стр. 7631
← Фикх малики следующие страницы →
Фикх малики · id 1149
بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
محمد بن حمود الوائلي
Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.
стр. 7632
وحجة الذين يمنعون الرجوع في الهبة هو أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك وشبه ذلك بتشبيهٍ تفر منه النفوس، حيث قال: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" (١)، ولا شك أنه وصف لا تقبله النفوس، أما الوالد فليس محل شبهة في هذا المقام؛ لأن الوالد لا يُتهم بالنسبة لإعطاء ولده، فعنده من الشفقة والرحمة ومن محبة ولده ما يقتضي إبعاده عن التهمة؛ ولذلك جاء عن أبي بكر ﵁ أنه وهب ابنته عائشة بستانًا ثم عاد وأخذه منها ورأى ألا يخصها بذلك دون أختها (٢).
قوله: (وَإِنَّمَا هِيَ رُجُوعٌ فِي الْهِبَةِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصةٍ) ليست الهبة المعروفة، يعني: كأنه رجع في هبته، فهو أضعف من الرجوع في الهبة؛ إذ هو تشبيه بالرجوع في الهبة.
* فائدة:
انتقل المؤلف بهذه المسألة إلى كتاب الهبة، وذلك لأن مسائل الفقه مرتبط بعضها ببعض، وهذا الكتاب أقرب ما يكون إلى القواعد الفقهية؛ وذلك لأنه إذا تكلم في باب أطلَّ منه على باب آخر، وهذا شأن القاعدة الفقهية؛ فهي تجمع المسائل من أبواب شتى.
стр. 7633
ومن ميزات المؤلف ﵀: أنه لا يتعصب لرأيه، بل يعرض الآراء، وإذا أراد أن يوازن بينها ليرجح، فإنه يجتهد في الأخذ بالرأي الذي توافقه الأدلة، وكثيرًا لا يرجح، لكنه إذا ناقش المسائل وحررها لا يتعصب لمذهبه، وهذا هو شأن طالب العلم أنى كان ومهما انتسب إلى أي مذهب من المذاهب، فإن الذي يرجع إليه إنما هو كتاب الله وإن الواجب على كل مسلم إذا تبين له الحق في الكتاب أو السنة أن يقف عندهما ولا يتجاوزهما إلى غيرهما، ولا يوفق إلى هذا إلا الذي يعرف الأحكام ويدقق فيها، أما من لا يعلم فليس له أن يجتهد في هذه المسائل.
قوله: (وَعُمْدَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْعَرِيَّةِ أَنَّهَا بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ: سُنَّتُهَا الْمَشْهُورَةُ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، قَالُوا: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَهَبُ النَّخَلَاتِ مِنْ حَائِطِهِ، فَيَشُقُّ عَلَيْهِ دُخُولُ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَيْهِ، فَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا عِنْدَ الْجِذَاذِ).
معلوم أن مالكًا ﵀ يعنى بإجماع أهل المدينة وأقوالهم؛ لأنه ولد في هذه المدينة ونشأ وترعرع وتعلم فيها، وكان يدير درسه وحلقته في المسجد النبوي الكريم، وكانت تضرب إليه أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاربها ليُنهل من علمه.
قوله: (وأصل هذا … إلخ). يعني كان الرجل يهب جاره أو قريبه أو غيرهما، ثم يأخذ هذا الموهوب له في التردد على هذا البستان، فربما ضايق صاحب البستان، وكان الغالب فيما مضى أن أصحاب البساتين يحضرون أبناءهم وعوائلهم إليها ليقضوا فصل الصيف في بساتينهم، فيأكلوا مما فيها من الرطب والثمار؛ فيتضايق صاحب هذا البستان من تكرار هذا الترداد؛ فيرجع عليه ويشتريها منه. هذا هو المراد.
قوله: (وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُ فِي أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُعَرِّي:
стр. 7634
حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَب، إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا (١) "قَالُوا: فَقَوْلُهُ (يَأْكُلُهَا رُطَبًا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمُعَرِّيهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي ظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ أَهْلُهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَهْلَهَا هُمُ الَّذِينَ اشْتَرَوْهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ (رُطَبًا) هُوَ تَعْلِيلٌ لَا يُنَاسِبُ الْمُعَرِّي، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ هُوَ مُنَاسِبٌ، وَهُمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ رُطَبٌ وَلَا تَمْرٌ يَشْتَرُونَهَا بِهِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْحُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ).
احتج مالك على مذهبه بحديث سهل بن أبي حثمة، وهو حديث متفق عليه، وقوله: (خاص بمعريها)، أي: الواهب.
قوله: (لِأَنَّهُمْ فِي ظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ أَهْلُهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ … ) وهذا أعم وأولى، وهذا هو الذي يأخذ به الشافعية (٢)، وأهلها هو صاحب هذه الثمرة سواء الذي وهبت له أو الذي اشتراها، فإذا كان الذي توهب له يكون صاحبًا لها فأولى أن يكون صاحبُها الذي اشتراها.
فأراد المالكية قصر ذلك على الأصل عندهم في أنها خاصة بالهبة، وأما الشافعية فإنهم يتوسعون في ذلك، واحتج الشافعي ﵀ بقوله ﷺ في الحديث: "رطبًا" ولذلك كانت الحجة للشافعي في هذا، لا لمذهب مالك. وسيأتي تضعيف المؤلف ﵀ لمذهب مالك في هذه المسألة.
стр. 7635
قوله: (وَأَمَّا أَنَّ الْعَرِيَّةَ عِنْدَهُ هِيَ الْهِبَةُ فَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللُّغَة؛ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: الْعَرِيَّةُ هِيَ الْهِبَة، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِأَنَّهَا عَرِيَتْ مِنَ الثَّمَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَرَوْتُ الرَّجُلَ أَعْرُوهُ إِذَا سَأَلْتُه، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ (١) وَالْمُعْتَرَّ (٢)﴾).
