← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

قوله: (فَأُقِرُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ). لمَّا قدم الرسول ﷺ المدينة وهم يُسلمون في الثمار السنتين والثلاثة، قال: "من أسلف في شيء فليسلف في شيء معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" ولم ينكر عليهم ذلك (١). وسيأتي حديث آخر يدلُّ على جواز ذلك (٢). قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ: مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسْلِمُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"). المؤلف كثيرًا ما يأتي بقطعة الحديث؛ لأنَّه يرى أنَّه محل الشاهد. فهذا الحديث هو حديث أبو إسحاق عن رجل من نَجْرَان - انظر قولَه عن رجل من أهل نجران، فلم يُسمِّه -: أَنه سأَل ابنَ عمر فقال: إنما أسألك عن اثنتين، عن الزبيب والتَّمر، وعن السَّلَم في النخل؟ فقال ابن عمر: أُتي رسول الله ﷺ برجل سَكران، فقال: إنَّما شربت زبيبًا وتمرًا، قال: فجلده الحَدّ، ونهى عنهما أن يُجمَعا، قال: وأَسلَم رجل في نخلٍ لرجل، فقال: لم تَحملْ نخله ذلك العام، فأراد أَن يأخذ دراهمه، فلم يُعطِه، فأَتى به رسول الله ﷺ ، فقال: "لمْ تحمل نخله؟ "، قال: لا، قال: "ففيم تَحبس دراهمَه؟! "، قال: فدفعها إليه، قال: ونهى رسول الله ﷺ عن السَّلم في النخل حتى يبدوَ صلاحُه. هذا الحديث صريح الدلالة - كما ترى - وقد رواه الإمام أحمد (٣)،

стр. 7492

وأبو داود، وابن ماجه (١)، والبيهقي (٢)، والحاكم (٣)، وغيرهم (٤)، ومحل الخلاف فيه هو جهالة راويه الذي ذُكر أنَّه من نجران (٥). قوله: (وَكأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْغَرَرَ يَكُونُ فِيهِ أكْثَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي حَالِ الْعَقْدِ، وَكأَنَّهُ يُشْبِهُ بَيْعَ مَا لَمْ يُخْلَقْ أكْثَرَ (٦)، وَإِنْ كانَ ذَلِكَ مُعَيَّنًا وَهَذَا فِي الذِّمَّةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ السَّلَمُ بَيْعَ مَا لَمْ يُخْلَقْ). لا يمكن أن يقال أنَّ هذا كبيع ما لم يُخلق، هذا يختلف (٧).

стр. 7493

قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ (وَهُوَ مَكَانُ الْقَبْضِ)). مكان القبض: هو مكان الإيفاء؛ أي: المكان الذي يُقبض فيه المسلم فيه، والمراد هنا: هل هناك مكان معيَّن يُقبض فيه أو لا؟ قوله: (فَكان أَبو حَنِيفَةَ اشْتَرَطَهُ تَشْبِيهًا بِالزَّمَانِ (١)، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ غَيْرُهُ وَهُمُ الْأَكثَرُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَفْضَلُ اشْتِرَاطُهُ (٢). وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ (٣)).

стр. 7494

أمَّا اشتراط ذلك؛ فالجمهور (الأئمة الثلاثة: مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وصاحبا أبي حنيفة (٤)) على أنَّ مكان القبض ليس شرطًا؛ واستدلوا بحديث: أنَّ رسول الله ﷺ : أسلف لرجل من اليهود دنانير في تمرِ كيلٍ مُسمَّى إلى أجل مُسمًّى، وقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان. فقال النبي ﷺ : "أمّا من تمر حائط بني فلان؛ فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى" (٥). فهذا اليهودي أراد أن يُحدد المكان، فقال الرسول ﷺ : "لكن كيل مسمى إلى أجل مسمى"، إذًا اشتراط المكان لم يرد.

стр. 7495

قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ: (وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُقَدَّرًا مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ مَعْدُودًا، أَوْ مَذْرُوعًا، لَا جُزَافًا)). هذا الشرط جاء به نص الحديث: "من أسلم في شيء فليسلف في كليل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم" (١). قوله: (فَاشْتَرَطَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٢). واشترطه أحمد كذلك (٣). قال: (وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَلَا صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ:

стр. 7496

أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ (١)، قَالُوا: وَلَيْسَ يُحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ نَصٌّ، إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الْجُزَافِ، إِلَّا فِيمَا يَعْظُمُ الْغَرَرُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِ) (٢). قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي السَّلَمِ يَكُونُ بِالْوَزْنِ فِيمَا يكونُ فِيهِ الْوَزْن، وَبِالْكَيْلِ فِيمَا يكونُ فِيهِ الْكَيْل، وَبِالذَّرْعِ فِيمَا يكونُ فِيهِ الذَّرْع، وَبِالْعَدَدِ فِيمَا يكونُ فِيهِ الْعَدَدُ). لكنْ هل يجوز أن يُوزن ما يُكال، أو يُكال ما يوزن؟ فيه خلاف: فبعض الفقهاء قالوا: ما يكال لا يستعمل فيه إلَّا الكيل، وما يوزن لا يكون فيه إلَّا الوزن. وبعضهم أجاز ذلك؛ لأنَّ الكل يَضبِط القدر، ثم هذه تختلف باختلاف الناس وعاداتهم، فقد تجد هذه البضاعة في بلد تُكال، وفي غيره توزن؛ كالحليب، ولا شكَّ أنَّ العادة محكَّمة في التعامل، فما اصطلح عليه أصحاب الصنعة هو المُعتبر في هذا المَقام، فمثلًا الحلبة تُكال، والسكر يُوزن، هذا اصطُلح عليه، وهكذا (٣).

стр. 7497

قال: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ من هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ انْضَبَطَ بِالصِّفَاتِ الْمَقْصُودَةِ مِنَ الْجِنْسِ مَعَ ذِكْرِ الْجِنْسِ إِنْ كانَ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً، أَوْ مَعَ تَرْكِهِ إِنْ كانَ نَوْعًا وَاحِدًا. وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ السَّلَمَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الذِّمَّةِ، وَأَنَهُ لَا يَكُونُ فِي مُعَيَنٍ). لأنَّ من شرط السَّلَم أن يكون في النَّساء؛ أي: التأجيل، لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وفي الحديث. "وليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"؛ فجاء النص على ذلك، فالأجل مطلوب فيه (١).

