لأنَّ المطر لا ينزل في كل وقت، وإنَّما له مواسم، فإذا ما جاء قحطٌ توقَّف المطرُ ولم ينزل، وهذا قد استأجر هذه الأرض، ولا يستطيع أن يزرعها، والزراعة إنما تحتاج إلى الماء، والمطر قد تأخَّر فأصبحت أرضَ قحطٍ، يعني: غير صالحة للزراعة، وقد استأجرها إنسانٌ ليزرعها بماء المطر، فلم ينزل مطرٌ، فما حكم ذلك؟
قوله: (أَنَّ الكِرَاءَ يَنْفَسِخُ) (١).
ذكرت قبلُ أنَّ أسباب الفسخ متعددة، منها: أن يتعذر استعمال العين؛ إما بهلاكها، وإما بعدم الاستفادة منها كهذه التي معنا.
قوله: (وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَعْذَرَتْ بِالمَطَرِ حَتَّى انْقَضَى زَمَنُ الزِّرَاعَةِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ المُكْتَرِي مِنْ أَنْ يَزْرَعَهَا).
وكذلك إذا "استعذر" يعني: تعذَّر استعمالها بالمطر؛ أي: لوجود مطر غزير قد تجمَّع فيها ولا يمكن أن يزرعها، فينفسخ العقد.
وهذا من عناية الفقهاء ﵏ فهم حقيقةً لا يقفون فقط عند أمهات المسائل، بل يُدقِّقون في الجزئيات والفرعيات، فيدرسون ويناقشون، ويبينون الحكم فيها إن كان هناك دليل، وإن لم يكن هناك دليل ذكروا علةَ المسألة وبينوها، فهم يتتبعون هذه المسائل ويدققون فيها ويُصدرون أحكامها؛ لأن هذه الأرض التي غمرها الماء أو التي انقطع عنها الماء لا شك أن المستأجر سيتضرر، والرسول ﷺ يقول: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَار" (٢)، فهذا الذي يستأجر الأرض، رُبَّما استأجرها ليقتات منها؛ ليأكل منها، وليُنفق على أولاده.
стр. 7737
قوله: (وَسَائِرُ الجَوَائِحِ (١) الَّتِي تُصِيبُ الزَّرْعَ لَا يَحُطُّ عَنْهُ مِنَ الكِرَاءِ شَيءٌ (٢)).
تكلمنا فيما مضى عن (الجوائح) في (أحكام البيوع)، ورأيتم أن مالكًا لا يرى اعتبار الجائحة، مع أن الرسول ﷺ - في قصة ذلك الرجل الذي جاء مع أمه - جاءت امرأة بابنها إلى رسول الله ﷺ فذكرت بأنه استأجر مزرعة، وأنه أصابها ما أصابها من السنا، وأخبرها بأن الرجل حلف ألا يحط عنهم، فقال رسول الله ﷺ : "حلف أن لا يفعل خيرًا، وأقسم أن لا يفعل خيرًا" (٣)، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق، أرأيت إن منع الله الثمر؟ " (٤) يعني: أرأيت لو توقف إنتاج الثمار؟ "بم يأخذ أحدكم مال أخيه"، وفي بعض
стр. 7738
الروايات: "بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق" (١)، ولا شك أن هذه الشريعة قامت على الإرفاق فهي دائمًا تراعي جانب البائع والمشتري، والمستأجر والمؤجِّر، ومن يقوم على المساقاة، والمالك وهكذا في شأن الأحكام؛ فإن الشريعة دائمًا تسعى إلى ما فيه مصلحة الطرفين؛ لأن هذه الشريعة هي كما أخبر الله - سبحان الله وتعالى - نبيه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]؛ لأن هذه الشريعة أنزلها علام الغيوب، أنزلها لأنه يعلم أن بها صلاح أحوالهم واستقامة أمورهم، وهدايتهم إلى طريق السعادة والرشاد، أمَّا إذا اتبعوا أهوائهم وانحرفوا عن ذلك خرجوا عن طريق الهداية والرشاد.
والناس مهما سمت عقولهم إلى المعرفة، ومهما بلغوا القِمَّة في الذكاء والفطنة؛ لا يمكن أن يصل أحدهم إلى الغاية التي أرادها الله - سبحان الله وتعالى - في عمارة هذا الكون وفي استقامة أحوال الناس، إلا باتباع هذه الشريعة؛ لأنَّها من عند الله، أمَّا أن يستخدم الإنسان عقله بعيدًا عن هذه الشريعة فهذا هو الضلال المبين، كما في القوانين الوضعية، فإنَّ القوانين الوضعية هي من أفكار الناس، أقوال وأفكار عششت فيها الرذائل، يضعونها اليوم ويغيرونها غدًا، يقررون حكمًا ثم يجدون ما يناقضه، ويسهل الخروج عليها؛ لأنها إنما من وضع البشر، والاحتيال على ما يضعه البشر سهل؛ لأن الاحتيال على القانون لا يهمه، لكن الشريعة لو جاء إنسان ليحتال عليها يكون عنده ضمير يؤنبه ويؤلمه.
ولذلك يذكر العلماء أن الناس بالنسبة للمواعظ أنواع ثلاثة - يشبهونهم فيها بمن يضرب بالسياط -:
فبعض الناس إذا ضرب بالسياط مجرد أن يرفع السياط عنه ينتهي ألمه؛ فهذا الذي يجلس في دروس الواعظ ويخرج لا يستفيد شيئًا.
стр. 7739
وبعضهم يحس بالألم لمدة مؤقتة.
وبعضهم تبقى آثار السياط في بدنه؛ فأولئك الذين يتأثرون بالمواعظ ويستفيدون منها، وبها تستقيم أحوالهم وتصلح أمورهم، وهؤلاء لا شك هم الذين وفقهم الله -سبحان الله وتعالى- في هذه الحياة (١)، فعلينا جميعًا أن نُدرك قيمة هذه الشريعة، وأن نحس بعظَمِها، فهذه الشريعة هي التي أعز الله بها المسلمين عندما حورب رسول الله ﷺ والمؤمنون، ثم حُوصروا من قِبل أقوام في شعب بني عامر ثلاثة أعوام، لا ينكحون ولا ينكحون، ولا يزوجون ولا يأكلون، إلى غير ذلك (٢) من الأمور الكثيرة، ثم يخرج رسول الله ﷺ إلى هذه البلدة الطيبة، وينبغي للمسلم عندما يمر به حدث من الأحداث التي وقعت في هذه الشريعة أن يستفيد منها، حتى تكون حافزًا له على الاستقامة على دين الله، وانتقل المسلمون من أن كانوا قلة إلى أن كانوا أقوياء، بدل أن كانوا يُحارَبون في وطنهم وفي بيوتهم وفي طرقاتهم، إلى أن مكَّن الله -سبحان الله وتعالى- لهم في الأرض؛ فأقاموا أول دولة في الإسلام، أول دولة قامت على التوحيد في المدينة النبوية المباركة ومنها ارتفعت راية الإسلام خفَّاقة، ومنها ارتفعت راية الجهاد، وفي المسجد النبوي الكريم كان رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الخير، كانت الآيات تنزل والألوية تُعقد في هذا المسجد، وانتشر المسلمون في كل مكان يدعون إلى الفضيلة والخير.
قوله: (وَعِنْدَهُ أَنَّ الكِرَاءَ الَّذِي بِوَقْتٍ مَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الوَقْتُ
стр. 7740
مَقْصُودًا - مِثْلَ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ فِي أَيَّامِ الحَجِّ، فَغَابَ المُكْرِي عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ - أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الكِرَاءُ) (١).
إذا غاب المكري؛ مثاله: إنسان عنده رواحل - أو كالسيارات فهي تحل محلها، والقطارات والبواخر أو غير ذلك - فعقد صفقة ثم تأخر صاحب هذه الراحلة، أو السفينة فإنَّ الإجارة تنفسخ؛ لأن الضرر وقع على المكري، والقاعدة تقول: "لا ضرر ولا ضرار".
قوله: (وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الوَقْتُ مَقْصُودًا فَإِنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ) (٢).
إذا لم يكن الوقت مقصودًا فإنه لا ينفسخ؛ لأن الإجارة عقد لازم فلا تنفسخ الإجارة بمجرد وجود سبب من الأسباب لا يكون مانعًا من استخدامها.