أراد المؤلف أن يبين دليل المالكية على أن العارية هي الهبة.
قوله: (ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، "القانع" هو الذي يتكفف عن السؤال، أي: الذي لا يسأل الناس إلحافًا، فتجد الحاجة بادية عليهم، لكنهم لا يسألون الناس إلحافًا.
وأما المعتر فهو الذي يسأل للحاجة، ومنه أخذ تعريف العرية، وقيل: سميت بذلك لأنها عريت عن الثمن.
قوله: (وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ مَالِكٌ نَقْدَ الثَّمَنِ عِنْدَ الْجِذَاذِ (أَعْنِي: تَأْخِيرَهُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ)؛ لِأَنَّهُ تَمْرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِخَرْصِهِ، فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَتَأَجَّلَ إِلَى الْجِذَاذِ، أَصْلُهُ الزَّكَاة، وَفِيهِ ضَعْفٌ، لِأَنَّهُ مُصَادَمَةٌ بِالْقِيَاسِ لِأَصْلِ السُّنَّةِ).
ما ذكره المؤلف من ضعف مذهب مالك (٣) في هذه المسألة هو الصحيح؛ لأن الأصل في هذا المال الربوي الذي استُثني أن يكون فيه التقابض حتى يبتعد عن ربا النسيئة، فكونه يؤجل يرد عليه الإشكال،
стр. 7636
فالمؤلف ضعف مذهب مالك وقوى مذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢).
قوله: (وفيه ضعف)، أي: في مذهب مالك، وقد انتصر المؤلف ﵀ للحق وإن لم يكن موافقًا لمذهبه الذي تعلمه ودرسه، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يصدع بالحق، وأن يكون منصفًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، فإذا ما وقع الخلاف فاعلم أن كل هؤلاء الأئمة ﵏ منزهون عن أن يقصدوا الخطأ؛ فقد أفنوا أعمارهم ووقفوا حياتهم وجاهدوا في الله حق جهاده ووصلوا كَلال الليل بكَلال النهار يقرعون الأبواب في الليل الداجي شتاءً وصيفًا، يقطعون المسافات الطويلة راكبين إن أسعفتهم الحال، وماشين إن ضاقت بهم النفقة؛ ليُحصِّل أحدهم مسألة من المسائل أو حديثًا من أحاديث رسول الله ﷺ ، إذن هم منزهون من أن يقصدوا الخطأ، بل هم - بلا شك - يريدون الوصول إلى الحق من أقرب طريق يوصل إليه، وأهدى سبيل يرشد إليه، هذا هو طريقهم - رحمهم الله تعالى - لكنهم مجتهدون، وقد قال النبي ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله
стр. 7637
أجر واحد" (١) فالمصيب له أجران؛ أجر اجتهاده وأجر إصابته، والمخطئ له أجر؛ لأنه اجتهد وقصد الوصول إلى الحق، وكونه أخطأ فإنه ما قصد الخطأ، فهو يثاب على اجتهاده؛ لأنه بذل ذَوْب قلبه ونفسه ليصل إلى الحق، لكنه ما اهتدى إلى ذلك، فهو لا يفقد الثواب ولا يعدم الجزاء، فإن الله يجازي أيضًا على النيات "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢).
قوله: (وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّهُ مُصَادَمَةٌ بِالْقِيَاسِ لِأَصْلِ السُّنَّةِ) أصل السنة "يأكلها أهلها رطبًا" فكيف تتركها إلى الجذاذ؟
قوله: (وَعِنْدَهُ أَنَّهُ إِذَا تَطَوَّعَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ بِتَعْجِيلِ التَّمْرِ جَازَ (٣)، وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ جَوَازَهَا فِي الخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ، أَوْ فِيمَا دُونَهَا: فَلِمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُق، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ" (٤).
قوله: (وعنده)، أي: عند مالك ﵀.
قوله: (أرخص) يقال: رخَّص بالتشديد، وأرخص، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فصيغة فعَّل فيها تأكيد، وأرخص فيها زيادة الهمزة فهي تدل على العناية بذلك وأن نتمسك بالرخص وألا نردها.
قوله: (فيما دون خمسة): ما دون الخمسة متفق عليها عند الأئمة
стр. 7638
الثلاثة: مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣)، وقد تقدم أن أبا حنيفة لا يرى ذلك أصلًا.
قوله: (أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ): أي عند مالك والشافعي في المشهور عنه وهي رواية للإمام أحمد، والأشهر عند أحمد (٤) أنها لا تجوز في خمسة الأوسق؛ لأن هذا شك، والشك لا تبنى عليه الأحكام.
قوله: (وَإِنَّمَا كَانَ عَنْ مَالِكٍ فِي الخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ رِوَايَتَانِ؛ لأنَّ الشَّكَّ الْوَاقِعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الرَّاوِي، وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ بِعَيْنِهِ إِذَا يَبَسَ، فَلِمَا رُوِيَ عَنْ زيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: "أَنَّ
стр. 7639
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رخصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ).
ذكر المؤلف حجة مالك ﵀ في أنه يكون في الصنف إذا يبس وما اقتصر على الرطب ولا على الرطب والعنب كما هو مذهب الشافعية.
قوله: (خرجه مسلم) هكذا قال، والحديث متفق عليه.
قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَعُمْدَتُهُ حَدِيثُ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ" (١) التَّمْرُ بِالتَّمْرِ إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: "فِيهَا يَأْكلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا" (٢)).
هذا الحديث في البخاري وغيره، وقوله: "رطبًا" حجة للشافعي (٣) وأحمد (٤) أيضًا.