стр. 7498

قوله: (وَأَجَازَ مَالِكٌ السَّلَمَ فِي قَرْيَةٍ مُعَيَّنَةٍ إِذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً، وَكَأَنَّهُ رَآهَا مِثْلَ الذِّمَةِ) (١). هذا كلامٌ مُجملٌ، معناه: أنَّ مالكًا قال: يجوز أن يُسلم في شيء معين، كأن يقول: في حائط فلان - كما في قصة اليهودي - التي ذكرناها آنفًا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الثَّانِي: فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَضِيَ فِيَ المُسْلَمِ إِلَيْهِ بَدَلَ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ السَّلَمُ وَمَا يَعْرِضُ فِي ذَلِكَ فِيَ الإِقَالَةِ وَالتَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِير وَفِي هَذَا البَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنْ نَذْكُرُ المَشْهُورَ مِنْهَا. مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَرِ، فَلَمَّا حَلَّ الأَجَلُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ حَتَّى عَدِمَ ذَلِكَ المُسَلَمَ فِيهِ، وَخَرَجَ زَمَانُهُ). وفي كلام المصنف الذي سيذكره ثلاث مسائل: الأولى: قد يسلم شخص إلى آخر في ثمر مثلًا، فإذا حلَّ وقت التسليم، لا تكون الثمرة حينئذٍ قد بدا صلاحها، أَوْ تعذَّر وجودها، فماذا يفعل المُسلِمُ في هذه الحالة؟ الثانية: إذا تَردَّدَ المُسْلم وأراد الإقالة (٢)، هل تجوز الإقالة أو لا؟

стр. 7499

الثالثة: إذا جاء وقت التسليم، فلم يجد المُسلَم فيه، هل يؤجلها إلى العام الذي يليه أو أنه يرد إليه حقَّه؟ وهذه المسائل سنبين كلام العلماء فيها واختلافاتهم. قوله: (مَسْأَلَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَرِ، فَلَمَّا حَلَّ الأَجَلُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ حَتَّى عَدِمَ ذَلِكَ المُسَلَمَ فِيهِ، وَخَرَجَ زَمَانُهُ): وهذه - كما ذكرنا - المسألة الأولى، أنَّ رجلًا أسلم إلى رجل في نخل، فلما جاء وقت خروج الثمر، لم تخرج تلك النخل؛ لأنه ليس كلُّ النخل يخرج كل عام، فهناك ما يخرج كل عام، وهناك ما تمرُّ عليه أعوام لا يكون له ثمرٌ حتى إن بدأ في الثمر قد ينقطع، فإذا جاء وقت التسليم لا يكون الثمر موجودًا، فماذا يفعل المُسلِمُ؟ قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ (١): إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ، فَكَانَ المُسْلَمُ بِالخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ أَوْ يَصْبِرَ إِلَى العَامِ القَابِلِ).

стр. 7500

فيرى جمهور الفقهاء أنَّ المُسلِمَ بالخيارِ بين أن يأخُذَ الثَّمن، أو ينتظر إلى العام الذي بعده، فيأخذ المُسلمَ فيه؛ لأنه عندما قدم رَسُولُ الله ﷺ المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث (١)، وافقهم، ولم ينكر عليهم ذلك الصنيع والعمل. قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ القَاسِم (٢) وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ العَقْدَ وَقَعَ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ). لأن عقد السَّلَم هو عقد وقع على موصوفٍ في الذمة، فأنت تدفع عوضًا حالًّا في عوضٍ موصوفٍ مؤجلٍ في الذمة، أي: أنك تدفع دراهم أو دنانير على أساس أَن يقدم لك هذا الإنسان ثمرة أو بضاعة من البضائع يخرجها مصنعه، أو بضائع يأتي بها التاجر، فإذا جاء وقت التسليم لا تكون البضاعة موجودة، فالجمهور على أنه لا يمنع تأجيل ذلك إلى العام الذي يليه حتى يكون المُسلمُ فيه حاضرًا موجودًا. قوله: (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ جَوَازِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ثِمَارِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيءٌ شَرَطَهُ المُسْلِم، فَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالخِيَارِ). فإذا اختار المُسْلِمُ أن يأخُذَ السلعة في العام الذي يلي العام الذي تعذَّر فيه وجود السلعة، فهذا جائز، وليس من بيع الدَّيْنِ بالدَّيْنِ

стр. 7501

قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ (١) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: يَنْفَسِخُ السَّلَمُ ضَرُورَةً وَلَا يَجُوزُ التَّأخِير، وَكَأَنَّهُ رَآهُ مِنْ بَابِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ). الكالئ (٢) بالكالئ يعني بيع الدين بالدَّيْن، والجواب هذا غير صحيح؛ لأن هذا تعليل غيرُ مسلَّمٍ به، فلو كان من بيع الكالئ بالكالئ لأنكره الرسول ﷺ ، فالرسول قدم المدينة وهم يسلفون في التمار السنتين والثلاثة (٣)، فما قال لهم: لا تسلفوا إلا في السنة، بل ترك لهم ذلك، وتَرْكُ البيانِ عن وقتِ الحاجة لا يجوز (٤)، فلو كان ذلك يجوز لبيَّنه الرسول ﷺ ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، لتُبيِّن لهم الذي اختلفوا فيه، لكن رسول الله ﷺ أقرَّهم على ذلك الصنيع، وأبقاهم على العمل، وبيَّن لهم الطريق السوي الذي ينبغي أن يفعلوه، فقال: "من أسلف في شيء، فليسلف في كليل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (٥)، فوضع لهم أوصافًا دقيقةً لا بد من الالتزام بها، وأقرهم على المدة التي كانوا عليها، فلو كان ذلك غير جائزٍ لنبَّه الرسول ﷺ ، وأرشد إليه. قوله: (وَقَالَ سُحْنُونٌ (٦): لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ، وَإِنَّ مَا لَهُ أَنْ يَصْبِرَ إِلَى القَابِلِ).

стр. 7502

والحقيقة أنه بالخيار. وخلاصة القول: أن المسلم دافع الثمن مخير بين أمرين: إما أن ينتظر إلى العام الذي يأتي ويأخذ حقه ثمرة مثلًا أو بضاعةً، وإما ألَّا يريد ذلك، فيدفع إليه المسلم إليه حقه، يرد إليه ماله. قوله: (وَاضْطَرَبَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي هَذَا) (١). وهذه من مزايا المؤلف، فإنه في مواقفَ كَثِيرةٍ لا يستحي أن ينقد مذهبه إذا رأى أن الحقَّ في غيره، فهو هنا يقول: اضطرب مذهب مالك، ولا شك أنه يرى أن مذهب الجمهور أولى في هذه المسألة، وأقرب أيضًا إلى الحديث؛ لأن الحديث صريح الدلالة بمذهب الجمهور. قوله: (وَالمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي هَذه المَسْأَلَةِ مَا رَآهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ القَاسِمِ). أي: ما رآه أبو حنيفة والشافعي وأحمد وابن القاسم. والمؤلف في هذه المسألة ترك مذهبه الذي نشأ وترعرع فيه، وبدأ في دراسته صغيرًا حتى شب عليه، وأصبح رجلًا سويًّا، فطلب العلم، فصار عالمًا من العلماء الذين يشار إليهم، وواجب كل طالب علم أن يكون مع الحق أينما كان؛ سواء كان هذا الحق في مذهبه الذي درسه وتعلمه، أو كان في غيره؛ لأنه دائمًا ينبغي الرجوع إلى القول الذي يعضده دليلٌ من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ، هذا هو الذي ينبغي أن يقف الإنسان عنده، فأن تعض على نواجذك بدليل في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ فنِعْمَ ما تفعل، لكن