قوله: (هَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُ فِي الكِرَاءِ الَّذِي يَكُونُ فِي الأعْيَان، فَأَمَّا الكِرَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ).
في الذمة؛ إنسان اتفق مع إنسان على أن يخيط له ثوبًا، أو يصنع له أبوابًا، أو غير ذلك من الأعمال الكثيرة.
(فَإِنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ عِنْدَهُ بِذَهَابِ العَيْنِ الَّتِي قَبَضَ المُسْتَأْجِرُ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا المَنْفَعَةَ؛ إِذْ كَان لَمْ يَنْعَقِدِ الكِرَاءُ عَلَى عَيْنٍ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) (٣).
стр. 7741
مثاله: إنسان أراد أن يؤجِّر دابة وصفها كذا، فهذا ليس متعين بدابة بعينها ولا بسيارة بعينها، فإذا تأخرت هو يأتيه بسيارة أخرى.
قوله: (وَفُرُوعُ هَذَا البَابِ كَثِيرَةٌ، وَأُصُولُهُ هِيَ هَذِهِ الَّتِي ذَكرْنَاهَا).
فالمؤلف لم يستقصِ ولم يستوعب كُلِّ الفروع، وإنَّما أتى بالأصول، ومن ضبط الأصول سهل عليه الإمساك بالفروع، فإذا ضبطت أصول المسائل سهل عليك أن تعرف الفروع، وذلك أنَّ عندك أصلًا فأيُّ فرع من الفروع رُدَّه إلى هذه الأصول، فإن وجدته مطابقًا له أو ذا علاقة به فحينئذٍ ألحقه به.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الفَصْلُ والثَّانِي: وَهُوَ النَّظَرُ فِي الضَّمَانِ)
هذه مسألة مهمة، فقد يحصل تعدي؛ فمثلًا الأجير قد يتعدى، تذهب إلى نجار ليصنع أبوابًا لبيتك تتفق على مواصفات معينة، فتجد أنه أخلَّ بالعقد، أو تتفق مع مقاول يبني لك بيتًا وتجد أنه لم يلتزم الشروط والمواصفات التي تم الاتفاق عليها.
واعلم أنَّ الأحكام لا تتعلق بزمن معيَّن؛ فكل ما جدَّ من أحكام تُلحق بغيرها، كذلك إذا اتفقت مع إنسان ليطبخ لك طبخًا، فأذهبه عليك فهو مسؤول عنه، أو ذهبت إلى خباز ليخبز لك خبزًا، وأنت الذي سلمته العجين، فهو مسؤول عن ذلك، وهذا كله سيأتي إن شاء الله مفصلًا.
قوله: (وَالضَّمَانُ عِنْدَ الفُقَهَاءِ عَلَى وَجْهَيْنِ: بِالتَّعَدِّي، أَوْ لِمَكَانِ المَصْلَحَةِ، وَحِفْظِ الأَمْوَالِ).
قد يكون سبب الضمان التعدي؛ كإنسان تعدَّى على الدابة أو السيارة فيضمن ذلك.
стр. 7742
وقد لا يكون متعديًا لكنَّ المصلحة المرسلة تقتضي ذلك؛ مثل الصناع إذا لم يتعدوا، فأنت إذا ذهبت إلى إنسان ليخيط لك ثوبًا، أو ليصبغه، أو إلى مصنع من المصانع، فهذا نسميه أجيرًا مشتركًا، ويقول عنه الفقهاء بأنه ضامن، سواء تعدى أو لم يتعدَّ؛ وكونه تعدى ظاهر، أو لم يتعدى هذا هو الذي يريد يشير إليه المؤلف في قوله: "المصلحة"، والفقهاء في ذلك يعتمدون على ما أُثر عن علي بن أبي طالب ﵁ "أنه كان يضمن الصناع" (١)؛ لأن الصناع لو تُسُهِّل معهم وأعطوا الراحة في ذلك لربما ادعى كل إنسان أن هذا الثوب حصل في كذا ليس مني، أو كذا أو أنه ضاع أو غيره، فلما يَضمنون يحرصون على حقوق الناس، هذا أثرٌ عن علي، فهذا هو مستند القول في هذه المسألة والمؤلف سيذكر ذلك بشيء من التفصيل.
قوله: (فَأَمَّا بِالتَّعَدِّي: فَيَجِبُ عَلَى المُكْرِي بِاتِّفَاقٍ، وَالخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي نَوْعِ التَّعَدِّي الَّذِي يُوجِبُ ذَلِكَ أَوْ لَا يُوجِبُهُ، وَفِي قَدْرِهِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ العُلَمَاءِ فِي القَضَاءِ فِيمَنِ اكْتَرَى دَابَّةً إِلَى مَوْضِعٍ مَا، فَتَعَدَّى بِهَا إِلَى مَوْضِعٍ زَائِدٍ عَلَى المَوْضِعِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الكِرَاءُ).
يعني: تجاوز، هذا متعد، وسمِّي تعديًا نسبة إلى التعدي؛ لأنه تعدَّى على حق غيره، اتفق على قدر من المسافة فتجاوزها.
انظر إلى دقة الفقهاء؛ فمثلًا استأجرتَ سيارة إلى جدَّة فذهبت بها إلى مكة، فقد تجاوزت عدة أميال، تجاوزت المسافة؛ فهل تترك على راحتك تتصرف في حقوق الآخرين؟
انظر إلى جدة - الفقهاء واختلافهم، وكل له وجهة نظر، حتى تعرف أنَّ هذا الفقه ما جاء سدى، لم يجمعه الفقهاء بين عشية وضحاها، ولا أنه
стр. 7743
كلام مرتجل، وإنما أُناس أفنوا أعمارهم ووقفوا حياتهم في خدمة هذا الدين، أولًا: أمضوا جزءًا وشطرًا كبيرًا من حياتهم يتعلمون العلم، ثم أخذوا يعلمونه الناس، ودونوا علمهم في صحف وكتب منشورة كالتي بين أيدينا.
إذًا هذه جهود عظيمة، نحن نضع أيدينا عليها نجدها قد استخلصت ونقيت وهذبت، فما علينا إلا أن نقرأها ونتعلمها، لكنَّ أولئك سهروا، يقرأ أحدهم الآيات ثم يستخرج الأحكام منها، يقرأ أحاديث رسول الله ﷺ فيستنبط منها، وقد لا يجد لهذه المسألة نصًّا فيرد بعض الأحكام إلى بعض، ويلحق بعضها ببعض وهكذا …
وأتباع الأئمة لما جاؤوا أفنوا أيضًا أوقاتًا طيبة.
والفقه ليس فقهًا جامدًا؛ لأنه يتجدد بتجدد الأحكام؛ فهناك وقائع حصلت وجدت أمور بعد وفاة رسول الله ﷺ في زمن الصحابة وفي زمن التابعين وفي زمن الأئمة وبعدهم، ولا يزال في عصرنا الحاضر، وهو أكثر ما يكون فيه المسائل التي جدت، فنحاول أن نردها إلى المسائل السابقة، نبحث لها عن أدلة، فإن لم نجد نردها إلى أصول المذاهب.
قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢): عَلَيْهِ الكِرَاءُ الَّذِي التَزَمَهُ إِلَى المَسَافَةِ المُشْتَرَطَةِ).
وهذا في الحقيقة أجود الآراء؛ لأن هذا هو الرأي الذي يلتقي مع روح الشريعة، لا نقول: هذا هو الرأي الأصوب؛ لأنه قال به فلان أو فلان، لا، ولكنَّ هذا هو الحق.
إنسان تجاوز هذه المسافة، وغالبًا سبب تجاوزه المسافة لأنه جدَّت
стр. 7744
أمور فاحتاج إلى أن يتجاوز، ويصعب عليه أن يعود إلى صاحب الحق فيتفاهم معه، وحتى ولو كان تجاوزه تعديًا، فإنه يأخذ منه مقابله؛ لأن هذه السيارة أو الدابة أو الراحلة إنما وضعت للأجرة.
قوله: (وَمِثْلُ كِرَاءِ المَسَافَةِ الَّتِي تَعَدَّى فِيهَا).
