النفس إليها، فلو أخذها وأبقاها عنده فسوف تتغير، وربما تفسد، فحينئذ لا يلزم بأخذها إذا جيء إليه بها قبل الوقت المحدد لتسلمها.
قال: (كَالنُّحَاسِ، وَالحَدِيدِ).
كل شيءٍ لا يتغير كالنُّحَاس والحديد والرصاص، وكذلك الخشب يلزمه أخذه إذا لم يلحقه ضررٌ، فلو أنه جيء له بأطنانٍ من الحديد قبل محلِّ الأجل وهو لم يهيئ مكانًا بعد، فَحِينَئذٍ سيلحقه ضرر بذلك؛ لأنه إن لزمه سيذهب ويستأجر لها أماكنَ.
قوله: (وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ النضَارَةُ كَالفَوَاكِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ).
لأنها مما تتغير ويتطرق إليه الفساد، ومثلها لو جاءه بقمح قبل وقته وهو لا يحتاجه وقتها، أو جاءه بقمح قديم وهو يريده جديدًا، أو جاءه بخروف قبل وقته وهو يريد أن يدعو عليه أناسًا بعد شهر وهو جاءه قبل شهر، فهو يحتاج في هذه الحالة أن ينفق عليه، وربما يهلك، فعليه أن يأتي به في وقته.
قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَتَى بَعْدَ مَحِلِّ الأَجَلِ، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبْضُه، مِثْلُ أَنْ يُسْلِمَ فِي قَطَائِفِ الشِّتَاءِ، فَيَأْتِي بِهَا فِي الصَّيْفِ (١)، فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَجَمَاعَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ) (٢).
وهذه اختلف العلماء، فيها فرُوِيَ عن مالكٍ أنه يلزمه قبضها، ورُوِيَ عن غيره أنه لا يلزمه قبضها.
стр. 7528
قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمْهُ قَبْضُ العُرُوضِ قَبْلَ مَحِلِّ الأَجَلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِهِ إِلَى الوَقْتِ المَضْرُوبِ الَّذِي قَصَدَهُ) (١).
ويقصد بالجمهور: الأئمة الذين لم يُذْكروا، أما الإمامان الشافعي (٢) وأحمد (٣)، فمنهجهما واحد في ذلك، يقسمون أقسامًا ثلاثةً: إنْ جاء بها في موعدها لزمه الأخذ، وهذا متفق عليه من الأئمة كلهم، وإنْ جاء بها قبل موعدها كما رأيتم التفصيل إن كانت فاكهةً تتضرر فلا، لكن له أن يأخذها؛ لأن القصد أنه لا يلزمه.
قَوْله: (وَلمَا عَلَيْهِ مِنَ المُؤْنَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِم، إِذْ لَا مُؤْنَةَ فِيهَا).
والدراهم والدنانير ليس فيهما إشكالٌ؛ لأن تقديمها وتأخيرها لا يضر، بل تقديمها يفيده، لأنه يستفيد بها.
قوله: (وَمَنْ لَمْ يُلْزِمْهُ بَعْدَ الأَجَلِ، فَحُجَّتُهُ أَنَّهُ وَأَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنَ العُرُوضِ إِنَّمَا كَانَ وَقْتَ الأَجَلِ لَا غَيْرَه، وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الوَجْهَيْنِ (أَعْنِي: بَعْدَ الأَجَلِ أَوْ قَبْلَهُ)، فَشَبَّهَهُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَنْ أَسْلَمَ إِلَى آخَرَ أَوْ بَاعَ مِنْهُ طَعَامًا عَلَى مَكِيلَةٍ مَا، فَأَخْبَرَ البَائِعُ أَوِ المُسْلَمُ إِلَيْهِ المُشْتَرِيَ بِكَيْلِ الطَّعَامِ).
فلو أنَّ شخصًا أسلمَ إلى آخَر في قَمْحٍ وهو من الطَّعام الذي يُكال، وأخبر البائِعُ المُشْتري بكيل الطَّعام، فهل للمُشْتري أن يقبضَ منه دون أن يكيل الطعام، ويكتفي بتصديق البائع بما قَالَ؟ وقد مرَّت هذه المسألة في البيوع.
стр. 7529
قَوْله: (هَلْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ دُونَ أَنْ يَكِيلَه، وَأَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَصْدِيقِهِ؟).
فانقسم العلماء إلى قسمين: مالكٌ وأحمد أجازاه، وأبو حنيفة والشافعي منعاه.
قَوْله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): ذَلِكَ جَائِزٌ فِي السَّلَمِ، وَفِي البَيْعِ بِشَرْطِ النَّقْدِ، وَإِلَّا خِيفَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الرِّبَا، كَأَنَّهُ إِنَّمَا صَدَقَهُ فِي الكَيْلِ لِمَكَانِ أَنَّهُ أَنْظَرَهُ بِالثَّمَنِ).
ونرى الإمام مالكًا ﵀ يحتاط كثيرًا في تلك الأبواب، وسبق مثل ذلك في البيع، فخشية أن يكون المشتري قد طأطأ رأسه، واستسلم له؛ لأنه بحاجة إلى المبيع، فالإمام مالك يرى أن هذا مما لا يدخل في الحلال والحرام، وإنما هذا يدخل في الشُّبَهِ.
قَوْله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)،
стр. 7530
وَالثَّوْرِيُّ (١)، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ (٢): لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَكِيلَهُ البَائِعُ لِلْمُشْتَرِي مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ أَنْ كَالَهُ لِنَفْسِهِ بِحَضْرَةِ البَائِعِ).
فَلَا بُدَّ عند هؤلاء الأئمَّة أن يكيل المُشْتري الطعامَ بنفسه أمام البائع.
قوله: (وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكِيلَه، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكِيلَهُ البَائِعُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ البَيْعِ الكَيْلُ، فَكَذَلِكَ القَبْضُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ: صَاعُ البَائِعِ، وَصَاعُ المُشْتَرِي" (٣)).
وهَذَا الحديث مرَّ بنا من قبل، وفيه كَلامٌ، لكن يُؤيِّده ويقويه الحديث الصحيح: "إذا بعتَ فَكِلْ، وإذا ابتعتَ فَاكْتَلْ" (٤)، فالبائع إذا أراد أن يبيع عليه أن يكيل بضاعته، وكذلك المشتري إذا أراد أن يشتري فعليه أن يكيل ما يشتريه.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا هَلَكَ الطَّعَامُ فِي يَدِ المُشْتَرِي قَبْلَ الكَيْلِ، فَاخْتَلَفَا فِي الكَيْلِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، وَبِهِ قَالَ أَبُو
стр. 7531
ثَوْرٍ (١)، وَقَالَ مَالِكٌ (٢): القَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَقَهُ المُشْتَرِي عِنْدَ قَبْضِهِ إِيَّاه، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ البَيْعَ يَجُوزُ بِنَفْسِ تَصْدِيقِهِ).
اختلف العلماء فيما هلك إذا كان الطعام في يد المشتري قبل أن يكيله بحضرة البائع، فالشافعيُّ وأبو ثورٍ يريان أن القَوْل قول المُشتري، ويرى مالك أن القول قول البائع؛ لأن المشتري صدقه عند البيع، وهو أعلم بمقدار سِلْعتِهِ، ولأن قبض المشتري السلعة دون أن يكيلها جائزٌ عند الإمام مالكٍ كما مرَّ بنا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البَابُ الثَّالِثُ: فِي اخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ فِي السَّلَمِ
وَالمُتَبَايِعَانِ فِي السَّلَمِ إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ أَوِ المَثْمُونِ، وَإِمَّا فِي جِنْسِهِمَا، وَإِمَّا فِي الأَجَلِ، وَإِمَّا فِي مَكَانِ قَبْضِ المُسْلَمِ).
والمؤلف ﵀ سيذكر أربع مسائل:
стр. 7532
الأولى: إذا اختلف المُسلِمُ والمُسلَمُ إليه في مقدار الثَّمن أو المثمون، أي: في مقدار المُسلَم فيه.
الثانية: إذا اختلَف المُسلِمُ والمُسلَمُ إليه في جنس المُسْلَمِ فيه.
الثالثة: إذا اختلف المُسلِمُ والمُسلَمُ إليه في حلول الأجل أو مقداره.
الرابعة: إذا اختلف المُسلِمُ والمُسلَمُ إليه في مكان قبض المُسلَمِ.