стр. 7640
قوله: (وَالْعَرِيَّةُ عِنْدَهُمْ هِيَ اسْمٌ لِمَا دُونَ الخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ فِي الْغَالِبِ مِنْ نَخَلَاتِهِ هَذَا الْقَدْرَ فَمَا دُونَه، خَصَّ هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الرُّخْصَةُ بِاسْمِ الْهِبَةِ لِمُوَافَقَتِهِ فِي الْقَدْرِ لِلْهِبَةِ).
جاء في حديث عند البيهقي أن الرسول ﷺ "رخَّص في الوسَق والوسقين والثلاثة والأربعة" (١) وبعضهم اقتصر على هذا، وجاء أيضًا عنه ﷺ أنه "رخص في العارية النخلة والنخلتين" (٢) لكن الذي جعل بعض العلماء يتوقف في خمسة الأوسق ويأخذون بالأحوط هو شك الراوي، ففي رواية: "فيما دون خمسة أوسق"، وفي أخرى: "في خمسة أوسق".
قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ لِمَذْهَبِهِ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَإِمَّا غَيْرُهُ: مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ قَالَ: فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرُّطَبَ أَتَى وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ نَقْدٌ يَبْتَاعُونَ بِهِ الرُّطَبَ فَيَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُمْ فَضْل مِنْ قُوتِهِمْ مِنَ التَّمْرِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ
стр. 7641
يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا (١) وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ نَقْدِ التَّمْرِ، لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً).
قوله: (وقد احتج لمذهبه) يعني الشافعي ﵀ وهذا الحديث الذي احتج به رواه ﵀ في كتابه "الأم" (٢) وهو كتاب كتبه بقلمه كـ"الرسالة" في أصول الفقه، وكذلك ذكره في كتابه "مختلف الحديث" (٣) معلقًا بدون سند.
وسبق أن مذهب الشافعي ﵀ هو أوسع المذاهب في هذه المسألة، وأن شراء العارية ليس مقصورًا على المعري كما يقوله المالكية، بل يجوز لكل إنسان أن يشتريها.
وهل هذه العارية خاصة بالعاجز عن شرائها بالثمن أو لا؟ هذه مسألة مختلف فيها.
قوله: (وَإنَّمَا لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ نَقْدِ التَّمْرِ، لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً) فاشترط الإمام الشافعي وكذا الإمام أحمد أن يكون ذلك تقابضًا، فلا يجوز التأخير؛ لأنه بيع طعام بطعام، وبيع الطعام بالطعام لا بد فيه من أمرين: التساوي والتقابض، لكن إذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم
стр. 7642
إذا كان يدًا بيد (١) كما دل عليه الحديث.
وأما أبو حنيفة فقد سبق أنه لا يرى العارية، وإنما رآها نوعًا من الإهداء.
قوله: (وَأَمَّا أَحْمَدُ: فَحُجَّتُهُ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا وَلَمْ يَخُصَّ الْمُعَرِّيَ مِنْ غَيْرِهِ).
(المعري) هو الذي نسميه المهدي على مذهب المالكية، يعني: الذي دفع الرطب لصاحب البستان - أي: صاحب النخل - و (المعرى) هو هذا الذي استفاد.
قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَلَمَّا لَمْ تَجُزْ عِنْدَهُ الْمُزَابَنَةُ (٢)، وَكَانَتْ إِنْ جُعِلَتْ بَيْعًا نَوْعًا مِنَ الْمُزَابَنَةِ رَأَى أَنَّ انْصِرَافَهَا إِلَى الْمُعَرِّي لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ رُجُوعِ الْوَاهِب فِيمَا وَهَبَ بِإعْطَاءِ خَرْصِهَا تَمْرًا، أَوْ تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهَا بَيْعًا عِنْدَهُ مَجَازٌ (٣)).
стр. 7643
"المزابنة" هي بيع الثمر بالتمر (١)، وهي غير جائزة عند جميع الأئمة - أبي حنيفة وغيره - فهذا موضع اتفاق بين العلماء (٢)، لكن اختلفوا هل استثني منها شيء أو لا؟ فالجمهور على استثناء العارية لأنها نوع من المزابنة (٣)، وأما أبو حنيفة فإنه لا يرى ذلك، واستدل على ذلك بالسنة والقياس، وذكرنا أن في آخر دليله الذي استدل به من السنة ما يؤيد مذهب الجمهور، وهو قول الراوي: (ورخص في بيع العرايا)، وأما دعوى أن هذا فيه جهالة فقد تقدم الجواب عن ذلك.
قوله: (وَكَانَتْ إِنْ جُعِلَتْ بَيْعًا نَوْعًا مِنَ الْمُزَابَنَةِ)، أي: إن جعلت بيعًا كانت نوعًا من المزابنة، وذلك لأنه لا تجوز عنده العرية، وإن لم تكن بيعًا، بل من باب الإهداء فلا تكون مزابنة، بل تخرج من حكم المزابنة إلى حكم الهدية.
стр. 7644
والخلاصة: أن هذا الذي سماه جمهور العلماء عارية يسميه أبو حنيفة بأنه هدية، فإذا ما رجعت هذه الهدية إلى المعري يكون ذلك من باب رجوع المهدي في هديته.
قوله: (أَوْ تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهَا بَيْعًا عِنْدَهُ مَجَازٌ)، يعني: حتى وإن سميت بيعًا فهو بيع المجاز وليس البيع الحقيقي المعروف (١).
قوله: (وَقَدِ الْتَفَتَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى مَالِكٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْه، فَلَمْ يُجِزْ بَيْعَهَا بِالدَّرَاهِمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ سِوَى الْخَرْصِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ جَوَازَ ذَلِكَ) (٢).