يعني: يأخذ منه الإيجار الذي اتفق عليه، ثم بعد ذلك هذا القدر الذي زاده يأخذ منه مقابله على ضوء ما تقدم.
وقد يسأل سائل فيقول: على أيِّ تقدير نأخذه؟
والجواب: الغالب أنه يرجع إلى أجرة المثل، فمثلًا الأجرة إلى المكان الفلاني محدَّدة - وخصوصًا في هذا الزمن الأجرة إلى كذا بمبلغ كذا - فالفرق واضح، وإذا لم يعرف فإنه يجتهد في ذلك ويرجع إلى أجرة المثل، وإذا لم يمكن فيرجع إلى أهل الخبرة والمعرفة بذلك، وأبوابها بحمد الله واسعة.
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الدَّابَّةِ بِالخِيَارِ في أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ دَابَّتِهِ فِي المَسَافَةِ الَّتِي تَعَدَّى فِيهَا).
مالكٌ يوافق في الجزء الأول الحنابلة والشافعية؛ أن يأخذ أجرةَ المسافة التي زادت، فهنا يلتقي الإمام مالك مع الإمامين الشافعي وأحمد.
قوله: (أَوْ يَضْمَنَ لَهُ قِيمَةَ الدَّابَّةِ) (١).
أو يضمن له قيمة الدابة؛ أي: يأخذها ويعطيه القيمة.
وهذا فيه غرابة، لكن الإمام مالكًا عندما قال به علَّل فقال: أنه نظر إلى الحبس، كأنه بزيادة المسافة حبس الدابة فترة من الزمن، فحبسها ومنع
стр. 7745
الاستفادة بها، فيعاقب بالنقيض؛ فيقال له: تدفع قيمتها وتأخذها، وهذا حقيقة فيه بعد.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا كِرَاءَ عَلَيهِ فِي المَسَافَةِ المُتَعَدَّاةِ) (١).
وهذا أيضًا غريب جدًّا؛ لأنه إذا تعدى إنسان فلم نأخذ على يديه فسوف يتعدى كل إنسان.
قوله: (وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا إِذَا تَلِفَتْ فِي المَسَافَةِ المُتَعَدَّاةِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا) (٢).
هذا ليس فيه خلاف؛ لأنه عندما يتجاوز فتلفت بمكان تعدى فيه وهو ضامن.
قوله: (فَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ تَعَدَّى عَلَى المَنْفَعَةِ فَلَزِمَهُ أُجْرَةُ المِثْلِ، أَصْلُهُ التَّعَدِّي عَلَى سَائِوِ المَنَافِعِ).
يعني: قياسًا على سائر المنافع التي يُتعدى فيها، فكما أنه إذا تعدى على منفعة من المنافع يُأخذ منه مقابل التعدي؛ فكذلك هنا.
стр. 7746
قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَكَأَنَّهُ لَمَّا حَبَسَ الدَّابَّةَ عَنْ أَسْوَاقِهَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى عَلَيْهَا فِيهَا نَفْسِهَا فَشَبَّهَهُ بِالغَاصِبِ، وَفيهِ ضَعْفٌ).
أحسن المؤلف ﵀! مما يُعجبني بصاحب هذا الكتاب ﵀ أنَّه مالكيٌّ مُنصف، فعندما يمر به رأي ضعيف يرى ضعفه في مذهب مالك لا يجامل، وهذا هو طالب الحق؛ ينبغي له أن يكون صادقًا صريحًا، لا يأخذه التعصب لمذهب، لا أقول -مثلًا-: أنا تعلمت وترعرعت ودرست مذهب الحنابلة، والحق هو مذهبهم، ولا توجد مسائل في المذاهب الأخرى أصح وأقوى، ولا يقول ذلك من درس مذهب الشافعية أيضًا.
ومنذ أن بدأنا في شرح هذا الكتاب ما رأينا مسألة يبدو فيها المؤلِّف ﵀ متعصِّبًا؛ بل رأيناه يضعف مذهب المالكية أكثر من غيره، وهذا هو غاية الإنصاف، وهذا هو الذي يريد الوصول إلى الحق.
قوله: (وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فَبَعِيدٌ جِدًّا عَمَّا تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ الشَّرْعِيَّةُ).
لأن المتعدي متجاوز للحد، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
هذا إنسان قد تعدى فيعامل مقابل تعديه، أما أن يتعدى إنسان فنكافئه، فنقول بردًا وسلامًا، فهذا سيفتح بابًا مُغلقًا، وسيكون مدخلًا لكثير من الناس ليتجرؤوا عليه فيقول: أنا إذا احتجت فأزيد فيحتال الناس.
قوله: (وَالأَقْرَبُ إِلَى الأُصُولِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ: هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ).
هو الأقرب لروح هذه الشريعة وأصولها وقواعدها التي قامت عليها؛ لأن من أصولها وقواعدها العدل، والعدل يقتضي أن يُنصف المؤجر والمستأجر، فلا يأخذ مثلًا بجانب المستأجر ويغفل جانب المؤجر.
стр. 7747
قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ عِثَارَ الدَّابَّةِ لَوْ كَانَتْ عَثُور (١) - تَعَدِّ مِنْ صَاحِبِ الدَّابَّةِ يَضْمَنُ بِهَا الحَمْلَ) (٢).
ربما أشكل على القارئ أنه قال: "كانت"، ولم يقل: "كان عثورًا"، هذه مما يجوز فيها التذكير والتأنيث.
وعمر ﵁ من دقته وحرصه على أمور المسلمين كان يقول: "لو دابة عثرت في العراق لكنت مسؤولًا عنها" (٣)؛ من إحساسه ﵁ بالمسؤولية، وهذا هو واجب كل مسلم، ليس فقط من ولي أمور المسلمين، بل كل مسلم كبيرًا كان أو صغيرًا يتولى أي أمر من أمور المسلمين فهو مسؤول عن ذلك؛ كما قال رسول الله ﷺ : "كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته" (٤)، وصاحب البيت أيضًا راع، والمدرس راع، والموظف المسؤول المدير راع، وهكذا كل واحد منا راع.
стр. 7748
إذًا هذه الدابة العثور، هذا عيب الدابة التي تعثر، يعني: تسقط، ربما لا تمشي مشيًا مستقيمًا لها عثور، وهذا العثور قد يُوقعها في الأرض، وهذه الدابة عليها بضاعة هذه البضاعة أيضًا قد تسقط عنها وربما تتكسر أو تتأثر، وربما تكون زجاجة أو فخارًا أو غير ذلك، وربما تكون سيارة هذه السيارة تتعطل، هذا تعطيل لصاحب الأجرة لا يجوز، وهو داخل في قول الرسول ﷺ : "مَن غَشَّنا فَلَيس منا" (١)، يعني: إذا كان صاحب الدابة أو صاحب السيارة أو صاحب الدار التي يُعرف فيها عيوبًا يعرف أن في أُسِّها عيوبًا ويؤجِّرها غيرُه من المسلمين، أو أي سلعة من السلع يبيعها أو يؤجرها ويعرف أن فيها عيبًا يُغطيه عن أخيه المؤمن، أو حتى غير المؤمن لا يجوز له، لكنَّ المسلم ينبغي أن يكون قدوة في كل أموره في معاملاته وغيرها؛ ولذلك الرسول ﷺ لما جاء إلى صاحب الطعام فأدخل يده فيه، وجد بَلَلًا فيه، قال: "ما هذا يا صاحب الطعام"؟ قال: "أصابته السماء"، قال: "هلَّا أظهرته إلى الناس ليروه" (٢)، لِمَ تدسُّه؟!
وهذا الآن يحصل كثيرًا من الذين يبيعون، فيضعون البضاعة التي فيها فساد أسفل، ويُزيَّن أعلى الصندوق أو الكرتونة أو غير ذلك، هذا غشٌّ لا يجوز، قد تكسب مبلغًا، لكن ربما تصيبك دعوة من هذا الإنسان الذي رأى هذا البريق الجيد، فإذا ما وصل إلى بيته وجد أسفله خاربًا، وربما يقول: لا وفقه الله، لا جزاه الله خيرًا، فهذه كلمة ليست بيسيرة قد توافق بابًا فتُستجاب دعوته، فلا ينبغي للمسلم أن يَغشَّ إخوانه أو المؤمنين، بل يكون صريحًا ورزقه على الله -سبحان الله وتعالى- والله تعالى يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، والرسول ﷺ يقول: "لو أنكم تتوكلون
стр. 7749
على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدوا خماصًا وتروح بطانًا" (١).