стр. 7503

أن يأخذك الهوى أو التعصب أو التعلق بمذهبك فتحيد عن الطريق السوي، فهذا ما لا ينبغي أن يسلكه طالب العلم، فهذه الميزة لم يتغيَّر المؤلف فيها، فهو يسير فيها على نسقٍ واحدٍ، كل ما ظهر له أنه هو الأولى، أشار إليه، وهو ينقد مذهب المالكية أكثر من غيره؛ لأنه غير مدركٍ تمامًا لتفصيلات المذاهب الأخرى، لكنه في مذهبه أعرف. قوله: (وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ، وَالكَالِئُ بِالكَالِئِ المَنْهِيُّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ المَقْصُود، لَا الَّذِي يَدْخُلُ اضْطِرَارًا). لأن بيع السَّلم (١) ومثله الإجارة (٢) والجعالة (٣) العلماء (٤) يقولون

стр. 7504

فيها: إنها جاءت على خلاف القياس، بمعنى أنها مستثناة، وقضية "جاءت على خلاف القياس" فيها كلام لبعض العلماء (١) أنها لم تجئ على خلاف القياس؛ لأنه لا يوجد قياس صحيح ينافي دليلًا صحيحًا؛ لأن العقل السليم لا يتعارض مع النص، هذا شيء مضطرب، لكن هل ندرك ذلك أو لا ندركه؟ فبعض العلماء (٢) يرى أن هذه المسائل أو هذه الكتب (السَّلم والإجارة والجعالة والمضاربة (٣) إلى غير ذلك)، إنما جاءت على وفق القياس، وليس مخالفةً له. قوله: (مَسْأَلَة: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي بَيْعِ المُسْلَمِ فِيهِ إِذَا حَانَ الأَجَلُ مِنَ المُسْلَمِ إِلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ). فلو أن إنسانًا أسلم إلى إنسان، فجاء وقت التسليم والبضاعة موجودة، هل يجوز أن تبيع هذه البضاعة التي عملها لك المصنع - أو أحضرها لك التاجر أو الثمرة التي قطفها صاحبها ووضعها بين يديك أو موجودة وأنت بعد لم تتسلمها - أو لا؟ وقد مرَّ بنا الحديث المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يستوفيه" (٤)، وفي رواية أخرى: "مَن ابتاع (يعني: اشترى) طعامًا، فلا يبعه حتى يقبضه" (٥)، أي: يأخذه إلى حوزته، فإذا تسلَّمت البضاعة ونقلتها إلى حوزتك، جاز

стр. 7505

لك أن تبيعها؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن سلف وبيع، وقبض ما لم يضمن، وعن بيع ما لم يغنم، وعن ربح ما لم يغنم، وقال: "لا يحل سلف وبيع، ولا أيضًا ربح ما لم يضمن" (١)؛ لأنك عندما تبيع هذه السلعة، فأنت ربحت فيها، والضمان لا يزال على البائع؛ لأنها في عهدته، فإذا انتقلت إلى عهدتك وأصبحت الضامن لها فبعها. فإذا قبض المُسلِم، فهو حر في المُسلَمِ فيه؛ لأنه أصبح ملكه، وله أن يتصرف فيه بأن يبيعه، أو أن يهديه، أو أن يتصدق به، أو أن يعمل به ما يشاء، لكن الكلام إذا لم يتسلَّم البضاعة ولم يقبضها، فهل له أن يبيعها وهي في حوزة المُسْلَم إليه أو لا؟ قوله: (فَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يجِزْ ذَلِكَ أَصْلًا، وَهُمُ القَائِلُونَ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبضِهِ). وقد ذكرهم المصنف ﵀ وسمَّاهم. قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَإِسْحَاقُ (٣)، وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي مَنْعِ هَذَا بِحَدِيثِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ). وهذا الحديث رواه أبو داود (٤) وابن ماجه (٥) والحاكم (٦)، ولكن الكلام فيه حول راويه عطية العوفي، وهو مختلف فيه.

стр. 7506

قوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ"). بل يبقى فيما أسلم فيه، فإذا تحول لك المُسلَمُ فيه، فأنت حر، ثم لو قلنا: إن هذا الحديث فيه مقال (١)، فهناك أحاديث أخرى متفق عليها تقوِّيه، كما في الحديث المتفق عليه: "من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يستوفيه، فلا يبعه حتى يقبضه" (٢)، ولا شك أن مذهب الجمهور هو الأقوى والأرجح. قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَإِنَّهُ مَنَعَ شِرَاءَ المُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِذَا كَانَ المُسْلَمُ فِيهِ طَعَامًا) (٣). فالإمام مالك قيَّد منع شراء المُسْلَم فيه قبل قبضه بموضعين، والجمهور أطلقه في كل الأحوال، هذا هو الفرق. قوله: (وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهِ القَبْضُ هُوَ الطَّعَامُ عَلَى مَا جَاءَ عَلَيْهِ النَّصُّ فِي الحَدِيثِ). ذكرت من قبل حديث: "مَن ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يقبضه"، فمالك ﵀ لم يخالف في ذلك الأمر لوجود النصِّ الصريح، والأئمة إذا

стр. 7507

وقف أحدهم عند نصٍّ فلا يتجاوزه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. وقال أيضًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ولا يكفي عدم الحَرج، بل يسلمون لحكمك، وينزلون عنده، وتبقى نفوسهم راضيةً؛ لأنه قد يرضى الإنسان بالحكم مكرهًا، فلا يكون ذلك حتى يسلم به؛ لأن هذا هو حكم الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. قوله: (وَالثَّانِي: إِذَا لَمْ يَكُنِ المُسْلَمُ فِيهِ طَعَامًا، فَأَخَذَ عِوَضَهُ المُسْلِمُ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِيهِ رَأْسَ مَالِهِ (١)، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ المُسْلَمُ فِيهِ عَرَضًا، وَالثَّمَنُ عَرَضًا مُخَالِفًا لَه، فَيَأْخُذُ المُسْلِمُ مِنَ المُسْلَمِ إِلَيْهِ إِذَا حَانَ الأَجَلُ شَيْئًا مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ العَرَضِ الَّذِي هُوَ الثَّمَن، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا يَدْخُلُهُ إِمَّا سَلَفٌ وَزِيَادَة إِنْ كَانَ العَرَضُ المَأْخُوذُ أكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَإِمَّا ضَمَانٌ وَسَلَفٌ إِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ). يشير المؤلف إلى أنه لا يجوز بيع النَّساء، والسلم من شروطه التأجيل والنَّسَاء، فكل مبيع لا يجوز فيه النَّسَاء، لا يجوز فيه السلم، وبيع العرض بالعرض اختلف فيه العلَماء (٢)، فمنهم مَنْ عدَّه ربويًّا، قال:

стр. 7508

لا يجوز فيه السلم، ومَنْ لم يعدَّه قال: يجوز .. والمراد أن هذا جرَّ نفعًا، وهذا مما ورد المنع فيه. قوله: (وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ طَعَامًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ طَعَامًا آخَرَ أَكْثَرَ، لَا مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ طَعَامِهِ فِي الجِنْسِ، وَالكَيْلِ، وَالصِّفَةِ فِيمَا حَكَاهُ عَبْدُ الوَهَّابِ (١) جَازَ، لِأَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى العُرُوضِ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الطَّعَامِ المُسْلَمِ فِيهِ طَعَامًا مِنْ صِفَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ جَوْدَةً، لِأنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ البَدَلِ في الدَّنَانِيرِ). فإذا أسلم في شيءٍ، ثم جاء وقت التسليم، فلا يَخْلو أن يكون ما عنده هو نفسه المسلم فيه، أي: الوَصْف ينطبق عليه؛ لأن السلم هو أن تدفع عوضًا حالًّا في عوضٍ مؤجلٍ موصوفٍ في الذمة وأنت لم ترَ الموصوف لك، فإذا جاء وقت التسلم ونظرت إليه: هل الشروط تنطبق

стр. 7509

عليه أو لا؟ إن كانت الشروط التي تمَّ الاتفاق عليها متوفرة في المُسلَمِ فيه، فَحِينَئذٍ يلزَمُ المُسْلِمَ أخْذَه، وإن كانت أقل مما تمَّ الاتفاق عليه وحينئذٍ لا يلزمه أخذه، وإن كانت أَجود مما اتُّفق عليه، فنصَّ العلماء على أنه إنْ كان من نفس النوع يلزمه أخذه، وإنْ كان من نوعٍ آخَر، فله ردُّه. قوله: (وَالإِحْسَانُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ قَمْحٌ، فَيَأْخُذَ بِمَكِيلَتِهِ شَعِيرًا، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَ مَالِكٍ أَلَّا يَتَأَخَّرَ القَبْضُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ). وهذه الصورة منهيٌّ عنها. قوله: (وَإِنْ كَانَ رَأْسُ مَالِ المسلمِ عَيْنًا، وَأَخَذَ المُسْلمُ فِيهِ عَيْنًا مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ مَا لَمْ يَكُنْ أكْثَرَ مِنْه، وَلَمْ يَتَّهِمْهُ عَلَى بَيْعِ العَيْنِ بِالعَيْنِ نَسِيئَةً إِذَا كَانَ مِثْلَه، أَوْ أَقَلَّ). لأنَّهم اشترطوا في المبيع الرِّبويِّ اتحاد الجنس، وأن يكون يدًا بيد، ولذلك كل الأموال الربوية التي يمنع فيها النَّساء لا تصلح أن تكون في السلم؛ لأن من شروط السلم أن يكون مؤجلًا. قوله: (وَإِنْ أَخَذَ دَرَاهِمَ فِي دَنَانِيرَ، لَمْ يَتَّهِمْهُ عَلَى الصَّرْفِ المُتَأَخِّرِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَخَذَ فِيهِ دَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ صِنْفِ الدَّنَانِيرِ الَّتِي هِيَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ). فَإذَا حَلَّ وقت تسليم المُسْلَم إليه المسلَمَ فيه ولم يسلمه، هَلْ له أن يأخذ مقابله؟ وهل له أن ينقله؟ وقد مرَّ بنا ذلك، وكذلك إن أخذ فيه دنانير من غير صنف الدنانير التي هي رأس مال السلم. قوله: (وَأَمَّا بَيْعُ السَّلَمِ مِنْ غَيْرِ المُسْلَمِ إِلَيْهِ). يعني: أن يبيع المُسلَمَ فيه إلى شخصٍ آخر غير المُسْلَم إليه، فإذا

стр. 7510

باعه إلى المُسْلَم إليه، فبيعه فيه شبهة؛ لأنه ربما أقاله ليبيعه إياه وهكذا، لكن إذا باعه من غيره اختلفت الصورة. قوله: (فَيَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ التَّبَايُعُ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ طَعَامًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ) (١). ما لَمْ يكن طعامًا، لأن التبايع بالطعام قد مرَّ، وأعاد المُؤلِّف الحَديثَ عن هذه المسألة مرات، لأنه ورَد فيها الحديث المتفق عليه: "مَن ابتاع طعامًا، فلا يبيعه حتى يستوفيه" (٢)، والمراد: يقبضه، كما في الرواية الأخرى: "حتى يقبضه" (٣). قوله: (وَأَمَّا الإِقَالَةُ: فَمِنْ شَرْطِهَا عِنْدَ مَالِكٍ أَلَّا يَدْخُلَهَا زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ) (٤). انتقل المؤلف إلى الحديث عن الإقالة، ودخل في شروطها مباشرة، ولعله بنى كلامه على أن الإقالة مرت في مسائل أخرى في البيع، ومرَّ بنا كلام العلماء في الإقالة، وأنهم مجمعون على جوازها في السَّلَم، ولا خلاف بينهم، وَلكن الخلاف فيما مضى في البيع، هل هي فسخٌ أو بيعٌ؟ وقد رجَّحنا هناك - ونكرر ما رجحناه - أن الإقالة فسخ، فإذا جاء المسلِم إلى المسلَم إليه، وقال: أقلني من هذه البيعة ورُدَّ إليَّ السَّلم، فهل له ذلك؟ نقول: الإقالة جائزة، بك جاءت أحاديث عن الرسول ﷺ تحثُّ عليها، وتُرغِّب فيها كما سيأتي.

стр. 7511

قوله: (فَإِنْ دَخَلَهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَان كَانَ بَيْعًا مِنَ البُيُوعِ، وَدَخَلَهَا مَا يَدْخُلُ البُيُوعَ). علمنا أن الإقالة مجمعٌ عليها (١)، وينبغي أن يستجيب المسلَم إليه للمسلِم في موضوع السلم، فيقبل إقالته، كما سيأتي في الأحاديث ثواب ذلك، لكن هذا الأمر يطبق فيه ما يطبق في البيوع من الشروط التي مرت بنا؛ كأَنْ تكون هذه المعاملةُ خَاليةً من الربا؛ لأنه قد تكون الخشية من ذلك أن يقيله حتى يُسْلمه الدراهم، أو حتى يساعده في أمرٍ آخر كما مر بنا النهي عن بيعٍ وسلفٍ أيضًا، واختلاف العلماء في بيعٍ وصرفٍ، وبيعٍ وشركةٍ، وبيعٍ وإجَارةٍ، فبعضها أجَازَها العلماء (٢)، وبعضهَا أجمعوا على تحريمها كبيع وسلف (٣) لورود النص فيه. قوله: (أَعْنِي: أَنَّهَا تَفْسدُ عِنْدَهُ بِمَا يُفْسِدُ بُيُوعَ الآجَالِ (٤) مِثْلُ أَنْ يَتَذَرَّعَ إِلَى بَيْعٍ وَسلَفٍ). وهو نص عليه كأن يقول: أنا أقيلك لكن على أن تسلفني ثمن المسلم أو يقول له: بعد ذلك أعطيك كذا على كذا،

