إذًا، البَولُ يَأْتِي في مقدمة هذه الأمور، وقد وَرَدَ التَّنصيص على نَجَاستِهِ أيضًا في أدلةٍ كثيرةٍ، منها: قوله ﵊ في حديث صفوان وقد مرَّ بنا: "لكن من بولٍ أو غائطٍ" (١).
وَأيضًا أجمعَ العُلَماء علَى تحريمِهِ (٢)، والأدلَّة على ذلك كثيرةٌ، سيورد المؤلف طرفًا منها.
* قوله: (البَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ المَحَالِّ الَّتِي يَجِبُ إِزَالَتُهَا عَنْهَا).
إذًا، الأوَّلُ هي أنواعُ النَّجاسات: بول، أو غائط، أو مذي، أو ودي، أو دم، أو صديد، أو قيح (٣)، وهَذِهِ كلُّها يتكلم عنها العلماء،
стр. 807
ويُدْخلونها في أنواع النجاسات، وهناك أمورٌ أُخرى قَدْ تخرج من أحد السَّبيلين على غير المعتاد، مثل: الدود أو الحصى، وقد عَرَفنا نجاستها عند الجمهور (١)، خلافًا للمالكية (٢) فيما مضَى، وقد مرَّ معنا رأي الشافعية فيما مضَى أنهم لا يرون أنَّ الدمَ الخارج من غير السَّبِيلَيْن ينقض الوضوء، لكنهم يرَوْنَ أيضًا نجاسة الدم في هذه المسائل (٣).
الخلاصة: أن هناك بولًا وغائطًا ووَدْيًا ومذيًا، وهذه كلها مُجمَع على أنها نجسة، وهناك ما هو محل خلاف كالمنيِّ.
أيضًا يُلحق بذلك رطوبة (٤) الفرج (٥)، وسيأتي أيضًا الكلام عنها، ولا
стр. 808
أظن أن المؤلف يعرض لها، أما من حيث رطوبتها فالعلماء مختلفون فيها، منهم مَن يرَى أنها نجسة (١)، ومنهم مَن يرى طهارتها (٢).
* قوله: (البَابُ الرَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ تُزَالُ).
أي: في معرفة الشيء الذي به تُزَال هذه النجاسة، ولكن كيف تُزَال؟
تُزَال بالماء، وقد تُزَال بالحجارة، كما هو الحال بالنسبة للاستجمار (٣)، ولكن الأصل أن تُزَال بالماء، وكذا سائر النجاسات، وهذا
стр. 809
أمرٌ مُجْمعٌ عليه (١)، لأنَّ الاستجمارَ لا يقطع عين النجاسة، بل قَدْ يَبْقَى لها أثرٌ، فَهَذا أحَد موَاضع نص العلماء على أنها ممَّا خففت فيه الشَّريعة الإسلامية.
إذًا، الاستجمار من المسائل التي وردت في أبواب التخفيف.
* قوله: (البَابُ الخَامِسُ: فِي صِفَةِ إِزَالَتِهَا فِي مَحَلٍّ مَحَلٍّ).
ما هي الصِّفة التي تُزَال بها، هل تزال بالغَسْل، أم بالنَّضْح (٢)، فالصفاتُ متنوعة بتنوُّع درجة النجاسة خفةً أو ثقلًا.
* قوله: (البَابُ السَّادِسُ: فِي آدَابِ الأَحْدَاثِ).
فَالكَلَامُ هنا عن آدَاب الإحدَاث.
* قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ، أَمَّا مِنَ الكِتَابِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]].
هذه الآية وَرَدتْ في سورة "المدثر"، والمُرَادُ بالثياب إذا أُطلقت في لغة العرب الثيابُ المعروفة التي نلبسها، لكنه أيضًا يُكنَّى عن القلب بأنه ثوبٌ، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء، هل هذه الآية فيها دلالةٌ نصِّيَّة على النجاسة، أو أن المراد بذلك طهَارة القلوب؛ فيكون المقصود من ذلك هي الطهارة المعنوية، وهي الطهارة من الشرك (٣).
стр. 810
* قوله: (وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ، فَآثَارٌ كَثِيرَةٌ ثَابِتَةٌ).
يُقْصد بالآثار هنا: الأحاديث، وهي غالب الأحاديث التي سيوردها المؤلف في هذا الباب، وهي متفق عليها، وما لم يكن من المتفق عليه، فهو في أحد "الصحيحين".
* قوله: (مِنْهَا قَوْلُهُ ﵊: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ" (١)، "وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ" (٢).
جَاءَ ذِكْرُ الاستجمار في حديث: "مَن استجمَر فليوتر"، فهو دَليلٌ إذًا على إزالة النجاسة، وقد يَبْقى أثرها، وَلكنه أمرٌ قد خُفِّف في الشَّريعة الإسلَامِيَّةِ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
* قوله: (وَمِنْهَا: "أَمْرُهُ ﷺ بِغَسْلِ دَمِ الحَيْضِ مِنَ الثَّوْبِ").
يشير إلى حديث أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄ لمَّا سَألت رَسُولَ الله ﷺ : إحدَانا يصيب ثوبها دم الحيض، ما تصنع؟ فقال لها الرسول ﷺ : "تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرصُهُ بِالمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ" (٣)، هذه مراتب بيَّنها الرسول ﷺ .
"تَحتُّه" إذا كان يابسًا، أما إذا كان رطبًا فإنها "تَقْرصه" (٤)، أي: تغسله، ثم تنضح عليه الماء بعد أن تفرقه، ثم بعد ذلك تصلي فيه؛ لأنه
стр. 811
يكون حِينَئذٍ طاهرًا، وهذا يدل على أن طهارة الثياب مطلوبة، وأنها شرطٌ بالنسبة لإزالة النجاسة.
* قوله: ("وَأَمْرُهُ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ").
وَقصَّة الأعرابيِّ الذي جَاء وهو جاهلٌ وَبَال في المسجد، ولم يكن متجاوزًا لمكانة المسجد ولعظمته، ولم يُرِدْ أن ينتهك حرمة المسجد، لكنه لا يعرف الحكم؛ لذلك نجد أن الرسول ﷺ أمَر أصحابَه ألا يُزْرموه، بمعنى: ألَّا يغلظوا عليه القول، وأخذه ﷺ بحكمةٍ، وقال لهم: "صبُّوا على بول الأعرابي ذنوبًا (١) من ماء" (٢)، فالمساجد إنما جُعِلَتْ للصَّلاة، وليست لإلقاء القاذورات.
وبأتي هنا خلاف العُلَماء في مَسْألةٍ، وهي:
إذا وَقَعَت النَّجاسةُ على الأرض، فهل تُطَهَّر بغير الماء، وَذَلك بتَرْكها للشمس والرياح التي تمرُّ عليها؟
فالجُمْهورُ (٣) يرَون أن ذلك لا يكفي، …
стр. 812
ويقول بعضهم (١): إنْ زالت العين؛ طَهُرَتْ، ويأخذ بهذا الرأي العلماء الذين يرون التخفيف من الفقهاء والمحققين؛ لأنَّ هذا أقرب إلى روح الشريعة، لكن أكثر العلماء لا يرون ذلك، بل يرون أنه لا بدَّ من إزالة العين.
