← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

هذه المسألة: هل يجوز أن يبيع من رب المال أو لا؟ فيها خلاف كما نرى. فأحمد له روايتان في الجواز وعدمه (١). فوجهة من منع ذلك من أهل العلم أنه مالك، فكيف يبيع على نفسه؟! فمال المضاربة هو مال المالك؛ مال رب المال، فكيف يبيع عليه العامل؟! كأنه يبيع على نفسه، وهذا لا يجوز. ومن أجازوا ذلك من أهل العلم قالوا: وما المانع أن يشتري ما دام سيشتري بحق؟ نعم هو أصل ماله؛ لكن شاركه فيه غيره، وهو العامل، فله أن يبيع من هذا المال الذي تحول بعد ذلك إلى سلع. له أن يبيع عليه، هذه كلها مسائل اجتهادية، ولذلك كثر الخلاف فيها وتنوعت أفهام العلماء. قوله: (وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا قَدْ تبَايَعَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ) (٢).

стр. 7842

يعني: إذا انتفت الشبهة، إذا تبايعا البيع المعروف بين الناس كأنه يبيع على أجنبي، فحينئذ تنتفي الشبهة، وإذا انتفت الشبهة وزال الشك فلا مانع عند الإمام الشافعي؛ لأنه إذا باع عليه يحتمل أنه واطأه؛ لأنه رب المال فخفض له فأضر بنفسه، ويحتمل - أيضًا - وجهًا آخر أنه زاد عليه ليستغله؛ لأنه وثق به وأمنه، فالشبهة إذًا قائمة، لكن إذا حصل البيع في ضوء ووفق ما يتعامل به مع غيره - أي: مع غير رب المال، بحيث لا يحصل غبن لأحد الطرفين؛ لا لرب المال بغبنه لبيعه عليه بالزيادة، ولا للعامل؛ لأن العامل يريد رضاء رب المال فربما باعه بالبخس فيلحق الضرر العامل؛ لأن ذلك سيسري إلى الربح أيضًا. قوله: (وَوَجْهُهُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ يُرَخِّصُ لَهُ فِي السِّلْعَةِ مِنْ أَجْلِ مَا قَارَضَهُ). يعني: أن مالكًا لم يقل بعدم الجواز؛ لكنه يرى أن يترك ذلك تورعًا وكراهة، وإلا فلو فعله لجاز، لكنه يجوز مع الكراهة. قوله: (فَكَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَخَذَ مِنَ الْعَامِلِ مَنْفَعَةً سِوَى الرِّبْحِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ). هذه هي الشبهة القائمة، وبعض أهل العلم يقول: ربما تواطأ معه فأقل له، وربما غبنه أيضًا؛ لأن بعض الناس يغبن، وهذا يرى في هذه الحياة، فأحيانًا تجد جارين أو صديقين يثق أحدهما بالآخر فهو يظن أنه إذا ذهب إلى هذا الجار أو إلى هذا الصديق فسوف تكون المعاملة كما ينبغي، فتجد أن هذا الجار يستغل ثقته به، وربما زاد عليه، وترى نماذج من ذلك في هذا الزمان خصوصًا، كأن ترى إنسانًا يثق بآخر فيشتري له سلعًا لا يماكسه، فيبيع عليه بأغلى، مع أن المفروض عليه أن أقل ما يكون أن يعامله كغيره إن لم يراع حقوقه عليه. قوله: (وَلَا أَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ إِنْ تَكَارَى الْعَامِلُ عَلَى السِّلَعِ إِلَى بَلَدٍ فَاسْتَغْرَقَ الْكِرَاءُ قِيَمَ السِّلَعِ وَفَضَلَ عَلَيْهِ فَضْلَةٌ

стр. 7843

أَنَّهَا عَلَى الْعَامِلِ لَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ) (١).

стр. 7844

هذه مسألة مهمة، لكن كان ينبغي على المؤلف أن يقدم لها، ولكننا لا نؤاخذه؛ لأنه -كما قال- يعني بمشهور المسائل وأمهاتها. وفيما يتعلق بالعامل هل هو مسؤول تجاه مال القراض أو غير مسؤول؟ لا شك أن العلماء مجمعون على أنه مسؤول، فهو أمين عليه، وينبغي أن يحافظ عليه، وألا يفرط في ذلك المال (١)، فلا يجوز له أن

стр. 7845

يشتري بأكثر من ثمن المثل، ولا يجوز له أن يبيع بأقل من ثمن المثل؛ إلا أن يتفق مع البائع. وليس له أن يسلك بهذه السلع طريقًا مخوفًا أو غير آمن؛ لأنه ربما سلك ذلك الطريق حتى وإن كان أقرب وأدى ذلك إلى ذهاب المال؛ فقد يكون هذا الطريق مشهورًا معروفًا بوجود لصوص فيه، وقد يوجد فيه بعض قطاع الطرق، وهناك طريق سالك آمن ليس فيه خوف، فكان ينبغي أن يسلكه وإن طالت المسافة؛ لأنه عرج على ذلك الطريق، وهذا الطريق ربما يعرض بضائعه إلى النهب، فيكون بذلك قد أضر به، فهذا لا يجوز. وهنا مسألة أخرى: هل عمل المضارب في المضاربة موقوف أو محصور في البيع والشراء، أم أنه مطالب بأمور أخرى؟ وهل هو مسؤول عن حراسته؟ وهل هو مسؤول عن ترتيبه؟ وهل هو مسؤول عن ربط ما يحتاج إلى ربط وفك ما يحتاج إلى فك وترتيب ما يحتاج إلى ترتيب؟ لا شك أنه مطالب بما يقوم به رب المال، فالأشياء التي جرت العادة أن يقوم بها رب المال فهو يقوم بها أيضًا؛ لأنه أمين على ذلك؛ لكن ليس مسؤولًا عن نقل البضائع؛ لأن نقل البضائع يحتاج إلى عداد، فكانت فيما مضى تحتاج إلى الرواحل، وفي زمننا هذا تحتاج إلى السيارات أو البواخر أو الطائرات، وهذا يكلف، فلا يقال بأنه مسؤول عن ذلك؛ حتى ولو كان يتاجر ويضارب في نفس البلد، فإنه يحتاج إلى نقله من مكان إلى مكان، ويحتاج إلى مستودعات هذه الأمور التي لم تجر العادة بها، والعامل غير مطالب بها، وعليه أن ينفق عليها من مال المضاربة، هذا هو المعروف.

