← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

وأما "المحاقلة"، فهي أن تبيع الحَبَّ على الأرض بالحَبِّ في سنبله (١). وأما "المخابرة"، فهي أن تستأجر الأرض بجزءٍ مما يخرج منها كثُلُثها أو رُبُعها (٢). قوله: (قَالُوا: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَدَّى مَا فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَالأَحَادِيثُ الأُخَرُ مُطْلَقَةٌ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ، وَمِنَ الوَاجِبِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ). أي: أن أحاديث المنع من كراء الأرض وتأجيرها جاءت مطلقةً، وهذا الحديث جاء مقيدًا لها، وعليه فيجوز استثناءً أن تؤجر بالدراهم والدنانير؛ وذلك أن لهما من القوة الشِّرائيَّة ما ليس لغيرهما، فهما أصل الأثمان. قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ كِرَاءَهَا بِكُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الطَّعَامَ، وَسَوَاءٌ أكَانَ الطَّعَامُ مُدَّخَرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ: حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِهَا بِثُلُثٍ، وَلَا رُبْعٍ، وَلَا بِطَعَامٍ مُعَيَّنٍ" (٣). (وَسَوَاءٌ أكَانَ الطَّعَامُ مُدَّخَرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ)، هذا زيادة بيان عند المالكية، وللمالكية في هذه المسألة قولان (٤).

стр. 7667

وأما حديث يعلى بن حكيم -وهو صحيح- فهو حجة للمالكية على أحد قوليهم في المسألة حيث ذكر أنه لا يكريا بطعامٍ معينٍ. قوله: (قَالُوا: وَهَذَا هُوَ مَعْنَى المُحَاقَلَةِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا). المُحَاقلة نسبة إلى الحقل، يعني: أن تبيع ما عندك من قمحٍ على الأرض؛ سواء ادخرته أو هو في حوزتك بهذا الذي في الحقل في سنبله (١)، وعلةُ النهي: الجهالةُ. قوله: (وَذَكَرُوا حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: وَالمُحَاقَلَةُ اسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالحِنْطَةِ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بالطعامِ نَسِيئَةً). وهذا تعريفٌ آخر للمحاقلة (٢).

стр. 7668

قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَهَا بِالطَّعَامِ وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا: أَمَّا بِالطَّعَامِ فَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَهَا بِالطَّعَامِ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ عَلَى مَنْعِ كِرَائِهَا مِمَّا تُنْبِتُ، فَهُوَ مَا وَرَدَ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنِ المُخَابَرَةِ. قَالُوا: وَهِيَ كِرَاءُ الأرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَكُلِّ أَصْحَابِهِ). وَالمُخَابرةُ هي كراء الأرض بجزءٍ مما يخرج منها كالثلث والربع (١). قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ كِرَاءَهَا بِجَمِيعِ العُرُوضِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا: أَنَّهُ كِرَاءُ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، فَجَازَ قِيَاسًا عَلَى إِجَارَةِ سَائِرِ المَنَافِعِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ ضَعَّفُوا أَحَادِيثَ رَافِعٍ). وسبق أنه لا بد أن يكون المؤجر معلومًا، وكذلك الثمن لا ينبغي أن يكون مجهولًا. وبهذا يتضح لنا الفرق بين الإجارة والجعالة، فالجعالة (٢) نوعٌ من الإجارة، لكن لا يُشْترط فيها العلم بالقدر أو العمل (٣).

стр. 7669

قوله: (رُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرِهِ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: اكْتَرَى رَافِعٌ. قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ مَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا سَائِرُهَا قَالَ: "كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا قَالَ: وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ وَيَقُولُ: هَذِهِ القِطْعَةُ لِي، وَهَذِهِ لَكَ، وَرُبَّمَا أَخْرَجْتَ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ "، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ) (١). وكذلك أخرجه مسلم (٢). وقوله: (كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا)، أي: أنهم كانوا أهل بساتين وزرع. وقوله: (وَرُبَّمَا أَخْرَجْتَ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ)، يعني: ربما أنبتت هذه ولم تنبت هذه، وهذا كله بإرادة الله سبحانه وقدرته، فليست الأرض هي التي تنبت نفسها، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يجِزْ كِرَاءَهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَعُمْدَتُهُ النَّظَرُ وَالأَثَرُ، أَمَّا الأَثَرُ: فَمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُخَابَرَةِ). وقَدْ مَرَّ هَذَا. قوله: (وَمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ خَدِيجٍ، عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: "نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عنْ أَمْرٍ كَانَ رِفْقًا بِنَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ. قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ ". قُلْنَا: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ،

стр. 7670

وَالشَّعِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ زَارِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا"، وَهَذَا الحَدِيثُ اتَّفَقَ عَلَى تَصْحِيحِهِ الإِمَام البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) (١). الأَوْسقُ جمع وَسقٍ، والوسقُ ستون صاعًا (٢)، وقد وَرَد ذِكْرُهُ في قصة الرجل الذي جامع امرأتَه في نهار رمضان (٣). قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ كِرَاءَهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَعُمْدَتُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يُعْمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ وَالثَّمَرَةُ" (٤).

