خَرَجَ المَبِيعُ عَنْ مِلْكِ البَائِعِ، وَلَمْ يَدْخُلْ مِلْكَ المُشْتَرِي الثَّمَن، وَبَقِيَ مُعَلَّقًا حَتَّى يَنْقَضِيَ الخِيَار، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّ عَلَى المُشْتَرِي الثَّمَنَ).
وهنا تَردُّدٌ في المذهب، فالمسألة معلقةٌ، وكأن كل قضية تُدْرس بحالها، فالحكم على الشيء فرعٌ عن تَصوُّره. وقيل في المذهب: هو على المشتري في هذه الحالة الثانية.
قوله: (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَهُ قد دَخَلَ عِنْدَهُ فِي مِلْكِ المُشتَرِي. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ (١)، أَشْهَرُهُمَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ المُشْتَرِي لِأَيِّهِمَا كَانَ الخِيَارُ).
هذا قول الشافعي، وأما الإمام أحمد فلم يذكر المؤلف رَأْيَه، وهو عند الحنابلة (٢) أنَّ الضمانَ على المشتري بقبضه المبيع؛ لأنه حازه عنده، وأصبح في يده فهو المسؤول عنه، فإذا تلف يكون مسؤولًا عنه، وهناك تفصيلاتٌ في جميع هذه المذاهب لا حاجة لأَنْ نخوض فيها.
قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ البَائِعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ: أَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ، فَلَمْ يَنْقِلِ المِلْكَ عَنِ البَائِعِ).
(عقدٌ غَيْر لازمٍ)؛ لأنه لم يَتِمَّ بعد، لكن إذا تمَّت الصفقة، فإنه يُصْبح لازمًا؛ لأنَّ البيعَ من العُقود اللَّازمة، ولكن نحن في وقت الخيار، فالبيع لم يتمَّ بعد، ولا يَزَال الخيار قائمًا.
стр. 7562
قوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ، وَلَمْ يَقُلِ المُشْتَرِي: قَبِلْتُ. وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنَ المُشْتَرِي تَشْبِيهُهُ بِالبَيْعِ اللَّازِمِ).
وهذا هو تعليل المؤلف، وأما مَنْ جعله من ضمان المشتري تشبيهًا له بالبيع الواقع المنعقد فهو ضعيفٌ، ونقول: هذا لَيْسَ بضَعِيفٍ، بل هو قوي، لأنَّ المبيعَ أصبح في يد المشتري وهو أمينٌ عليه، وهو أولى بالمسؤولية عليه.
قال: (وَهُوَ ضَعِيفٌ لِقِيَاسِهِ مَوْضِعَ الخِلَافِ عَلَى مَوْضِعِ الاتِّفَاقِ، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الضَّمَانَ لِمُشْتَرِطِ الخِيَارِ إِذَا شَرَطَهُ أَحَدُهُمَا).
كما رأيتم في رِوَايةٍ في مذهب أبي حنيفة.
قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ الثَّانِي؛ فَلأنَّهُ إِنْ كَانَ البَائِعُ هُوَ المُشْتَرِطَ، فَالخِيَارُ لَهُ في إِبْقَاءِ المَبِيعِ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ كانَ المُشْتَرِي هُوَ المُشْتَرِطَ لَهُ فَقَطْ، فَقَدْ صَرَفَهُ البَائِعُ مِنْ مِلْكِهِ وَأَبَانَه، فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ المُشْتَرِي هذَا الشَّرْطُ الَّذِي شَرَطَهُ فَقَطْ. قَالَ: قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ البَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ خِيَارًا).
لماذا كثر الخلاف في هذه الجزئية؟
لأنَّه لم يَرِدْ فيها نصٌّ، وإنما المَسْألة - كما تَروْن - قامت على التعليل، واختلف العُلَماء في فهمها، فبَعْضهم يرى أنها إلى البائع أقرب، فقال: الضمان عليه، وبعضهم قال: إنها إلى المشتري أقرب؛ لأنها في حوزته، وهو أولى بضمانها، فما ذنب البائع، وقد كانت السلعة في يد غيره فتلفت.
وقَدْ رأيتم التفريق بين أن يغاب أو لا يغاب، فإن لم يغب عنها، وكان يرعاها ويحافظ عليها، فلا، وإنْ غاب عنها ووكل غيره، لا يكون مهملًا، لكن إذا غاب عنها وفرط، لا شك أن تفريطه يُوقعُهُ في المسؤولية.
стр. 7563
قوله: (وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الخِيَارَ فِي رَدِّ الآخَرِ لَه، وَلَكِنَّ القَوْلَ يُمَانِعُ الحُكْمَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُصِيبَتُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَالخِلَافُ آيِلٌ إِلَى: هَلِ الخِيَارُ مُشْتَرَطٌ لإِيقَاعِ الفَسْخِ فِي البَيْعِ أَوْ لِتَتْمِيمِ البَيْعِ؟).
فَالمُؤلِّف يقول: لا يمكن أن يبقى، وكأنه يردُّ على الروايات الأخرى في الحنفية الذين علقوا، فقال: لا يمكن أن يكون معلقًا، فإما أن يُجْعل من ضمان البائع، أو أن يُجْعل من ضمان المشتري، أمَّا أن يعلَّق فلا.
ثم أورد تعليلًا يرى أنه بهذا الأصل أو هذا المقياس أو هذا التقعيد الذي ذكره يُمْكن أن يُفرَّق بين أمرين، فيكون هنا في هذه القاعدة من ضمان البائع، وهنا من ضمان المشتري.
قول: (وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الخِيَارَ فِي رَدِّ الآخَرِ لَه، وَلَكِنَّ القَوْلَ يُمَانِعُ الحُكْمَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُصِيبَتُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا).
فلَا بدَّ أن يكون أحدهما هو الضامن.
قوله: (وَالخِلَافُ آيِلٌ إِلَى: هَلِ الخِيَارُ مُشْتَرَطٌ لاِيقَاعِ الفَسْخِ فِي البَيْعِ أَوْ لِتَتْمِيمِ البَيْعِ؟).
هَلْ هو لإيقاع الفسخ أو لتتميم البيع؟
قوله: (فَإِذَا قُلْنَا: لِفَسْخِ البَيْعِ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ ضَمَان البَائِعِ).
إذا قلنا: هو للفسخ، فلَيْس من ضمان البائع.
قوله: (وَإِنْ قُلْنَا: لِتَتْمِيمِهِ، فَهُوَ فِي ضَمَانِهِ).
لأنَّ الَّذي يتم العقد إنَّما هو البائع.
стр. 7564
قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَة الخَامِسَة، وَهِيَ: هَلْ يُورَثُ خِيَارُ المَبِيعِ أَمْ لَا؟).
وهذه قضية مهمة جدًّا، قضية الخيار، وليس هذا في الخيار وحده، في القصاص، وكذلك في المكاتب والطلاق إذا وكل، والرد بالعيب إلى غير ذلك.
وفي هذه المسألة سترون أن كل فريق من العلماء يحاول أن ينقض قول الآخر بمسائلَ أخرى وافق فيها المخالف، يعني يقول: أنت وافقتني في كذا، وفي كذا، فلماذا تفرق بين ذا وذا، لأنه يسلم له في بعض المسائل، والآخر يأتي ويقول أيضًا: أنت وافقتني في كذا، فلماذا تخالف في هذا؟
قوله: (فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ (٢)، وَأَصْحَابَهُمَا قَالُوا: يُورَث، وَأنَّهُ إِذَا مَاتَ صَاحِبُ الحيَارِ فَلِوَرَثَتِهِ مِنَ الخِيَارِ مِثْلُ مَا كَانَ لَهُ).
مَالكٌ والشافعيُّ وأصحابهما يرون أن خيار الشرط يورث، فإذا ما حصل اتفاق بين اثنين (بائع ومشتَرٍ) على شراء سلعة، ووضعا حدًّا للخيار، فَمَات أَحدُهُما، فهل ينتقل الخيار إلى الورثة بمعنى: هل يورث كما تورث الأموال؟ أو بعبارةٍ أخرى: هل هناك فرقٌ بين الحقوق وبين الأموال؟ لأن هذَا حقٌّ لصَاحب الخيار، نحن نعلم بأنهم يرثون الأموال، وهناك أيضًا أنواع من الحقوق تورث كالقصاص، لكن هل هذا يورث أو لا؟ أما ما يتعلَّق بالأموال فمُسلَّمٌ أنها تورث، وما يتعلق بالحقوق هي محل خِلَافٍ، ولذلك اختلف العلماء.