قوله: (وقد التفت إلى هذا المعنى مالك … )، أي: هذا المأخذ الذي ذهب إليه أبو حنيفة.
قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا هُوَ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَالَفَ الْأَحَادِيتَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا بَيْعًا، وَقَدْ نَصَّ الشَّارعُ عَلَى تَسْمِيَتِهَا بَيْعًا (٣)).
стр. 7645
وقد مر بنا أنه ليس تغليب القياس، بل قد استدل بعموم حديث نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، ثم استدل بالقياس أيضًا.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ خَالَفَ الْأَحَادِيثَ فِي مَوَاضِعَ … )، أي: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة ورخص في بيع العرايا، فالرسول ﷺ سماها بيعًا، والمؤلف يأخذ على أبي حنيفة أنه قال: إن ذلك ليس ببيع، وعلى تقرير ذلك فهو مجاز؛ إذ إن الحديث بنصه يرد عليه، وهو أن الرسول ﷺ سمى العارية بيعًا، ولا قياس مع النص. هذا أولًا.
قوله: (وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا).
ثانيًا: أيضًا جاء في الحديث إطلاق ثم خُصص، فقد نهى عن المزابنة ورخص في العارية، إذن العارية استخرجت من المزابنة ولها شروط معروفة (١):
- ألا تزيد على خمسة أوسق، وفي الخمسة خلاف، وفيما دونها اتفاق.
- وأن يأكلها صاحبها رطبًا.
- وأن يكون محتاجًا إلى ذلك.
- وأن يكون بخرصها تمرًا يقابله بكيل معلوم.
قوله: (وَعَلَى مَذْهَبِهِ لَا تَكُونُ الْعَرِيَّةُ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْمُزَابَنَةِ؛ لِأنَّ الْمُزَابَنَةَ هِيَ فِي الْبَيْعِ. وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَثْنِيَهَا مِنَ النَّهْيِ
стр. 7646
عَنِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا الاسْتِثْنَاءُ بِنَصِّ الشَّرْعِ وَعَسُرَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَثْنِيَهَا مِمَّا اسْتَثْنَى مِنْهُ الشَّارع، وَهِيَ الْمُزَابَنَة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
هذا رد من المؤلف على أبي حنيفة، في أنه لا يعد العارية بيعًا مع أنه قد جاء في الحديث تسميتها بيعًا، وسهل عليه - أيضًا - أن يعتبرها استثناءً من الهدية مع أن الهدية لم يرد فيها استثناء، فالرسول ﷺ نهى عن الرجوع في الهدية ووصف الذي يعود في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه (١)، أما العارية فهي مستثناة من المزابنة ومع ذلك لم يقل بها.
فهذه التعليلات التي ذكرها المؤلف في آخر المبحث تعليلات جيدة وقوية وتعتبر بمثابة ردود ومناقشة لمذهب أبي حنيفة ﵀.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 7647
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما
(كِتَابُ الإِجَارَاتِ)
الإجارات جمع إجارةٍ، والإجارة لغةً: مأخوذ من الأجر، أي: العوض (١).
واصطلاحًا: مبادلة مال بمال بشروط مخصوصة.
وعرفها بعض الفقهاء (٢) بأنها تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم.
وقيل: هي تمليك منفعة معلومة بشروط.
وقيل: هي عقد على منفعة معلومة بعوض معلوم.
وقيل: هي بيع المنافع، وكلها تعاريفُ متقاربةٌ، إذ اتفقوا على أنها بيع منافع (٣).
стр. 7648
أركان الإجارة: للإجارة أركانٌ ثلاثةٌ:
١ - المتعاقدان.
٢ - الصيغة.
٣ - العوض.
مسألة لم يتعرض لها المؤلف: هل يمكن أن يتم عقد الإجارة بلفظ: "بعتك"؟
بعض العلماء أجاز ذلك (١)، وبعضهم منع من ذلك؛ لأنه يَنْصرف
стр. 7649
إلى البيع المعروف (١)، ولذا فالأحوطُ الوقوفُ عند لفظ الإجارة.
قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الكِتَابِ شَبِيهٌ بِالنَّظَرِ فِي البُيُوعِ (أَعْنِي: أَنَّ أُصُولَهُ تَنْحَصِرُ بِالنَّظَرِ فِي أَنْوَاعِهَا، وَفِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ فِيهَا وَالفَسَادِ، وَفِي أَحْكَامِهَا)، وَذَلِكَ فِي نَوْعٍ نَوْعٍ مِنْهَا (أَعْنِي: فِيمَا يَخُصُّ نَوْعًا نَوْعًا مِنْهَا).
يعني: أنَّ بين الإجارة والبيع شبهًا، وقدمنا أن الإجارة عبارة عن بيع منافع.
قوله: (وَفِيمَا يَعُمُّ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَهَذَا الكِتَابُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إلى قِسْمَيْنِ: القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِهَا وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ وَالفَسَادِ. وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الإِجَارَاتِ، وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِهَا، فَلْنَذْكُرْ أَوَّلًا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الخِلَافِ ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى ذِكْرِ مَا فِي ذَيْنِكَ القِسْمَيْنِ مِنَ المَسَائِلِ المَشهُورَةِ؛ إِذْ كَان قَصدُنَا إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ المَسَائِلِ الَّتِي تَجْرِي مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ مَجْرَى الأُمَّهَاتِ، وَهِيَ الَّتِي اشْتُهِرَ فِيهَا الخِلَافُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ).
كَما هي عادة المؤلف الاقتصار على أمهات المسائل دون الخوض في الجزئيات.
