← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله -: هو قرض وليس قراضًا؛ لأنه إذا قال له: خذ هذا المال واتَّجر به والربح لك، فإنَّ هذه العبارة تحتمل المضاربة، وتحتمل القرض، فتُصرف إلى أقربهما، والأقرب هو القرض؛ لأنه من المعلوم في القراض أن الربح يكون بينهما. قوله: (فَمَالِكٌ رَأَى أَنَّهُ إِحْسَانٌ مِنْ رَبِّ المَالِ وَتَطَوُّعٌ، إِذْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الجُزْءَ القَلِيلَ مِنَ المَالِ الكَثِيرِ). قالوا: هو إحسان وتفضل وإرفاق منه ومساعدة، فيكون قرضًا حسنًا؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. قوله: (وَالشَّافِعِيُّ رَأَى أَنَّهُ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ خُسْرَانٌ فَعَلَى رَبِّ المَالِ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ القَرْضَ، وإِنْ كَانَ رِبْحٌ فَلَيْسَ لِرَبِّ المَالِ فِيهِ شَيْءٌ). وسكتَ عن الإمامين أبي حنيفة وأحمد (١) رحمهما الله، ويَظهرُ أنَّ رأيهما هو الراجح في هذه المسألة؛ لأنهما قالا: هو أطلق، فقال: خذ هذا فاتَّجر به، فهذا يحتمل المضاربة ويحتمل القِراض، ونحن نصرفه إلى ما يمكن أن يجوز، فيحوَّل إلى القرض فيكون جائزًا. قوله: (وَمِنْهَا: إِذَا شَرَطَ رَبُّ المَالِ الضَّمَانَ عَلَى العَامِلِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَا يَجُوزُ القِرَاضُ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو

стр. 7807

حَنِيفَةَ (١)، وَأَصْحَابُهُ: القِرَاضُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ). الإمام أحمد (٢) وافق الإمام أبا حنيفة في هذا القول، وقد تُلاحظ توافقًا في مسائل كثيرة بين الإمامين أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله. والشرط باطلٌ؛ لأن هذا شرط أُضيف إليه، ونحن نطرحه كالشروط التي نطرحها في النكاح وكذلك في البيوع، فإنها تُلغى ويبقى العقد صحيحًا. قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّ اشْتِرَاطَ الضَّمَان زِيَادَةُ غَرَرٍ فِي القِرَاضِ نفسه، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَشَبَّهَهُ بِالشَّرْطِ الفَاسِدِ فِي البَيْعِ عَلَى رواية أَنَّ البَيْعَ جَائِزٌ، وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ اعْتِمَادًا عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ (٣) المُتَقَدِّمِ). في قصة بريرة عندما عرضت عليها عائشة ﵄ عتقها: أن تدفع لها، على أن يكون لها الولاء، ولكن أهلها - أي: الذين ملكوها قبل ذلك - اشترطوا أن يكون لهم الولاء، فذكرت عائشة لرسول الله ﷺ ذلك، فقالت: فقال: "اطلبي العتق، واشترطي لهم الولاء"، ثم قال: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط"، قال: دفعت لها ما تعتق به، ثم قال: "اشترطي لهم الولاء" (٤)؛ لأن هذا الشرط لا يؤثر؛ لأنه شرط فاسد؛ فليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ الصحيحة ما يؤيده، وإذا لم يكن كذلك فإنه يكون باطلًا، فقال: "اشترطي لهم الولاء" (٥)، ثم بين العلة، ثم قام خاطبًا للناس، فقال: "ما بال أقوام

стр. 7808

يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط" (١)؛ لأن شريعة الله -سبحان الله وتعالى- إنما تستمد من الكتاب والسنة، فليس لأحد كائنًا من كان أن يزيد فيها؛ لأن هذه الزيادة لا تجوز، وكذلك - أيضًا - ليس لأحد أن ينقص من شريعة الله -سبحان الله وتعالى- شيئًا إلا فيما جاء في الرخص التي أباحتها هذه الشريعة؛ كما نرى في قصر الصلاة، وأيضًا الإفطار في نهار رمضان، وفي مسح المسافر ثلاثة أيام، هذه بحمد الله أحكام كثيرة مرَّت بنا في أبواب شرحناها. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي المُقَارِضِ يَشْتَرِطُ رَبُّ المَالِ عَلَيْهِ خُصُوصَ التَّصَرُّفِ، مِثْلَ: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ تَعْيِينَ جِنْسٍ مَا مِنَ السِّلَعِ). هذه مسألة مهمة، هل لربِّ المال - الذي دفع المال - أن يشترط على المضارب تصرفًا معينًا؟ فيقول - مثلًا -: لا تضارب في البلد الفلاني، أو في السلعة الفلانية، أو تكون مضاربتك كذا أو كذا، أو ليس له ذلك؟ قوله: (أَوْ تَعْيِينَ جِنْسٍ مَا مِنَ البَيْعِ، أَوْ تَعْيِينَ مَوْضِعٍ مَا للتِّجَارَةِ، أَوْ تَعْيِينَ صِنْفٍ مَا مِنَ النَّاسِ يَتَّجِرُ مَعَهُمْ). أو يسافر أو لا يسافر، فهناك شروط كثيرة يذكرها الفقهاء، والمهم هل له أن يقيِّده أو لا، أو يعطيه الحرية؛ لأنه صاحب المال؟ وبعض العلماء يرى أنه ما دام صاحب المال فالحق له، وله أن يشترط ما يرى فيه المصلحة، أما لو كانت شروطه فيها تعسفٌ وتعدٍّ وفيها إضرارٌ بالمضارب فإنَّ الصورة تختلف، لكن إن قال له: ضارب في البلد الفلاني؛ لأن البلد الفلاني نشط في التجارة، ولا تُضارب في المكان الفلانيِّ؛ لأن التجارة فيه كاسدة، ولا تتعامل مع فلان؛ لأن فلانًا ربما لا يرد لك حقك، وتعامل مع فلان؛ لأنه مالي وهكذا … ، فيجوز.

стр. 7809

قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) فِي اشْتِرَاطِ جِنْسٍ مِنَ السِّلَعِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الجِنْسُ مِنَ السِّلَعِ لَا يَخْتَلِفُ وَقْتًا مَا مِنْ أَوْقَاتِ السَّنَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): يَلْزَمُهُ مَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي غَيْرِ مَا اشْتُرِطَ عَلَيْهِ ضَمِنَ). وقال أحمد (٤) ﵀ بقول أبي حنيفة. قوله: (فَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: رَأَيَا أَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ مِنْ بَابِ التَّضْيِيقِ عَلَى المُقَارِضِ، فَيَعْظُمُ الغَرَرُ بِذَلِكَ؛ وَأَبُو حَنِيفَةَ اسْتَخَفَّ الغَرَرَ المَوْجُودَ فِي ذَلِكَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ جِنْسًا مَا مِنَ السِّلَعِ لَكَانَ عَلَى شَرْطِهِ فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ).

