صندوقًا فصبغه فإن هذه زيادة متصلة بالعين مباشرة، فيرى المالكية أن مثل ذلك يعد في رأس المال ويحسب في الربح، فلو قدر أن السلعة ثمنها عشرة آلاف ثم أضاف إلى عينها ألفًا؛ فإن الربح إذا كان عشرة بالمائة يكون ألفًا ومائة.
قوله: (وَأَمَّا الَّذِي يَحْسِبُهُ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَا يَجْعَلُ لَهُ حَظًّا مِنَ الرِّبْحِ: فَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْبَائِعُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ؛ كَحَمْلِ الْمَتَاعِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَكَرَاءِ الْبُيُوتِ الَّتِي تُوضَعُ بهَا) (١).
المقصود ما لا يؤثر في عين السلعة ولا يمكن أن يتولاه البائع بنفسه لكن السلعة تتطلبه، كأن يستأجر دارًا أو حانوتًا ليجعله مستودعًا لهذه السلعة أو حارسًا لحراستها، أو كأن يحتاج إلى تغليفها وتعبئتها، أو إلى نقلها من مكان إلى مكان، فهذه أشياء لا تتصل بالعين مباشرة لكن السلعة تتطلبها، فهذه الأشياء تضاف إلى رأس المال ولا تعد في الربح، لأن الربح إنما يكون على أصل الثمن أو ما اتصل بعين السلعة.
فلو أن إنسانًا اشترى سلعة بألفٍ ثم نقلها من بلد إلى بلد بمائتين، لا يمكن أن يقال له: اشتريتها بألف، بعها بألف ومائة؟ هذه خسارة، فالإنسان عندما يفتح دكانًا أو متجرًا أو مصنعًا ليبيع ويشتري إنما يريد
стр. 7597
الربح، فإذا كان سيخسر أو سيبيع برأس ماله فإنه سينتهي إلى الإفلاس، هان لم يكن هناك ربح فإن هذا المال سينتهي بنفقته ونفقة أولاده، ولذلك نجد الرسول الله ﷺ حض من تكون أموال اليتامى بأيدهم على أن يتاجروا فيها حتى لا يتركوها تأكلها الصدقة (١)، فإن لم يزد المال بالمتاجرة فيه فلا أقل من أن يبقى على حاله.
قوله: (وَأَمَّا مَا لَا يُحْتَسَبُ فِيهِ في الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَمَا لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ بِنَفْسِهِ؛ كَالسَّمْسَرَةِ، وَالطَّيِّ، وَالشَّدِّ).
بعض المعلقين يُخَطِّئ نسخة (ما يُحتسَب فيه الأمرين) ويقول: (ما يُحتسَب فيه في الأمرين) والصحيح أنها صحيحة، لكن لا نقول (ما لا يُحتسَب فيه الأمرين)، وإنما (ما لا يَحتسِب فيه الأمرين) فيكون مفعولًا، إذن فتلك النسخة والتي أشير إليها كلتاهما صحيحة، لكن هذا يرجع إلى حسب قراءتك (يُحتسَب) أو (يَحتسِب)، فإن قرأت (يَحتسِب) فلا حاجة إلى كلمة (في) لأنك ستنصبها بنزع الخافض.
وهذا التقسيم يدل على دقة الفقهاء ﵏، فإذا كانت الزيادة متصلة اتصالًا مباشرًا بعين السلعة فإنها تدخل ضمن رأس المال. هذا أولًا.
ثانيًا: إذا كان أمرًا لا بد منه لكنه منفصل عن عين السلعة، كنقل المتاع أو تخزينه أو نحو ذلك مما تتطلبه السلعة فإنه لا يدخل في الربح لكنه يحسب على المشتري، فإن قال: اشتريتها بألف وأربح فيها عشرة بالمائة، فإنه يأخذ الألف ومائة، ثم يضاف إليها هذه الزيادة التي تكلفها مما ليس له صلة بالعين.
стр. 7598
ثالثًا: ما ليس له علاقة بالعين ولا مما يتطلب المقام وجوده، يعني الأمور التي يستطيع المشتري نفسه أن يقوم بها، كطي الفرش وشدها بالحبال مثلًا، أو أجرة السمسار، فمثل هذه الأمور لا تحسب في رأس المال ولا في ربحه. هذا خلاصة مذهب المالكية.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): بَلْ يَحْمِلُ عَلَى ثَمَنِ السِّلْعَةِ كُلَّ مَا نَابَهُ عَلَيْهَا).
قوله: (كل ما نابه عليها)، أي: كل ما خسر عليها يحمل على السلعة، ولكن تنبه إلى أن هذا ليس مذهب الحنفية على إطلاقه، فهناك أشياء يخرجونها، لكن غالب الأشياء تدخل عند أبي حنيفة.
قوله: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٢): لَا يَجُوزُ الْمُرَابَحَةُ إِلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي
стр. 7599
اشْتَرَى بِهِ السِّلْعَةَ فَقَطْ إِلَّا أَنْ يَفْصِلَ وَيَفْسَخَ عِنْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ثَمَنُ سِلْعَتِي كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ).
قوله: (إلا أن يفصل) كأن في الكلام حذف شيء مقدر، أي: (إلا أن يفصل، فإن فصل وبين فله ذلك، وإن لم يفصل يفسخ البيع)؛ لأنه دلس على المشتري، هذا هو كلام أبي ثور ﵀.
قوله: (وَيَفْسَخَ عِنْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ): وفي الحديث: "من غشنا فليس منا" (١) والبائع هنا قد كذب وخان المشتري وغطى عليه أمرًا كان ينبغي له أن يبينه، والنبي ﷺ قال: "إن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" (٢).
إذن مذهب أبي ثور قريب من مذهب الحنابلة من حيث طلب التفصيل، فلا يكفي عنده في تلك الزيادات التي أضيفت إلى السلعة سواء كانت متصلة أو غير متصلة أن يقول: أنفقت عليها زيادةً على الألف مائتين أو على العشرة آلاف ألفًا، بل لا بد من التفصيل، فيبين أن حمولة السيارة كذا، وأجرة العمال كذا، وهكذا، إلا أن الحنابلة لا فسخ عندهم؛ لأنهم لا يرون شيئًا من هذا فيه فسخ إلا في صور نادرة في المرابحة.
وذهب الحنابلة (٣) إلى أن ما يلحق بالسلعة لا يخلو من أمرين: إما أن تكون زيادة وإما أن تكون نقصًا.
стр. 7600
والزيادة على نوعين: إما أن تكون زيادة متصلة كأن تكون دابة فسمنت أو غلامًا فعلمه صنعة أو ثوبًا فصبغه أو نحو ذلك.
وأما أن تكون الزيادة منفصلة، مثل أن تلد الدابة، أو أن تلد الجارية، أو أن يبيع الثمرة، ففي هذه الحالة لا يلزمه البيان.
وأما النقص فكأن تكون مرضت أو نقصت أو لحق بها عيب، ففي هذه الحالة لا بد من البيان، وإلا كان تدليسًا.