стр. 7671

قَالُوا: وَهَذَا الحَدِيثُ أَوْلَى مِنْ أَحَادِيثِ رَافِعٍ ﵁؛ لِأَنَّهَا مُضْطَرِبَةُ المُتُون، وَإِنْ صَحَّتْ أَحَادِيثُ رَافِعٍ، حَمَلْنَاهَا عَلَى الكَرَاهِيَةِ لَا عَلَى الحَظْرِ، بِدَلِيلِ مَا خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَلَكِنْ قَالَ: "إِنْ يَمْنَحْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، يَكُنْ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا" (١)، قَالُوا: وَقَدْ قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ اليَمَنَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يُخَابِرُونَ فَأَقَرَّهُمْ" (٢)). قوله: (حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتُ): ذكر المؤلف في أول الكتاب أنه يقصد بالحديث الثابت أيْ: الحديث الذي أخرجه البخاري أو مسلم، ويقصذ بالحديث المشهور الحديث المتفق عليه، لكنه لم يلتزم منهجه، فَصَار يطلق الثابت على المتفق عليه، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن ليس هو حديثًا ثابتًا على مصطلحه الذي وضعه لنفسه، بل هو حديث مشهور؛ لأنه متفق عليه. وفي هذا الحديث دليلٌ على جواز تأجير الأرض بجزءٍ مما يخرج منها. قوله: (وَهَذَا الحَدِيثُ أَوْلَى مِنْ أَحَادِيثِ رَافِعِ ﵁ … إلخ): الأَوْلَى في مثل هذا المقام أن يجمع بين الأحاديث، فالجمع أَوْلَى من الترجيح. وَحَديثُ ابن عبَّاس هو فصل الخطاب في هذه المسألة، وفيه أنه ﷺ لم يمنع من تَأْجير الأرض، لكن أرشد إلى ما هو أسمى وأجلُّ مما يجب أن يكون من التعاطف والتراحم والتعاون بين الناس. قوله: (وَأَمَّا إِجَارَةُ المُؤَذِّنِ، فَإِنَّ قَوْمًا لَمْ يَرَوْا فِي ذَلِكَ بَأْسًا، وَقَوْمًا كَرِهُوا ذَلِكَ، وَالَّذِينَ كَرِهُوا ذَلِكَ وَحَرَّمُوهُ احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ

стр. 7672

عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا" (١)، وَالَّذِينَ أَبَاحُوهُ قَاسُوهُ عَلَى الأَفْعَالِ غَيْرِ الوَاجِبَةِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ الِاخْتِلَافِ (أَعْنِي: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؟). اتَّفق أهل العلم على جواز أن يأخذ المُؤذِّن -وكذلك الإمام- رِزْقَه من بيت المال إذا كان محتاجًا إليه (٢)، لكن اختلفوا في جواز أخذه الأجرة على الأذان والإمامة. فَذَهب مالكٌ (٣) والشافعي (٤) وأحمد في روايةٍ (٥) إلى جواز ذلك.

стр. 7673

وذهب أبو حنيفة (١) وأحمد في المشهور عنه (٢) إلى عدم جواز ذلك، وبه قَالَ جَماعةٌ من السلف، مع اتفاقهم على أنَّ ترك الأجرة أفضل. أدلة القائلين بالجواز: أولًا: قصة زواج طلحه ﵁ من أم سليم ﵂، وأن مهرها كان إسلام أبي طلحة (٣). ثانيًا: حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وفيه قال النبي ﷺ : "زوجتكها بما معك من القرآن" (٤)، وإذ جاز أن يكون تعليم القرآن مهرًا، جازت فيه الإجارة أيضًا.

стр. 7674

ثالثًا: حديث أبي سعيدٍ ﵁ في رقية اللديغ على قطيعٍ من الغنم (١). رَابعًا: قول النبي ﷺ : "أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (٢)، قالوا: هذا نصٌّ في المسألة، وقوله: "أحق"، أي: أعظم، ففيه دليلٌ على جواز أخذ الأجرة على الإمامة، وتعليم القرآن. أدلة القائلين بعدم الجواز: أوَّلًا: حديث عثمان بن أبي العاص، وفيه: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمامًا في قومي، فقال لَه رسول الله ﷺ : "أنْتَ إمَامهم، فَاقْتَدِ بأَضْعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا" (٣). وفي بعض الروايات قال: إن آخر ما عهد إليَّ رسول الله أنِ اتخذ

стр. 7675

مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا (١). قالوا: فهذا أمرٌ، والأمر يقتضي الوقوف عنده. ثانيًا: عن عُبَادة بن الصامت قال: علمت ناسًا من أهل الصفة، فأهدى لي رجلًا منهم قوسًا -قلت: قوسًا وليس بمالٍ- قال: قلت: أتقلَّد به في سبيل الله، ثم إنه ﵁ ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "إنْ سَرَّك أن يقلّدك الله به قوسًا من النار فافعل" (٢). ثالثًا: عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ أنه كان يتردد على رجلٍ من أهل المدينة في بيته يعلمه القرآن، قال: فكان يأتيني بطعام ما أكلتَ أحسن منه في المدينة، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال له: "إنْ كان ذَاك طعامه وطعام أهله فكُلْ، وإنْ كان يُتْحفك به فلا" (٣). رابعًا: أن المُؤذِّن قد حبس نفسه ووقته على الأذان، فَجَاز أخذ الأجرة عليه قياسًا على الأفعال غير الواجبة. قوله: (وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا، وَكَرِهَهُ قَوْمٌ، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ).