стр. 7810

قوله: (وَلَا يَجُوزُ القِرَاضُ المُؤَجَّلُ عِنْدَ الجُمْهُورِ) (١). هذا عند الأئمة الثلاثة، وأحمد في رواية. قوله: (وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَّا أَنْ يَتَفَاسَخَا). وأحمد في رواية (٣)، وهذا النوع - تقريبًا - هو الذي تتعامل به المصارف الإسلامية الآن، وفي الحقيقة لا نرى مانعًا من ذلك. قوله: (فَمَنْ لَمْ يجِزْهُ رَأَى أَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى العَامِلِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَزِيدُ غَرَرٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا بَارَتْ عِنْدَهُ سِلَعٌ فَيَضْطَرُّ عِنْدَ بُلُوغِ الأَجَلِ إِلَى بَيْعِهَا، فَيَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ. وَمَنْ أَجَازَ الأَجَلَ شَبَّهَ القِرَاضَ بِالإِجَارَةِ). نُلاحظ في هذا الكتاب - كتاب القراض - أنه لم يرد دليل ولا أثر، وكلُّ ما ذكره المؤلف ﵀ هو كلام الفقهاء، فلم يرد في ذلك شيء، ولكن وردت في الشركة عمومًا أدلة.

стр. 7811

ولذلك إذا لم تُوجد أدلة فربما لا يكون تعليقي كثيرًا. قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ رَبِّ المَالِ زَكلاةَ الرِّبْحِ عَلَى العَامِلِ فِي حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ). لأن في هذا إجحافًا به، فلماذا يكون في حصته هو؟! قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ فِي المُوَطَّا (١): لَا يَجُوزُ، وَرَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَبُ (٢)، وَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ (٣)، وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤). وأحمدُ (٥) أيضًا.

стр. 7812

قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ: أَنَّهُ تَعُودُ حِصَّةُ العَامِلِ وَرَبِّ المَالِ مَجْهُولَةً). يعني: ترجع حصة العامل مجهولة. قوله: (لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَكُونُ المَالُ فِي حِينِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَتَشْبِيهًا بِاشْتِرَاطِ زَكَاةِ أَصْلِ المَالِ عَلَيْهِ - أَعْنِي: عَلَى العَامِلِ -، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ، وَحُجَّةُ ابْنِ القَاسِمِ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى جُزْءٍ مَعْلُومِ النِّسْبَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ القَدْرِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مَعْلُومَةُ النِّسْبَةِ مِنَ المَالِ المُزَكَّى، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِي الرِّبْحِ الثُّلُثَ إِلَّا رُبُعَ العُشْرِ، أَوِ النِّصْفَ إِلَّا رُبُعَ العُشْرِ). المهم: أنه أضاف جزءًا غير موجود في القِراض، فكان سببًا في وجود الجهالة، والجهالة ممنوعة في هذا العقد. قوله: (أَوِ الرُّبُعَ إِلَّا رُبُعَ العُشْرِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ مِثْلَ اشْتِرَاطِهِ زَكاةَ رَأْسِ المَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومُ القَدْرِ غَيْرُ مَعْلُومِ النِّسْبَةِ، فَكَانَ مُمْكِنًا أَنْ يُحِيطَ بِالرِّبْحِ، فَيَبْقَى عَمَلُ المُقَارِضِ بَاطِلًا، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ المُقَارِضُ عَلَى رَبِّ المَالِ؟ فِي المَذْهَبِ فِيهِ قَوْلَان: قِيلَ: بِالفَرْقِ بَيْنَ العَامِلِ وَرَبِّ المَالِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ العَامِلُ عَلَى رَبِّ المَالِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ المَالِ عَلَى العَامِلِ، وَقِيلَ عَكْسُ هَذَا). أطال المؤلف ﵀ الكلام في التعليلات؛ لخبرته بمذهبه. والخلاصة: هل لصاحب الحق - أي: طالب المضاربة - أن يشترط أن تكون الزكاة على المضارب أو العكس - فيشترط المضارب ذلك على صاحب الحق -؟ هذا - كما قلنا فيه إجحاف وفيه إضافة، وربما أوقع في

стр. 7813

الجهالة، والأسلم هو تركه، وأن تكون الزكاة من مجموع الربح، لا يُخصُّ بها العامل، بدليل أنَّ لربِّ المال أن يشترط على العامل أن يكون ربحُه أقلَّ من النصف، له أن يكون الثلث، أو الربع، بدلًا من أن يدخل في ذلك الزكاة فيضيف شرطًا قد يؤدي إلى الجهالة، والجهالة ممنوعة في العقد. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ العَامِلِ عَلَى رَبِّ المَالِ غُلَامًا بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْغُلَامِ نَصِيبٌ مِنَ المَالِ). مثال ذلك: أن يشترط المضارب على ربِّ المال، فيقول: لا مانع أن تعطيني هذا المال أضارب به وأعمل، بشريطة أن تجعل معي غلامك؛ أي: عبدك ومملوكك يعمل معي في هذه التجارة، فهل هذا جائز أو لا؟ قوله: (فَأَجَازَهُ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣). وأجازه أحمد (٤) أيضًا، فالأئمة الأربعة كلهم أجازوا ذلك؛ لأنه

стр. 7814

لا يُغيِّر شيئًا في الحكم، هو أراد أن يستعين به على تحقيق الغاية، على ما هو مراد لهما معًا من المماكسة والضرب في الأرض، وكذلك أيضًا السعي إلى الكسب الحلال، فإذا وُجد معه إنسان أعانه؛ لأن الإنسان قليلٌ بنفسه كثيرٌ بأخيه أو بإخوانه، فإذا وُجد معه من يُعضدِّه ويعينه كان ذلك خيرًا على خير، فلا مانع من ذلك. قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ (١) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ). لا يجوز عنده؛ لأنه أضاف شرطًا، ولا ينبغي أن يكون هناك شرط. قوله: (فَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ شَبَّهَهُ بِالرَّجُلِ يُقَارِضُ الرَّجُلَيْنِ). الرجل يُقارض الرجلين ولم يذكر، فهل هذا جائز؟ والجواب: نعم، يجوز لرجل أن يعطي رجلين هذا ألفًا وهذا ألفًا، ويقول اعملا بها مضاربة، ولكل واحد منكما قدر كذا وكذا، أو الربح بيني وبينكم كذا وكذا، كُلُّ هذا جائز. قوله: (وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ رَأَى أَنَّهَا زِيَادَة ازْدَادَهَا العَامِلُ عَلَى رَبِّ المَالِ، فَأَمَّا إِنِ اشْتَرَطَ العَامِلُ غُلَامَهُ). فأما إن اشترط غلامه، أي: غلام ربِّ المال -يعني: نصَّ عليه -، الأولى: أغلق، والثانية: نصَّ عليه، وهي أيضًا جائزة عند الجمهور.