وهذه من الأمور التي تميز بها الإسلام؛ حسن المعاملة، ولذلك الرسول ﷺ بين أنَّ: "الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وأن الرجل لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا"، قال: "وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" (٢)، ولما سئل رسول الله ﷺ عن صفات المسلم، وعن وقوعه في بعض المعاصي من زنا وغيره فقال: "يحصل منه ويسرق"، ولما قيل: "أيكذب؟ " قال: "لا يكذب المسلم" (٣)؛ لأن الكذب من صفات المنافقين؛ "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (٤)، فبدأ الرسول ﷺ بصفة الكذب، وفي بعضها: "أربع: … وإذا خاصم فجر" (٥)، فينبغي للمسلم أن يبتعد
стр. 7750
عن سبيل المنافقين، ولأن من اتصف بصفات المنافقين كان منافقًا، ومن كان فيه خصلة من خصال المنافقين كان فيه خصلة من خصال النفاق فلنحذر ذلك.
قوله: (وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الحِبَالُ رَثَّةً، وَمَسَائِلُ هَذَا البَابِ كَثِيرَةٌ).
كذلك أيضًا الحبال إذا كانت رثَّة قد أثرت فيها الشمس أو طول الزمن.
قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي ضَمَانِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ إِلَّا مِنْ جِهَةِ المَصْلَحَةِ فَهُمُ الصُّنَّاعُ).
أي: الذين يقومون بالصناعات، وسموا بالصناع نسبة إلى الصنعة، فيدخل في ذلك: الخياط، والذي يقوم بكي الثياب، وصاحب المصنع، والطبَّاخ، وصاحب الفرن، والنجار والسباك وغير هؤلاء الذين يتحمَّلون أمورًا، ولكون عملهم فيه تعدٍ، وهذا سيقسمه المؤلف - كما قسمه غيره - إلى قسمين: أجير خاص، وأجير مشترك، وهما يختلفان من حيث الضمان.
قوله: (وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الأَجِيرَ لَيْسَ بِضَامِنٍ لِمَا هَلَكَ عِنْدَهُ مِمَّا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) (١).
стр. 7751
اعلم أنَّ الأجير ينقسم إلى قسمين: أجير خاص، وأجير مشترك:
فالأجير الخاص: هو الذي يقع العقد معه على مدة معلومة، وسمِّي خاصًّا: لأنه يعمل لمصلحة المالك، يعني اختص بمنفعته دون غيره فلا يشركه غيره فيه؛ كأن يستأجر الإنسان إنسانًا ليعمل في مصنعه أو في متجره أو في دُكَّانه، أو في منزله، أو ليخيط له الثياب، أو ليعمل له أمورًا تتعلق بالكهرباء، أو النجارة، أو السباكة، ربما أفسد من غير تعدٍّ، قالوا: لا ضمان عليه؛ لأنه بمنزلة المالك، ينزل منزلته؛ لأنه استأجره، ووثق به وأقامه مقامه، فأيُّ تقصير منه حصل من غير تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، وقاسوه على الوكيل؛ فإن الإنسان إذا وكَّل إنسانًا فاشترى له سلعة فخسر فيها ولم يكن قد أراد الوكيل قد أراد الضرر، فليس عليه شيء في ذلك، كذلك أيضًا الشريك في المضاربة، كل هؤلاء ليس عليهم شيء، هذا هو قول الأئمة: أبو حنيفة ومالك وأحمد، وهو قول للإمام الشافعي، وللشافعي قول آخر: يرى فيه أن الأجير الخاص يضمن أيضًا.
أما الأجير المشترك: وهو الذي يقع معه العقد على عمل معين دون أن يكون خاصًّا بذلك الإنسان، وسمِّي مشتركًا؛ لأنه لا يختص بالذي يتعامل مع وحده، بل قد يتعامل مع اثنين أو ثلاثة أو مئة أو أكثر أو أقل.
هذا ملخص لما سيذكره المؤلف ﵀ ثُمَّ نعلِّق على كلامه.
مثاله: لو أن إنسانًا استأجر راعيًا على غنم ثم ماتت بعضُ تلك الماشية، لا يكون ضامنًا ما لم يُفرِّط أو يتعدَّى، فلو عاد عليها الذئب فأكل شيئًا منها - دون إهمال منه - لا يعتبر تفريطًا منه ولا ضمان عليه.
قوله: (مَا عَدَا حَامِلَ الطَّعَامِ، وَالطَّحَّانَ، فَإِنَّ مَالِكًا ضَمَّنَهُ مَا هَلَكَ عِنْدَهُ إِلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ) (١).
стр. 7752
استثنى مالك ﵀ ذلك؛ لأنه رأى فيه المصلحة، وقد انفرد به مالكٌ ﵀.
يعمل عنده فسقط الطعام الذي معه، أو كان زجاجًا فانكسر، فذهبت مصلحته يضمن عنده، وكذلك الطحان الذي يطحن.
قوله (وَأَمَّا تَضْمِينُ الصُّنَّاعِ مَا ادَّعَوْا هَلَاكَهُ مِنَ المَصْنُوعَاتِ المَدْفْوعَةِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ).
وأما تضمين الصناع ما ادعوا تلفه من غير تقصير منهم، فهل يقبل قولهم في ذلك أو لا؟
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوُسُفَ: يَضْمَنُونَ مَا هَلَكَ عِنْدَهُمْ) (١).
وكذلك الإمام أحمد (٢)، وهذا هو رأي الجمهور؛ يرون أن الأجير المشترك يضمن ما تسبب في هلاكه أو فساده سواء تعدى أو لم يتعدَّ؛ لأنَّ يده أمينة على هذا العمل، فينبغي أن يؤديَه كما كان، ويستدلُّ هؤلاء بحديث. "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٣).
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَضْمَنُ مَنْ عَمِلَ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَلَا الخَاصُّ (٤)، وَبَضْمَنُ المُشْتَرَكُ، وَمَنْ عَمِلَ بِأَجْرٍ).
стр. 7753
من عمل بغير أَجر ولا الخاص هذان لا يضمنان عند أبي حنيفة، وكذلك أحمد (١)، وهو قولٌ للإمام الشافعي.
فبالنسمة لمالك وابن أبي ليلى التضمين مطلق، أما الأئمة الآخرون؛ أبو حنيفة وكذلك أحمد، وهو قول للشافعي: فلا ضمان على أجير خاص ولا على إنسان يعمل بغير أجر.
قوله: (وَلِلشَّافِعِيِّ (٢) قَوْلَانِ فِي المُشَتَرَكِ. وَالخَاصُّ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يَعْمَل فِي مَنْزِلِ المُستَأْجِرِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لم يَنْتَصِبْ لِلناس (٣)، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الخَاصِّ، وَهُوَ عِنْدَهُ غَيْرُ ضَامِنٍ).
دليلُ مالكٍ وابنِ أبي ليلى اللذين أطلقا الضمان هو حديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٤)، وجمهور العلماء الذين قالوا بأن الأجير الخاص والذي يعمل بغير أجر لا ضمان عليه ما لم يتعديا يستدلون بأنَّه
стр. 7754
أمين على ذلك العمل، وأنه حل محل المالك، وأنه كالوكيل على العمل وكالمضارب، كما أن الوكيل لا يضمن ما لم يُفرِّط، وكذلك - أيضًا - المضارب مع شريكه؛ يعني: الذي يعرف بالقراض لا ضمان عليه، وأولئك - أي: الذين قالوا بالتضمين - قاسوا ذلك على العارية؛ لأن العارية مؤدَّاة (١).
قوله: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى هَذَا أَنَّ الصَّانِعَ المُشْتَرَكَ يَضْمَنُ، وَسَوَاءٌ عَمِلَ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَبِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ قَالَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ).
