آخر؛ ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه من أعمال، على أن يكون له جزء معلوم من الثمر، أي: مما تخرج هذه الأشجار أو الزروع من الثمار، سواء كان نصفًا أو ربعًا أو ثلثًا أو أقل أو أكثر، هذا هو وصف المساقاة.
والأمر فيها - أيضًا - كالمضاربة فليس كل الناس عنده الخبرة في أمور الزراعة، فربما تكون له مزرعة ورثها، أو يكون قد عجز عن العمل فيها، فيحتاج إما إلى من يعمل فيها عن طريق الأجرة، وإما أن يسلمه إلى آخر؛ ليعمل فيها مقابل جزء معلوم من الربح.
وبعض الناس قد لا يجد أجرة ليستأجر العمال للعمل، وربما يجد لكنه لا يمكن أن يحصل الإحكام والإنتاج الذي يحصل لو تولاها إنسان غيره؛ لأنه إذا سلمها للآخر، وعلم أن له جزءًا معلومًا من الربح، أي: أنه شريك في ذلك، فسيجد ويجتهد، وسيبذل كل طاقته وغاية جهده؛ ليصل بها إلى أعلى مستوى، حتى يستفيد هو ويفيد غيره، لكن العامل مهما كان مخلصًا، فإنه يعمل بأجر، فلا يكون كالذي يعمل لنفسه، ومن هنا كانت المساقاة طريقًا.
والمساقاة لا تقوم على عمل واحد هو السقي، بمعنى أن الأشجار يرسل عليها الماء فحسب، بل إنها تحتاج إلى عناية، وهناك من الأشجار ما يحتاج إلى التلقيح، هناك أيضًا قطع الأشجار، هناك تنقيتها هناك حفر الآبار، هناك إجراء المياه، هناك التنظيف، أشياء كثيرة جدا، وإنما سميت بالمساقاة؛ لأن أهم ما تقوم عليه هذه المعاملة هو السقي، والسقي إنما هو إرسال الماء إليها، ولا شك أن هذا الماء له مكانة عظيمة كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فلا يستطيع إنسان أن يعيش بدون الماء، ولا يستطيع نبات أن يبقى قائما على ساقيهِ دون ماء أيضًا، وكذلك الحيوان، فهو إذن ضروري لحياة الإنسان والحيوان
стр. 7877
والنبات، فلا بد منه، وقيل سميت بالمساقاة؛ لأن بلاد الحجاز كاذت تقوم أعمالهم من حيث الري على الاستقاء، يحفرون الآبار ويستقون منها، فهذه هي المساقاة (١).
والان نبدأ في الكتاب، ثم بعد ذلك نتبين ما أشار إليه المؤلف من خلاف؛ من قال بالمساقاة، ومن قال بعدمها، أي: من أجازها ومن منعها، ولماذا أجازها أكثر العلماء ومنعها قليل منهم؛ وبخاصة أن ممن منعوها أحد الأئمة الأربعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْقَوْلُ فِي الْمُسَاقَاةِ (٢)
أَمَّا أَوَّلًا: فَفِي جَوَازِهَا).
لا شك أن المساقاة مشروعة بسنة رسول الله ﷺ ، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحة، ويأتي في مقدمتها ما حصل من معاملة رسول الله ﷺ لأهل خيبر، فإنه ﷺ فتح خيبر، وكانت خيبر تشتهر بالنخيل، ولا يزال النخيل موجودًا فيها، فلذلك جاءت السنة بمشروعية المساقاة.
أدلة مشروعيتها:
الأول: قال بعض العلماء: الدليل أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على شطر مما يخرج منها من ثمر أو زرع، كما في حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه، قال: "عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على شطر ما يخرج
стр. 7878
منها من ثمر وزرع" (١). هذا الحديث متفق عليه، وهو دليل من الأدلة التي جاءت في السنة.
الثاني: قد حكى بعض العلماء الإجماع (٢)، قالوا: ظل رسول الله ﷺ طيلة حياته حتى لحق بالرفيق الأعلى، ومات ﷺ وهو يعامل أهل خيبر على ذلك؛ أي على المساقاة، وعمل بعده الخلفاء الراشدون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم أهْلُوهم، واستمر المسلمون على ذلك فترة، قال هؤلاء العلماء: فكان ذلك إجماعًا (٣).
ومن العلماء من قال بأن المساقاة لا تجوز؛ لأنها معاملة مقابل شيء لم يخلق، ولو قدر أنه خلق فهو مجهول لا يعلم قدره، وما ذكر أن
стр. 7879
عبد الله بن عمر راوي الحديث الذي استُدِلَّ به على جواز المساقاة، نقل عنه أنه قال: بقينا أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج: أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة، أي: عن كراء الأراضي، وهذا سيأتي الحديث عنه إن شاء الله أثناء التعليق على الكتاب.
• قوله: (وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فِيهَا).
المؤلف هنا يقدم لنا مقدمات يبين فيها المشروعية، وقد قلنا: إنها مشروعة بالسنة، وهناك من حكى الإجماع.
وهناك شروط صحة وشروط فساد؛ لأن هناك أمرًا مطلوبًا من رب الأرض؛ من رب الثمر، وهناك أيضًا أعمال أخرى يطالب بها العامل القائم على ذلك.
• قوله: (وَالثَّالِثُ: فِي أَحْكَامِهَا. الْقَوْلُ فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ فَأَمَّا جَوَازُهَا: فَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ).
عليه جمهور العلماء، ومنهم الأئمة؛ مالك والشافعي وأحمد، بل نقل ذلك عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة وعن التابعين، وغير هؤلاء.
• قوله: (فَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)،
стр. 7880
وَالثَّوْرِيُّ (١)، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (٢) وَأَحْمَدُ (٣) وَدَاوُدُ (٤).
ذكر المؤلف أحمد مع الجمهور، وقلت: إن المؤلف يغفل ذكر أحمد لا لأنه لا يراه فقيهًا كما يدعي البعض، لكن لأنه لا يعرف مذهبه تمامًا، فهو يعول على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر.
• قوله: (وَهِيَ عِنْدَهُمْ مُسْتَثْنَاةٌ بِالسُّنَّةِ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ).
وهي عندهم مستثناة بالسُّنة؛ لأنك إذا نظرت إليها وجدت فيها جهالة؛ لأنك تدفع شجرًا أو ثمرًا لم يثمر بعد، على أن يعمل فيه إنسان مقابل جزء مما يخرج منه من ثمر، فهذا شيء لم يخلق، شيء معدوم غير موجود، فيصح ذلك لأنه مستثنى. وهناك كثير من المعاملات التي استثنيت في هذه الشريعة تخفيفًا على الناس وتيسرًا، ورفقًا بهم، وقد مرَّ بنا نماذج كثيرة من ذلك.
стр. 7881
• قوله: (وَمِنَ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ) (١).