قوله: (فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي قَدْرِ المُسْلَمِ فِيهِ، فَالقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ المُسْلَمِ إِلَيْهِ إِنْ أَتَى بِمَا يُشْبِه، وَإِلَّا فَالقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُ المُسْلِمِ إِنْ أَتَى أَيْضا بِمَا يُشْبِه، فَإِنْ أَتيَا بِمَا لَا يُشْبِه، فَالقِيَاسُ أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَتَفَاسخَا) (١).
فلو أنَّ المُسلَمَ إليه أتى بما يشبه المسلَم فيه، فالقول قوله، وكذلك إنْ أتى المُسلِمُ بما يشبهه، فالقول قوله، فإنْ لم يأتيا بما يشبهه، فحِينَئذٍ يتحالفان ويتفاسخان.
قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي جِنْسِ المُسْلَمِ فِيهِ: فَالحُكْمُ فِي ذَلِكَ التَّحَالُفُ وَالتَّفَاسُخ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: أَسْلَمْتُ فِي تَمْرٍ، وَيَقُولُ الآخَرُ: فِي قَمْحٍ (٢)، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُما فِي الأجَلِ: فَإِنْ كَانَ فِي حُلُولِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُسْلَمِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَدْرِهِ فَالقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُ المُسْلَمِ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(كِتَابُ بَيْعِ الخِيَارِ)
والخِيارُ أنواعٌ كثيرةٌ، وليس نوعًا واحدًا، وقد مرَّ بنا خيارُ المجلس (١)، ورأينا أنَّ العلماء قد أختلفوا فيه، فأكثر الفقهاء يقرُّون بخيار المجلس، ويرون بأنه ثابت، وأنه قد جاءت به سُنَّة رسول الله ﷺ ، وهذا هو قول جمعٍ من الصحابة والتابعين، وهو قول الإمامين الشافعي وأحمد، ورأينا أن المالكية والحنفية يخالفون فيه، ووجهتهم في ذلك هو تأويلهم للأحاديث التي وردت في هذا الأمر، منها الحديث المتفق عليه: "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا"، حيث فسر الحنفية والمالكية التفرق بالأقوال، وجمهور العلماء ذهبوا إلى أن المراد بالتفرق إنما هو التفرق بالأبدان، وقد تكلمنا عن ذلك، وفصلنا القول فيه، وبيَّنَّا أن الراجح هو قول جمهور العلماء الذين قالوا بثبوت خيار المجلس، وأن التفرُّق إنما هو التفرق بالأبدان، ولقد فَعَل ذلك عبد الله بن عمر ﵂ عندما كان يطبق ذلك عمليًّا.
إذن، مر بنا خيار المجلس، كذلك مرت الإشارة إلى ما يُعْرف بخيار الغبن (٢)، عندما تكلمنا عن مسائل النهي، ومنها: أن يبيع المسلم على بيع
стр. 7535
أخيه، أو يسوم على سومه، وعن تلقي الركبان (١)، وعن بيع النجش (٢)، وغير ذلك من المسائل الكثيرة التي مرت بنا، ورأينا أنه في بيع النجش وفي تلقي الركبان، وفي مسائل أخرى يؤخذ بخيار الغبن، فلو أنَّ إنسانًا تلقى جالبًا، فغابنه فله الخيار، وهكذا.
أمَّا الخيار الذي معنا، فهو ما يُعْرف بخيار المجلس، وهذا لم يخالف فيه الحنفية، وكذلك المالكية، بل انضموا إلى جمهور العلماء، لكنكم سترون أن الخلاف بين العلماء إنما يقف عند المدة، والذي خَالَفوا في ثبوت خيار الشرط هم قلةٌ، وعليه فقول المؤلف: (كتَاب بيع الخيار)، أي: الكتاب الذي يُذْكر فيه خيار الشرط، أيْ: بيع خيار الشرط، والمؤلف كعادته يقدم بمقدمة موجزة يذكر فيها ما يتضمنه المبحث الذي يتكلم عنه ليكون بمثابة كَشَّاف يحدد المسائل، ويضيء الطريق لمن يريد أن يدخل في تفاصيل هذه المباحث والمسائل.
قوله: (وَالنَّظَرُ فِي أُصُولِ هَذَا البَاب)، وليس المراد عمومًا كتاب "بداية المجتهد"، وإنما مراده بالكتاب كَتاب بيع الخيار، فما هي أصول المؤلف؟ والمؤلف منذ أن بدأنا بيَّنَّا كثيرًا بأنه يُعْنى بأمهات المسائل، أيْ: بأصول المسائل، فلا يعرض كثيرًا للمسائل الجزئية، بل يأخذ بكُبْريات المسائل التي يعبر عنها بأمهاتها، فهو يريد أن يقول: هذا المبحث وهذا الكتاب فيه مسائلُ كثيرةٌ، لكننا سنقتصر على أمهاتها، أي: أهم المسائل، وإذا استطعت أن تضبط فقه أمهات المسائل، سَهُلَ عليك أن تلحق بها صغرياتها، أي: جزئياتها.
قوله: (أَمَّا أَوَّلًا فَهَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟)، فالمسألة الأولى: ما حكم بيع خيار الشرط، أو ما حكم خِيار الشرط، هل هو جائز أو لا؟ سيذكر المؤلف بعد قليل حكمه، لأنّ هناك مَنْ يخالف فيه، وإن كان
стр. 7536
المخالف فيه قليلًا، لكن ورد الخلاف فيه، فأول ما سيبحثه المؤلف هو حكم خيار الشرط هل هو ثابت أو لا؟
قوله: (وَإِنْ جَازَ، فَكَمْ مُدَّةُ الخِيَارِ؟)، وعلى القول بجوازه، وهو الصحيح، وهو مذهب جمهور العلماء؛ فكم مدة جوازه؟ هل هو مقيد بأيام ثلاثة أو أن مدته مطلقة؟ إذا كانت مطلقةً فينبغي أن تقيد بزمن، أو تطلق إطلاقًا عامًّا، وهذا أيضًا محل خلاف.
قوله: (وَهَلْ يُشْتَرَطُ النَّقْدِيَّةُ فِيهِ أَمْ لَا؟)، ووقت الخيار قد وضع أصلًا لكلٍّ من المتبايعين، ونقصد بالمتبايعين: البائع والمشترِي، والغرض من هذا الخيار هو أن يُعْطَى كل من البائع والمشتري فرصةً ليفكر؛ لأن المشتري ربما يأخذه بريق السلعة، وربما يجرُّه لمعان السلعة فيندفع إلى شرائها دون تفكيرٍ، وَكَذلك أيضًا البائع ربما يتسرع رغبةً في الحصول على مبلغٍ في بيع سَلعته، وربما يغبن البائع، وربما يغبن المشتري، فهذه الشريعة، السمحة الكاملة الشاملة التي ما تركت أمرًا من أمور الناس التي يحتاجون إليها في معادهم، وأيضًا في دنياهم وآخرتهم إلا وبَيَّنتها، قد وضعت هذا الخيار ليفكر المسلم في أمره (البائع والمشتري).
ولمَّا كان البيع - كما هو معلومٌ - عقدًا لازمًا، اقتضى ذلك أن يكون هناك خيار؛ لأنه عندما تنفذ الصفقة ويتم البيع، حينئذٍ لا يستطيع كل منهما أن يتراجع إلا بوجود سبب كأن يوجد عيب من العيوب، ولذلك وضع الخيار، ومع أن النكاح عقد لازم، لكن لا نرى فيه الخيار، لأن النكاح - كما تعلمون - ليس عقد معاوضة، وليست المعاوضة مقصودةً فيه، لكن البيع يقصد فيه المعاوضة، فهذا الذي يقدم سلعة إنما يريد ثمنًا، وهذا الذي يشتري إنما يريد أن يأخذ سلعةً إليه، إذا، كلٌّ منهما يريد شيئًا؛ هذا يريد مالًا، وَهذا يريد سلعةً.
إذًا، المُعَاوضةُ هنا ظاهرةٌ، نعم النكاح فيه مهرٌ، لكن ليس المقصود به المعاوضة؛ لأن للنكاح أسبابًا كثيرةً، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
стр. 7537
وقوله ﷺ : "تَزوَّجوا الودود الولود؛ فإني مكاثرٌ الأمم بكم يوم القيامة" (١)، و"النكاح سُنَّة، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني" (٢)، فلما كان مصير البيع اللزوم، نجد أن هذه الشريعة أباحت له الخيار حتى لا يندم المسلم، ولا يتألم، ولا يتحسر.