أعاد ما ذكره بأن الإمام مالكًا يرى تضمين المشترك، فالحقيقة أنَّ مذهب جمهور العلماء أن الأجير المشترك ضامن عند الجمهور، ما عدا الشافعي فله قولان: قول مع الجمهور، وقول انفرد به.
بل يرى الربيع بن سليمان - من أصحاب الإمام الشافعي - أن هذا هو رأيه، أنَّ الأجير الخاص يضمن، لأثر علي ﵁ الذي أخرجه الشافعي في "مسنده" أن علي بن أبي طالب ﵁ ضمن الأجراء وقال: "لا يُصلح الناسَ إلا هذا" (٢).
стр. 7755
وأما الجمهور الذين قالوا بتضمين المشترك دون الخاص فيستدلون - أيضًا - بأثر علي ﵁ "أنه ضمن الصباغة والسوار"، أي: الصناع، وقال: "لا يصلح الناس إلا ذلك" (١).
وأجابوا على أثر علي الذي أورده الشافعي في "مسنده": بأنه مرسل، وأن الثاني أصح، فيحمل هذا على ذاك، فيعتبرون هذا مطلقًا، وذاك مقيدًا؛ أي: أنه قام بتضمين الصناع، والصناع أهل الصنعة عمومًا، أما الأجير الخاص فلا ضمان عليه.
قد اشتهر عن علي ﵁ أنه كان يضمن الصناع، ويقول: "لا يُصلحِ الناس إلا ذلك"؛ لأن الصناع ربما يتساهلون في حقوق الناس، فمثلًا الخياط، تأتيه بثياب، وهذا يأتيه .. ، فيضعها ويهمل، فربما ترتب ضرر، كذلك غيره من الصناع؛ كالطباخ مثلًا يتكاثر عليه الناس، فالخباز قد يشعل النار ويوقدها بشكل زائد فيحرق له الخبز، وربما يفسد على الناس طبيخهم، فأراد أن يضع زاجرًا ورادعًا لأولئك حتى يهتموا بأمور الناس، وألا يأخذ الإنسان إلا القدر الذي يستطيع أن يقوم به على أكمل وجه.
قوله: (وإنْ كَانَ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ).
ورد عن عليٍّ في تضمين الصناع وتضمين الأجراء، والذي ثبت عنه أنه ضمن الصناع، وقال: "لا يصلح الناس إلا هذا"، أما الأجراء فاختلف فيه كما أشرنا.
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ الضَّمَانَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ شَبَّهَ الصُّنَّاع بِالمُودَعِ عِنْدَهُ، وَالشَّرِيكِ، وَالوَكِيلِ، وَأَجِيرِ الغَنَمِ، وَمَنْ ضَمَّنَهُ فَلَا دَلِيلَ لَهُ إِلَّا النَّظَرُ إِلَى المَصْلَحَةِ وَسَدِّ الذَّرِيعَةِ).
стр. 7756
ولا شك أن النظر إلى المصلحة وسد الذرائع باب مطلوب؛ لأن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، ولا شك أنَّ من الأمور التي انفردت بها هذه الأمة واختصها الله به -سبحان الله وتعالى- ما جاء في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فهذه خصيصة بها هذه الأمة، وميزة ميزها الله -سبحان الله وتعالى- بها؛ لأنها تدعو إلى الخير وترشد إلى طريق الفلاح، ولا شك أن هذا عمل عظيم، وهو عكس ما كان عليه بنو إسرائيل ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]، بئس ذلك العمل، ومع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إلا أنه على مراحل؛ المرحلة الأولى: التغيير باليد؛ كما في الحديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (١)، فليس لكل أحد أن يغير منكرًا بيده، وإنما هذا لولي الأمر الذي بإمكانه أن يغيره، وأيضًا اللسان تنظر هل إذا دعوت بلسانك سيترتب عليه مصلحة أو أنه سيترتب عليه ضرر، فهذا الأمر بالمعروف الذي أوجبه الله تعالى، فإن كان سيترتب عليه ضرر أكبر أو مماثل فدعه، ومن هنا قال العلماء: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" (٢)، وهي قاعدة فقهية معروفة، ولها أمثلة كثيرة، ومنها هذا المثل الذي ذكرنا.
стр. 7757
إذًا تغريم الصناع أو تضمينه هذا فيه مصلحة؛ لأنه إذا عرف الصانع - أو الصباغ الذي يصبغ الثياب، أو صاحب المصنع، أو الطباخ، أو الخباز، أو النجار، أو الحداد، أو السباك، أو الكهربائي - إذا عَرف هؤلاء بأنهم مسؤولون عن أعمالهم، وأنهم سيحاسبون عليها، لا شك أنهم سيجدون في ذلك، ولذلك أحيانًا تكون القوة رادعة لبعض الناس، فمن المصلحة هنا أن يشدد في هذا المقام، ولذلك لم يشدد في موضوع الأجير الخاص؛ لأنه موضع أمانة لكن لو تعدى كان ضامنًا أيضًا، أما هذا فإنه يضمن من باب يسد الذرائع.
"قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلُوا بِأَجْرٍ أَوْ لَا يَعْمَلُوا بِأَجْرٍ: فَلِأَنَّ العَامِلَ بِغَيْرِ أَجْرٍ إِنَّمَا قَبَضَ المَعْمُولَ لِمَنْفَعَةِ صَاحِبِهِ فَقَطْ، فَأَشْبَهَ المُودَعَ، وَإِذَا قَبَضَهَا بِأَجْرٍ فَالمَنْفَعَةُ لِكِلَيْهِمَا، فَغَلَبَتْ مَنْفَعَةُ القَابِضِ، أَصْلُهُ القَرْضُ وَالعَارِيَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنْ لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ فِي تَضْمِينِهِ سَدُّ ذَرِيعَةٍ) (١).
حتى إن بعض العلماء يرى - أيضًا - أن الذي يعمل بغير أجر ينقسم إلى قسمين:
إن حصل منه تعدٍ فهو ضامن.
стр. 7758
أما إذا لم يتعدَّ فلا؛ لأنه أصلًا عمل لمصلحة المستأجر أيضًا، يلحقون بذلك، إلا لو أن إنسانًا ذهب إلى آخر، وقال: اعمل لي هذه الأشياء، ولم يتفق معه على أجرة بل سكت عن ذلك، فهل في ذلك أجرة المثل؟ هل لو حصل تقصير أو تفريط من الصانع يأخذ؟ الجواب: نعم.
قوله: (وَالأَجِيرُ عِنْدَ مَالِكٍ كَمَا قُلْنَا لَا يَضْمَنُ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَحْسَنَ تَضْمِينَ حَامِلِ القُوتِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَكَذَلِكَ الطَّحَّانُ) (١).
يقصد به الأجير الخاص، يعني: الذي يعمل في بيت الإنسان أو في دكانه أو في مصنعه أو في بقالته أو في صيدليته أو في ورشته، هذا يُسمَّى أجيرٌ خاص؛ لأنه وقف نفسه على عمل هذا الإنسان، فهو استأجره مدة معينة يعمل له دون غيره، ألا وهو المراد.
قوله: (وَمَا عَدَا غَيْرَهُمْ فَلَا يَضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي، وَصَاحِبُ الحَمَّامِ لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ عَنْهُ (٢)، وَقَدْ قِيلَ: يَضْمَنُ (٣). وَشَذَّ أَشْهَبُ (٤) فَضَمَّنَ الصُّنَّاعَ مَا قَامَتِ البَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِهِ عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُمْ وَلَا تَفْرِيطٍ، وَهُوَ شُذُوذٌ).
وشذَّ أشهب من المالكية فقال بتضمين الصناع.
стр. 7759
قوله: (وَلَا خِلَافَ أَنَّ الصُّنَّاعَ لَا يَضْمَنُونَ مَا لَمْ يَقْبِضُوا فِي مَنَازِلِهِمْ) (١).
هذه مسألة أخرى: هل هناك فرق بين أن تقدم إلى الصانع المشترك عملًا فيعمله في مصنعه أو في دكانه أو في داره، وبين أن يأتي إليك فيعملة في بيتك؟
يأتي الطباخ إلى دارك فيطبخ لك، أو يكون عندك تنور فيخبز لك، أو يكون عندك مثلًا مكائن فيخيط لك في بيتك، أو ينقل آلاته إلى بيتك، هل هذا يختلف؟ الجواب نعم.