وقد مر بنا أن من العلماء من يجيز بعض الإجارات المجهولة.
• قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ أَصْلًا) (٢).
فالذي خالف من الأئمة هو أبو حنيفة، وسيذكر المؤلف رأيه.
وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة خالفاه في ذلك (٣)؛ لأنهما رأيا وجود أدلة تدل على الجواز فذهبا إليه، وأبو حنيفة عندما خالف في هذه المسألة لم يكن مقصده هو الخلاف، لكنه انقدح في ذهنه وفهمه أن هذه المعاملة تخالف الأصول الثابتة في الشريعة، فلا تصح لذلك.
• قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي إِجَازَتِهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتِ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أَنْ يُعْمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا" (٤).
الشطر في الغالب يطلق على النصف، ويطلق على الجهة (٥). قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: جهته. وشطر الشيء إنما هو نصفه، وقد دار خلاف كثير حول حديث: "الطهور شطر الإيمان" (٦)،
стр. 7882
فقال بعض أهل العلم: كيف يكون الطهور شطر الإيمان أي: نصفه؟ وتكلمنا عن هذه المسألة وفصلنا القول فيها في أبواب الطهارة، والشاهد هنا أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر، وهذا الحديث متفق عليه والمؤلف قد نص في منهجه على أن المشهور في مصطلحه بمعنى المتفق عليه، والثابت ما رواه أحد الشيخين - البخاري ومسلم - وهو خالف منهجه، فقال الثابت وهو متفق عليه، والذي ذكرته أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج من تلك الأرض؛ من زرع أو ثمر، وهذا حديث متفق عليه، وهو نص في هذه المسألة.
• قوله: (خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١)).
قال الثابت. وقال: خرَّجه البخاري ومسلم.
• قوله: (وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "أَنَّهُ ﷺ سَاقَاهُمْ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ وَالثَّمَرَة (٢) ").
وهذه الرواية أيضًا موجودة في "الصحيحين"؛ أي: في البخاري ومسلم (٣)، ومعلوم أن البخاري ومسلمًا وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد يروون الأحاديث، وربما جاء الحديث من عدة طرق وبألفاظ متعددة، فهم يوردونها، فهذا الحديث جاء بألفاظ وفي هذه الرواية: "ساقاهم" (٤).
стр. 7883
• قوله: (وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ: "أُقِرُّكمْ عَلَى مَا أَقَرَّكمُ اللهُ، عَلَى أَنَّ الثَّمرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (١) ").
وفي رواية: "أن الثمرة" (٢).
• قوله: (قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي").
أولًا: هذا حديث مرسل؛ أي: أنه ليس متصلًا إلى رسول الله ﷺ ، هذا هو الحديث المرسل، وهذا الحديث من العلماء من وصله، فجاء من بعض الطرق موصولًا (٣)، ومعلوم أن مراسيل سعيد بن المسيب من أصح المراسيل (٤).
стр. 7884
هذه ناحية، وهذا الأثر أخرجه مالك في "موطئه"، وجاء من عدة طرق عند البيهقي (١) والدارقطني (٢) وغيرهما (٣)، وجاء في بعض الطرق موصولًا؛ أي: متصلًا إلى رسول الله ﷺ ، وهذا الحديث نعود إليه مرة أخرى حتى نبين ما فيه.
فالرسول ﷺ أقرهم إذًا على ذلك الأمر: هل هم الذين طلبوا أو الرسول عرض عليهم؟ هذا جاء في عدة روايات، والمهم أن رسول الله ﷺ أقرهم على ذلك.
وقد اشتهر عبد الله بن رواحة شتهر بالخرص، وكان دقيقًا في ذلك الأمر، وقد مر بنا ذكره ﵁ في كتاب (الزكاة)، وكان رسول الله ﷺ يبعثه خارصًا للتمر وللعنب، فهو إذًا قد اشتهر بذلك، وسيأتي في المرسل الثاني - أيضًا - قصة حصلت مع عبد الله بن رواحة، وهي قصة تشهد لنزاهة أصحاب رسول الله ﷺ .
• قوله: (فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي"، وَكَذَلِكَ مُرْسَلُهُ أَيْضًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فِي مَعْنَاهُ).
مرسله؛ أي: مرسل مالك، الذي أخرجه مالك في "الموطأ" (٤)، فعندنا الآن مرسل سعيد بن المسيب، وكذلك - أيضًا مرسل - ابن يسار، ومرسل ابن يسار أشار إليه المؤلف دون أن يذكر ما فيه، وهو يحمل على
стр. 7885
معان سامية تدل على أهمية هذه الشريعة، وأنها إذا انغرست في قلب المؤمن واستقرت فيه واستقام قلبه عليها مخلصًا، تجرد من كل أمور الدنيا، فابتعد عن كل ما يشينه.
ولذلك جاء في هذا المرسل من بعض الطرق مطولًا ومختصرًا: أن يهود خيبر جمعوا حليًّا من حلي النساء، فقدموه فباعوه لعبد الله بن رواحة، وقالوا: على أنْ تخفِّفَ علينا القسم - أرادوا أن يرشوه - فقال لهم عبد الله بن رواحة: والله إني أقدمت من عند أحب الناس إلي، وإنكم أبغض الناس إلي، وإن بغضي لكم لا يدفعني أن أحيف عليكم. ثم ذكر أنه قال: وتريدون أن تدفعوا إلي هذا السحت لآكله؟!
ثم بين حرمة ذلك، فقالوا: بذلك قامت السماوات والأرض. هم يعلمون الحق، ويعلمون أن ما فعلوه إنما هو أمر باطل، وأن قصدهم هو الضلال، فأدركوا ما كان عليه عبد الله بن رواحه، وأنه قدم من قِبَل رسول الله ﷺ واثقًا به؛ ليخرص عليه، فأرادوا أن يقدموا له شيئًا، فبين لهم أنه قدم من عند أحب الناس إليه، وهو رسول الله ﷺ ، وأنهم أبغض الناس إليه؛ لكن بغضه لهم لا يدفعه إلى أن يحيف عليهم، أي: أن يميل عليهم.
ثم نبههم إلى خطورة ما قدموه له، وأنه سحت، وأن هذه رشوة، وأن دين الإسلام حرم الرشوة، "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش" (١)، فلما رأوا موقفه وأنه وقف عند الحق قالوا: بذلك قامت السماوات والأرض، بالعدل؛ لأنه بين لهم أن كرهه لهم لا يدفعه إلى أن يظلمهم في هذا المقام، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وهم بذلك صادقون يعرفون الحقَّ؛ لكنهم يعرضون عنه.
стр. 7886
ومعلومٌ ما كان عليه اليهود ولا يزالون، فهم أهل الحيل، وأهل المكر وأهل الكذب، وهم قتلة الأنبياء، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهم الذين اعتدوا يوم السبت، وسيئاتهم كثيرة جدًّا، نبه الله عليها في كتابه العزيز، وأشار إليها رسول الله ﷺ وحذرنا من أن نقتدي بأفعالهم أو أن نسلك مسالكهم.