стр. 7565
قوله: (فَلِوَرَثَتَهِ مِنَ الخِيَارِ مِثْلُ مَا كَانَ لَهُ)؛ يعني: يحلُّون محلَّه، يأتي أولاده فيَقُولُون: نحن محل والدنا، ولنا الخيار؛ إما بإمضاء البيع أو بفسخه.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَأَصْحَابُهُ (٢)) وأَحْمَد (٣) فَالأئمَّة الأربعة انْقَسموا إلى قِسْمَين: فريق يرى أنه لا يورث، وفريق يرى أنه يورث.
قوله: (يَبْطُلُ الخِيَارُ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الخِيَار، وَيَتِمُّ البَيْع، وَهَكَذَا عِنْدَهُ خِيَارُ الشُّفْعَةِ)، يعني عند أبي حنيفة، ولن ندخل في تفصيل الخلاف بين مذهبي الحنفية والحنابلة، فهناك بعض الخلاف، لكنهما اتفقا في الأصل هنا، أنهما يريان أنه لا يورث، والفريق الأول يرى أنه يورث.
والرَّسول ﷺ أثبت الشفعة "الشُّفعة فيما يقسم" (٤)، ووردت أحاديث كثيرةٌ فيما يتعلق بالشُّفعة، والرسول ﷺ أثبتها للجار (٥)، والمراد الجار الشريك أيضًا، فهل لو مات صاحب الشفعة هل تنتقل إلى وَرَثَته؟ نعم.
стр. 7566
قوله: (وَخِيَارُ قَبُولِ الوَصِيَّةِ (١)، وَخِيَارُ الإِقَالَةِ (٢)، وَسَلَّمَ لَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ خِيَارَ الرَّدِّ بِالعَيْبِ أَعْنِي: أَنَّهُ قَالَ: يُورَثُ (٣)).
قيلَ لأبي حنيفة: ألست ترى أن خيار العيب يورث؟ يعني لو اشترى إنسان سلعةً من إنسان وتم العقد ومات المشتري، فوقف الورثة على عيب في تلك السلعة، فحينئذٍ يقومون مقام مورثهم، فيطالبون برد المعيب أو بالأرش؟ فيقول: نعم.
قوله: (وَكَذَلِكَ خِيَارُ اسْتِحْقَاقِ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القَسْمِ (٤)، وَخِيَارُ القِصَاصِ، وَخِيَارُ الرَّهْنِ (٥)).
وَالغَنيمة هي ما يحصل عليه المسلمون من المغانم ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ
стр. 7567
خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] إلى آخر الآية، إذًا الغنيمة ثابتةٌ شرعًا، لكن لها أحوالٌ:
الحالة الأولى: أنها تقسم، وبعد القسمة هل تحاز أو لا تحاز؟ يقسمها ولي الأمر وقد يحوزها الأشخاص أو لا يحوزونها، ولذلك يختلف الأمر لو أن إنسانًا أخذ من المغنم الذي ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، والرسول ﷺ حرق متاع الغالِّ (١)، عمَّا إذا حاز الإنسان قسمةً أصبح له، فهل هذه تنتقل أو لا؟ نعم، وقد احتجوا على أبي حنيفة بأنه يرى ذلك أنها تورث.
قوله: (وَسَلَّمَ لَهُمْ مَالِكٌ خِيَارَ رَدِّ الأَبِ مَا وَهَبَهُ لابْنِهِ):
فإذا وهب الأب ابنه هبةً، هل له ردُّها أو لا؟ وإن قلنا برَدِّها، فهل هذا الرد يورث أو أنه يقتصر على الأب؟
هَذِهِ هي المسألة التي يريدها، وَوَرد فيها أثر في قصَّة أبي بكرٍ ﵁ أذكر أنه وهب ابنته عائشة ﵂ حديقةً، ثم بعد ذلك عرض على ابنته عائشة ردها، أي: إعادتها إليه، ثم ذكر ﵁ العلة في ذلك، وأن لها أختًا، وتلكم الأخت لم تكن ولدت بعد، وإنما كانت في بطن زوجته التي تُوفِّي عنها (٢)، فقد ردها، وهذا أثر يدل على أن الأب إذا أهدى لابنه شيئًا له
стр. 7568
أن يرده، فهل يورث ذلك بالنسبة للأبناء؟ سلم المالكية والشافعية للحنفية والحنابلة هذه القاعدة وقالوا: نُسلِّم لكم ذلك.
قوله: "أَعْنِي: أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِوَرَثَةِ المَيِّتِ مِنَ الخِيَارِ فِي رَدِّ الأبِ مَا وَهَبَهُ لابْنِهِ) (١)، مَا جَعَلَ لَهُ الشَّرْعُ مِنْ ذَلِكَ (أَعْنِي: لِلأَبِ).
قد يسأل سائلٌ فيقول: لماذا يفرق بين الأب وغيره؟
وأعتقد أن الأمر واضح جدًّا، فهناك عدة أسباب:
أوَّلها: كما جاء في الحديث: "أنت ومالك لأبيك" (٢)، "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (٣)، ندع هذا الأمر على أنه من كسبه، لكننا نأتي إلى تقرير الحكم الشرعي، وهي قضية رد الهبة؛ لأنه - كما تعلمون - جاء النهي عن رد الهبة، وأن هذا ليس من مكارم الأخلاق، ولذلك شبه الرسول ﷺ العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه (٤)، فهل هناك وصفٌ أسوأ من هذا الوصف، كأن هذا الذي يهب شيئًا ثم يرجع فيه بمثابة كَلْب قاء،
стр. 7569
أَيْ: أخرج ما في بطنه ثم أعاد إليها مرَّةً أخرى، لا شكَّ أنه مَثَلٌ سيئٌ وقبيحٌ لا تقبله النفوس، كما قال الله في الذين يشتغلون بالنميمة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة قتات" (١)، أي: نمام، فالأب هنا يسترد الهبة لا يستردها لأنه يحسد ابنه، ولا لأنه يريد إيقاع الضَّرر به، فلا عطف، ولا رحمة، ولا محبة، ولا ودَّ أعظم من محبة الوالد لولده، هذا أمرٌ مسلمٌ، وإذا كانوا في الجاهلية يَقُولون: إنما أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض، فما بالكم في شأن المسلمين، فهذه غَريز غرسها الله في قلوب الآباء والأمهات، بل إن الأب لا يفرح بشيءٍ أكثر مما يفرح لنفسه إلا أن يرى ابنه في حال أحسن، فالأب ليس محل شك، ولا ريبة، ولا مظنة، فكونه يرجع في هبته لسببٍ كما ذكر أبو بكرٍ ﵁، وهب عائشة وما كان لها شَريكٌ، فلما حملت امرأته الأخرى وهي بعد لم تولد طلب رد الهبة (٢).
قوله: (وَكَذَلِكَ خِيَارُ الكِتَابَةِ وَالطَّلَاقِ وَاللِّعَانِ).
يعني قَصده المكاتب، وكذلك الطلاق، ويقصد بالطلاق إذا وكل الزوج غيره بأن يطلق ثم تُوفِّي هذا الموكل، هل تنتقل إلى ورثته؟ لا.
قوله: (وَمَعْنَى خِيَارِ الطَّلَاقِ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ آخَرَ طَلِّقْ امْرَأَتِي مَتَى شِئْتَ):
فقَدْ أعطاه الحرية، وما قيَّدَ ذلك بزَمَنٍ، فما قال: طَلِّقها ناجزًا، ولا بعد يومٍ، ولا بعد شهرٍ، ولا بعد سنةٍ، ولكن قال: متى شئت، فأطلق الأمر، فمعنى هذا أنه ربما لا يُطلِّقها، لكنه ترك له الخيار.