стр. 7846

أمَّا ما جرت العادة أن يقوم به؛ كحبلٍ يريد أن يفكه، أو غير ذلك من الأمور اليسيرة التي لا تتطلب شيئًا، قال أهل العلم: إنه يُنزل نفسه منزلة المالك، فعليه أن يقوم بما يقوم به، ويستعين بما لا يقوم به المالك فيما يتعلق بهذا الأمر. ثم تأتي المسألة التي ذكر المؤلف، وهي أنه قد يشتري بضائع ثم بعد ذلك يستأجر وسائل نقل لتشحن، فيستغرق ذلك المال وزيادة، فما الذي يفعله؟ هذه هي المسألة التي قال عنها: ليس فيها خلاف. قوله: (لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ إِنَّمَا دَفَعَ مَالَهُ إِلَيْهِ لِيَتَّجِرَ بِهِ). أي؛ ليربح. قوله: (فَمَا كانَ مِنْ خُسْرَانِ فِي الْمَالِ فَعَلَيْهِ). لأن رب المال دفع إليه هذا لمال ليتجر به، وما دفعه إلا ليطلب الربح، فهو ما يريد منه أن يفني ماله، وقد تحصل أمور خارجة عن إرادته كما عرفنا فيما مضى؛ كضياع المال قبل النقل، لكن أن يستأجر عليه ثم تكون نفقات الأجرة تفني ذلك المال، وتكون -أيضًا- هناك زيادة فيصبح الطالب مطلوبًا، فهذا هو الذي قال المؤلف: إنه لا يعرف فيه خلافًا بين العلماء (١). قوله: (وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الْمَالِ وَاسْتَغْرَقَهُ). هذه من المسائل التي يذكرها الفقهاء، وقد سبق مثلها في عدة أبواب؛ كالمريض في حالة مرضه، هل ما يتخذه من عقود يصبح ساربًا؟ وعرفنا فيما مضى اختلاف العلماء في تطليق المريض في مرض

стр. 7847

الموت هل يقع أو لا يقع؟ وإن وقع فهل تحرم المرأة من الميراث أو لا تحرم؟ (١).

стр. 7848

وعرفنا هناك أن كثيرًا من العلماء يرى أنها لا تحرم؛ ليعامل هذا المطلق بنقيض قصده؛ لأنه ربما طلقها وهو في هذه الحالة ليحرمها من الميراث، ولم يكن الدافع له إرادة تطليقها حقيقة، فهو طلقها إذًا لعلة، لشيء في نفسه، ليحرمها من الميراث، حتى لا تتمتع به، فقال هؤلاء العلماء: يعامل بالنقيض. وهنا لو أن المريض في مرض الموت أعطى مالًا للمضاربة به فهل ينفذ ذلك؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا لا يشك فيه؛ لأن المضاربة أصلًا تكون للمصلحة، فدفع هذا المال لمصلحته ومصلحة الورثة، فحينئذ لا يتهم في هذا المقام، فلذلك ينْفُذُ (١).

стр. 7849

قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَامِلِ يَسْتَدِينُ مَالًا فَيَتَّجِرُ بِهِ مَعَ مَالِ الْقِرَاضِ). إذا أخذ العامل مالًا من رب المال، من المضارب معه؛ لكنه رأى أن يضيف إلى ذلك المال مالًا آخر؛ لأنه ربما حل في مكان أو في بلد فوجد أنواعًا من السلع التي ظهر له أنه لو زاد في شرائها وضاعف كمياتها لتضاعف الربح عنده، فوجد من يستدين منه فأعطاه مبلغًا من المال، فهل له أن يضيف ذلك إلى مال المضاربة ويدخله فيها أو لا؟ وكيف يكون ذلك؟ قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَا يَجُوزُ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ: ذَلِكَ جَائِزٌ (٣).

стр. 7850

وأحمد (١) قال بذلك أيضًا، فهذا أضاف مصلحة إلى المال؛ لأن حقيقة وجهة هؤلاء العلماء الذين أجازوا - وهم الجمهور - أنهم قالوا: ربما يزيد ربح البضائع ويتضاعف لو كثرت، فلا مانع من ذلك، ثم إن رب المال لا ضرر عليه، وإن كان قد أخذ هذا المال واستفاد، نعم لو أنه اتجر وأخذ مالًا ثم اشترى لنفسه وتساهل في مال المضارب معه، وانشغل بماله هو، فحينئذ يكون متهمًا، فلا يجوز له ذلك، لكن هو أخذ هذا المال وأدخله ضمن مال المضاربة واتجر به. • قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: ذَلِكَ جَائِز، وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا). على ما يشترطان ويتفقان عليه في ذلك الأمر، فإذا ما استدان مالًا أو أضاف مالًا، فكيف يقتسمان الربح بعدُ؟ على ما يتفقان عليه من الشروط التي تسير وفق شروط المضاربة ونظامها. • قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى

стр. 7851

الْمُقَارَضَةِ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ دَيْنًا فِيهَا. وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلْعَامِلِ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ إِذَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ رَبُّ الْمَالِ؟). هذه مسألة مهمة، فرق بين أن تبيع نسيئة وبين أن تبيع حالًّا، لو اشترى المضارب سلعًا فهو بين أمرين، إما أن يبيعها نسيئة يعني مؤجلة، وإما أن يبيعها حالة. قال بعض العلماء: ليس له ذلك، إلا أن يأذن له رب المال. وفريق آخر من أهل العلم قال: له ذلك؛ لأنه ما دام أذن له في التصرف وأطلق له، فلا مانع، ثم يعلل هؤلاء العلماء الذين أجازوا بأن الغالب أن الأرباح تأتي أكثر عن طريق الديون المؤجلة، فإن الإنسان إذا أراد أن يشتري سلعة فدفع الثمن في الوقت الحاضر لكان الربح قليلًا، وإذا أجلت يكون الربح أكثر. ولذلك نرى أن أهل الجاهلية استغلوا ذلك وأضروا بغيرهم، وجاء الإسلام فحارب ذلك في الربا، أما هذا ففي أمر مباح، فلك أن تذهب إلى مكان من الأماكن فتسوم سلعة فيبيعك إياها بائعها نقدًا بألف، لكنك لو طلبت أن تؤجل عليك إلى سنة، فربما يقول بألف وخمسمائة. لكن الذي يختلف فيه العلماء هو أنه لو قال لك: إما أن تشتريها حاضرًا بألف أو مؤجلًا بألفين هذا هو محل الخلاف. قال بعض أهل العلم: لأنك كأنك بعت إحدى السلعتين بالسلعة الأخرى، وهذا سبق الكلام عنه. ومنعه أكثر العلماء. وبعضهم يجيزه (١).

стр. 7852

لكن لو ذهبت إليه وقلت له: بكم تبيعه لمدة عام أو عامين؟ فقال لك مثلًا: بعشرة آلاف. وأنت تعلم أنه يبيعه نقدًا بخمسة آلاف، لكنك محتاج وليس معك نقد، أو معك نقد ولكن ستستخدمه في شيء آخر، وبعض الناس عنده من المهارة والمعرفة بطرق الكسب ما ليس عند غيره، فيقول الواحد منهم مثلًا: لماذا أذهب وأشتري لي بيتًا بمليون، وأسكن فيه ويكون رأس المال في السكن؟ أنا أذهب وأستأجر بعشرة آلاف أو بعشرين وأعمل في هذا المليون، ومع مرور الأيام يتضاعف، فالناس يختلفون في طرق كسب المعيشة وفي طرق التجارة، وبعض الناس يهبه الله خبرة، ولا ننسى توفيق الله ، فلا يظننَّ ظان أن القضية قضية ذكاء. ينال الفتى من عيشه وهو جاهل … ويُكدي الفتى في دهره وهو عالم ولو كانت الأرزاق تأتي على الحجا … هلكن إذًا من جهلهن البهائم (١) فأنت لو ألقيت نظرة سريعة على الناس لوجدت أن بعض الناس يتصف بالهدوء وقلة الحركة، ومع ذلك تجد أن الأرزاق تنساق إليه، وأن الأموال تأتي إليه منقادة، وتجد أن بعض الناس يلهث ليلًا ونهارًا ولا يصل إلا إلى القليل، هذه هي أرزاق كتبها الله للعباد كما كتب آجالهم؛ فإنه قد كتب أجل كل عبد ورزقه وشقي أو سعيد (٢)، لكن ليس معنى هذا أن نتقاعس، فقد يقول قائل: ما دام الرزق قد كتب فسوف أضع المخدة وأنام، وهذا لا يصح؛ لأنَّ الأمر كما قالوا: السماء لا تمطر

стр. 7853

ذهبًا ولا فضة (١). والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] و"ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا" (٢)، وفي الحديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويتصدقون بفضول أموالهم … " (٣). لكن لا ينبغي أن تكون الدنيا شاغلة لنا عن طاعة الله، فلا ينبغي أن ننشغل بالفانية وندع الباقية، فهذه دار ممر وتلك دار مقر وقرار، هذه دار عبور وتلك دار استقرار وثبات ودوام، هذه معيشتها في نكد وتنغيص، وتلك معيشتها كلها راحة وطمأنينة، ليس فيها نصب ولا تعب. • قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ (٤)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٥)).

стр. 7854

وأحمد أيضًا (١). • قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ) (٢). لكن أحمد له رواية أخرى توافق أبا حنيفة (٣). وعلة من منع ذلك من أهل العلم: أن البيع بالدين إنما يؤجل الثمن ويعرضه للذهاب. هذه وجهة هؤلاء العلماء؛ لأنك إذا بعت سلعة لإنسان بالدين

стр. 7855

لا تضمن أن تحصل عليها، وربما تقع في يد مماطل، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "مطل (١) الغني ظلم؛ يحل عرضه وعقوبته" (٢)، وقال: "من أحيل على مليء (٣) ليحتل فليحتال إن ذهب إليه" (٤). فمطل الغني إذًا ظلم، وما أكثر الذين يماطلون في الناس. فمن منع ذلك من أهل العلم قال: إذا باع بدين فقد يكون ذلك سببًا في ذهاب ماله، فليس كل الناس مستعدين للوفاء وعندهم الخشية؛ بل بعض الناس إذا سقطت أموال الناس في جيوبهم صعب إخراجها، هم يسعون إلى الوصول، بل يحصل ذلك في القرض أيضًا، فقد تجد بعض الناس يحتاج إلى مالٍ فيذهب إلى أخ هو لا يستطيع أن يحصل على المال، فربما يقترض له هذا الذي قصده، ويعطيه حياءً منه وتقديرًا له، لكنه إذا أرد حقه فإنه يجد كل مشقة وعنت، وربما يضيع هذا المال ولا يتحصل عليه إن كان من الذين يستحون ولا يريد أن يشتكي، هذا يحصل وما أكثره في هذه الحياة! فهؤلاء العلماء الذين منعوا قالوا: عندما يبيع بالدين فهذا الدين قد لا يعود إلى رأس المال، ومن أباحوا ذلك قالوا: لا، الأصل عندما يعطيه الحرية أنه مطلق التصرف، ويدخل في ذلك البيع نسيئة وحاضرًا، ثم إن

