. قوله: (وَامْتِنَاعُهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسَاء، وَذَلِكَ إِمَّا اتِّفَاقُ الْمَنَافِعِ عَلَى مَا يَرَاهُ مَالِكٌ ﵀، وَإِمَّا اتِّفَاقُ الْجِنْسِ عَلَى مَا يَرَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَإِمَّا اعْتِبَارُ الطُّعْمِ مَعَ الْجِنْسِ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي عِلَّةِ النَّسَاءِ). المؤلف ﵀ يُشير إلى ما سبق ذكره في الربويات من خلاف الفقهاء في علة الربا: فهناك من: خصَّه بالقوت، وما يصلحه، وهو قول مالك (١). وهناك من: حرَّمه في كُلِّ مكيلٍ أو موزون بجنسه، وهذا قول أبي حنيفة (٢)، وأحمد في ظاهر مذهبه (٣).

стр. 7472

وهناك من: خصَّه بالنقدين أو بالطعام، وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، وهو قول الشافعي (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢). والطعام عندهم: كُلُّ ما يُؤخذ اقتياتًا، أو تَفكُّهًا، أو تداويًا. الشرط الثاني: قوله: (وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا إِمَّا بِالْكَيْلِ، أَوْ بِالْوَزْنِ، أَوْ بِالْعَدَدِ، إِنْ كَانَ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَلْحَقَهُ التَّقْدِيرُ) (٣). الشرط الثالث: (أَوْ مُنْضَبِطًا بِالصِّفَةِ إِنْ كَانَ مِمَّا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الصِّفَةَ). أن يكون مُقدَّرًا؛ أي: أن يكون هناك قَدرٌ يَضبِطُه؛ (يُكال، يُوزَن، يُعَدُّ).

стр. 7473

كالحنطة تُكال، والأرز كذلك، والسُّكَّر يُوزن، والقهوة تُوزن، والشَّايُ كذلك، والبيض يُعَدُّ، وهكذا (١). ونضيف إلى ذلك المذروع؛ كالأقمشة، يقال: ذَرَعَ فلانٌ الثوب ذَرعًا: قاسه بالذراع، أو قياسه بالمتر (٢)، ولا شكَّ أنَّه مقياس دقيق (٣). الشَّرط الرابع: قوله: (وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ حُلُولِ الْأجَلِ) (٤). وحُلُول الْأجَل: يقال: "حلَّ الدَّينُ حلولًا؛ جاء وقت أدائه" (٥). الشرط الخامس: قوله: (وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ أَجَلًا بَعِيدًا؛ لِئَلَّا يَكُونَ مِنْ بَابِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ). أي: تعجيل رأس المال، وقبضه في مجلس العقد قبل افتراق العاقدين بنفسيهما؛ ليُخرج اختلاف مالك مع الأئمة الثلاثة في اشتراط هذا

стр. 7474

الشرط، فإنَّ مالكًا يرى أنَّه: يجوز تأخير قبض رأس المال إلى ثلاثة أيام فأقل، ولو بشرط في العقد، سواء أكان رأس المال عينًا أم دينًا؛ لأنَّ السلم معاوضة لا يخرج بتأخير قبض رأس المال عن أن يكون سلمًا، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس، وكل ما قارب الشيء يعطى حكمه، ولا يكون له بذلك حكم الكالئ. وبيع الكالئ بالكالئ: أي: بيع الدَّين بالدَّين (١). قوله: (هَذَا فِي الْجُمْلَةِ). أي: هذا إجمالٌ، وسيأتيك التفصيل. الشرط السادس: قوله: (وَاشترطوا فِي اشْتِرَاطِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي تَأْخِيرِ نَقْدِ الثَّمَنِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْمُدَّةِ الْكَثِيرَةِ، وَلَا مُطْلَقًا). يُشير المؤلف ﵀ إلى الخلاف الذي ذكرناه بين الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد)، وبين الإمام مالك في شرط: (تعجيل رأس المال، وقبضه في مجلس العقد قبل افتراق العاقدين بنفسيهما)، وأنَّ مالكًا يتسامح، ويقول: "يجوز تأخيره اليوم واليومين والثلاثة".