стр. 7512

قوله: (أَوْ إِلَى: ضَعْ وَتَعَجَّلْ) (١). وقَدْ مرت بنا هذه المسألة (٢)، وَزِدْ عليها الصورة التي كان يتعامل بها أهل الجاهلية، وهي أن أحدهم كان يقرض الآخر قرضًا، ثم إذا حل وقت الأجل يقول الدائن للمدين: أتقضي الدين أم تربي؟ يعني: أزيد عليك المبلغ على أن أؤجل لك في القيمة، فإن "ضَعْ وتعجل" تقابل "زد وأخر"، وسبق أن تكلمنا في هذه المسألة، وفصلنا القول فيها، ورجحنا أن ذلك يجوز عند الحاجة. ومعنى "ضع وتعجل": أن يكون لإنسان حق في ذمة آخر، فيأتي المدين فيقول: ضع عني بعض المبلغ وأعجل لك دفعه .. وقد عرفنا دليله فيما مضى في قصة بني النضير عندما جاؤوا إلى الرسول ﷺ عندما أمر بإجلائهم خلال ثلاثة أيام، شكوا لرسول الله ﷺ حالَهم، أن لهم ديونًا عند الناس لم تحلَّ، فقال رسول الله ﷺ : "ضعوا وتعجلوا" (٣). قوله: (أَوْ إِلَى بَيْعِ السَّلَمِ بِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ). وقد تكلمنا عن السلم وشروطه، وأنه لا يجوز كما لو كان ربويًّا بربويٍّ. قوله: (مِثَالُ ذَلِكَ: فِي دُخُولِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ بِهِ). وهذا كرره المؤلف كما قلنا؛ لأنه ورد فيه نصٌّ، جاء الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك" (٤).

стр. 7513

قَوْله: (إِذَا حَلَّ الأَجَلُ، فَأَقَالَهُ عَلَى أَنْ أَخَذَ البَعْضَ، وَأَقَالَ مِنَ البَعْضِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ (١)، فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ التَّذَرُّعُ إِلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ). لأن الإقالَة تدخلها حينئذٍ شبهة البيع والسلف. قوله: (وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٣)؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ بِتَحْرِيمِ بُيُوعِ الذَّرَائِعِ (٤)). فهذا ممنوعٌ عند مالك وأحمد في رواية (٥)، وجائز عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية أخرى (٦)، ولا شك أن الذين منعوا ذلك كان قصدهم الحيطة، وتطهير النفوس، وإبعادها عن أي شبهة تدور حول الربا، لكن الإمام أحمد ﵀ (٧) له وجهة أخرى في هذا المقام؛ لأنه هنا فيه

стр. 7514

شبهة، ومالك ﵀ انفرد بمنع بيوع الذرائع؛ كل بيع، وهو يمنع هذه الذريعة (١)، وقد تكون ظاهرةً أو غير ظَاهِرَةٍ. * قوله: (مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الشِّرَاءِ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ مِنَ المُسْلَمِ إِلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ الإِقَالَةِ بِمَا لَا يَجُوزُ قَبْلَ الإِقَالَةِ، فَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ أَصْلًا، وَرَأَى أَنَّ الإِقَالَةَ ذَرِيعَةٌ إِلَى أَنْ يُجَوِّزَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَجُوز، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٢)، وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٣)). عندما يستجيب المُسْلَم إليه لطلب المُسْلِم، هل له أن يشتري منه شيئًا آخَرَ أو لَا؟ فمن العلماء مَنْ مَنعَه، وهم أبو حنيفة ومالك وأحمد (٤) أيضًا؛ خشية أن تكون الإقالَةُ لهدْا القَصد والغَرض. * قوله: (إِلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ عَلَى الإِطْلَاقِ) (٥).

стр. 7515

وَكَذلك أحمد (١). قوله: (إِذْ كَانَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ المُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى الإِطْلَاقِ). وقد مرَّ بنا ذلك، وأن الأئمة الثلاثة يشددون في ذلك الأمر، عَملًا بالحديث: "مَن ابتاع طعامًا، فلَا يبيعه حتى يقبض" (٢). قوله: (وَمَالِكٌ يَمْنَعُ ذَلِكَ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي يُمْنَعُ بَيْعُ المُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِهِ (٣)، وَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ أَجَازَه، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ (٥)). فالشَّافعيَّة والثوري جوزوا أن يشتري المُسلِم من المُسلَم إليه برأس مال السَّلم.

стр. 7516

قوله: (وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ بِالإِقَالَةِ قَدْ مَلَكَ رَأْسَ مَالِهِ، فَإِذَا مَلَكَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا أَحَبَّ). يعني: كلا القولين له وجهة نظر، الذين منعوا خشوا أن يكون ذلك ذريعةً إلى البيع أو السلف، والذين أجازوا قالوا: هذا ما لو رجع إليه فهو حرٌّ فيه، له أن يشتري من هذا ومن غيره، لا إشكال في هذا. وَقَصْدُ العلماء ﵏ الذين يشددون في هذا المقام هو أن يتقي الإنسان الشُّبُهات كما جاء في الحديث: "إن الحلال بَيِّن، وإن الحرام بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهات - أو مشبهات - لا يعلمها كثيرٌ من لناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعِرْضِهِ، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام" (١). وفي مثل هذه المسائل لا يُلَام من يقول بأي القولين؛ لأنه ليس هناك نصٌّ صريحٌ صحيحٌ في هذه المسألة، فهي مسألة اجتهاديةٌ، ولذلك تختلف وجهات نظر العلماء فيها. * قوله: (وَالظَّنُّ الرَّدِيءُ بِالمُسْلِمِينَ غَيْرُ جَائِزٍ). هذا تعليلٌ لمَنْ أجاز من العلماء، وأنه ينبغي أن نحسن الظن بالمسلم، وألا نسيء الظن به، وأن نحمل المسلمين على السلامة، هذا هو الأصل، ونحن نقول كذلك، لكن أحيانًا تكون شبهة، فالعلماء يريدون أن يتجنبوها، وما أكثرَ ضعفاء النفوس! وفي القرون المُفضَّلة التي هي خيرٌ منا - مَنْ وقع في مثل ذلك ونحوه -، فمَا بالك في هذه القرون المتأخرة التي أصبح كثيرٌ من الناس يتكالبون على الأموال كما جاء في الحديث: "سيأتي على الناس زمان مَنْ لم يأكل الربا يناله من غباره" (٢).