فمُدَّة الخيار هي فرصة لكلٍّ من المتبايعين، فللبائع أن يتراجع عن بيعه في هذه المدة، وللمشتري أيضًا أن يعدل عن الشراء، إذًا هو وقت خيار إلا إذا كان الخيار لأحدهما، وهذا جائز، فربما يشترط المشتري الخيار ولا يشترط البائع، فإذا قال المشتري: لي الخيار، فعلى البائع أن يعطيه الفرصة، فالشرط هنا للمشتري.
قوله: (وَمِمَّنْ ضَمَانُ المَبِيعِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ؟)، مرَّ بنا فيما مضى أن المُشتري هو الذي يضمن بعد قبض السلعة، وَجَاءَ فِي ذلك حَديثٌ أن الرسول ﷺ قال: "مَن اشْتَرى طعامًا، فلا يبعه حتى يقبضه" (٣)، فدل ذلك على أن المبيع يكون في مِلْكِ المشتري عند قبضه.
ولذلك، فقد ذكر العلماء أنه لو تلف المبيع وهو لم يقبض، فهو من ضمان البائع، وإنْ تلف بعد قبضه، فهو من ضمان المشتري، وقد مرَّ بنا كيف فَرَّقوا بين المكيل والموزون والمعدود وبين غيره، وبيَّنوا أن كلَّ قَبْضٍ بحَسَبه، المكيل والموزون والمعدود، المكيل قبضه بالكيل، والموزون بالوزن، والمعدود بالعَدِّ، والمنقول بالنقل، وأما مَا لا يُنْقل كالأراضي، فإنه يتمُّ قبضها برفع البائع يده عنها، وقَدْ مرَّ بنا هذا في بيع الثمار.
قَوْله: (وَهَلْ يُورَثُ الخِيَارُ أَمْ لَا؟)، فإذا كان لرجلٍ خيار فتُوفِّي، هل ينتقل الخيار إلى ورثته أو يسقط بموت صاحب الخيار؟
قوله: (وَمَنْ يَصِحُّ خِيَارُهُ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ؟)، هل الخيار عام أو
стр. 7538
أنه خاص لغير الأجنبي؟؛ لأن الأجنبيَّ يُوكل فيكون لَه الخيار أيضًا.
* قَوْله: (وَمَا يَكُونُ مِنَ الأَفْعَالِ خِيَارًا كَالقَوْلِ؟) وما الذي يلحق بالأقوال في الخيار؟، فهذه عَنَاوين المسائل التي سيفصل المؤلف فيها القول، ويأخذها مسألةً مسألةً.
* قوله: (أَمَّا جَوَازُ الخِيَارِ فَعَلَيْهِ الجُمْهُورُ (١)، إِلَّا الثَّوْرِيَّ (٢)، وَابْنَ أَبِي شُبْرُمَةَ (٣)).
المرأد بالخيار هو خيار الشرط، بل إنَّ من العلماء مَنْ حكى الإجماع كالإمام النووي في كتابه "المجموع" (٤)، لكن قد رأيتم أن الثوري
стр. 7539
خالف في ذلك، وخالف فيه بعض أهل الظاهر، وليس إمامهم (١)، فإمامهم يرى هذا؛ لأنه ستأتي إشارة المؤلف إلى جواز الخيار.
إذًا، فَالخيَارُ فيه خلافٌ، فهل كفَّة الخلاف متعادلة؟ الجواب: لا؛ لأن الجمهور في كفة، فهذا رأي جمهور الصحابة، بل رأي الصحابة عمومًا، وما عُرِفَ عن أحدٍ من الصحابة أنه خالف، وهو أيضًا رأي جمهور التابعين، وكذلك أيضًا أتباع التابعين، والْتَقَى حوله الأئمة الأربعة المعروفون، فالخلاف فيه يُعْتبر خلافًا يسيرًا، ولذلك ذهب بعضهم إلى الإجماع، وبعض العلماء يضع مصطلحًا آخَرَ يُفرِّق فيه بين الإجماع وبين الاتفاق، ففي مثل هذه المسائل يقول: اتفق العلماء، وهو أقرب (٢)، فخيار الشرط: أن تذهب لتشتري سلعةً (سيارةً أو دارًا أو ثوبًا أو ثلاجةً أو أي نوع من أنواع السلع، وما أكثرها في هذا الزمان) فتشترط الخيار، هذا هو خيار الشرط، أما خيار المجلس فإنه ينتهي بالمفارقة ما دمتَ عند صاحب السلعة، فَلَكَ الخيار، فماذا تفرقتما حينئذٍ "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا"، لكن هذا خيار آخر، وهو خيار الشرط، فما حكم هذا الخيار؟
قُلْنا: جمهور العلماء ذهبوا إليه، وفريقٌ آخر عارض، فهل هذا الفريقُ القليلُ أو القلة القليلة لهم دليلٌ؟ هؤلاء في الحقيقة ليس لهم نصٌّ يَتمسَّكون به، وإنما هم يعللون بتعليل غير مسلم؛ لأنهم يرون أن فيه غررًا (٣)، ونحن نقول بأن الغرر ينقسم إلى قسمين، أولًا: من حيث الوجود، فهناك غرر شديد يترتب عليه، وهذا حاربته الشريعة، ونهت عنه، وحذرت منه كما عرفنا في الربا وفي غيره، وهناك غرر يسير، فهذا الغرر
стр. 7540
يتجاوز عنه على اختلاف بين العلماء أيضًا فيه، هل يتجاوز عنه أو لا؟ وكذلك أيضا الغبن (١) فيه خلاف بين العلماء.
إذًا، القضية فيها تفصيل، فدعوى الغرر غير مسلمة، وجمهور العلماء يستدلون بأدلة، منها حديث حبان بن منقذ ذلكم الصحابي الأنصاري الذي أَصَابته آفةٌ في رأسه، فأثَّرتْ على رأيه، فصار إذا باع بيعًا أو اشترى شراءً ربما يُخْدع فيه، يعني: يأتي لشراء السلعة، فيُقَال له بكذا، فيأخذها دون أن يماكس فيها؛ لأن البيع مساومة (٢) ومرابحة (٣)، وهناك أنواع أخرى كما سيأتي معنا، لكن الأصل في البيع هو المساومة، فلما كثر هذا الأمر ورأى أنه يُخدع في هذه البيوع شكا أمره إلى رسول الله ﷺ ، وأنتم تعلمون أن رسول الله ﷺ هو نبي هذه الأمة، وقد أعطاه الله من الصفات الكريمة، والمزايا الحميدة، والسجايا العزيزة ما لم يعطى مثله.
ولذلك، كان أصحاب رسول الله ﷺ يقتدون بهديه ﷺ ، وأيضًا يَستنُّون بسُنَّته، وينهلون من منهله، ويأخذون العلم، ويكتسبون الأخلاق من مشكاته ﷺ ، هذا الرَّسُولُ الكَريمُ الذي أرسله الله رحمةً لهذه الأمة رؤوف بهم ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، أَرْسَله الله إلى هذه الأمة، وامتنَّ على هذه الأمة بإرساله لها هذا النبي الكريم ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
стр. 7541
ولا شك أنها منة عظيمة، وأن هذا الرسول الكريم هو خير الرسل وأفضلهم، فلما شكا إليه أمره، ورسول الله ﷺ يهتم بأمور الناس، ولا شك أن الرسول ﷺ راعٍ، وكما قال: "كلكم راعٍ، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته" (١)، فاهتم بأمر هذا الرجل، فرسم له طريقًا مستقيمًا يخرجه من هذا الأمر، فقال له: "إذا بايعتَ فقل: لا خلابَة" (٢)، أي: لا خدعة، فإذا ذكرت هذه العبارة فخدعت، فلك الخيار، هذا الحديث متفق عليه، لكن جاء في بعض طرقه أن الرسول ﷺ جعل له الخيار ثلاثًا (٣)، وفي بعض الروايات: "ثلاث ليال"، وهذه الرواية: "ثلاث ليال" لم ترد في "الصَّحيحَين"، وإنما وردت عند ابن ماجه (٤)، وعند الدارقطني (٥)، والبيهقي (٦)، وفي "تاريخ البخاري" (٧)، ولا شك أنها رواية صحيحة (٨)، فجمهور العلماء احتجوا بهذا وهو نص صريح.
قوله: (أَمَّا جَوَازُ الخِيَارِ، فَعَلَيْهِ الجُمْهُور، إِلَّا الثَّوْرِيَّ)، والثَّوْري من أتباع التابعين، وإذا أطلق الثوري فيقصد به سفيان الثوري، وهو إمام جليل ممن عاصر الإمامين مالكًا وأبا حنيفة، وهو أيضًا من علماء العراق وهو من العلماء الأعلام، لكن لم يكن له تلاميذ في الفقه، فلذا لم يحفظ فقهه في كتب خاصة كما حفظ فقه الأئمة الأربعة،
стр. 7542
لكن فقهه موزع وموجود في كتب الآثار والمصنفات والمسانيد، وفي كتب الفقه المبسوطة كـ "المغني" لابن قدامة و"المجموع" للنووي وكتب ابن المنذر، وغير ذلك.