стр. 7570
قوله: (فَيَمُوتُ الرَّجُلُ المَجْعُولُ لَهُ الخِيَار، فَإِنَّ وَرَثَتَهُ لَا يَتَنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ مَالِكٍ) (١).
وَهَذَا غير وَارِدٍ في الحقيقَة؛ لأن الطلاق لا يورث، وإنما إذا ما مات الوكيل ينتقل إلى الموكل، ويعود إليه؛ لأنه حق حتى له أن يرفع عنه ذلك في وقت حياته، قد يوكل إنسان إنسانًا ثم يلغي وكالته، والوكالة قد تكون مطلقةً، وقد تكون مُقيَّدةً.
قوله: (وَسَلَّمَ الشَّافِعِيُّ (٢) مَا سَلَّمَتِ المَالِكيَّةُ لِلْحَنَفِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الخِيَارَاتِ).
فَهَؤُلَاء سَلَّموا لأولئك، وأولَئك سلَّموا لهؤلاء، وبهذا نَتبيَّن أن مسائل الاجتهاد قد يحصل فيها الخلاف، وتتفاوت الآراء، ويختلف العلماء فيها، لَكن قَدْ يَلْتقون عند بعض المَسَائل، فربما يسأل سائلٌ: لماذا يُسلِّم الحنفية والحنابلة للمالكية والشافعية؟ لأنهم رأوا أن الحق معهم.
قوله: (وَسَلَّمَ زَائِدًا خِيَارَ الإِقَالَةِ وَالقَبُولِ).
стр. 7571
الإقَالَة يعني: الإقَالة من المَبيع.
قوله: (فَقَالَ: لَا يُورَثَانِ (١)، وَعُمْدَةُ المَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنْ تُوَرَّثَ الحُقُوقُ وَالأَمْوَالُ إِلَّا مَا قَامَ دَلِيل عَلَى مُفَارَقَةِ الحَقِّ فِي هَذَا المَعْنَى لِلْمَالِ):
فَالأَصْلُ عندهم أن الأموالَ والحقوقَ تورث إلا ما استثناه الدليل، وأحيانًا تجد المخالف - والبَعْض يسميه الخصم - يحتج على المخالف بدليله، فيأتي الآخر فيقول: الأصل في الأموال أنها تورث، والأصل في الحقوق ألَّا تورث إلَّا ما دلَّ الدَّليل، فإن كنتم تدَّعون ذلك، فائتوا ببرهانكم، إذًا المخالف يحتجُّ، وهكذا كُلَّما كانت المسائلُ خاليةً من نصٍّ من كتابٍ أو سُنَّةٍ، تشعبت فيها الآراء، وتعددت وَتَنوَّعت، وكثر الخلاف، وتَعدَّدت وجهات النظر، وكلٌّ ينتهي إلى ما ينتهي إليه فهمه، وإذا كان هذا يَحْصل بين علماء الأمة الذين وَهَبهم الله تقوًى وهدًى وصلاحًا ورسوخًا في العلم وتمكينًا منه، وإذا كان هؤلاء يقولون بعض الأقوال، ويخطئون فيها وهم مجتهدون، فما بالكم فيمن يضعون الأحكامَ والقوانينَ وهُمْ أبعد ما يَكُونُون عن هذا الدين؟ لا شك أنَّهم على الخطإ أقرب من الثواب، ولذلك ترى أن أقْوَالهم تختلف بين فترةٍ وفترةٍ وتتنوع، فترى أن هذا الحكمَ عندهم في القمة، فإذا ما طبق وجرب ظهر خللُه، وتبينت شناعته، فعدل عنه، وبحث عن حكمٍ آخَرَ، أمَّا أحكام هذه الشريعة، فإنها جَاءَتْ منتظمةً، لا تزيغ، ولا تنحرف عن طريق الهداية؛ لأنَّ هذا هو طريق الله.
стр. 7572
قوله: (وَعُمْدَةُ الحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنْ يُوَرَّثَ المَالُ دُونَ الحُقُوقِ) (١):
وَكَذَلك عند الحنَابلَة (٢)، فَهَذا هو الأصل؛ لأن الحقوقَ قد تختلف، قد يورث بعضها، وقد لا يورث، فلا ينبغي أن نَجْعلها قاعدةً أبدًا، لكن الأموال مسلمة.
قوله: (إِلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ مِنْ إِلْحَاقِ الحُقُوقِ بِالأَمْوَالِ، فَمَوْضِعُ الخِلَافِ: هَلِ الأَصْلُ هُوَ أَنْ تُوَرَّثَ الحُقُوقُ كَالأَمْوَالِ أَمْ لَا؟ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يُشَبِّهُ مِنْ هَذَا مَا لَمْ يُسْلِمْهُ لَهُ خَصْمُهُ مِنْهَا بِمَا يُسْلِمُهُ مِنْهَا لَه، وَيَحْتَجُّ عَلَى خَصْمِهِ):
وَالحُقُوقُ أنواعٌ:
* فمنها ما هو حق لله : وحقوق الله هذه يستقل بها، فهناك حق خاص بالله تعالى لا يجوز للمسلم أن يشرك معه غيره، فلا يجوز لأحدٍ أن يصلي لغير الله، ولا أن يعبد غير الله، ولا أن يتوكَّل على غير الله، ولا أن يذبح لغير الله، ولا أن يدعو غير الله، ولا أن يحجَّ لغير الله، ولا أن يطلب الإنابة والرغبة، ولا يرهب إلا الله .
*وهناك حقٌّ خاصٌّ بالعبد؛ كحق الإنسان بأن يتصرف في ماله، وهناك حقوق مشتركة بين الخالق والمخلوق في الحدود، فإذا ما قذف إنسان، فإنه اعتداء عليه، وفي ذلك أيضًا حق لله في تطبيق الحد، وهكذا.
وَعَرفنا أن هناك مسائل خالف فيها الحنفية والحنابلة، وسلموا
стр. 7573
للمالكية والشافعية، فَجعلوها حُجَّةً عليهم، وهناك العكس قضَايا أو حقوق يسلم فيها المالكية والحنفية والشافعية للحنابلة، والحقيقة أنَّ كل مسألة ينبغي أن تدرس بنفسها، فنعرف: هل هذا الحق ورد فيه نصٌّ أو لم يرد فيه نصٌّ؟ هل هناك حجَّةٌ قويَّةٌ أو تعليلٌ قويٌّ يعتمد عليه فننظر إليه؟ فالحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، ولا بد من دراسة كلِّ مَسْألةٍ على حِدَةٍ.
قوله: (فَالمَالِكِيَّةُ (١)، وَالشَّافِعِيَّةُ (٢): تَحْتَجُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ (٣) بِتَسْلِيمِهِ وِرَاثَةَ خِيَارِ الرَّدِّ بِالعَيْبِ، وَيُشَبِّهُ سَائِرَ الخِيَارَاتِ الَّتِي يُوَرِّثُهَا بِهِ. وَالحَنَفِيَّةُ تَحْتَجُّ أَيْضًا عَلَى المَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ بِمَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَرُومُ أَنْ يُعْطِيَ فَارِقًا فِيمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ قَوْلُهُ وَمُشَابِهًا فِيمَا يَتَّفِقُ فِيهِ قَوْلُه، وَيرُومُ فِي قَوْلِ خَصْمِهِ بِالضِّدِّ (أَعْنِي: أَنْ يُعْطِيَ فَارِقًا فِيمَا يَضَعُهُ الخَصْمُ مُتَّفِقًا، وَيُعْطِي اتِّفَاقًا فِيمَا يَضَعُهُ الخَصْمُ مُتَبَايِنًا)، مِثْلُ مَا تَقُولُ المَالِكِيَّةُ: إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ خِيَارَ الأَبِ فِي رَدِّ هِبَتِهِ لَا يُوَرَّث، لِأَنَّ ذَلِكَ خِيَارٌ رَاجِعٌ إِلَى صِفَةٍ فِي الأَبِ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَهِيَ الأُبُوَّةُ).