стр. 7815

قوله: (فَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَجُوزُ، وَللْغُلَامِ فِيمَا عَمِلَ أُجْرَةُ المِثْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَظَّ العَامِلِ يَكُونُ عِنْدَهُ مَجْهُولًا). قوله: لا يجوز؛ لأنه حينئذٍ أضاف شيئًا هو تكلفة على المضاربة، سيكون له حق. وأولئك يقولون: إذا كان غلام السيد فما يأخذه سيكون لسيده، فلا جهالة هنا؛ لأن ما سيأخذه هذا الغلام سيرجع إلى سيده؛ "أنت ومالك لسيدك"، "من ابتاع غلامًا له مال فماله للذي ابتاعه إلا أن يشترطه المبتاع" (١)، وهذا حديث صحيح في "الصحيحين" معروف. فمعلوم أنَّ العبد لا يملك، وهل يملك إذا ملكه سيده؟ المسألة فيها خلاف، وقد مرَّت بنا، هذه المسألة مبسوطة في كتاب البيوع. * * * [الْبَابُ الثَّالِثُ: الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْقِرَاضِ] (٢) يلحظ أن المسائل بدأت تخف بعد تجاوز المسائل الدقيقة في هذا الكتاب؛ كالتي مرت في أحكام البيوع، وكبعض ما مَرَّ بنا في أول

стр. 7816

الكتاب، أما الآن فما بقي إلا مسائل ميسرة؛ لأنها تتعلق بأمور واضحة. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالْأَحْكَامُ: مِنْهَا مَا هِيَ أَحْكَامُ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ، وَمِنْهَا مَا هِيَ أَحْكَامُ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ. وَأَحْكَامُ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ، مِنْهَا مَا هِيَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ). يعني: من لوازم العقد ومقتضياته، فهناك رأس مال لا بد أن يكون موجودًا، وأن يكون معلومًا وألا يكون جزافًا، ولا بدَّ أن يكون الربح محددًا بينهما. قوله: (أَعْنِي: أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمُوجِبِ الْعَقْدِ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا هَلْ هِيَ تَابِعَة أَوْ غَيْرُ تَابِعَةٍ؟، وَمِنْهَا أَحْكَامُ طَوَارِئٍ تَطْرَأُ عَلَى الْعَقْدِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مُوجِبُهُ مِنْ نَفْسِ الْعَقْدِ، مِثْلَ التَّعَدِّي، وَالِاخْتِلَافِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. وَنَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِمُوجِبَاتِ الْعَقْدِ فَنَقُولُ). هو لا يريد أن يستقصي، ولكن يذكر ما اشتهر، فمن عرف ما اشتهر وضبط الأصل سهل عليه إلحاق الفرع به. قوله: (إِنَّهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللُّزُومَ لَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْقِرَاضِ) (١).

стр. 7817

مراده أن العلماء أجمعوا على أن القراض (المضاربة) عقد جائز وليس بلازم. وهذا من قبيل اللف والنشر، فهو يريد أن يقول: إن عقد القراض جائز وليس بلازم، فقال: إن العلماء أجمعوا على أن اللزوم ليس من شرطه. إذًا، فالقراض من العقود الجائزة؛ كالوكالة والجعالة التي سبق ذكرها، والشركة الآتي ذكرها بعد، فهذه عقود جائزة، وهناك عقود مختلف فيها كالمساقاة الآتي ذكرها بعد. قلنا في الإجارة: إنها عقد لازم، وكذلك في البيع، فلا يجوز أن يُفْسخ البيع أو الإجارة دون سبب يقتضي ذلك، لكن في المضاربة يجوز

стр. 7818

لكل من المتعاقدين الفسخ وإن لم يوجد سبب، إلا ما كان بعد الشروع في العمل، ففيه خلاف بين العلماء. قوله: (وَأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخَهُ مَا لَمْ يَشْرَعِ الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ). وما دأم عقدًا جائزًا، فيجوز لكل منهما أن يطالب بفسخه؛ لأنه غير ملزم له، وما دام غير ملزم له فله أن يطالب بالفسخ، وبالمفاصلة، وهذه من أسباب كونه عقدًا غير لازم، وذلك مما جعل العلماء لا يجيزون القراض في عروض التجارة؛ لأنه - كما أشرنا قبل - إما أن يكون العقد على عينه، أو على قيمته، أو على أثمانه، والأثمان تختلف من وقت إلى وقت، وكذلك لا يجوز على الأعيان؛ لأنها عروض أيضًا. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا شَرَعَ الْعَامِلُ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ لَازِمٌ). إذن إذا شرع العامل في العمل وقد أخذ هذا المال الذي أعطيه، هل يجوز فسخه أو لا؟ نحن نعلم بالنسبة للعبادات أن الإنسان إذا دخل في نافذة لزمه إتمامها، كمن يحرم في حج غير مفروض، فإنه يلزمه إتمامه، وكذلك إذا دخل الإنسان في سنة، كما قال تعالى: قوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣] لكن بالنسبة للسنة إذا أقيمت الصلاة، يأتي الخلاف: إذا أقيمت الصلاة وأنت تصلي سنة أو نافلة فهل لك أن تقطعها وتبدأ بالصلاة المكتوبة؛ لأنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فتأخذ بهذا الحديث وتقطع؟ أم تخفف وتتم (١) عملًا بعموم قوله تعالى: قوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]؟

стр. 7819

هذه الشريعة أحكامها مرتبط بعضها ببعض، وإذا وجدت شجرة - دوحة عظيمة - لها أصل ثابت في الأرض وأغصان ممتدة، فمن أين تتغذى هذه الأغصان؟ من هذا الأصل. فهذا الأصل هو عقيدة التوحيد؛ عقيدة الإسلام، وفروع هذه الشريعة هي الأغصان التي تلتقي وتتغذى هذا الأصل. والأصل: كتاب الله وسنة رسوله. وهما الينبوعان الصافيان العذبان اللذان منهما نأخذ أحكام هذه الشريعة، ومنهما نستمد، وإليهما نرجع عند الاختلاف، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] والرد إلى الله تعالى هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه ﷺ في حياته، وإلى سُنته ﷺ بعد مماته. فهذه شريعة عظيمة يرتبط بعضها ببعض؛ لا انفصال فيها، تتصل فيها العقيدة بالعبادة، وهما متصلتان بالأخلاق، وكل ذلك متصل بالمعاملة، فهي الشريعة الكاملة.