стр. 7856

الربح يكون أكثر في البيع نسيئة، في البيع المؤجل، وهو بيع الدين. • قوله: (وَالْجَمِيعُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يَجِبُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ مَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ النَّاسُ غَالِبًا فِي أَكْثَرِ الْأحْوَالِ) (١). نرى فيما يتعلق باليتيم أن الله نهى عن أكل حقه، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. والإنسان إذا وفقه الله فكان راعيًا واليًا على يتيم فعليه أن يحسن الرعاية، وعليه أيضًا أن يعنى بأمر اليتيم، فإن كان له مال فعليه أن يتعاهده ويتجر به حتى لا تأكله الصدقة، كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ (٢)؛ لأنه لو كان له مال وفي كل عام تخرج منه الزكاة، فإنه يذهب، وهذا اليتيم عادة يكون له أمين، وما لم يكن والده أوصى على وليه، فإن القاضي يتخذ له أمينًا، فهل لهذا الأمين أن يأكل من ماله إذا كان يرعاه ويقوم بشئونه ويتصرف فيه في مصلحة اليتيم؟ قال بعض العلماء: إن كان بحاجة، فهنا أيضًا فيما يتعلق بهذه المسألة مسألة المضاربة، هذا الذي أخذ مال إنسان ليتجر به هو أمين عليه، فكأنه وضعه وديعة وأمانة عنده، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، والرسول ﷺ يقول: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (٣)،

стр. 7857

فإن أداء الأمانات واجب، وهذه صفة من صفات المؤمنين، فالمؤمن يحرص على أداء الأمانة، وهي صفة كريمة وموهبة عظيمة، وخلق جليل، إذا ما اتصف به إنسان أحرز رضى الناس وكان موضع ثقة فيهم، وفي آخر الزمان يبحث عن رجلٍ أمينٍ فيقال: في البلد الفلاني (١). فهذا الذي أعطاك المال قد وثق بك، وينبغي أن تكون عند حسن ظنه، وأنت أمين على ذلك كالشريك مع شريكه، والوكيل بالنسبة لموكله، وولي اليتيم بالنسبة لليتيم، فعلى هذا المضارب أن يتقي الله في هذا المال، وأن يحافظ عليه، وألا يتصرف فيه إلا بما هو في مصلحة الطرفين. • قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ التَّصَرُّفَ بِالدَّيْنِ خَارجٌ عَمَّا يَتَصَرَّفُ فِيهِ النَّاسُ فِي الْأَغْلَبِ لَمْ يُجِزْهُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مِمَّا يَتَصَرَّفُ فِيهِ النَّاسُ أَجَازَهُ). علة من منع ذلك من أهل العلم هي أنه قد لا يعود إليه ماله؛ لأن الدين قد لا يأتي، قد يعسر صاحبه وقد يكون مماطلًا، وفريق من أهل العلم قال: لا؛ لأنه إذا أطلق فيدخل فيه الدين، ومعروف أن عادة الناس أن يبيعوا حالًّا ومؤجلًا، بل إن الربح عادة يكون أكثر في المؤجل، وهذه من المسائل التي يختلف فيها العلماء. فكل مسألة لا نجد فيها نصًّا صريحًا عن الله ، ولا عن رسوله ﷺ نرى فيها أن الخلاف يتشعب، ولكنه اختلاف - كما قلت

стр. 7858

مرارًا - ينتهي إلى وفاق؛ لأن كل هؤلاء الأئمة ﵏ من الأربعة وغيرهم كلهم - لهم قصد؛ وهذا القصد الذي يرومون الوصول إليه هو الوصول إلى الحق، وهم أيضًا يريدون الوصول إلى الحق من أقرب طرقه وأهداها، دون الطرق التي فيها التواء أو عوج، إذن فهم يريدون أن يعرفوا الحق، وهذا الحق لا يلزم أن يكون عن طريق واحد بعينه، بل لو كان مع أخيه لرجع إليه، فهم مجتهدون، فرحمهم الله ورضي عنهم، وجزاهم عن الإسلامِ خيرًا. (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَاللَّيْثُ (٤) فِي الْعَامِلِ يَخْلِطُ مَالَهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْمَالِ؛ فَقَالَ هَؤُلَاءِ كلُّهُمْ مَا عَدَا مَالِكًا: هُوَ تَعَدٍّ، وَيَضْمَنُ).

стр. 7859

هؤلاء العلماء معهم أحمد (١)، ومالك هو الذي انفرد. • قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِتَعَدٍّ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ هَؤُلَاءِ الْمَشَاهِيرُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ). يعني هذه من المسائل التي اختلف فيها هل هي تعد أو لا؟ وقد عرفنا فيما مضى أن المضارب لا يضمن إلا إذا تعدى، إذا فرط فحينئذ يضمن، أما إذا لم يتعد ولم يفرط، فهو أمين في عمله، لا ينبغي أن يضمن ما لم يتعد فيه، فمثل هذه المسألة، خلط ماله مع مال القراض؟ مال يخصه فيدخله دون أن يتفق مع رب المال. • قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفْ هَؤُلَاءِ الْمَشَاهِيرُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ إِنْ دَفَعَ الْعَامِلُ رَأْسَ مَالِ الْقِرَاضِ إِلَى مُقَارِضٍ آخَرَ أَنَّهُ ضَامِنٌ إِنْ كَانَ خُسْرَان). أولًا: قوله: (المشاهير) هذا مصطلح عرف عند الفقهاء، فبعضهم يقول: الأئمة الأربعة المشهورون؛ لأنه اشتهر في كتب الفقه وبين العلماء، وبين طلاب العلم؛ إذ سخر الله لهم تلاميذ جهابذة من العلماء، وقفوا أنفسهم وسهروا ليلهم، ووصلوا كلال الليل بكلال النهار، فوقفوا على تركة أولئك الأئمة، فأخذوا يمحصون دراسة وبحثًا عن العلل، حتى تمكنوا من معرفتها بالأدلة فخرجوا عليها ودونوها في كتب مسطورة، فسخر الله لهم تلاميذ حفظوا ثروتهم الفقهية.