(يَرُومُ)، أيْ: يقصد، لأنه يوجد فَارقٌ بين ما قَالَه وما قالَه غيره، ويقيم الحُجَّة على مخالفِهِ بأشياء مما سلم بها المخالف، فهذا تسليمٌ من المالكية والشافعية فهم يقولون بأن الحقوقَ لا تورث، فهنا سلموا بعكس ذلك، لماذا سلموا؟ لأن هذا فيه دليلٌ أشرت إليه فيما مضى.
قوله: (فَوَجَبَ أَلَّا تُوَرَّثَ لَا إِلَى صِفَةٍ فِي العَقْدِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي خِيَارٍ خِيَارٍ).
كأنه يقول: الخيارات تختلف، فمنها ما يورث، ومنها ما لا يورث،
стр. 7574
وقد رأينا أنَّ منها ما هو موضع اتفاق، ومنها ما هو موضع خلاف.
قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ مَنِ انْقَدَحَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَقْدِ وَرَّثَه، وَمَنِ انْقَدَحَ لَهُ أَنَّهُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ بِذِي الخِيَارِ لَمْ يُوَرِّثْهُ).
مَنْ ظهر عنده واستقر في ذهنه أن هذا خاص بصاحب العقد، فإنه حِينَئذٍ لا يورثه، لأنها تكون خاصية له، ومَنْ رأى أن ذلك وصف خاصٌّ متعلقٌ بالعقد نفسه، فإنه في هذه الحالة يورث لصاحب العقد كما تَرَون في الهبة، فالأَبُ له أن يستردَّ الهبة التي وَهَبها لابنه، وهذا كما قلنا فيما مضى "أنتَ ومالك لأبيك" (١)، "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه"، وفي قصة أبي بكرٍ ﵁ عندما أهدى إلى ابنته عائشة تلكم الحديقة، فإنَّه ردَّها ﵁، والقصَّة في ذلك معروفةٌ، وذكر العلة، وقد سَبَق أن أشرتُ إلى ذلك.
قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَهِيَ مَنْ يَصِحُّ خِيَارُهُ؟، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ خِيَارِ المُتَبَايِعَيْنِ) (٢).
من المَسَائل الكُبْرى ومن أُمَّهات هذا الباب هي الَّتي سيذكرها فيما يتعلق بالخيار للأجنبي.
стр. 7575
العقد يقوم على أركانٍ ثلاثةٍ:
الركن الأوَّل: العاقدان، وهذا يقع في البيع والإجارة، وفي غير ذلك من العقود.
الركن الثاني: إيجاب وقبول، فلا بد في المبيع من إيجاب وقبول، وقد سبق أن أشرنا إليها فيما يتعلق بالمعاطاة، هل تعتبر بيعًا، وهل تجوز؟ وَبَينَّا أنَّ ذلك صَحيحٌ، وأن الشافعية ينازعون في ذلك، وأن القولَ الحقَّ هو قول الذين قالوا بأنَّ المعاطاة ثابتة، وهذا ما يسير عليه المسلمون، ولذلك لو قيل بعَدَم صحَّة بيع المعاطاة (١)، لقيل بفسادِ كثيرٍ من العقود، ولَتحرَّج المسلمون في ذلك، وهذا معروفٌ منذ زمن السلف إلى يومنا هذا، فإن الناس يتبايعون بالمعاطاة، تعطيه الثمن ويأخذ السلعة، وليس شرطًا أن يقول البائع: بِعْتُكَ هذه السلعة، ويقول المشتري: قَبِلْتُ.
الرُّكن الثالث: معقود عليه، وهذا المعقود عليه هي السلعة.
وَالآنَ سَيَنقل حكم ذلك إلى غيرهما، وَسَيَرد على العقد إنسانٌ خارجٌ عن صاحبي العقد، فَهَذا هو الذي يُسمَّى أجنبيًّا، فالبائع والمشتري هما صاحبا العقد، فإذا وكل البائع رجلًا آخر، فنُسمِّي ذلك أجنبيًّا؛ لأنه واردٌ على العقد، وليسَ هو الناظر فيه أصلًا إذا هو دخل بعد ذلك، أو كذلك المشتري لو وكل أيضًا غيره، فإنَّ هذا يعتبر أجنبيًّا.
إذًا، مُرَاد المؤلف أو مصطلحه في الأجنبي يريد به الوكيل، فإذا تبايع اثنان ووكل أحدهما الخيار إلى الآخر، فهذا الذي وكل إليه الخيار غير صاحبي العقد الأصليين يسمى أجنبيًّا، وسيأتي تعليل ذلك وبيانه في الخلاف في هذه المسألة.
стр. 7576
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ خِيَارِ الأَجْنَبِيِّ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَالبَيْعُ صَحِيحٌ).
فَقَال مالكٌ (١) وأبو حنيفة (٢) وأحمد (٣): لأنَّ هذا هو مذهب الجمهور، هذا هو رأي الأئمة الثلاثة ﵏، وَوَهم المؤلف عندما نسب إلى الإمام أحمد قولًا هو لأحد أصحابه، وليس هو قول الإمام أحمد كما سنُنبِّه على ذلك.
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (٤): لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ الَّذِي جُعِلَ لَهُ الخِيَار، وَلَا يَجُوزُ الخِيَارُ عِنْدَهُ عَلَى هَذَا القَوْلِ لِغَيْرِ العَاقِدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَلِلشَّافِعِيِّ (٥) قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ مَالِكٍ):
إذًا، الشافعي رحمه الله تعالى له قولان:
١ - قولٌ يلتقي فيه مع الجمهور، وهو أن الأجنبي أو أن أحد المتعاقدين له أن ينزل الأجنبي إلى منزلته، وهذا إذا اشترط الخيار أصلًا.
٢ - والقَوْل الآخر: أنه لا يكون إلا لصاحبي العقد أو لأحدهما.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ).
وهو في الحقيقة ليس قول أحمد، وإنما هو قول القاضي أبي يعلى
стр. 7577
من الحنابلة، وفيه تفصيل (١)، لكن ليس هذا مجال الحديث كما قلنا كثيرًا، لن ندخل في تفصيلات المذاهب، فهل يصح الخيار لأجنبي؟ عرفنا أنه يثبت للمتعاقدين، فهل لأحد المتعاقدين أن ينقل الخيار لأجنبي أو الوكيل؟ الجمهور (الأئمة الثلاثة) وهي رواية للإمام الشافعي قالوا بجواز ذلك، والرواية الأخرى للإمام الشافعي (٢) قال: لا يجوز ذلك، والعلة معروفة ذكَرها بعض العلماء، فقالوا: لأن الشرع إنما أثبت الخيار لتحصيل ما ينفع المتعاقدين.
ووجهة الذين منعوا ذلك - وهي رواية أخرى عن الشافعية: لا يجوز - لأن الخيار إنما شرع لتحصيل المنفعة للمتعاقدين بنظرهما، فيثبت للمتعاقدين ولا يثبت لغيرهما لمن يقوم مقامهما، وأما جمهور العلماء، فقالوا: هذا تعليل غير مسلم؛ لأن هذا الوكيل نزل منزلة صاحب العقد، وأخذ حكمه، والوكالة ثابتة شرعًا في أحكامٍ كثيرةٍ في المعاملات كما هو معلوم، بل أيضًا يدخل ذلك في الطلاق، وفي النكاح، وفي غير ذلك، فإن كان هناك مَنْ يدخل النكاح في المعاملات، وهناك مَنْ يجعله قسمًا مستقلًّا في الفقه، فجمهور العلماء قالوا: ذلك ثابت ما دام أن الخيار قد ثبت للعاقدين، إذًا هو كذلك يثبت للوكيل؛ لأن الوكيل بديل ونائب عن الأصل، فيأخذ حكمه.
قالوا: وقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه
стр. 7578
البخاري (١) وأصحاب السنن (٢) وأحمد (٣) وغيرهم: "المسلمون على شروطهم".
وفي رواية: "المؤمنون على شروطهم" (٤).
فهذا العاقد قد شرط الخيار، فيلتقي مع قول الرسول ﷺ : "المؤمنون على شروطهم"، وهذا الخيار قَدْ نقله صاحب الحق إلى غيره، فوكله في ذلك الأمر، فهذا هو تعليل جمهور العلماء.