стр. 7820

وقد جاءت الشرائع السابقة عليها لتعالج أحوال أقوام في أوقات معينة، جاءت ليقضى بها في فترات ثم تنتهي. أمَّا هذه الشريعة الإسلامية فهي المهيمنة، هي شريعة الله الخالدة إلى أن يرث الله -سبحان الله وتعالى- هذا الكون ومن عليه، ستبقى أبد الدهر أبد الآبدين ودهر الداهرين، لا تنتهي حتى تقوم الساعة، حتى إن عيسى ﵇ عندما ينزل في آخر الزمان فإنه يحكم بهذه الشريعة الإسلامية التي عزف عنها كثير من المنتسبين إليها، وأخذوا يتحاكمون إلى قوانين وأفكار من وضع البشر. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا شَرَعَ الْعَامِلُ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ لَازِمٌ، وَهُوَ عَقْدٌ يُورَثُ، فَإِنْ مَاتَ وَكَانَ لِلْمُقَارِضِ بَنُونَ أُمَنَاءُ كَانُوا فِي الْقِرَاضِ مِثْلَ أَبِيهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ). الإمام مالك يرى أن العقد في أصله غير لازم، لكن إذا شرع العامل في العمل أصبح لازمًا؛ لما يترتب على الانفصام والانفصال من الضرر؛ لأنه يكون قد أمضى وقتًا، فلو مات أحدهما ورَّثَه صاحبُه (١). قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣).

стр. 7821

وأحمد (١). قوله: (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْفَسْخُ إِذَا شَاءَ، وَلَيْسَ هُوَ عَقْدٌ يُورَثُ. فَمَالِكٌ أَلْزَمَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ، وَرَاهُ مِنَ الْعُقُودِ الْمَوْرُوثَةِ). جمهور العلماء - الأئمة الثلاثة - يخالفون في ذلك، فيرون أنه لا يتغير عن حالته الأولى، فهو عقد جائز حتى ولو شرع العامل في العمل. قالوا: ولذلك اشترطنا فيه أن يكون دنانير ودراهم؛ لأنه عند الانفصام يرجع إلى هذا الأصل الذي لا يتغير، ولذلك عللوا بأنه لو كان عروضًا ثم حصل الانفصال فحينئذ يحصل الضرر؛ لأن قيم عروض التجارة تتغير؛ إذ إنها - كما هو معلوم - قد يصيبها كساد، وقد تكون نافقة رائجة، وهذا أمرٌ معروف، فتجد بعض السلع في بعض الفترات ترتفع أسعارها، وتنخفض في فترات أخرى، وقد يستمر الكساد سنين عديدة، فهو لا يقتصر على فترة معينة، ولا على فصل من فصول السنة، نحن نعرف أن الحاجة في الشتاء تدعو إلى الثياب الشتوية والصوف وأمثال

стр. 7822

ذلك، وفي الصيف يحتاج الناس إلى الثياب الخفيفة، وبخاصة الثياب البيضاء. وكذلك الأمر بالنسبة للمأكولات، قد يحتاج إلى نوع بعينه في وقت أكثر من غيره. وقد ألزمه مالك لرؤيته أن ذلك من باب المصلحة، ومعلوم أن الفقه المالكي عني بالمصالح المرسلة كثيرًا، ورأى أنه بعد أن يشرع في العمل ثم بعد ذلك يحصل الانفصال وقطع العقد والانتهاء منه يتضرر، والآخرون يقولون لا. قوله: (وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ شَبَّهَتِ الشُّرُوعَ فِي الْعَمَلِ بِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ). ما قبل الشروع في العمل متفق عليه، لا خلاف بين الأئمة أنه عقد جائز. أي: شبهت ما بعد الشروع في العمل بما قبل الشروع في العمل؛ فالأئمة الثلاثة لا يرون فرقًا بين أن يكون قد شرع، وبين أن لم يكن قد شرع. قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُقَارِضَ إِنَّمَا يَأْخُذُ حَظَّهُ مِنَ الرِّبْحِ بَعْدَ أَنْ يَنِضَّ (١) جَمِيعُ رَأْسِ الْمَالِ (٢). لا يحصل تصرف من أحد العاقدين إلا بحضور الآخر؛ فهذا حق مشترك بين اثنين، لا يحق لأحدهما أن ينفرد بشيء منه حتى يلتقيا ويصفيا حسابهما، ويعرف كل واحد منهما حقه، فإنه يعرف رأس المال، ثم بعد

стр. 7823

ذلك يعرف ما تم ربحه، وربما كان هذا الزائد عروضًا فتحتاج إلى أن تنض - أي: تحول - إلى نقد؛ إلى دراهم ودنانير. فإنه اشترى سلعة فربح بضاعة كثيرة، كما حصل في القصة التي ذكرتها قبل - قصة عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب ﵄ اقترضا مالًا من أبي موسى الأشعري والي العراق في الكوفة، ثم بعد ذلك اشتريا بضائع من العراق، فقدما بها المدينة وربحا فيها (١)، وبعد ذلك حصل ربح في المال، والربح قد يكون عروضًا. قوله: (وَأَنَّهُ إِنْ خَسِرَ، ثُمَّ اتَّجَرَ، ثُمَّ رَبِحَ جَبَرَ الْخُسْرَانَ مِنَ الرَبْحِ). المراد: أنه يجبر الخسران من المكسب، وهذا هو شأن التجارة؛ فالدنيا دواليك، تجد بعض الناس قصير النفس إذا دخل ميدان التجارة وبدأ يماكس فيها، ربما يخسر مرة أو مرتين فيتوقف عن التجارة. وبعضهم يتشاءم مثلًا يقول: أنا ليس لي حظ، ثم يتوقف، وهذا ينطبق على