قوله: (وَابْنَ أَبِي شُبْرُمَةَ، وَطَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ).
إذًا، هم قلةٌ، ويُقَابلهم في الطرف الآخر الصَّحابة ﵃ حتى إنه جاء في الأثر أنه سُئِلَ عمر ﵁ عما يتعلق بالخيار، فقال: "لا أجد لكم رخصةً"، أو "لا أجد أن أجعل لكم خيرًا مما جعل رسول الله ﷺ لحبان بن منقذ" (١)، هو جعل له الخيار ثلاثًا، فلا أجد لكم خيرًا مما جعل رسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله ﷺ هو الذي منه تؤخذ الأحكام وتتلقى، وهو الأسوة الحسنة للمؤمنين جميعًا.
قوله: (وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ: حَدِيثُ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ، وَفِيهِ: "وَلَكَ الخِيَارُ ثَلَاثًا").
وقَدْ جاء بأنه عاش إلى زمن عثمان ﵁، وكان يختلف مع بعض البائعين، وترتفع الأصوات، فإذا مر أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ يقول للبائع: ويحك! هذا أعطاه رسول الله ﷺ الخيار، أو جعل له الخيار ثلاثًا.
قوله: (وَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ" (٢)).
هذا إشارةٌ إلى خيار المجلس، وخيار المجلس مضى، وأنه جاء فيه عدة أحاديث: "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبَيَّنَّا، بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما، مُحقَتْ بركة بيعهما".
وفي حديثٍ آخر: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما
стр. 7543
لم يتفرقا أو يخير أحدهما صاحبه … " إلى آخر الحديث، فإن تفرَّقا وجب البيع (١).
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَهُ أَنَّهُ غَرَرٌ).
لأنَّه إذا بقي ثلاثة أيام أو أكثر من ذلك، فهذا فيه غَررٌ، وما هو الغرر الذي يقصدون؟ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما قد يلحقه ضرر، فإذا انتظر البائع ثلاثة أيام، وعند من يقول: أكثر من ثلاثة أيام، لا قيد لذلك، فربما إذا مضت هذه المدة يأتي المشتري فيقول: لا أريد هذه السلعة، فكأن البائع قد لحقه ضرر حينئذٍ، لأنه قد يأتيه آخر فيدفع له أكثر مما دفع الأول، فإذا ما جاء الأول وعدل عن البيع، لا يجد مَنْ تَقدَّم لسلعته سابقًا، وربما يحبس المشتري نفسه على هذه السلعة ويفكر فيها، فإذا ما جاء مقدمًا عليها، راغبًا في شرائها، يقول له البائع: أنا عدلت عن البيع، فيلحقه أيضًا ضررٌ، وربما هو أيضًا جاءته سلعة أخرى لو اشتراها لاستفاد، لكن لو أردنا أن نأتي في كل أمر صغير أو كبير، فنقول: فيه وفيه، ربما يندر أن تجد أمرًا من الأمور إلا ويعتريه شيء، لكن الشريعة السمحة نظرت إلى ما هو أهم، وهو أن هذا البيع صفقةٌ، دارٌ ستنتقل إلى زيد، وربما بضاعة من البضائع تحتاج إلى إعْمَالِ فِكْرِ، وَإلَى تَدبُّرٍ إلى أَنْ يستشير حتى لا يقع في أَمْرٍ يكرهه، وَربما أنَّ البائع أَيضًا يجهل الأسعار، فربما يندفع فيبيع السلعة بأقلَّ من ثمنها بكثيرٍ، فيتضرر فيندم على ذلك، فأيُّ المصلحتين أولى؟
لا شك أن البيع إذا تم عن رضا كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقوله ﷺ : "إنما البيع عن تراض" (٢)، فلا شك أنه أولى، وربما
стр. 7544
توقع وقوع ضرر، وهذا أمر متوقع وليس حقيقيًّا، يعني هذا الذي ذكروه ربما يقع، وربما لا يقع، فالضرر هنا غير متحقق، والشريعة الإسلامية تدفع الضرر المتحقق، أما مجرد الظن أو الوهم فلا تأثير له في ذلك، والشريعةُ الإسلاميةُ بُنيَتْ على مصالحَ، وإذا كانت هناك مصلحتان، فيؤخذ بأعلى المصلحتين، إذًا فالمصلحة أيهما أولى؟ هذا لو لم يرد في ذلك حديث، فكيف وقد ورد في ذلك حديث رسول الله ﷺ في قضية معينة.
وَدَعْوى أن ذلك خاص بـ "حبَّان" هذا، يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل في الأحكام أنها إذا جاءت، فهي عامة حتى لا تخص رسول الله ﷺ إلا بدليل كما في قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، إذًا، هذا خاص برسول الله ﷺ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] في نعيم بن مسعود (١)، إذًا كونها تخص، هذا يحتاج إلى دليل.
قوله: (وَأَنَّ الأَصْلَ هُوَ اللُّزُومُ فِي البَيْعِ).
فالضرر هنا غير متحققٍ، أما لو كان متحققًا، فالشريعة حينئذٍ تدفعه.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ البَيْعِ عَلَى الخِيَارِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ).
ولا شك أن الأصل في البيع هو اللزوم، لكن متى يكون من اللزوم؟ بعد أن يتم العقد، أما قبل ذلك فلا يكون لازمًا، ونحن نعرف بأن العقود أنواع، وأيضًا النكاح عقد لازم، لكن ليس فيه خيار؛ لأنه لا يقصد به المعاوضة، فالمقصود به أكرم من ذلك وأجل، وإنْ كانت المُعَاوضةُ واردةً وهو المهر، والإجارة هي عقد لازم، لكنه يفصل القول فيها، فرق بين
стр. 7545
إجارة يقدم فيها الثمن، وبين إجارة كإجارة الظئر (١) ونحوه تؤجل فيها.
وقد قام دليل من سنة رسول الله على جواز البيع على الخيار (٢)؛ لأنه ورد من عدَّة طرق، وحتى رواية ابن إسحاق جاء التصريح فيها بالتحديد (٣).
* قوله: (أَوْ إِجْمَاعٍ).
وَقُلْتُ لَكمْ: إنَّ الإمامَ النوويَّ حكى الإجماعَ (٤)، لكن سمعتم خلافَ مَنْ خالف، إذًا المسألة فيها شبه إجماع.
قوله: (قَالُوا: حَدِيثُ حَبَّانَ إِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ).
ونحن نقول: له عدة طرق، وهو صحيح (٥)، إذًا ارتفع هذا.
قَوْله: (وَإِمَّا أَنَّهُ خَاصٌّ لَمَّا شَكَا إِلَيْهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَع فِي البُيُوعِ).
ومَنْ يدَّعي أمرًا، فَيُطَالب ببَيِّنة ذَلكَ، ودعوى أنه خَاصٌّ غير سَلِيمَةٍ، فليس هناك دليلٌ على الخصوصية.
قَوْله: (قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: "إِلَّا بَيْعَ
стр. 7546
الخِيَارِ"، فَقَدْ فُسِّرَ المَعْنَى المُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ وَهُوَ: "أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ" (١)).
وما المانع أن يَقُول: اخترت بعد مضي المدة، فلا يتعَارض مع ما قاله الجمهور، إذا مضت المدة يأتيه ويقول له: اخْتَرت، وَهَذا في خيار المجلس، حتى الَّذين خالفوا في خيار المجلس (المالكيَّة (٢) والحنفية (٣)) انضموا إلى الجمهور، فخيارُ الشرط الخلافُ فيه يسيرٌ؛ لأن المصلحة تقتضيه، فأنت تريد أن تشتري سيارة فتريد فحصها وتتبع السير عليها، فربما تكون فيها عيوب، فالعلماء تكلموا عن هذه المسائل، حتى لا يقدم الإنسان على عمًى، وإنما يقدم على بَيِّنةٍ.
قوله: (وَأَمَّا مُدَّةُ الخِيَارِ عِنْدَ الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِهِ).
هَلْ هي مقصورةٌ على مورد النص ثلاثة أيام، أو تجوز أكثر من ذلك؟
* قَوْله: (فَرَأَى مَالِكٌ (٤) أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ قَدْرٌ مَحْدُودٌ فِي نَفْسِهِ).