стр. 7517

قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ فِيهِ قَبْلَ الإِقَالَةِ). وقد مرَّ بنا في السَّلم: "من أسلم في شيء، فلا يصرفه في غيره" (١)، وهذا الحديث تكلمنا عنه، وبَينَّا أن في سنده مقالة. قوله: (مَسْأَلَة: اخْتَلَفُوا إِذَا نَدِمَ المُبْتَاعُ فِي السَّلَمِ، فَقَالَ لِلْبَائِعِ: أَقِلْنِي وَأَنْظِرْكَ بِالثَّمَنِ الذي دفعتُ إلَيْكَ). وقد جاء المؤلف إلى موضع الإرفاق (٢)، فلو أنَّ إنسانًا أسلم في شيء، ثم تطرق إليه الندم وتأسف، وتمنى أن لم يكن قد اشترى هذا الشيء، فجاء إلى المُسْلَم إليه، فقال: أريدك أن تقيلني من هذه البيعة، وأن تسامحني فيها، وأن تعفيني منها، فهذه الإقالة مرغب فيها، وحضَّ عليها رسول الله ﷺ ، بل بَيَّن "أنَّ مَنْ أقال مسلمًا" (٣) - وفي بعض الروايات: "مَنْ أقال نادمًا في بيعته" (٤)، وفي روايةٍ: "في صفقته" - "أقال له الله عسرته يوم القيامة" (٥)، لكن هنا يريد أن يقيله على أن يُنْظره في المبلغ، فإنْ كان قَصْده بالإنذار بالمبلغ أنه يعلم أن المُسْلَم إليه لا يملكه، وأنَّ في مطالبته به تضييقًا عليه، فهذا ليس محل شبهةٍ، أما إن كان هناك قصد آخر، أو فَعلَ ذلك ليتوصل إلى الإقالة وربما إلى غرض آخر، فهذا هو الذي ذهب بعض العلماء لمنعِهِ. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ: ذَلِكَ لَا يَجُوزُ (٦)، وَقَالَ قَوْمٌ:

стр. 7518

يَجُوزُ (١)، وَاعْتَلَّ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ المُشْتَرِي لَمَّا حَلَّ لَهُ الطَّعَامُ عَلَى البَائِعِ، أَخَّرَهُ عَنْهُ عَلَى أَنْ يُقِيلَهُ). وَعلَّة مالكٍ ﵀ ونحن نقول هذه المسألة لها دليل وتعليل، فالدليل ما كان من كتاب أو سُنَّة، وأحيانًا يكون الدليل علة (٢)، فمَا هو التعليل؟ أوْ ما هي العلة التي جعلت مالكًا يمنع ذلك، وهي أيضًا رواية لأحمد؟ (٣). قَوْله: (فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى). أيْ: قبل أن يقبض، وهذه شبهةٌ، وتعلمون أنه في المذهب المالكي تتكرر الشُّبهة، وهي أيضًا قد تكون ذريعةً، فعندما نقول: هذه شبهة، فهل هذا مرادنا أو لا؟ إن كان طَلَبَ الإقالةَ دون أن يريد أن يؤخر عليه المبلغ، فهذا جائز، لكنه راعى أن حاله لا يتحمل أن يدفع له المبلغ، وربما صرفه في أمور، فأنظره، فهذا شيء طيب ومطلوب، لكن إن كانت هناك شبهة، فهي التي دفعت أو دعت بعضَ العلماء إلى منع ذلك. قوله: (وَقَوْمٌ اعْتَلُّوا لِمَنْعِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ فَسْخِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) (٤).

стр. 7519

أيضًا رَأوه من باب فسخ الدين بالدَّيْن، فيقول له: أؤجِّله عليك فيكون دَينًا بدَيْن، وقد نهي عن بيع الدَّين بالدَّين. قوله: (وَالَّذِينَ رَأَوْهُ جَائِزًا، رَأَوْا أَنَّهُ بَابُ المَعْرُوفِ وَالإِحْسَانِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ). ولا شك أن الأصلَ في الإقالة إذا لم يكن وراءها هدفٌ ممنوعٌ أو قصدٌ غير حسنٍ أنها مما جاء الترغيب فيه؛ لأنَّ فيها تخفيفًا للمسلم، وإعانةً له؛ لأنه كما يعلم كل واحد منا قد يشتري الإنسان سلعة ربما يأخذه رونقُها وظاهرُها ولَمعانُها، فيندفع إلى تلك السلعة، فيندم على شرائها، وربما يسلم في أمر، فيتبين له أن الأَوْلَى ألا يفعل، فيندم، فيأتي إلى أخيه المسلم فيقول له: أقلني، فينبغي حينئذٍ أن يستجيب له ما لم يكن وراءه غرض غير محمود. قوله: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا صَفْقَتَه، أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ (١)، وَمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ" (٢)). هذان حديثان: "من أقال مسلمًا، أقاله الله يوم القيامة" (٣) هذا حديث، وجاء بروايات كثيرة: "من أقال نادمًا في بيعته" (٤)، وفي رواية: "مَنْ أقال نادمًا في صفقته"، كما أورده المؤلف " … أقاله الله عثرته يوم القيامة" (٥)، وما أعظم ذلك! فكل واحد منا يتمنى أن يقيل الله عثرته، وأن يعفو عن زلاته، وأن يتجاوز عن سيئاته وخطاياه، لا شك أن كل مسلمٍ يسعى ويبذل ذوب قلبه ليكون من أولئك الذين يعفو الله

стр. 7520

عنهم في ذلكم المقام العظيم، ويتجاوز عن سيئاتهم، وعن هفواتهم، فهذا سببٌ من الأسباب التي تجعل الله يرفع عثرتك يوم القيامة، ويتجاوز عنها، لماذا؟ لأنك خففتَ وأرفقتَ عن عَبْدٍ من عباد الله؛ وَيسَّرت عليه، ورفعت كربةً من كُرَب الدنيا عنه، فالله تعالى سيرفع عنك كربةً من كرب يوم القيامة، وهذا لا شك حديث صحيح أخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) وغيرهما، وهذا فيه حضٌّ على الإقالة: "مَنْ أقال عثرة مسلم، أقاله الله عثرته يوم القيامة" (٣)، "من أقال نادمًا" (٤)، وفي رواية: "في بيعته" (٥)، فالألفاظ متقاربة، لكن المعنى واحد، والقصد هو التجاوز عن المسلم. وأما الحديث الآخر، فهو في "صحيح مسلم" وغيره: "ومَنْ أنظر معسرًا" (٦) والمؤلف أسقط جزءًا مهمًّا منه أو وضع عنه: "أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، ولا شك أن كل إنسان يتمنى أن يكون في ظل الله، في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ولذلك جاء ذِكرُ السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فبدأ الحديث: "إمام عادل" (٧)، ولا شكَّ أن الإمام إذا ولَّاه الله تعالى أمرَ المسلمين، إنما يكون على القمة، فله أن يُغيِّر ويُبدِّل في المكان الذي وصل فيه، فمَا أعظمَ أن يكون هذا الإمام عادلًا! أولهم إمام عادل، ولذلك يقول