стр. 7475

قال: (فَأَجَازَ مَالِكٌ اشْتِرَاطَ تَأْخِيرِ الْيَوْمَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ، وَأَجَازَ تَأْخِير بِلَا شَرْطٍ) (١). قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٢). وكذلك الشافعيُّ (٣)، وأحمدُ (٤). قوله: (إِلَى أَنَّ منْ شَرْطِهُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ؛ كَالصَّرْفِ). لأنَّه إذا لم يحصل التقابض في المجلس فكأنه باع دينًا بدين. قال: (فَهَذِهِ سِتَّة مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعَةٍ؛ أَحَدهَا: الْأجَل، هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِيهِ أَمْ لَا؟). والخلاف في هذا الشرط يسيرٌ؛ لأنَّه منصوصٌ عليه في الحديث، فهو شَرْطٌ.

стр. 7476

قوله: (وَالثَّانِي: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْمُسَلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا فِي حَالِ عَقْدِ السَّلَمِ أَمْ لَا؟). المُسلَمُ فيهِ: هو المبيع، يعني أنَّه: عند عقد السَّلم في الحبوب - مثلًا -، هل يشترطُ أن يكون جنسه موجودًا؟ قال: (وَالثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ مَكَان دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُقَدَّرًا؛ إِمَّا مَكِيلًا، وَإِمَّا مَوْزُونًا، وَإِمَّا مَعْدُودًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ جُزَافًا). عاد المؤلِّف ﵀ يُفصِّل ما أجمله من الشروط المختلف فيها، فقال: (فَأَمَّا الْأَجَلُ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ هُوَ عِنْدَهُ شَرْطُ صِحَّةٍ بِلَا خِلَافٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ (١)، وَأَمَّا مَالِكٌ؛ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ السَّلَمِ (٢)). وعند أحمد كذلك (٣)؛ أي إنَّ: الأئمة الثلاثة (أبا حنيفة، ومالكًا،

стр. 7477

وأحمد) يشترطون لصحة السَّلم أن يكون مؤجلًا، ولا يصح السلم الحالِّ؛ لأنَّه منصوصٌ عليه في الحديث: "فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (١)؛ فهذا الحديث أَمَرَ بالأجلِ، والأمرُ يقتضي الوجوب. تنبيه: المؤلف ﵀ كأنَّه أدغم مذهب الشافعيِّ، لكنَّه رجع بعد ذلك - فيما سيأتي - فناقشه بعبارات تُشير إلى أنَّه قد ذكر مذهب الشافعيِّ، فلعلَّ في النَّصِّ سَقَطٌ. والحقيقة أنَّ الشافعيَّ ﵀ قد خالف الأئمة الثلاثة في هذه المسألة، فقال: ليس الأجلُ في السَّلم شرطًا، بل يصحُّ السَّلم مؤجلًا، ويجوز حالًّا؛ لأنَّه إذا كان يجوز مؤجَّلًا فأولى أن يجوز حالا؛ قياسًا على بيع الأعيان، ولأنَّه خالٍ من الغرر (٢). ثم بدأ المؤلف ﵀ في تفصيل مذهب مالك، فقال: قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَتَخَرَّجُ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ جَوَازُ السَّلَمِ الْحَالِّ (٣)، وَأَمَّا اللَّخْمِيُّ فَإِنَّهُ فَصَّلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ السَّلَمَ فِي الْمَذْهَبِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سَلَمٌ حَالٌّ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ بَيْعُ تِلْكَ السِّلْعَةِ، وَسَلَمٌ مُؤَجَّلٌ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ بَيْعُ تِلْكَ السِّلْعَةِ (٤). وَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرَطَ الْأَجَلَ شَيْئَان: ظَاهِرُ حَدِيثِ