قوله: (فَنَقُولُ: إِنَّ الإِجَارَةَ جَائِزَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، وَالصَّدْرِ الأَوَّلِ (٢). وَحُكِيَ عَنِ الأَصَمِّ، وَابْنِ عُلَيَّةَ (٣) مَنْعُهَا، وَدَلِيلُ
стр. 7650
الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ … ﴾ الآية، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وَمِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ: مَا خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "اسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا" (١)).
الإجارة مشروعة بالكتاب والسُّنة والإجماع:
فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
وقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
وَمن السُّنَّة: ما أخْرَجه البُخَاريُّ في "صحيحه"، عن أبي هريرة أنَّ رَسُول الله ﷺ ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه حقه ولم يعطه أجره" (٢).
ومنها: استئجار النبي ﷺ في الهجرة لعبد الله بن أريقط من بني الديل، وكان كافرًا، ولكنه كان هاديًا خريتًا عارفًا بالطرق ومسالكها (٣).
ودلَّ الإجماع علي مشروعتها، فقد أجمع العلماء من لدن الصحابة فمَنْ بعدهم على مشروعية الإجارة (٤).
стр. 7651
ونقل عن الأصم وابن عُليَّة أنهما خالفا في ذلك بدعوى أن الإجارة فيها غَررٌ، ولا عبرة بخلافهما، فالأصمُّ هو عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ المعتزلة، وابن عُليَّة فهو معروفٌ أيضًا بشذوذه ومخالفته الإجماع، ثم إنَّ الإجماع قد انعقد قبل خلافهما.
قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فيه أن أبواب الإجارة واسعة، فيجوز استئجار الآدمي والدواب والآلات.
(وَحَدِيثُ جَابِرٍ: "أَنَّهُ بَاعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَعِيرًا، وَشَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ" (١)، وَمَا جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ بِالشَّرْطِ، جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ بِالأجْرِ).
وقد سبق ذكر هذا الحديث في كتاب البيوع، وبيان مذاهب العلماء في مسألة جواز البيع مع شرط.
قوله: (وَمَا جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ بِالشَّرْطِ، جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ بِالْأَجْرِ)، أي: أنَّ ما جاز شرطه في البيع، جاز في الإجارة أيضًا.
قوله: (وَشُبْهَةُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ: أَنَّ المُعَاوَضَاتِ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ فِيهَا تَسْلِيمُ الثَّمَنِ بِتَسْلِيمِ العَيْنِ كَالحَالِ فِي الأَعْيَان المَحْسُوسَةِ، وَالمَنَافِعُ فِي الإِجَارَاتِ فِي وَقْتِ العَقْدِ مَعْدُومَةٌ، فَكَانَ ذَلِكَ غَرَرًا، وَمِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ).
(تَسْلِيمُ الثَّمَنِ بِتَسْلِيمِ العَيْنِ) أي: خذ وهات، وهذا غير متحققٍ في الإجارة.
ويُرد على أصحاب هذا القول بأن الشريعة أباحت بيع السلم، إذ قدم النبي ﷺ المدينة، فوجد الناس يُسْلفون في الثمار السنتين والثلاثة، فقال: "مَنْ أسلف في شيءٍ، فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ
стр. 7652
معلومٍ" (١)، فالسلم -إذًا- بيع موصوف في الذمة (٢).
قوله: (وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهَا وَإِنْ كانَتْ مَعْدُومَةً فِي حَالِ العَقْدِ، فَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي الغَالِبِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا لَحَظَ مِنْ هَذِهِ المَنَافِعِ مَا يُسْتَوْفَى فِي الغَالِبِ، أَوْ يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ وَعَدَمُ اسْتِيفَائِهِ عَلَى السَّوَاءِ).
وهذا ملحظٌ جيدٌ من المؤلف رحمه للّه في الرد على مَنْ قال: إن الإجارة فيها غررٌ؛ لأنها عقد على منفعة لم تخلق.
قال ﵀: (وَالشَّرْعُ إِنَّمَا لَحَظَ مِنْ هَذِهِ المَنَافِع مَا يُسْتَوْفَى فِي الغَالِبِ)، أي: أن الغالب على الَّذين يستأجرون هو الَاستيفاء، فَيَكون الحُكْمَ للغالب، ومهما يكن من شَيْءٍ، فإن الإجارة قد ثبت دليلها في الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(القِسْمُ الأَوَّلُ:
وَهَذَا القِسْمُ النَّظَرُ فِيهِ فِي جِنْسِ الثَّمَن، وَجِنْس المَنْفَعَةِ الَّتِي يَكُونُ الثَّمَنُ مُقَابِلًا لَهُ، وَصِفَتِهَا، فَأَمَّا الثَّمَنُ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكونَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ البُيُوعِ).
القسم الأول: النظر فيه في جنس الثمن الذي يدفع، والمنفعة التي تقابل ذلك.
وُيشْتَرط في الثمن أن يكون مما يجوز بيعه، فلا يكون من الأموال الرِّبوية، كأن يستأجر ربويّا بربويٍّ آخر مثلًا.
قوله: (وَأَمَّا المَنْفَعَةُ: فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا لَمْ يَنْهَ
стр. 7653
الشَّرْعُ عَنْهُ، وَفِي كُلِّ هَذِهِ مَسَائِلُ اتَّفَقُوا عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَمَا اجْتَمَعُوا عَلَى إِبْطَالِ إِجَارَتِهِ: كُلُّ مَنْفَعَةٍ كَانَتْ لِشَيْءٍ مُحَرَّمِ العَيْنِ).
نهى الشرع عن المحرمات كالميتة والدم ولحم الخنزير (١)، وكذلك الخمر، فلا يجوز عصرها، ولا حملها، ولا بيعها، وقد لعن رسول الله ﷺ شاربها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه (٢).