فينبغي على العامل أن يكون أمينًا، وأن يحافظ على ما وكل إليه، وليس ذلك في الخرص فحسب بل: "كلكم راع، وكللكم مسؤول عن رعيته" (١).
فكل مسلم مسؤول عن جماعة أو عن أفراد، عليه أن يخلص في عمله، وأن يتقي الله ، وألا يحيف فيميل إلى جانب دون جانب، وإلى شخص دون شخص؛ لكون من مال إليه صاحب مكانة أو وجاهة أو نسب أو قرابة أو غير ذلك.
لا ينبغي للمسلم أن يميل إلى إنسان، بل ينبغي أن يحكم بالحق، ولذلك لما جاء ابن اللتبية الذي أرسله رسول الله ﷺ ليخرص في الزكاة، فقال: هذا لكم وهذا لي.
لم يقل رسول الله ﷺ وهو الذي يعلم الناس الخير، ويرشدهم إلى طريق الهداية، ويأخذ بأيدهم إلى طريق النجاة -: ما قال ابن اللتبية؟ لم يقل هذا؛ لأن هذا منهج الإسلام؛ فالإسلام لا يُشهِّر بالمسلمين، ولا يحاول فضحهم، ولكن الإسلام يسعى إلى إصلاح النفوس وتطهيرها، دون أن يجرح أصحاب تلك الأمور، فوقف النبيُّ ﷺ خطيبًا فقال: "ما بال
стр. 7887
أحدكم يأتي فيقول هذا لكم وهذا لي؟ هَلَّا جلس في بيت أبيه وأمه لينظر أَيُهدى إليه أم لا يهدى إليه شيء" (١).
فالرسول ﷺ بَيَّن المنهج، فهذا عبد الله بن رواحة قد تربى في مدرسة الرسول ﷺ ، ونهل من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فارتوى منها وتغذى غذاءً كاملًا فاستقام أمره وصلح قلبه، فجاء عمله موافقًا لذلك، هكذا الصحابة ﵃، وكثيرًا ما ننبه إلى هذا، فإنهم ﵃ كانوا قدوة بأعمالهم قبل أن يكونوا قدوة بأقوالهم، فهم لا يضعفون أمام الدنيا، وإذا أردت أن تمتحن شخصًا فامتحنه في أمور الدنيا؛ ليتبين لك ضعفه، فمن الناس من إذا رأى الدرهم والدينار ضعفت نفسه، ومن الناس من تراه قويًّا.
وقد ذكرت قصة الإمام أحمد قبل ولم أتمها؛ فإنه ﵀ ابتلي بالضراء فصبر، وابتلي بالسراء أيضًا فشكر، وقلت: إن الشيطان قد يعجز عن أن يغزو الإنسان عن طريق المال، فهو يريد أن يدفع الإنسان إلى المال، فيعزف عنه، فيدفعه إلى المنصب فيبتعد عنه، فيسلك مسلكًا آخر ليبث فيه العُجْب بنفسه، بأنه فلان لا مثلَ له، وهذا ما حصل بالنسبة للإمام أحمد، فإن الإمام أحمد ﵀ لما خرج من السجن أكْرِم، بدأ الناس يتكلمون: الإمام أحمد فعل وفعل. وكانوا يقولون: "أبو بكر يوم الردة، وأحمد يوم الفتنة" (٢)، يعني: فتنة خَلْق القرآن، فلم يغير ذلك من
стр. 7888
صفاته، بل إنه تواضع لله فخفض جناحه، ولا شك أن من تواضع لله رفعه، وهذا هو شأن كل مسلم يسعى إلى البقاء ولا تشغله الفانية، سيكون هذا بإذن الله تعالى هو طريقه ومنهجه.
• قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: فَعُمْدَتُهُمْ مُخَالَفَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِلأصُولِ مَعَ أَنَّهُ حُكْمٌ مَعَ الْيَهُودِ).
مخالفته للأصول؛ لأن الأصول أنه لا يجوز بيع ولا إجارة شيء لم يخلق، يعني غير موجود، وهذا شيء لم يوجد فكيف يتم التعامل فيه؟
لكننا قلنا: جاء عن رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ورسول الله ﷺ ظل طيلة حياته يتعامل مع اليهود حتى مات ﷺ .
• قوله: (وَالْيَهُودُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ عَبِيدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ ذِمَّةٌ، إِلَّا أَنَّا إِذَا أَنْزَلْنَا أَنَّهُمْ ذِمَّةٌ كانَ مُخَالِفًا لِلأُصُولِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ).
مما يستدل به الحنفية أيضًا أنهم قالوا: إن راوي هذا الحديث الذي استدل به الجمهور - وهو حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر - رجع عنه.
قالوا: لأن ابن عمر قال: بقينا أو مكثنا أربعين سنة نخابر - أي نعمل بالمخابرة في كراء الأرض - حتى حدثنا رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة (١).
ما هي المخابرة؟
стр. 7889
هي كراء الأرض (١)، هكذا قالت الحنفية؛ لكن الجمهور أجابوا عن ذلك وقالوا: أولًا لو قدر أن عبد الله بن عمر رجع عن هذا الحديث إلى فعله، فروايته مقدمة على فعله، هذه ناحية.
الناحية الأخرى أن حديث رافع بن خديج جاء بعدة طرق وبعدة ألفاظ، حتى حكم عليه بعض العلماء بأنه حديث مفترق وإن كان في "صحيح مسلم"، وأيضًا جاء في بعض طرقه أن رافع بن خديج قال: كنا نكري الأرض فنقول: هذه للعامل وهذه لنا، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك (٢).
يعني نهاهم عن هذا الطريق، قال: ولم يكن ذهب ولا ورق، ولم ينهنا رسول الله ﷺ عن الذهب والورق.
وقال "طاوس" التابعي المعروف: كان ابن عباس أعلمهم. ثم قال إنه قال: لم ينه رسول الله ﷺ عن ذلك، ولكن قال: "لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يؤجرها، أو أن يؤجره إياها خراجًا معلومًا" (٣).
فجاء حديث ابن عباس مبينًا للمراد أيضًا، وأنكر زيد بن ثابت حديث رافع بن خديج (٤).
стр. 7890
إذًا حديث عبد الله بن عباس هو واسطة العقد؛ فإنه بين أن الرسول ﷺ عندما نهى عن ذلك لم ينه عنه لعدم جوازه، ولكن الرسول ﷺ قد وهبه الله كرم الخلق، وأعظم السجايا، وأراد أن يبقى المسلم كريما سخيًّا باذلًا، فمن الخير له أن يدفع أرضه التي لا يحتاج إليها لأخيه المسلم؛ ليتولى سقيها ورعايتها والعناية بها حتى يستفيد، فذلك خير له من أن يأخذ أجرًا عليها، ولذلك يقوله الله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فعلامة سلوكك طريق البر ألا تكون بخيلًا، فتبذل أعز ما عندك من المال بنفس طيبة، دون شحٍّ أو بخلٍ، فإذا وصلت إلى هذه الدرجة، وأصبح الريال والدرهم لا قيمة له عندك، في سبيل الخير؛ لا في سبيل التبذير ولا في سبيل الفساد - فذلك دليل سلوك طريق البر.