стр. 7547
قُلْتُ: إنَّ الإمام مَالكًا ﵀ دائمًا يُدْخل المصلحة في كثيرٍ من الأحكام، ولا شك أن المصلحةَ معتبرةٌ؛ لأن هذه الشريعة قامت على أسسٍ، ومن هذه الأسس مُرَاعاة مصالح الناس، والمصلحةُ المرسلةُ (١) معتبرة شرعًا شريطة ألا تعارض نصًّا من كتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماعٍ، فإذا الْتَقَتْ هذه المصلحة مع روح الشريعة الإسلاميَّة، وَاتَّفقت مع أُصُولها، حِينَئذٍ يُؤْخذ بها، وما أكثرَ المصالح التي نجدها الآن طبقت! فهذه الشريعة شريعة كاملة أُنْزلَت لتبقى إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.
قوله: (وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِتَقَدُّرِ الحَاجَةِ إِلَى اخْتِلَافِ المَبِيعَاتِ، وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ المَبِيعَاتِ، فَقَالَ: مِثْلُ اليَوْمِ وَاليَوْمَيْنِ فِي اخْتِيَارِ الثَّوْبِ).
واختيار الثَّوْب لا يحتاج إلى تفكيرٍ طويلٍ، فالثوبُ معروفٌ المصنع الذي صُنِعَ فيه، وكذا ومادَّته وَخَامته، فهو بِحَاجةٍ إلى أن يستشير فيه، وهذا لا يحتاج إلى وقتٍ طويلٍ.
قوله: (وَالجُمُعَةِ وَخَمْسَةِ الأَيَّامِ فِي اخْتِيَارِ الجَارِيَةِ ((٢).
لأنه يريد أن يعرفَ أمَانَتها وصِدْقها، وهذه أمورٌ دقيقةٌ لا تتبين في
стр. 7548
الساعة واليوم، فلا بد أن يتعامل معها، ويرى تصرُّفاتها، هل هي حمقاء أو لا؟ هل هي أمينة أم غير أمينة؟ فالأمر يحتاج إلى وَقْتٍ، وليسَ الأَمْر كالثوب، فالثَّوب أمرُ سهلٌ.
قَوْله: (وَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ فِي اخْتِيَارِ الدَّارِ. وَبِالجُمْلَةِ: فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الأَجَلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ فَضْلٌ عَنِ اخْتِيَارِ المبِيعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَه (٢): أَجَلُ الخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ).
وقَدْ وَقَفوا عند ظاهر النَّصِّ، وقالوا: لن نتجاوزه، فالرسول ﷺ أعطى هذا الرجل الذي هو بحاجةٍ إلى الخيار ثلاثة أيام، فكَوْنه قَصَر الخيَار على ثَلَاثة أيامٍ دليلٌ على أنه لا يتجاوز ذلك، والآخرون قالوا: هذا عَقدُ مُعَاوَضةٍ، ولا يَتَرتب عليه ضررٌ، فينبغي أن يطلق ذلك، وتكون المدة غير مقيدةٍ، ومَنْ قال بذلك إسحاق وابن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وابن أبي ليلى (٣) وأبو يوسف محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة (٤).
قوله: (لَا يَجُوزُ أَكثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ (٥)، وَأَبُو يُوسُفَ،
стр. 7549
وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: يَجُوزُ الخِيَارُ لِأَيِّ مُدَّةٍ اشْتُرِطَتْ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ (١)).
فالشَّافعي وأبو حنيفة وقفا عند ظاهر النص، وقالوا: لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام .. وأحمد وإسحاق وابن أبي ليلى وابن راهويه وأبو ثور ومَنْ ذكرناهم قالوا: تَجُوز الزيادة على الثلاثة؛ لأن هذا عقد، وكل واحد من المتبايعين غير ملزم، فيَنْبغي أن يعطى الفرصة التي يحتاج إليها.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الخِيَارِ المُطْلَقِ دُونَ المُقَيَّدِ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ).
وقَدْ عَرَفنا أن من العلماء مَنْ قال: لا يجوز خيار الشرط، ومنهم مَنْ قال: يجوز، ثمَّ الذين اتفقوا على جواز خيار الشرط اختلفوا في تحديد المدة، فأبو حنيفة والشافعي قررا أنها لا تتجاوز ثلاثة أيام، ومالك قال: مدة كل شيء بحَسَبه، فهناك من الأشياء ما لا يحتاج إلى وقتٍ؛ كفحص السيارة أو الثوب، ومنها ما يحتاج إلى وقتٍ كالدار التي تريد أن تسكنها، ومنها ما يحتاج إلى وقت متوسط كعبدٍ مملوكٍ تريد أن تشتريه أو أَمَةٍ تشتريها، فأنت بحاجةٍ لتفحص هذا.
ثمَّ ينتقل المؤلف إلى مسألةٍ أخرى، هل يجوز لكلِّ واحدٍ منهما أن يقول: لي الخيار مطلقًا؟
قوله: (فَقَالَ الثَّوْرِيُّ (٢)، وَالحَسَنُ بْنُ جِنِّي (٣) وَجَمَاعَةٌ بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الخِيَارِ مُطْلَقًا وَيَكُونُ لَهُ الخِيَارُ أَبَدًا).
стр. 7550
وَهُنا خَطأٌ، فالحَسنُ هذا ليس ابن جنِّي؛ لأنه لا يوجد سوى ابن جني واحد صاحب النحو المشهور، وليس الحسن، إنما هو عثمان، وإنما أراد المؤلف الحسن بن حي بن صالح، فالقول - إذًا - عن الثوري بأنه لا يرى خيار الشرط ضَعيفٌ، ولذَلكَ الإمام النووي ﵀ حكى الإجماع، والإمام النووي من العلماء المحققين، ومن الذين لا يقولون عن الإجماع إلا وقد تحققوا من ذلك.
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (١): يَجُوزُ الخِيَارُ المُطْلَق، وَلَكِنَّ السُّلْطَانَ يَضْرِبُ فِيهِ أَجَلَ مِثْلِهِ) (٢).
يَجُوز، لكن يُحدِّده السلطان، وهذا عند مالكٍ ﵀.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤): لَا يَجُوزُ بِحَالٍ الخِيَارُ المُطْلَق، وَيَفْسُدُ البَيْعُ).
وعندَ أحمدَ (٥): يَجُوز مع بطلان القيد، وهذا قول
стр. 7551
إسحاق (١) أيضًا، وعند أبي حنيفة والشَّافعي فيه خلافٌ بينهما، فهم يتفقون على الأيام الثلاثة، وأن خيار الشرط لا يتجاوزها، لكن لو أن المتبايعين أطلقا، فما الحكم؟ هنا يقع الخلاف بين الإمامين، فأبو حنيفة يقول (٢): لو أطلقا وتم الخيار في مدة الثلاثة أيام جاز البيع، والشافعيُّ (٣) يمنع ذلك؛ لأنه يرى أنه قد دخل على هذا البيع ما يفسده.
قوله: (وَاخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِنْ وَقَعَ الخِيَارُ فِي ثَلَاثَةِ الأَيَّامِ زَمَنِ الخِيَارِ المُطْلَقِ).
إذا اختار أَحدُهُما أو كلاهما الخيار المطلق، فهل هذا جائزٌ؟ هناك مَنْ يمنعه، وهناك مَنْ يجيزه، وهناك مَنْ يجيزه إذا انتهى، أي: بتَّ في الخيار في الأيام الثلاثة وهو أبو حنيفة، والشافعيُّ يمنع ذلك؛ لأن أصل الخيار كان غير صحيح، لأنه محصورٌ عنده بالأيام الثلاثة.
قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ وَقَعَ فِي الثَّلَاثَةِ الأَيَّامِ جَازَ، وإنْ مَضَتِ الثَّلَاثَةُ فَسَدَ البَيْعُ (٤). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥): بَلْ هُوَ فَاسِدٌ عَلَى كُلِّ
стр. 7552
حَالٍ، فَهَذِهِ هِيَ أَقَاوِيلُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ، وَهِيَ: هَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا؟ وَإنْ جَازَ مُقَيَّدًا فَكَمْ مِقْدَارُهُ؟ وإِنْ لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا، فَهَلْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَلَّا يَقَعَ الخِيَارُ فِي الثَّلَاثِ أَمْ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الثَّلَاثِ؟ فَأَمَّا أَدِلَّتُهُمْ فَإِنَّ عُمْدَةَ مَنْ لَمْ يُجِزِ الخِيَارَ هُوَ مَا قُلْنَاهُ).