стр. 7676

والكلام في هذه المسألة على نحو الكلام في المسألة السابقة، إذْ أجازه المالكية (١) والشافعية (٢)، وهو روايةٌ عن أحمد (٣)، ومَنعَه أبو حنيفةَ (٤) وأحمد في روايةٍ (٥). قوله: (وَالَّذِينَ أَبَاحُوهُ قَاسُوهُ عَلَى سَائِرِ الأَفْعَالِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ "عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ دَوَاءٌ أَوْ رُقْيَةٌ، فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا فِي القُيُودِ، فَقُلْنَا لَهُمْ: نَعَمْ، فَجَاؤُوا بِهِ، فَجَعَلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً أَجْمَعُ بِرِيقِي، ثُمَّ أَتْفُلُ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ،

стр. 7677

فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا، فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "كُلْ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، فَلَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ") (١). (أَوْ رُقْيَةٌ)، الرُّقية إنْ كانت من القرآن أو من السُّنَّة أو الأدعية الواردة فهي مشروعةٌ، فقَدْ أقرَّ النبي ﷺ عليها أصحابه، أما إذا اشتملت على شركياتٍ أو بدعٍ، فَهِيَ غير جَائِزَةٍ. (مَعْتُوهًا فِي القُيُودِ)، يعني: مَرْبوط. (فَلَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ)، هذا دليل مَنْ قال بالإباحة، وأجاب المانعون بأن هذا من باب الجعالة لا من باب الإجارة، والجُعْل يتوسع فيه بخلاف الإجارة، إذْ يجوز الجُعْل المجهول قدرًا وعملًا بخلاف الإجارة .. هذا أولًا. وثانيًا: أن الرقيةَ نَوْعٌ من الدواء، وأَخْذُ الأجرة هنا إنما هو على الرقية التي هي نوعٌ من الدَّوَاء، وليس على تعليم القرآن. " قوله: (وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا فِي غَزَاةٍ، فَمَرُّوا بِحَيِّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَقَالُوا: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَاقٍ، فَإِنَّ سَيِّدَ الحَيِّ قَدْ لُدِغَ، أَوْ قَدْ عُرِضَ لَهُ. قَالَ: فَرَقَى رَجُلٌ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَبَرِئَ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "بِمَ رَقَيْتَهُ؟ "، قَالَ: بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، قَالَ: "وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ " قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ فِيهَا بِسَهْمٍ" (٢)، وَأَمَّا الَّذِينَ

стр. 7678

كرِهُوا الجُعْلَ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ فَقَالَ: هُوَ مِنْ بَابِ الجُعْلِ عَلَى تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ، قَالُوا: وَلَمْ يَكُنِ الجُعْلُ المَذْكُورُ فِي الإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الرَّقْيِ، وَسَوَاءٌ أكَانَ الرَّقْيُ بِالقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا جَائِزٌ كَالعِلَاجَاتِ. قَالُوا: وَلَيْسَ وَاجِبًا عَلَى النَّاسِ، وَأَمَّا تَعْلِيمُ القُرْآنِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ). وفي بعض الروايات أنهم أبوا أن يُضيِّفوهم، ثم لدغ سيد الحي فسألوهم الرقية، فاشترطوا جُعْلًا (١) وأقرهم النبي ﷺ ، ولا فرق بين الرقية وتعليم القرآن إذ إنها أجرة أُخِذَتْ على كتاب الله، وأما قول النبي ﷺ : "ومَا يُدْريك أنها رقية"، فهذا على سبيل الإقرار لا الإنكار. قوله: (قَالُوا: وَلَمْ يَكُنِ الجُعْلُ المَذْكُورُ فِي الإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الرَّقْيِ)، والرُّقى نوعٌ من الدواء، والدواء يجوز أخذ الأجرة عليه، فكان أخذ الأجرة على المداواة، وليس على تعليم القرآن كما سبق. قوله: (وَأَمَّا تَعْلِيمُ القُرْآنِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ): فليس تعلُّم القرآن كله واجبًا، وإنما يتعلم الإنسان ما يحتاج إليه، وإن أتم دراسته وحفظه، فهذا من أحسن وأعظم ما يُوفَّق إليه العبد. قوله: (وَأَمَّا إِجَارَةُ الفُحُولِ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالدَّوَابِّ، فَأَجَازَ مَالِكٌ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ فَحْلَهُ عَلَى أَنْ يَنْزُوَ (٢) اَكْوَامًا مَعْلُومَةً، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا الشَّافِعِيُّ، وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ: مَا جَاءَ مِنَ

стр. 7679

النَّهْي عَنْ عَسِيبِ الفَحْلِ، وَمَنْ أَجَازَهُ شَبَّهَهُ بِسَائِرِ المَنَافِعِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ تَغْلِيبُ القِيَاسِ عَلَى السَّمَاعِ). (إِجَارَةُ الفُحُولِ): الفُحُولُ جمع فَحْلٍ وهو الذَّكَر، وصورة المسألة: أن يؤجر إنسان ذكرًا من بهيمة الأنعام لينزو على أنثى، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز ذلك، وإليه ذَهَب أبو حنيفة (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣)، واحتجُّوا بما جاء عن ابْن عُمَر أن النبي ﷺ نهى

стр. 7680

عن عسب الفحل (١). القول الثاني: أنه يجوز إذا كان على أكوامٍ معلومةٍ، وهو قول المالكية (٢)، وحجتهم في ذلك القياس على الرضاعة، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ولما جاز أخذ الأجرة على تأبير النخل (٣)، جاز أخذ الأجرة على نزو الفحل … هذا أوَّلًا. وثانيًا: المصلحة، فلما لم يفتح باب الإجارة في هذا ربما أدى ذلك إلى انقطاع النسل، فحصل الضرر، والضرر يُزَال. وأجَاب الجمهور عن أدلة المالكية بأن هذا قياسٌ مع النص، فلا يجوز، وأما قولهم: إن منع الإجارة فيه يؤدي إلى انقطاع النسل، فهو ضعيف؛ لأنه قد جاء الحض على التبرع دون عِوَضٍ.