فأكثر العلماء: يرودن أنه إذا عمل في بيت المستأجر فينزَّل منزلة الأجير الخاص، فلا يضمن ما لم يتعدَّ.
وهذا يجرُّنا إلى مسألة أخرى: لو أن الإنسان استأجر أجيرًا خاصًّا فعمل في بيت المستأجر ثم حصل - أيضًا - تقصير في العمل؛ كذهاب شيء من العمل فإنَّه يُنزَّل منزلة الأجير الخاص؛ إن حصل تفريط فعليه الضمان والا فلا.
قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِ المَصْنُوعِ، وَسَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُمْ؛ هَلْ تَجِبُ لَهُمُ الأُجْرَةُ أَمْ لَا، إِذَا كَانَ
стр. 7760
هَلَاكُهُ بَعْدَ إِتْمَامِ الصَّنْعَةِ أَوْ بَعْدَ تَمَامِ بَعْضِهَا؟ فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: لَهُمْ (١).
وهذا قول الإمام أحمد (٢) أيضًا.
قوله: (وَقَالَ ابْنُ المَوَّازِ: لَهُمُ الأُجْرَةُ).
وهو من المالكية، وهناك خلاف في مذهب الشافعية (٣).
قوله: (وَوَجْهُ مَا قَالَ ابْنُ المَوَّازِ: أَنَّ المُصِيبَةَ إِذَا نَزَلَتْ بِالمُسْتَأْجِرِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَمْضِيَ عَمَلُ الصَّانِعِ بَاطِلًا، وَوَجْهُ مَا قَالَ ابْنُ القَاسِمِ: أَنَّ الأُجْرَةَ إِنَّمَا اسْتُوجِبَتْ فِي مُقَابَلَةِ العَمَلِ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ إِذَا هَلَكَ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الأَجِيرِ).
стр. 7761
يعني أنَّ هذه الأجرة وجبت مقابل عمل يقدمه لمن استأجره، فإذا لم يقدم العمل فلا أجرة حينئذٍ، فأراد ابن القاسم أن لا تجتمع عليه مصيبتان؛ مصيبة أنه ضمن، ومصيبة أخرى أنه لا أجرة له على عمله.
قوله: (وَقَوْلُ ابْنِ المَوَّازِ أَقْيَسُ، وَقَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ أَكْثَرُ نَظَرًا إِلَى المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّهُ رَأَى أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي المُصِيبَةِ).
أما ابن الموَّاز: فلأنه نظر إلى الضرر، وابن القاسم: قال أقرب للمصلحة؛ لأن فيه سدًّا لباب الذرائع.
قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي ضَمَانِ صَاحِبِ السَّفِينَةِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (١)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ إِلَّا مِنَ المَوْجِ) (٢).
قال أبو حنيفة والشافعي (٣) وأحمد (٤) أيضًا: عليه الضمان إلا من الأمور التي لا تدخل تحت قدرته وطاقته، أما إذا قصر صاحب السفينة في الجدف، أو في صيانة السفينة، أو تغير طريقها، إلى غير ذلك من المغامرات بها فإنه يضمن، لكن إذا جاءت أمواج فرفعت السفينة وغيرت اتجاهها، وربما ترتب عليها ضرر، فإنه في هذه الحالة لا ضمان عليه؛
стр. 7762
لأنه لا قدرة له في ذلك؛ إذ ذلك أمر خارج عن إرادته؛ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
قوله: (وَأَصْلُ مَذْهَب مَالِكٍ (١): أَنَّ الصُّنَّاعَ يَضْمَنُونَ كُلَّ مَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ حَرْقٍ، أَوْ كَسْرٍ فِي المَصْنُوعِ، أَوْ قَطْعٍ إِذَا عَمِلَهُ فِي حَانُوتِهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ قَاعِدًا مَعَهُ).
هذه مسألة جديدة، هل هناك فرق بين تضمين الصانع في حالة غياب صاحب الصنعة وبين أن يكون معه؟
ولو قُدِّر أن إنسانًا استأجر سيارة، ثم حمل بضائع فوق هذه السيارة ثم حصل خلل فهل يتغير الحال؟ أو استأجر جملًا - كما كان يذكر العلماء فيما مضى - فحصل أيضًا عيب فيما يتعلق بحمل البضائع، - كذلك أيضًا في غير ذلك - من الصناعات جاء عامل إلى دار إنسان فبدأ يعمل فحصل خلل وصاحب البيت ينظر إليه وهو ساكت، أو إنسان يعمل في الكهرباء، أو في الأبواب عمل أبوابًا ثم جاء صاحب البيت وقال: لا، أنا وضعتها على مواصفات كذا وأنت وضعتها على مواصفات كذا، هو كان موجودًا معه في هذه الحالة، فلماذا لم يطالبه بالتغير؟ يعني بإيجاز واختصار: هل وجود المستأجر مع الأجير يغير الحكم أو لا يغيره في حالة وجود ضرر؟
هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء؛ فبعض العلماء: يرى أن ذلك يؤثر، وأنه ما دام المستأجر موجودًا مع الأجير؛ أي: المشترك، وليس الخاص ما دام موجودًا معه فكان عليه أن ينبهه، وإن حصل- أيضًا - عيب فإنه يشترك فيه فلا ضمان عليه.
وبعضهم يرى أن وجوده لا أثر له، وأن هذا عقد يلزم الأجير
стр. 7763
المشترك عليه أن يقوم به؛ لأنه استأجر على وقع العقد معه على عمل معين في وقت محدد يلزمه أن يقوم فيه، فأي تقصير يحصل منه فإنه يجب عليه أن يتحمله ولا يشركه فيه صاحب الأجرة؛ أي: المستأجر.
قوله: (إِلَّا فِيمَا كَانَ فِيهِ تَغْرِيرٌ مِنَ الأَعْمَالِ، مِثْلُ ثَقْبِ الجَوَهِرِ).
هناك أعمال دقيقة قد تفوت أحذق الناس وأكثرهم مهارة، هناك أعمال يحصل فيها خلل، ولا شك أن للصانع تأثيرًا في ذلك، وهناك أعمال دقيقة جدًّا لا يستطيع أن يتخلص منها أحذق الصنِاع، فهل الأمر مختلف أو لا؟ هذا هو الذي يريد أن يذكره فقال: "مِثْلُ ثقْبِ الجَوَهِرِ"، هذا أمر دقيق يحتاج إلى عناية وإلى دقة.
قوله: (وَنَقْشِ الفُصُوصِ).
أي: فصوص الخواتم، فالخاتم له فصٌّ نقشه ليس بسهل، هل يكون لغيره لما أخطأ في الصناعات أو لا؟
قوله: (وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ).
كذلك أيضًا تقويم السيوف المعوجة، وربما يكون في هذا الزمن سهل الأمر؛ لوجود الآلات التي تعين لوجود المقايس وغير ذلك، لكنَّ الكلام هنا فيما مضى.
قوله: (وَاحْتِرَاقِ الخُبْزِ عِنْدَ القَرَّان، وَالطَّبِيبِ يَمُوتُ العَلِيلُ مِنْ مُعَالَجَتِهِ).
هذا موضع لطيف أمره مهم؛ الطبيب، والمطبب؛ كالحجام الذي يحجم.
والأمر ليس على إطلاقه كما ذكر المؤلف؛ فقد وضع العلماء شرطين أساسيين، إذا توفرا فلا ضمان على هؤلاء، لا ضمان على حجام ولا على طبيب ولا على ختان:
стр. 7764
الشرط الأول: أن يكون حاذقًا في صنعته، عارفًا بصيرًا بها.
الشرط الثاني: أن لا يتعدى ولا يتجاوز؛ حتى ولو كان طبيبًا ماهرًا، فلو كان طبيبًا ماهرًا وتجاوز الحد فإنه حينئذٍ يتحمل المسؤولية، فلو جاء طبيب يختن إنسانًا فتجاوز الحد فقطع جزءًا من الذكر تحمل، وكذلك أجر عملية تحمل الأجر، إذن هذا يتحمله فليس على إطلاقه.
قوله: (وَكَذَلِكَ البَيْطَار (١)، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ (٢).