أنَّهم ادَّعوا أنَّ فيه غَررًا، وقلنا: إنَّ الغررَ هنا غير بَيِّنٍ، وحتى إن وجد غرر بسيط، فلا تَأْثيرَ له في مقابل المصلحة الكبرى التي تتحقَّق بوجود الخيار.
قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزِ الخِيَارَ إِلَّا ثَلَاثًا، فَهُوَ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَلَّا يَجُوزَ الخِيَار، فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ إِلَّا مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فِي حَدِيثِ مُنْقِذِ بْنِ حبَّانَ، أَوْ حبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ (١)).
لا يجوز الخيار عندهم؛ لأن الأصل أن ينظر الإنسان إلى السلعة فيشتريها أو لا يشتريها، والبيع نوعان:
* بيع يحصل فيه القبض في المجلس أي: قبض الثمن في المجلس، وما يشترط فيه القبض في المجلس لا يصلح فيه خيار الشرط.
* وبيع لا يحصل فيه القبض في المجلس، فالبيع الذي لا يتم فيه القبض يصلح فيه خيار الشرط؛ كصرف الدراهم، لا يصلح فيه خيار الشرط، أي: استبدال درا هم بدراهم؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر،
стр. 7553
والملح بالملح، يدًا بيدٍ، مثلًا بمثلٍ"، يدًا بِيَدٍ كما جاء في حديث عُمَرَ.
إذًا، الصرف لا يصلح فيه خيار الشرط، وكذلك السلم، وهو كما قلنا: نوع من البيوع: أن تدفع دراهم، وتنتظر السلع؛ سواء كانت بلحًا أو تمرًا أو سلعةً أخرى (١)، وهذا قد أجازه رَسُول الله ﷺ ، فخيار الشرط لا يمكن أن نطبقه على كل أنواع البيوع، بل نطبقه على البيوع التي لا يُشْترط فيها التقابض.
(حَدِيثِ مُنْقِذِ بْنِ حبَانَ، أَوْ حبَانَ بْنِ مُنْقِذٍ)، وقد ذكر في بعض الروايات أنه حبان الابن، وفي أخرى أنه "منقذٌ" الأب (٢)، ويُحْكى أنه كان قد أصيب في رأسه، وحَصل شيءٌ في عقله، فكان يخدع في البيع، فَجَعل لَه رَسُولُ الله ﷺ الخيار ثلاثة أيام فيما اشتراه (٣).
قوله: (وَذَلِكَ كَسَائِرِ الرُّخَصِ المُسْتَثْنَاةِ مِنَ الأُصُولِ، مِثْلُ اسْتِثْنَاءِ العَرَايَا (٤) مِنَ المُزَابَنَةِ (٥)).
فالرسول ﷺ نهى عن بعض أنواع البيوع، ومنها بيع المزابنة، والمزابنةُ هي بيعُ الرطب على رؤوس النخل، ومع ذلك استثنى رسولُ الله ﷺ العرايا.
стр. 7554
قوله: (وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ تَحْدِيدُ الخِيَارِ بِالثَّلَاثِ فِي حَدِيثِ المُصَرَّاةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ" (١)).
والمُصرَّاة يعني الشاة، فيأتي إنسان فيربط ثدي هذه الشاة ثم يتركها فترةً لا تحلب، فيتجمع اللبن في ضَرْعها، فإذا ما جَاء مُشْتَرٍ، انخدع بها وظن أنها دائمًا بهذا الشكل، فيَشْتريها، فإذا أخذها وجربها وجد أنها على خلاف ذلك، فبين الرسول ﷺ أن مَن اشترى مُصرَّاةً، فهو بخير النظرين، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، واعتبار الثلاثة أيام هذا وارد كثيرًا في الشريعة.
قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ مُنْقِذٍ، فَأَشْبَهُ طُرُقِهِ المُتَّصِلَةِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ).
(فأَشْبَه طُرُقه)، يعني: أصلَح طرقه، أسلَم طرقه، أولى طرقه.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمُنْقِذٍ، وَكَانَ يُخْدَعُ فِي البَيْعِ: "إِذَا بِعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، وَأَنْتَ بِالخِيَارِ ثَلَاثًا" (٢)).
(لَا خِلَابة)، يعني: لا خدع.
"قول: (وَأَمَّا عُمْدَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، فَهُوَ أَنَّ المَفْهُومَ مِنَ الخِيَارِ هُوَ اخْتِيَارُ المَبِيعِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْدُودًا بِزَمَانِ إِمْكَانِ اخْتِيَارِ المَبِيعِ) (٣).
وقد جعل الخيار للتفكر، فإن اخترت المبيع تم العقد وأصبح لازمًا، وإن عدلتَ عنه انتهى الأمر.
стр. 7555
قوله: (وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَبِيعٍ مَبِيعٍ).
فبَعْضها يحتاج إلى وقتٍ أكثرَ ليفكِّر ويستشير، وبعضها لا يحتاج إلى وقتٍ.
قوله: (فَكَأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ عِنْدَهُمْ تَنْبِيهًا عَلَى هَذَا المَعْنَى، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ) (١).
فهو تنبيهٌ بالأدنى أريد به الأعلى.
قوله: (وَعِنْدَ الطَّائِفَةِ الأُولَى مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ).
عند الحنفية (٢) والشافعية (٣)، ومَنْ معهم.
قوله: (وَأَمَّا اشْتِرَاطُ النَّقْدِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ (٤) لِتَرَدُّدِهِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ السَّلَفِ، وَالبَيْعِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ (٥).
وقد انتقل المؤلف إلى مسألةٍ أخرى، وهي الثالثة؛ لأنه في المقدمة ذكر لنا حكم الخيار، وتكلمنا عنه، ثم ذكر الأدلة، والآن انتقل إلى مَسْألةٍ أخرى وهي النقد.
والمُرَادُ بـ "النقد": إنما هو النقد فيما يتعلق قبل العقد، يَعْني في وقت الخيار، هل يجوز للمشتري أن ينقد البائع الثمن أو لا يجوز؟ فالمشتري قد أجاز هذا المبيع إليه، لكنه أمامه خيار، فهل له أن ينقد الثمن؟
стр. 7556
وهذه المسألة انقسم فيها العلماء إلى قسمين، وبها ستعلمون دقة فَهْم الفقهاء - رحمهم الله تعالى - لهذا الفقه، وغوصهم فيه، كيف كانوا يُدقِّقون، وكيف أنَّ بعضهم يحتاط إلى هذه المسألة، وربما يكون احتياطُ أحدهم نوعًا من التشدُّد، وقد يظهر لنا لكنه يراه أبرأ وأحوط لدينه؟ ولذلك فالأئمَّة الثَّلاثة أبو حنيفة (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) في جانب، ومالكٌ في جانب، فمالكٌ منع، وفي روايةٍ: كره، والأئمةُ الثلاثةُ أجازوا ذلك دون كراهة.
فاشتراط النقد لا يجوز عند مالكٍ ﵀، وسكت عنه الأئمة الآخرون، لكن المؤلف أشار إلى ضعفٍ في هذا الرأي، وهذا دليل على إنصاف المؤلف، وأنَّه ليس مُتَعصِّبًا لمذهبه، فهو مالكي، ولكنه رأى أن هذا التعليل الذي أورده المالكية هو تعليل ضعيف غير قوي، وغير مُسلَّم به، لكنه ما ذكَر أقوال الأئمة الثلاثة، والأئمَّة الثلاثة يرون جواز ذلك، ولا مانع، وقال: لا يجوز عند مالك وأصحابه؛ لأنه ربما يوقع في بيع وسلف، ومر بنا قبلُ مسائلُ كثيرة جدًّا في البيوع.