وقلنا: في سبيل الخير؛ لأن التبذير أمر ممنوع، ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [ألإسراء: ٢٧] لكن أن تبذل المال في سبيل الخير، وأن تراعي من تعول فلا تجعلهم عالة يتكففون الناس، فهذه هي علامة من علامات الصلاح، ومن علامات التقى، ومن علامات قبول العمل إن شاء الله.
ولذلك نرى أن رسول الله ﷺ كان أشد من الريح؛ يعني كان ﷺ أشد سخاءً من الريح، وكان أكثر ما يكون بذلًا في رمضان (١)، ومعلوم أنَّ رسول الله ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير (٢)، فالرسول بذلك
стр. 7891
أرشد الناس إلى أن يكون من أعمالهم أعمال يتقربون بها إلى الله ، وأن تكون هذه الأعمال قد طابت بها نفوسهم، وزكت بها أفئدتهم، وقدموها إلى إخوانهم المؤمنين حتى يصلوا إلى رتبة من قدم غيره على نفسه أو سواه بنفسه، فهذا هو شأن الأنصار ﵃: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. والله يقول في وصف أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣] إذن لا شك أن هذه أحكام الشريعة، هذا الفقه الإسلامي، إلى جانب أنه فقه وأحكام فهو أيضًا مطَعَّم مرصع متوج بالأخلاق الإسلامية الكريمة، فعندما تدقق في أي حكم من الأحكام ستقف فيه على كرم الخلق، وسجايا المؤمنين؛ على البذل والعطاء، فهذه أحكام ولكنها - كما قلت -: أحكام الشريعة متصلة، مرتبط بعضها ببعض، فلا تنقسم ولا تنفك أبدًا، عقيدة ومعاملة، عقيدة وعبادة، خلق ومعاملة، هذه هي أحكام الشريعة الإسلامية، لا نرى بينها انفصامًا، ولا نرى بينها انقطاعًا، بل هي سلسلة متصلة، عقيدة ترسخ في النفس، فيصلح القلب بها ثم تجد بعدها عبادة … خالصة لله ، ترى أخلاقًا كريمة، كالذين قال الله فيهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [االفرقان: ٦٣، ٦٤] إلى آخر الآيات.
تجد أيضًا معاملة صادقة صافية، إلى جانب كونها فيها أخذ ورد؛ لكن ينبغي أن تقوم على الصدق، وينبغي أن تقوم على البذل، وعلى مراعاة مصلحة الطرفين.
• قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنَ الْمُزَابَنَةِ، (وَهُوَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا (١)) ".
стр. 7892
عرفنا المزابنة (١)، وقد مرت قبل، ومرت أن رسول الله ﷺ نهى عنه (٢)، لكن الشريعة الإسلامية - مع ما في المزابنة من غرر - قد استثنت منها بيع العرايا؛ وبيع العرايا نوع من المزابنة، لكن خص به صاحب الحجة على أن يأكلها رطبًا، وفي خمسة أوسق اتفاقًا، أو فيما دونها على خلاف، وقد مر تفصيل ذلك فيما مضى.
• قوله: (لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِالْخَرْصِ بَيْعُ الْخَرْصِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مُخَالَفَتِهِ لِلأُصُولِ بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ عِنْدَ الْخَرْصِ: "إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَتَضْمَنُونَ نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي وَأَضْمَنُ نَصِيبَكُمْ" (٣). وَهَذَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ).
стр. 7893
أولًا: هذا حرام لو بقي على ظاهره؛ لكن على أساس أنه تسلم بأيديهم ويكون الخراج، فهذا جائز، أو أنه لكم ولنا والنصف، اخترتم هذا أو اخترتم هذا. نعم، هذا إلى جانب أن هذا فيه مقال.
• قوله: (وَرُبَّمَا قَالُوا: النَّهْي الْوَارِد عَنِ الْمُخَابَرَةِ هُوَ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ بِخَيْبَرَ. وَالْجُمْهُورُ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُخَابَرَةَ هِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا).
هذا هو الذي جاء في تفسيرها على أرجح الأقوال؛ كراء الأرض بجزء مما يخرج منها، ولا شك أن أدلة الجمهور هي الأقوى، وهي الصواب إن شاء الله؛ لأن هذه معاملة فعلها الرسول، وغادر الدنيا وهو باق عليها، وفعلها خلفاؤه الراشدون؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهذا هو راوي المخالفة رافع بن خديج، وعاش مع الصحابة ﵃، وما نقل لهم تحريم ذلك، ولا شك أن أحرص الناس على اقتفاء سنة رسول الله هم خلفاؤه الراشدون، وأصحابه الكرام رضي الله عن الجميع، فهم قد فعلوا ذلك وتعاملوا به، وفعله أهلوهم، حتى إن عمر ﵁ خير نساء سول الله ﷺ بين أن يأخذن ما كان يخصص لهن من وسق، وبين الأرض، وقد اختارت عائشة الأرض (١)، فذلك إذن قد انتشر واشتهر وعمَّ بين الصحابة، وفعلوه ولا نكر له، ولذلك حكاه بعض العلماء إجماعًا.
• قوله: (قَالُوا: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ هَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْيَهُودِ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا
стр. 7894
يَخْرُجُ مِنْهَا (١)؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ).
بين العلماء أيضًا أن ذلك له عدة تفسيرات؛ منها ما ذكره رافع؛ لأن رافعًا كانت لهم آراء، وكانت كثيرة، وربما أجروا بعضها وبقي بعضها تحت أيديهم، فربما خرجت هذه ولم تخرج تلك (٢).
• قوله: (وَهُوَ خَاصٌّ أَيْضًا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ أَحَادِيثِ الْمُسَاقَاةِ، وَلهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَقُلْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مَالِكٌ، وَلَا الشَّافِعِيُّ؛ أَعْنِي: بِمَا جَاءَ مِنْ: "أَنَّهُ ﷺ سَاقَاهُمْ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ وَالثَّمَرَةُ" (٣). وَهِيَ زِيَادَةٌ صَحِيحَة وَقَالَ بِهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ).
قوله: "وهو خاص" يعني: حديث: النهي عن المخابرة.