стр. 7681

قوله: (وَاسْتِئْجَارُ الكَلْبِ أَيْضًا هُوَ مِنْ هَذَا البَابِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (١) وَلَا عِنْدَ مَالِكٍ (٢)). أيضًا نفس الذين منعوا منعوا هذا والقصد استجار الكلب ليس .. استجار مثلًا كلب صيد أو ماشية أو غير ذلك هل يجوز استئجارها أو لا لأن الرسول ﷺ حظر من اقتناء الكلب من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو حرث نقص من عمله كل يوم قيراط (٣) في بعضها قيراطان (٤) ومعلوم بأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب (٥) وتعلمون قصة توقف الوحي عن رسول الله ﷺ فإنه انقطع عنه فترة من الزمن فلما بحثوا وجدوا دلوًا يعني كلبًا صغيرًا تحت السرير فأخرجوه فنزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ

стр. 7682

بالوحي (١) فلا يظن أن الذين يربون أولئك الكلاب مهما عملوا فيها من النظافة وغيرها ذلك ليس دليل لكن الكلب متى تحتاج إليه حارسًا لصيد يستفيد منه في الصيد ففي أيضًا ما يتعلق بالمزارع نعم كما أرشد إلى ذلك رسول الله ﷺ وتعلمون بأن الكلب فيه نجاسة وأن هذه النجاسة لا يزيلها إلا التراب ولذلك أرشد إلى هذا رسول الله ﷺ فقال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولهن بالتراب" (٢) وفي بعضها وعفروه ثامنة بالتراب (٣) وقد أثبت الطب الحديث بأن في لعابه أي: في لعاب الكلب مادة لزجة لا تخرج إلا بالتراب هل هناك مواد أخرى تخرجها الله أعلم وهذا أيضًا يعطينا أيها الإخوة ما في هذه الشريعة من الأسرار وأنها وحي الله أنزله على رسوله ﷺ وأن ذلكم الرسول الكريم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وأنه ﷺ لا يعلم الغيب كما قال الله تعالى. قوله: (﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي﴾). قوله: (﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾). قوله: لكنه يعلم من الغيب ما علمه الله ولذلك قال الله عنه. قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ * ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ

стр. 7683

السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ * ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. قوله: (وَالشَّافِعِيُّ يَشْتَرِطُ فِي جَوَازِ اسْتِئْجَارِ المَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مُتَقَوِّمَةً عَلَى انْفِرَادِهَا، فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ تُفَّاحَةٍ لِلشَّمِّ، وَلَا طَعَامٍ لِتَزْيِينِ الحَانُوتِ؛ إِذْ هَذِهِ المَنَافِعُ لَيْسَ لَهَا قِيَمٌ عَلَى انْفِرَادِهَا، فَهُوَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ (١)، وَلَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢)). أما عند الحنابلة -مثلًا- فيجوز أن يستأجر بقية الطيب لشمِّه (٣)،

стр. 7684

وهذه المسائل ونحوها من المسائل الجزئية التي وقع فيها الخلاف بين المذاهب. قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُ المَذْهَبِ فِي إِجَارَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. وَبِالجُمْلَةِ: كُلُّ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ: فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: لَا يَصِحُّ إِجَارَةُ هَذَا الجِنْسِ وَهُوَ قَرْضٌ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الأَبْهَرِيُّ (١)، وَغَيْرُهُ يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ، وَتَلْزَمُ الأُجْرَةُ فِيهِ، وَإِنَّمَا منَعَ مِنْ إِجَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ فِيهَا مَنْفَعَةً إِلَّا بِإِتْلَافِ عَيْنِهَا؛ وَمَنْ أَجَازَ إِجَارَتَهَا، تَصَوَّرَ فِيهَا مَنْفَعَةً، مِثْلَ أَنْ يَتَجَمَّلَ بِهَا، أَوْ يَتَكَثَّرَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُتَصَوَّرَ فِي هَذَا البَابِ، فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ مَسَائِلِ الخِلَافِ المُتَعَلِّقَةِ بِجِنْسِ المَنْفَعَةِ. وَأَمَّا مَسَائِلُ الخِلَافِ المُتَعَلِّقَةُ بِجِنْسِ الثَّمَنِ، فَهِيَ مَسَائِلُ الخِلَافِ المُتَعَلِّقَةُ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي المَبِيعَاتِ وَمَا لَا يَجُوزٌ). اختلف أهل العلم في إجارة الدراهم والدنانير على قولين: القول الأول: المنع من ذلك، وإليه ذَهَب أبو حنيفة (٢) وابن القاسم (٣) من المالكية.