стр. 7860

وأما مثل الإمام الثوري فيقال: ضيعه تلاميذه؛ بمعنى: أن تلاميذه ما حفظوا فقهه، أي: ما جمعوه؛ على الرغم من أن فقهه كثير موجود في كتب الأئمة وغيرها، لكنه ليس كالأئمة الأربعة، وليس معنى هذا أن نأتي فنقول: إن الثوري أقل علمًا من الإمام أبي حنيفة، أو الليث أقل علمًا من مالك، لا؛ فهؤلاء كلهم علماء جهابذة، كلهم قد وصلوا وبلغوا القمة في حفظ العلم وفي فهمه. • قوله: (وَإِنْ كَانَ رِبْح، فَذَلِكَ عَلَى شَرْطِهِ، ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ). هذا لو أنه اتفق مع رب المال، مع الأصل، على أنه سيدفع إلى مقارض آخر، فيعود إلى أصل القراض. • قوله: (فَيُوَفِّيِهِ حَظَّهُ مِمَّا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ (١). وَقَالَ الْمُزَنِيُّ عَنِ

стр. 7861

الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَى فَسَادٍ (١). المزني من الأئمة المشهورين، وهو من تلاميذ الإمام الشافعي، بل

стр. 7862

من كبارهم، وله كتاب "المختصر" (١)، وكذلك الربيع من تلاميذ الإمام الشافعي الكبار (٢)، والبويطي (٣)، كل هؤلاء من تلاميذ الإمام الشافعي، والمزني له آراء كغيره من تلاميذ الأئمة الآخرين، ينفرد بها عن إمامه؛ لأن أولئك الأئمة مجتهدون، لكنهم مجتهذون منتسبون؟ بمعنى أنهم يأخذون بأصول إمامهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقَوْلُ فِي حُكْمِ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ) الآن سيدخل المؤلف في القراض الفاسد، متى يكون القراض فاسدًا؟ • قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ فَسْخُهُ وَرَدُّ الْمَالِ إِلَى صَاحِبِهِ) لأنه اختلت الشروط التي التزم بها، فأصبح القراض فاسدًا. ولا شك أنه إذا فسد القراض فإنه يفسخ. • قوله: (وَرَدُّ الْمَالِ إِلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفُتْ بِالْعَمَلِ (٤). وَاخْتَلَفُوا

стр. 7863

إِذَا فَاتَ بِالْعَمَلِ مَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِيهِ فِي وَاجِبِ عَمَلِهِ، عَلَى أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَرُدُّ جَمِيعَهُ إِلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمَاجشُون عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُ أَشْهَبَ (١). وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَرُدُّ جَمِيعَهُ إِلَى إِجَارَةِ مِثْلِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ

стр. 7864

أَصْحَابِ مَالِكٍ) (١). هذا هو رأي جمهور العلماء (٢). • قوله: (وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ) (٣). هذا هو رأي جمهور العلماء في حقيقة الأمر. • قوله: (والثالث أنه يرد إلى قراض مثله). هذه المسألة فصل فيها كثيرًا في مذهب مالك، والآن عرفنا رأي الأئمة الثلاثة، وهو يتفق مع رأي أحد المالكية. • قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ مَا لَم يَكُنْ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّاهُ، وَإِنَّمَا لَهُ الْأَقَلُّ مِمَّا سَمَّى، أَوْ قِرَاضٍ مِثْلِهِ إِنْ كَان رَبُّ الْمَالِ هُوَ مُشْتَرِطَ الشَّرْطِ عَلَى الْمُقَارِضِ، أَوِ الْأَكْثَرِ مِنْ قِرَاضٍ مِثْلِهِ، أَوْ مِنَ الْجُزْءِ

стр. 7865

الَّذِي سَمَّى لَهُ إِنْ كَانَ الْمُقَارِضُ هُوَ مُشْتَرِطَ الشَّرْطِ الَّذِي يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا فَسَدَ الْقِرَاضُ). هذا سنقرؤه؛ لأنه كله تفصيل في مذهب مالك، ثم ننتقل إلى الذي بعده. • قوله: (وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَخَرَّجُ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ (١). وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ فِي كُلِّ مَنْفَعَةٍ اشْتَرَطَهَا أَحَدُ الْمُتَقَارِضَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْمَالِ مِمَّا لَيْسَ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِهَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِلَى إِجَارَةِ مِثْلِهِ فِي كُلِّ مَنْفَعَةٍ اشْتَرَطَهَا أَحَدُ الْمُتَقَارِضَيْنِ خَالِصَةً لِمُشْتَرِطِهَا مِمَّا لَيْسَتْ فِي الْمَالِ، وَفِي كُلِّ قِرَاضٍ فَاسِدٍ مِنْ قِبَلِ الْغَرَرِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ نَافِعٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَصْبَغَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ (٢)). استطرد المؤلف هنا في بيان أقوال المالكية، فهذه خلافات داخل المذهب.

стр. 7866

• قوله: (وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْقِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ، فَبَعْضُهَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ قَالَ: إِنَّ فِيهَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ: فِيهَا قِرَاضُ الْمِثْلِ (١). فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ اخْتِلَافَ قَوْلِهِ فِيهَا عَلَى الْفَرْقِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَمُطَرِّفٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَاخْتِيَارُ جَدِّي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ) (٢). جده ابن رشد، صاحب المقدمات، له كتب مشهورة، وهو أيضًا الإمام المعتمد في مذهب مالك، فإذا أطلق فالمقصود به صاحب المقدمات. • قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعَلِّلْ قَوْلَهُ، وَقَالَ: إِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ كُلَّ قِرَاضٍ فَاسِدٍ فَفِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إِلَّا تِلْكَ الَّتِي نُصَّ فِيهَا قِرَاضُ الْمِثْلِ وَهِيَ سَبْعَةٌ (٣):