قوله: (وَأَمَّا الطَّبِيبُ وَمَا أَشْبَهَهُ إِذَا أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ المَعْرِفَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ).
إذا أخطأ في فعله ولم يتعدَّ، أما إن تعدى فعليه الضمان، وقوله: "ليس عليه في النفس"، يقصد أن يأخذ من القصاص.
قوله: (وَالدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ فِيمَا فَوْقَ الثُّلُثِ، وَفِي مَالِهِ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ).
هذا عند المالكية، وعند كثير أنه يضمن مطلقًا، هذا إذا قلنا إذا كان متعديًا، أما إذا كان غير متعدٍ فلا.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ المَعْرِفَةِ فَعَلَيْهِ الضَّرْبُ، وَالسَّجْنُ، وَالدِّيَةُ، قِيلَ: فِي مَالِهِ، وَقِيلَ: عَلَى العَاقِلَةِ) (٣).
стр. 7765
هذا من باب المصلحة عند المالكية، ومن باب سد الذرائع، وهذا النوع من التعزير هو الذي لا يصل الحد، فإن الإنسان يجلد في التعزير إلى أن يصل إلى أقل الحدود، يعني ما ينقص عن الحد، ولو سوطًا واحدًا، فلا يجلد ثمانين سوطًا، بل تسعة وسبعين سوطًا فأقل، وهذا التعزير إنما وضع للردع في الأمور التي لا يَرتكب فيها الإنسان عملًا، أو يفعل معصية تستوجب إقامة الحد عليه.
والحدود معروفة؛ فهناك حد السرقة، وهناك حد القذف، وهناك حد القصاص، وكل هؤلاء معروفة، وهناك شيء من التعزير لتأديب الناس وإلزامهم الطريق، وعمر ﵁ كان يحمل درَّته معه - يعني عصاه -، وكان يضرب بها إذا رأى مصلحة لذلك.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى:
(الفَصلُ الثَّالثُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الاختِلَافِ)
انتهى المؤلف ﵀ من الضمان، ولكن قد يحصل اختلاف، وهذا شأن هذه الحياة، ومن ذلك: ما يحصل بين البائع والمشتري، وبين المؤخر والمستأجر.
قوله: (وَهُوَ النَّظَرُ فِي الِاخْتِلَافِ، وَفِي هَذَا البَابِ أَيْضًا مَسَائِلُ: فَمِنْهَا: أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا إِذَا اخْتَلَفَ الصَّانِعُ وَرَبُّ المَصْنُوعِ فِي صِفَةِ الصَّنْعَةِ).
إذا اختلف الصانع - الذي هو قائم بعمل الصنعة - وربُّ الصنعة - صاحبها الذي يقدمها للصناعة -، يقدم قطعة قماش، أو يذهب إلى طباخ ليطبخ له هذا الطبيخ، ثم يغير فيه، أو إلى فران أو غير ذلك.
стр. 7766
قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: القَوْلُ قَوْلُ رَبِّ المَصْنُوعِ (١)، وَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: القَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ (٣)).
صانع ومستأجر، هذا يقول: أنا طلبت الصنعة على كذا، وهذا يقول لا بل على كذا، قال له - مثلًا -: اصبغ لي هذا الثوب كذا، فصبغه كذا، أو قال: اعمل لي كذا ونحو ذلك.
قال مالك وابن أبي ليلى وأحمد (٤) وأكثر الفقهاء: القول قول الصانع، فهذا مدعي وهذا منكر، ودائمًا الفقهاء يغلبون جانب المنكر؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى الناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (٥).
قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ مَنِ المُدَّعِي مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَمَنِ المُدَّعَى عَلَيْهِ؟).
هذا هو هذا سر الخلاف: من المدعي ومن المدعى عليه؟!
стр. 7767
والظاهر أن المدَّعي: هو هذا الذي سلم هذه الصنعة لتصلح له، يعني: الذي قدر ثوب إنسان ليخيطه، هذا مدعي قول: أنا طلبت كذا، والمدعى عليه هو الذي يوصم بالتفصيل ألا وهو.
قوله: (وَمِنْهَا: إِذَا ادَّعَى الصُّنَّاعُ رَدَّ مَا اسْتُصْنِعُوا فِيهِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الدَّافِعُ؛ فَالقَوْلُ عِنْدَ مَالِكٍ قَوْلُ الدَّافِعِ، وَعَلَى الصُّنَّاعِ البَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهُمْ كانُوا ضَامِنِينَ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ) (١)).
ادَّعى الصانع أنه أعاد الثوب إلى صاحبه، ونفى صاحبها وصولها إليه.
وهذا هو قول الإمام مالك وأحمد أيضًا؛ لأنهم كانوا ضامنين لما في أيديهم.
قوله: (وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ: القَوْلُ قَوْلُ الصُّنَّاعِ إِنْ كانَ مَا دُفِعَ إِلَيْهِمْ دُفِعَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ كانَ دُفِعَ إِلَيْهِمْ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَؤُونَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) (٢)).
بعض العلماء وضع قيدًا أو قرينة لذلك؛ فمثلًا اختلفا في الصنعة، فقال: أنا طلبت منك كذا، فقالوا يُنظر لهذا الإنسان هل يلبس مثل هذه الصنعة؟ هل يستخدمها أو لا؟
فإن كان لا يستخدمها؛ فإنَّ الأولى والأحرى بأن يصدق المستأجر.
قوله: (وِإذَا اخْتَلَفَ الصَّانِعُ وَرَبُّ المَتَاعِ فِي دَفْعِ الأجْرَةِ؛ فَالمَشْهُورُ فِي المَذْهَبِ: أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ الصَّانِعِ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ قَامَ بِحِدْثَانِ
стр. 7768
ذَلِكَ، وَإِنْ تَطَاوَلَ: فَالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ المَصْنُوعِ) (١).
إذا اختلفا في الأجرة: فأكثر العلماء - كالشافعية (٢) والحنابلة (٣) - قالوا يتحالفان؛ فيحلف كل منهما على ما ادعاه، ثم يُنظر في الأمر، فلا يخلو: إما أن يكون الاختلاف قبل القبض أو بعده.
فإن كان قبل القبض: تفاسخ وانتهى.
وإن كان بعد القبض وقبل الاشتغال به - أي: قبل الاشتغال بذلك العمل - فإنهما أيضًا يتفاسخان، إلا إذا رضي أحدهما بما قاله الآخر؛ فتحالفا ثم اقتنع أحدهما بقول الآخر، قال: ما دمت حلفتَ فقد رضيتُ بذلك؛ كما في الحديث: "من حُلِف له بالله فليرضَ" (٤)، وأنت قد حلفتَ وأنا قد رضيتُ، ثم يقران على ذلك، فيصبح قد أقر بذلك.
هذا واضح في مذهب الإمامين الشافعي وأحمد، وهما ملتقيان في هذه المسألة.
قوله: (وَإِذَا اخْتَلَفَ المُكْرِي وَالمُكْتَرِي، أَوِ الأَجِيرُ وَالمُسْتَأْجِرُ، فِي مُدَّةِ الزَّمَان الَّذِي وَقَعَ فِيهِ اسْتِيفَاءُ المَنْفَعَةِ، إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ المَنْفَعَةَ
стр. 7769
لَمْ تُسْتَوْفَ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ المَضْرُوبِ فِي ذَلِكَ، فَالمَشْهُورُ فِي المَذْهَبِ: أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ المُكْتَرِي وَالمُسْتَأْجِرِ).
وعند الإمام أحمد قول المالك؛ لأنه منكر، وكل الخلاف في هذه المسألة يدور أيهما المدعي وأيهما المدعى عليه؟!
هذه المسألة تدور حول هذا دائمًا؛ المنكر يجعل أن القول قوله، لكنهم يختلفون أيهما المدعي؟!
في مذهب مالك أن أحيانًا تتحول القضية؛ بأن يكون المدعي مدعى عليه أو العكس، وقد مرَّ ذلك في البيوع لعلكم تذكرون، لكن الحديث: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال، أو لادعى أقوام دماء ناس وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (١) وفي رواية: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (٢).
قوله: (لِأَنَّهُ الغَارِمُ، وَالأُصُولُ عَلَى أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ الغَارِمِ).