стр. 7824

أصحاب المزارع، تجد أنه يحرث الأرض ثم يزرعها، وربما تأتي آفة من السماء، وربما تأتي دويبات فتهلكه عامًا بعد عام، ثم تتغير الأحوال ويبارك الله له. فعلى الإنسان أن يتوكل على الله، والله -سبحان الله وتعالى- قد أحل البيع، والرسول ﷺ قال: "أطيب ما أكل الرجل من كسبه" (١)؛ فأطيب ما يأكله الرجل من كسب يده. وهؤلاء الأئمة الذين نقرأ الآن أقوالهم ماذا كانوا؟ كان أبو حنيفة (٢) خزازًا (٣)، وكان مِن آمن الناس في الاشتغال بعمل البزازة الذي نسميه القماش الآن؛ فهو رجل مشغول بالعلم، ومع ذلك عنده وإن، وكان يربح وينفق على تلاميذه؛ لأنهم كانوا قد وقفوا أنفسهم على طلب العلم، فهم يحضرون الدروس ولا وقت عندهم، فلم يكونوا كطلاب العلم الآن، بل كانوا يتحولون من درسٍ إلى درسٍ، ومن معلمٍ إلى معلمِ، فيصلون أيامهم بلياليهم، إلى وقت الراحة، يقرأَ الواحد منهم في اليومَ خمسة كتب أو أربعة أو ثلاثة، فلذلك كان علمهم غزيرًا متنوعًا؛ والآن قد تغير الشيوخ وتغير الطلاب أيضًا! وهذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننكرها؛ لأن الأذهان تشتتت وتوزعت وانصرفت، وكانوا فيما مضى يقفون أنفسهم على العلم ويندفعون إليه، ولم تكن هناك غايات غير طلب العلم؛ فالصورة إذًا قد تغيرت.

стр. 7825

وكان الإمام أحمد يحمل على رأسه، ثم يأكل من عمله (١)، ولما ذهب ومعه زميله وقرينه وصديقه إسحاق بن راهويه، وكان إسحاق - وهو أيضًا صاحب مال - قد استأجر بيتًا في اليمن، فعرض على الإمام أحمد الإعانة فأبى (٢)، فكان يحمل فإذا حصل ما يسد جوعته أكله وانتهى. وكان أحدهم يبحث عن رزقه في يومه (٣)، والآن تجد الإنسان عنده المال الكثير ولا يكتفي به، وتغيرت الأحوال. كان الأئمة يعملون ويأكلون من كسب أيديهم، وما أجمل هذا! وليس ذلك عيبًا؛ بل إن أبا بكر ﵁ الصحابي الجليل خليفة رسول الله ﷺ كان يشتغل بالتجارة، فلما تولى الخلافة نزل السوق، فقال الصحابة: الآن وقتك ليس لك، وقتك لعمل المسلمين، فحُدِّد له نصيب يكفيه ويكفي أولاده (٤). أصبح وقته أثمن من أن ينزل ويذهب إلى الأسواق، ويبيع ويشتري،

стр. 7826

بل عليه أن يجلس للمسلمين ويسعى في حاجاتهم وحل مشكلاتهم، وبيت المال مسؤول عنه في هذه الناحية، فثمة قضايا ودروس كثيرة في تاريخنا الإسلامي الذي ربما جهله كثير منا، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "مَن أصبح معافى في بدنه، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما سيقت له الدنيا" (١)، "معافى في بدنه" في صحة وعافية، "آمنًا في سربه" (٢) عبر عن سكن الإنسان بالسرب؛ أي: الجحر، كأنه يسكن فيه، "عنده قوت يومه وليلته"، "فكأنما سيقت له الدنيا" كأنها أمامه بحذافيرها. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] في قصة بني إسرائيل في سورة المائدة، قال: ملوكًا؛ لأن الإنسان إذا كان عنده بيت وزوجة وخادم ودابة أصبح ملكًا. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَيَهْلِكُ بَعْضُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ، ثُمَّ يَعْمَلُ فِيهِ فَيَرْبَحُ، فَيُرِيدُ الْمُقَارِضُ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ الْمَالِ بقِيمة الْمَالِ بَعْدَ الَّذِي هَلَكَ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟). له ذلك إذا ادعى هذه الدعوى ووافقه صاحب المال؛ لكن لو حصل خلاف فحينئذ ينظر إلى هذه المسألة. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٣): إِنْ صَدَّقَهُ رَبُّ الْمَالِ،

стр. 7827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7828

أَوْ دَفَعَ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا لِرَجُلٍ فَهَلَكَ مِنْهُ جُزْءٌ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَكُونُ الْبَاقِي عِنْدَكَ قِرَاضًا عَلَى الشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُفَاصِلَهُ، وَيَقْبِضَ مِنْهُ رَأْسَ مَالِهِ وَيَنْقَطِعَ الْقِرَاضُ الْأَوَّلُ). حتى تزول الشبهة؛ لأن الأمر تغير، وذلك حتى لا تكون هناك جهالة. قوله: (وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ - مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ -: إِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ الْقَوْلُ، وَيَكُونُ الْبَاقِي قِرَاضًا (١)، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنْ أَحْكَامِ الطَّوَارِئِ، وَلَكِنْ ذَكرْنَاهَا هُنَا لِتَعَلُّقِهَا بِوَقْتِ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ، وَهِيَ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ). ليست هذه المسألة من مشهورات المسائل التي ذكر المؤلف منهجه سائرًا عليها، وإنما هي مسألة جزئية طارئة قد تطرأ على الأصل، والغالب بحمد الله أن الإنسان يحفظ المال؛ لكن قد يحصل مثل هذه الطوارئ التي تطرأ على الإنسان. لقد درسنا الحج سابقًا، ورجحنا أن الحج ينبغي أن يكون على الفور (٢)، وأن من قال من أهل العلم بأنه ليس على الفور (٣) استدلوا

стр. 7829

بالصلاة؛ قالوا: الصلاة لها وقت موسع ومضيق، فللإنسان أن يصلي في أول الوقت أو في وسطه وآخره، ولا يعد آثمًا. وقد رُدَّ على هؤلاء فقيل: وقت الصلاة محدود، والغالب أن الإنسان يعيش في مثل هذه الفترة ويندر الموت، لكن الحج كل عام، فسترجئ عامًا ولا تضمن البقاء، وإن بقيت فلا تضمن المال والنفقة والراحلة التي توصلك؛ فقد تطرأ أمور تغير الحال، وكذلك الأمر هنا في مثل هذه المسائل. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلْعَامِلِ نَفَقَتُهُ مِنَ الْمَالِ الْمُقَارَضِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟). هذه مسألة مهمة جدًّا، فهذا العامل يقصد به المضارب، والآخر صاحب المال نسميه برب المال أو المضارب له، فهل للعامل النفقة أو لا؟ وهل له ذلك اشترط إذا اشترطه أو ليس له إلا أن يضارب بالمال ونفقته عليه هو، على أن يكون الربح حسب ما اتفق عليه على جزء معلوم؟ هذه مسألة فيها أقوال متعددة وخلاف كبير بين العلماء؛ وهي كما يلي: القول الأول: المنع من ذلك والقول بأن لا نفقة له؛ لأن هذا أمر خارج عن العقد. القول الثاني: له النفقة والحق؛ لأنه كالوكيل تمامًا، فهو أمين على هذا المال، فلا مانع أن يأكل ويشرب ويكسو نفسه في حدود الحاجة، دون أن يبالغ في ذلك، في حدود المعتاد، فلا ضرر ولا ضرار. الثالث: جواز ذلك في السفر؛ لأنَّ السفر له مخاطره، وربما يحتاج الإنسان فيه إلى ما لا يحتاج في الحضر، فثمة فرق بينهما. الرابع: له أن يأكل من هذا المال في حالة المرض؛ لأنه في حالة مرضه سيتعطل عن العمل، فيصبح عاجزًا. هذا مجمل الأقوال التي سيذكرها المؤلف.