أما الشافعية (١) فقد فرقوا في المرابحة بين صورتين:
الأولى: أن يقول البائع: ثمن السلعة كذا وأبيعك بكذا، أو يقول:
стр. 7601
اشتريت هذه السلعة أو أخذتها بكذا - هكذا بإطلاق - فحينئذٍ ليس له إلا رأس المال.
الثانية: أن يقول: قامت علي هذه السلعة بكذا، أو دخلت علي بكذا، أو كلفتني كذا، فهنا يُحسب له كل ما زاد على ثمن السلعة.
وأقرب المذاهب - في نظري - هو مذهب الشافعية؛ إذ فيه بيان الصورة كاملة والاتفاق على الربح، فهذا يمكن أن يكون ضابطًا لهذه المسألة وهو أيسر من ضوابط المالكية.
قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ رَأْسِ الثَّمَنِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَه بِهِ فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَاللَّيْثَ (٢) قَالَا فِيمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ - وَالصَّرْفُ يَوْمَ اشْتَرَاهَا صَرْفٌ مَعْلُومٌ، ثُمَّ بَاعَهَا بِدَرَاهِمَ، وَالصَّرْفُ قَدْ تَغَيَّرَ إِلَى زِيَادَةٍ -: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ يَوْمَ بَاعَهَا بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي اشْتَرَاهَا؛ لأنَّهُ مِنْ بَابِ
стр. 7602
الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَكَذَلِكَ إِن اشْتَرَاهَا بِدَرَاهِمَ ثُمَّ بَاعَهَا بِدَنَانِيرَ وَقَدْ تَغَيَّرَ الصَّرْفُ).
شرع المؤلف في بيان صفة رأس الثمن، وقد مضى الكلام عن الثمن الذي هو رأس المال، وقوله: (صفة رأس الثمن) يعني نوعه: هل هو دراهم أو دنانير أو دولارات أو عروض؟ فقد يكون اشترى بدنانير وباع بدراهم، أو اشترى بدنانير وباع بعروض، أو غير ذلك، وبعضهم يعد من الصفة - أيضًا - كونها إلى أجل، ومعلوم أن السلعة يختلف سعرها من حيث كونها تباع نقدًا أو مؤجلة، فغالبًا ما يكون مع التأجيل زيادة. فهل يلزم بيان صفة الثمن؟
وفائدة معرفة الصفة تظهر عند الصرف، فقد يشتريها بدنانير ويبيعها بدراهم؛ فيتغير الصرف في هذه الحالة إلى زيادة، وقد يكون العكس، فينبغي - حينئذٍ - أن تبين الصفة.
قوله: (فإن مالكًا والليث قالا فيمن اشترى سلعة بدنانير … إلخ) هذا وجه - أيضًا - عند الحنابلة (١)، وعلة هذا القول أنه قد حصل زيادة في العملة، إذ اشتراها بدنانير، ثم باعها بعد ذلك بدراهم، والصرف قد تغير.
وبعض العلماء (٢) يمنعون ذلك وهم الأكثر؛ لوجود تدليسٍ على المشتري، فلا بد أن يبين، لكن من الفقهاء من يصحح البيع إذا وقع.
стр. 7603
قوله: (وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَاهَا بِدَرَاهِمَ ثُمَّ بَاعَهَا … ) أما إذا لم يتغير الصرف فلا إشكال، وإنما يحصل الإشكال إذا تغير الصرف، وهنا لم يبين، لأنه يريد أن يربح أكثر.
قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنِ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِعُرُوضٍ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً أَمْ لَا يَجُوزُ؟ فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَهَلْ يَجُوزُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ، أَوْ بِالْعَرَضِ نَفْسِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (١): يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ مِنَ الْعُرُوضِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْقِيمَةِ).
يعني: إذا باعها بعرض فالعرض ينبغي أن يكون مساويًا، وقد تقدم في شروط المرابحه ألا يكون المال ربويًّا، فمثلًا قمحٌ يبيعه بقمح؛ لا يجوز؛ لأنه سيربح، والربح هنا سيجر إلى الربا، والربا ممنوع؛ إذ لا بد في الأموال الربوية المتجانسة من التماثل. وإلى هذا ذهب ابن القاسم من المالكية، وهو قول لبعض الفقهاء أيضًا (٢).
قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ (٣): لَا يَجُوزُ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِشَيْءٍ مِنَ
стр. 7604
الْعُرُوضِ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً؛ لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِعُرُوضٍ عَلَى صِفَةِ عَرَضِهِ، وَفي الْغَالِبِ لَيْسَ يَكُونُ عِنْدَه، فَهُوَ مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ).
أي: يطالب البائع المشتري بنفس العرض وقد لا يكون عنده فكأنه باع ما لم يملك، فالمسألة هنا فيها شبهة، لكن الفقهاء يحتاطون في هذا الأمر، فقد يبيعه عرضًا بعرض، أما بالنسبة للنقدين فلا يرد هذا الاحتمال.
قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ فَأَخَذَ فِي الدَّنَانِيرِ عُرُوضًا، أَوْ دَرَاهِمَ؛ هَلْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا مُرَابَحَةً دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِمَا نَقَدَ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١): لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ مَا نَقَدَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ مُرَابَحَةً عَلَى الدَّنَانِيرِ الَّتِي ابْتَاعَ بِهَا السِّلْعَةَ دُونَ الْعُرُوضِ الَّتِي أَعْطَى فِيهَا أَوِ الدَّرَاهِمِ، قَالَ مَالِكٌ - أَيْضًا - فِيمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِأَجَلٍ فَبَاعَهَا مُرَابَحَةً: إنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُعْلِمَ بِالْأَجَلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ وَقَعَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي مِثْلُ أَجْلِهِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: هُوَ كَالْعَيْبِ وَلَهُ الرَّدُّ بِهِ).
стр. 7605
قوله: (فقال مالك: لا يجوز إلا أن يعلم ما نقد) هو - أيضًا - قول للإمام أحمد في رواية (١).
وقال مالك (٢) وكذا أحمد (٣) فيمن اشترى سلعة بأجل فباعها مرابحة: إنه لا يجوز، فلو اشترى سلعة بخمسة آلاف إلى أجل فقال لآخر اشتريتها بخمسة آلاف وأبيعك إياها بستة آلاف، لا يجوز، لأنه أخفى عليه صفة من الصفات، وهي كونه اشتراها إلى أجل، فيلزمه البيان وإلا كان العقد غير صحيح؛ لأنه - غالبًا - من اشترى إلى أجل يزاد عليه في الثمن، ومن اشترى نقدًا يكون الثمن في ذلك أقل.
أما الشافعي (٤) ﵀ وكذا أبو حنيفة (٥) أيضًا، فإنه يصحح هذا البيع
стр. 7606
إذا وقع، ويعطي للمشتري مثل أجله، فلو فرض أنه اشترى السلعة بخمسة آلاف لمدة ستة أشهر ولم يبين ذلك، فإن البيع يكون صحيحًا على أن يدفع المشتري الثمن بعد ستة أشهر، إلا أن يرضى بالدفع مقدمًا.