وعند أحمد: القول هو قول المالك؛ لأنه منكر - كما ذكرنا - ولا أذكر بقية الآواء.
قوله: (وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ: القَوْلُ قَوْلُ المُكْتَرِي لَهُ وَالمُسْتَأْجِرِ) (٣).
نبهت كثيرًا على أنَّ المؤلف مع أنَّه عُني بأصول المسائل وأمهاتها، والتزم أن لا يشتغل بالفروع، وأن يكون على مذهب جماهير الفقهاء؛ نراه في
стр. 7770
باب البيوع وفي الإجارة يتوسع في مذهب مالك، يدخل في الفروع وفي الخلافات في داخل المذهب، ولم يلتزم ما صار عليه في الشطر الأول من الكتاب؛ فإنه في النصف الأول من الكتاب التزم المنهج، وكان فعلًا يدور في ذلك الفلك، ولا يكثر من ذكر مذهب أحمد؛ لأنه لم يكن مشتهرًا في بلاد الأندلس؛ لأنَّ صاحب هذا الكتاب ﵀ يعتمد على ابن عبد البر ﵀.
قوله: (إِذَا كَانَتِ العَيْنُ المُسْتَوْفَاةُ مِنْهَا المَنَافِعُ فِي قَبْضِهِمَا، مِثْلَ الدَّارِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ فِي قَبْضِهِ مِثْلَ الأَجِيرِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الأَجِيرِ).
لهذا تفصيل في مذهب مالك؛ ابن الماجشون وافق مالكًا، وهو من أتباعه في جزء مما قال، لكنه فصل القول في المسألة.
قوله: (وَمِنْ مَسَائِلِ المَذْهَبِ المَشْهُورَةِ فِي هَذَا البَابِ: اخْتِلَافُ المُتَكَارِيَيْنِ فِي الدَّوَابِّ وَفِي الرَّوَاحِلِ، وَذَلِكَ أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي قَدْرِ المَسَافَةِ، أَوْ نَوْعِهَا).
لأنهما قد يختلفان في المسافة، يقول: أجَّرتك مسافة كذا، ويقول المستأجر: بل إلى مسافة كذا، فقد مرَّ بنا إذا تجاوز المستأجر المسافة.
قوله: (أَوْ قَدْرِ الكِرَاءِ أَوْ نَوْعِهِ).
كُلُّ ذلك محل خلاف بينهم، يكون الخلاف في النوع، وفي قدر الكراء؛ أي: قدر الأجرة.
قوله: (فَإِنْ كانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي نَوْعِ المَسَافَةِ، أَوْ فِي نَوْعِ الكِرَاءِ: فَالتَّحَالُفُ وَالتَّفَاسُخُ كَاخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ فِي نَوْعِ الثَّمَنِ) (١).
стр. 7771
هذا الذي مر في مذهبي الشافعية والحنابلة، عندما يحصل الخلاف في الأجرة يتحالفان، ثم لا يخلو الحال أن يكون ذلك حصل قبل القبض أو بعده؛ فإن كان قبل القبض تفاسخَا، وانتهى الأمر، وإن كان بعد القبض فكذلك، ما لم يتم الشروع في العمل، إلا أن يقر أحدهما ويرضى أحدهما بما حلف عليه صاحبه، حينئذٍ يقرَّان على ما كان، فإن لم يحصل فإنها تنفسخ، وإن شرع في العمل فله أجرة مثل أي عامل.
قوله: (قَالَ ابْنُ القَاسِمِ: انْعَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْعَقِدْ (١)، وَقَالَ غَيْرُهُ: القَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ إِذَا انْعَقَدَ، وَكَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي قَدْرِ المَسَافَةِ: فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ، أَوْ بَعْدَ رُكُوبٍ يَسِيرٍ، فَالتَّحَالُفُ وَالتَّفَاسُخُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ رُكُوبِ كثِيرٍ، أَوْ بُلُوغِ المَسَافَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا رَبُّ الدَّابَّةِ: فَالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابًّةِ فِي المَسَافَةِ إِن انْعَقَدَ، وَكَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ وَأَشْبَهَ قَوْلَهُ تَحَالَفَا).
هذا التفصيل كله في مذهب مالك، وقد عرفنا فيما مضى رأيَ المذاهب الأخرى.
قوله: (وَبُفْسَخُ الكِرَاءُ عَلَى أَعْظَمِ المَسَافَتَيْنِ، فَمَا جُعِلَ مِنْهُ لِلْمَسَافَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا رَبُّ الدَّابَّةِ أُعْطِيَهُ، وَكذَلِكَ إِن انْعَقَدَ وَلَمْ يُشْبِهْ قَوْلَهُ،
الكِرَاءُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ المُكْتَرِي عَلَى المَسَافَةِ، فَيَأْخُذُ رَبُّ الدَّابَّةِ مِنْ ذَلِكَ مَا نَابَ المَسَافَةَ الَّتِي ادَّعَاهَا، وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ لي فِي هَذَا البَابِ).
يعني: قسم الكراء على المسافة كلها، ثم نظر كم قطع من المسافة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 7774
[بسم الله الرحمن الرحيم]
[صَلَّى اللَّه عَلَى محمّد وآله وسلَّم تسليما]
([كِتَابُ الجُعْلِ (١)])
كتاب الجُعل أو الجعالة، جاءت بتثليث الجيم، الجُعَالة بضم الجيم، والجَعالة بفتحها، والجِعالة بكسرها.
والمراد بها: الالتزام بعوض معين مُقابل عمل معلوم أو مجهول.
والجعالة في حقيقتها من الإجارة (٢)، لكنَّ العلماء فصَلوها عنها؛
стр. 7775
لأن الإجارة عقد لازم، ومن شرط العقد اللازم أن يكون العوض معلومًا، وأن تكون المدة معلومة، ولا يتحقق ذلك كله في الجعالة؛ فالجعالة يشترط فيها أن يكون العوض معلومًا؛ كأن يقول إنسانٌ: من ردَّ لي ضالتي فله مائة ريال، فقوله هنا: "من ردَّ ضالتي" الزمن فيه غير معلوم، فربما تطول به الأيام، وربما يجد الضالة خلال ساعة، وربما لا يجدها، فالمدة إذًا مجهولة في الجعالة في الغالب، وربما تكون المدة معلومة؛ كأن يقول: من ردَّ لي ضالتي من بلد كذا، أو ربما جعل ذلك عملًا، فقال: من خاط لي قميصًا فله كذا، أو من بنى لي هذا الجدار فله كذا.
إذًا: الإجارة والجعالة يلتقيان في أنَّ كل ما جاز أن يكون عوضًا في الإجارة جاز كذلك أن يكون عوضًا في الجعالة، وكما أن الإجارة يُشترط فيها أن يكون العوض معلومًا كذلك يُشترط - أيضًا - في الجعالة، وكما أنه يشترط في الجعالة أن يكون العوض مباحًا فلا يجوز أخذ العوض عن المحرمات، ولا على بعض القربات؛ كصلاة، كذلك - أيضًا - لا يجوز أخذ الجعل على أمر محرم، ولا على عبادة من العبادات التي يلزم الإنسان الإتيان بها، وقد عرفت فيما مضى في مواضع عدة اختلافَ العلماء في أخذ الأجرة على القربات؛ فبعضهم أجاز ذلك، وبعضهم منع، لكنهم متفقون على أن بعضها لا يجوز أخذ الجعل عليه كالصلاة، وكذلك الحال بالنسبة لما هو محرم.
وربما يضع الإنسان مبلغًا معينًا لشخص، وربما يضعه لأكثر، وهذا من الفوارق بين الجعالة والإجارة، فيقول مثلًا: من رد لي ضالتي فله كذا وكذا، وربما يقول: إن ردَّ فلان ضالتي فله كذا، وربما يقول: من رد ضالتي من مكان كذا، فلو ردها من غير ذلك المكان فلا جعل له، ولو أنه ردها من نصف المسافة يأخذ نصف الأجرة.
وهذه الجعالة التي اقتصر فيها المؤلف على صفحة تقريبًا فيها كلام كثير للعلماء، أوجزه أو لَخَّصه المؤلف ﵀.