стр. 7830

قوله: (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ). الأقوال أكثر؛ لكنه أخذ جملتها. قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ أَقْوَالِهِ: لَا نَفَقَةَ لَهُ أَصْلًا إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ، وَقَالَ قَوْمُ: لَهُ نَفَقَتُهُ). أشهر أقوال الإمام الشافعي أن لا نفقة له (١)؛ إذًا فالشافعي له أقوال؛ له قولان آخران؛ قول يرى فيه أنه يستحق النفقة في السفر وحده (٢)، وفي رواية ثالثة: له النفقة (٣). قوله: (وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ) (٤).

стр. 7831

وأحمد (١)؛ لكنه قيده بأن يذكر ذلك في العقد، يعني أن يذكر ذلك في العقد، لكن إذا لم يحصل شرط فلا. قوله: (وَهُوَ أَحَدُ مَا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ). يعني أن هذا هو القول الثاني للإمام الشافعي (٢). قوله: (وَقَالَ آخَرُونَ: لَهُ النَّفَقَةُ فِي السَّفَرِ مِنْ طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ فِي الْحَضَرِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤) وَالثَّوْرِيُّ (٥) وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٦)).

стр. 7832

وذلك لأن الحاجة في السفر أكثر منها في الحضر؛ فالمسافر تعتريه أمور فيحتاج إلى أن ينفق على نفسه، والمشقة أكبر، ولذلك نرى أن الشريعة راعت أمور المسافر وخففت عنه كثيرًا من الأحكام، وكذلك أيضًا هذا المسافر بحاجة إلى أن تكون رعايته أكثر، فلا مانع من أن ينفق على نفسه في السفر؛ لكنه يكون في الحضر بين أهله وذويه، فلا حاجة لأنْ ينفق من مال المضاربة. قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إِذَا كانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ). وهذا قيد جيد؛ لأنه ربما يكون الربح يذوب ويذهب بالنفقة؛ لأن الربح قد لا يكون كثيرًا، فإذا ما أنفق العامل منه استوعبت نفقة العامل الربح، فيخرج المال كما كان كحاله عندما سلمه ربه. قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُنْفِقُ ذَاهِبًا، وَلَا يُنْفِقُ رَاجِعًا) (١). ينفق ذاهبًا؛ لأنه في الذهاب ذهب ليتجر ويبحث عن التجارة، لكن بالنسبة للعودة فقد انتهت مهمته، فلم يبق عليه سوى إيصال ما كان لديه من تجارة. قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ: يَتَغَدَّى فِي الْمِصْرِ وَلَا يَتَعَشَّى (٢). وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهُ نَفَقَتَهُ فِي الْمَرَضِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ: أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي الْمَرَضِ (٣)).

стр. 7833

عرفنا فيما مضى أن أي عقد من العقود لا ينبغي أن تلحق به منفعة، وقد نهي عن البيع إذا كانت معه منفعة، وقد نهى الرسول عن بيع وسلف (١)، وعن القرض إذا جر نفعًا (٢)، إلى غير ذلك من الأمور؛ حتى لا يكون ذلك هدفًا. قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ: أَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ فِي الْقِرَاضِ فَلَمْ يَجُزْ. أَصْلُهُ الْمَنَافِعُ). يقول: حجة من أجازه أن هذا كان في العهد الأول، في زمن الصحابة ﵃ ومن بعدهم، فإن هذا كان سائدًا في ذلك الوقت، فينبغي أن يكون أساسًا يقاس عليه فيما يتعلق بنفقة العامل من المال. قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّل، وَمَنْ أَجَازَهُ فِي الْحَضَرِ شَبَّهَهُ بِالسَّفَرِ. وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ إِلَّا بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ). هذه مسألة مهمة؛ لأن العقد قام على طرفين؛ أحدهما: رب المال،

стр. 7834

والآخر: هو العامل، وإذا ما حصل ربح فلا بد من أن يكون بحضورهما معًا؛ حتى يعرف رأس المال ثم يستخرج بعد ذلك الربح فيصبح موزعًا بينهما، كل يأخذ حصته، لكن لو تصرف العامل في ذلك لكان منفردًا في تصرف في أمر لا يجوز له أن يفعله إلا أن يشركه فيه رب المال. قوله: (وَأَنَّ حُضُورَ رَبِّ الْمَالِ شَرْطٌ فِي قِسْمَةِ الْمَالِ، وَأَخْذِ الْعَامِلِ حِصَّتَهُ) (١)).

стр. 7835

وهذا أمر لا يختلف فيه العلماء؛ لأن هذا الربح حظ لكل منهما، فلا ينفرد به العامل فيأخذ نصيبه، وأيضًا هو محل شبهة؛ لأنه لو تصرف فقسم فأخذ ما يخصه لربما كان في ذلك أيضًا شبهة. قوله: (وَأَنَّهُ لَيْسَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَقسِمَهُ بِحُضُورِ بَيِّنَةٍ، وَلَا غَيْرِهَا). يعني لا يكفي أيضًا أن يكون عنده شاهد أو شاهدان أو علامات تدل على ذلك؛ لأن حضور الطرف الآخر متعين في ذلك، حتى يرفع النزاع ويذهب الخلاف. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الطَّوَارِئِ) ثمة أحكام ثابتة في القراض قد عرفناها فيما يتعلق برأس المال، وفي كيفية توزيعه، وفي الثمن وفي الشراء، وفي المضاربة، لكن قد تطرأ أمور أخرى تعرف بأحكام الطوارئ التي تجِدُّ على ما يتعلق بالقراض. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَخَذَ الْمُقَارِضُ حِصَّتَهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ رَبِّ الْمَالِ، ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ، أَوْ بَعْضُهُ). عرفنا في المسألة السابقة أن العلماء أجمعوا أنه ليس للعامل أن يأخذ نصيبه دون حضور رب المال، لكن لو قدر أنه تصرف فأخذ نصيبه فطرأ شيء وهو ذهاب ذلك المال، ففي هذا اختلاف.