стр. 7867

١ - الْقِرَاضُ بِالْعُرُوضِ. ٢ - وَالْقِرَاضُ بِالضَّمَان. ٣ - وَالْقِرَاضُ إِلَى أَجَلٍ. ٤ - وَالْقِرَاضُ الْمُبْهَمُ. ٥ - وَإِذَا قَالَ لَهُ: اعْمَلْ عَلَى أَنَّ لَكَ فِي الْمَالِ شرْكاء. ٦ - وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَقَارِضَان، وَأَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ فَحَلَفَا عَلَى دَعْوَاهُمَا. ٧ - وَإِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ عَلَى أَلا يَشْتَرِيَ بِهِ إِلَّا بِالدَّيْنِ فَاشْتَرَى بِالنَّقْدِ، أَوْ عَلَى أَلا يَشْتَرِيَ إِلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا وَالسِّلْعَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، فَاشْتَرَى غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ يجِبُ أَنْ تُرَدَّ إِلَى عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِلَّا فَهُوَ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ). ترد إلى علة واحدة، أما رأي الأئمة الثلاثة فقد رأيناه واضحًا جليًّا. • قوله: (وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ (١) عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ فَصَّلَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْفَسَادُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ رُدَّ إِلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ زِيَادَةٍ ازْدَادَهَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ رُدَّ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ). لا يزال حديث المصنف حول القراض الفاسد - إذا تم العمل - على مذهب ابن القاسم، فقوله مشكل؛ إذ أحال في مواضع على أجرة المثل، وفي مواضع على قراض المثل، وقد سبق أن بين المصنف أنه نص على قراض المثل في المسائل السبع السابقة، ولم يرض ابن رشد ﵀ بالتفريق، ورأى أنه لا بد من رد هذه المسائل السبع إلى علة واحدة - وهذا شأن الفقهاء ذوي الألباب -، إذ الشريعة لا تفرق بين متماثلين، فحكى هذا الفرق عن القاضي عبد الوهاب حكاية عن ابن القاسم، ومحصل

стр. 7868

هذا الفرق أن ما كان من الفساد من قبل العقد مما تضمن الإخلال بشرط من شروطه (١)، كاشتراط شيءٍ معين من الربح، أو كون رأس المال دينًا، أو مجهولًا، أو الجهل بالربح، أو قدّرا للقراض أجلًا، فهنا: الواجب قراض المثل. وما كان من قبل الزيادة كاشتراط الزرع بمال القراض (٢) فإنها زيادة زادها ربُّ المال عليه، وهو عمله في الزرع؛ ففيه أجرة المثل، ونحو ذلك: كل زيادة زادها أحدهما خارج المال. وقد انتقد ﵀ هذا المسلك؛ فقال: (وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي هَذَا بِالْعَكْس). أي: أن يقدر أجرة المثل إذا كان الإخلال بالعقد، ويُقدر قراض المثل إذا كان الإخلال بزيادة لأحدهما. ووجه قوله ﵀: إنما تتبين بتعليل القولين، وقد بينهما ابن رشد الجد أتمّ بيان، فقال: فوجه قول من قال إن القراض الفاسد يرد العامل فيه كله إلى إجارة المثل جملة من غير تفصيل أن القراض إجارة

стр. 7869

بغرر؛ لأن العامل يعمل في المال على جزء مما يربح فيه إن كان فيه ربح، إلا أنه استثني من الأصول للضرورة، فإنما يجوز إذا وقع على وجهه وسنته. فإذا وقع على خلاف ذلك فليس بقراض وإن سمياه قراضًا، وإنما هو إجارة فاسدة فيرد فيها إلى إجارة مثله، وإنما يكون قراضًا إذا عملا على سنة القراض. ألا ترى أنه لو قارضه على أن يعمل له بالمال إلى أجل كذا وكذا في كذا وكذا وله كذا وكذا لكانت إجارة ولم يكن قراضًا، فلا معنى للاعتبار بذكر القراض إلا إذا عمل به على سنَّته. وأيضًا فإن القراض عقد صحيح يوجب عوضًا مسمًّى للعامل بالعمل، فإذا كان فاسدًا وجب له أجر المثل في عمله لفواته. أصله إذا استأجره إجارة فاسدة ففاتت بالعمل أو باعه بيعًا فاسدًا ففاتت السلعة المبيعة. ثم قال: ووجه قول من قال: إنه يرد إلى قراض مثله جملة من غير تفصيل أن القراض أصل في نفسه وعقد منفرد على حياله، والأصول موضوعة على أن كل عقد فاسد أو على شبهة مردود إلى صحيحه لا إلى صحيح غيره من العقود كالنكاح والبيوع والإجارة. فكما يرد فاسد البيع وغيره من العقود إلى صحيحها لا إلى صحيح غيرها فكذلك يجب أن يرد فاسد القراض إلى صحيحه (١). انتهى. فإذا نظرنا إلى التعليل؛ فتفريق المؤلف أوجه؛ فإن اعتبار الفساد في العقد موجبًا عود القراض إلى أصله (وهو الإجارة)، فيجب أجرة المثل، واعتبار الإخلال بشيء زائد عن العقد أقل خطرًا، فنعتبر القراض كالصحيح، ونمضي قراض المثل أقرب في التصور الصحيح مما ذكره القاضي عبد الوهاب ﵀. • قوله: (وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأُجْرَةِ وَقِرَاضِ الْمِثْلِ أَنَّ الْأُجْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ، سَوَاءٌ أكَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقِرَاضُ الْمِثْلِ هُوَ عَلَى

стр. 7870

سُنَّةِ الْقِرَاضِ إِنْ كانَ فِيهِ رِبْحٌ كانَ لِلْعَامِلِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ) (١). ذيَّل المسألة بما يترتب على القولين من فرق؛ فالأجرة تتعلق بذمة ربِّ المال (٢) - لا الربح - فطالما عمل العامل استحق الأجرة، ولو كان في المال خسارة. وأما قراض المثل؛ فعلى سَنَنِ القراض الصحيح، لا يستحق قراض المثل إلا مع الربح، وإذا كانت خسارة، لم يكن للعامل شيء. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَقَارِضَيْنِ) ندخل في مسألة أخرى، هي خلاف المتقارضين. • قوله: (وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ إِذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي تَسْمِيَةِ الْجُزْءِ الَّذِي تَقَارَضَا عَلَيْهِ). المراد بتسمية الجزء تسمية قدر رأس مال المضاربة، فالخلاف قد يكون في رأس مال المضاربة، وربما يكون في ثمن الشراء، وربما يكون في البيع بالدين (٣)، فالمؤلف هنا خلط الأمور، وبعض ذلك موضع