стр. 7685

القول الثاني: إنه يجوز إجارتها إنْ كان بقصد التحلي والوزن في مدة معلومة (١)، أما استئجارها للبيع والشراء فلا يجوز، وبه قال المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤). قوله: (وَمِمَّا وَرَدَ النَّهْيُ فِيهِ مِنْ هَذَا البَابِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ عَسِيبِ الفَحْلِ (٥)، وَعَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ (٦) وَعَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ). أما عسيب الفحل فقَدْ مضى الكلام فيه، وأما كسب الحجام فسيأتي تفصيل القول فيه. قوله: (قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَمَعْنَى نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ: هُوَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ دَفْعِ القَمْحِ إِلَى الطَّحَّانِ بِجُزْءٍ مِنَ

стр. 7686

الدَّقِيقِ الَّذِي يَطْحَنُهُ (١)، قَالُوا: وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَهُوَ اسْتِئْجَارٌ مِنَ المُسْتَأْجِرِ بِعَيْنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَلَا هِيَ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ دُيُونًا عَلَى الذِّمَمِ، وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا). (الطَّحَاوِيُّ)، هو الإمَام أبو جعفر صاحب "العقيدة الطحاوية". قوله: (وَمَعْنَى نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ … إلخ)، مثله أيضًا ذبح الأضحية وإعطاء الجازرَ أجرته منها، أو أن يعطى الجلد مقابل الذبح. قوله: (وَقَالَ أَصْحَابُهُ: لَوِ اسْتَأْجَرَ السَّلَّاخَ بِالجِلْدِ، وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ، أَوْ بِصَاعٍ مِنَ الدَّقِيقِ، فَسَدَ؛ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ) (٢). اسْتئجَار السَّلَّاخ بالجلد أي: أن يسلخ الحيوان مقابل جلده، وأكثَرُ العلماء على مَنْعه لما فيه من الغرر والجهالة (٣)؛ إذ لا يُدْرى أيخرج الجلد

стр. 7687

سليمًا أم لا، ولا يُدْرى أيكون ثخينًا أم رقيقًا .. هذا أولًا. وثانيًا: قياسًا على البيع، فكما أنه لا يجوز له أن يأخذ ذلك ثمنًا في البيع، كذلك لا يجوز له أن يأخذه عوضًا في الإجارة، وبهذا نَتَبيَّن وجود الربط القوي بين الإجارة وبين البيع. قوله: (وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، وَأُجْرَةُ الطَّحَّان ذَلِكَ الجُزْءُ وَهُوَ مَعْلُومٌ أَيْضًا). وأما الأئمة أبو حنيفة (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) فمنعوا ذلك.

стр. 7688

قوله: (وَأَمَّا كَسْبُ الحَجَّامِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: كسْبُهُ رَدِئٌ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ مُبَاحٌ وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ: فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ حَرَامٌ: احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنَ السُّحْتِ كَسْبُ الحَجَّامِ" (١)، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَسْبَ الحَجَّامِ (٢). وَرُوِيَ "عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: أشْتَرَى أَبِي حَجَّامًا فَكَسَرَ مَحَاجِمَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ يَا أَبَتِ كَسَرْتَهَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ" (٣). وَأَمَّا مَنْ رَأَى إِبَاحَةَ ذَلِكَ، فَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ (٤)، وَحَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دعَا أَبَا طَيْبَةَ فَحَجَمَهُ، فَسَأَلَهُ: كَمْ ضَرِيبَتُكَ؟ فَقَالَ: ثَلَاثَةُ آصُعٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ صاعًا (٥). وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ أَمَرَ لِلْحَجَّامِ

стр. 7689

بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ (١). وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِكَرَاهِيَتِهِ: فَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ رَافِعٍ، أَوْ رَافِعَ بْنَ رِفَاعَةَ جَاءَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نُطْعِمَهُ نَاضِحَنَا (٢). وَبِمَا رُوِيَ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ كانَ لَهُ حَجَّامٌ، وَبِمَا رُوِيَ: وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ دلِكَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ عَادَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ عَادَ فَنَهَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرْاجِعُهُ حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغلِفْ كَسْبَهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ" (٣). اختلف العلماء في كسب الحجام على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه محرمٌ، وهو رواية عن أحمد ﵀ (٤). القول الثاني: أنه مكروهٌ، وأثر هذا القول عن عثمان بن عفان وأبي هريرة ﵄، وعن الحسن البصري وإبراهيم النخعي (٥)، واستدلوا على ذلك بما يلي: أولًا: نهيه ﷺ عن كسب الحجام. ثانيًا: قول النبي ﷺ : "كَسْب الحجام خبيث".

стр. 7690

ثالثًا: ما رواه أبو داود عن ابن محيصة عن أبيه أنه استأذن رسول الله ﷺ في إجارة الحجام، فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى أمره أن أعلفه ناضحك ورقيقك (١). القول الثالث: أنه مباحٌ، وهو قول الجمهور (أبو حنيفة (٢) ومالك (٣) والشافعي (٤) وأحمد في رواية (٥))، واستدلوا على ذلك بما جاء في "الصَّحيحَين" عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجرَه، ولو يعلمه حرامًا لما أعطاه (٦).

стр. 7691

وأجابوا عن أدلة الفريق الأول بما يلي: ١ - أما قوله ﷺ : "كَسْب الحجام خبيث" (١)، قالوا: هذا لا يدل على أنه محرمٌ، فإطلاق الخبث على الشيء لا يستلزم تحريمه، فقد أطلق النبي ﷺ على الثوم والبصل نفس اللفظ، وهما من الأكل المباح باتفاق، لكن لما كانت الحجامةُ حرفةً بها نوع دناءة، أو لا تليق بالحر، وُصفَتْ بهذا الوصف، وإلا فإن الناس بحاجة إليها، والحاجة تنزل منزلة الضرورة أحيانًا. ٢ - وأما حديث محيصة ﵁ ففيه: "أَعْلفه ناضحك ورقيقك"، وهذا دَليلٌ على إباحتها؛ لأن الرقيق لا يجوز لهم أن يأكلوا ما هو حرام، وهذا هو الرأي الذي نرجحه لدلالة الأدلة الصحيحة عليه، فقد احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجرَه، وحض أن يخفف عنه من ضريبته كما في حديث جابر الذي أورده المؤلف. وهنا مسألة مهمةٌ لم يتعرض لها المؤلف، وهي أن الأمر هنا لا يتعلق بكلمة "حجام"، وإنما بالحجامة، فلو انتقل الحجام إلى صنعة أخرى أو عمل آخر كالحلاقة أو فصد الدم أو ختن الصغار، فإن أجره في هذه الحالة جائزٌ ولا حرج فيه (٢). قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِجَارَةِ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ أُخْرَى، فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَعَلَّهُ رَآهَا مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ).

стр. 7692

صورة المسألة: أن يقول رجلٌ لآخر: أؤجرك هذه الدار على أن أسكن دارك، فذهب مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) إلى جواز ذلك. ومنعه أبو حنيفة (٤)؛ لأنها من جنسٍ واحدٍ، فتكون من ربا النسيئة. قُلْتُ: وهذا تعليل ضعيفٌ؛ لأن ربا النسيئة جاء في أصنافٍ معينةٍ، قال النبى ﷺ : "الذَّهب بالذَّهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثلِ، يدًا بِيَدٍ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فَبيعُوا كيف شئتم" (٥)، فالدُّورُ ليستَ من الأجناس الربوية، فالراجح ما ذَهَب إليه الجمهور، وهو القول بالجواز.

стр. 7693

قوله: (فَهَذِهِ مَشْهُورَاتُ مَسَائِلِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِجِنْسِ الثَّمَنِ، وَبِجِنْسِ المَنْفَعَةِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَوْصَافِهَا فَنَذْكُرُ أَيْضًا المَشْهُورَ مِنْهَا). يشير المُؤلِّف هنا إلى مسألة تأجير الموصوف في الذمَّة دون رؤيته، وَقَد اختلف أَهْل العِلْمِ في هذه المسألة، وَالصَّحيحُ أنه يَجُوز؛ لأن الإجارَة نوعٌ من البيع كما عرفها بعضهم بأنها بيع منافع، والشافعية يعدُّون الإجارة من البيع كما سيأتي. قوله: (فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ جُمْهُورَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ) اتَّفَقُوا بِالجُمْلَةِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الإِجَارَةِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، وَالمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةَ القَدْرِ، وَذَلِكَ إِمَّا بِغَايَتِهَا مِثْلَ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ، وَعَمَلِ البَابِ). (أَنْ جُمْهُورَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)

стр. 7694

وَالشَّافِعِيُّ (١))، وَكَذلك أحمد (٢) اتَّفقوا على (أَنَّ مِنْ شَرْطِ الإِجَارَةِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، وَالمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةَ القَدْرِ)، كأن يقول: أجرتك هذه الدار سنة بألف ريال لتسكنها، فعرفنا المنفعة وهي السُّكنى، والثمن وهو الألف ريال، والمدة وهي السنة، فارتفعت الجهالة، وصحَّت الإجارة. وقَدْ تكون بِغَايَةٍ مثل: خياطة الثوب، وعمل الباب، وبناء الجدار. قوله: (وَإِمَّا بِضَرْبِ الأَجَلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهَا غَايَةٌ مِثْلَ: خِدْمَةِ الأَجِيرِ، وَذَلِكَ إِمَّا بِالزَّمَانِ إِنْ كَانَ عَمَلًا، وَاسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُتَّصِلَةِ الوُجُودِ مِثْلَ كِرَاءِ الدُّورِ وَالحَوَانِيتِ). الأجير الذي يعمل عند شخصٍ بأجرٍ لا بد من تحديد الأجر، وتحديد العمل ما كنهه، وتوقيته ومدته. قوله: (وَاسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُتَّصِلَةِ الوُجُودِ مِثْلَ كرَاءِ الدُّورِ وَالحَوَانِيتِ)، أي: يحدد مدَّة الاستئجار. قوله: (وَإِمَّا بِالمَكَانِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا مِثْلَ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ). كراء الرَّواحل أو السيارات، كأن يستأجر سيارةً ليحمل عليها بضائعَ

стр. 7695

إلى مكانٍ ما، وربما يستأجرها أيامًا، فلا بد من ضرب الأجل، وتحديد المدة. قوله: (وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى جَوَازِ إِجَارَاتِ المَجْهُولَاتِ مِثْلَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ حِمَارَهُ لِمَنْ يَسْقِي عَلَيْهِ، أَوْ يَحْتَطِبُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ). هذه مسألةٌ مهمةٌ تتعلق بالعصر الحاضر، وهي إجارة المجهولات (مِثْلَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ حِمَارَهُ لِمَنْ يَسْقِي عَلَيْهِ، أَوْ يَحْتَطِبُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ)، ومثل أن يعطي إنسان آخَر سيارته ليعمل عليها بنصف دخلها أو بثلثها أو ربعها مثلًا، أو أن يحصد أرضه بجزءٍ معلومٍ مما يخرج منها، أو أن يرعى له غنمه على جزءٍ معلومٍ منها. قال المؤلف ﵀: (وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى جَوَازِ إِجَارَاتِ المَجْهُولَاتِ)، فنسب القول بالجواز إلى أهل الظاهر (١)، وبه قال أحمد (٢) ﵀، ولكن ابن رشدٍ ليس خبيرًا بمذهب أحمد، فلم يذكره. والَّذين أَجَازوا هذه الصورة، أجازوها قياسًا على المضاربة والمساقاة، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا فَرْقَ بين هذه الصورة وبين المضاربة والمساقاة، وهي جائزةٌ، أمَّا دعوى الجهالة فضعيفٌ، فمَنْ أعطى

стр. 7696

سيارته لشخصِ يعمل عليها ليومٍ أو لشهرٍ على نصف ما يخرج منها أو ثلثه، هذا ليسَ فيه جهالة، فالعمل معلوم، وكذلك المدة والأجر. كما أن القول بجواز هذه الصورة فيه تيسيرٌ على الناس، ومراعاةٌ لمصالحهم، وهذا أصلٌ من الأصول التي بُنيَتْ عليها هذه الشريعة. قوله: (وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ: أَنَّ الإِجَارَةَ بَيْعٌ، فَامْتُنِعَ فِيهَا مِنَ الجَهْلِ -لِمَكَانِ الغَبْنِ- مَا امْتُنِعَ فِي المَبِيعَاتِ. وَاحْتَجَّ الفَرِيقُ الثَّانِي بِقِيَاسِ الإِجَارَةِ عَلَى القِرَاضِ (١) وَالمُسَاقَاةِ (٢)). "القراض": المضاربة (٣)، وهو نوعٌ من أنواع الشركة، والقول بإباحته من باب التيسير على الناس. قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ القِرَاضَ وَالمُسَاقَاةَ مُسْتَثْنَيَانِ بِالسُّنَّةِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا لِخُرُوجِهِمَا عَنِ الأُصُولِ). وعند النظر، فالإجارة أيضًا مما جاء على خلاف الأصل؛ لأن الأصلَ دَفْعُ الثمن وقبض السلعة، أما في الإجارة فيسلم الأجر قبل الانتفاع، فإذا استأجرت دارًا لمدة عام، تسلم القيمة قبل أن تستفيد منها شيئًا، وهذا من أوجه الفرق بين الإجارة والبيع.

стр. 7697

قوله: (وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا إِذَا ضُرِبَا لِلْمَنْفَعَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا غَايَة أَمَدًا مِنَ الزَّمَانِ مَحْدُودًا، وَحَدَّدُوا أَيْضًا أَوَّلَ ذَلِكَ الأَمَدِ، وَكَانَ أَوَّلُهُ عَقِبَ العَقْدِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يُحَدِّدُوا أَوَّلَ الزَّمَانِ، أَوْ حَدَّدُوهُ وَلَمْ يَكُنْ عَقِبَ العَقْدِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ إِذَا حُدِّدَ الزَّمَانُ وَلَمْ يُحَدَّدْ أَوَّلُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: اسْتَأْجَرْتُ مِنْكَ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً بِكَذَا، أَوْ شَهْرًا بِكَذَا، وَلَا يَذْكُرُ أَوَّلَ ذَلِكَ الشَّهْرِ، وَلَا أَوَّلَ تِلْكَ السَّنَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ، وَيَكُونُ أَوَّلُ الوَقْتِ عِنْدَ مَالِكٍ وَقْتَ عَقْدِ الإِجَارَةِ، فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالعَادَةِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُجِزِ الشَّافِعِيُّ إِذَا كَانَ أَوَّلُ العَقْدِ مُتَرَاخِيًا عَنِ العَقْدِ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ). بحث المؤلف هنا عدة مسائل تتعلق بالإجارة: المسألة الأولى: إذا حدد مدة الإجارة في طرفيها؛ كأن يقول: أجرتك هذه الدار بكذا، من تاريخ كذا إلى تاريخ كذا؛ فهذا مجمعٌ على جوازه (١)، ولا إشكال فيه. المسألة الثانية: إذا حدد الزمان ولم يحدد أوله؛ كأن يقول: أجرتك هذه الدار سنةً، فذهب مَالكٌ (٢) وأبو حنيفة (٣) إلى جواز ذلك، وينصرف

стр. 7698

ذلك إلى ما جرت به العادة، والعادة محكمة (١) كما جاء في الأثر: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئٌ" (٢)، وجرت العادة على أن المدة تبدأ عقيب العقد. وذهب الشافعي إلى المنع لأنه غررٌ (٣). وذهب أحمد إلى التفصيل، فإذا كانت المدة متراخيةً عن العقد،

стр. 7699

فلا يجوز، وإذا كانت عقيب العقد فهذا جائزٌ (١). المسألة الثالثة: أن يستأجر دارًا لزمنٍ آتٍ في المستقبل، فنحن الآن في سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة وألف، هل يجوز أن يستأجر دَارًا سنة خَمْسٍ وعشرين وأربع مئةٍ وألفٍ؟ خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجوز، وهو مذهب الجمهور (٢)، …

стр. 7700

خلافًا للشافعية (١)، فإنهم أكثر المذاهب تشددًا في هذا الباب. ولم يفصل المؤلف الكلام في هذه المسألة، وإنما أشار إليها إشارةً سريعةً كما سيأتي. قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَصْحَابِهِ فِي اسْتِئْجَارِ الأَرْضِ غَيْرِ المَأْمُوتَةِ، وَالتَّغْيِيرِ فِيمَا بَعْدُ مِنَ الزَّمَان. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي مِقْدَارِ الزَّمَان الَّذِي تُقَدَّرُ بِهِ هَذِهِ المَنَافِعُ، فَمَالِكٌ يُجِيزُ ذَلِكَ السِّنِينَ الكَثِيرَةَ مِثْلَ أَنْ يَكْرِيَ الدَّارَ لِعَشَرَةِ أَعْوَام، أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا لَا تتغَيَّرُ الدَّارُ فِي مِثْلِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَكْثَرَ مِنْ عَامٍ وَاحِدٍ). اختلف العلماء في مدة الانتفاع بالعين المؤجرة، فذهب مالك (٢)

стр. 7701

وأبو حنيفة (١) وأحمد (٢) إلى جواز استئجار العين المؤجرة أيَّ مدة كانت ما دام أنها لا تتغير خلال هذه المدة، فلم يَرِدْ نصٌّ من كتاب ولا سُنَّة يمنع من ذلك. وعن الشافعي ﵀ قولان (٣): الأول: أن الإجارة لا تتجاوز سنةً، فإذا انتهت جاز تجديد العقد؛ لأن الحاجة لا تدعو لأكثر من ذلك. الثَّانِي: أنها تجوز إلى ثلاثين سنةً، ولا تجوز إلى ما بعد ذلك؛ لأن العينَ المستأجرة تتغير غالبًا خلال ثلاثين سنةً. وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.

стр. 7702

والشاهد: أنَّ موسى ﵇ أجر نفسه عشر سنوات، وهي مدة طويلة يقوم فيها برعي الغنم. قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ وَابْنِ المَاجِشُونِ فِي أَرْضِ المَطَرِ، وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالعُيُونِ، وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالآبَارِ وَالأَنْهَارِ، فَأَجَازَ ابْنُ القَاسِمِ فِيهَا الكِرَاءَ السِّنِينَ الكَثِيرَةَ، وَفَصَّلَ ابْنُ المَاجِشُونِ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ الكِرَاءُ فِي أَرْضِ المَطَرِ إِلَّا لِعَامٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا أَرْضُ السَّقْيِ بِالعُيُونِ فَلَا يَجُوزُ كرَاؤُهَا إِلَّا لِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ وَأَرْبَعَةٍ، وَأَمَّا أَرْضُ الآبَارِ وَالأَنْهَارِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا لِعَشَرَةِ أَعْوَامٍ فَقَطْ). اختلفَ المالكية في الأرض التى تُسْقى بالأمطار أو الآبار أو العيون، وهي فرع عن المسألة السابقة. فذهب ابن القاسم إلى جواز الكراء السنين الكثيرة (١). وذهب ابن الماجشون وجماعة إلى التفصيل (٢):

стр. 7703

* فإن كانت تُسقى بماء المطر، فلا يجوز لأكثر من عام واحد؛ لأنها غير مأمونة التغير. * وإِنْ كَانَتْ تُسقى بالعيون فلا يجوز كراؤها إلا لثلاثة أعوام أو أربعة؛ فقد تجف العين أو يضعف ماؤها. * وإن كانت تُسقى بالآبار والأنهار، فلا يجوز إلا لعشرة أعوام. قوله: (فَالِاخْتِلَافُ هَاهُنَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي تَحْدِيدِ أَوَّلِ المُدَّةِ، وَفِي طُولِهَا، وَفِي بُعْدِهَا مِنْ وَقْتِ العَقْدِ). هذا تلخيص لما سبق ذكره، وتفصيله أما تحديد أول المدة فكأن يقول: أجرتك سنةً، والشافعية على أنه لا يجوز لما فيه من الجهالة، والجمهور قالوا بالجواز وينصرف إلى ما جرت به العادة، وهي ما يلي العقد. وأما طول المدة، فالجمهور على عدم تحديدها، وللشافعي قولان: الأول: أنه لا تجوز الزيادة على سنة. والثاني: أنها تجوز إلى ثلاثين سنة. أما بعدها من وقت العقد فكأن يؤجر داره لسنوات لم تأتِ، والجمهورُ على جواز ذلك خلافًا للشافعية. قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِذَا لَمْ يُحَدِّدِ المُدَّةَ، وَحَدَّدَ القَدْرَ الَّذِي يَجِبُ لِأَقَلِّ المُدَّةِ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَكْتَرِي مِنْكَ هَذِهِ الدَّارَ الشَّهْرَ بِكَذَا، وَلَا يَضْرِبَانِ لِذَلِكَ أَمَدًا مَعْلُومًا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: يَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ: أَبِيعُكَ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِحِسَابِ القَفِيزِ بِدِرْهَمٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَسَبَبُ الخِلَافِ: اعْتِبَارُ الجَهْلِ الوَاقِعِ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ: هَلْ هُوَ مِنَ الْغَرَرِ المَعْفُوِّ عَنْهُ أَوِ المَنْهِيِّ عَنْهُ؟).

стр. 7704

اختلف أهل العلم في تحديد القدر الذي يجب لأقل المدة دون تحديد المدة: فذهب الشافعي إلى عدم الجواز لحصول الجهالة (١)، والجهالةُ نوعٌ من الغبن (٢)، وقد نهى الإسلام عنه. وذهب مالكٌ وأصحابه إلى الجواز (٣) قياسًا على بيع القفيز من صبرة الطعام بدرهم، فيكون غررًا معفوًّا عنه. واختلف الحنابلة (٤) في هذه المسألة على نحو ما سبق.

стр. 7705

قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي البَيْعِ وَالإِجَارَةِ، أَجَازَهُ مَالكٌ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالبَيْعِ إِلَّا الإِجَارَةَ فَقَطْ). أيْ: هل يجوز الجمع بين البيع والإجارة؟ كأنْ يَقُولَ: أبيعك هذه على أن تأجرني دارك، فهذا بيعٌ جرَّ منفعةً، فذهب أبو حنيفة (١) والشافعي (٢)
следующие страницы →