وهذا الحديث أخرجه البخاري (٤)، ومسلم (٥) عن ابن عمر، "أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" (٦)،
стр. 7895
ولم أجده بلفظ المؤلف. والزيادة هي قوله ﷺ : "نقركم ما أقركم الله" (١).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْقَوْلُ فِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ)
ننتهي إذًا إلى أن المساقاة صحيحة، وأن دليلها ما جاء في السنة الصحيحة، وفي فعل أصحاب رسول الله ﷺ دون نكيرٍ، وتوقف عبد الله بن عمر عن ذلك قال فيه العلماء: ربما توقف عن بعض أنواع المعاملات؛ لأن بعض أنواع المعاملات فيها ما لا يجوز.
• قوله: (وَالنَّظَرُ فِي الصِّحَّةِ رَاجِعٌ إِلَى النَّظَرِ فِي أَرْكَانِهَا، وَفِي وَقْتِهَا، وَفِي شُرُوطِهَا الْمُشْتَرَطَةِ فِي أَرْكانِهَا. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَة: الْمَحِلُّ الْمَخْصُوصُ بِهَا، وَالْجُزْءُ الَّذِي تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ، وَصِفَةُ الْعَمَلِ الَّذِي تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا وَتَنْعَقِدُ عَلَيْهَا).
هذا كله مجمل سيفصله المؤلف.
• قوله:
стр. 7896
(الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي مَحِلِّ الْمُسَاقَاةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي مَحِلِّ الْمُسَاقَاةِ؛ فَقَالَ دَاوُدُ: لَا يمُونُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا فِي النَّخِيلِ فَقَطْ).
المراد بالمحل الشيء الذي تكون فيه، أفي الشجر المثمر؟ أو في النخل وحده؟ أو في النخيل والكرم الذي هو العنب، لوجود تشابه بينهما في أمور كثيرة؟ أو أنها لا تجوز أصلًا كما في مذهب الحنفية؟
اختلف العلماء في المحل على ثلاثة مذاهب؛ وهي:
الأول: مذهب أهل الظاهر (١)، وهو قصر الأمر على النخيل، بدعوى أن أهل خيبر لم يكن في مزارعهم إلا النخيل.
ويرد ذلك بأن رسول الله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر (٢)، فعمم ذلك، وهذا يرد به على أهل الظاهر.
الثاني: مذهب الشافعية في المشهور عنهم (٣): وهو إضافة الكرم إلى النخيل، وحجتهم في ذلك وجود تشابه كبير بين العنب وبين الرطب، أو
стр. 7897
بين التمر والزبيب، فقالوا: هذا تأخذ زكاته، وهذا تأخذ زكاته، والرسول ﷺ أرسل من يخرص التمر، والرطب، ويخرص العنب أيضًا، وكلاهما يدخر ويقتات ويجفف، فوجود أنواع متعددة من الشبه بينهما هو الجامع بينهما في الحكم.
الثالث: مذهب الإمامين مالك (١) وأحمد (٢) وأكثر العلماء (٣) -: وهو أن المساقاة تجوز في كل شجر له ثمرة تخرج، ولا شك أن هذا هو الأقرب للأحاديث.
ومعلوم أن أهل الظاهر يقفون دائمًا عند ظواهر النصوص، ولا يأخذون بالقياس لأنهم يقولون: إن القياس مبناه على العقل، وأحكام الدين لا تصدر عن العقل، وعلى بن أبي طالب ﵁ يقول: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" (٤)؛ لأن أسفل الخف
стр. 7898
هو الذي يتعرض للأرض، ولبعض القاذورات وغيرها، أما أعلاه فهو نظيف، فكيف يمسح؟!
فالأمر إذًا تعبُّدي، توقيفي، لا يدركه العقل، فكيف تحكمون العقل؟! وهذه مسألة طويلة، والكلام فيها معروف (١)، وهذه دعوى غير مسلمة؛ لأن رسول الله ﷺ عمل بالقياس، وكذلك عمل به الخلفاء واشتهر من الصحابة من عمل بالقياس، كعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ فَقَطْ) (٢).
الكرم هو العنب وقلت: إن علة ذلك وجود تشابه بينهما، الخرص فيهما، ووجوب الزكاة، كون كل منهما غذاء؛ لأنَّ العنب … يتخذ في بعض البلاد غذاء، بل ربما يقتصر الإنسان عليه لو لم يجد طعامًا غيره، وإن كان لا يصل إلى درجة الرطب أو التمر في كونه غذاء؛ لكنه يتخذ غذاء، حتى ذكر بعض الأطباء السابقين أن الإنسان لو مكث فترة من الزمن لا يأكل إلا العنب، فإنه علاج لكافة الأمراض وبعض الناس جربه، لكنه يحتاج إلى جلدٍ وصبرٍ، والمهم أن الإنسان إن لم يجد إلا العنب أو الزبيب وتغذى عليه، فإنه يحفظه، يحفظ عليه حياته.
• قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ فِي كُلِّ أَصْلٍ ثَابِتٍ كالرُّمَّانِ، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (٣).
هذا التفصيل الذي يذكره المؤلف فيه خلاف في المذهب المالكي، لكن نحن نقول: عند الإمامين مالك وأحمد تجوز المساقاة في كل شجر
стр. 7899
له ثمر، أما الأشياء الأخرى من البقول ونحوها، فهذه فيها خلاف بين العلماء، وقد اضطرب المؤلف في هذا كما سنبينه.
وقال مالك؛ تجوز في كل أصل ثابت؛ كالرمان والتين والزيتون؛ لأن هذه أشجار.
• قوله: (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَتَكُونُ فِي الْأُصُولِ غَيْرِ الثَّابِتَةِ كَالْمَقَاثِئِ، وَالْبطِّيخِ).
هذه فيها خلاف عند المالكية (١)، والمقاثئ هي القثاء والخيار، وكذلك البطيخ بجميع أنواعه، سواء منه الأحمر أو الأصفر أو الأبيض، الذي نسميه الجح أو غير ذلك، هذا كله يدخل تحت مسمى البطيخ، كذلك أيضًا الدباء ونحو ذلك.
• قوله: (وَتَكُونُ فِي الْأُصُولِ غَيْرِ الثَّابِتَةِ كالْمَقَاثِئِ، وَالْبِطِّيخِ مَعَ عَجْزِ صَاحِبِهَا عَنْهَا، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ (٢)).
كأنه قيدها بعجز صاحبها عنها.
стр. 7900
• قوله: (وَلَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْبُقُولِ عِنْدَ الْجَمِيعِ) (١)).
هنا قيل: ولا تجوز في شيء من البقول. وبعد بحث قليل سيقول: وقال الجمهور بجواز البقول، وسنعرف هناك أي القولين أصح.
• قوله: (إِلَّا ابْنَ دِينَارٍ، فَإِنَّهُ أَجَازَهَا فِيهِ إِذَا نَبَتَتْ قَبْلَ أَنْ تُسْتَغَلَّ (٢). فَعُمْدَةُ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى النَّخْلِ: أَنَّهَا رُخْصَةٌ).