قوله: (كَذَلِكَ كلُّ مَنْفَعَةٍ كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِالشَّرْعِ مِثْلُ أَجْرِ النَّوَائِحِ، وَأَجْرِ المُغَنِّيَاتِ) (٣).
(أَجْرِ النَّوَائِحِ): النوائح: مَنْ يؤتى بهن للبكاء والصريخ على
стр. 7654
الميت (١)، وهذا من أعمال الجاهلية التي أبطلها الإسلام، قال النبي ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت" (٢).
وقال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (٣).
وكذلك: الاجتماع عند أهل الميت، واستئجار قارئ يقرأ القرآن، فتلك من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطانٍ (٤).
стр. 7655
(وَأَجْرِ المُغَنِّيَاتِ): فالغناء محرم، وفي الحديث: "مَن استمع إلى قينةٍ، صبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة" (١) يعني: الرصاص، وهذا الوعيد يدل على التحريم، كذلك حرم الله الزنا، فلا يجوز الاستئجار على الزنا.
стр. 7656
قوله: (وَكَذَلِكَ كلُّ مَنْفَعَةٍ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الإِنْسَان بِالشَّرْعِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا) (١).
أيْ: لا يجوز أن يستأجر إنسانًا ليصلي عنه أو ليصوم، كما لا يجوز للإمام أن يستأجر مَنْ يكمل بهم عدد صلاة الجمعة؛ لأن هذه طاعات وقُرَب يتقرب بها المسلم إلى الله ، فلا يأخذ عليها أجرًا، فهذه القُرُبات مبناها على النية والإخلاص لله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾.
стр. 7657
وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.
وقال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمَنْ كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١).
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى إِجَارَةِ الدُّورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالنَّاسِ عَلَى الْأَفْعَالِ المُبَاحَةِ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ وَالبُسُطُ).
يعني: يجوز أن يستأجر دارًا أو دابةً أو سيارةً أو دكانًا أو حانوتًا أو فرشًا أو بسطًا، إذ الأصل فيها الإباحة بشرط أن تكون الأجرة معلومةً (٢).
أما ما كان محرمًا، فلا يجوز إجارته؛ كأن يستأجر دارًا ليتخذ فيها مصنعًا للخمر (٣)، أو لجمع المغنيات، أو غير ذلك من أعمال المعاصي.
ويجوز أن يستأجر إنسانًا ولو كان حرًّا لعملٍ مباحٍ ولو بطعامه أو كسوته، أو غير ذلك من المنافع، كما دل عليه قصة موسى ﵇ مع الرجل الصالح، والأدلةُ على ذلك من السُّنَّة متكاثرةٌ.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِجَارَةِ الأَرَضِينَ (٤)، وَفِي إِجَارَةِ
стр. 7658
стр. 7659
أجاز بيع الماء، فإنما أجازه بالنظر إلى التكلفة كحَمْله على سيارة لبيعه، وهذا لا إشكال فيه، لكن أن يمنع الماء من يحتاجه، فلا يجوز، وفي الحديث: "ثلَاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذاب أليم -ومنهم- رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل" (١).
وكذلك اختلفوا في إجارة المؤذن؛ لأن الأذان قربة من القرب، وسيأتي تفصيل الكلام فيه.
وكذلك في الإجارة على تعليم القرآن، أما العلوم الأخرى كالحساب والجغرافيا ونحو ذلك، فإنها لا تدخل في هذا الخلاف.
وكذلك في إجارة نزو الفحول، أي: أن يستأجر فحلًا لينزو على ماشيته، والجمهور على المنع كما سيأتي.
قوله: (فَأَمَّا كِرَاءُ الأَرَضِينَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا).
شرع المؤلف في تفصيل ما كان قد أجمله، لكن تنبه إلى أن الجمهور يطلقون لفظ "الإجارة" على أي نوعٍ من أنواعها، عدا المالكية، فإنهم يطلقون الإجارة على استئجار الإنسَان، والكراء على ما يتعلق بالدواب والأرضين.
اختلاف العلماء في مسألة كراء الأرض:
للعلماء في هذه المسألة عدة أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز كراؤها مطلقًا.
القول الثاني: أنه يجوز كراؤها مطلقًا.
стр. 7660
القول الثالث: أنه لا يجوز كراؤها إلا بالدراهم والدنانير.
القول الرابع: أنه يجوز كراؤها بالدراهم والدنانير ونحوها إلا الطعام.
القول الخامس: أنه يجوز كراؤها بكل شيءٍ إلا بالطعام، وبما يخرج منها.
القول السادس: لا يجوز كراؤها إلا بما يخرج منها.
فهذه أقوال العلماء من حيث الجملة، وسيأتي التفصيل.
قوله: (فَقَوْمٌ لَمْ يُجِيزُوا ذَلِكَ بَتَّةً، وَهُمُ الأَقَلُّ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ).
وقال به أيضًا الحسن البصريُّ ﵀ (١).
قوله: (وَقَالَ الجُمْهُورُ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ كِرَاؤُهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَقَطْ، وَهُوَ مَذْهَبُ رَبِيعَةَ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ).
قال الجمهور بجواز كراء الأرض إلا أنهم اختلفوا فيما به تُكْرى، فذهب ربيعة -وهو ربيعة الرأي شيخ مالك- وابن المسيب إلى أنها لا تُكْرى إلا بالدراهم والدنانير (٢).
стр. 7661
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ كِرَاءُ الأَرْضِ بِكُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الطَّعَامَ، وَسَوَاءٌ أكَانَ ذَلِكَ بِالطَّعَامِ الخَارِجِ مِنْهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَا عَدَا مَا يَنْبُتُ فِيهَا كانَ طَعَامًا، أَوْ غَيْرَهُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ، وَاَكْثَرُ أَصْحَابِهِ).