وذهب أبو ثور ﵀ إلى أنه كالعيب وله الرد به (١).
قوله: (وَفِي هَذَا الْبَابِ فِي الْمَذْهَبِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَتْ مِمَّا قَصَدْنَاهُ).
بيع المرابحة فيه جزئيات كثيرة كالبيع بين الأب وابنه، والابن وأبيه، وذلك أن الابن يجامل أباه، كذلك الأب يجامل ابنه، وربما حصل في ذلك تسامح وتساهل، فهل يلزم البائع أن يبين للمشتري أنه اشترى هذه السلعة من أبيه أو من ابنه؟ ذهب الحنفية (٢) والحنابلة (٣) إلى أنه لا بد من البيان؛ لأن التهمة قائمة، وما دام متهمًا فلا بد من البيان لإزالة الإشكال، وقال الشافعية (٤): لا أثر لذلك في المرابحة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 7607
(الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ مَا وَقَعَ مِنَ الزِّيَادَةِ، أو النُّقْصَانِ فِي خَبَرِ الْبَائِع بِالثَّمَنِ)
هذا الباب عقده المؤلف لبيان ما قد يدعيه البائع في السلعة من الزيادة أو النقصان، والحكم إذا تبين أنه زاد في الثمن، وهل تقبل مجرد دعواه في الزيادة لأنه مسلم، والأصل في المسلم الصدق والأمانة، أو لا بد من أن يأتي ببينة؟ وهل يكتفي المشتري بإقامة البائع البينة أم هل يطالبه باليمين؟ وإذا لم توجد البينة فهل للمشتري أن يوجه إلى طلب اليمين؟
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ ابْتَاعَ سِلْعَةً مُرَابَحَةً عَلَى ثَمَنٍ ذَكَرَه، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ - إِمَّا بِإِقْرَارِهِ وَإِمَّا ببَيِّنَةٍ - أَنَّ الثَّمَنَ كَانَ أَقَلَّ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَجَمَاعَةٌ (٢): الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ الَّذِي صَحَّ، أَوْ يَتْرُكَ إِذَا لَمْ يُلْزِمْهُ الْبَائِعُ أَخْذَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي
بِالْخِيَارِ مُطْلَقًا، وَالْقَوْلُ بِاللُّزُومِ بَعْدَ الْحَطِّ. فَحُجَّةُ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ بَعْدَ الْحَطِّ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنَّمَا أَرْبَحَهُ عَلَى مَا ابْتَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ لَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا ظَهَرَ خِلَافُ مَا قَالَ وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الَّذِي ظَهَرَ، كَمَا لَوْ أَخَذَ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ فَخَرَجَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَوْفِيَةُ ذَلِكَ الْكَيْلِ، وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الْخِيَارَ مُطْلَقًا: تَشْبِيهُ الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْعَيْبِ (أَعْنِي: أَنَّهُ كَمَا يُوجِبُ الْعَيْبُ الْخِيَارَ كذَلِكَ يُوجِبُ الْكَذِبُ".
قوله: (إما بإقراره): هذا يحصل من كثير من المؤمنين، فالمؤمن ربما يقع في الأخطاء، والمعاصي، لكن إذا خلا بنفسه أو استمع موعظة، فطرقت فؤاده ونفذت إلى قلبه فأثرت فيه، أو سمع عن الحلال والحرام وعن الصدق وأنه يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة وأن الرجل لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا (١) فيشق عليه الأمر ويصعب عليه؛ إذ كذب على أخيه المسلم، فيراجع نفسه، فيندم ويرجع، والإنسان متى أخطأ ثم تاب وأصلح خطأه فهذا خير له وأتقى عند الله (٢).
بخلاف من أصر على خطئه واستمر في تدليسه طمعًا في دريهمات قليلة ربما تكون نقصًا عليه؛ لأن الإنسان إذا صدق يبارك الله له في ربحه ولو كان قليلًا، وإذا كذب فإن الله - تعالى - يمحق بركة ماله وإن
стр. 7610
كان كثيرًا (١)، فهناك صنف من الناس لا يستفيدون من أموالهم وإن كثرت، ومنهم من يملك أموالًا طائلة ثم يموتون ويتركونها للورثة يبذرونها ويضيعونها، بخلاف صنف آخر عنده أموال كثيرة ينفقها في سبيل الله، فيتصدق ويبني المساجد وشماعد المحتاجين ويفك عسر المعسرين ويفرج عن المكروبين، وهذا صنف موجود بحمد الله، لن تخلو منه الأمة في أيِّ عصر.
قوله: (إما ببينة): كأن يشهد شهود أن البائع كاذب في دعواه أنه اشتراها بكذا، واختلف أهل العلم: هل يفسح البيع بقيام البينة أم لا؟
فقال الحنابلة بصحة العقد ولكن يحط عنه الزيادة ولا حاجة في أن يخبره، وعللوا ذلك بأن أصل العقد لم يحصل فيه خلل، فإذا اشترى سلعة فباعها مرابحة ثم نقصت السلعة فإنه يترتب عليه نقص في الثمن وفي الربح أيضًا، فإذا حُطت الزيادة ورجع إلى الأصل صحح البيع، ومذهب الشافعية في هذا قريب من مذهب الحنابلة.
وقال مالك وجماعة بالتفصيل، فإما أن يأخذ بالثمن الذي صح، أو يترك إذا لم يُلزمه البائع أخذها بالثمن الذي صح، وإن ألزمه لزمه وحطَّ عنه الزيادة.
وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أن المشتري بالخيار مطلقًا ولا يلزمه الأخذ بالثمن الذي إن ألزمه البائع لزمه؛ وذلك أن الكذب يؤثر على السلعة كتأثير العيب.
قوله: (كمَا لَوْ أَخَذَ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ فَخَرَجَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْكَيْلِ … )، يعني: لو اشترى منه مكيلًا ثم تبين أنه أقل فإنه يرجع إليه ويوفيه حقه.
стр. 7611
قوله: (وَأَمَّا إِذَا فَاتَتِ السِّلْعَة، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): يَحُطُّ مِقْدَارَ مَا زَادَ مِنَ الثَّمَنِ، وَمَا وَجَبَ له مِنَ الرِّبْحِ. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْقَبْضِ أَوْ يَوْمَ الْبَيْعِ - عَلَى خِلَافٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ - مِثْلَ مَا وَزَنَ الْمُبْتَاعُ أَوْ أَقَلَّ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ رَدِّهِ لِلْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ، أَوْ رَدِّهِ الثَّمَنَ، أَوْ إِمْضَائِهِ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ الَّذِي صَحَّ).
مراد المؤلف بقوله: (إذا فاتت السلعة … )، أي: إذا انتقلت من يده إما ببيع أو هبة أو نحوهما، ثم تبينت زيادة البائع في الثمن أو وجود نقص فيها، فهل يختلف الحكم عما إذا كانت السلعة في يد المشتري؟ هذا هو المراد.