стр. 7871

إجماع؛ فمثلًا إذا كان الخلاف في قدر رأس المال - أي: رأس مال المضاربة - فالعلماء مجمعون على أن القول إنما هو قول العامل؛ لأنه أمين على ذلك، وينبغي أن يصدق، ورب المال عندما دفع ماله إليه كان واثقًا به مطمئنًا إليه، وهو لا يدفع ماله لإنسان يشك فيه، وتدور حوله ريبة في نفسه، مترددة في صدره، فهو إذًا واثق به. ولذلك فقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك (١). أمَّا إذا كان الاختلاف في ثمن شراء مال المضاربة أو في البيع في الدين، فهنا يأتي الخلاف الذي أشار إليه المؤلف. • قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مُؤْتَمَنٌ) (٢). هذا قول الأئمة كلهم (٣)، حكى ابن المنذر الإجماع عليه، إذا كان الخلاف في قدر رأس المال؛ أي: رأس مال المضاربة، فابن المنذر حكى الإجماع عليه، وقال: لا أعلم خلافًا في ذلك.

стр. 7872

ثم سرد أقوال العلماء ومنهم الأئمة الأربعة. إذًا هذه المسألة ليس فيها خلاف؛ إنما الخلاف هو في ثمن الشراء، أو في البيع بالدين، وقد مرت الإشارة إلى ذلك قبل. • قوله: (وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ دَعَاوِبهِ إِذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: يُحْمَلُ عَلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ (١)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ إِذَا أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ). الآن رأينا أن العلماء اتفقوا على أنه إذا كان الخلاف في قدر المسمى - أي: رأس مال المضاربة - فإن القول قول العامل، وإذا كان الخلاف في ثمن الشراء، فالقول قول العامل أيضًا عند الإمامين مالك وأحمد وعند الإمام الشافعي أن القول قول المالك، وهو رب المال. • قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ (٢)، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ (٣)). وهذا أيضًا هو قول الشافعي (٤).

стр. 7873

• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ، وَيَكُونُ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ" (١)). المعروف عن الشافعي كمذهب أبي حنيفة، وربما يكون هذا قول آخر له. • قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ). إذن رأيتم الان بأن الإمام أحمد (٢) مع مالك في هذه المسألة الأولى كلهم متفقون عليها فالمؤلف دمج بينها. • قوله: (اخْتِلَافُهُمْ فِي سَبَبِ وُرُودِ النَّصِّ بوُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، هَلْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، أَوْ لِأنَّهُ فِي الْأَغْلَبِ أَقْوَى

стр. 7874

شُبْهَةً؟ فَمَنْ قَالَ: لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ. وَمَنْ قَالَ: لِأَنَّهُ أَقْوَاهُمَا شُبْهَةً فِي الْأَغْلَبِ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لأنَّهُ عِنْدَهُ مُؤْتَمَنٌ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَاسَ اخْتِلَافَهُمَا عَلَى اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ في ثَمَنِ السِّلْعَةِ. وَهَذَا كَافٍ فِي هَذَا الْبَابِ). هذه مسألة تكررت، وستأتي أكثر تفصيلًا وبيانًا في أحكام القضاء، وفي الدعاوى والبينات، قال الرسول ﷺ : "لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم؛ ولكن البينة على المدعى عليه" (١)، وفي رواية في غير "الصَّحيحين": "ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (٢)، فهنا مَن هو المنكر ومن هو المدعي؟ هذا هو سبب الخلاف في الجزئيتين الأخيرتين. * * *

стр. 7875

قال الإمام المصنف رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. [كتاب المساقاة] نحن عند مقدمة كتاب المضاربة وكتاب القراض، بينا أن المضاربة أن يدفع إنسان ماله إلى آخر ليتجر به، فهناك طرفان؛ طرف يملك المال، وآخر لا مال عنده، لكن لديه القدرة والخبرة على أن يضارب بهذا المال حتى يربح بإذن الله ، وبينا هناك أنَّ الناس ليسوا جميعًا على دراية ومعرفة بالتجارة، فمن الناس من لديه المال لكنه لا يعرف أصول التجارة، ولا يستطيع أن يمارس فيبيع ويربح. وآخر لديه الخبرة والدراية والمعرفة والمكانة، لكن لا مال بين يديه، فيدفع هذا ماله إلى ذاك؛ ليتجر به على جزء معلوم من الربح، هذا قد مضى، والمساقاة فيها نوع من الشبه، وإن كانت المضاربة بهما رأينا كانت موضع إجماع من حيث الجملة، لكن المساقاة تختلف، وأشد منها المزارعة؛ ولذلك لم يعقد المؤلف لها بابًا في هذا الكتاب نهجًا على مذهبه؛ لأن المالكية لا يرون المزارعة، لكنه أشار إليها إشارات خفيفة ضمن المساقاة. نأتي الآن إلى المساقاة، ومعناها (١): أن يدفع رجل شجره أو زرعه إلى