* قوله: (وَقَوْلُهُ ﵊ فِي صَاحِبَيِ القَبْرِ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَان، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ البَوْلِ").
يَقْتضي الأَمْرُ مِنَّا أحيانًا أن نزيدَ المقام بيانًا، ولا نَقْتصر على مَا في الكتَاب؛ لأنَّ الكتاب وإن اقتصر على أمهات المسائل، فهذا يَسْتَفيد منه طُلَّاب العلم الذين لديهم ثروةٌ في الفقه، لكن الذين يَكُونون في أوَّل الطريق، فَهُمْ بِحَاجَةٍ إلى أن يعرفوا بعض المَسَائل والتفاصيل.
إِذَنْ، رأينا خطورَة عدَم الاحتراز من البول، وَالتَّساهل فيه، ومن هنا نجد أنَّ العلماءَ دقَّقوا القولَ في هذه المسألة، وفصَّلوا فيها، وقسموا ما يتعلق بالقول إلى أقسامٍ أربعةٍ:
القسم الأول: بول الآدمي الكبير.
стр. 813
القسم الثاني: بول الآدمي الصغير الذي لم يطعم.
القسم الثالث: بول ما يؤكَل لَحْمُه من الحيوانات؛ كالإبل والبقر والغنم.
القسم الرابع: بول ما لا يؤكَل لحمه من الحيوانات.
ثُم قسَّم العلماء القسم الرابع (ما لا يؤكل لحمه)، وسوف يعرض له المؤلف، ولكن هذه مقدمة أردتُ أن أوطِّئ لها.
* أمَّا عن القسم الأول (بول الآدمي الكبير)، فإلى جانِب الأدلة التي وردت في ذلك، فإنَّ العلماءَ مُجْمِعُون على نجاسة بوله (١)، لا خلاف في ذلك، واستدلوا بأدلةٍ، منها حديث: "إنَّهمَا ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كَبِيرٍ، أمَّا أحدهما فَكَان لا يَسْتنزه من البول" (٢).
* أما القسمِ الثاني (بول الآدمي الصغير الذي لم يطعم)، فعامَّة العلماء يرَوْنَ أن بوله نجسٌ (٣)، ويستدلُّون على ذلك بأن الرسول ﷺ عندما بال عليه صبي "نضح ذلك البول" (٤)، فقالوا بأنه لَوْ لم يكن نجسًا؛ لَمَا نضحه الرسول ﷺ ، وقد نُقِلَ هذا عن داود الظاهري (٥)، واعتبر العلماء أن هذا قول ضعيف على أن بول الصغير غير نجس.
стр. 814
* القسم الثالث (بول ما يؤكَل لَحْمُه من الحيوانات)، كالإبل والبقر والغنم، فكافة العلماء (١) بما فيهم الأئمة الأربعة، وكذلك المالكية (٢)، والحنابلة (٣) على عدم نجاسته، وكذلك روثه، وخالف في ذلك الشافعية (٤)، والحنفية (٥) حيث يرون أن ذلك نجس.
* أمَّا القسم الرابع (بول ما لا يؤكَل لحمه من الحيوانات)، فإن العلماء ذَهَبوا كافة إلى نجاسة أبوالها، عَدا داود الظاهري (٦)، فإنه لا يرى
стр. 815
إلا نجاسة بول الآدمي، وقد شنع العلماء عليه، واعتبروا رأيه هذا ضعيفًا وشاذًّا، وقد نقل عنه ابن حزم في "المحلى"، وأعتقد أن المؤلف سيأتي بعد ذلك ويعرض ويفصل القول في كل هذا إن شاء الله.
وَباختصار، أُبَيِّن دليل الذين قالوا بأن بول ما يؤكَل لحمُهُ ليس بنَجَسٍ، وهو قصَّة الذين قَدِمُوا من عقل أو عرينة، والذين اجتووا المدينة، ومَرِضُوا فيها، فأمرهم الرسول ﷺ أن يلحقوا بإبل الصَّدقة، ويشربوا مِن ألبانها وأبوالها (١)، لكنهم بعد أن قدم لهم هذا الفضل العظيم نكصوا على أعقابهم، فقتلوا راعي الإبل، وساقوا الإبل، وأيضًا ما فعلوه مِنَ القتل وسمل (٢) عينيه، ولذلك أرسل الرسول ﷺ في طلبهم، فجيء بهم، فأنزل بهم ما يستحقُّونه من العقوبة.
إذًا، هذا دليل للذين يقولون بأن أبوال ما يؤكل لحمه طاهرة، لأنَّ الرسول ﷺ أمرهم أن يشربوا من أبوالها.
وَالَّذين يُعَارضون فيقولون بأن هذا إنما كان للعلاج، وكل ما هو نجس يجوز العلاج به في مذهبهم إلا الخمر، فإنَّه لا يُتَداوى بها، لأنه ورد التنصيص على ذلك: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (٣)،
стр. 816
وهذا سيأتي تفصيله -إنْ شَاء الله- في أبواب الأطعمة والأشربة.
أمَّا الَّذين يَقُولُون بأن أبوالَ هذه الحيوانات نَجِسَة يستدلُّون بعموم قول الله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ويقولون بأن العربَ تستخبث مثل ذلك، فيقولون بعدم شرب أبوالها، ثم بعد ذلك يأتون بالحديث على أنه للتداوي، ولا شك أن المقام ليس مقام ترجيح أو مناقشة، لكنني أريد أن أقدم المسائل جزءًا جُزءًا حتى تبقى في الأذهان.
* قوله: (وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ لِمَكَان هَذِهِ المَسْمُوعَاتِ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهَا فِي الشَّرْعِ وَاخْتَلَفُوا: هَلْ ذَلِكَ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ المَذْكُورِ وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ؟).
يقصد بالمسموعات: الأحاديث التي سمعناها، والتي ثبتت عن الرسول ﷺ ، وكل ما ورد من أحاديث، كحديث صاحبي القبر، وحديث أسماء في دم الحيض، وغيرهما، كلها أحاديث متفق عليها، أو في مسلم وغيره، لكننا نقول متفق عليهما ونكتفي بذلك.
اختلف العلماء في هذه النصوص هل هي محمولة علَى الوجوب؟
واختلافهم من حيث الجملة لا التفصيل.