ولو اشترى سلعة كيلًا، فتبين أن الكيل دون ذلك، أو وزنًا فنقص الوزن، فإنه يرجع إلى البائع ويطالبه بالفرق؛ لأن أصل العقد صحيح، وإنما حصلت فيه زيادة، فإذا رفع هذا الظلم أو التعدي فإنه يبقى العقد على أصله صحيحًا.
قوله: (وَأَمَّا إِذَا بَاعَ الرَّجُلُ سِلْعَتَهُ مُرَابَحَةً، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ
стр. 7612
ثَمَنَهَا أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَه، وَأَنَّهُ وَهِمَ فِي ذَلِكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَا يَسْمَعُ مِنْ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ، لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): يَسْمَعُ مِنْهَا وَيُجْبَرُ الْمُبْتَاعُ عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ. وَهَذَا بِعِيدٌ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ آخَرُ. وَقَالَ مَالِكٌ (٣) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِذَا فَاتَتِ السِّلْعَةُ إنَّ الْمُبْتَاعَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبْضِهَا أَوْ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي صَحَّ).
هذا الأمر يختلف باختلاف أحوال البائعين، فإذا كان البائع قد عُرف بالصدق واشتهر به، فإنه يعود إلى المشتري، فإذا ما صدقه قُبِلَ قوله، لكن إذا لم يحصل تصديق من المشتري، أو كان البائع ممن يتهم في بيعه
стр. 7613
وشرائه فهنا اختلف أهل العلم؛ فمنهم من قال: لا بد من بينة، ومنهم من قال: إن البينة وحدها لا تكفي، ومنهم من قال: إن البينة تحتاج إلى أن تُدعم بيمين، ومنهم من قال: إنه لا بد مع البينة أن يصدقه المشتري.
قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَسْمَعُ مِنْ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا)؛ وهي رواية عن الإمام أحمد (١).
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: يَسْمَعُ مِنْهَا وَيُجْبَرُ الْمُبْتَاعُ عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ)، وهي رواية مشهورة عن أحمد أيضًا (٢).
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ فِي هَذه الْمَسْأَلَةِ: إِذَا فَاتَتِ السِّلْعَةُ إنَّ الْمُبْتَاعَ … )، يعني: إما أن يعطيه قيمة السلعة يوم قبضها، وإما أن يأخذ الفرق.
قوله: (فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ).
يعني: في باب المرابحة.
قوله: (وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ هَذَا الْبَيْعِ تَنْبَنِي فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ ثَلَاثَةِ مَسَائِلَ وَمَا تَرَكَّبَ مِنْهَا، حُكْمُ مَسْأَلَةِ الْكَذِبِ، وَحُكْمُ مَسْأَلَةِ الْغِشِّ، وَحُكْمُ مَسْأَلَةِ وُجُودِ الْعَيْبِ. فَأَمَّا حُكْمُ الْكَذِبِ فَقَدْ تَقَدَّمَ.
стр. 7614
وَأَمَّا حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَهُوَ حُكْمُهُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ).
وقد تقدم معنا أحكام كثيرة من ذلك في البيوع وفي النكاح أيضًا.
قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ الْغِشِّ عِنْدَهُ فَهُوَ تَخْيِيرُ الْبَائِعِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَهُ الْبَيْعَ وَإِنْ حَطَّ عَنْهُ مِقْدَارَ الْغِشِّ، كمَا لَهُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَذِبِ، هَذَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (١)).
يعني: ليس للبائع أن يلزم المشتري بأخذ المبيع؛ لأنه غش، والغش عيب يحصل به بالخيار.
قوله: (وَأَمَّا عِنْدَ أَشْهَبَ (٢) فَإِنَّ الْغِشَّ عِنْدَهُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مُؤَثِّرٌ فِي الثَّمَنِ، وَقِسْمٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ. فَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤثِّرِ: فَلَا حُكْمَ عِنْدَهُ فِيهِ، وَأَمَّا الْمُؤَثِّرُ: فَحُكْمُهُ عِنْدَهُ حُكْمُ الْكَذِبِ).
الغش المؤثر هو الذي يكون فيه تغيير للسلعة، وأما غير المؤثر فهو اليسير الذي يمكن تداركه.
قوله: (وَأَمَّا الَّتِي تَتَرَكَّبُ فَهِيَ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: كَذِبٌ وَغِشٌّ، وَكَذِبٌ وَتَدْلِيسٌ، وَغِشٌّ وَتَدْلِيسٌ بِعَيْبٍ، وَكَذِبٌ وَغِشٌّ وَتَدْلِيسٌ بِعَيْبٍ).
стр. 7615
قد يجتمع الكذب والغش فيكذب في السلعة، كأن يقول: اشتريتها بكذا، ويضيف إلى ذلك الغشَّ، والتدليس وهو تغطية بعض العيوب الموجودة بالسلعة.
وهذه كلها لا ينبغي أن تصدر من مسلم، فالمسلم ينبغي أن يكون صادقًا دائمًا، ولذا لما سُئل النبي ﷺ : أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: "نعم". فقيل: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: "نعم". فقيل: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال؟ "لا" (١)؛ لأن الكذب من صفات المنافقين وليس من صفات المؤمنين.
قوله: (وَأَصْلُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمٍ (٢) فِيهَا أَنَّهُ يَأْخُذُ بِالَّذِي بَقِيَ حُكْمُهُ إِنْ كَانَ فَاتَ بِحُكْمِ أَحَدِهِمَا، أو بِالّذِي بَقِيَ حُكْمُه، أَوْ بِالَّذِي هُوَ أَرْجَحُ لَهُ إِنْ لَمْ يَفُتْ حُكْمُ أَحَدِهِمَا، إِمَّا عَلَى التَّخْيِيرِ حَيْثُ يُمْكِنُ التَّخْيِير، أَوِ الْجَمْعِ حَيْثُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ، وَتَفْصِيلُ هَذَا لَائِقٌ بِكُتُبِ الْفُرُوعِ (أَعْنِي: مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ).
هذا التفصيل لائق بكتب الفروع، والمؤلف يرى أن كتابه ليس كتاب فروع، وإنما هو كتاب قواعد وأصول، وهذا هو رأي كثير من العلماء فيه.
ولا نعني بالأصول هنا الأصول الفقهية ولا أصول الدين، ولكنها الأصول بالنسبة لمسائل الفقه، فهناك مسائل كبرى تتفرع عنها مسائل صغرى، فجمع المؤلف في هذا الكتاب أمهات المسائل التي تندرج تحتها فروع وجزئيات كثيرة.
وقد نص المؤلف ﵀ في (كتاب القذف) - كما سيأتي - على أنه إذا أنسأ الله في عمره فسيكتب كتابًا في فروع مذهب مالك، إذن هو لم يضع هذا الكتاب في الفروع وإنما وضعه في أصول المسائل، وهذا واضح بيِّن، حتى إنه أحيانًا يأتي بالمسألة فتجد أنها قاعدة فقهية.