قال أهل العلم: الرسول ﷺ عامل أهل خيبر، ولم يكن في مزارعهم ولا بساتينهم إلا النخل، مع أن الحديث فيه: "فيما يخرج فيها من ثمر أو زرع" (٣) فعمم؛ فكلمة ثمر أشمل من كلمة نخل، وكلمة زرع أيضًا أضافت شيئًا جديدًا، فهذا في "الصحيحين".
стр. 7901
• قوله: (فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى بِهَا مَحِلَّهَا الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ السَّنَةُ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَأَى أَنَّهَا رُخْصَةٌ يَنْقَدِحُ فِيهَا سَبَبٌ عَامّ، فَوَجَبَ تَعْدِيَةُ ذَلِكَ إِلَى الْغَيْرِ).
بل لفظ الحديث: "من زرع أو ثمر".
• قوله: (وَقَدْ يُقَاسُ عَلَى الرُّخَصِ عِنْدَ قَوْمٍ إِذَا فُهِمَ هُنَالِكَ أَسْبَابٌ أَعَمُّ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عُلِّقَتِ الرُّخَصُ بِالنَّصِّ بِهَا، وَقَوْمٌ مَنَعُوا الْقِيَاسَ عَلَى الرُّخَصِ، وَأَمَّا دَاوُدُ فَهُوَ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَالْمُسَاقَاةُ عَلَى أُصُولِهِ مُطَّرِدَةٌ).
يحني يمنع القياس جملة وتفصيلًا، فأهل الظاهر لا يرون القياس، مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ والاعتبار هو نوع من المقايسة، وعد العلماء ذلك دليلًا من الكتاب، والرسول ﷺ قاس في قصة الرجل الذي جاءه وقال بأن امرأته ولدت غلامًا يخالف لون أبيه وأمه (١)، وفعل الصحابة ﵁، والقياس الصحيح لا يعارض نصًّا، ولا يعارضه نص صريح؛ لأنه يلتقي مع الفطرة، وهذا الدين إنما هو دين الفطرة؟ فطرة الله التي فطر الناس عليها.
ومعلومة قصة الجارية التي أحضرت إلى رسول الله ﷺ ، وقد جاء بها الصحابي ليعتقها، فسألها الرسول ﷺ فقال لها: "أين الله؟ ". قالت: في السماء. قال له: "أعتقها؟ فإنها مؤمنة" (٢).
стр. 7902
ولذلك يقول العلماء: لو ذهبت إلى إنسان أو جارية عاشت في الصحراء ولا تعلم شيئًا، فلم تتعلم ولم تلتق بأحد عنده علم، وسئلت: أين الله؟ لقالت: في السماء. وذلك بفطرتها، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه" (١) ولم يقل: أو يسلمانه؛ لأنه هو بفطرته مسلم؛ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
• قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَإِنَّمَا أَجَازَهَا فِي الْكَرْمِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُسَاقَاةِ هُوَ بِالْخَرْصِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ الْحُكْمُ بِالْخَرْصِ قِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ).
هذا الحديث سبق ذكره في البيوع، عندما تكلمنا عن الخرص، والحديث تكلم فيه العلماء وورد من عدة طرق؛ لكنه في الجملة حديث صحيح.
وقد رواه أصحاب السنن (٢) وأحمد (٣)، وهو حديث صحيح.
стр. 7903
• قوله: (وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ).
يعني: مر بنا في الزكاة.
• قوله: (فَكَأَنَّهُ قَاسَ الْمُسَاقَاةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الزَّكَاةِ).
قد ذكرت قبل وجه الشبه بين شجر النخيل وبين شجر الكرم، وبين ثمرة هذا وبين ثمرة هذا.
• قوله: (وَالْحَدِيثُ الَّذِي وَرَدَ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ هُوَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ وَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا". وَدَفَعَ دَاوُدُ حَدِيثَ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ لِأَنَّهُ مُرْسَل).
هذا الطريق الذي ذكره المؤلف مرسل صحيح، وقد وُصِل هذا الحديث فهو حديث صحيح، وحجة (١).
• قوله: (وَلِأنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ).
عبد الرحمن بن إسحاق خَرَّج له مسلم في "صحيحه"، كما هو معلوم (٢)، ولم ينفرد به كما ادعى المؤلف بل وافقه غيره عليه (٣)، وجاء من عدة طرق، ونحن لا ندخل في تفصيلات الأحافى يث وفي بيانها؛ لأننا لو دخلنا في ذلك لأخذ منا وقتًا طويلًا، وهذا موضوع علم الحديث، لكن قوله: "رواه عبد الرحمن بن إسحاق" فقد أورده مسلم في صحيحه. هذه واحدة.
الأمر الآخر: أنه لم ينفرفى به، فهناك من وافقه، فزالت هذه الدعوى
стр. 7904
أو هذه العلة القادحة التي ذكرها المؤلف، فالحديث حجة، وهو صحيح (١).
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ مَعَ النَّخْلِ أَرْضٌ بَيْضَاءُ أَوْ مَعَ الثِّمَارِ).
هذه هي الإشارة إلى المزارعة التي ذكرتها قبل، ولذلك لم يعقد لها بابًا، ولو نظرنا في بعض الكتب ككتاب "المغني" أو "المجموع" أو غيرهما لوجدنا أنها قد بحثت بحثًا لا يقل عن المساقاة؛ لأن المزارعة هي أن يدفع إنسان أرضًا إلى آخر؛ ليقوم بزرعها على جزء معلوم من الثمر (٢)، وفي المساقاة يكون الشجر قائمًا لكنه غير مثمر، فيعطيه شخصًا، وهناك أرض بيضاء لكنها أرض زراعية صالحة للزراعة، فيسلمها لآخر على أن يقوم بحرثها وسقيها - سيأتي الكلام عن البذر وعلى من يكون - ثم يكون الثمر بينهما على ما يتفقان عليه. وسيأتي أيضًا أن المزارعة صحيحة، ومالك خالف في المزارعة، فانضم إلى أبي حنيفة؛ فأبو حنيفة يمنع المساقاة والمزارعة، ومالك لا يرى المزارعة، والشافعي يراها لكن مع غيرها من الثمر لا منفصلة، والإمام أحمد وعلماء الحديث وأكثر العلماء يرون أن المزارعة صحيحة، ودليلهم هو الأدلة التي جاءت في خيبر.
• قوله: (هَلْ يَجُوزُ أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ مَعَ النَّخْلِ بِجُزْءٍ مِنَ النَّخْلِ، أَوْ بِجُزْءٍ مِنَ النَّخْلِ وَبِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ؛ فَذَهَبَ إِلَى
стр. 7905
جَوَازِ ذَلِكَ طَائِفَةٌ، وَبِهِ قَالَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (١)، وَاللَّيْثُ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٤)، وَجَمَاعَةٌ (٥).