قوله: (وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٥).
وكذلك أحمد كما عرفنا.
قوله: (وَاتَّفَقَ المَذْهَبُ عَلَى أَنَّ الخِيَارَ لِلْأجْنَبِيِّ إِذَا جَعَلَهُ لَهُ المُتَبَايِعَانِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ لَهُمَا) (٦).
واتفق المذهب - يقصد به مذهب مالك -؛ لأن المؤلف كما تعلمون هو مالكي، لكنه ما رأيناه في مسألة واحدة تعصب لمذهبه، وهذَا هو الحق الذي ينبغي أن يسير فيه طالب العلم، ينبغي أن يكون قصده وهدفه أن يَرُوم الوصول إلى الحق من أقرب طريقٍ، وأهدى سبيلٍ، ولا ينبغي حقيقة أن ينزع إلى التعصب الأعمى، أما إنْ كان التعصبَ هو الوقوف عند الأدلة، فهذا أمر مطلوب من كل مسلمٍ، ونحن لا نسميه تعصبًا، وإنما نسميه وقوفًا عند الحقِّ.
стр. 7579
قوله: (وَاخْتَلَفَ المَذْهَبُ إِذَا جَعَلَهُ أَحَدُهُمَا فَاخْتَلَفَ البَائِعُ (١) وَمَنْ جَعَلَ لَهُ البَائِعُ الخِيَارَ أَوِ المُشْتَرِي وَمَنْ جَعَلَ لَهُ المُشْتَرِي الخِيَارَ).
فالوكيل إذا اختار، فهل يعتبر قوله ملزمًا لمن وكله أو لا؟ الصحيح: نعم ما دام قد فوضه، وسيأتي تفصيل ذلك.
قوله: (وَاخْتَلَفَ المَذْهَبُ إِذَا جَعَلَهُ أَحَدُهُمَا، فَاخْتَلَفَ البَائِعُ). اختلف المَذْهب إذا جعل أحد المتعاقدين البائع أو المشتري الخيار للوكيل، ولم يَجْعله الآخر، فما الحكم؟ فلو اختلف البائع مع الوكيل، فقول مَنْ يُعْتبر في هذه المسألة؟ فهل نطبق الحكم الفقهي، فنأخذ بقول الوكيل؛ لأنه فوض ونزل منزلة صاحب العقد، أو أن مخالفة الموكل تؤثر في ذلك، هذا هو الذي سيبحثه المؤلف، فانتبهوا لهذا.
стр. 7580
قوله: (فَقِيلَ: القَوْلُ فِي الإِمْضَاءِ وَالرَّدِّ قَوْلُ الأَجْنَبِيِّ، سَوَاءٌ اشْتَرَطَ خِيَارَهُ البَائِعُ أَوِ المُشْتَرِي).
وهذا حقيقةً هو الأولى، وهو الأقرب.
قيل: القول في الإمضاء والرد قول الأجنبي، وهذا هو الأقرب حقيقةً؛ لأنه ما دام وثق به ووكله في أن يشتري له، وأعطاه أيضًا تفويضًا بأن يختار له، فما المانع بأن يعترض عليه؟ وهو أصلًا عندما اختاره، اختاره لأنه يرى أنه صالحٌ لأنْ يبيع وأن يشتري، وغالبًا في الوكلاء لا يختار الإنسان إلا من يرى أنه أهلًا لأنْ يكون وكيلًا، فربما يختار هذا الإنسان مَنْ هو أولى منه؛ لأنه ليس كل الناس عندهم خبرة في البيع والشراء والمماكسة، فهذا قد تكون عنده من الخبرة ما ليس عند غيره، حتى لو قيد ذلك، فقال: ليس لك أن تمضي العقد إلا بالرجوع إليَّ، لكن هو فوَّضه، وأطلق له ذلك، أي: الوكالة، وجعل له الخيار، فينبغي أن يكون قوله هو المعتبر، وهذا هو الذي يلتقي مع روح هذه الشريعة، فهو من حيث النظرة العامة أضعف من صاحب الأصل، لكنه نزل منزلته، وهذه عقود، والله تعالى يقول: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾، فما دام قد وكل إنسانًا فالتزم، فينبغي أن يكون كذلك.
قوله: (وَقَالَ عَكْسَ هَذَا القَوْلِ مَنْ جَعَلَ خِيَارَهُ هُنَا كَالمَشُورَةِ).
وهذا قول أضعف، وهذا الخلاف ليس في مذهب مالكٍ ﵀ فقط، بل بين المذاهب أيضًا.
قوله: (وَقِيلَ: بِالفَرْقِ بَيْنَ البَائِعِ وَالمُشْتَرِي؛ أَيْ: أَنَّ القَوْلَ فِي الإِمْضَاءِ وَالرَّدِّ قَوْلُ البَائِعِ دُونَ الأَجْنَبِيِّ، وَقَوْلُ الأجْنَبِيِّ دُونَ المُشْتَرِي إِنْ كَانَ المُشْتَرِي هُوَ المُشْتَرِطُ الخِيَارَ).
وقالوا بهذا؛ لأن البائعَ في يده سلعة، وهذه السلعة ستخرج من
стр. 7581
يده، ولذلك يُعْطى أكثر مما يعطى غيره في الخيار، والحقيقة أن كلًّا منهما بحاجةٍ إلى الخيار، والأمر لا يختصُّ أيضًا بالبائع والمشتري، فهما سيَّان في ذلك، ولذلك كان القول الأوَّل هو الأَوْلَى، وأن الأمر يُتْرك لمن جعل له الخيار ووثق به.
قوله: (وَقِيلَ: القَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمَا الإِمْضَاءَ).
سواء كان صاحب الأصل العاقد أو الوكيل؛ لأن الأصلَ في البيع أنه عقد لازم لمَنْ يقول بالإمضاء، يتفق مع أصل العقد، ومَنْ يقول بعدم الإمضاء لا يتفق، وهذا العقد الذي هو لازمٌ - كما هو معلوم - إنما جعل الخيار فيه حتى يأخذ الإنسان فرصةً، ويتحرى ويدقق في الأمر حتى لا يغبن في المبيع، وحتى لا يندم.
قوله: (وَإِنْ أَرَادَ الإِمْضَاءَ، وَأَرَادَ الأَجْنَبِيُّ الَّذِي اشْتَرَطَ خِيَارَهُ الرَّدَّ، وَوَافَقَهُ المُشْتَرِي، فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ فِي الإِمْضَاءِ، وَإِنْ أَرَادَ البَائِعُ الرَّدَّ، وَأَرَادَ الأجْنَبِيُّ الإِمْضَاءَ وَوَافَقَهُ المُشْتَرِي، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي؛ وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَطَ الخِيَارَ لِلْأَجْنَبِيِّ المُشْتَرِي، فَالقَوْلُ فِيهِمَا قَوْلُ مَنْ أَرَادَ الإِمْضَاءَ، وَكَذَلِكَ الحَالُ فِي المُشْتَرِي. وَقِيلَ: بِالفَرْقِ فِي هَذَا بَيْنَ البَائِعِ وَالمُشْتَرِي (أَيْ: إِنِ اشْتَرَطَهُ البَائِعُ فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَرَادَ الإِمْضَاءَ مِنْهُمَا، وَإِن اشْتَرَطَهُ المُشْتَرِي فَالقَوْلُ قَوْلُ الأَجْنَبِيِّ).
وكثرت هذه الأقوال وتنوعت، واختلفت وجهات النظر لعدم وجود دليل، لكن لو وجد نص من كتاب أو سنة لقطع الخلاف، ورفع النزاع، فربما يختلف في فَهْم ذلك النص، لكن هذه مسائل فرعية اجتهادية، والمؤلف دخل فيها على خلاف منهجه؛ لأن هذه لا تعد من مسائل الأصول، فالأصل فيه هي المسألة الأولى التي قال: من المعتبر بقوله الإمضاء وعدمه؟
стр. 7582
قوله: (وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي المُدَوَّنَةِ) (١).