أمَّا بالنِّسْبة للبول، فقد فصَّلت القول فيه لإعطاء مِثَالٍ على أن هذا ليس محلَّ خلاف، لكن هو يتحدَّث جملةً؛ لأنه بالنسبة لأبوال الحيوانات مأكولة اللحم وكذلك أرواثها هناك مَنْ يرى أنها طاهرة، وهناك مَن يرى أنها نجسة، وسيأتي الكلام أيضًا في الشعر والعظم والجلد، وفي غير ذلك، وسنقف أيضًا عند جلد الميتة (١) بأنه إذا دُبغَ فإنه يَطهُر، وسنعرف خلاف العلماء في هذه المسألة.
стр. 817
هذه كلها داخلة في مثل هذه المسائل، لكن كلامه يتعلق بالحديث عن هذا الكتاب جملة.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَاتِ وَاجِبَةٌ).
لَوْ أردنا أن نأخذها واحدًا واحدًا؛ لقُلْنا: إزالة البول من البدن، أو الثوب، أو البقعة واجبة، إلى جانب النص بالإجماع، وإزالة الغائط مجمع عليها؛ إذًا، هي ليست محل خلاف، وليس كل ما ذكر محل خلاف.
* قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ).
وبه قال أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِزَالَتُهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ).
هَذَا أيضًا ليس على إطلاقه، فالمالكية (٤) - كمَا عرفت فيما مَضَى-
стр. 818
أنهم يرَون وُجُوبَ إزالة البول من البدن، ومِن الثَّوب، وكذلك الدم.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ، سَاقِطَةٌ مَعَ النِّسْيَانِ).
هذا رأي للمالكية (١)، حيث يقولون: إنَّ إزالة النجاسة واجبة، لكن ينبغى أن نفرق بين حالين:
* إنسان يعرف ويدرك، ويعلم أن النجاسة قائمة في بدنه، أو في ثوبه، أو في مكانٍ يصلي فيه، أو في فراشٍ يصلي عليه، فهنا يجب عليه أن يزيلها.
* وإنسَان نسي النجاسة وصلَّى، فتَخْتلف حاله.
ويستدلون بحديث: "إنَّ الله رفَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)، فالنسيان يكون له حكمُهُ، ويُتَجاوز عنه.
ولا شك أنهم بذلك أيضًا أخذوا بروح الشريعة الإسلامية حيث إنها راعت الناسي؛ ولذلك نرى أن العلماء عادةً ما يعقدون كُتبًا مستقلةً يتحدَّثون فيها عن أحكام الناسي والجاهل والمكره، وكما نعلم قصة مَن تكلَّم في الصلاة (٣)، وحكمه، وهذا سيأتي.
стр. 819
كذلك المُكرَه علَى أمرٍ، لَكن ليس علَى إطلاقه، فليس كل مُكْرَهٍ له أن يفعل ما يُكرَه عليه؛ لأنَّ الإكراهَ أنواعٌ، فأَحْيَانًا يكون الإكراهُ إكراهًا مُلْجئًا (١) بأنه إنْ لم يفعل الإنسان ذلك الأمر يُقْتل (٢)، وأحيانًا يكون الإكراه على سبيل التهديد (٣).
مثال: الَّذي يزني مثلًا ليسَ له أن يفعل ذلك مطلقًا، لكن لو قيل له: إن لم تزنِ قتلناك، أو تسرق … وإنْ كان العلماء اختلفوا أيضًا في هذا الإكراه (٤).
стр. 820
وَهَكذا هناك مسائل كثيرة يختلف فيها العلماء، وهي مما يورده العلماء أيضًا في كُتُب القواعد، لَكن المهم أنَّ عادة الفقهاء على الخصوص، وكذلك الأصوليون في كتب القواعد والأصول كثيرًا ما يفردون النَّاسي والجاهل والمُكره بأحكامٍ، وهي أحكام يكثر دورانها، وتشتد الحاجة إليها، وبالتالي يكثر وجودها في الفقه.
* قوله: (وَكِلَا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (١)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ رَاجِعٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ).
المؤلف يريد أن يحصر سبب الخلاف في أمورٍ ثلاثةٍ، وكما قلنا مرارًا من مزايا هذا الكتاب أنه يذكر الأقوال، ثمَّ يحاول أن يقفَ عند أسباب الخلاف بين العلماء؛ لأنَّ هَذِهِ من الأمور التي تشغل طلاب العلم، حيث يَتسَاءل: ما الدَّاعي إلى كثرة الخلاف وتنوُّعه وتعدُّده وتوسُّعه، واشتغال العلماء فيه؟ لماذا لا يَخْتارون قولًا من الأقوال ويقفون عنده، ولا يَتشعَّبون، وقد بَيَّنت هذا، وتَكلَّمنا عنه كثيرًا، وقلنا: إنَّ هذه الاختلافات التي كان القصد منها الوُصُول إلى الحقِّ هي الَّتي أثرت الفقه الإسلامي مدته بهذا الكنز العظيم الذي نضع أيدينا عليه؛ فهذا الكتاب إنما هو قليل من كثير بالنسبة للفقه.
стр. 821
وهَذِهِ الاختلَافات التي وَقَعتْ بين العلَماء جَعَلتْ كلًّا يُبيِّن وجهة نَظَره، ويستدلُّ علَى قَوْله، ويُنَاقش دليل الآخر، فَجَاء هذا ورَدَّ، وهكذا … هذه كلها أمورٌ وسَّعَت الفقه الإسلامي، وأعطته من المكانة ما لم تعطِ غيره من أيِّ فقهٍ كان.
* قوله: (أَحَدُهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْلِهِ ﵎: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، هَلْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الحَقِيقَةِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى المَجَازِ؟).
قَضيَّة المجَاز قضيَّة مشهورة (١)، ومِن العُلَماء مَنْ يُنكِرُ وجود المجاز في القرآن (٢)، وأنَّه لا ينبغي أن يقال: إن هناك مجازًا حتى في الآيات التي يأتي فيها، فإنهم يقدرونه فيها محذوفًا، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، يعني: أهل القرية، وأيضًا: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾، يعني: ملَك صَالح، وهكَذا الأدلَّة الكثيرة التي يردُّها العلماء يحجبون عنها بأجوبةٍ، ومنهم مَنْ يقول: هذا إيجاز بالحذف وليس مجازًا، لأن القرآن من أسلوبه الإيجاز، وأيضًا من أسلوبه الترخيم، وهو معروف في لغة العرب كما في قراءة: (وَنَادَوْا يا مَلك ليَقْضي علَينا ربُّك)، يعني: يا مالك؛ فيعتبرون هنا أن فيه
стр. 822
حذفًا، وهنا يسلك هذا المسلك، وهذا هو الرأي الصحيح (١).
وفي نظري، لا ينبغي أن نقول: إن في كتاب الله مجازًا؛ لأن كتاب الله كتابٌ عظيمٌ، أنزله الله بواسطة جبريل ﵇ على محمد ﷺ ، بلسانٍ عربِيٍّ مبينِ، وهو خالٍ أيضًا مِنَ المجاز، وإنما يقال فيه أمور أُخرى كما نرى، فقد يَكون في القرآن كناياتٌ بأمورٍ كثيرةٍ كما مر بنا فيما يتعلَّق بالأمور المتعلقة بالوضوء، كقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وآيات أُخرى كثيرة وردت فيها كنايات، فالقرآن أحيانًا لا يُصَرِّح ببعض الأمور فنُسَمِّيها كنايةً؛ ففي آية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، نقول: الثياب الحقيقيَّة، أو كناية أيضًا عن طهارة القلوب، وتنزيهها من الشرك.
* قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الآثَارِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ).
يَعْني: يريد المؤلف أَنْ يقولَ: إنَّ هناك أدلة قد نجد بينها التعارض، فمثلًا: قد مرَّ بنا حديث: "إنهما ليُعَذَّبان … أما أحدهما: فكان لا يستنزه من البول" (٢)، ومرَّ كذلك حديث أسماء: "تَحتُّه ثم تقرصه ثم تنضحه بالماء"، بالنسبة للدم (٣)، وَسَيَأتِي أيضًا: "أنَّ رَجُلًا وضع سَلَى الجَزُور على رأس رسول الله ﷺ وهو يُصلِّي بمكة، والرسول ﷺ لَمْ يقطع صلاته" (٤)،
стр. 823
وهو يدعوهم ﷺ إلى الحقِّ، ويخرجهم مِن الظُّلمات إلى النور، وهم يُعَاملونه بهذه القسوة، وبهذه الغلظة، لكنه كما قال الله فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقَالَ عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
وَقَالَ في آخِرِ سورَة (الأعراف): ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ فَهَذَا هو المنهجُ الذي يَنْبغي أن يسلكَه كلُّ داعية في هذه الحياة؛ لأنَّ قدوتَنا في ذلك هو رَسُولُ الله ﷺ ، وَنَحْن مَأْمُورُون بأن نقتدي به، وأن نجعله أُسْوةً لنا، كما في سورة (الأحزاب): ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]، فَهو كان يدعو الله على بصيرةٍ، وعلى علمٍ ومعرفةٍ وإدراكٍ لِمَا يدعو وبما يدعو إليه، وكَذَلك كان حكيمًا في دعوته، وكان متأنِّيًا في ذلك، وهَكَذا شأن الدُّعاة، فكل دَاعِيَةٍ يَسْلك طريق الرشد والحكمة والتأني، فإنه في النهاية يأخذ بمجامع القلوب، ويؤثر فيها، ويترك أثرًا طيبًا في نفوس النَّاس.
وَكَمْ رأينا مِنْ أُنَاسٍ تحسَّنت أحوالهم، واستقَامت أمورهم نتيجة وجود دعاة استطاعوا أن ينفذوا إلى لُبِّ قلوبهم، فيؤثروا فيها عن طريق الموعظة الحسَنة، والحكمة الطيبة، ولذلك تَحسَّنت، لكن الداعية عندما يقابل من يدعوه بالغلظة والقسوة، فإنه قد ينفر من دعوته، وقد ينعكس الأمر.
إذًا، نحن مطالبون بذَلكَ، وكلُّ طَالِب من طلاب العلم هو في الحقيقة مهيأ لِأَنْ يكون داعيةً، فالمدرس داعية، والمفتي داعية، ومَن يشتغل في مجال الدعوة داعية، وكلنا راعٍ، وكل واحدٍ منا مسؤول عن
стр. 824
رعيته، وما أحسنَ الحكمة! ولا يعرف أثر الحكمة وتأثيرها في الناس إلَّا مَن جرَّبها.
* قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ الوَارِدِ لِعِلَّةٍ مَعْقُولَةِ المَعْنَى).
العِلَّةُ تَتكَرَّر معنا معقولة المعنى (١)، أو غير مَعْقولة المعنى (٢)، فإذا قالوا: مَعْقولة المعنى، فإنهم يعنون أن ندركها بالعقل، فلَوْ كان علَى ثوبك نجاسة تظهر لك، وعلَى البدن فنَظَّفتة، وهذه معقولة المعنى، أمَّا بالنسبة للطَّهارة من الحَدَث، فهذه عبادةٌ غير معقولة المعنى، وعندما تأتي إذا عدمت الماء أو عجزت عن استعماله؛ تنتقل إلى التراب، وهو على ضد الماء بالنسبة للنظافة، عبادة غير معقولة المعنى، فَهَل النجاسة غير معقولة المعنى؟ هذا هو ظاهرها؛ لأن القصدَ منها إنما هو النظافة، وأنَّ معنى النجاسة إنَّما هي الاستقذار أو القذارة، والاستقذار إنما يُزَال ويُنظَّف، والنظافة في الأصل إنما تكون بالماء.
إذًا، هو مُرَاده أنَّ هناك عبادة مَعْقولة المعنى يدركها الإنسان بعقله، أو هي معروفة العلة والحكمة، وعبادة غير معقولة المعنى، يعني: لا تدركها بعقلك، وإنما تقول: عبادة توقيفية يجب عليك أن تسلم لها، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] (٣).
стр. 825
فَعَلينا أن نسلِّم، وما ظهر لنا فنحن مأمورون باتباعه، وما علينا إلا أن نسلم ونستجيب لهذا الأمر قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
* قوله: (هَلْ تِلْكَ العِلَّةُ المَفْهُومَةُ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ قَرِينَةٌ تَنْقُلُ الأَمْرَ مِنَ الوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ، وَالنَّهْيَ مِنَ الحَظْرِ إِلَى الكَرَاهَةِ؟ أَمْ لَيْسَتْ قَرِينَةً؟).
يَعْني: هَلْ هَذِهِ العلَّة قرينةٌ تنقل الأمرَ من الوجوب إلى غيره؛ قالوا: لأنَّ المعروفَ عادةً أن الأمور المعقولة ذات المعنى (المدركة) هي دائمًا من محاسن الأمور، ومن محاسن الأخلاق، وهي نظافة أدب، إلى غير ذلك؛ فهذه أمور مستحسنة في الغالب لا تكون واجبة، لكن لا يلزم هذا، فمنها ما هو واجب.
* قوله: (وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ العِبَادَةِ المَعْقُولَةِ وَغَيْرِ المَعْقُولَةِ؟ وَإِنَّمَا صَارَ مَنْ صَارَ إِلَى الفَرْقِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الأَحْكَامَ المَعْقُولَةَ المَعَانِي فِي الشَّرْعِ اَكْثَرُهَا هِيَ مِنْ بَابِ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ).
نبَّه المؤلف هنا أيضًا على عادة الأمور، والمعروف في الشريعة الإسلامية أن الأمور معقولة المعنى تكون -في الغالب- من محاسن الأخلاق.
* قوله: (أَوْ مِنْ بَابِ المَصَالِحِ، وَهَذِهِ فِي الأَكثَرِ هِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، فَمَنْ حَمَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، عَلَى الثِّيَابِ المَحْسُوسَةِ قَالَ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ، وَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الكِنَايَةِ عَنْ طَهَارَةِ القَلْبِ، لَمْ يَرَ فِيهَا حُجَّةً).