стр. 7478

ابْنِ عَبَّاسٍ (١)). أي في قوله ﷺ : "إلى أجل معلوم". قوله: (والثاني: أنَّه إذا لم يشترط فيه الأجل كان من باب بيع ما ليس عند البائع المنهي عنه). قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ:). يدلُّ قولُه هذا على أنَّه قد ذكر مذهب الشافعيِّ، فالكلام فيه سَقَطٌ كما ذكرتُ آنفًا، والله أعلم. قوله: (أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْأَجَل فَهُوَ حَالٌّ أَجْوَزُ). أي أنَّه: إذا كان يجوز مؤجَّلًا فأولى أن يجوز حالًّا. قوله: (لِأَنَّهُ أَقَلُّ غَرَرًا). أي: إنَّ الحاضرَ الغررُ فيه أقلُّ من المؤجل؛ لأنَّ المؤجَّل غير مشاهد ولا معلوم، فربما تطرَّق إليه الفناء والهلاك، كله أو بعضه (٢).

стр. 7479

قوله: (وَرُبَّمَا اسْتَدَلَّتِ الشَّافِعِيَّةُ بِمَا رُوِيَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى جَمَلًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ بِوَسْقِ تَمْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ، فَاسْتَقْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ تَمْرًا، وَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ"). هذا الحديثُ اختصره المؤلف، وقد أخرجه أحمد (١)، والبيهقي (٢)، والدارقطني (٣)، وغيرهم (٤)، من حديث عائشة ﵂، وهو حديث صحيح، وقصَّتُه: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ابْتَاعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ جَزُورًا - أَوْ جَزَائِرَ - بِوَسْقٍ (٥) مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ، وَتَمْرُ الذَّخِرَةِ: الْعَجْوَة، فَرَجَعَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ، فَالْتَمَسَ لَهُ التَّمْرَ، فَلَمْ يَجِدْه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: "يَا عَبْدَ اللهِ، إِنَّا قَدِ ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزُورًا - أَوْ جَزَائِرَ - بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخْرَةِ، فَالْتَمَسْنَاه، فَلَمْ نَجِدْهُ" قَالَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَا غَدْرَاهُ. قَالَتْ: فَنَهَمَهُ النَّاسُ (٦)، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ الله، أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟! قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوه، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا". فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا رَآهُ لَا يَفْقَهُ عَنْه، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: "اذْهَبْ إِلَى خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيم بْنِ أُمَيَّةَ، فَقُلْ لَهَا: رَسُولُ اللهِ يَقُولُ لَكِ: إِنْ كانَ عِنْدَكِ وَسْقٌ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ، فَأَسْلِفِينَاهُ حَتَّى نُوَدِّيَهُ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللهُ". فَذَهَبَ إِلَيْهَا الرَّجُل، ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُل، فَقَالَ: قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُه، فَقَالَ

стр. 7480

رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلرَّجُلِ: "اذْهَبْ بِهِ، فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ" قَالَ: فَذَهَبَ بِهِ، فَأَوْفَاهُ الَّذِي لَهُ. قَالَتْ: فَمَرَّ الْأَعْرَابِيُّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ". وهذا الحديثُ - كما ترى - ليس في السَّلم وإنَّما في القرض، والقرض غير السَّلم، وقد يُسمَّى القرض سلفًا (١)، لكنَّه ليس السلفُ الذي هو السَّلم، وغاية الأمر: أنَّ الرسول ﷺ دخل بيته فلمَّا لم يجد، أرسل إلى خوله بنت حكيم يطلب منها سلفًا؛ أي: قرضًا. فوائد تربوية من الحديث: الفائدة الأولى: هذا الحديثُ يُبيِّن منهج رسول الله ﷺ في تعامله مع الناس؛ فهذا أعرابيٌّ يرفع صوته عليه ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يقول إلَّا الحق، يعدل ولا يظلم، ثم يقول الأعرابيُّ: وَا غَدْرَاه، فيتهم الرسول ﷺ بأنَّه غدره، فلم يغضب رسول الله ﷺ ولم يتأثر، ولم يَثْأَر لنفسه؛ بينما الصحابة ﵁ غضبوا لرسولِ اللهِ ﷺ وقالوا: أنت من يغدر يا عدو الله، وحُقَّ للصحابة أن يقولوا هذا الكلام. الفائدة الثانية: يُبين الحديثُ خطورة الغضب، والرسول ﷺ لمَّا جاء إليه رجل، فقال: يا رسول الله أوصني، قال له: "لا تغضب" (٢) فاستقلَّ الرجل هذا الكلمة الواحدة: "لا" نافية، "تغضب" فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر

стр. 7481

تقديره أنت، الرجلُ يريد وصيةً كبيرة، فكرَّر عليه الرسول ﷺ : "لا تغضب"، والغضب خطرُه عظيم؛ لأنَّ الإنسان إذا غضب زلَّ لسانه، وربما وقع في المَهالك. ولذلك "لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان" (١)، والإنسان إذا تكلم كلامًا وهو غضبان قد يندم عليه، وكم من أناس تكلموا في حالة الغضب. ولما سَئل معاذ بن جبل رسول الله ﷺ فقال: وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إِلَّا حَصَائدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟ " (٢)، وقال ﷺ : "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ" (٣). وقيل: "لسانك حصانك؛ إن صنته صانك، وإن هنته هانك"، فعليك بحفظ هذا اللسان، لا تتكلم إلَّا بالحق، فالأ تنطق بكلمة شر، ولا تنطق ببدعة، فلا يكون لسانك إلَّا رطبًا بذكر الله وكذلك إذا حفظت ما بين فخذيك؛ حينئذٍ تكون قد تجنبت محارم الله ، فبذلك تكون من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾، هذا هو الطريق السويّ. الفائدة الثالثة: الحديث يُبين أنَّ المعاملات إنَّما تكون بالحسنى؛ لذلك يقول الله في شأن الدُّعاة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ

стр. 7482

حَمِيمٌ﴾، ثم بين الله أنَّ ركوب هذا الطريق وسلوكه أمر صعب، فقال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾. قوله: (قَالُوا: فَهَذَا هُوَ شِرَاءٌ حَالٌّ بِتَمْرٍ فِي الذِّمَّةِ). وبينَّا أنَّ هذا الحديثُ لا يصلح دليلًا للشافعية؛ لأنَّه لا علاقة له بمحل الخلاف، وإنَّما الذي ورد في الحديث هو القرض، والقرض نوع من أنواع السَّلف، وليس كل سلفٍ يكون قرضًا (١). قوله: (وَالْمَالِكِيَّة مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ السَّلَمَ إِنَّمَا جُوِّزَ لِمَوْضِعِ الارْتِفَاقِ) (٢). القصد من السَّلم الإرفاق بحالة الناس، فليس كل الناس من أصحاب الزروع والثمار، والمتاجر، والمصانع، والمعامل يملكون أموالًا لينفقوا على تلك المصانع، والمزارع، أو غيرها، فيحتاجون إلى مبالغ، فكان السلم عونًا لهم. قوله: (وَلأَنَّ الْمُسْلِفَ يَرْغَبُ فِيهِ لِمَوْضِعِ النَّسِيئَةِ، وَإِذَا لَمْ يُشْتَرَطِ الْأَجَلُ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى). قصدُ المؤلف: أنَّ الإنسان ربما إذا قدَّم الثمن في سلعة مُؤجَّلة يكون ذلك أرخص له؛ لأنَّ المسلَم إليه يحتاج إلى المال، فيكون قد راعى جانب المسلَم إليه في تخفيض المبلغ المطلوب.