стр. 7521

الرسول ﷺ : "المقسطون على منابرَ من نور يوم القيامة" (١)، فالعدل مطلوب، والله أمر به حتى مع العدو، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، فإذا كان الإمام في موضع القمة، وعدل بين الناس، ويأتي في مقدمة ذلك أن يُحَكِّم شرع الله بينهم، فما أعظم ذلك! لا شك أن المسلمين بحاجةٍ في جميع أقطارهم - وليس في قطرٍ واحدٍ - أن يتحاكموا إلى شريعة الله لتعود لهم العزة والمكنة والمجد، ليعودوا سادةً وقادةً كما كانوا "إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله" (٢)، ما أجمل أن ينمو الصغير وأن يترعرع، فينشأ في طاعة الله ! ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "يعجب ربك من الشاب ليست له صبوةٌ" (٣)، لم يمل إلى المعاصي، لم ينحرف، لم يخرج عن الطريق السليم، ونحن حتى في زماننا هذا نرى كثيرًا من الشباب الذين في أوائل عمرهم تجد أنهم يترددون على المساجد، تجد أنهم يحفظون ألسنتهم وفروجهم، يحفظون ألسنتهم عن القول المشين، فَلَا يتكلَّمون إلا بذكر الله، وما ينفعهم، ولا يقول أحدهم إلا خيرًا، ويحفظون فروجهم عن المعاصي، فهم أهلٌ لأن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وَأيضًا "ورجل قلبه معلق بالمساجد" (٤)، هذه الصلاة التي كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبه أمرٌ، أسرع إلى الصلاة، الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ولذلك يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي

стр. 7522

اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٧، ٧٨]. هؤلاء هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] خشية الله هي التي دفعتهم إلى هذا. كذلك أيضًا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "رجلان تحابَّا في الله، اجتمعا على ذلك، وافترقا عليه" (١)، ما كانت محبة أحدهما للآخر لأجل غرض من أغراض الدنيا، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "مَنْ أحب في الله، وأبغض في الله، وعادى في الله" (٢)، فإنما تُنَال ولاية الله بذلك و ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾، هذه هي الصداقة، هي الخلة التي تدوم، وسيجد الإنسان نتائجها يوم القيامة، فما أجمل أن يتحابَّ إنسان في طاعة الله ! ولعظم هذا العمل يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ومن هؤلاء أيضًا "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين" (٣)، وتعلمون أيضًا أن من الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة (٤): رجلًا أرَاد أن يهمَّ بالجريمة فتذكر، فلما خوف بالله

стр. 7523

خاف، فكان ذلك سببًا من أسباب ارتفاع تلك الصخرة، وكلهم دعا كما هو معلوم في ذلك الحديث، فما أعظم أن يكون الإنسان عفيفًا متجنبًا للمحرمات، مقبلًا على طاعة الله ، إن كان كذلك فإنه - بلا شك - أهلٌ أيضًا لأنْ يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ومن بين أولئك "رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه" (١) عندما تكون في مكان خاليًا، فتتذكر الله ، فتسيل الدموع على وَجْنتيك، تسيل على خديك، مَا سالت هذه الدموع وأنت ترى أناسًا أمامك تجاملهم أو ربما ترائيهم، لكن ذلك حصل وأنت خَالٍ، ففاضت عيناك، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله" (٢)، فإذا بكى الإنسان في خلوته خوفًا من الله ، وخشيةً لله ، يخشى عذاب الله، ويرجو رحمته وعفوه، فلا شك أنه يكون من أولئك الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 7524

وآخر هؤلاء السبعة "ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١)، والله يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]. وَفي هذا الحديث أيضًا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل أنظر معسرًا، أو وضع عنه ما له عليه من دَيْن، وأنت تجد بعض الناس يملك المال وعليه حقوق للآخرين، لكنه يماطل، ورسول الله ﷺ يقول: "مطل الغني ظلم" (٢)، وآخر لا يملك شيئًا، فتجد أن الدائن يُضيِّق عليه المسالك، يتردد على بيته، يحاصره، يضايقه، ويضايق أولاده، وربما تجد أنه يتعفَّف عن السؤال؛ لأنه لا يجد لقمةَ العيش، أليس مثل هذا بحَاجَةٍ إلى أن ينظره التاجر الذي وهبه الله هذا المال، وزاده فيه بسطةً؟ أليس الذي أعطاك هذا المال قادرًا على أن يسلبه فيغنيه ويفقرك كما رأيتم في أولئك الذين سَأَلَ كل واحدٍ منهم اللهَ تعالى أن يعطيه مالًا، فأعطى كل واحدٍ منهم قطيعًا .. فعلى المسلم أن يراعي هذا. وما أجمل أن يُنْظر الدائنُ المدينَ المعسر وينتظره، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وفوق ذلك وأعظم منه أن يضع عنه الدَّين، لماذا؟ لأنه يريد بذلك وجهَ الله تعالى والدارَ الآخرة، فمَنْ يُخفِّف عن المؤمنين كُرْبتهم، ومَنْ يساعد المدين في دَيْنه، فيؤجل عنه، ولا يضيق عليه، أو يضع عنه ذلك الدَّين، ويبتغي بذلك وجه الله ، فالله لا يضيع أجره، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].

стр. 7525

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧] يحييهم الله تعالى في هذه الحياة الدنيا حياةً طيبةً، فيها السعادة والفلاح، وفيها راحة النفس وطُمَأنينة القلب، أما في الآخرة فإن الله يدخلهم جنةً عرضها السماوات والأرض أُعدَّت للمتقين. قوله: (مَسْأَلَة: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ (١) عَلَى أَنَّهُ إذا كانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ إِلَى أَجَلٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ عِنْدَ الأَجَلِ وَبَعْدَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَخْذُهَا). فإذا كان لإنسانٍ على إنسانٍ دراهم أو دنانير، ومنها المسلم فيه، فما حكم ذلك؟ هذَا يدخل في حَالٍ من أحوال ثلاثة: إما أن يردها إليه في وقتها، وحينئذٍ يلزمه أخذها، وإما أن يردها إليه قبل وقتها، وهذا في ظاهره عمل طيب، ولكنه لا يخلو من أمور: إن كان الذي يرده إليه قبل وقته لا يؤثر عليه كأن يعطيه المسلم فيه، ويكون حديدًا أو خشبًا أو نحاسًا، وغير ذلك مما لا يفسد ولا يتأثر، فعليه أن يقبله شريطة ألا يتضرر بذلك، أما إن كان ما يأتي به قبل وقته مما فيه نضارة، أي: مما يمكن أن يتطرق إليه الفساد كالفاكهة، أو يخشى هلاكه كأن يكون حيوانًا، والمُسلِمُ لم يحتج إليه بعد، ولكنه يحتاج إليه في وقت قادم، فإذا جاء به إليه قبل وقته خشي هلاكه، وقد يتحمل الإنفاق عليه أيضًا وهو لا يحتاجه، فحينئذٍ لا يلزمه أَخْذه، وبعض العلماء يجيز ذلك، وبعضهم لا يرى ذلك.