لَكن حتَّى على قول مَنْ لا يرى فيها حُجَّةً، لا نفهم من هذه أن الخلاف كله يدور حول الآية، بل الأدلة -كما هو ظاهر- الَّتي ذكر المؤلف وأدلَّة أُخرى ستأتي هي -حقيقةً- موضع الفصل في هذا المقام.
стр. 826
* قوله: (وَأَمَّا الآثَارُ المُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهَا حَدِيثُ صَاحِبَيِ القَبْرِ المَشْهُورُ، وَقَوْلُهُ فِيهِمَا ﷺ : "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَان، وَمَا يُعَذَّبَان فِي كبِيرٍ" (١).
يَعْني: مَعْنى هذا أنَّ الإنسان الذي لا يستنزه من البول، أو لا يستبرئ من البول، فيَبْقى على بَدَنه شيءٌ منه فيصلي، فقد عرض نفسه للعقَاب، فالإنسان لا يُعَاقب إلا على ترك واجب، لأنَّ الإنْسَانَ لَا يُعَاقب على ترك سُنَّةٍ، أو على ترك نافلةٍ، وإنما يعاقبً على ترك أمر مفروض واجب عليه، فإما أن يرتكب منهيًّا ويعاقب عليه، أو يترك واجبًا فيعاقب على تركه، لكن لا يعاقب على ترك سُنَّة، وإنما يفوته الثواب في ترك ذلك.
* قوله: ("أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ"، فَظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ يَقْتَضِي الوُجُوبَ؛ لأنَّ العَذَابَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالوَاجِبِ، وَأَمَّا المُعَارِضُ لِذَلِكَ، فَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ مِنْ أَنَّهُ رُمِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ سَلَا جَزُورٍ بِالدَّمِ وَالفَرْثِ، فَلَمْ يَقْطَعِ الصَّلَاةَ (٢). وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةً كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ مِنَ الحَدَثِ، لَقَطَعَ الصَّلَاةَ).
مَعْلومٌ الكَلَام فيما يتعلَّق بالأذى، عندما استشَار الرسول ﷺ أصحابَه في أسرَى بدرٍ (٣)، وكان الله قَدْ نصر المؤمنين، ومَكَّنهم من أعدائهم
стр. 827
حتى إنه وقع في أيدي المسلمين عددٌ كبيرٌ من الأسرَى حتى إن الرسول ﷺ استشار أصحابَه، فكان رأي أبي بكرٍ ﵁ أن تؤخذ منهم الفدى، وكان رأي عمر ﵁ أن تقطع رقابهم، وذكر العلة أنهم قومٌ آذَوْا رسولَ الله ﷺ ، وأخرجوه والمؤمنين، وذكر الأسباب الكثيرة في ذلك، لكن الرسول ﷺ بحكمته مَالَ إلى رأي أبي بكرٍ، ومع ذلك عاتبه الله بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ [الأنفال: ٦٧].
* قوله: (وَمِنْهَا مَا رُوِيَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ، فَطَرَحَ نَعْلَيْهِ، فَطَرَحَ النَّاسُ لِطَرْحِهِ نَعْلَيْهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ﵊.
هَذَا الحَديثُ الذي أشَارَ إليه المؤلف اختزلَه، ولم يأت بتمامه، وهو "أنَّ الرسول ﷺ كان يصلي بنعليه، فأتاه جبريل، فأخْبَره أن فيهما قذرًا، فخلعهما الرسول ﷺ " (١)، ولأنَّ الصحابة ﵃ كانوا أسرعَ النَّاس استجابةً وامتثالًا واقتداءً برسول الله ﷺ ، فخلعوا نعالهم؛ لأنهم ظنوا أن تلك شريعة، وأنه أمر ينبغي التزامه، فبيَّن لهم الرسول ﷺ : "فإذا جاء أحدُكُم إلى المسجد فليقلب نعليه، فإن رأى فيهما خَبثًا فَلْيَمْسَحهما في الأرض، ثم يصلي فيهما".
لَكن هذَا الحَديث فيه كلامٌ مشهورٌ للعلماء، فمنهم مَن صحَّحه
стр. 828
كابن حبان (١)، والحاكم (٢)، وابن خزيمة (٣)، ومنهم مَن ضعَّفة، والكلام في هذا الحديث يدور حول كونه مُرسَلًا أو موصولًا (٤).
* قوله: (وَقَالَ: "إِنَّمَا خَلَعْتُهَا، لِأَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا").
لَا شَكَّ أنَّ مسألَةَ النَّعْلين تُعَد مِن الأمور التي ذَكَرها المؤلف، وأَوْمَأ إليها في مُقدِّمة المسَائل التي توضح ما تُزَال به النَّجاسة، وقلنا: الأَصْلُ أنَّها تُزَال بالماء، وتُزَال بفَرك النعل؛ فتُزَال ما فيها، وفي قصَّة أم سلمة أيضًا عندما سألت الرَّسول ﷺ فقالت: "إنِّي امرأة أطيل ذيلي"، وَهَذا الذَّيل هو الذي يُسْحب على الأرض لتستتر به، يمر على الأرض، والأرض فيها شيءٌ من النجاسات، فقال الرسول ﷺ : "يُطهِّره ما بَعْده" (٥).
* قوله: (فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً، لَمَا بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنَ الصَّلَاةِ).
هنَا كَلَامٌ للعُلَماء في النَّسخ من عدَمه، والنَّسخُ (٦) يحتاج إلى دَلِيلٍ في
стр. 829
أوَّل الأمر، فَهل الصَّلاةُ في بَادئ الأمر التي فُرضَت قبل الهجرة بسَنَةٍ عندما أُسْرِيَ برَسُول الله ﷺ ، وَعُرِجَ به إلى السماوات، الصَّلوات الخَمْس التي كان الرَّسول ﷺ يصليها، هكذا؛ أو أنه كان يتعبد ربَّه بدونها، وهل كانت صلاة بالغداة وصلاة بالعشِي؟ كلُّ هذا كلامٌ سنَعْرض له -إن شاء الله- تفصيلًا، وكذلك بالنسبة للوضوء.
وعندما تأتي أحكام الصلاة، وأنها كانت أول ما فرضت، كما في حديث عائشة: "فُرضَتْ رَكْعَتين رَكْعَتين، فَزِيدَ في صلاة الحضر، وأُقِرَّتْ في صلاة السفر" (١)، وسيأتي أيضًا الخلاف.
وَسَبق أن تحدَّثنا عن الوضوء، وبيَّنا متَى فرض الوضوء؛ لأن هناك مِنَ العلماء مَنْ رأى أنَّ الوضوءَ لم يُفْرض إلَّا في آية (المائدة) بِلَا خِلَافٍ (٢)، وهي إنما نزلت في المدينة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
стр. 830
الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والصلاة فُرضَت قبل الهجرة بسنة، فهل كان الوضوء موجودًا ولم يكن واجبًا، أو أنه كان واجبًا وأكَّدته سورة (المائدة)، فهذا كلام مرَّ بنا مفصلًا.
* قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ فِي هَذِهِ الآثَارِ مَذْهَبَ تَرْجِيحِ الظَّوَاهِرِ قَالَ: إِمَّا بِالوُجُوبِ إِنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ حَدِيثِ الوُجُوبِ).
يَقُولُ المؤلِّف: كلُّ حُجَّة لها ظاهر، فهل نأخذ بحديث: "إنَّهما ليُعذَّبان … "، وَحَديث أسماء: "تحتُّه ثم تَقْرصه"، إلى آخر الحديث، فنأخذ بظَوَاهرها ونقول: إنَّ النجاسَة جملةً وتفصيلًا مقطوعٌ بنجاستها؟ أَوْ نأخذ بظَواهر الأحَاديث الأُخرَى، كحَديث وَضْع سَلَى الجَزور، وما يَتَعلَّق بالنعلين وفَرْكهما؛ فنقول: لَيْست بنَجِسَةٍ.
كَذَلك أيضًا التي تطيل ذيلها وتمرُّ به في الطريق، ولا شكَّ أن العلَماء ذَكَروا أمورًا مُخفَّفةً من النجاسات، فالطين الَّذي في الشَّوارع -على سبيل المثال- يقول العلماء: إنه مما خُفِّف، وسيمر معنا كلام الشافعي حول الذباب (١)، لأنه يرى أن ما لا نفسَ له سائلة يعفى عنه، والجمهور يرى أنه نجس (٢)، وهو يعلل في ذلك، لكنه يقول: الذباب
стр. 831
استثني لأنه مما تعم به البلوى، وقد أوردتُ تفصيلًا فيما مضى عن أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية، وأنها سبعةٌ، ومن بينها ما تعمُّ به البلوى، أَيْ: يَكْثر وُقُوعُهُ، ويشق التحرُّز منه.
* قوله: (أَوْ بِالنَّدْب إِنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ حَدِيثي النَّدْبِ، أَعْنِي: الحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقْضِيَانِ أَنًّ إِزَالَتَهَا مِنْ بَابِ النَّدْبِ المُؤَكَّدِ. وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالقُدْرَةِ، سَاقِطَةٌ مَعَ النِّسْيَانِ وَعَدَمِ القُدْرَةِ).
لا شك أن هذا التعليل أو هذا القول له وجهة من النظر، وهو يلتقي مع روح الشريعة، فقد لاحظنا أمر النسيان، فالناسي يختلف عن الذاكر،
стр. 832
فَفَرقٌ بين إِنْسَانٍ -نَسْأل اللهَ العافيةَ- يتعمَّد أن يصلي بغير طهارةٍ، وبين إنسانٍ نسي أنه جُنُبٌ وصلَّى، وهذا حصل لبعض الصَّحابة كما في قصة عثمان ﵁ (١).
إذًا، الناسي معفوٌّ عنه، لكن ليس معنى هذا أنه عندما يتذكَّر لا يعيد الصلاة، لا، بَل يذهَب وَيَتطهَّر ويعيد الصلاة، ولكن الخلاف بين العلماء فيما لو صلَّى الإمام بالناس وهو محدثٌ ولا يعلم بحدثه، وهذا صلاتُهُ صحيحةٌ (٢)؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "إنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤتمَّ به، فلا
стр. 833
تَخْتَلفوا عليه، فإذا كبَّر فَكبِّروا، وإذا ركَع فَارْكعوا، وإذا رفع … " (١)، إلى آخره.
والاقتدَاء بالإمَام لا يَكُون في كلِّ شيءٍ، وَلَكن في بعض الأمور دون بعضٍ، وَهَذِهِ منَ الأمور التي نَصَّ عليها العلماء وبيَّنوها.
إذًا، لَوْ أنَّ الإمامَ نسِيَ وصلَّى بالناس بغير طهارةٍ غير متعمدٍ، فلا شيء عليه، أما المتعمد فله حالٌ أُخرى (٢).
وسأل سائلٌ: أنه تصعب عليه الصلاة بسبب أنه تخرج منه ريح في المسجد، ومع ذلك يواصل الصلاة، وهذا خطرٌ، ويُخشَى عليه؛ لأنه يستحي من الناس أن يقطع الصلاة، ولا يستحي من الله ، فَهَذا حقٌّ، والله لا يستحي من الحق.
стр. 834
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ (١): هِيَ فَرْضٌ مُطْلَقًا، وَلَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلٌ رَابعٌ فِي المَسْأَلَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إِنَّمَا تُزَالُ فِي الصَّلَاةِ، وَكذَلِكَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ العِبَادَةِ المَعْقُولَةِ المَعْنَى وَبَيْنَ الغَيْرِ مَعْقُولَتِهِ، أَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ الغَيْرَ مَعْقُولَة آكَدَ فِي بَابِ الوُجُوبِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الأَمْرِ الوَارِدِ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ الحَدَثِ، وَبَيْنَ الأَمْرِ الوَارِدِ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَسِ مَعْلُومٌ أَنَّ المَقْصُودَ بِهَا النَّظَافَةُ، وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ).
وَإلَى جَانب كون المَقْصود من الطَّهارة النَّظافة، ولكن أيضًا هي أمرٌ تعبديٌّ، ويحبها الله ، فإزالة النجاسة أنت مأمورٌ بها، وأنت عندما تزيلها فأنت ممتثلٌ لأمر الله ، ثم لأَمْر رسوله ﷺ ، وتكون قد نزلت عند أحكامهما، فأنت تكون ممتثلًا متعبدًا بذلك العمل.
إذًا، هذا أمرٌ مطلوبٌ، فَهي بالإضافة لكونها نظافةً، فهي أمرٌ تعبديٌّ بأن يرفعَ الإنسان عن نَفْسه تلك النَّجاسة؛ ليكون مُهيَّأً لِأنْ يصلِّي، ويقرأ القرآنَ، ويَطوف بالبيت … إلى غير ذلك.
* قوله: (وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنَ الحَدَثِ، فَغَيْرُ مَعْقُولَةِ المَعْنَى).
مرَّ معنا قضية طهارة الحدث، معقولةً وغير معقولةٍ، خلَاف الحنفيَّة، فَهُمْ لا يشترطون فيها النيَّة؛ ولذَلكَ يَقُولُونَ: إنَّها معقولَة المَعْنى؛ لأنَّ إلى جانب كَوْنها عبادةً، فَهي فيها نظافةٌ أيضًا، فالإنسان عندما يغسل وجهه
стр. 835
ويديه، ويمسح رأسَه وَرِجْلَيه، هو إلى جانب كونه أيضًا أدى عبادةً، فهو كَذَلك نظَّف أعضَاءه في نفس الوقت.