стр. 7836

قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي ذَلِكَ فَالْعَامِلُ مُصَدَّق فِيمَا ادَّعَاهُ مِنَ الضَّيَاعِ) (١). مصدق لأنه أمين، فهو بمنزلة الوكيل، وبمنزلة ولي اليتيم، فكونه قد سلمه ماله دليل على أنه قد أمنه على ذلك، فهو كمن يحفظ الوديعة وكالوكيل والشريك، فهو إذن موضع أمانة، وإذا كان كذلك فعند مالك ينبغي أن يكون مصدقًا. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَالثَّوْرِيُّ (٤): مَا أَخَذَ الْعَامِلُ يَرُدُّهُ وَبَجْبُرُ بِهِ رَأْسَ الْمَالِ).

стр. 7837

لأنه تصرف دون إذن من رب المال، ودون أن يكون حاضرًا معه، فلما أخذ ذلك كالربح ضاع رأس المال، فينبغي أن يرد ذلك فيجبر به رأس المال، حتى وإن كان أقل فإنه يكون أساسًا له. قوله: (ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ فَضْلًا إِنْ كَانَ هُنَالِكَ). يعني إن كان الربح يبلغ درجة رأس المال ويزيد، فحينئذ يقتسمان الربح، فرأس المال حق للمقارض وما زاد فإنه يقتسم؛ لأنه ربما يكون الربح كبيرًا، وربما يكون الربح قليلًا لا يصل إلى رأس المال. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا هَلَكَ مَالُ الْقِرَاضِ بَعْدَ أَنِ اشْتَرَى الْعَامِلُ بِهِ سِلْعَةً مَا وَقَبْلَ أَن يَنْقُدَهُ الْبَائِعَ). هذه أيضًا طارئ من الطوارئ، قد يشتري العامل سلعة من السلع، وقبل أن ينقل ثمنها إلى البائع يذهب ذلك المال. يعني: لو أن مقارضًا رأس المال معه عشرة آلاف، فاشترى به سلعًا، وقبل أن يسلم هذا المبلغ نقدًا للبائع الذي اشترى منه تلك السلعة ضاع ذلك المال - يعني ضاع من يد المضارب - فالحكم مختلف فيه، لكن لو سلمه إليه وضاع فلا علاقة له بذلك؛ لأن البائع قد قبض حقه فأصبح في مسؤوليته، وقد سبق ذلك في البيع وغيره. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: الْبَيْعُ لَازِمٌ لِلْعَامِلِ، وَرَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ دَفَعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً، ثُمَّ تَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا مِنَ الْمُقَارَضَةِ، وَإِنْ شَاءَ تَبَرَّأَ عَنْهَا) (١).

стр. 7838

وأبو حنيفة وأحمد اتفقا من حيث الجملة، واختلفا في التفصيل. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ الشِّرَاءَ رَبُّ الْمَالِ، شبّهه بِالْوَكِيلِ) (١)). الإمامان أبو حنيفة وأحمد (٢) يقولان: الشراء لازم هنا، وعلى رب المال أن يدفع مالًا آخر؛ لأن المضارب التزم بشراء سلعة، وقد فقد

стр. 7839

المبلغ بعد أن تم الاتفاق بينهما، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وقد تمَّ ذلك لكن قبل أن ينقده الثمن. قوله: (إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ فِي ذَلِكَ الْقِرَاضِ الثَّمَنَيْنِ). هذا موضع خلاف بين الإمامين أبي حنيفة وأحمد: أبو حنيفة يرى أن رأس المال الثمنان؛ التالف والمضاف، فأحدهما موجود ثابت والآخر متصور. وهو بذلك يراعي الرفق بصاحب المال حتى لا يتضرر؛ لأن من أضاع المال هو المضارب، فلا يتحمل صاحب المال ذلك دون أن يتحمل معه أو يشركه الذي ضارب معه. ورأى أبو حنيفة أنه يدفع الثمن الجديد لكن يؤسس رأس المال على الأول والثاني، فإذا ما وصل إلى المالين فما زاد يكون ربحًا. وأما الإمام أحمد فيرى أن رأس المال إنما هو هذا الذي اشتري به أخيرًا، أما ذاك فقد ذهب وانتهى وقد ذهب من يد أمينة قد استأمنت على ذلك، ولم يحصل تفريط ولا تعد، لكن لو حصل تفريط أو تعَدٍّ فإن ذلك يلزم المضارب، أما إذا لم يفرط فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فينبغي أن يقتصر رأس المال على الثمن الأخير الذي سلم. وهكذا نرى أن كل إمام من الأئمة عندما يقول قولًا يكون له رأي وله تعليل يعرضه، فهو يذكر تعليلًا، وربما يكون رأي هذا الإمام أقوى، ورأي هذا كذا، لكن لكل منهما فهم فيما يقوله، فهو عندما يرجح رأيًا أو يقول قولًا، ينتهي إلى أمر قد وصل إليه فهم في تلك المسألة أو غيرها. أراد أبو حنيفة أن يشرك رب المال والمضارب في المصيبة، فلا ينبغي أن ينفرد بها رب المال، وعند أحمد يكون الثمن الأخير هو رأس المال، والإمام أحمد يقول: إن الذي يعتبر هنا هو الموجود، وذاك مال قد ذهب وهو غير واقع، ثم إن الذي ذهب منه لم يفرط ولم يتعد ورب المال قد ائتمنه فهو أمين، وهو عرضة أيضًا لأن يضيع منه المال، وربما

стр. 7840

تصيبه جائحة، وربما يخسر، إلى غير ذلك من الجوائح والنكبات التي قد تصيب الأموال. قوله: (وَلَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِهِ عَيْنًا). إلا بعد أن يجمع رأس المال الأول والثاني، فما زاد بعد ذلك يكون عند أبي حنيفة هو الربح، وعند أحمد الربح هو ما زاد على الثمن الأخير. قوله: (أَعْنِي: ثَمَنَ تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّتِي تَلِفَتْ أَوَّلًا، وَالثَّمَنَ الثَّانِيَ الَّذِي لَزِمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ). أعتقد أن الأمر واضح؛ يعني لا بد أن يتوفر الثمن؛ الثمن الأول التالف، والثمن الأخير، فإذا ما اجتمع بعد الضرب - يعني بعد البيع والشراء - فما زاد فهو الربح. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الْعَامِلِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بَعْضَ سِلَعِ الْقِرَاضِ). اختلفوا في جواز بيع العامل بعض السلع من رب المال، أو العكس وهو أن يشتري العامل. قوله: (فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ (١)، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ (٢)).