стр. 7526

قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي العُرُوضِ المُؤَجَّلَةِ مِنَ السَّلَمِ وَغَيْرِهِ: فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالجُمْهُورُ: إِنْ أَتَى بِهَا قَبْلَ مَحِلِّ الأجَلِ لَمْ يَلْزَم أَخْذُهَا (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّر، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ النضَارَة، لَزِمَهُ أَخْذُهُ). النضارة (٤): أن تجد للشيء - كالفاكهة مثلًا - لمعانًا وحيويَّةً، فتشتاق

стр. 7527

النفس إليها، فلو أخذها وأبقاها عنده فسوف تتغير، وربما تفسد، فحينئذ لا يلزم بأخذها إذا جيء إليه بها قبل الوقت المحدد لتسلمها. قال: (كَالنُّحَاسِ، وَالحَدِيدِ). كل شيءٍ لا يتغير كالنُّحَاس والحديد والرصاص، وكذلك الخشب يلزمه أخذه إذا لم يلحقه ضررٌ، فلو أنه جيء له بأطنانٍ من الحديد قبل محلِّ الأجل وهو لم يهيئ مكانًا بعد، فَحِينَئذٍ سيلحقه ضرر بذلك؛ لأنه إن لزمه سيذهب ويستأجر لها أماكنَ. قوله: (وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ النضَارَةُ كَالفَوَاكِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ). لأنها مما تتغير ويتطرق إليه الفساد، ومثلها لو جاءه بقمح قبل وقته وهو لا يحتاجه وقتها، أو جاءه بقمح قديم وهو يريده جديدًا، أو جاءه بخروف قبل وقته وهو يريد أن يدعو عليه أناسًا بعد شهر وهو جاءه قبل شهر، فهو يحتاج في هذه الحالة أن ينفق عليه، وربما يهلك، فعليه أن يأتي به في وقته. قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَتَى بَعْدَ مَحِلِّ الأَجَلِ، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبْضُه، مِثْلُ أَنْ يُسْلِمَ فِي قَطَائِفِ الشِّتَاءِ، فَيَأْتِي بِهَا فِي الصَّيْفِ (١)، فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَجَمَاعَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ) (٢). وهذه اختلف العلماء، فيها فرُوِيَ عن مالكٍ أنه يلزمه قبضها، ورُوِيَ عن غيره أنه لا يلزمه قبضها.

стр. 7528

قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمْهُ قَبْضُ العُرُوضِ قَبْلَ مَحِلِّ الأَجَلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِهِ إِلَى الوَقْتِ المَضْرُوبِ الَّذِي قَصَدَهُ) (١). ويقصد بالجمهور: الأئمة الذين لم يُذْكروا، أما الإمامان الشافعي (٢) وأحمد (٣)، فمنهجهما واحد في ذلك، يقسمون أقسامًا ثلاثةً: إنْ جاء بها في موعدها لزمه الأخذ، وهذا متفق عليه من الأئمة كلهم، وإنْ جاء بها قبل موعدها كما رأيتم التفصيل إن كانت فاكهةً تتضرر فلا، لكن له أن يأخذها؛ لأن القصد أنه لا يلزمه. قَوْله: (وَلمَا عَلَيْهِ مِنَ المُؤْنَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِم، إِذْ لَا مُؤْنَةَ فِيهَا). والدراهم والدنانير ليس فيهما إشكالٌ؛ لأن تقديمها وتأخيرها لا يضر، بل تقديمها يفيده، لأنه يستفيد بها. قوله: (وَمَنْ لَمْ يُلْزِمْهُ بَعْدَ الأَجَلِ، فَحُجَّتُهُ أَنَّهُ وَأَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنَ العُرُوضِ إِنَّمَا كَانَ وَقْتَ الأَجَلِ لَا غَيْرَه، وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الوَجْهَيْنِ (أَعْنِي: بَعْدَ الأَجَلِ أَوْ قَبْلَهُ)، فَشَبَّهَهُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ أَسْلَمَ إِلَى آخَرَ أَوْ بَاعَ مِنْهُ طَعَامًا عَلَى مَكِيلَةٍ مَا، فَأَخْبَرَ البَائِعُ أَوِ المُسْلَمُ إِلَيْهِ المُشْتَرِيَ بِكَيْلِ الطَّعَامِ). فلو أنَّ شخصًا أسلمَ إلى آخَر في قَمْحٍ وهو من الطَّعام الذي يُكال، وأخبر البائِعُ المُشْتري بكيل الطَّعام، فهل للمُشْتري أن يقبضَ منه دون أن يكيل الطعام، ويكتفي بتصديق البائع بما قَالَ؟ وقد مرَّت هذه المسألة في البيوع.

стр. 7529

قَوْله: (هَلْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ دُونَ أَنْ يَكِيلَه، وَأَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَصْدِيقِهِ؟). فانقسم العلماء إلى قسمين: مالكٌ وأحمد أجازاه، وأبو حنيفة والشافعي منعاه. قَوْله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): ذَلِكَ جَائِزٌ فِي السَّلَمِ، وَفِي البَيْعِ بِشَرْطِ النَّقْدِ، وَإِلَّا خِيفَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الرِّبَا، كَأَنَّهُ إِنَّمَا صَدَقَهُ فِي الكَيْلِ لِمَكَانِ أَنَّهُ أَنْظَرَهُ بِالثَّمَنِ). ونرى الإمام مالكًا ﵀ يحتاط كثيرًا في تلك الأبواب، وسبق مثل ذلك في البيع، فخشية أن يكون المشتري قد طأطأ رأسه، واستسلم له؛ لأنه بحاجة إلى المبيع، فالإمام مالك يرى أن هذا مما لا يدخل في الحلال والحرام، وإنما هذا يدخل في الشُّبَهِ. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)،

стр. 7530

وَالثَّوْرِيُّ (١)، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ (٢): لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَكِيلَهُ البَائِعُ لِلْمُشْتَرِي مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ أَنْ كَالَهُ لِنَفْسِهِ بِحَضْرَةِ البَائِعِ). فَلَا بُدَّ عند هؤلاء الأئمَّة أن يكيل المُشْتري الطعامَ بنفسه أمام البائع. قوله: (وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكِيلَه، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكِيلَهُ البَائِعُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ البَيْعِ الكَيْلُ، فَكَذَلِكَ القَبْضُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ: صَاعُ البَائِعِ، وَصَاعُ المُشْتَرِي" (٣)). وهَذَا الحديث مرَّ بنا من قبل، وفيه كَلامٌ، لكن يُؤيِّده ويقويه الحديث الصحيح: "إذا بعتَ فَكِلْ، وإذا ابتعتَ فَاكْتَلْ" (٤)، فالبائع إذا أراد أن يبيع عليه أن يكيل بضاعته، وكذلك المشتري إذا أراد أن يشتري فعليه أن يكيل ما يشتريه. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا هَلَكَ الطَّعَامُ فِي يَدِ المُشْتَرِي قَبْلَ الكَيْلِ، فَاخْتَلَفَا فِي الكَيْلِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، وَبِهِ قَالَ أَبُو
следующие страницы →