стр. 7483

ويقصد بالنَّسيئة هنا: التأجيل (١). قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَجَلِ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: هَلْ يُقَدَّرُ بِغَيْرِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ مِثْلُ الْجِذَاذِ، وَالْقِطَافِ، وَالْحَصَادِ، وَالْمَوْسِمِ؟). الجذاذ أو الجزاز: هو جذاذ النخل؛ أي: موعِدُ قطافه (٢). والمراد بالحصاد: حصاد الزروع. والمراد بالقطاف: موعِدُ قطف الثمار (٣). فهل يجوز أن يقول المُسلَم إليه (البائع) للمسلِم (المشتري): أجِّلني إلى موعد جذاذ النخل، أو القطاف، أو الحصاد؟ الجمهور يمنعون ذلك (٤).

стр. 7484

قوله: (وَالثَّانِي: فِي مِقْدَارِهِ مِنَ الْأَيَّامِ، وَتَحْصيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مِقْدَارِهِ مِنَ الأيَّامِ: أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يُقْتَضَى بِالْبَلَدِ الْمُسْلَمِ فِيهِ). كأن يُسلم رجلٌ إلى رجلٍ في القاهرة - مثلًا - ويتفقا على الاقتضاء في القاهرة نفسها. قوله: (وَضَرْبٌ يُقْتَضَى بِغَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ المسلمُ). كأن يُسلم رجلٌ إلى رجلٍ في القاهرة - مثلًا - ويتفقا على الاقتضاء في الكويت. قوله: (فَإِنِ اقْتَضَاهُ فِي الْبَلَدِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ أَجَل تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَسْوَاق، وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ نَحْوُهَا). لأنَّ هذه المدة مظنَّة اختلاف الأسواق غالبًا، واختلافها مظنَّةٌ لحصول المسلم فيه (المبيع)؛ وهذا الاعتبار مبنيٌّ على القاعدة الفقهية التي تقول: (العادةُ محكَّمة) (١). وليس قصد المؤلِّف ما قد يظهر من العبارة: (أجلًا تختلف فيه الأسواق)، فلا يقصد أنَّ الأسواق تختلف في التأجيل، وإنَّما المقصود أنَّ بعضها يقل أيام التأجيل، وبعضها يكون متوسطًا، وبعضها يكون أكثر، فنأخذ الغالب الذي يندرج عليه عمل أهل الأسواق.

стр. 7485

قوله: (وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ). أمَّا الثلاثة الأيام فيعتبرونها بما ورد من اعتبارها في عدة أمور في الشريعة، كمسافة السفر، ومدة المسح على الخُفَّين. قوله: (وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ بِهِ إِلَى الْيَوْمِ الْوَاحِدِ) (١). قوله: (وَأَمَّا مَا يُقْتَضَى بِبَلَدٍ آخَرَ: فَإِنَّ الْأَجَلَ عِنْدَهُمْ فِيهِ هُوَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ الَّتِي بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ قَلَّتْ أَو كثُرَتْ) (٢).

стр. 7486

يعني: يُحسب حساب المسافة، كما لو كانت عشرة أيام، أو عشرين يومًا، أو ثلاثين يومًا، أو أكثر، أو أقل. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ((١). المؤلف لم يذكر المذاهب الأخرى، ولن أذكرها؛ لأنَّ رأيهم فيها واحد - كما سترى -. قوله: (فَمَنْ جَعَلَ الْأَجَلَ شَرْطًا غَيْرَ مُعَلَّلٍ). من جعل الأجل شرطًا غير معلَّلٍ؛ فلم يفرِّق بين أن يكون المسلَم فيه في البلد الذي تم السَّلم فيه، وبين أن يكون في بلد آخر، قال:

стр. 7487

(اشْتَرَطَ مِنْهُ أَقَلَّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْم، وَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطًا مُعَلَّلًا بِاخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ: اشْتَرَطَ مِنَ الأيَّامِ مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَسْوَاقُ غَالِبًا). قوله: (وَأَمَّا الْأَجَلُ إِلَى الْجِذَاذِ، وَالْحَصَادِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ). أجازه مالك؛ لأنَّ هذا أجل يتعلق بوقت من الزمن يُعرف في العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتًا كثيرًا، فأشبه ما إذا قال: إلى رأس السنة (١). قوله: (وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)).