و"المدونة" هي ذلكم الكتاب أو السِّفر الكبير أو الموسوعة العظيمة في مذهب مالك، فإن هذه قامت على أسئلة كان يوجهها تلميذ الإمام مالك العالم المشهور ابن القاسم يسأل فيها مالكًا، فيجيب على مسائل، وأحيانًا يتوقف فيجيب ابن القاسم، أو ربما أجاب ابن القاسم ابتداءً، فسميت بالمدونة، وهي رواية سحنون من المالكية.
قوله: (وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ).
فبعدما سرد المؤلف كل هذه الأقوال انتهى فقال: وهذا كله ضعيف.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ اشْتَرَطَ مِنَ الخِيَارِ مَا لَا يَجُوزُ).
وقد يشترط بعضهم شرطًا لا يجوز، وكل شرطٍ ليس في كتاب الله، فهو باطلٌ وَإنْ كان مئة شرط كما هو معلوم (٢)، فلا يجوز لأحد أن يشترط شرطًا لا يوافق روح العقد، فهذا الشرط ربما يكون غير جائز، فيكون هذا من اشتراك ما لا يجوز، وربما يكون هذا الذي اشترط فيه جهالة، يعني: ترد عليه الجهالة، فهو موضعُ ذمٍّ، وهذا ما سيبحثه المؤلف.
قوله: (مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا مَجْهُولًا، وَخِيَارًا فَوْقَ الثَّلَاثِ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الخِيَارَ).
العلماء في خيار الشرط اتفقوا على جوازه، ثم أيضًا اتفقوا على
стр. 7583
ثلاثة أيام، ثم اختلفوا فيما زاد على الأيام الثلاثة إذا حددت المدة، فبعضهم أجاز ذلك كالإمام أحمد (١) ومَنْ معه: ابن إسحاق وابن أبي ليلى وأبو ثور ابن المنذر ومحمد بن الحسن وأبو يوسف (٢)، ومنهم مَنْ منع ذلك كما عرفتم (بقية العلماء) (٣)، ثم اختلفوا بعد ذلك في إطلاقه، وغالب الأئمة منعوا ذلك، لكن بعضهم قال: إذا أُلْغِيَ هذا الشرط أو أُبْطل الخيار صح كالإمام أحمد (٤)، وبعضهم قال: إنْ كان إبطاله أثناء الأيام الثلاثة صحَّ كأبي حنيفة (٥)، وبعضهم قال: لا تصح مطلقًا، وهو الإمام الشافعي (٦).
قوله: (مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَجَلًا مَجْهُولًا، وَخِيَارًا فَوْقَ الثَّلَاثِ)، فَمن العلل والقوادح في البيوع: وجود الغرر ووجود الجهالة؛ لأن الجهالةَ والغررَ يترتب عليهما أو على أحدهما ضررٌ على أحد المتعاقدين، وربما تكون الجهالةُ ساريةً إلى صاحبي العقد، ولذلك نُهِيَ عن بيع النجش (٧)، والنجش هو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها؛ لأنه يريد أن يضر هذا الإنسان، فيريد أن ينفع صاحب السلعة ويضر المشتري (٨)، وهذا فيه ضررٌ، ونهي عن تلقي الجلب (أي: الركبان) (٩)؛ لأنه قد يخدع هذا الجالب، وهذه السلعة يأخذها شخص، فبعد ذلك
стр. 7584
يتحكم فيها، فيضر بها أهل السوق، ولذلك نهي عن سوم الرجل على سوم أخيه (١)؛ لأنه يضر به، ونهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه، ومسائل كثيرة مرت بنا، وهذه الشريعة جاءت لإصلاح الناس، كما أنها تصلح عقائدهم هي كذلك أيضًا تصلح نفوسهم، وأيضًا تصلح ما يتعلق بمعاملاتهم حتى يكونوا قد صاروا على هدًى من هذه الشريعة، وحتى لا ينتشر الخلاف بينهم، ويسود الضرر أيضًا.
قوله: (وَخِيَارًا فَوْقَ الثَّلَاثِ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الخِيَارَ فَوْقَ الثَّلَاثِ). قيدوا عند مَنْ لَا يجوز، فهناك مَنْ يجوز الخيار فوق ثلاث إذا قيد، أي: حدد بمدة.
قوله: (أَوْ خِيَارَ رَجُلٍ بَعِيدِ المَوْضِعِ بِعَيْنِهِ).
يعني: إنسان بعيد عنه.
قوله: (أَعْنِي: أَجْنَبِيًّا): فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣): لَا يَصِحُّ البَيْعُ وَإِنْ أُسْقِطَ الشَّرْطُ الفَاسِدُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ البَيْعُ مَعَ إِسْقَاطِ الشَّرْطِ الفَاسِدِ (٤)).
стр. 7585
لكنَّ أبا حنيفة قيَّده بمدَّة الخيار، والإمام أحمد (١) يرى أنه إذا أزيل (أي: أبطل الخيار الفاسد وزال)، صح العقد.
قوله: (فَأَصْلُ الخِلَافِ: هَلِ الفَسَادُ الوَاقِعُ فِي البَيْعِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ يَتَعَدَّى إِلَى العَقْدِ أَمْ لَا يَتَعَدَّى، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الشَّرْطِ فَقَطْ؟ فَمَنْ قَالَ: يَتَعَدَّى: أَبْطَلَ البَيْعَ، وَإِنْ أَسْقَطَهُ. وَمَنْ قَالَ: لَا يَتَعَدَّى: قَالَ: البَيْعُ يَصِحُّ إِذَا أُسْقِطَ الشَّرطُ الفَاسِدُ).
والأظهرُ أنه لا يتعدى؛ لأنه قد طرح، والأصل في البيع أنه صحيح، لَكن إدخال هذا الخيار عليه أو هذه الجهالة أَلْغَته، لكن أحيانًا وجود الغرر يفسد العقد.
قوله: (لِأَنَّهُ يَبْقَى العَقْدُ صَحِيحًا).
وفي "صحيح مسلم" قصة الرجل الذي كان معه قلادة يوم خيبر، فباعها بدنانير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فمنع ذلك، قال: "لا، حتى تفصل" (٢)، ففصلت فوجد ما فيها من الذهب أكثر من الثمن الذي اشتريت به، فهذا فيه غبن وضرر، ووجود الجهالة أو الغور يؤثر على المعاملة، لكن لو كان يسيرًا، فإنه معفوٌّ عنه؛ لأن كثيرًا من المعاملات لا تخلو من شْيءٍ من ذلك، وإذا وجد غرر بَيِّن، فإن هذا الغرر يرفع ويمنع.
стр. 7586
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[كتاب بيع المرابحة]
بيع المرابحة نوع من أنواع البيوع، وقد اشتهر هذا النوع في هذا الزمان، فتجد المصارف الإسلامية تعمل ببيع المرابحة أو تطبق بعض أوصافه أو صورًا منه، وهناك خلاف مشهور بين أهل العلم فيما تطبقه هذه المصارف؛ هل هو جائز أو غير جائز، وليس الخلاف على أصل بيع المرابحة، وإنما فيما ألحق بهذه المعاملة من صور، ومن ذلك: (بيع المرابحة للآمر بالشراء) كأن يأتي شخص يريد أن يقيم مصنعًا إلى مصرفٍ فيعرض عليه شراء أشياء ليست عنده، كآلات ومعدات ونحوها، واختلف العلماء في هذه الصورة وأمثالها لأس باب:
الأول: عدم امتلاك المصرف لتلك الآلات والمعدات.
الثاني: أن المشتري ليس عنده مال لشرائها في الحال، وإنما أراد أن يشتريها المصرف ليبيعها عليه.
الثالث: أنه بيع ما ليس بموجود، أي: أن المصرف يبيع ما ليس عنده، وعن حكيم بن حزام أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر له أن الرجل يأتيه يريد السلعة وليست عنده، فيذهب فيشتريها له من السوق - يعني يذهب إلى تاجر آخر فيشتري منه السلعة ثم يبيعها - فقال رسول الله ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك" (١) فهذا نص في أنه لا يجوز أن
стр. 7587
يبيع الإنسان ما ليس عنده خشية أن لا يجد تلك السلعة التي التزم ببيعها.