* قوله: (مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي النِّعَالِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنْ أَنْ يُوطَأَ بِهَا النَّجَاسَاتُ غَالِبًا، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ العَفْوِ عَنِ اليَسِيرِ فِي بَعْضِ النَّجَاسَاتِ) (١).
ولكنها نجاسة مخففة، وسيأتي الكلام عن تقسيم النجاسة أيضًا إلى
стр. 836
مُغلظة ومخففة … فالمُغلَّظة: كالبول، والغائط، ودم الحيض، والمخففة مثل التي يطؤها النعل، أو يمر عليها ثوب المرأة إذا امتد ومسح على الطريق؛ وقد خُفِّفت، لأن في التَّوقِّي منها عسرًا، وَفِي بَعْضها ابتلاء؛ ولذلك يُسِّر وخُفِّف فيهَا.
كَذَلك القمح تطؤه البهيمة فتُصيبه بروثها، أو يخرج فيه بعض الدُّود يتوالَد فيه، وهذا مما عُفِيَ عنه؛ إذًا كل هذه الأمور عُفِيَ عنها في الشريعة الإسلامية، فدائمًا لا بدَّ من أن نراعي أحوالَ الناس، فنُيسِّر عليهم، ولا نُشدِّد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[البَابُ الثَّانِي] [فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ]
(وَأَمَّا أَنْوَاعُ النَّجَاسَاتِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا مِنْ أَعْيَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ).
هنا سيَتطرَّق المؤلف إلى أنواع النجاسات، حيث يبدأ يعدد لنا، وإن لم ستوعب، فإنه سيذكر أهمها.
* قوله: (مَيْتَةِ الحَيَوَانِ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ):
إذًا، المَقْصُود مِنْ كلامي في قضية أنَّ إزالَة النَّجاسَة واجبَة أنَّ هناك قولًا بأنها سُنَّة، يقصد من حيث الإطلاق والعموم لا التخصيص، فهنا بدأ يخصص ويحدد ما هو موضع اتفاق، وما هو محل اختلاف.
تأمَّل ميتةَ الحيوان ذي الدم، لأن هنا ما لَا نفسَ له سائلة -كمَا يقول بعض الفقهاء- أيْ: لا دَمَ له، ويقصدون النفس، لأنَّ النفس تُطْلق ويُرَاد بها الدم، مثل: الذباب، والعقرب والخنفساء، وغيرها … كل هذه
стр. 837
لا نفسَ لها سائلةٌ، ولا اعتبار بما فيها من الشيء اليسير، فلها حكمٌ يختلف عن غيرها.
* قوله: (وَعَلَى لَحْمِ الخِنْزِيرِ بِأَيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ أَنْ تَذْهَبَ حَيَاتُهُ).
سواء ذُبِحَ على طريقة صحيحة أو غير صحيحة، أو أصيب أو قطع رأسه، مهما كان، إنما هو لحم خنزير.
* قوله: (وَعَلَى الدَّمٍ نَفْسِهِ مِنَ الحَيَوَان الَّذِي ليْسَ بِمَائِيِّ انْفَصَلَ مِنَ الحَيِّ أَوِ المَيِّتِ إِذَا كَان مَسْفُوحًا، أَعْنِي: كَثِيرًا).
أما بالنسبة للمائي، فالله ، يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، وسيأتي معنا، وربَّما المؤلف يعرض لهذه ليحل لكم صيد البحر الذي هو السمك، والذي هو يُصَاد، وطعَامه الذي هو يَطفُو، أو هو ميتة … علَى خِلَافٍ بَيْن العلَماء في هذه المسألة.
أَيْ: أنَّ المُؤلِّف يُشير إلى الفَرْق بين حَيوَانات البَحر، وبين حَيوانات البرِّ؛ فحيوانات البحر الَّتي هي السمك الذي يُصاد بجميع أنواعه، أو الذي يطفو أيضًا يلفظه البحر، هذا يعتبر أيضًا مباحًا، وهناك الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهي عامة، وسيأتي ذلك، وأنه يريد به الخصوص، والصحيح أنه عام مخصوص، لأنه أيضًا مما استُثْنِي منه: "أُحِلَّتْ لنَا مَيْتتَان ودَمَان" (١)، وسيأتي الكلام عن ذلك أيضًا.
* قوله: (وَعَلَى بَوْلِ ابْنِ آدمَ وَرَجِيعِهِ).
" رَجيعه"، أَيْ: ما يَخرُج منه مِنَ الغَائط، لأن الإنسان يأخذ الطعام فكأنه يردُّه، أَيْ: يرجعه مرةً أخرى ويرده، ولذلك سموه رجيعًا، فبعضهم بدل أن يذكر الغائط يقول: الرجيع.
стр. 838
* قوله: (وَأَكثَرُهُمْ عَلَى نَجَاسَةِ الخَمْرِ).
سَيأتي الكَلَام عن الخمر أيضًا، وعن أنها نجسةٌ، وهذا هو رأي جماهير العلماء (١)، ويُلحِقُون بذلك بعض الأطياب التي تستخدم كالكولونيا وغيرها؛ ولذلك المسكرات بجميع أنواعها إنَّما هي نجسةٌ، هذا هو الرأي الصحيح، وقَدْ ذكرناه مقدمًا، وسيأتي الكلام والتفصيل في هذه المسألة، وهناك مَنْ يخالف فيها، وَلكنَّ الصَّحيح من قول أهل العلم أنها نجسةٌ.
* قوله: (وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالقَوَاعِدُ مِنْ ذَلِكَ سَبْعُ مَسَائِلَ).
اختلفوا في غير ذلك، إذًا هناك أمور لم يتكلم عنها المؤلف، ونحن - إن شاء الله- قدَّمنا بعضها مما لم يذكره المؤلف، وكلما مررنا بمَوْضع من المواضع، نُحَاول أن نزيدَ أيضًا بعض الأمور مما نرى الحاجة إليها.
стр. 839
* قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي مَيْتَةِ الحَيَوَانِ الَّذِي لَا دَمَ لَهُ) (١).
ذَكَر المؤلف ضِمْن المَسائل الأربع التي عدَّها مقدِّمةَ هذا الباب، وذكر من بينها الخمر، وهذا مجرد إشارة إليها.
стр. 840
أما الخمر، فالمتفق عليه عند الأئمة الأربعة أنها نجسة، لكن نقل عن داود الظاهري، ويقال أيضًا عن ربيعة شيخ مالك أنها ليست بنجسة (١)، والصَّحيح أنها نجسة، وهذه سيأتي الكلام عنها في أبواب وربما تمر أيضًا بنا في "كتاب الصلاة".