стр. 7876

آخر؛ ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه من أعمال، على أن يكون له جزء معلوم من الثمر، أي: مما تخرج هذه الأشجار أو الزروع من الثمار، سواء كان نصفًا أو ربعًا أو ثلثًا أو أقل أو أكثر، هذا هو وصف المساقاة. والأمر فيها - أيضًا - كالمضاربة فليس كل الناس عنده الخبرة في أمور الزراعة، فربما تكون له مزرعة ورثها، أو يكون قد عجز عن العمل فيها، فيحتاج إما إلى من يعمل فيها عن طريق الأجرة، وإما أن يسلمه إلى آخر؛ ليعمل فيها مقابل جزء معلوم من الربح. وبعض الناس قد لا يجد أجرة ليستأجر العمال للعمل، وربما يجد لكنه لا يمكن أن يحصل الإحكام والإنتاج الذي يحصل لو تولاها إنسان غيره؛ لأنه إذا سلمها للآخر، وعلم أن له جزءًا معلومًا من الربح، أي: أنه شريك في ذلك، فسيجد ويجتهد، وسيبذل كل طاقته وغاية جهده؛ ليصل بها إلى أعلى مستوى، حتى يستفيد هو ويفيد غيره، لكن العامل مهما كان مخلصًا، فإنه يعمل بأجر، فلا يكون كالذي يعمل لنفسه، ومن هنا كانت المساقاة طريقًا. والمساقاة لا تقوم على عمل واحد هو السقي، بمعنى أن الأشجار يرسل عليها الماء فحسب، بل إنها تحتاج إلى عناية، وهناك من الأشجار ما يحتاج إلى التلقيح، هناك أيضًا قطع الأشجار، هناك تنقيتها هناك حفر الآبار، هناك إجراء المياه، هناك التنظيف، أشياء كثيرة جدا، وإنما سميت بالمساقاة؛ لأن أهم ما تقوم عليه هذه المعاملة هو السقي، والسقي إنما هو إرسال الماء إليها، ولا شك أن هذا الماء له مكانة عظيمة كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فلا يستطيع إنسان أن يعيش بدون الماء، ولا يستطيع نبات أن يبقى قائما على ساقيهِ دون ماء أيضًا، وكذلك الحيوان، فهو إذن ضروري لحياة الإنسان والحيوان

стр. 7877

والنبات، فلا بد منه، وقيل سميت بالمساقاة؛ لأن بلاد الحجاز كاذت تقوم أعمالهم من حيث الري على الاستقاء، يحفرون الآبار ويستقون منها، فهذه هي المساقاة (١). والان نبدأ في الكتاب، ثم بعد ذلك نتبين ما أشار إليه المؤلف من خلاف؛ من قال بالمساقاة، ومن قال بعدمها، أي: من أجازها ومن منعها، ولماذا أجازها أكثر العلماء ومنعها قليل منهم؛ وبخاصة أن ممن منعوها أحد الأئمة الأربعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقَوْلُ فِي الْمُسَاقَاةِ (٢) أَمَّا أَوَّلًا: فَفِي جَوَازِهَا). لا شك أن المساقاة مشروعة بسنة رسول الله ﷺ ، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحة، ويأتي في مقدمتها ما حصل من معاملة رسول الله ﷺ لأهل خيبر، فإنه ﷺ فتح خيبر، وكانت خيبر تشتهر بالنخيل، ولا يزال النخيل موجودًا فيها، فلذلك جاءت السنة بمشروعية المساقاة. أدلة مشروعيتها: الأول: قال بعض العلماء: الدليل أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على شطر مما يخرج منها من ثمر أو زرع، كما في حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه، قال: "عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على شطر ما يخرج

стр. 7878

منها من ثمر وزرع" (١). هذا الحديث متفق عليه، وهو دليل من الأدلة التي جاءت في السنة. الثاني: قد حكى بعض العلماء الإجماع (٢)، قالوا: ظل رسول الله ﷺ طيلة حياته حتى لحق بالرفيق الأعلى، ومات ﷺ وهو يعامل أهل خيبر على ذلك؛ أي على المساقاة، وعمل بعده الخلفاء الراشدون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم أهْلُوهم، واستمر المسلمون على ذلك فترة، قال هؤلاء العلماء: فكان ذلك إجماعًا (٣). ومن العلماء من قال بأن المساقاة لا تجوز؛ لأنها معاملة مقابل شيء لم يخلق، ولو قدر أنه خلق فهو مجهول لا يعلم قدره، وما ذكر أن

стр. 7879

عبد الله بن عمر راوي الحديث الذي استُدِلَّ به على جواز المساقاة، نقل عنه أنه قال: بقينا أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج: أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة، أي: عن كراء الأراضي، وهذا سيأتي الحديث عنه إن شاء الله أثناء التعليق على الكتاب. • قوله: (وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فِيهَا). المؤلف هنا يقدم لنا مقدمات يبين فيها المشروعية، وقد قلنا: إنها مشروعة بالسنة، وهناك من حكى الإجماع. وهناك شروط صحة وشروط فساد؛ لأن هناك أمرًا مطلوبًا من رب الأرض؛ من رب الثمر، وهناك أيضًا أعمال أخرى يطالب بها العامل القائم على ذلك. • قوله: (وَالثَّالِثُ: فِي أَحْكَامِهَا. الْقَوْلُ فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ فَأَمَّا جَوَازُهَا: فَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ). عليه جمهور العلماء، ومنهم الأئمة؛ مالك والشافعي وأحمد، بل نقل ذلك عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة وعن التابعين، وغير هؤلاء. • قوله: (فَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)،

стр. 7880

وَالثَّوْرِيُّ (١)، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (٢) وَأَحْمَدُ (٣) وَدَاوُدُ (٤). ذكر المؤلف أحمد مع الجمهور، وقلت: إن المؤلف يغفل ذكر أحمد لا لأنه لا يراه فقيهًا كما يدعي البعض، لكن لأنه لا يعرف مذهبه تمامًا، فهو يعول على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر. • قوله: (وَهِيَ عِنْدَهُمْ مُسْتَثْنَاةٌ بِالسُّنَّةِ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ). وهي عندهم مستثناة بالسُّنة؛ لأنك إذا نظرت إليها وجدت فيها جهالة؛ لأنك تدفع شجرًا أو ثمرًا لم يثمر بعد، على أن يعمل فيه إنسان مقابل جزء مما يخرج منه من ثمر، فهذا شيء لم يخلق، شيء معدوم غير موجود، فيصح ذلك لأنه مستثنى. وهناك كثير من المعاملات التي استثنيت في هذه الشريعة تخفيفًا على الناس وتيسرًا، ورفقًا بهم، وقد مرَّ بنا نماذج كثيرة من ذلك.
следующие страницы →