стр. 7616
بس الله الرحمن الرحيم
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(كِتَابُ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ (١)
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الْعَرِيَّةِ وَالرُّخْصَةِ الَّتِي أَتَتْ فِيهَا فِي السَّنَةِ).
أي: اختلف الفقهاء في تعريف العارية ما هي؟ وهل تأتي على وصف واحد منضبط أم أنها أوصاف مختلفة؟
قوله: (فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ (٢) أَنَّ الْعَرِيَّةَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ هِيَ: أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ، أَوْ نَخَلَاتٍ مِنْ حَائِطِهِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ).
هذا تعريف العرية وتحديدها عند المالكية، وهو مستمد من اللغة.
قوله: (أن يهب الرجل) إذن هي ليست بيعًا عند المالكية، وإنما هي نوع من أنواع الهبة، (نخل أو نخلات من حائطه) أي: من بستانه إلى رجل آخر؛
стр. 7617
ليستفيد من تلك الثمرة، فالعرية هبة للثمرة دون الأصول - يعني النخل -.
وأما الشافعية (١) والحنابلة (٢) فيرون أن العارية هي بيع الرطب بالتمر خرصًا، وذلك بأن يقدر الرطب الذي على النخل إذا يبس كم يكون قدره، ولذلك اشترطوا في العارية التقابض خالأفًا للمالكية، فإنهم يؤخرون ذلك إلى الجداد.
والفرق بين التعريفين أن المالكية قصروا العرية على الهبة، وأما الشافعية فقد توسعوا في ذلك حتى شملت البيع أيضًا، وهم أقرب إلى النص من المالكية.
وأما الحنفية (٣) فإنهم لا يجيزون بيع العارية أصلًا.
стр. 7618
قوله: (فَيَجُوزُ لِلْمُعَرِّي شِرَاؤُهَا مِنَ الْمُعَرَّى لَهُ بِخَرْصِهَا تَمْرًا عَلَى شُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ).
المعري: الواهب، يقال: أعرى الرجل الرجل النخل، أي: وهبه إياه.
قوله: (على شروط أربعة)، أي: عند المالكية، وليست كلها محل اتفاق عند الأئمة الآخرين.
قوله: (أَحَدُهَا: أَنْ تُزْهِيَ).
قوله: (أن تُزهي)، أي: أن يبدو صلاحها، وقد مر بنا في (كتاب الأصول والثمار) جملة من الأحاديث في هذا الشأن، ومنها أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، قيل: وما صلاحها؟ قال: "أن تحمر أو تصفر" (١) وفي رواية: "أن تحمار أو تصفار" (٢) وفي حديث آخر: "أن تُزهى" (٣) وهذا هو الذي أخذه المالكية، فكلمة (تزهى) مقتبسة من أحاديث النبي ﷺ ، والاقتباس نوع من أنواع البديع وهو من أحسن ما يكون، وقد يكون الاقتباس من كتاب الله أو من سنة النبي ﷺ .
فالخلاصة: أن أول الشروط عند المالكية أن يكون قد بدا صلاحها، أي: أصبحت زاهية صالحة للأكل، وقد جاء تفسير الزهو في ألفاظ أخرى بأن تحمر أو تصفر (٤).
قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَمَا دُونَ، فَإِنْ زَادَتْ فَلَا يَجُوز).
أما فيما دون الخمسة أوسق فهذا متفق عليه بين العلماء الذين أجازوا بيع العارية، وسيأتي الخلاف فيما كان خمسة أوسق لاختلاف
стр. 7619
النصوص الواردة في هذا الباب، ففي بعضها أن رسول الله ﷺ "رخص في بيع العارية فيما دون خمسة أوسق" (١)، وفي بعضها "في خمسة أوسق" (٢)، وسيأتي مزيد تفصيل في هذا الحديث إن شاء الله.
قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنْ يُعْطِيَهُ التَّمْرَ الَّذِي يَشْتَرِيهَا بِهِ عِنْدَ الْجِذَاذِ، فَإِنْ أَعْطَاهُ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ).
وعند الشافعية (٣) والحنابلة (٤) لا بد من التقابض، فإذا سلمه التمر فلا بد أن يستلم الرطب، ولا يشترط أن يحمل الرطب معه فيأتي به عند النخل، فكل شيء قبضه بحسبه، فالمكيل قبضه هو الكيل، والموزون قبضه الوزن، والمعدود قبضه العد، والذي ينقل بنقله، والثابت بالتخلية عنه، فإذا اشتريت ثمرًا أو أصولًا فتركها صاحبها، فمجرد تركها يعتبر قبضًا لها ويعرف بالتخلية.
قوله: (الرَّابعُ: أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ مِنْ صِنْفِ تَمْرِ الْعَرِيَّةِ، وَنَوْعِهَا. فَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ الرُّخْصَةُ فِي الْعَرِيَّةِ إِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الْمُعَرِّي فَقَطْ).
تنبه إلى أن العارية مستثناة من الربا كما دل عليه الحديث عن
стр. 7620
رسول الله ﷺ لأنه لا يجوز بيع جنس ربوي بجنسه إلا بشرطين: الأول: التماثل. والثاني: التقابض.
قال الإمام ابن المنذر ﵀: "إن الذي حرم المزابنة هو الذي أرخص في بيع العرايا، ورسول الله ﷺ أولى وأحق بأن يتبع قوله دون غيره" (١).
قوله: (فَعَلَى مَذْهَب مَالِكٍ الرُّخْصَةُ فِي الْعَرِيَّةِ … ) فقصر المالكية العرية على الواهب، بمَعنى أنها خاصة بالواهب، فإذا ما تبرع صاحب بستان لجاره أو لقريبه أو لمحتاج بثمرة نخلة أو أكثر، ثم إنه ربما يتأذى من ذلك فله أن يبيعها على الواهب، فقصر المالكية العارية على هذا النوع.
قوله: (وَالرُّخْصَةُ فِيهَا إِنَّمَا هِيَ اسْتِثْنَاؤُهَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ الْجَافِّ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْه، وَمِنْ صِنْفَيِ الرِّبَا أَيْضًا (أَعْنِي: التَّفَاضُلَ وَالنَّسَاءَ)، وَذَلِكَ أَنَّه بَيْع تمر مَعْلُومِ الْكَيْلِ بتمر مَعْلُومٍ بِالتَّخْمِينِ - وَهُوَ الْخَرْصُ - فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مُتَفَاضِلًا وَهُوَ أَيْضًا بتمر إِلَى أَجَلٍ).
الكيل المعلوم هو التمر الذي على الأرض؛ إذ يشترط فيه الكيل؛ لأن الرطب يقدر والتمر يكال، ولا يجوز في الأصل أن يقدر التمر الذي على الأرض؛ إذ لا بد في بيع المطعومات الربوية من معرفة القدر، وإذا تعذر معرفة أحدهما لزم معرفة قدر الآخر ألا وهو التمر، فالرطب يتعذر معرفة قدره؛ ولذلك يخرس، أما التمر فلا بد من أن يكون مكيلًا معلوم القدر.