(اخْتَلَفُوا فِي مَيْتَةِ الحَيَوَان الَّذِي لَا دَمَ لَهُ) (٢):
ميتة الحيوان الذي لا دمَ له، وهو الذي ليست له نفسٌ سائلةٌ، مثل
стр. 841
الذباب، وكذلك الخنفساء والعقرب، ويُلْحقون بها القمل، وكذلك البق الذي نعرفه الآن بالبعوض.
* قوله: (وَفِي مَيْتَةِ الحَيَوَانِ البَحْرِيِّ).
والمقصود بميتة الحيوان البحري السمك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
قال: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ طَاهِرَةٌ، وَكَذَلِكَ مَيْتَةُ البَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ) (١).
هو مذهب مالك، وهو أيضًا المشهور من مذهب الإمام أحمد (٢)، أنَّ ميتة ما لا نفسَ لها سائلةٌ، وكذلك ميتة البحر عند الإمامين مالك وأحمد.
стр. 842
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّسْوِيةِ بَيْنَ مَيْتَةِ ذَوَاتِ الدَّمِ وَالَّتِي لَا دَمَ لَهَا فِي النَّجَاسَةِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ) (١).
لَكن مذهب الشافعي ليس على إطلاقه؛ لأن الشافعية لهم تفصيل في ذلك، وهو عندما يأتون مثلًا إلى الذباب يرون أنه مما تعمُّ به البلوى، ويصعب التخلص منه، فإنهم قالوا: إنَّ الحاجة دعت إلى استثنائه، كذلك هناك رواية في مذهب الشافعية تقول: "إن ما لا نفس له سائلة ولا يؤثر في الماء، فنجاسته مخففة" (٢)؛ لذلك يرون أنه مَعفُوٌّ عنه، وسيأتي كلَام المؤلف أيضًا فيما يتعلق بالذباب، والمناقشة بين الحنابلة والحنفية من جانب والشافعية.
قوله: (إِلَّا مَا وَقَعَ الاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ مِثْلَ دُودِ الخَلِّ، وَمَا يَتَوَلَّدُ فِي المَطْعُومَاتِ).
هَذه أُمُورٌ استُثْنِيَتْ عن أُمُورٍ مُسْتثناةٍ، وهذا مما اتفق عليه العلماء، فالَّذي نجده في القمح والأرز من أمثال تلك الدُّوَيبات الصغيرة، كلها أمور مستثناة، وكذلك تكلم العلماء أيضًا عمَّا يحصل مِن دوَابَّ أيضًا أثناء جمع القمح أو الشعير، وغيرهما؛ فهذه أمور أيضًا تكلَّم عنها العلماء، ورأوا أنها معفُوٌّ عنها.
стр. 843
قوله: (وَسَوَّى قَوْمٌ بَيْنَ مَيْتَةِ البَرِّ وَالبَحْرِ، وَاسْتَثْنَوْا مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ) (١).
وَيَقْصد بذلك مذهب الحنفية، فَهم يرَوْن أنَّ ما طفَا -وَهُو ما لَفظَهُ البحر- غير طاهرٍ، أما ما يُصَاد ونحو ذلك؛ فهذا طاهر (٢).
إذًا، ما ألقى البحر أو جزر عنه، فهو طاهر عندهم، وَاستدلُّوا بالحديث الضَّعيف: "وما مَاتَ في البحر وطفا" (٣)، يَعْني: لفَظَهُ البحر، ويأتي الكلام حول قول الله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ما المراد بالطعام؟ فَهُم يخالفون في كلمة الطعام.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فِيمَا أَحْسَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مِنْ بَابِ العَامِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ).
الصحيح أنه من باب العام المخصوص، أي: عَامٌّ دَخَله الخُصُوصُ،
стр. 844
ومما يدلُّ على ذلك أنه وردت عدةُ أحاديثَ تُخصِّص هذه ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
وَثَبتَ عن الرَّسُول ﷺ أنه قال: "أُحلَّتْ لنا مَيْتتان ودَمَان، والميتتان هما: السَّمك والجراد، أما الدَّمان فهما: الكبد والطحال" (١).
وهنا استثناءٌ أيضًا، وهو حديث عبد الله بن أبي أوفَى المتفق عليه: "غزَوْنَا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكُلُ الجراد" (٢).
إذًا، الآية ليست علَى عمومها، بَلْ هي عامَّة خُصَّتْ، فلَيْست على العموم وأريد الخصوص، إنما هو عامٌّ مخصوص (٣).
قوله: (أَحْسَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مِنْ بَابِ العَامِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ).
أيْ: عامّ جاءت أدلة أُخرى فخَصَّصته، وهذه من القضايا المهمة التي ينبغي أن ينتبه لها في قراءة هذا الكتاب وأمثاله؛ لأن الكتب القديمة تحتاج إلى وقفاتٍ وتدقيقاتٍ، وإلى نظر وإمعان من الدارس لها، وليس مجرد متصفح.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيُّ خَاصٍّ أُرِيدَ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، وَمَا لَا دَمَ لَهُ).
عرفنا أن الذين استثنوا ميتة البحر، وما لا دمَ له، هم الفريق الأول: المالكيَّة والحنَابلة.
стр. 845
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ فَقَطْ).
وهُمُ الشَّافعيَّة، لكن لَيْس الكلَام على إطلاقه في مذهب الشافعيَّة، وقلنا من قبل: إننا لسنا في هذا المقام، ولَمْ يكن مقصودنا أن ندخل فنتتبع الجزئيات في المذاهب، وندقق فيها، ولو سلكنا ذلك؛ لما استطعنا أن نأخذ من الكتاب اليسير، أو احتجنا في كل الكتاب أكثر من عشر سنوات لندرسه.
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ فَقَطْ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المُسْتَثْنَيَاتِ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الدَّلِيلِ المَخْصُوصِ، أَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَا دَمَ لَهُ، فَحُجَّتُهُ مَفْهُومُ الأَثَرِ الثَّابِتِ عَنْهُ ﵊ مِنْ أَمْرِهِ بِمَقْلِ الذُّبَابِ إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ).
أيْ: "إذَا وقَع الذُّباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإنَّ في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر دواء" (١)، وهذا تكلم عنه الأطباء هنالك، وأذكر أنني قرأت منذ مدة طويلة أنه في الحرب العالمية الثانية بقي بعض الجرحى على حياته، وبعضهم كان أكثر من غيره، وقالوا عن الذي وقع عليه الذباب وقف وشُفِيَ بخلاف غيره؛ وهذا ذَكَره الأطباء، والله أعلم.
وقال بعض العلماء والفقهاء: إنَّ الإنسان إذا بدأ بغمس جناح الذبابة الذي فيه الداء فإذا غمس الجناح الآخر حِينَئذٍ يأتي الجناح الذي فيه الدواء فيلتقيان؛ فيقوم هذا، ويقوم هذا؛ فلما أراد جناح أنْ يلزم الآخر، ألزمه جناح الدواء؛ فلَا بُد على الإنسان أن يشربه ولا يتأفف؛ لأنها سُنَّة رسول الله ﷺ .