وفي الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تَبعْ ما ليس عندك" (٤)، الشاهد هنا الذي
стр. 7557
معنا:"لا يحل سلف وبيع"، وهذه مسألةٌ اتفق عليها العلماء، ولا خلاف بينهم (١)، لكن هذا الذي أورده المالكية ليس صريحًا في هذه المسألة فهو خشيةٌ وتخوفٌ منهم أن يدخل في سلف وبيع، وسترون أن فهمهم بعيد جدًّا، فهم يقولون: هذا بيع فيه خيار وشرط، فإذا ما دفع المشتري الثَمنَ للبائع، ثم بعد ذلك حَازَ السلعة إليه، ثم قبل انقضاء مدة الخيار لم يتفقا على البيع؛ إما لأن البائع عدل، أو المشتري، ما الذي سيحصل؟ تفاسخ، إذًا لا بيع هنا، ويُصْبح هذا المبلغ الذي سلَّمه المشتري للبائع كأنه أقرضه إياه، قالوا: فهذه شبهةٌ توقع في بيعٍ وسلفٍ، وقد جاء النهي عن ذلك، فما جواب جمهور العلماء عن هذا التعليل؟
قَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: هذا نوعٌ من أنواع البيع، فَجَاز قياسًا على الإجارة، ألست تُقدِّم ثمن الإجارة، فقد تذهب إلى خياطٍ أو إلى إنسانٍ ليَبْني لك جدارًا، أو يعمل لك عملًا وتعطي له الأجرة، وربما لا تتم هذه الأجرة، وربما لا يبني الجدار، وربما لا يخيط لك الثوب، قالوا: هذا بَيعٌ، فجاز التقديم، هذا من نَاحِيَةٍ، وقالوا: العلة التي ذَكَرها المالكية (أنه قد يوقع في سلفٍ وبيعٍ) غير واردةٍ عندنا؛ لأنَّنا لا نجيز للمشتري أن يَتَصرَّف في الثمن، إذْ هو أمَانةٌ عندَه، وعبَّر المؤلف عنه بأنه هو أمينٌ على الثمن الذي في يده، وإذا لم يجز له أن يتصرَّف في المال، فلا مكان لهذا التعليل أو هذا الإشكال الذي أوردتُمُوه علينا، وأعتقد أن مذهب جمهور العلماء في ذلك أصرح وأقوى، وأنه لا يرد عليه ما ورد على المالكية، وقد يرد ما أورده المالكية ما لو كان المشتري قبل أن يتم البيع حقيقةً تصرف في المبيع، أو أذن له، لكنه لم يؤذن له، فكأنه أمانة عنده، إذًا فلا إشكال هنا، ولا اعتراض.
стр. 7558
قوله: [(وَأَمَّا مِمَّنْ ضَمَانُ المَبِيعِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ:
فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَصْحَابُه، وَاللَّيْث، وَالأَوْزَاعِيُّ (٢): مُصِيبَتُهُ مِنَ البَائِعِ، وَالمُشْتَرِي أَمِينٌ)].
وهذه مسألةٌ رابعةٌ: مَن الذي يضمن المبيع؟ والمراد في وقت الخيار، والمراد أيضًا عندما يُنْقل المبيع إلى ذمة المشتري يكون أمانةً عنده، فلو كان في حوزة البائع وحصل به شيءٌ، فهو عنده كما مرَّ بنا في الأحاديث الصحيحة المتفق عليها أن الرسول ﷺ قال: "مَن اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه" (٣)، لماذا؟ لأنه لو حصل فيه ذَهَابٌ قبل القبض، فَمَن الذي يضمنه؟ يضمنه البائع؛ لأنه ما زال في حوزتِهِ، فالمَبيع الذي اتفق على خيار الشرط فيه قد قبضه المشتري، لكن قبضه إياه ليس قبضَ شراءٍ، وإنما هو أمانةٌ عنده؛ لينظرَ فيه، ويدققَ فيه ويعرفه، فما الحكم إذا نزلت به مصيبةٌ، إذا ذهب، ضاع، غرق، احترق، وغير ذلك، فَمَن الذي يضمنه؟ هل هو البائع أو المشتري؟ فيه خلافٌ بين العلماء سيذكره المؤلف مُفصَّلًا.
قوله: (مُصِيبَتُهُ مِنَ البَائِعِ، وَالمُشْتَرِي أَمِينٌ):
(مُصِيبَته) يَعْني: خَسَارته على البَائع، وبه قال مَالكٌ وأصحابُهُ واللَّيث، والليث - كما تعلمون - هو فقيه مصر قبل الشَّافعيِّ، والأوزاعيُّ إنما هو فقيه الشام، وكلاهما أيضًا في درجة لا تقل عن الأئمة الأربعة.
стр. 7559
(وَالمُشْتَرِي أَمِينٌ)؛ لأنه لم يَتِمَّ البيع، فلا يزال في مِلْكِ البائع وفي حوزة المشتري، ولكن وجوده عند المشتري كأَمَانَةٍ بيَدِهِ.
قَوْله: (وَسَوَاءٌ أكَانَ الخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا).
ولَا فرق بَيْن أن يكون الخيار لِكُلِّ واحدٍ منهما، أيْ: كلُّ واحد منهما اشترط الخيار لنفسه، أو كان الخيار من جانب المشتري، أو من جانب البائع وَحْده.
قوله: (وَقَدْ قِيلَ فِي المَذْهَبِ) (١).
وهذه رِوَايةٌ أخرى في المذهب، لكنها ليست كالأولى.
قوله: (إِنَّهُ إِنْ كَانَ هَلَكَ بِيَدِ البَائِعِ، فَلَا خِلَافَ فِي ضَمَانِهِ إِيَّاهُ).
فلو هَلَك في يَد البَائع، فعليه الضمان، وهذا معروفٌ؛ لأنه لا يزال في حوزتِهِ.
قوله: (وَإِنْ كَانَ هَلَكَ بِيَدِ المُشْتَرِي، فَالحُكْمُ كَالحُكْمِ فِي الرَّهْنِ وَالعَارِيَّةِ: إِنْ كَانَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَيْهِ). ونرى في بعض النُّسَخ كلمة "يغلب"، وهذا خطأٌ، والصواب: "إنْ كان مما يُغَاب عليه"، يعني: يغاب عنه، كَأَنْ أَهْمَلَ الراهن رهنه، فلَوْ كان رَهَنه دَوابَّ وأهملها وتركها فعطشت فهلكت، فإنه في هذا يضمنها، أما إذا
стр. 7560
لم يكن هناك تقصيرٌ فلا، وهذا كما ذَكَرتُ لكم من دقة الفقهاء ﵏، فهل نحن في دراستنا الآن ندقق هذا التدقيق، ونغوص في المسائل كما يغوصون، ونربط بعضها ببعضٍ؟
الجواب: لا، فما كان أحدهم يتجاوز جزئيةً من الجزئيات إلا وهو يعرف علَّتها؛ سواء أصاب في فهمه أو أخطأ؛ لأنه مأجورٌ على كل حالٍ، كما في الحديث الصحيح: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (١)، فهو مَأْجورٌ على كلا الأمرين، فإنْ أصَاب فلَه أجران، أجر اجتهاده وأجر إصابته، وإنْ أخطأ فله أجرٌ واحدٌ هو أجر الاجتهاد، لكن ممَّنْ يَكُون الاجتهاد؟ من أهل الاجتهاد، فلا يأتي إنسانٌ في أولى درجات طلب العلم، ثم بعد ذلك يُنصِّب نفسه للفتوى والاجتهاد، وقال الرَّسُولُ ﷺ : "أَجْرَؤكم على الفتيا أَجْرَؤكم على النار" (٢).
قوله: (وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ، فَضَمَانُهُ مِنَ البَائِعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِنْ كَانَ شَرْطُ الخِيَارِ لِكِلَيْهِمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَه، فَضَمَانُهُ مِنَ البَائِعِ وَالمَبِيعِ عَلَى مِلْكِهِ، أَمَّا إِنْ كَانَ شَرَطَهُ المُشْتَرِي وَحْدَه، فَقَدْ
стр. 7561
خَرَجَ المَبِيعُ عَنْ مِلْكِ البَائِعِ، وَلَمْ يَدْخُلْ مِلْكَ المُشْتَرِي الثَّمَن، وَبَقِيَ مُعَلَّقًا حَتَّى يَنْقَضِيَ الخِيَار، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّ عَلَى المُشْتَرِي الثَّمَنَ).
وهنا تَردُّدٌ في المذهب، فالمسألة معلقةٌ، وكأن كل قضية تُدْرس بحالها، فالحكم على الشيء فرعٌ عن تَصوُّره. وقيل في المذهب: هو على المشتري في هذه الحالة الثانية.
قوله: (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَهُ قد دَخَلَ عِنْدَهُ فِي مِلْكِ المُشتَرِي. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ (١)، أَشْهَرُهُمَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ المُشْتَرِي لِأَيِّهِمَا كَانَ الخِيَارُ).
هذا قول الشافعي، وأما الإمام أحمد فلم يذكر المؤلف رَأْيَه، وهو عند الحنابلة (٢) أنَّ الضمانَ على المشتري بقبضه المبيع؛ لأنه حازه عنده، وأصبح في يده فهو المسؤول عنه، فإذا تلف يكون مسؤولًا عنه، وهناك تفصيلاتٌ في جميع هذه المذاهب لا حاجة لأَنْ نخوض فيها.
قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ البَائِعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ: أَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ، فَلَمْ يَنْقِلِ المِلْكَ عَنِ البَائِعِ).
(عقدٌ غَيْر لازمٍ)؛ لأنه لم يَتِمَّ بعد، لكن إذا تمَّت الصفقة، فإنه يُصْبح لازمًا؛ لأنَّ البيعَ من العُقود اللَّازمة، ولكن نحن في وقت الخيار، فالبيع لم يتمَّ بعد، ولا يَزَال الخيار قائمًا.
стр. 7562
قوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ، وَلَمْ يَقُلِ المُشْتَرِي: قَبِلْتُ. وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنَ المُشْتَرِي تَشْبِيهُهُ بِالبَيْعِ اللَّازِمِ).
وهذا هو تعليل المؤلف، وأما مَنْ جعله من ضمان المشتري تشبيهًا له بالبيع الواقع المنعقد فهو ضعيفٌ، ونقول: هذا لَيْسَ بضَعِيفٍ، بل هو قوي، لأنَّ المبيعَ أصبح في يد المشتري وهو أمينٌ عليه، وهو أولى بالمسؤولية عليه.
قال: (وَهُوَ ضَعِيفٌ لِقِيَاسِهِ مَوْضِعَ الخِلَافِ عَلَى مَوْضِعِ الاتِّفَاقِ، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الضَّمَانَ لِمُشْتَرِطِ الخِيَارِ إِذَا شَرَطَهُ أَحَدُهُمَا).
كما رأيتم في رِوَايةٍ في مذهب أبي حنيفة.
قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ الثَّانِي؛ فَلأنَّهُ إِنْ كَانَ البَائِعُ هُوَ المُشْتَرِطَ، فَالخِيَارُ لَهُ في إِبْقَاءِ المَبِيعِ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ كانَ المُشْتَرِي هُوَ المُشْتَرِطَ لَهُ فَقَطْ، فَقَدْ صَرَفَهُ البَائِعُ مِنْ مِلْكِهِ وَأَبَانَه، فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ المُشْتَرِي هذَا الشَّرْطُ الَّذِي شَرَطَهُ فَقَطْ. قَالَ: قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ البَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ خِيَارًا).
لماذا كثر الخلاف في هذه الجزئية؟
لأنَّه لم يَرِدْ فيها نصٌّ، وإنما المَسْألة - كما تَروْن - قامت على التعليل، واختلف العُلَماء في فهمها، فبَعْضهم يرى أنها إلى البائع أقرب، فقال: الضمان عليه، وبعضهم قال: إنها إلى المشتري أقرب؛ لأنها في حوزته، وهو أولى بضمانها، فما ذنب البائع، وقد كانت السلعة في يد غيره فتلفت.
وقَدْ رأيتم التفريق بين أن يغاب أو لا يغاب، فإن لم يغب عنها، وكان يرعاها ويحافظ عليها، فلا، وإنْ غاب عنها ووكل غيره، لا يكون مهملًا، لكن إذا غاب عنها وفرط، لا شك أن تفريطه يُوقعُهُ في المسؤولية.
стр. 7563
قوله: (وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الخِيَارَ فِي رَدِّ الآخَرِ لَه، وَلَكِنَّ القَوْلَ يُمَانِعُ الحُكْمَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُصِيبَتُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَالخِلَافُ آيِلٌ إِلَى: هَلِ الخِيَارُ مُشْتَرَطٌ لإِيقَاعِ الفَسْخِ فِي البَيْعِ أَوْ لِتَتْمِيمِ البَيْعِ؟).
فَالمُؤلِّف يقول: لا يمكن أن يبقى، وكأنه يردُّ على الروايات الأخرى في الحنفية الذين علقوا، فقال: لا يمكن أن يكون معلقًا، فإما أن يُجْعل من ضمان البائع، أو أن يُجْعل من ضمان المشتري، أمَّا أن يعلَّق فلا.
ثم أورد تعليلًا يرى أنه بهذا الأصل أو هذا المقياس أو هذا التقعيد الذي ذكره يُمْكن أن يُفرَّق بين أمرين، فيكون هنا في هذه القاعدة من ضمان البائع، وهنا من ضمان المشتري.
قول: (وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الخِيَارَ فِي رَدِّ الآخَرِ لَه، وَلَكِنَّ القَوْلَ يُمَانِعُ الحُكْمَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُصِيبَتُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا).
فلَا بدَّ أن يكون أحدهما هو الضامن.
قوله: (وَالخِلَافُ آيِلٌ إِلَى: هَلِ الخِيَارُ مُشْتَرَطٌ لاِيقَاعِ الفَسْخِ فِي البَيْعِ أَوْ لِتَتْمِيمِ البَيْعِ؟).
هَلْ هو لإيقاع الفسخ أو لتتميم البيع؟
قوله: (فَإِذَا قُلْنَا: لِفَسْخِ البَيْعِ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ ضَمَان البَائِعِ).
إذا قلنا: هو للفسخ، فلَيْس من ضمان البائع.
قوله: (وَإِنْ قُلْنَا: لِتَتْمِيمِهِ، فَهُوَ فِي ضَمَانِهِ).
لأنَّ الَّذي يتم العقد إنَّما هو البائع.
стр. 7564
قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَة الخَامِسَة، وَهِيَ: هَلْ يُورَثُ خِيَارُ المَبِيعِ أَمْ لَا؟).
وهذه قضية مهمة جدًّا، قضية الخيار، وليس هذا في الخيار وحده، في القصاص، وكذلك في المكاتب والطلاق إذا وكل، والرد بالعيب إلى غير ذلك.
وفي هذه المسألة سترون أن كل فريق من العلماء يحاول أن ينقض قول الآخر بمسائلَ أخرى وافق فيها المخالف، يعني يقول: أنت وافقتني في كذا، وفي كذا، فلماذا تفرق بين ذا وذا، لأنه يسلم له في بعض المسائل، والآخر يأتي ويقول أيضًا: أنت وافقتني في كذا، فلماذا تخالف في هذا؟
قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢)، وَأَصْحَابَهُمَا قَالُوا: يُورَث، وَأنَّهُ إِذَا مَاتَ صَاحِبُ الحيَارِ فَلِوَرَثَتِهِ مِنَ الخِيَارِ مِثْلُ مَا كَانَ لَهُ).
مَالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما يرون أن خيار الشرط يورث، فإذا ما حصل اتفاق بين اثنين (بائع ومشتَرٍ) على شراء سلعة، ووضعا حدًّا للخيار، فَمَات أَحدُهُما، فهل ينتقل الخيار إلى الورثة بمعنى: هل يورث كما تورث الأموال؟ أو بعبارةٍ أخرى: هل هناك فرقٌ بين الحقوق وبين الأموال؟ لأن هذَا حقٌّ لصَاحب الخيار، نحن نعلم بأنهم يرثون الأموال، وهناك أيضًا أنواع من الحقوق تورث كالقصاص، لكن هل هذا يورث أو لا؟ أما ما يتعلَّق بالأموال فمُسلَّمٌ أنها تورث، وما يتعلق بالحقوق هي محل خِلَافٍ، ولذلك اختلف العلماء.
стр. 7565
قوله: (فَلِوَرَثَتَهِ مِنَ الخِيَارِ مِثْلُ مَا كَانَ لَهُ)؛ يعني: يحلُّون محلَّه، يأتي أولاده فيَقُولُون: نحن محل والدنا، ولنا الخيار؛ إما بإمضاء البيع أو بفسخه.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَأَصْحَابُهُ (٢)) وأَحْمَد (٣) فَالأئمَّة الأربعة انْقَسموا إلى قِسْمَين: فريق يرى أنه لا يورث، وفريق يرى أنه يورث.
قوله: (يَبْطُلُ الخِيَارُ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الخِيَار، وَيَتِمُّ البَيْع، وَهَكَذَا عِنْدَهُ خِيَارُ الشُّفْعَةِ)، يعني عند أبي حنيفة، ولن ندخل في تفصيل الخلاف بين مذهبي الحنفية والحنابلة، فهناك بعض الخلاف، لكنهما اتفقا في الأصل هنا، أنهما يريان أنه لا يورث، والفريق الأول يرى أنه يورث.
والرَّسول ﷺ أثبت الشفعة "الشُّفعة فيما يقسم" (٤)، ووردت أحاديث كثيرةٌ فيما يتعلق بالشُّفعة، والرسول ﷺ أثبتها للجار (٥)، والمراد الجار الشريك أيضًا، فهل لو مات صاحب الشفعة هل تنتقل إلى وَرَثَته؟ نعم.