ولكنهم يعللون الجواز بأن الأمور قد اختلفت، فأصبحت السلع متوفرة؛ فبإمكانك أن ترفع الهاتف وتطلب السلعة فتأتي إليك، وربما تتصل بتاجر آخر هذه السلعة في مستودعه فيرسلها؛ فتكون بذلك متوفرة، وربما تتصل أو ترسل إليه (فاكسًا) فتأتيك السلعة بعد قليل وهكذا.
تعريف المرابحة:
لغة: مفاعلة من الربح، ربح يربح ربحًا؛ إذن المرابحة ما كان فيها أكثر من شخص، ففيها بائع ومشترٍ (١).
واصطلاحًا: البيع برأس المال مع زيادة ربح معلوم (٢).
وصورتها: أن تذكر لمن يشتري منك السلعة رأس المال، تقول:
стр. 7588
اشتريت هذه السيارة - مثلًا - بعشرة آلاف، وأريد أن أربح فيها عشرة بالمائة - يعني ألفًا - فتبيعها بأحد عشر ألفًا.
أركان المرابحة:
الأول: وجود العاقدين.
الثاني: الإيجاب والقبول.
الثالث: وجود السلعة.
وهذه الثلاثة هي أركان عقد البيع نفسه، وفي المرابحة لا بد من توفر شروط أُخر وهي:
أولًا: أن يكون رأس المال معلومًا.
ثانيًا: أن يكون الربح معلومًا حتى ترتفع الجهالة.
ثالثًا: أن لا يكون ما يعقد عليه المرابحة مما يجري فيه الربا، كأن يكون مكيلًا بمكيل؛ إذ يشترط في الأموال الربوية أن تكون متساوية "البر بالبر والذهب بالذهب والفضة بالفضة والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل" (١) إذن لا بد من وجود المماثلة. أما المرابحة فإنه يقصد بها الربح ابتداءً.
قوله: (أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ صِنْفَانِ: مُسَاوَمَةٌ، وَمُرَابَحَةٌ).
"المساومة" (٢): أن تسوم السلع، وقد مر بنا بيع المعاطاة واختلاف
стр. 7589
العلماء فيه (١)، وأن الحنابلة على تصحيحه، وهو الصحيح، فهو كالمرابحة أيضًا؛ فإن المسلمين كانت بيوعاتهم يقوم كثير منها على المعاطاة، أي: يعطيك مبلغًا ويأخذ السلعة دون أن يساومك فيها، فهذا أمر قد اشتهر بين المسلمين، ولو قيل بأن بيع المعاطاة لا يجوز لقيل بفساد بيوع كثيرة بين المسلمين، وهذا قول غير مقبول، وأما المرابحة فقد أشرنا إليها قبل قليل.
قوله: (وَأَنَّ الْمُرَابَحَةَ هِيَ أَنْ يَذْكُرَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الَّذِي
стр. 7590
اشْتَرَى بِهِ السِّلْعَةَ، وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ رِبْحًا مَا لِلدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ).
إذن لا بد في حق البائع أن يقول: اشتريت هذه السلعة بكذا، ويجب عليه أن يصدق؛ لأنه مؤمن ولا يجوز له الكذب وإلا كان خائنًا، والله - تعالى - يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ إذن الصدق مطلوب منه في هذا المقام، ثم يتفقان على الربح، وله صورتان:
الصورة الأولى: أن يحدد الربح بالنسبة إلى رأس المال، كأن يقول: نسبة الربح عشرة بالمائة أو خمسة عشر أو عشرون بالنسبة إلى رأس المال.
الصورة الثانية: أن يكون الربح مقطوعًا لا ينظر فيه إلى النسبة، كأن يقول: اشتريت هذه السلعة بأحد عشر ألفًا وأبيعك إياها بخمسة عشر ألفًا.
إذن يجوز أن يكون منسوبًا ويجوز أن يكون مقطوعًا، فالمهم ألا تكون هناك جهالة.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: فِيمَا لِلْبَائِعِ أَنْ يَعُدَّهُ مِنْ رَأْسِ مَالِ السِّلْعَةِ مِمَّا أَنْفَقَ عَلَى السِّلْعَةِ بَعْدَ الشِّرَاءِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُدَّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ).
أي: ما الشيء الذي يعد في رأس المال والشيء الذي لا يُعد؟ فبعض السلع تحتاج إلى تخزين أو إلى تعليب، وربما تحتاج إلى حراسة أو إلى إنفاق أو إلى حملها من مكان إلى مكان، وربما احتاج أن يضيف إليها بعض الأشياء الأخرى، كأن يشتري ثوبًا فيصبغه، أو سيارة فيجدد طلاءها، أو غلامًا فيعلمه صنعة وهكذا.
فهذه الزيادات التي ألحقت هل تعد في رأس المال فيحسب الربح على ضوئها مع أصل الثمن، أو أنها تحسب من رأس المال ولا تعد في
стр. 7591
الثمن، أو أنها لا تحسب في هذا ولا ذاك؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم (١)، وأكثر العلماء تفصيلًا في هذا هم المالكية، وقد لخص المؤلف مذهبهم تلخيصًا طيبًا وقربه إلى الأذهان.
قوله: (وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: إِذَا كَذَبَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي (١) فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِهِ، أَوْ وَهَمَ فَأَخْبَرَ بِأَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ السِّلْعَةَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ، فَفِي هَذَا الْكِتَابِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بَابَانِ؛ الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِيمَا يُعَدُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مِمَّا لَا يُعَدُّ، وَفِي صِفَةِ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ الرِّبْحُ. الثَّانِي: فِي حُكْمِ مَا وَقَعَ مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوِ النُّقْصَانِ فِي خَبَرِ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ).
البائع لا يخلو من حالات ثلاث:
الحالة الأولى: أن يخبر المشتري برأس المال وهذا هو المطلوب من كل مسلم أن يكون صادقًا في بيعه وشرائه حتى لو تعامل مع غير المسلم.
الحالة الثانية: أن يخل بهذا الشرط، وإخلاله بالشرط لا يخلو من أحد أمرين:
- إما أن يكون نسي رأس المال، أو أن يكون اشتراها بواسطة فأخبره أنها بكذا، ثم تبين له أنه أضيف إليها مصاريف أخرى أو أن ثمنها أكثر مما ذكر.
- وإما أن يخبره بثمنها ثم يتبين أنه وَهِم، وهذا يسمى الغلط أو الوهم.
стр. 7594
الحالة الثالثة: أن يقول له: اشتريتها بكذا، وهو كاذب، ثم يتبين سعرها الحقيقي.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِيمَا يُعَدُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مِمَّا لَا يُعَدُّ وَفِي صِفَةِ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ الرِّبْحُ
فَأَمَّا مَا يُعَدُّ فِي الثَّمَنِ مِمَّا لَا يُعَدُّ؛ فَإِنَّ تَحْصِيلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا يَنُوبُ الْبَائِعُ عَلَى السِّلْعَةِ زَائِدًا عَلَى الثَّمَنِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُعَدُّ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ، وَيَكُونُ لَهُ حَظٌّ مِنَ الرِّبْحِ. وَقِسْمٌ يُعَدُّ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ حَظٌّ مِنَ الرِّبْحِ. وَقِسْمٌ لَا يُعَدُّ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ حَظٌّ مِنَ الرِّبْحِ).
مذهب مالك كغيره في فروع كثيرة، وفيه مسائل منتثرة كثيرة، فكأن المؤلف جمعها ولخصها فقال: (تحصيل مذهب مالك)، ويتلخص مذهب مالك ﵀ في هذه المسألة - مسألة المرابحة - في أصول ثلاثة:
الأول: أن يكون هناك شيء من الزيادة مضافًا إلى عين السلعة، كخياطة توب أو تعليم صنعة، فهذا يضاف إلى أصل الثمن ويحسب في الربح ويكون له نسبة كأصل الثمن، كأن يكون اشترى السلعة - مثلًا - بألف ريال وتكلف عليها مائة فصارت ألفًا ومائة، على هذا يأخذ نسبة عشر بالمائة - مثلًا - فيأخذ مائة وعشرة ريالات.