وعلماء الحديث أكثر العلماء الذين قالوا بالجواز.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦) وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٧): لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا
стр. 7906
فِي الثَّمرِ فَقَطْ. وَأَمَّا مَالِكٌ (١) فَقَالَ: إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ تَبَعًا لِلثَّمَرِ، وَكَانَ الثَّمَرُ أَكْثَرَ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِدُخُولِهَا فِي الْمُسَاقَاةِ).
قصده أن الشافعي قال: لا تجوز إلا تبعًا للمساقاة، لا منفردة، فأجمل المؤلف وكلامه يوهم؛ يعني إذا كانت تبعًا للمساقات فهي جائزة، أما إذا انفردت فلا، وكونها منفردة هو الذي قال به أحمد ومن معه من أهل العلم.
• قوله: (اشْتَرَطَ جُزْءًا خَارِجًا مِنْهَا، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَحَدُّ ذَلِكَ الْجُزْءِ بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ؛ أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ كِرَاءِ الْأَرْضِ الثّلثَ مِنَ الثَّمَرِ فَمَا دُونَهُ).
وسنرى أن المؤلف سيضعف هذا التحديد، مع أنه رأي مذهبه.
стр. 7907
• قوله: (وَلَمْ يُجِزْ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ).
هذه هي المزارعة، والمؤلف أدخلها في المساقات، وكان الأولى به اتباعًا لغيره من الفقهاء الذين سبقوه أن يفردها في كتاب، أو على الأقل في باب أو فصل، لكنه أشار إليها إشارة يسيرة؛ وسبب ذلك أن المالكية لا يرون المزارعة مستقلة.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا (أَعْنِي: عَلَى الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا): حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ (١) (.
وقد مر، وفيه أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر، فيصلح للمساقاة، ويصلح للمزارعة.
• قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ كرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا).
قيل: هذا نوع من كراء الأرض، يدفعها إلى من يزرعها مقابل جزء مما يخرج منها، وبينا أن هذا الحديث له عدة تأويلات، وبينا تفسيراته فيما مضى.
• قوله: (فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ (٢)).
وقد تقدم أيضًا هذا الحديث، وهو حديث متفق عليه، لكن أجاب عنه العلماء بعدة أجوبة كما أشرنا إلى ذلك عندما وازنا بينه وبين حديث عبد الله بن عمر، وأن عبد الله بن عمر عندما بلغه حديث رافع بن خديج
стр. 7908
قال: كنا نخابر أربعين سنة حتى زعم رافع بن خديج … وذكر الحديث (١).
وهذا تقدم الحديث عنه، وهو دليل أبي حنيفة، أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض بما يخرج منها، ونهى ﷺ عن المخابرة (٢)، وهذا هو الحديث، وتفسيره كراء الأرض بما يخرج منها، وقد ذكرنا جواب جمهور العلماء عنه، وقد أجازوا المساقاة، وبينوا أن عبد الله بن عمر راوي الحديث المتفق عليه في المساقاة لم يذكر أنه رجع عندما بلغه حديث رافع بن خديج.
• قوله: (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَحَادِيثُ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةُ الْأَلْفَاظِ) (٣).
هذا مما ذكر عن الإمام أحمد، لكن ذكر العلماء لها عدة تأويلات أجابوا بها عنه؛ لأنه في بعض روايات رافع بن خديج أنهم كانوا يكرون بعض الأرض للعامل وبعضها يبقى لصاحب الملك؛ أي: للمالك، فربما أخرجت هذه ولم تخرج تلك، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك (٤).
ومن ذلك أيضًا قوله "طاوس": كان أعلمهم - يعني عبد الله بن عباس - وذكر أن رسول الله ﷺ لم ينه عنه. يعني عن كراء الأرض أو الأرضين، ثم بين ذلك بأن رسول الله ﷺ قال: "لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه خراجًا معلومًا" وهو حديث صحيح (٥).
стр. 7909
• قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ. وَأَمَّا تَحْدِيدُ مَالِكٍ ذَلِكَ بِالثُّلُثِ فَضَعِيفٌ).
معلوم أن مالكًا حدَّد ذلك بالثلث، ومر بنا مثل ذلك في مسائل عدة، ولا شك أن الثلث اعتبر في مسائل ورد فيها نص عن رسول الله ﷺ كما مر في الوصية، فإن رسول الله ﷺ في قصة سعد قال له في الوصية: "الثلث، والثلث كثير؛ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس" (١)، فهل ورود الثلث في عدة مسائل جاء عن رسول الله ﷺ فيها أحاديث يعد أصلًا يلحق به غيره؟ أو أن ذلك لا بدَّ له من دليل في كل مسألة يحدد فيها كالوصية؟ ومر بنا كذلك اعتبار الثلاثة أيام، كما في المسح (٢)، وأن رسول الله أذن للمهاجرين أن يمكثوا بمكة ثلاثة أيام (٣)، وغير ذلك من المسائل الكثيرة.
• قوله: (وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ الْأُصُولِ).
هذا كلام جيد من المؤلف؛ فإنه - كما قلنا - ليس متعصبًا، وهذا هو المسلك الرشيد، والطريق السوي الذي ينبغي أن يسير عليه كل طالب علم، ينبغي أن يكون هدفه هو الوصول إلى الحق، وأن يكون سنده في
стр. 7910
ذلك هو أدلة الكتاب والسُّنة، فمتى جاء دليل من الكتاب والسنة يؤيد رأيًا أخذ به، ولو خالف رأي مذهبه وقوله إمامه، فهذا هو الحق.
وقد مرت بنا عشرات المسائل، نجد أنه يأخذ على مذهب مالك الذي نشأ وترعرع فيه، ونقده للمذهب ليس تقليلًا من شأن المذهب، فهو من المذاهب المعروفة، وإمامه إمام دار الهجرة، وكانت تضرب إليه أكباد الإبل، لكن هذا هو الإنصاف الذي ينبغي أن يتحلى به طالب العلم، كما ينبغي أن يتجنب التعصب في كل أمر، ويأتي في مقدمة ذلك التعصب للباطل في أمر العقيدة.
• قوله: (لِأَنَّ الْأُصُولَ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجَائِزِ مِنْ غَيْرِ الْجَائِزِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ).
نعم قد يتسامح في القليل النزر، كما رأينا ذلك في الجهالات التي مرت بنا في البيوع وفي الإجارة ربما تغتفر، وكذلك ما لا يدركه الطرف مما ينقله الذباب أو غيره، ومثله ما يحدث بالنسبة للذرة أو القمح عندما تدوسه الدواب، فإنه ربما يحصل شيء من ذلك، فهذه أمور استثنيت؛ لأنها أمور لا تدرك، أو خففت فيها الشريعة الإسلامية تيسيرًا على الناس، ولله الحمد.
• قوله: (وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمُسَاقَاةِ فِي الْبَقْلِ).