стр. 7488

ومنعه أحمد أيضًا (١)؛ لأنَّهم يرون أنَّ فيه جهالة؛ لأنَّ مدة الجذاذ (٢)، أو الحصاد تختلف كُلَّ فترة، فلا تأتي في وقت واحد، فمن النخل ما يُجذُّ في أول الشهر، ومنه ما يَظلُّ باقيًا إلى آخره، ومنه ما يكون في الشهر الثاني، وكذلك الحال في الحصاد ونحوها، وقد يختلف باختلاف المناطق، بل الثمرة الواحدة التي من نوع واحد من الرطب بعضها يستوي قبل الآخر. قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الاخْتِلَافَ الَّذِي يَكُونُ فِي أَمْثَالِ هَذه الْآجَالِ يَسِيرٌ أَجَازَ ذَلِكَ، إِذِ الْغَرَرُ الْيَسِيرُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ، وَشَبَّهَهُ بِالاخْتِلَافِ الَّذِي يَكُونُ فِي الشُّهُورِ مِنْ قِبَلِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ). المالكية وجهة نظرهم أنَّ هذا الاختلاف الذي يحكيه الأئمة الثلاثة يسير (٣)، وقالوا للأئمة الثلاثة: ألستم تجيزون السَّلم إلى شهر، أو شهرين؟ فالشهر قد يكون تسعة وعشرين يومًا، وربما كان ثلاثين يومًا، فالأشهر تختلف كذلك في مقدارها؛ أي: في مدتها (٤).

стр. 7489

وأُجيب عليهم: بأنَّ هذا قدر يسير لا تأثير له، بخلاف وقت الجذاذ، أو الحصاد، فربما كانت المدة الفارقة بينهما شهرًا، أو أكثر (١). لذلك كان مذهب الجمهور أرجح في هذه المسألة. قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ كثِيرٌ، وَأَنَّهُ اكْثَرُ مِنْ الاخْتِلَافِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ نُقْصَانِ الشُّهُورِ وَكمَالِهَا لَمْ يُجِزْهُ). قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ شَرْط السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا فِي حِينِ عَقْدِ السَّلَمِ: فَإِنَّ مَالِكًا (٢)، وَالشَّافِعِيَّ (٣)،

стр. 7490

وَأَحْمَدَ (١)، وَإِسْحَاقَ، وَأَبَا ثَوْرٍ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: يَجُوزُ السَّلَمُ فِي غَيْرِ وَقْتِ إِبَّانِهِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُه، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَجُوزُ السَّلَمُ إِلَّا فِي إِبَّان الشَّيْءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ (٣). فَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْإِبَّانَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُسْلِمُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ (٤)). معنى إبَّانه: وجوده (٥). مثال ذلك: إذا أسلم الرجل فقال: أسلمتُ إليك، وأسلفتُ إليك في نخلٍ كذا وكذا، هل يشترط أن يكون نوع الثمرة موجودًا في ذلك الوقت أو لا؟ الأئمة الثلاثة لا يشترطون ذلك، بل قالوا: يجوز أن يأتي إنسان إلى صاحب مزرعة فيسلم إليه في الشتاء، ومعلوم أنَّ الرطب إنَّما ينضج في وقت الصيف بعد مرور فترة.