ذهب مالكٌ وأكثر أصحابه إلى استثناء الطعام مطلقًا؛ سواء خرج منها أو من غيرها.
قوله: (وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ)، احتراز، فإن من المالكية مَنْ وافق مذهب الحنابلة كما سيأتي.
قوله: (وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ كِرَاءُ الأَرْضِ بِمَا عَدَا الطَّعَامَ فَقَطْ).
وهذا قولٌ لبعض المالكية (١).
قوله: (وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ كِرَاءُ الأرْضِ بِكُلِّ العُرُوضِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَكُنْ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الطَّعَامِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (٢)، وَغَيْرُهُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٣)، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي "المُوَطَّإِ" (٤)).
стр. 7662
وهو مذهب أبي حنيفة (١) أيضًا.
وقوله: (مَا لَمْ يَكُنْ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الطَّعَامِ)، للفرق بينها وبين بيع المخابرة، وقد جاء النهي عنه.
(وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِكُلِّ شَيْءٍ، وَبِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالأَوْزَاعِيُّ (٢)، وَجَمَاعَة، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَهَا بِحَالٍ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ بِسَنَدِهِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ "، قَالُوا: وَهَذَا عَامٌّ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَا رَوَى مَالِكٌ مِنْ تَخْصِيصِ الرَّاوِي لَهُ حِينَ رَوَى عَنْهُ. قَالَ حَنْظَلَةُ: فَسَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَائِهَا بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ (٣)).
(وَهَذَا عَامٌّ)، أيْ: أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض نهيًا
стр. 7663
مطلقًا، فأخذوا بظاهر الحديث، ولم يأخذوا بما جاء من تخصيصٍ من قِبَلِ الراوي، وراوي الحديث أعلم به من غيره، وكان رافع (راوي الحديث) صاحب حقلٍ وزرعٍ.
قوله: (وَروَى هَذَا عَنْ رَافِعٍ ابْنُ عُمَرَ، وَأَخَذَ بِعُمُومِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكْرِي أَرْضَهُ فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يُخَصُّ العُمُومُ بِقَوْلِ الرَّاوِي) (١).
(ابْنُ عُمَرَ): عبد الله بن عمر من السابقين إلى الإسلام، أسلم مع والده ﵁ قديمًا، وكان من أكثر الصحابة تتبعًا لآثار رسول الله ﷺ ، وتَوقُّفه عن كراء أراضيه تَورُّعًا منه ﵁، لا لأنه لا يرى جواز ذلك.
قوله: (وَرُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِجَارَةِ الأَرَضِينَ" (٢)).
(وَرُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِيهِ)، هذا وَهمٌ نبَّه عليه الإمام البخاري، وكذا الحافظ ابن حجر في كتابه "الإصابة"، والصحيح أنه رُوِيَ عن ابن رافع بن خديج، عن أبيه (يعني: رافع).
وقد أورد الحديث الإمام النسائي في كتابه في عدة مواضع، وكلها: "عن ابن رافع بن خديج، عن أبيه رافع بن خديج".
стр. 7664
(إِجَارَةِ الأَرَضِينَ)، ومرَّ بلفظ (كِرَاء الأَرَضين)، وهما عند الجمهور بمعنًى خلافًا للمالكية كما سبق.
قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ضَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ وَلَا يُؤَاجِرْهَا"، فَهَذِهِ هِيَ جُمْلَةُ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَ الأرْضِ) (١).
(فَلْيَزْرَعْهَا)، أيْ: بنفسه أو مَنْ معه ممَّن هم تحت إمرته، (أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ وَلَا يُؤَاجِرْهَا)، فإما أن يمنحه إياها، أو أن يُشْركه معه فيها، هذا هو الأصل.
لكن هذا القول يضيق واسعًا، فليس كل أحد يستطع أن يزرع أرضه أو أن يجد مَنْ يعينه على زراعة أرضه، وقد يؤدي إلى تعطيل الأراضي عن زراعتها، والانتفاع بها.
قوله: (وَقَالُوا أَيْضًا مِنْ جِهَةِ المَعْنَى: إِنَّهُ لَمْ يَجُزْ كِرَاؤُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يُصِيبَ الزَّرْعَ جَائِحَةٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ قَحْطٍ، أَوْ غَرَقٍ، فَيَكُونُ قَدْ لَزِمَهُ كِرَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ).
فَهَذا ما استدلَّ به أصحاب هذا القول من المعقول، فقالوا: (لَمْ يَجُزْ كِرَاؤُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الغَرَرِ)، فقد تصيبها آفةٌ من مطر أو حرق أو غيره فتصبح جائحة، ولا ينتفع المستأجر منها بشيءٍ، وهذا غرر، لكن سبق أن النبي ﷺ قد أوصى بوضع الجوائح (٢)، وحضَّ على ذلك.
стр. 7665
قوله: (قَالَ القَاضِي: وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إِنَّ المَعْنَى فِي ذَلِكَ قَصْدُ الرِّفْقِ بِالنَّاسِ لِكَثْرَةِ وُجُودِ الأَرْضِ كَمَا نُهِيَ عَنْ بَيْعِ المَاءِ (١)، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا أَصْلَا الخِلْقَةِ).
(قَالَ القَاضِي)، يحتمل أنه يقصذ نفسه، وكان المؤلف ﵀ ممن تولوا القضاء.
قوله: (وَيُشْبِهُ … إلخ)، أي: يمكن أن يقال بأن القصد من ذلك هو الرفق بالناس لكثرة الأراضي، وأنه ينبغي للمسلم أن يمنح أخاه أرضًا إذا لم يكن له بها حَاجةٌ.
قوله: (كمَا نُهِيَ عَنْ بَيْعِ المَاءِ … إلخ)، وذَلكَ أنَّ الله تعالى خلق آدم من طينٍ، وخلق الإنسان من ماءٍ مهينٍ.
قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَهَا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَحَدِيثُ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَيَزْرَعُهَا، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ، وَرَجُلٌ اكْتَرَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ" (٢)).
فَهَذا الحَديث نصٌّ في الدراهم والدنانير، وله تتمة لم يذكرها المؤلف، وهي أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة والمخابرة، وبعضهم ذكر أن هذه الزيادة من قول سعيد بن المسيب ﵀ (٣).
стр. 7666
وأما "المحاقلة"، فهي أن تبيع الحَبَّ على الأرض بالحَبِّ في سنبله (١).
وأما "المخابرة"، فهي أن تستأجر الأرض بجزءٍ مما يخرج منها كثُلُثها أو رُبُعها (٢).
قوله: (قَالُوا: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَدَّى مَا فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَالأَحَادِيثُ الأُخَرُ مُطْلَقَةٌ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ، وَمِنَ الوَاجِبِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ).
أي: أن أحاديث المنع من كراء الأرض وتأجيرها جاءت مطلقةً، وهذا الحديث جاء مقيدًا لها، وعليه فيجوز استثناءً أن تؤجر بالدراهم والدنانير؛ وذلك أن لهما من القوة الشِّرائيَّة ما ليس لغيرهما، فهما أصل الأثمان.
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ كِرَاءَهَا بِكُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الطَّعَامَ، وَسَوَاءٌ أكَانَ الطَّعَامُ مُدَّخَرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ: حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِهَا بِثُلُثٍ، وَلَا رُبْعٍ، وَلَا بِطَعَامٍ مُعَيَّنٍ" (٣).
(وَسَوَاءٌ أكَانَ الطَّعَامُ مُدَّخَرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ)، هذا زيادة بيان عند المالكية، وللمالكية في هذه المسألة قولان (٤).
стр. 7667
وأما حديث يعلى بن حكيم -وهو صحيح- فهو حجة للمالكية على أحد قوليهم في المسألة حيث ذكر أنه لا يكريا بطعامٍ معينٍ.
قوله: (قَالُوا: وَهَذَا هُوَ مَعْنَى المُحَاقَلَةِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا).
المُحَاقلة نسبة إلى الحقل، يعني: أن تبيع ما عندك من قمحٍ على الأرض؛ سواء ادخرته أو هو في حوزتك بهذا الذي في الحقل في سنبله (١)، وعلةُ النهي: الجهالةُ.
قوله: (وَذَكَرُوا حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: وَالمُحَاقَلَةُ اسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالحِنْطَةِ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بالطعامِ نَسِيئَةً).
وهذا تعريفٌ آخر للمحاقلة (٢).
стр. 7668
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَهَا بِالطَّعَامِ وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا: أَمَّا بِالطَّعَامِ فَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَهَا بِالطَّعَامِ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ عَلَى مَنْعِ كِرَائِهَا مِمَّا تُنْبِتُ، فَهُوَ مَا وَرَدَ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنِ المُخَابَرَةِ. قَالُوا: وَهِيَ كِرَاءُ الأرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَكُلِّ أَصْحَابِهِ).
وَالمُخَابرةُ هي كراء الأرض بجزءٍ مما يخرج منها كالثلث والربع (١).
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ كِرَاءَهَا بِجَمِيعِ العُرُوضِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا: أَنَّهُ كِرَاءُ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، فَجَازَ قِيَاسًا عَلَى إِجَارَةِ سَائِرِ المَنَافِعِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ ضَعَّفُوا أَحَادِيثَ رَافِعٍ).
وسبق أنه لا بد أن يكون المؤجر معلومًا، وكذلك الثمن لا ينبغي أن يكون مجهولًا.
وبهذا يتضح لنا الفرق بين الإجارة والجعالة، فالجعالة (٢) نوعٌ من الإجارة، لكن لا يُشْترط فيها العلم بالقدر أو العمل (٣).
стр. 7669
قوله: (رُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرِهِ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: اكْتَرَى رَافِعٌ. قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ مَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا سَائِرُهَا قَالَ: "كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا قَالَ: وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ وَيَقُولُ: هَذِهِ القِطْعَةُ لِي، وَهَذِهِ لَكَ، وَرُبَّمَا أَخْرَجْتَ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ "، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ) (١).
وكذلك أخرجه مسلم (٢).
وقوله: (كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا)، أي: أنهم كانوا أهل بساتين وزرع.
وقوله: (وَرُبَّمَا أَخْرَجْتَ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ)، يعني: ربما أنبتت هذه ولم تنبت هذه، وهذا كله بإرادة الله سبحانه وقدرته، فليست الأرض هي التي تنبت نفسها، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾.
(وَأَمَّا مَنْ لَمْ يجِزْ كِرَاءَهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَعُمْدَتُهُ النَّظَرُ وَالأَثَرُ، أَمَّا الأَثَرُ: فَمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُخَابَرَةِ).
وقَدْ مَرَّ هَذَا.
قوله: (وَمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ خَدِيجٍ، عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: "نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عنْ أَمْرٍ كَانَ رِفْقًا بِنَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ. قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ ". قُلْنَا: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ،
стр. 7670
وَالشَّعِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ زَارِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا"، وَهَذَا الحَدِيثُ اتَّفَقَ عَلَى تَصْحِيحِهِ الإِمَام البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) (١).
الأَوْسقُ جمع وَسقٍ، والوسقُ ستون صاعًا (٢)، وقد وَرَد ذِكْرُهُ في قصة الرجل الذي جامع امرأتَه في نهار رمضان (٣).
قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ كِرَاءَهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَعُمْدَتُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يُعْمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ وَالثَّمَرَةُ" (٤).