هذه مسألة اضطرب فيها المؤلف ثلاث مرات، فذكر مرة - كما سبق - أنه لم يجزها إلا ابن دينار - يقصد عمر بن دينار - وهنا عد الجواز مذهب الجمهور، وسيأتي بعد ذلك أن القوله بالمساقاة في البقوله - وهي جمع بقل - لم يأخذ به إلا قلة من العلماء، فكلامه غير منتظم، وهو محل نظر، فينبغي أن يحرر.
والبقل ما له بذر يبذر في الأرض فينتج عنه (١)، والبقول كثيرة جدًّا، مثل الفاصوليا واللوبيا والفول، وغير ذلك كثير جدًّا، هذا البذر الذي
стр. 7911
تضعه في الأرض ثم تتعهده بالسقي والرعاية والمتابعة إذا أنبت، هل هذا فيه مساقاة أو لا؟ فيه خلاف.
• قوله: (فَأَجَازَهَا مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ (٢)).
الحقيقة أن كلام المؤلف غير دقيق في هذه المسألة، فالشافعي لم يجز ذلك، ومثله الإمام أحمد (٣)، وكذلك الإمام مالك اختلف القول عنه، فروي عن المالكية جواز ذلك، بل نص ابن عبد البر - وهو من كبار علماء المذهب - نقلًا عن الإمام مالك، أنه لا يرى ذلك (٤)، ونقل عن الإمام مالك ما يدل على الجواز (٥)، وأبو حنيفة عرفنا رأيه؛ فهو لا يرى المساقاة ولا المزارعة أصلًا (٦)، فقوله قد انتهى وعرف، يبقى الأئمة الثلاثة،
стр. 7912
فالإمامان الشافعي وأحمد وقوله للإمام مالك أنها لا تجوز في البقول، ومن العلماء من أجاز ذلك؛ إذن هو ليس قول الجمهور، بل العكس هو قوله الجمهور؛ فإن الجمهور يمنع ذلك.
• قوله: (وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (١). وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْبَقْلِ (٢)).
هذا الذي قال به الليث هو رأي الجمهور، وسيذكر علة مذهب الجمهور.
• قوله: (وَإِنَّمَا أَجَازَهَا الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا سَقْيٌ فَيَبْقَى عَلَيْهِ أَعْمَالٌ أُخَرُ، مِثْلُ الإِبَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا اللَّيْثُ فَيَرَى السَّقْيَ بِالْمَاءِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْمُسَاقَاةُ، وَلمَكَانِهِ وَرَدَتِ الرُّخْصَةُ فِيها).
أهم شيء في ذلك هو السقي، ولذلك سميت بالمساقاة، ويتبع ذلك كل ما يحتاج إليه من العمل، وكذلك الجذاذ والحصد وغير ذلك، وسيذكر المؤلف ذلك بعد.
• قوله: (الرُّكْنُ الثَّانِي:
وَأَمَّا الرُّكْنُ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ).
وهذا مهم جدًّا؛ لأن هذا الركن يحدد فيه واجب العامل، وواجب المالك؛ المساقي والمساقى له، فما الذي يجب على هذا؟ وما الذي يجب على ذاك؟
стр. 7913
هل هناك أمور محددة يلزم أن يقوم بها المالك وأخرى لا بد أن يأتي بها العامل؟ وهل للشرط تأثير في ذلك؟
هل للمالك أن يشترط بعض الأمور؛ ليقوم بها العامل، وهي أصلًا مما يقوم به المالك؟ وهل يصح عكس ذلك؟ هذه مسائل مهمة جدًّا، وسيذكرها المؤلف بشيءٍ من التفصيل.
• قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ بِالْجُمْلَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ هُوَ السَّقْيُ وَالْإِبَارُ) (١)).
стр. 7914
بدأ بالعامل هنا؛ لأن العامل هو الذي يتسلم المزرعة، وهو الذي يسأل عن سقيها، فما الذي يضاف إلى ذلك؟
هناك أمور مسلمة، وأمور مختلف فيها، ثم هذه الأشجار وكذلك الزروع، تحتاج إلى عناية، وليس الأمر أن يرسل الماء فقط، فهناك أشواك تحتاج إلى إزالة، وهناك أشجار تحتاج إلى إزالة، وهناك أيضًا أغصان رديئة تحتاج إلى أن تقص وأن تبعد، وهناك أيضًا أوساخ وأتربة يجب أن تزال، وهناك أيضًا ما يؤدي إلى حفظ هذه الأشجار، ولذلك فقد أوجز بعض العلماء القول في ذلك، وهو بمثابة قاعدة، وهو قول دقيق، حيث قال بعض العلماء: كل ما كان فيه صلاح للثمرة وزيادة، فهو من اختصاص العامل. يعني كل ما يسهم ويعين على إصلاح الثمر ونمائه، فإنه يكون على العامل، وكل ما فيه حفظ للأصل فهو من اختصاص رب المال.
فتحويط المزرعة مثلًا، ووضع الأسلاك الشائكة - كما نقول الآن - وحفر الآبار، وإيصال الماء إليها والكهرباء، وإقامة الماكينات والغطاسات التي جدت الآن، هذه تعتبر أصولًا لا بدَّ منها، فمن يقوم بها هو رب المال.
وهناك أمور يكون هناك فيها صلاح للثمرة، وزيادة نماء، وفي مقدمتها سقي الأشجار، كذلك الجذاذ، والحصاد، ولقط الثمار، وتنظيف الطرق، وإخراج الماء، وحفر شراج الماء، وإزالة الأشواك، وإزالة الأغصان الرديئة من العنب، وهو ما يعبر عنه المؤلف وغيره من الفقهاء بالزبار (١)، وهو زَبر الكرم، ولا يختص بالأغصان الرديئة، فربما تدخل في
стр. 7915
ذلك الجيدة؛ لأنه إذا قل وخفف طلع النخل، وفي الكرم يؤدي إلى جودته، ومعلوم أن النخلة التي تكثر عروقها يصغر رطبها جدًّا، وربما يكون رديئًا، وكلما قلت الأعراق وزادت العناية أدى ذلك إلى كبر الحجم ونضارته، وهذا يعرفه الذين يشتغلون بأمور الزراعة.
إذًا هناك شيء يخص العامل، وآخر يخص رب العمل، فهذا يقوم بواجبه، وهذا بواجبه.
• قوله: (هُوَ السَّقْيُ … ).
السقي معروف؛ وهو أن توصل الماء إلى النخل وإلى الشجر أيضًا، فالعامل مسؤول عن الأحواض التي تحيط بالنخلة، وهي التي تحفر على شكل دائرة، فإنه ينقيها ويحفظها، وكلما تراكم عليها الطين والتراب والحجارة نظفها، حتى تأخذ ماء أكثر، هذا أيضًا يساعد حتى ترتوي هذه النخلة، أو هذه الشجرة.
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْجِذَاذِ عَلَى مَنْ هُوَ؟) (١).