стр. 7491

قوله: (فَأُقِرُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ). لمَّا قدم الرسول ﷺ المدينة وهم يُسلمون في الثمار السنتين والثلاثة، قال: "من أسلف في شيء فليسلف في شيء معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" ولم ينكر عليهم ذلك (١). وسيأتي حديث آخر يدلُّ على جواز ذلك (٢). قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ: مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسْلِمُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"). المؤلف كثيرًا ما يأتي بقطعة الحديث؛ لأنَّه يرى أنَّه محل الشاهد. فهذا الحديث هو حديث أبو إسحاق عن رجل من نَجْرَان - انظر قولَه عن رجل من أهل نجران، فلم يُسمِّه -: أَنه سأَل ابنَ عمر فقال: إنما أسألك عن اثنتين، عن الزبيب والتَّمر، وعن السَّلَم في النخل؟ فقال ابن عمر: أُتي رسول الله ﷺ برجل سَكران، فقال: إنَّما شربت زبيبًا وتمرًا، قال: فجلده الحَدّ، ونهى عنهما أن يُجمَعا، قال: وأَسلَم رجل في نخلٍ لرجل، فقال: لم تَحملْ نخله ذلك العام، فأراد أَن يأخذ دراهمه، فلم يُعطِه، فأَتى به رسول الله ﷺ ، فقال: "لمْ تحمل نخله؟ "، قال: لا، قال: "ففيم تَحبس دراهمَه؟! "، قال: فدفعها إليه، قال: ونهى رسول الله ﷺ عن السَّلم في النخل حتى يبدوَ صلاحُه. هذا الحديث صريح الدلالة - كما ترى - وقد رواه الإمام أحمد (٣)،

стр. 7492

وأبو داود، وابن ماجه (١)، والبيهقي (٢)، والحاكم (٣)، وغيرهم (٤)، ومحل الخلاف فيه هو جهالة راويه الذي ذُكر أنَّه من نجران (٥). قوله: (وَكأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْغَرَرَ يَكُونُ فِيهِ أكْثَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي حَالِ الْعَقْدِ، وَكأَنَّهُ يُشْبِهُ بَيْعَ مَا لَمْ يُخْلَقْ أكْثَرَ (٦)، وَإِنْ كانَ ذَلِكَ مُعَيَّنًا وَهَذَا فِي الذِّمَّةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ السَّلَمُ بَيْعَ مَا لَمْ يُخْلَقْ). لا يمكن أن يقال أنَّ هذا كبيع ما لم يُخلق، هذا يختلف (٧).

стр. 7493

قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ (وَهُوَ مَكَانُ الْقَبْضِ)). مكان القبض: هو مكان الإيفاء؛ أي: المكان الذي يُقبض فيه المسلم فيه، والمراد هنا: هل هناك مكان معيَّن يُقبض فيه أو لا؟ قوله: (فَكان أَبو حَنِيفَةَ اشْتَرَطَهُ تَشْبِيهًا بِالزَّمَانِ (١)، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ غَيْرُهُ وَهُمُ الْأَكثَرُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَفْضَلُ اشْتِرَاطُهُ (٢). وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ (٣)).

стр. 7494

أمَّا اشتراط ذلك؛ فالجمهور (الأئمة الثلاثة: مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وصاحبا أبي حنيفة (٤)) على أنَّ مكان القبض ليس شرطًا؛ واستدلوا بحديث: أنَّ رسول الله ﷺ : أسلف لرجل من اليهود دنانير في تمرِ كيلٍ مُسمَّى إلى أجل مُسمًّى، وقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان. فقال النبي ﷺ : "أمّا من تمر حائط بني فلان؛ فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى" (٥). فهذا اليهودي أراد أن يُحدد المكان، فقال الرسول ﷺ : "لكن كيل مسمى إلى أجل مسمى"، إذًا اشتراط المكان لم يرد.

стр. 7495

قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ: (وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُقَدَّرًا مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ مَعْدُودًا، أَوْ مَذْرُوعًا، لَا جُزَافًا)). هذا الشرط جاء به نص الحديث: "من أسلم في شيء فليسلف في كليل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم" (١). قوله: (فَاشْتَرَطَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٢). واشترطه أحمد كذلك (٣). قال: (وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَلَا صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ:
следующие страницы →