стр. 7621
قوله: (الخرص) (١)، أي: الجذاف، والخرص معمول به في هذه الشريعة؛ إذ كان رسول الله ﷺ يبعث السعاة إلى شتى البلاد ليخرصوا ثمارهم (٢)، وكان رسول الله ﷺ وهو الرؤوف الرحيم بأمته - يأمر رسله إذا خرصوا أن يبقوا قدرًا لصاحبه، بمعنى عدم التدقيق في الخرص؛ لأنه يأتيه الضيف، ويأكل منه الطير، وهذا من محاسن تلك الشريعة؛ إذ إنها تنظر دائمًا إلى مصلحة الطرفين - مصلحة المزكي ومصلحة الفقير - فتحرص على أن يأخذ الفقير حقه، وألا يهضم الغني فيُؤخذ أكثر من الحق الذي عليه؛ ولذا جاء في وصية النبي ﷺ لمعاذ لما أرسله إلى اليمن أن يدعوهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم إلى الصلاة، ثم ذكر الزكاة فقال: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بأن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ترد على فقرائهم"، ثم قال: "وإياك وكرائم أموالهم" (٣) أي: أغلاها أنفسها، وإنما الواجب الأخذ من الوسط.
قوله: (فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مُتَفَاضِلًا) فلو جاء اثنان كل واحد منهما بِبُرٍّ فكال أحدهما أو وزن والآخر قدر فإن هذا لا يجوز على ما مضى تقريره؛ لأن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد"، ثم
стр. 7622
قال: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (١)، أما إذا كان تمر يقابله ملح أو يقابله شعير فلا مانع من التفاضل هنا، لكن لا بد من أن يكون يدًا بيد.
قوله: (وهو أيضًا بتمر إلى أجل): فهذا يدخل فيه النساء، لكن الرسول ﷺ استثناه، فدل ذلك على جوازه، إذن يكون رخصة، ونحن مطالبون بأن نأخذ من رخص الله ؛ لأن الله - تعالى - يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه.
قوله: (فَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٢) فِيمَا هِي الْعَرِيَّة، وَمَا هِيَ الرُّخْصَةُ فِيهَا، وَلِمَنِ الرُّخْصَةُ فِيهَا).
فهذا وصف دقيق مجمل لمذهب المالكية في العرية وأنها خاصة بالهبة، وقد ذكر المؤلف الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الهبة كي تكون جائزة.
قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (٣): فَمَعْنَى الرُّخْصَةِ الْوَارِدَةِ عِنْدَهُ فِيهَا لَيْسَتْ لِلْمُعَرِّي خَاصَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ التَّمْرِ (أَعْنِي: خَمْسَةَ الْأَوْسُقٍ أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ بِتَمْرٍ مِثْلِهَا).
أي: ليست خاصة بالواهب، بل هي له ولغيره، فالذي وهب له أن
стр. 7623
يشتري الثمر الذي أهداه من المهدى إليه، وكذلك لو جاء غيره إلى صاحب البستان فاشترى منه الثمر، فمذهب الشافعية أرحب من مذهب المالكية وأوسع في هذا المقام، وهو أقرب - أيضًا - إلى النصوص، وإلى روح الرخصة، فإنه إنما رخص له؛ لأنه ليس كل إنسان سيهب، وربما لا يهب الإنسان لغيره حتى وإن كان محتاجًا، فيأتي هذا فيشتري، فلماذا نخصها بالهبة مع أن الأدلة عامة في ذلك؟! فهذا هو الأولى.
وبعضهم يخصها بالفقير الذي يحتاج إليها، أما الغني الذي عنده مال فإنه لا يسمح له بذلك، وهذا هو المعروف من مذهب الحنابلة (١)، وقد خالفهم الشافعية في ذلك، وهي رواية أخرى للشافعية (٢)، وأنا مع الشافعية في هذه المسألة؛ لأن ما جاز للفقير جاز للغني؛ لأن شرع الله يسري على الفقير وعلى الغني، فإذا جاز للفقير أن يرخص له، جاز كذلك - أيضًا - للغني.
وعلى كلٍّ فمذهب الشافعية هو المعمول به الآن، فهو أمر جائز قد تعارف عليه المسلمون وعملوا به.
قوله: (أَعْنِي: خَمْسَةَ الْأَوْسُقِ أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ بِتَمْرٍ مِثْلِهَا) سبق أن ما
стр. 7624
دون الخمسة متفق عليها، والخمسة مختلف فيها، وسيأتي الكلام عنها.
قوله: (وَرُوِيَ أَنَّ الرُّخْصَةَ فِيهَا إِنَّمَا هِيَ مُعَلَّقَة بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّمْرِ لِضَرُورَةِ النَّاسِ أَنْ يَأْكُلُوا رُطَبًا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ رُطَبٌ، وَلَا تَمْرٌ، يَشْتَرِي بِهِ الرُّطَبَ. وَالشَّافِعِيُّ يَشْتَرِطُ فِي إِعْطَاءِ التَّمْرِ الَّذِي تُبَاعُ بهِ الْعَرِيَّةُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا، وَيَقُولُ: إِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ الْبَيْعُ).
قوله: (معلقة بهذا القدر من التمر)، أي: خمسة الأوسق أو ما دونها.
قوله: (وَالشَّافِعِيُّ يَشْتَرِطُ فِي إِعْطَاءِ التَّمْرِ الَّذِي تُبَاعُ بِهِ الْعَرِيَّةُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا … ). كذلك الحنابلة أيضًا، وهذا هو التقابض، وسيشير المؤلف إليه. وبالجملة فمذهب الحنابلة أقرب في هذه المسألة إلى مذهب الشافعية إلا في جزئيات يوافقون فيها المالكية.
قوله: (وَالْعَرِيَّةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي كُلِّ مَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ).
أي: أن العارية عند المالكية (١) ليست خاصة بالتمر، حيث ورد في بعض النصوص "بيع الثمر بالتمر" (٢)، والثمر أعم من الرطب؛ لأن الثمر إذا أطلق يدخل فيه الرطب والعنب وسائر الفاكهة.
стр. 7625
قوله: (وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي التَّمْرِ وَالْعِنَبِ فَقَطْ) (١).
وهي رواية عند الحنابلة (٢)، وعلة إلحاق الشافعية العنب بالتمر في هذا الباب كونهما يجتمعان في أوصاف كثيرة، منها: إيجاب الزكاة في كل منهما، ومنها: كونهما قوتًا، فالعنب يقتات في بعض البلاد كذلك إذا يبس.
أما الحنابلة فإن هذا خاص بالرطب كما هو المشهور من المذهب، ويتمسكون بحديث "يأكلها أهلها رطبًا" (٣).
قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا فِيمَا دُونَ الخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ عِنْدَ مَالِكٍ (٤)، وَالشَّافِعِيِّ (٥)، وَعَنْهُمَا الْخِلَافُ إِذَا كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَرُوِيَ الْجَوَازُ عَنْهُمَا وَالْمَنْع، وَالْأَشْهَرُ عِنْدَ مَالِكٍ الْجَوَازُ).
стр. 7626
قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ الْأَوْسُقِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ) وكذلك أحمد (١)، والوسق ستون صاعًا، إذن لا بد أن تكون دون ثلاث المائة صاع. وعلى هذا فالأحوال ههنا ثلاثة:
الأولى: ما كان فوق خمسة الأوسق، فهذا غير جائز باتفاق.
الثانية: ما كان دون خمسة الأوسق، فهذا جائز باتفاق.
وذلك أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق (٢)، وفي رواية: في ما دون خمسة أوسق، فمفهوم ذلك أن ما زاد على خمسة الأوسق لا يجوز.
الثالثة: ما كان خمسة أوسق، فهذا موضع خلاف بين الأئمة الثلاثة، فذهب مالك (٣)، والشافعي في المشهور عنه (٤) إلى الجواز، وهو قول أكثر
стр. 7627
المالكية، ورواية في مذهب أحمد (١)
وفي المشهور من مذهب أحمد (٢) وهو قول في مذهب الشافعي (٣) أنه لا يجوز لحصول الشك من الراوي، فمرة قال: فيما دون خمسة أوسق، ومرة قال: في خمسة أوسق، إذن الخمسة موضع شك وهذا حكم، وأحكام الشريعة لا تثبت بالشك.
قوله: (وَعَنْهُمَا الْخِلَافُ إِذَا كانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ): إذن نقول: (وعنهم) بدل (وعنهما) في كل من العبارتين، أي: (مالك والشافعي وأحمد)، ولم يذكر أبا حنيفة ﵀ لأنه لا يرى بيع العارية.
قوله: (فَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُ مَالِكًا فِي الْعَرِيَّةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ:).
انتقل المؤلف إلى ذكر المواضع التي حصل فيها الخلاف بين مالك والشافعي في هذا الباب.
стр. 7628
قوله: (أَحَدُهَا: فِي سَبَبِ الرُّخْصَةِ كَمَا قُلْنَا).
أي: هل لأنها هبة أو بيع؟ وقد سبق بيانه.
قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَرِيَّةَ الَّتِي رَخَّصَ فِيهَا لَيْسَتْ هِبَةً، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هِبَةً عَلَى التَّجَوُّزِ).
فذهب الشافعي إلى أنها ليست هبة، ووافقه على ذلك أحمد.
قوله: (وَالثَّالِثُ: فِي اشْتِرَاطِ النَّقْدِ عِنْدَ الْبَيْعِ).
وهو قول الشافعي وأحمد.
قوله: (وَالرَّابِعُ: فِي مَحِلِّهَا. فَهِيَ عِنْدَهُ كَمَا قُلْنَا فِي التَّمْرِ وَالْعِنَبِ فَقَطْ وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي كُلِّ مَا يُدَّخَرُ وَيَيْبَسُ).
قوله: (في محلها) يعني: هل هي خاصة بالرطب كما هو مذهب أحمد في المشهور عنه، أو هي في الرطب والعنب كما هو مذهب الشافعي، أو في كل ما ييبس فيدخل العنب وبقية الفواكه كما هو مذهب مالك؟
قوله: (وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَيُوَافِقُ مَالِكًا فِي أَنَّ الْعَرِيَّةَ عِنْدَهُ هِيَ الْهِبَة، وَيُخَالِفُهُ فِي أَنَّ الرُّخْصةَ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ فِيهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (أَعْنِي: الْمُعَرَّى لَهُ لَا الْمُعَرّي، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ بِهَذ الصِّفَةِ لَا مِنَ الْمُعَرِّي خَاصَّةً كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ).
عرض المؤلف لمذهب أحمد لكن باختصار شديد، وقد وافق أحمد (١)
стр. 7629
مالكًا في كون العارية هبة، لكنه يوافق الشافعي (١) أيضًا في أنها أوسع من ذلك.
قوله: (وَيُخَالِفُهُ … )، أي: يخالف أحمد مالكًا في مسألة بيع العارية، فذهب أحمد (٢) إلى أنها رخصة للموهوب له لا للواهب؛ فله أن يبيعها على من وهبه إياها وعلى غير من وهبها إياها، كما هو مذهب الشافعي ﵀.
قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (٣): فَيُوَافِقُ مَالِكًا فِي أَنَّ الْعَرِيَّةَ هِيَ الْهِبَة، ويُخَالِفُهُ فِي صِفَةِ الرُّخْصَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّخْصَةَ عِنْدَهُ فِيهَا لَيْسَتْ هِيَ مِنْ بَابِ اسْتِثْنَائِهَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ وَلَا هِيَ فِي الْجُمْلَةِ فِي الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا الرُّخْصَةُ فِيهَا عِنْدَهُ مِنْ بَابِ رُجُوعِ الْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ؛ إِذا كَانَ الْمَوْهُوبُ
стр. 7630
لَهُ لَمْ يَقْبِضْهَا، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ بِبَيْعٍ، وَإِنَّمَا هِيَ رُجُوعٌ فِي الْهِبَةِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ بَدَلَهَا تَمْرًا بِخَرْصِهَا).
سبق أن أبا حنيفة (١) لا يجيز بيع العارية، وإنما عرض المؤلف لمذهبه تمهيدًا للانتقال إلى باب آخر وهو باب الهبة (أو باب العطية).
وقد وافق أبو حنيفة (٢) مالكًا في أن العارية هي الهبة، وهو اتفاق في المفهوم اللغوي؛ لأن العارية في لغة العرب تطلق ويراد بها الهدية، إلا أنه لا يرى بيعها - كما هو مذهب مالك ﵀ لأن الرخصة فيها ليست من باب المزابنة، والمزابنة منهي عنها، فلم يجعلها مما استثني من بيع المزابنة - أي: من البيع الربوي - وإنما جعلها نوعًا من الهبة، فهي هبة وهبها إنسان لآخر ثم رجع فيها، وهل يجوز للإنسان أن يهب شيئًا ثم يعود فيه؟
ذهب بعض أهل العلم (٣) إلى أن الإنسان إذا وهب آخر هبة لا يجوز له أن يرجع فيها سواء قبضها الموهوب أو لم يقبضها.
стр. 7631
وذهب بعضهم (١) إلى أنه لا يجوز له أن يرجع فيها إذا قبضها الموهوب له، أما إذا لم يقبضها جاز له الرجوع فيها.
وذهب بعضهم (٢) إلى التفريق بين هبة الوالد وبين هبة غيره، فيجوز للوالد إذا وهب ولده شيئًا أن يرجع فيه، أما غير الوالد فلا.