الثاني: أن تكون الزيادة غير متصلة بعين السلعة، فهذه تعد في أصل الثمن ولا تعد في الربح ولا اعتبار لها؛ لأنها ليست من رأس المال، هذا أولًا. وثانيًا: لأنها ليست متصلة بعين السلعة.
стр. 7595
الثالث: ما لا يعد في أصل الثمن، ولا يكون له حظ من الربح (١).
قوله: (فَأَمَّا الَّذِي يَحْسِبُهُ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَيَجْعَلُ لَهُ حَظًّا مِنَ الرِّبْحِ: فَهُوَ مَا كَانَ مُؤَثِّرًا فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ، مِثْلُ الْخِيَاطَةِ، وَالصَّبْغِ) (٢).
فلو أن إنسانًا اشترى سيارة فصبغها صبغًا جديدًا، أو اشترى ثوبًا أو
стр. 7596
صندوقًا فصبغه فإن هذه زيادة متصلة بالعين مباشرة، فيرى المالكية أن مثل ذلك يعد في رأس المال ويحسب في الربح، فلو قدر أن السلعة ثمنها عشرة آلاف ثم أضاف إلى عينها ألفًا؛ فإن الربح إذا كان عشرة بالمائة يكون ألفًا ومائة.
قوله: (وَأَمَّا الَّذِي يَحْسِبُهُ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَا يَجْعَلُ لَهُ حَظًّا مِنَ الرِّبْحِ: فَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْبَائِعُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ؛ كَحَمْلِ الْمَتَاعِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَكَرَاءِ الْبُيُوتِ الَّتِي تُوضَعُ بهَا) (١).
المقصود ما لا يؤثر في عين السلعة ولا يمكن أن يتولاه البائع بنفسه لكن السلعة تتطلبه، كأن يستأجر دارًا أو حانوتًا ليجعله مستودعًا لهذه السلعة أو حارسًا لحراستها، أو كأن يحتاج إلى تغليفها وتعبئتها، أو إلى نقلها من مكان إلى مكان، فهذه أشياء لا تتصل بالعين مباشرة لكن السلعة تتطلبها، فهذه الأشياء تضاف إلى رأس المال ولا تعد في الربح، لأن الربح إنما يكون على أصل الثمن أو ما اتصل بعين السلعة.
فلو أن إنسانًا اشترى سلعة بألفٍ ثم نقلها من بلد إلى بلد بمائتين، لا يمكن أن يقال له: اشتريتها بألف، بعها بألف ومائة؟ هذه خسارة، فالإنسان عندما يفتح دكانًا أو متجرًا أو مصنعًا ليبيع ويشتري إنما يريد
стр. 7597
الربح، فإذا كان سيخسر أو سيبيع برأس ماله فإنه سينتهي إلى الإفلاس، هان لم يكن هناك ربح فإن هذا المال سينتهي بنفقته ونفقة أولاده، ولذلك نجد الرسول الله ﷺ حض من تكون أموال اليتامى بأيدهم على أن يتاجروا فيها حتى لا يتركوها تأكلها الصدقة (١)، فإن لم يزد المال بالمتاجرة فيه فلا أقل من أن يبقى على حاله.
قوله: (وَأَمَّا مَا لَا يُحْتَسَبُ فِيهِ في الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَمَا لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ بِنَفْسِهِ؛ كَالسَّمْسَرَةِ، وَالطَّيِّ، وَالشَّدِّ).
بعض المعلقين يُخَطِّئ نسخة (ما يُحتسَب فيه الأمرين) ويقول: (ما يُحتسَب فيه في الأمرين) والصحيح أنها صحيحة، لكن لا نقول (ما لا يُحتسَب فيه الأمرين)، وإنما (ما لا يَحتسِب فيه الأمرين) فيكون مفعولًا، إذن فتلك النسخة والتي أشير إليها كلتاهما صحيحة، لكن هذا يرجع إلى حسب قراءتك (يُحتسَب) أو (يَحتسِب)، فإن قرأت (يَحتسِب) فلا حاجة إلى كلمة (في) لأنك ستنصبها بنزع الخافض.
وهذا التقسيم يدل على دقة الفقهاء ﵏، فإذا كانت الزيادة متصلة اتصالًا مباشرًا بعين السلعة فإنها تدخل ضمن رأس المال. هذا أولًا.
ثانيًا: إذا كان أمرًا لا بد منه لكنه منفصل عن عين السلعة، كنقل المتاع أو تخزينه أو نحو ذلك مما تتطلبه السلعة فإنه لا يدخل في الربح لكنه يحسب على المشتري، فإن قال: اشتريتها بألف وأربح فيها عشرة بالمائة، فإنه يأخذ الألف ومائة، ثم يضاف إليها هذه الزيادة التي تكلفها مما ليس له صلة بالعين.
стр. 7598
ثالثًا: ما ليس له علاقة بالعين ولا مما يتطلب المقام وجوده، يعني الأمور التي يستطيع المشتري نفسه أن يقوم بها، كطي الفرش وشدها بالحبال مثلًا، أو أجرة السمسار، فمثل هذه الأمور لا تحسب في رأس المال ولا في ربحه. هذا خلاصة مذهب المالكية.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): بَلْ يَحْمِلُ عَلَى ثَمَنِ السِّلْعَةِ كُلَّ مَا نَابَهُ عَلَيْهَا).
قوله: (كل ما نابه عليها)، أي: كل ما خسر عليها يحمل على السلعة، ولكن تنبه إلى أن هذا ليس مذهب الحنفية على إطلاقه، فهناك أشياء يخرجونها، لكن غالب الأشياء تدخل عند أبي حنيفة.
قوله: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٢): لَا يَجُوزُ الْمُرَابَحَةُ إِلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي
стр. 7599
اشْتَرَى بِهِ السِّلْعَةَ فَقَطْ إِلَّا أَنْ يَفْصِلَ وَيَفْسَخَ عِنْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ثَمَنُ سِلْعَتِي كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ).
قوله: (إلا أن يفصل) كأن في الكلام حذف شيء مقدر، أي: (إلا أن يفصل، فإن فصل وبين فله ذلك، وإن لم يفصل يفسخ البيع)؛ لأنه دلس على المشتري، هذا هو كلام أبي ثور ﵀.
قوله: (وَيَفْسَخَ عِنْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ): وفي الحديث: "من غشنا فليس منا" (١) والبائع هنا قد كذب وخان المشتري وغطى عليه أمرًا كان ينبغي له أن يبينه، والنبي ﷺ قال: "إن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" (٢).
إذن مذهب أبي ثور قريب من مذهب الحنابلة من حيث طلب التفصيل، فلا يكفي عنده في تلك الزيادات التي أضيفت إلى السلعة سواء كانت متصلة أو غير متصلة أن يقول: أنفقت عليها زيادةً على الألف مائتين أو على العشرة آلاف ألفًا، بل لا بد من التفصيل، فيبين أن حمولة السيارة كذا، وأجرة العمال كذا، وهكذا، إلا أن الحنابلة لا فسخ عندهم؛ لأنهم لا يرون شيئًا من هذا فيه فسخ إلا في صور نادرة في المرابحة.
وذهب الحنابلة (٣) إلى أن ما يلحق بالسلعة لا يخلو من أمرين: إما أن تكون زيادة وإما أن تكون نقصًا.
стр. 7600
والزيادة على نوعين: إما أن تكون زيادة متصلة كأن تكون دابة فسمنت أو غلامًا فعلمه صنعة أو ثوبًا فصبغه أو نحو ذلك.
وأما أن تكون الزيادة منفصلة، مثل أن تلد الدابة، أو أن تلد الجارية، أو أن يبيع الثمرة، ففي هذه الحالة لا يلزمه البيان.
وأما النقص فكأن تكون مرضت أو نقصت أو لحق بها عيب، ففي هذه الحالة لا بد من البيان، وإلا كان تدليسًا.
أما الشافعية (١) فقد فرقوا في المرابحة بين صورتين:
الأولى: أن يقول البائع: ثمن السلعة كذا وأبيعك بكذا، أو يقول: