وأبو حنيفة (١) وأحمد (٢) إلى جواز استئجار العين المؤجرة أيَّ مدة كانت ما دام أنها لا تتغير خلال هذه المدة، فلم يَرِدْ نصٌّ من كتاب ولا سُنَّة يمنع من ذلك.
وعن الشافعي ﵀ قولان (٣):
الأول: أن الإجارة لا تتجاوز سنةً، فإذا انتهت جاز تجديد العقد؛ لأن الحاجة لا تدعو لأكثر من ذلك.
الثَّانِي: أنها تجوز إلى ثلاثين سنةً، ولا تجوز إلى ما بعد ذلك؛ لأن العينَ المستأجرة تتغير غالبًا خلال ثلاثين سنةً.
وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.
стр. 7702
والشاهد: أنَّ موسى ﵇ أجر نفسه عشر سنوات، وهي مدة طويلة يقوم فيها برعي الغنم.
قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ وَابْنِ المَاجِشُونِ فِي أَرْضِ المَطَرِ، وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالعُيُونِ، وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالآبَارِ وَالأَنْهَارِ، فَأَجَازَ ابْنُ القَاسِمِ فِيهَا الكِرَاءَ السِّنِينَ الكَثِيرَةَ، وَفَصَّلَ ابْنُ المَاجِشُونِ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ الكِرَاءُ فِي أَرْضِ المَطَرِ إِلَّا لِعَامٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا أَرْضُ السَّقْيِ بِالعُيُونِ فَلَا يَجُوزُ كرَاؤُهَا إِلَّا لِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ وَأَرْبَعَةٍ، وَأَمَّا أَرْضُ الآبَارِ وَالأَنْهَارِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا لِعَشَرَةِ أَعْوَامٍ فَقَطْ).
اختلفَ المالكية في الأرض التى تُسْقى بالأمطار أو الآبار أو العيون، وهي فرع عن المسألة السابقة.
فذهب ابن القاسم إلى جواز الكراء السنين الكثيرة (١).
وذهب ابن الماجشون وجماعة إلى التفصيل (٢):
стр. 7703
* فإن كانت تُسقى بماء المطر، فلا يجوز لأكثر من عام واحد؛
لأنها غير مأمونة التغير.
* وإِنْ كَانَتْ تُسقى بالعيون فلا يجوز كراؤها إلا لثلاثة أعوام أو أربعة؛ فقد تجف العين أو يضعف ماؤها.
* وإن كانت تُسقى بالآبار والأنهار، فلا يجوز إلا لعشرة أعوام.
قوله: (فَالِاخْتِلَافُ هَاهُنَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي تَحْدِيدِ أَوَّلِ المُدَّةِ، وَفِي طُولِهَا، وَفِي بُعْدِهَا مِنْ وَقْتِ العَقْدِ).
هذا تلخيص لما سبق ذكره، وتفصيله أما تحديد أول المدة فكأن يقول: أجرتك سنةً، والشافعية على أنه لا يجوز لما فيه من الجهالة، والجمهور قالوا بالجواز وينصرف إلى ما جرت به العادة، وهي ما يلي العقد.
وأما طول المدة، فالجمهور على عدم تحديدها، وللشافعي قولان:
الأول: أنه لا تجوز الزيادة على سنة.
والثاني: أنها تجوز إلى ثلاثين سنة.
أما بعدها من وقت العقد فكأن يؤجر داره لسنوات لم تأتِ، والجمهورُ على جواز ذلك خلافًا للشافعية.
قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِذَا لَمْ يُحَدِّدِ المُدَّةَ، وَحَدَّدَ القَدْرَ الَّذِي يَجِبُ لِأَقَلِّ المُدَّةِ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَكْتَرِي مِنْكَ هَذِهِ الدَّارَ الشَّهْرَ بِكَذَا، وَلَا يَضْرِبَانِ لِذَلِكَ أَمَدًا مَعْلُومًا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: يَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ: أَبِيعُكَ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِحِسَابِ القَفِيزِ بِدِرْهَمٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَسَبَبُ الخِلَافِ: اعْتِبَارُ الجَهْلِ الوَاقِعِ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ: هَلْ هُوَ مِنَ الْغَرَرِ المَعْفُوِّ عَنْهُ أَوِ المَنْهِيِّ عَنْهُ؟).
стр. 7704
اختلف أهل العلم في تحديد القدر الذي يجب لأقل المدة دون تحديد المدة:
فذهب الشافعي إلى عدم الجواز لحصول الجهالة (١)، والجهالةُ نوعٌ من الغبن (٢)، وقد نهى الإسلام عنه.
وذهب مالكٌ وأصحابه إلى الجواز (٣) قياسًا على بيع القفيز من صبرة الطعام بدرهم، فيكون غررًا معفوًّا عنه.
واختلف الحنابلة (٤) في هذه المسألة على نحو ما سبق.
стр. 7705
قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي البَيْعِ وَالإِجَارَةِ، أَجَازَهُ مَالكٌ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالبَيْعِ إِلَّا الإِجَارَةَ فَقَطْ).
أيْ: هل يجوز الجمع بين البيع والإجارة؟ كأنْ يَقُولَ: أبيعك هذه على أن تأجرني دارك، فهذا بيعٌ جرَّ منفعةً، فذهب أبو حنيفة (١) والشافعي (٢)
стр. 7706
وأحمد (١) إلى المنع؛ لأن هذَا موضع شبهة، وأَجَازه مالكٌ (٢) ﵀.
قوله: (وَلَمْ يُجِزْ مَالكٌ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالبَيْعِ إِلَّا الإِجَارَةَ فَقَطْ)، هكذا قال المؤلف، وقد مرت بنا صور أخرى أجاز مالكٌ أن تقترن بالبيع غير الإجارة.
قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي إِجَارَةِ المُشَاعِ، فَقَالَ مَالِكُ وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ جَائِزَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الِانْتِفَاعَ
стр. 7707
بِهَا مَعَ الإِشَاعَةِ مُتَعَذِّرٌ؛ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ مَعَ شَرِيكِهِ كَانْتِفَاعِ المُكْرِي بِهَا مَعَ شَرِيكِهِ (أَعْنِي: رَبَّ المَالِ)).
"المُشَاع": السلعة المشتركة بين اثنين كدارٍ أو أرضٍ، ولا يعرف كل منهما نصيبه على وجه التحديد، فإن أجرها على شريكه، فجائزٌ بلا خلاف.
واختلف العلماء فيما إذا أجرها على غير شريكه.
فذهب مالكٌ (١) والشافعي (٢) وكذلك أحمد (٣) إلى جواز ذلك؛ سواء كان المؤجر مما ينقسم أو مما لا ينقسم.
стр. 7708
وذهب أبو حنيفة إلى عدم جواز ذلك (١).
قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اسْتِئْجَارُ الأَجِيرِ بِطَعَامِهِ وَكسْوَتِهِ، وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ، فَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ مَالكٌ عَلَى الإِطْلَاقِ: (أَعْنِي: فِي كُلِّ أَجِيرٍ)؛ وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الظِّئْرِ فَقَطْ. وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلْ هِيَ إِجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ، أَمْ لَيْسَتْ مَجْهُولَةً؟).
" الظئر": المرأة التي تُرْضع غير ولدها (٢).
واختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجواز مطلقًا، وهو مذهب مالك (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، وحجتهم ثبوت هذا الفعل عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، فعن
стр. 7709
عليٍّ ﵁ قال: كنت أدلو الدلو بتمرةٍ (١)، وكان أبو بكر، وعمر وأبو موسى الأشعري ﵁ يستأجرون الأُجَراء بطعامهم وكسوتهمً (٢)، ولم يعلم لهم مخالفٌ من الصحابة، وقَدْ حكَى بعضهم الإجماع على ذلك (٣)، والصحيح أن في المسألة خلافًا.
واحتجوا كذلك بما أخرجه ابن ماجه في "سننه"، عن عتبة بن المنذر قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال: "إن موسى ﷺ أجر نفسه ثماني سنين أو عشرًا على عفة فرجه، وطعام بطنه" (٤).
قالوا: هذا دليلٌ على جواز ذلك، فـ "شرعُ مَنْ قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد نَسْخه"، وهذا استدلال قوي لولا ضعف الحديث.
القول الثاني: أنه جَائزٌ في الظئر فقط، وهو مذهب أبي حنيفة (٥)، ورواية عن أحمد (٦)، واحتجُّوا لقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فأوجب -سبحانه الله وتعالى - الطعام أي: الرزق والكساء مقابل الرضاعة.
القول الثالث: المنع مطلقًا، وهو مذهب الشافعي (٧)، ورواية عن
стр. 7710
أحمد (١)، وذلك لوجود الجهالة، فالرضاعة - مثلًا - تختلف من شخصٍ لآخر، وكذلك الرضعات وما يحتاج إليه الصبي، ولذلك اشترط العلماء في الإرضاع أن تكون الأجرةُ معلومةً، وكذلك المدة، وأن ترى المرأة الرضيع الذي تريد أن ترضعه؛ لأنه قد يكون كبيرًا، فينبغي أن تعرفه، في الجانب الآخر يشترطون في حق المرأة المرضعة أن تعتني بغذائها حتى تدر اللبن، فترضع ذلك الطفل الذي تم استئجارها لإرضاعه.
قوله: (فَهَذِهِ هِيَ شَرَائِطُ الإِجَارَةِ الرَّاجِعَةُ إِلَى الثَّمَنِ وَالمَثْمُونِ).
(الثَّمَنِ وَالمَثْمُونِ)، أَيْ: العَين المستأجرة، والأجرة نفسها.
قوله: (وَأَمَّا أَنْوَاعُ الإِجَارَةِ: فَإِنَّ العُلَمَاءَ عَلَى أَنَّ الإِجَارَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: إِجَارَةُ مَنَافِعِ أَعْيَانٍ مَحْسُوسَةٍ، وَإِجَارَةُ مَنَافِعَ فِي الذِّمَّةِ قِيَاسًا عَلَى البَيْعِ).
الإجارة على نوعين:
الأول: إجارة منافع أعيان محسوسة، كأن تؤجر دارًا أو دابةً أو سيارةً حاضرةً بعينها، أو أن تستأجر أجيرًا على عملٍ لمدة شهرٍ مثلًا، فتلك إجَارةٌ على مدةٍ معينةٍ.
الثاني: إجارة منافع في الذمة، أيْ: على شيءٍ موصوفٍ في الذمة كأن تقول: مَنْ يخيط لي هذا الثوب فله كذا وكذا، ويحدد أوصافه، وتلك إجارة على عملٍ، وهي جائزة قياسًا على البيع، كما ذكر المؤلف.
قوله: (وَالَّذِي فِي الذِّمَّةِ مِنْ شَرْطِهِ الوَصْفُ، وَالَّذِي فِي العَيْنِ مِنْ شَرْطِهِ الرُّؤْبَةُ أَوِ الصِّفَةُ عِنْدَهُ كَالحَالِ فِي المَبِيعَاتِ. وَمِنْ شَرْطِ الصِّفَةِ
стр. 7711
عِنْدَهُ: ذِكْرُ الجِنْسِ وَالنَّوْعِ، وَذَلِكَ فِي الشَّىْءِ الَّذِي تُسْتَوْفَى مَنَافِعُهُ، وَفي الشَّيْءِ الَّذِي تُسْتَوْفَى بِهِ مَنَافِعُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَصْفِ المَرْكُوبِ مَثَلًا، وَالحِمْلُ الَّذِي تُسْتَوْفَى بِهِ مَنْفَعَةُ المَرْكُوبِ).
(وَالَّذِي فِي الذِّمَّةِ مِنْ شَرْطِهِ الوَصْفُ)، الدَّقيق؛ لأنك لا تراه، بَلْ هو شيءٌ في الذمة، فلا بدَّ أن يكون منضبطًا.
(وَالَّذِي فِي العَيْنِ مِنْ شَرْطِهِ الرُّؤْيَةُ أَوِ الصِّفَةُ)، كما هو الحال في البيع؛ لأن الإجارةَ عبارةٌ عن بيع منافع.
قال: (وَمِنْ شَرْطِ الصِّفَةِ عِنْدَهُ: ذِكْرُ الجِنْسِ وَالنَّوْعِ، وَذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي تُسْتَوْفَى مَنَافِعُهُ … إلخ)، فإذا أراد استئجار سيارة مثلًا، فلا بد من معرفة نوعها وقدرة تحمُّلها، فإنْ ظهر بها عيب لا يحصل به المقصود، يعتبر هذا عيبًا يفسخ العقد به.
قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الرَّاكِبَ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُوصَفَ (١)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْتَاجُ إِلَى الوَصْفِ (٢)).
стр. 7712
وإنما المطلوب هو ضبط الوصف في المستأجر، وهُوَ الشيء المركوب، أما الراكب فلا حاجة إلى وصفه .. هذا عند مالك، وأما عند الشافعي فلا بد من وصفه.
قوله: (وَعِنْدَ ابْنِ القَاسِمِ أَنَّهُ إِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّاعِيَ عَلَى غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ العَقْدِ اشْتِرَاطُ الخُلْفِ (١)، وَعِنْدَ غَيْرِهِ تَلْزَمُ الجُمْلَةُ بِغَيْرِ شَرْطٍ (٢)).
" الخلف": هو الإتيان بالشيء كما اتفق عليه، أي: لا بد أن ينص على أن يكون كذا أو كذا، وهذا عند ابن القاسم دون غيره (٣).
стр. 7713
قوله: (وَمِنْ شَرْطِ إِجَارَةِ الذِّمَّةِ أَنْ يُعَجَّلَ النَّقْدُ عِنْدَ مَالِكٍ لِيَخْرُجَ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) (١).
تعجيلُ النقد شرطٌ لا بد منه عند المالكية، خلافًا للشافعية (٢) والحنابلة (٣)، إذ يرون تقديم النقد، لكن ليس على جهة الوجوب، ولا الشرطية، فله أن يستأجر دارًا أو نحوها على أن تكون الأجرة منجمةً.
قوله: (كمَا أَنَّ مِنْ شَرْطِ إِجَارَةِ الأَرْضِ غَيْرِ المَأْمُونَةِ السَّقْيِ عِنْدَهُ أَلَّا يُشْتَرَطَ فِيهَا النَّقْدُ إِلَّا بَعْدَ الرَّيِّ).
الأرض غير مأمونة السقي هي التي قد ينقطع عنها الماء، واشترط مالكٌ ألا يُشْترط فيها النقد إلا بعد الري خشية ألا يأتي الماء، فيتضرر
стр. 7714
المستأجر، وسيأتي في كلام المؤلف ذكر أنواع ما يطرأ على الإجارات كعَيْبٍ يمنع من الاستفادة منها، وأثر ذلك على العقد.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الكِرَاءِ: هَلْ يَدْخُلُ فِي أَنْوَاعِهِ الخِيَارُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِأ: يَجُوزُ الخِيَارُ فِي الصِّنْفَيْنِ مِنَ الكِرَاءِ المَضْمُونِ وَالمُعَيَّنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ).
ذَهب مالكٌ إلى جواز الخيار في الصِّنفين من الكراء المضمون والمعين (١).
وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز، وذكر أنه قول أكثر العلماء (٢).
قوله: (فَهَذِهِ هِيَ المَشْهُورَاتُ مِنَ المَسَائِلِ الوَاقِعَةِ فِي هَذَا القِسْمِ الأَوَّلِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَى النَّظَرِ فِي مَجال هَذَا العَقْدِ وَأَوْصَافِهِ وَأَنْوَاعِهِ، وَهِيَ الأَشْيَاءُ الَّتِي تَجْرِي مِنْ هَذَا العَقْدِ مَجْرَى الأرْكَان، وَبِهَا يُوصَفُ العَقْدُ إِذَا كَانَ عَلَى الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ بِالصِّحَّةِ، وَبِالفَسَادِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ، وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي الجُزْءِ الثَّانِي، وَهُوَ أَحْكَامُ هَذَا العَقْدِ).
стр. 7715
يعني: ما جاء موافقًا للشروط الشرعية، فهو عقدٌ صحيحٌ، وما خالفه أو اختل فيه شرط أو أكثر، فهو عقد فاسد.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى:
(القِسْمِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الكِتَاب وَهُوَ النَّظرُ فِي أَحْكَامِ الإِجَارَاتَ
وَأَحْكَامُ الإِجَارَاتِ كثِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا بِالجُمْلَةِ تَنْحَصِرُ فِي جُمْلَتَيْنِ).
ذكر أنَّ أحكام الإجارات كثيرة، فهناك استئجارُ حيوانٍ، واستئجارُ إنسانٍ، واستئجارُ آلة، واستئجارُ بئرٍ، واستئجارُ أرضٍ، واستئجارُ دكَّانٍ، واستئجارُ فَرشٍ، واستئجارُ ثيابٍ.
قوله: (الجُمْلَةُ الأولَى: فِي مُوجِبَاتِ هَذَا العَقْدِ وَلَوَازِمِهِ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ طَارِئٍ عَلَيْهِ).
لأنه قد يُوجد طارئٌ عليه فيؤثِّر فيه.
قوله: (الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَحْكَامِ الطَّوَارِئِ، وَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَنْقَسِمُ فِي الأَشْهَرِ إِلَى مَعْرِفَةِ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ).
موجِبات الضمان: هي ما يُوجب ضمانَ تلك السلعة؛ لأنه ربَّما يستأجر إنسانٌ سلعةً، فتذهب هذه السلعة، فمن الذي يضمنها؟
قوله: (وَمَعْرِفَةِ وُجُوبِ الفَسْخِ وَعَدَمِهِ، وَمَعْرِفَةِ حُكْمِ الِاختِلَافِ).
موجِبات الفسخ: فمثلًا إذا ذهبت العين يجب الفسخ؟ أو تعذرت الاستفادة بها؛ وجب الفسخ؟ أو إذا استخدمها الإنسان مدة ثم طرأ ما يمنع من الاستفادة بها يفسَخ؟
وإن قلنا: يجب الفسخ، فهل تَلزم الأجرة السابقة وتسقط اللاحقة حين أصبحت العين يتعذر الانتفاع بها؟
стр. 7716
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الجُمْلَةُ الأُولَى:
وَمِنْ مَشْهُورَاتِ هَذَا البَابِ: مَتَى يَلْزَمُ المُكْرَى دَفْعُ الكِرَاءِ إِذَا أُطْلِقَ العَقْدُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قبْضَ الثَّمَنِ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢): أَنَّ الثَّمَنَ إِنَّمَا يَلْزَمُ جُزْءًا فَجُزْءًا بِحَسَبِ مَا يَقْبِضُ مِنَ المَنَافِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَا يُوجِبُ التَّقْدِيمَ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا مُعَيَّنًا، أَوْ يَكُونَ كِرَاءً فِي الذِّمَّةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِنَفْسِ العَقْدِ).
الأئمة الأربعة ﵏ انقسموا في هذه المسألة إلى قسمين:
فالإمامان أبو حنيفة ومالك يقولان: يدفع الأجرة مقسطة؛ كأن يدفع كُلَّ شهر على حسب المنفعة، إلا أن يُوجَد شرطٌ؛ كأن يَشترط المُكري على المكرى دفعُ الإجارة مقدَّمًا.
والإمامان الشافعيُّ وأحمدُ (٤) يقولان: تُدفع الأجرة عند أولى العقد، حتى وإن لم يستفد بالعين المؤجَّرة ولو لحظة.
قوله: (فَمَالِكٌ رَأَى أَنَّ الثَّمَنَ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يُقْبَضُ مِنَ العِوَضِ، وَالشَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ تَأَخُّرَهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ).
стр. 7717
وجهة الذين قالوا: "تُدفع الأجرة مقسَّطة": أنَّه كيف يُقدِّم ثمنًا وهو لم يستفد بعدُ بالعين، ولم يستوفِ منافعَها؟
ووجهة الذين قالوا: "تُدفع الأجرة عند أول العقد": أنَّه إذا تمَّ العقدُ فقد مكَّنه من استيفائها، وليس من حقِّ المالك أن يتصرف في الدار، ولا أن يُخرجَه منها.
قوله: (وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافهُمْ فِيمَنِ اكتَرَى دَابَّةً أَوْ دَارًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ هَلْ لَهُ أَنْ يَكْرِيَ ذَلِكَ بِأكثَرَ مِمَّا اكْتَرَاهُ؟) (١).
يعني: إذا استأجر إنسانٌ دارًا أو دُكَّانًا أو سيارةً، فهل له أن يُؤجِّرَها غيرَه بأكثر منها؟
اعلم أولًا: أنَّ العلماءَ مُجمعون على أنَّه من استأجر عينًا فله أن يؤجِّرَها بنفس القيمة أو أقلَّ منها (٢)، ولكنَّهم اختلفوا فيما لو أجَّرها لغيره بأكثر.
قوله: (فَأَجَازَهُ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)، وَجَمَاعَةٌ، قِيَاسًا عَلَى البَيْعِ).
الأئمة الثلاثة (مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ) (٥) أجازوا ذلك؛ قياسًا على البيع، فلو أنَّك اشتريت سلعةً بألفٍ جاز لك أن تبيعَها بألفين وبعشرة وبمئة، فهكذا الإجارة.
стр. 7718
قوله: (وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَأَصْحَابُهُ (٢)، وَعُمْدَتُهُمْ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الأَصْلِ هُوَ مِنْ رَبِّهِ - أَعْنِي: مِنَ المُكْرِي - وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ).
أبو حنيفة ﵀ منع ذلك؛ لأنَّه من باب ربح ما لم يُضمن.
مثال ذلك: إذا استأجرت بيتًا بعشرة آلاف، ثم أجَّرته بعشرين ألفًا، فقد ربحت عشرة آلاف، لكنَّ هذه الدار لو انهدمت فإنَّ الذي يضمنها هو المالك الأصليُّ، إذًا فقد ربحت شيئًا لست ضامنًا له فيما يطرأ عليه.
قال: (وَأَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُ العُلَمَاءِ إِذَا أَحْدَثَ فِيهَا عَمَلًا) (٣).
إذا أحدث فيها عملًا؛ أي: أدخل عليها إضافات وتحسيناتٍ فله أن يؤجِّرها.
قلتُ: وبعضهم أجاز ذلك بشرط أن يُوافق مالكُ العين المؤجَّرة، وإلا فلا (٤).
стр. 7719
قوله: (وَمِمَّنْ لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (١)، وَالجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّ الإِجَارَةَ فِي هَذَا شَبِيهَةٌ بِالبَيْعِ (٢)).
والمذهب الصحيح هو مذهب جمهور الفقهاء؛ لأنَّه قد أصبح مالكًا للمنفعة؛ لأنَّ الإجارة هى ملك المنفعة، فأنت استأجرت هذا الدُكَّان فمن حقِّكَ أن تبقى فيه، وأن تُؤجِّرَه؛ لأنه ربما أصبحْتَ غير مستفيدٍ منه، ولا مانع أن يَدفَع لك هذا المستأجِرُ أجرةً أكثر.
قوله: (وَمِنْهَا: أَنْ يَكْرِيَ الدَّارَ مِنَ الَّذِي أَكْرَاهَا مِنْهُ).
مثال ذلك: إنسانٌ استأجر دارًا، فجاء المالكُ نفسُه فقال: أَكْرِني إيَاها، أو أَجَرني إيَاها.
قوله: (فَقَالَ مَالكٌ: يَجُوزُ) (٣).
وقال به الشافعيُّ (٤) وأحمدُ (٥) كذلك، فجمهور الفقهاء يقولون: إذا أجَّر إنسانٌ سلعةً لإنسان ثم جاء هو نفسُه ليستأجرها منه، جاز ذلك.
стр. 7720
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا يَجُوزُ، وَكأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فِي الكِرَاءِ فَهُوَ مِنْ بَابِ أَكلِ المَالِ بِالبَاطِلِ).
الذين أشكلوا ذلك أو منعوه قالوا: لا يتم القبض هنا؛ لأنه إنسان أجَّر ثم استأجر.
قوله: (وَمِنْهَا: إِذَا اكتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً، فَأَرَادَ أَنْ يَزْرَعَهَا شَعِيرًا، أَوْ مَا ضَرَرُهُ مِثْلُ ضَرَرِ الحِنْطَةِ، أَوْ دُونَهُ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ ذَلِكَ (٢)، وَقَالَ دَاوُدُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (٣)).
اعلم أنَّ لهذه المسألة ثلاث صور:
الصورة الأولى: قال المؤجِّر للمستأجر: أُؤجِّوك هذه الأرض على أن تزرعها - فيُطلق ولا يُقيِّد - أو يقول: تزرعها ما شئت؛ فله أن يزرعَها أيَّ نوعِ من أنواع ما يُزرع، وسواء كان ضررُه على الأرض قليلًا أو متوسطًاَ أو كثيرًا؛ لأنَّ العقد مُطلق.
الصورة الثانية - وهي التي ذكرها المؤلِّف ﵀: إذا قال المؤجِّرُ
стр. 7721
للمستأجر: أُؤجِّرك هذه الأرض على أن تزرعها حِنطةً؛ فله أن يزرعها حنطة أو ما هو أقل ضررًا منها، أو ما هو مساوٍ لها.
فمذهب مالك - والأئمة الأربعة كُلُّهم (١) - يُجيزون ذلك؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ المعتبر في ذلك هو الضرر؛ ولأن العقد إنما كان على منفعة الأرض-فإنما الأُجرة على الاستفادة من الأرض- فما دام الضرر منتفيًا، فالعتمد جائز.
وأهل الظاهر منعوا ذلك حتى قالوا: لو استأجر أرضًا على أن يزرعها حنطة بيضاء فليس له أن يزرعها حنطة سمراء (٢)، أو استأجرها ليزرعها حنطة سمراء فليس له أن يزرعها بيضاء؛ قالوا: لأن هذا على خلاف ما ورد.
وحجَّة أهل الظاهر ضعيفة؛ لأن وجهتهم أنه غيَّر في العقد، حيثُ استأجرها ليزرعها حنطة فزرع غيرها.
ولكنَّه كما قال الجمهور: إن المقصود من الإجارة هو الاستفادة من الأرض بأيِّ نوع كان شريطة ألا يحصل ضرر، وما دام الضررُ لم يتجاوز موضِع العتمد فهو جائز.
الصورة الثالثة: قال المؤجِّرُ للمستأجر: أُؤجِّرك هذه الأرض على أن
стр. 7722
تزرعها حِنطةً - مثلًا - فزرع فيها ما هو أكثر ضررًا؛ فلا يجوز.
قوله: (وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي كَنْسِ مَرَاحِيضِ الدُّورِ المُكْتَرَاةِ، فَالمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ القَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى أَرْبَابِ الدُّورِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَى المُكْتَرِي (١)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)).
انظر دقَّة الفقهاء - رحمهم الله تعالى - فهذه مسائل تحصل في زماننا.
الإنسانُ إذا أجَّر دارًا، فهذه الدار فيها حمَّامات - وفيما مضى كانوا يُسمُّونها مراحيض، أو محل الغائط، أو الكنيف، أو البالوعات - فلو حصل سددٌ في البالوعة - أو البيَّارة كما نُسمِّيها الآن - فمن المسؤول عنها؟ كهل المؤجِّر أو المستأجر؟
اختلف الفقهاء:
الإمامان الشافعي وأحمد (٣) قالا: المسؤول عنها المؤجِّر؛ لأنها حصلت بسببه.
وأبو حنيفة (٤) يقول: القياس يقضي بأن المستأجر هو المطالب بنقل ما يمتلأ به البالوعة؛ لأنه حدث بفعله، فيلزمه نقله كالكناسة والرماد، إلا أن الحنفية استحسنوا وجعلوا نقله على صاحب الدار أخذًا بمقتضى العرف والعادة، إذ العادة بين الناس أن ما كان مغيبًا في الأرض فنقله على صاحب الدار.
стр. 7723
وبهذا يتبين لنا دَورُ قاعدة "العادة محكَّمة" (١)؛ فإذا اصطلح الناس على أمر من الأمور؛ كما لو كان لهم عرفٌ يسيرون عليه في البيوت والعمائر: أنَّ البيَّارات إذا امتلأت فإنَّ الذي يتحمل مسؤوليتها هو المكري (المؤجِّر)، فإن الحنفيَّة يُعملون هذه القاعدة.
فائدة:
لم تكن المراحيض كما هي الآن، المراحيض الآن لا تحتاج إلى كنس، فقد كان فيما مضى البيت يُبنى ويوضع في مكان الخلاء لَبنَات على شكل لَبنَتين، ثُمَّ يحصُل التغوُّط أو التبول، فإذا امتلئ فإنَّ المسَؤول عن تفريغه الَمؤجر أو المستأجر، على اعتبار الخلاف.
وقد كان هناك أناسٌ يختصون بكنس البالوعات، ويأخذون الأجرة، فإنَّ الذي يُسلِّم الأُجرة المؤجِّر أو المستأجر -على اعتبار الخلاف، كما ذكرنا-.
والصحيح في هذه المسألة: أنَّ المستأجر هو المكلَّف بكنسها؛ لأنه هو الذي فعل ذلك وتسبَّب فيه.
فائدة:
كذلك الأصل أن الذي يُسلِّم رسوم الماء أو الكهرباء هو المستأجر، سواء كان في شقة أو عمارة، إلا إذا تحمَّل ذلك صاحب البيت.
(وَاسْتَثْنَى ابْنُ القَاسِمِ مِنْ هَذِهِ الفَنَادِقَ الَّتِي تَدْخُلُهَا قَوْمٌ وَتَخْرُجُ قَوْمٌ، فَقَالَ: الكَنْسُ فِي هَذِهِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ) (٢).
هذا هو رأيه ﵀ والحقيقة أنَّها كذلك على المستأجر؛ لأنه هو
стр. 7724
الذي يستفيد منها، ومعلومٌ أنَّ الفنادق فيما مضى ليست كالفنادق في هذا العصر، ولكنَّها مهما كانت بيوت تُؤجَّر ويسكنها الناس.
قوله: (وَمِنْهَا: اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي الِانْهِدَامِ اليَسِيرِ مِنَ الدَّارِ، هَلْ يَلْزَمُ رَبَّ الدَّارِ إِصْلَاحُهُ، أَمْ لَيْسَ يَلْزَمُ؟ وَيَنْحَطُّ عَنْهُ مِنَ الكِرَاءِ ذَلِكَ القَدْرُ؟ فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: لَا يَلْزَمُهُ، وَقَالَ غَيْر مِنْ أَصْحَابِهِ: يَلْزَمُهُ (١)).
لا شك أنَّ المؤجِّر إذا سلَّم الدارَ وفيها انهدامٌ أو خلل أو أخشاب مكسورة - وهذا بالنسبة للبيوت التي نسميها شعبية - فإن المؤجّر مسؤول عن وجود خللٍ في البيت؛ كشقوق في الجُدُر وتكسُّر الخشب، إلى غير ذلك من العيوب التي تؤثَر، لكن إذا حصل عيبٌ بعد ذلك فإنَّ هذا لا يخلو:
إما أن يكون بتفريط من المستأجر: فيلزمه إصلاحه.
وإما أن يكون ليس تفريطًا: ولكنَّه حصل مع مرور الزمن وتغيُّره، وأنَّ هذه الأشياء قد استُنفِذَت مدتها فأدى ذلك إلى تأثُّرها؛ كالخشب يمر عيه زمان فإنه يتأثَّر، وكذلك الجدُر التي مز الطين تتأثر بنزول المطر عليها وهكذا، فلا يلزمه.
قوله: (وَفُرُوعُ هَذَا البَابِ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ قَصْدُنَا التَّفْرِيعَ فِي هَذَا الكِتَابِ).
يقصد بالفروع: الخللُ في السَّقف، والانكسارُ في الخشب، والخللُ في الحائط، والشقوقُ في الجدُر، إلى غير ذلك من الفروع الكثيرة التي يتحدث عنها الفقهاء ﵏.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 7725
(الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ النَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الطَّوَارِئِ
الفَصْلُ الأَوَّل مِنْهُ، وَهُوَ: النَّظَرُ فِي الفُسُوخِ)
النظر في الفسوخ؛ فقد يطرأ على الإجارة التي تمت واستقرَّت أمرٌ من الأمور فيؤثر عليها؛ كأن تكون دابة فتموت، أو عبدًا فيموت، أو جملًا فيشرد، أو أرضًا فتُغمَر بالماء فبُتعذَّر الاستفادة منها، أو ينقطع عنها الماء أصلًا، أو دارًا تتهدم، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة في هذا المقام.
قوله: (فَنَقُولُ: إِنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا فِي عَقْدِ الإِجَارَةِ؛ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ) (١).
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
ومعنى كونه لازمًا: أنَّه من العقود اللازمة الواجبة، فإذا ما تمَّ عقدٌ بين مستأجر ومؤجِّر يكون مُلزمًا لكلٍّ من الطرفين، فلا يجوز للمستأجر أن يُطالب بفسخ العقد بدعوى أنه لم يستفد من العين المؤجَّرة - مثلًا -، وهذا بخلاف الجعالة، ومن هنا تخالف الجعالة الإجارة؛ فالجعالة نوع من الإجارة، لكنَّها عقد غيرُ لازم؛ كأن يقول إنسان: من يردُّ لي ضالَّتي فله كذا، أو من يبني لي هذا الجدار فله كذا، فهذا عقد جائزٌ لكُلٍّ منهما أن يَعدِل عنه.
قوله: (وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ تَشْبِيهًا بِالجُعْلِ
стр. 7726
وَالشَّرِكَةِ (١). وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَنْفَسِخُ بِهِ: فَذَهَبَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ إِلَّا بِمَا تَنْفَسِخُ بِهِ العُقُودُ اللَّازِمَةُ مِنْ وُجُودِ العَيْبِ بِهَا أَوْ ذَهَابِ مَحِلِّ اسْتِيفَاءِ المَنْفَعَةِ (٤)).
وكذلك أحمد (٥) ذهب إلى أنَّه لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به العقود اللازمة.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يَجُوزُ فَسْخُ عَقْدِ الإِجَارَةِ لِلْعُذْرِ الطَّارِئِ عَلَى المُسْتَأْجِرِ، مِثْلُ أَنْ يُكْرِيَ دُكَّانًا يَتَّجِرُ فِيهِ فَيَحْتَرِقُ مَتَاعُهُ أَوْ يُسْرَقُ) (٦).
مثال ذلك: إنسانٌ يستأجر دُكَّانًا ليبيع فيه بضائعه، وإذا بالبضائع تحترق، أو أن يستأجر إنسانٌ دابةً ليحُجَّ عليها فتمرض، أو يكون هناك فوجًا معه ذاهبين إلى الحَجِّ فيتأخر الفوجُ فيتأخر معهم؛ لأنه مرتبط بهم.
стр. 7727
فإنَّ أبا حنيفة ﵀ يرى أن هذه الموانع وأمثالها مؤثِّرةٌ، وأنها تستدعي الفسخ.
مثال ذلك: أن يستأجر إنسانٌ دابةً فهلكت أو عبدًا فهلك، أو استأجر سيارة فصُدمَت وتعطَّلت، فلم يستطع أن يستفيد منها قبل أن يتسلمها، فهذه العين المؤجَّرة لا تخلو:
إما أن تكون العين المستأجرة هذه قد تعذر الانتفاع بها قبل قبضها: فالعقد هنا ينفسخ بإجماع العلماء.
وإما أن تكون العين المستأجرة هذه قد تعذر الانتفاع بها بعد قبضها: فجمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة (١) ﵏ على أن العقد يَنفسخ، وأبو ثور ﵀ يرى أنَّه لا ينفسخ قياسًا على البيع؛ لأنه قبض هذه العين فهو مسؤول عنها (٢).
والجمهور يُجيبون على أبي ثور ﵀ فيقولون: إنَّ الإجارة تختلف؛ لأن المقصود هو الاستفادة؛ لأن قبضها إنما يتم باستيفائها، والاستيفاء لم يتم بعد؛ لذا لا يصح القياس على البيع.
الصورة الثالثة: أن تكون العين المستأجرة هذه قد هلكت قبل تمام الاستيفاء؛
كأن يستأجر دابةً لمدة شهر، وقبل أن ينتهي من الاستفادة منها بعد خمسة عشر يومًا ماتت هذه الدابة.
نقول إنَّ العقد ينفسخ، لكنه في هذه الحالة مُطالب بدفع أجرةِ ما مضى، ويسقط عنه ما تبقى من المدة التي لم يستفذ منها.
стр. 7728
هذا هو الضرب والنوع الأول من أنواع الإجارة.
قوله: (وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
وجه الدلالة من الآية: أنَّ هذا عقدٌ فيجب الوفاء به.
قوله: (لِأَنَّ الكِرَاءَ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعَ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَنْفَسِخْ، أَصْلُهُ البَيْعُ).
الإجارة: عقد على معاوضة أصله البيع، والبيع: مبادلة مال بمال، يعني: تدفع ثمنًا تأخذ سلعة، وفي الإجارة كذلك معاوضة، يعطيك دارًا وتعطيه أجرة، قالوا: وكل ما صح أن يكون بيعًا صحَّ أن يكون إجارة.
قوله: (وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ شِبْهُ ذَهَابِ مَا بِهِ تُسْتَوْفَى المَنْفَعَةُ بِذَهَابِ العَيْنِ الَّتِي فِيهَا المَنْفَعَةُ) (١).
الإمام أبو حنيفة ﵀ يقول: نحن نقول إذا ذهبت العين انفسخ العقد، فكذلك أيضًا هذا الذي استأجر أرضًا وذهب ما بيده، ما الذي سيستفيد به من هذه العين المؤجَّرة؟ لماذا نضره؟ لماذا يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟! فهذا رجل استأجر دكانًا يبيع فيه هذه البضاعة واحترقت البضاعة، فكيف نقول أنت مسؤول؟!
الجمهور يُجيبون على أبي حنيفة ﵀ فيقولون: يتصرَّف فيه فيؤجره أو نحو ذلك.
قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ إِذَا كَانَ الكِرَاءُ فِي غَيْرِ مَخْصُوصٍ عَلَى اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ مِنْ جِنْسٍ مَخْصُوصٍ (٢)؛ فَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ:
стр. 7729
الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَحَلَّ اسْتِيفَاءِ المَنَافِعِ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الإِجَارَةِ، وَإِنْ عُيِّنَ فَذَلِكَ كَالوَصْفِ لَا يَنْفَسِخُ بِبَيْعِهِ أَوْ ذَهَابِهِ، بِخِلَافِ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ إِذَا تَلفَتْ، قَالَ: وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا، أَوْ خِيَاطَةِ قَمِيصٍ بِعَيْنِهِ، فَتَهْلِكَ الغَنَمُ وَيَحْتَرِقَ الثَّوْبُ فَلَا يَنْفَسِخُ العَقْدُ، وَعَلَى المُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْتِيَ بِغَنَمٍ مِثْلِهَا لِيَرْعَاهَا، أَوْ قَمِيصٍ مِثْلِهِ لِيَخِيطَهُ) (١).
مثال ذلك: إذا استُؤجر إنسانٌ لرعاية الغنم وحصل شيء، فلا يخلو: إما أن يقصِّر أو لا؛ لأنه لو كان راعيًا على غنم وأهملها، وجاء الذئب وأكل شيئًا منها يكون مقصِّرًا، وهذا الذي يخيط الثوبَ ويريد أن يكويَه، فيتساهل في كَيِّه فيحرقه أو جزءًا منه، فهذا مهملٌ وهو مسؤول عن ذلك؛ كما سيأتي في الضمان.
وسيأتي الكلام في الأجير المشترك والأجير الخاص، وهما يختلف حالهما؛ فالأجير المشترك ضامن إلا أن لا يكون مفرِّطًا، أما الأجير الخاص فلا يضمن.
قوله: (قَالَ: وقَدْ قِيلَ إِنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَيَنْفَسِخُ العَقْدُ بِتَلَفِ المَحلِّ. وَقَالَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ اخْتِلَافًا فِي المَذْهَبِ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ المَحِلُّ المُعَيَّنُ لِاسْتِيفَاءِ المَنَافِعِ مِمَّا تُقْصَدُ عَيْنُهُ، أَوْ مِمَّا لَا تُقْصَدُ عَيْنُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا تُقْصَدُ عَيْنُهُ انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ؛ كَالظِّئْرِ إِذَا مَاتَ الطِّفْلُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ عَيْنُهُ
стр. 7730
لَمْ تَنْفَسِخِ الإِجَارَةُ عَلَى رِعَايَةِ الغَنَمِ بأعيانها، أَوْ بَيْعِ طَعَامٍ فِي حَانُوتٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ).
الظِّئْرُ: يقال: ظائرت فلانة بوزن فاعلت، إذا أخذت ولدًا ترضعه (١).
مثلًا: استأجرتَ امرأة لتُرضع طفلًا فمات الطفل، إذًا: تعذَّر الاستفادة منها.
قوله: (وَاشْتِرَاطُ ابْنِ القَاسِمِ فِي المُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إِذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الخَلَفَ) (٢).
الخلف: سبق أن تكلمنا عنه، وهذا ما ذكره المالكية، وإلا فمعلوم بأن الراعي مسؤول عن رعاية الغنم والقيام بشؤونها، وأخذه الأجرة عليها كما هو معلوم جائز.
قوله: (هُوَ التِفَاتٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهَا تَنْفَسِخُ بِذَهَابِ مَحِلِّ اسْتِيفَاءِ المُعَيَّنِ).
قوله: (لَكِنْ لَمَّا رَأَى التَّلَفَ سَائِقًا إِلَى الفَسْخِ رَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الغَرَرِ (٣)، فَلَمْ يَجُزِ الكِرَاءُ عَلَيْهَا إِلَّا بِاشْتِرَاطِ الخَلَفِ).
تكلمنا عن هذا وذكرنا له أمثلة، فيما يتعلق بتلف العين المستأجرة؛ كأن تنفق الدابة يعني تموت، أو كذلك العبد المستأجَر يموت، وبذلك تنفسخ الإجارة، وبينا تفصيلات العلماء في ذلك، ولم يعرض لها المؤلف ﵀.
стр. 7731
قوله: (وَمِنْ نَحْوِ هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يَنْفَسِخُ الكِرَاءُ بِمَوْتِ أَحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، أَعْنِي: المُكْرِي أو المُكْتَرِيَ؟).
هذه مسألة مهمة؛ إذا استأجر إنسان عينًا ومات قبل أن يستوفيها فهل تبقى الإجارة؟ لأن الإجارة هي ملك المنافع، فأنت استأجرت دارًا فقد ملكتَ منافعها المدةَ التي استأجرتها فيها، فإذا ما مات هذا المستأجر أو مات المؤجر، والمستأجر بعد لم يستنفذ المدة، فلا شك أنه قد تم عقد بين الطرفين؛ المالك أخذ الأجرة، والمستأجر يستفيد من الانتفاع بهذه العين، هل تنقطع الاستفادة من العين بموت المؤجر أو تبقى؟ هذا هو محل الخلاف.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَنْفَسِخُ وَيُورَثُ عَقْدُ الكِرَاءِ (٤)).
فالجمهور -الأئمة الثلاثة (مالك والشافعي وأحمد) - قالوا: لا تنقطع بل تنتقل إلى الورثة، والورثة يحلون محل المؤجِّر فهم ورثته، والملك قد انتقل، فحلَّ الورثةُ الذين انتقل إليهم ذلك الملك محل المالك الأصلي الذي ورَّثهم ذلك المال، أو ورَّث المال بموته.
ووجهتهم: أنه عقد معاوضة، وعقد المعاوضة لا ينقطع ولا ينقسم بالموت، بل ينتقل كالحال في البيع تمامًا.
стр. 7732
واحتجوا أيضًا: بأنه لو زوج أمَتَه ثم بعد ذلك مات فإنَّ النكاح لا ينفسخ.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ: يَنْفَسِخُ (٢)).
أما أبو حنيفة ﵀ فهو الذي خالف في ذلك.
ولا تظُنَّ أنه إذا خالف إمام من الأئمة غيرَه أن يكون قصده الرغبة في الخلاف أو الظهور، فلم يكن هذا هو هدف الأئمة ﵏، بل لم يكن هدف من دونهم في العلم والفضل، بل كانوا جميعًا يريدون الوصول إلى الحق من أقرب طريق، وأهدى سبيل يوصلهم إليه، فهذه هي غايتهم؛ أن يعرفوا الحق.
فأبو حنيفة -رحمه الله تعالى- يرى أن هذا العقد قد تم بين طرفين؛ مؤجِّر ومستأجِر، فمات أحدهما، فلما مات أحدهما انتقل أصلُ هذه العين المؤجَّرة إلى مالك جديد - وهم الورثة - فتغيرت الحال؛ لأنَّه لا عقد بين المستأجر وبين الورثة، فينتهي بذلك عقد الإجارة ويُفسخ، ويسلِّم المستأجِر ما كان قد استفادة من هذه العين المؤجَّرة.
تنبيه: هذا الخلاف إذا كان هناك وارث، أما إذا لم يكن هناك وارث فكثير من العلماء قال بأنها تنفسخ في هذه الحالة.
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالفَسْخِ: أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِ أَحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، أَصْلُهُ البَيْعُ).
عقد المعاوضة: هو عقد له مقابل، فليس عارية ولا هبة (٣)، وإنما
стр. 7733
عقد معاوضة تُسلِّم شيئًا وتأخذ مقابله، فأنت في البيع تشتري السلعة، فتدفع الثمن وتأخذ السلعة، وفي الإجارة تستأجر العين، فتدفع الأجرة وتستخدم العين، فهي عقد معاوضة؛ أي: أنك تدفع في مقابل استعمالك لهذه العين والاستفادة منها عوضًا، سواء كان هذا العوض مالًا أو نوعًا آخر من العروض.
وقول المؤلف ﵀: "أصله البيع" يعني: قياسًا على البيع، ولو قال: "أصله الإجارة" يعني قياسًا، وهكذا.
قوله: (وَعُمْدَةُ الحَنَفِيَّةِ: أَنَّ المَوْتَ نقلَه لِأَصِلِ الرَّقَبَةِ المُكْتَرَاةِ مِنْ مِلْكٍ إِلَى مِلْكٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطل) (١).
يعني نقل هذه الرقبة من ملك المؤجِّر إلى ملك الوارث، وهذا الملك في الأصل ما هو إلا ملكٌ للمؤجِّر، وإنما تحول إلى الورثة بموت مورثهم.
قوله: (أَصْلَهُ البَيْعُ فِي العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً - أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ-، فَلَمَّا كَانَ لَا يَجْتَمِعُ العَقْدَانِ مَعًا غَلَبَ هَاهُنَا انْتِقَالُ المِلْكِ، وَإِلَّا بَقِيَ المِلْكُ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ، وَذَلِكَ خِلَافَ الإِجْمَاعِ).
يعني: أصله بيع العين المؤجَّرة مدة طويلة، فلو أن إنسانًا أجَّر داره مدة عشرة أعوام، فليس له أن يبيعها وهي مؤجَّرة، وإن قلنا بأنها تُباع فليس للمالك أن يخرج المستأجر.
قلت سابقًا بأن الأئمة ﵏ عندما يأخذ أحدهم بقول يكون له وجهة نظر.
ولكنَّ هذا لا يسلِّمُ به الجمهور؛ لأنهم يقولون هذا أمر غير وارد،
стр. 7734
والقياس هنا غير مسلَّم، وقياسُنا أولى وأقوى؛ لأن هذا عقد معاوضة، وانتقالُ الملك إلى الورثة لا يُغيِّر الحالَ؛ لأن الملك لم ينتقل عن طريق بيع وشراء، وإنما انتقل عن طريق إِرث؛ أي: حصل بأمر إجباري، فهذا مال يملكه إنسان فتحول إلى ورثته فهم أولاده.
قوله: (وَرُبَّمَا شَبَّهُوا الإِجَارَةَ بِالنِّكَاحِ؛ إِذْ كَانَ كِلَاهُمَا اسْتِيفَاءَ مَنَافِعَ، وَالنِّكَاحُ يَبْطُلُ بِالمَوْتِ وَهُوَ بَعِيدٌ).
قول المؤلف ﵀: "ربَّما" يعني: أنَّها ليست حجة ظاهرة، والمؤلف لا يزال في سياق حُجج الحنفية، وهذا القياس - كما قال - بعيدٌ؛ لأنه قياس مع الفارق.
قوله: (وَرُبَّمَا احْتَجُّوا عَلَى المَالِكِيَّةِ فَقَطْ بِأَنَّ الأُجْرَةَ عِنْدَهُمْ (١) تُسْتَحَقُّ جُزْءًا فَجُزْءًا بِقَدْرِ مَا يُقْبَضُ مِنَ المَنْفَعَةِ، قَالُوا: وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَإِنْ مَاتَ المَالِكُ وَبَقِيَتِ الإِجَارَةُ، فَإِنَّ المُسْتَأْجِرَ يَسْتَوْفِي فِي مِلْكِ الوَارِثِ حَقًّا بِمُوجِبِ عَقْدٍ فِي غَيْرِ مِلْكِ العَاقِدِ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ).
قيَّد المؤلِّف ﵀ فقال: "وَرُبَّمَا احْتَجُّوا عَلَى المَالِكِيَّة"؛ لأنهم لا يُمكنهم الاحتجاج على الشافعية والحنابلة فيما سيذكره؛ لأن الشافعية والحنابلة يرون أن الأُجرة تُستَحقُّ بمجرد العقد، فإذا ما عقد مؤجِّر ومستأجرٌ عقدًا في تأجير عين من الأعيان، فإن الأُجرة تُستحَقُّ عندهم بهذا العقد، أي: بنفاذ العقد - أعني: بتنفيذه وقيامه -، لكنَّ المالكيَّة مع الحنفية - كما سبق - يرون أن الأُجرة تُستَحقُّ جزءًا فجزءًا، كلما مضت مدة يَدفع المستأجِرُ أُجرتها.
وهذا تعليلٌ قويٌّ واعتراض وجيهٌ على المالكية؛ يقولون: أنتم تقولون - ونحن معكم؛ لأنَّ الحنفيَّة يقولون بهذا القول -: بأنَّ الأُجرة لا تستحق
стр. 7735
إلا جزءًا فجزءًا؛ بمعنى: إذا مضى شهرٌ فإن المؤجِّر يستحقُ أُجرَة الشهر، فإذا ما مات انتقل الملك، فكأنه انتهى حقه بانتهاء هذا القسط الذي أُدِّي، فهذا اعتراض قويٌ على المالكية، لكنه لا يرد على الشافعية والحنابلة؛ لأنهم يرون أن الأُجرة تُستحق بمجرد العقد.
قوله: (وَإِنْ مَاتَ المُسْتَأْجِرُ فَتَكُونُ الأُجْرَةُ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالمَيِّتُ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِإِجْمَاعٍ بَعْدَ مَوْتِهِ).
هذا المثال بالنسبة للمستأجر، يعني: إذا كان الميت هو المستأجر، فإذا مات وانتقل ماله إلى ورثته، وكان قد مضى وقت ثم جاء وقت آخر، فكيف تطالب ميتًا بأجرة؟! والميت لا يطالب بشيء!
قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَلَا يَلْزَمُهُمْ هَذَا؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الأُجْرَةِ يَجِبُ عِنْدَهُمْ (١) بِنَفْسِ العَقْدِ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ ذَلِكَ).
أما الشافعية والحنابلة (٢) فلا يُلزمون بهذا؛ لأن هذا خلاف مذهبهم.
وهذا الذي دعا بعضَ العلماء بأن يقولوا: بأن الإجارة جاءت على خلاف القياس، وقالوا: ذلك شبيه بالمساقاة والمضاربة؛ لأن المعروف أنك إذا اشتريت سلعة تدفع ثمنها وتتسلَّمها وتنتفع بها، وفي الإجارة تدفع ثمن الأُجرة وأنت بعد لم تنتفع، فدفعت مالًا دون أن تستفيد، كذلك - كما في السلم - تدفع المال مقدَّمًا، وأنت بعد لم تستفد من الموصوف في الذمة.
قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ أَرْضَ المَطَرِ إِذَا أُكْرِيَتْ فَمَنَعَ القَحْطُ مِنْ زِرَاعَتِهَا، أَوْ زَرْعِهَا، فَلَمْ يَنْبُتِ الزَّرْعُ لِمَكَانِ القَحْطِ).
يعني بأرض المطر: الأرض التي تُغرس أو تزرع بماء المطر؛
стр. 7736
لأنَّ المطر لا ينزل في كل وقت، وإنَّما له مواسم، فإذا ما جاء قحطٌ توقَّف المطرُ ولم ينزل، وهذا قد استأجر هذه الأرض، ولا يستطيع أن يزرعها، والزراعة إنما تحتاج إلى الماء، والمطر قد تأخَّر فأصبحت أرضَ قحطٍ، يعني: غير صالحة للزراعة، وقد استأجرها إنسانٌ ليزرعها بماء المطر، فلم ينزل مطرٌ، فما حكم ذلك؟
قوله: (أَنَّ الكِرَاءَ يَنْفَسِخُ) (١).
ذكرت قبلُ أنَّ أسباب الفسخ متعددة، منها: أن يتعذر استعمال العين؛ إما بهلاكها، وإما بعدم الاستفادة منها كهذه التي معنا.
قوله: (وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَعْذَرَتْ بِالمَطَرِ حَتَّى انْقَضَى زَمَنُ الزِّرَاعَةِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ المُكْتَرِي مِنْ أَنْ يَزْرَعَهَا).
وكذلك إذا "استعذر" يعني: تعذَّر استعمالها بالمطر؛ أي: لوجود مطر غزير قد تجمَّع فيها ولا يمكن أن يزرعها، فينفسخ العقد.
وهذا من عناية الفقهاء ﵏ فهم حقيقةً لا يقفون فقط عند أمهات المسائل، بل يُدقِّقون في الجزئيات والفرعيات، فيدرسون ويناقشون، ويبينون الحكم فيها إن كان هناك دليل، وإن لم يكن هناك دليل ذكروا علةَ المسألة وبينوها، فهم يتتبعون هذه المسائل ويدققون فيها ويُصدرون أحكامها؛ لأن هذه الأرض التي غمرها الماء أو التي انقطع عنها الماء لا شك أن المستأجر سيتضرر، والرسول ﷺ يقول: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَار" (٢)، فهذا الذي يستأجر الأرض، رُبَّما استأجرها ليقتات منها؛ ليأكل منها، وليُنفق على أولاده.
стр. 7737
قوله: (وَسَائِرُ الجَوَائِحِ (١) الَّتِي تُصِيبُ الزَّرْعَ لَا يَحُطُّ عَنْهُ مِنَ الكِرَاءِ شَيءٌ (٢)).
تكلمنا فيما مضى عن (الجوائح) في (أحكام البيوع)، ورأيتم أن مالكًا لا يرى اعتبار الجائحة، مع أن الرسول ﷺ - في قصة ذلك الرجل الذي جاء مع أمه - جاءت امرأة بابنها إلى رسول الله ﷺ فذكرت بأنه استأجر مزرعة، وأنه أصابها ما أصابها من السنا، وأخبرها بأن الرجل حلف ألا يحط عنهم، فقال رسول الله ﷺ : "حلف أن لا يفعل خيرًا، وأقسم أن لا يفعل خيرًا" (٣)، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق، أرأيت إن منع الله الثمر؟ " (٤) يعني: أرأيت لو توقف إنتاج الثمار؟ "بم يأخذ أحدكم مال أخيه"، وفي بعض
стр. 7738
الروايات: "بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق" (١)، ولا شك أن هذه الشريعة قامت على الإرفاق فهي دائمًا تراعي جانب البائع والمشتري، والمستأجر والمؤجِّر، ومن يقوم على المساقاة، والمالك وهكذا في شأن الأحكام؛ فإن الشريعة دائمًا تسعى إلى ما فيه مصلحة الطرفين؛ لأن هذه الشريعة هي كما أخبر الله - سبحان الله وتعالى - نبيه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]؛ لأن هذه الشريعة أنزلها علام الغيوب، أنزلها لأنه يعلم أن بها صلاح أحوالهم واستقامة أمورهم، وهدايتهم إلى طريق السعادة والرشاد، أمَّا إذا اتبعوا أهوائهم وانحرفوا عن ذلك خرجوا عن طريق الهداية والرشاد.
والناس مهما سمت عقولهم إلى المعرفة، ومهما بلغوا القِمَّة في الذكاء والفطنة؛ لا يمكن أن يصل أحدهم إلى الغاية التي أرادها الله - سبحان الله وتعالى - في عمارة هذا الكون وفي استقامة أحوال الناس، إلا باتباع هذه الشريعة؛ لأنَّها من عند الله، أمَّا أن يستخدم الإنسان عقله بعيدًا عن هذه الشريعة فهذا هو الضلال المبين، كما في القوانين الوضعية، فإنَّ القوانين الوضعية هي من أفكار الناس، أقوال وأفكار عششت فيها الرذائل، يضعونها اليوم ويغيرونها غدًا، يقررون حكمًا ثم يجدون ما يناقضه، ويسهل الخروج عليها؛ لأنها إنما من وضع البشر، والاحتيال على ما يضعه البشر سهل؛ لأن الاحتيال على القانون لا يهمه، لكن الشريعة لو جاء إنسان ليحتال عليها يكون عنده ضمير يؤنبه ويؤلمه.
ولذلك يذكر العلماء أن الناس بالنسبة للمواعظ أنواع ثلاثة - يشبهونهم فيها بمن يضرب بالسياط -:
فبعض الناس إذا ضرب بالسياط مجرد أن يرفع السياط عنه ينتهي ألمه؛ فهذا الذي يجلس في دروس الواعظ ويخرج لا يستفيد شيئًا.
стр. 7739
وبعضهم يحس بالألم لمدة مؤقتة.
وبعضهم تبقى آثار السياط في بدنه؛ فأولئك الذين يتأثرون بالمواعظ ويستفيدون منها، وبها تستقيم أحوالهم وتصلح أمورهم، وهؤلاء لا شك هم الذين وفقهم الله -سبحان الله وتعالى- في هذه الحياة (١)، فعلينا جميعًا أن نُدرك قيمة هذه الشريعة، وأن نحس بعظَمِها، فهذه الشريعة هي التي أعز الله بها المسلمين عندما حورب رسول الله ﷺ والمؤمنون، ثم حُوصروا من قِبل أقوام في شعب بني عامر ثلاثة أعوام، لا ينكحون ولا ينكحون، ولا يزوجون ولا يأكلون، إلى غير ذلك (٢) من الأمور الكثيرة، ثم يخرج رسول الله ﷺ إلى هذه البلدة الطيبة، وينبغي للمسلم عندما يمر به حدث من الأحداث التي وقعت في هذه الشريعة أن يستفيد منها، حتى تكون حافزًا له على الاستقامة على دين الله، وانتقل المسلمون من أن كانوا قلة إلى أن كانوا أقوياء، بدل أن كانوا يُحارَبون في وطنهم وفي بيوتهم وفي طرقاتهم، إلى أن مكَّن الله -سبحان الله وتعالى- لهم في الأرض؛ فأقاموا أول دولة في الإسلام، أول دولة قامت على التوحيد في المدينة النبوية المباركة ومنها ارتفعت راية الإسلام خفَّاقة، ومنها ارتفعت راية الجهاد، وفي المسجد النبوي الكريم كان رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الخير، كانت الآيات تنزل والألوية تُعقد في هذا المسجد، وانتشر المسلمون في كل مكان يدعون إلى الفضيلة والخير.
قوله: (وَعِنْدَهُ أَنَّ الكِرَاءَ الَّذِي بِوَقْتٍ مَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الوَقْتُ
стр. 7740
مَقْصُودًا - مِثْلَ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ فِي أَيَّامِ الحَجِّ، فَغَابَ المُكْرِي عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ - أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الكِرَاءُ) (١).
إذا غاب المكري؛ مثاله: إنسان عنده رواحل - أو كالسيارات فهي تحل محلها، والقطارات والبواخر أو غير ذلك - فعقد صفقة ثم تأخر صاحب هذه الراحلة، أو السفينة فإنَّ الإجارة تنفسخ؛ لأن الضرر وقع على المكري، والقاعدة تقول: "لا ضرر ولا ضرار".
قوله: (وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الوَقْتُ مَقْصُودًا فَإِنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ) (٢).
إذا لم يكن الوقت مقصودًا فإنه لا ينفسخ؛ لأن الإجارة عقد لازم فلا تنفسخ الإجارة بمجرد وجود سبب من الأسباب لا يكون مانعًا من استخدامها.
قوله: (هَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُ فِي الكِرَاءِ الَّذِي يَكُونُ فِي الأعْيَان، فَأَمَّا الكِرَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ).
في الذمة؛ إنسان اتفق مع إنسان على أن يخيط له ثوبًا، أو يصنع له أبوابًا، أو غير ذلك من الأعمال الكثيرة.
(فَإِنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ عِنْدَهُ بِذَهَابِ العَيْنِ الَّتِي قَبَضَ المُسْتَأْجِرُ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا المَنْفَعَةَ؛ إِذْ كَان لَمْ يَنْعَقِدِ الكِرَاءُ عَلَى عَيْنٍ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) (٣).