стр. 7632
وحجة الذين يمنعون الرجوع في الهبة هو أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك وشبه ذلك بتشبيهٍ تفر منه النفوس، حيث قال: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" (١)، ولا شك أنه وصف لا تقبله النفوس، أما الوالد فليس محل شبهة في هذا المقام؛ لأن الوالد لا يُتهم بالنسبة لإعطاء ولده، فعنده من الشفقة والرحمة ومن محبة ولده ما يقتضي إبعاده عن التهمة؛ ولذلك جاء عن أبي بكر ﵁ أنه وهب ابنته عائشة بستانًا ثم عاد وأخذه منها ورأى ألا يخصها بذلك دون أختها (٢).
قوله: (وَإِنَّمَا هِيَ رُجُوعٌ فِي الْهِبَةِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصةٍ) ليست الهبة المعروفة، يعني: كأنه رجع في هبته، فهو أضعف من الرجوع في الهبة؛ إذ هو تشبيه بالرجوع في الهبة.
* فائدة:
انتقل المؤلف بهذه المسألة إلى كتاب الهبة، وذلك لأن مسائل الفقه مرتبط بعضها ببعض، وهذا الكتاب أقرب ما يكون إلى القواعد الفقهية؛ وذلك لأنه إذا تكلم في باب أطلَّ منه على باب آخر، وهذا شأن القاعدة الفقهية؛ فهي تجمع المسائل من أبواب شتى.
стр. 7633
ومن ميزات المؤلف ﵀: أنه لا يتعصب لرأيه، بل يعرض الآراء، وإذا أراد أن يوازن بينها ليرجح، فإنه يجتهد في الأخذ بالرأي الذي توافقه الأدلة، وكثيرًا لا يرجح، لكنه إذا ناقش المسائل وحررها لا يتعصب لمذهبه، وهذا هو شأن طالب العلم أنى كان ومهما انتسب إلى أي مذهب من المذاهب، فإن الذي يرجع إليه إنما هو كتاب الله وإن الواجب على كل مسلم إذا تبين له الحق في الكتاب أو السنة أن يقف عندهما ولا يتجاوزهما إلى غيرهما، ولا يوفق إلى هذا إلا الذي يعرف الأحكام ويدقق فيها، أما من لا يعلم فليس له أن يجتهد في هذه المسائل.
قوله: (وَعُمْدَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْعَرِيَّةِ أَنَّهَا بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ: سُنَّتُهَا الْمَشْهُورَةُ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، قَالُوا: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَهَبُ النَّخَلَاتِ مِنْ حَائِطِهِ، فَيَشُقُّ عَلَيْهِ دُخُولُ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَيْهِ، فَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا عِنْدَ الْجِذَاذِ).
معلوم أن مالكًا ﵀ يعنى بإجماع أهل المدينة وأقوالهم؛ لأنه ولد في هذه المدينة ونشأ وترعرع وتعلم فيها، وكان يدير درسه وحلقته في المسجد النبوي الكريم، وكانت تضرب إليه أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاربها ليُنهل من علمه.
قوله: (وأصل هذا … إلخ). يعني كان الرجل يهب جاره أو قريبه أو غيرهما، ثم يأخذ هذا الموهوب له في التردد على هذا البستان، فربما ضايق صاحب البستان، وكان الغالب فيما مضى أن أصحاب البساتين يحضرون أبناءهم وعوائلهم إليها ليقضوا فصل الصيف في بساتينهم، فيأكلوا مما فيها من الرطب والثمار؛ فيتضايق صاحب هذا البستان من تكرار هذا الترداد؛ فيرجع عليه ويشتريها منه. هذا هو المراد.
قوله: (وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُ فِي أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُعَرِّي:
стр. 7634
حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَب، إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا (١) "قَالُوا: فَقَوْلُهُ (يَأْكُلُهَا رُطَبًا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمُعَرِّيهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي ظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ أَهْلُهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَهْلَهَا هُمُ الَّذِينَ اشْتَرَوْهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ (رُطَبًا) هُوَ تَعْلِيلٌ لَا يُنَاسِبُ الْمُعَرِّي، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ هُوَ مُنَاسِبٌ، وَهُمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ رُطَبٌ وَلَا تَمْرٌ يَشْتَرُونَهَا بِهِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْحُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ).
احتج مالك على مذهبه بحديث سهل بن أبي حثمة، وهو حديث متفق عليه، وقوله: (خاص بمعريها)، أي: الواهب.
قوله: (لِأَنَّهُمْ فِي ظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ أَهْلُهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ … ) وهذا أعم وأولى، وهذا هو الذي يأخذ به الشافعية (٢)، وأهلها هو صاحب هذه الثمرة سواء الذي وهبت له أو الذي اشتراها، فإذا كان الذي توهب له يكون صاحبًا لها فأولى أن يكون صاحبُها الذي اشتراها.
فأراد المالكية قصر ذلك على الأصل عندهم في أنها خاصة بالهبة، وأما الشافعية فإنهم يتوسعون في ذلك، واحتج الشافعي ﵀ بقوله ﷺ في الحديث: "رطبًا" ولذلك كانت الحجة للشافعي في هذا، لا لمذهب مالك. وسيأتي تضعيف المؤلف ﵀ لمذهب مالك في هذه المسألة.
стр. 7635
قوله: (وَأَمَّا أَنَّ الْعَرِيَّةَ عِنْدَهُ هِيَ الْهِبَةُ فَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَة؛ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: الْعَرِيَّةُ هِيَ الْهِبَة، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِأَنَّهَا عَرِيَتْ مِنَ الثَّمَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَرَوْتُ الرَّجُلَ أَعْرُوهُ إِذَا سَأَلْتُه، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ (١) وَالْمُعْتَرَّ (٢)﴾).
أراد المؤلف أن يبين دليل المالكية على أن العارية هي الهبة.
قوله: (ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، "القانع" هو الذي يتكفف عن السؤال، أي: الذي لا يسأل الناس إلحافًا، فتجد الحاجة بادية عليهم، لكنهم لا يسألون الناس إلحافًا.
وأما المعتر فهو الذي يسأل للحاجة، ومنه أخذ تعريف العرية، وقيل: سميت بذلك لأنها عريت عن الثمن.
قوله: (وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ مَالِكٌ نَقْدَ الثَّمَنِ عِنْدَ الْجِذَاذِ (أَعْنِي: تَأْخِيرَهُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ)؛ لِأَنَّهُ تَمْرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِخَرْصِهِ، فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَتَأَجَّلَ إِلَى الْجِذَاذِ، أَصْلُهُ الزَّكَاة، وَفِيهِ ضَعْفٌ، لِأَنَّهُ مُصَادَمَةٌ بِالْقِيَاسِ لِأَصْلِ السُّنَّةِ).
ما ذكره المؤلف من ضعف مذهب مالك (٣) في هذه المسألة هو الصحيح؛ لأن الأصل في هذا المال الربوي الذي استُثني أن يكون فيه التقابض حتى يبتعد عن ربا النسيئة، فكونه يؤجل يرد عليه الإشكال،