стр. 7841

هذه المسألة: هل يجوز أن يبيع من رب المال أو لا؟ فيها خلاف كما نرى. فأحمد له روايتان في الجواز وعدمه (١). فوجهة من منع ذلك من أهل العلم أنه مالك، فكيف يبيع على نفسه؟! فمال المضاربة هو مال المالك؛ مال رب المال، فكيف يبيع عليه العامل؟! كأنه يبيع على نفسه، وهذا لا يجوز. ومن أجازوا ذلك من أهل العلم قالوا: وما المانع أن يشتري ما دام سيشتري بحق؟ نعم هو أصل ماله؛ لكن شاركه فيه غيره، وهو العامل، فله أن يبيع من هذا المال الذي تحول بعد ذلك إلى سلع. له أن يبيع عليه، هذه كلها مسائل اجتهادية، ولذلك كثر الخلاف فيها وتنوعت أفهام العلماء. قوله: (وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا قَدْ تبَايَعَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ) (٢).

стр. 7842

يعني: إذا انتفت الشبهة، إذا تبايعا البيع المعروف بين الناس كأنه يبيع على أجنبي، فحينئذ تنتفي الشبهة، وإذا انتفت الشبهة وزال الشك فلا مانع عند الإمام الشافعي؛ لأنه إذا باع عليه يحتمل أنه واطأه؛ لأنه رب المال فخفض له فأضر بنفسه، ويحتمل - أيضًا - وجهًا آخر أنه زاد عليه ليستغله؛ لأنه وثق به وأمنه، فالشبهة إذًا قائمة، لكن إذا حصل البيع في ضوء ووفق ما يتعامل به مع غيره - أي: مع غير رب المال، بحيث لا يحصل غبن لأحد الطرفين؛ لا لرب المال بغبنه لبيعه عليه بالزيادة، ولا للعامل؛ لأن العامل يريد رضاء رب المال فربما باعه بالبخس فيلحق الضرر العامل؛ لأن ذلك سيسري إلى الربح أيضًا. قوله: (وَوَجْهُهُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ يُرَخِّصُ لَهُ فِي السِّلْعَةِ مِنْ أَجْلِ مَا قَارَضَهُ). يعني: أن مالكًا لم يقل بعدم الجواز؛ لكنه يرى أن يترك ذلك تورعًا وكراهة، وإلا فلو فعله لجاز، لكنه يجوز مع الكراهة. قوله: (فَكَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَخَذَ مِنَ الْعَامِلِ مَنْفَعَةً سِوَى الرِّبْحِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ). هذه هي الشبهة القائمة، وبعض أهل العلم يقول: ربما تواطأ معه فأقل له، وربما غبنه أيضًا؛ لأن بعض الناس يغبن، وهذا يرى في هذه الحياة، فأحيانًا تجد جارين أو صديقين يثق أحدهما بالآخر فهو يظن أنه إذا ذهب إلى هذا الجار أو إلى هذا الصديق فسوف تكون المعاملة كما ينبغي، فتجد أن هذا الجار يستغل ثقته به، وربما زاد عليه، وترى نماذج من ذلك في هذا الزمان خصوصًا، كأن ترى إنسانًا يثق بآخر فيشتري له سلعًا لا يماكسه، فيبيع عليه بأغلى، مع أن المفروض عليه أن أقل ما يكون أن يعامله كغيره إن لم يراع حقوقه عليه. قوله: (وَلَا أَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ إِنْ تَكَارَى الْعَامِلُ عَلَى السِّلَعِ إِلَى بَلَدٍ فَاسْتَغْرَقَ الْكِرَاءُ قِيَمَ السِّلَعِ وَفَضَلَ عَلَيْهِ فَضْلَةٌ

стр. 7843

أَنَّهَا عَلَى الْعَامِلِ لَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ) (١).

стр. 7844

هذه مسألة مهمة، لكن كان ينبغي على المؤلف أن يقدم لها، ولكننا لا نؤاخذه؛ لأنه -كما قال- يعني بمشهور المسائل وأمهاتها. وفيما يتعلق بالعامل هل هو مسؤول تجاه مال القراض أو غير مسؤول؟ لا شك أن العلماء مجمعون على أنه مسؤول، فهو أمين عليه، وينبغي أن يحافظ عليه، وألا يفرط في ذلك المال (١)، فلا يجوز له أن

стр. 7845

يشتري بأكثر من ثمن المثل، ولا يجوز له أن يبيع بأقل من ثمن المثل؛ إلا أن يتفق مع البائع. وليس له أن يسلك بهذه السلع طريقًا مخوفًا أو غير آمن؛ لأنه ربما سلك ذلك الطريق حتى وإن كان أقرب وأدى ذلك إلى ذهاب المال؛ فقد يكون هذا الطريق مشهورًا معروفًا بوجود لصوص فيه، وقد يوجد فيه بعض قطاع الطرق، وهناك طريق سالك آمن ليس فيه خوف، فكان ينبغي أن يسلكه وإن طالت المسافة؛ لأنه عرج على ذلك الطريق، وهذا الطريق ربما يعرض بضائعه إلى النهب، فيكون بذلك قد أضر به، فهذا لا يجوز. وهنا مسألة أخرى: هل عمل المضارب في المضاربة موقوف أو محصور في البيع والشراء، أم أنه مطالب بأمور أخرى؟ وهل هو مسؤول عن حراسته؟ وهل هو مسؤول عن ترتيبه؟ وهل هو مسؤول عن ربط ما يحتاج إلى ربط وفك ما يحتاج إلى فك وترتيب ما يحتاج إلى ترتيب؟ لا شك أنه مطالب بما يقوم به رب المال، فالأشياء التي جرت العادة أن يقوم بها رب المال فهو يقوم بها أيضًا؛ لأنه أمين على ذلك؛ لكن ليس مسؤولًا عن نقل البضائع؛ لأن نقل البضائع يحتاج إلى عداد، فكانت فيما مضى تحتاج إلى الرواحل، وفي زمننا هذا تحتاج إلى السيارات أو البواخر أو الطائرات، وهذا يكلف، فلا يقال بأنه مسؤول عن ذلك؛ حتى ولو كان يتاجر ويضارب في نفس البلد، فإنه يحتاج إلى نقله من مكان إلى مكان، ويحتاج إلى مستودعات هذه الأمور التي لم تجر العادة بها، والعامل غير مطالب بها، وعليه أن ينفق عليها من مال المضاربة، هذا هو المعروف.
следующие страницы →