تضعه في الأرض ثم تتعهده بالسقي والرعاية والمتابعة إذا أنبت، هل هذا فيه مساقاة أو لا؟ فيه خلاف.
• قوله: (فَأَجَازَهَا مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ (٢)).
الحقيقة أن كلام المؤلف غير دقيق في هذه المسألة، فالشافعي لم يجز ذلك، ومثله الإمام أحمد (٣)، وكذلك الإمام مالك اختلف القول عنه، فروي عن المالكية جواز ذلك، بل نص ابن عبد البر - وهو من كبار علماء المذهب - نقلًا عن الإمام مالك، أنه لا يرى ذلك (٤)، ونقل عن الإمام مالك ما يدل على الجواز (٥)، وأبو حنيفة عرفنا رأيه؛ فهو لا يرى المساقاة ولا المزارعة أصلًا (٦)، فقوله قد انتهى وعرف، يبقى الأئمة الثلاثة،
стр. 7912
فالإمامان الشافعي وأحمد وقوله للإمام مالك أنها لا تجوز في البقول، ومن العلماء من أجاز ذلك؛ إذن هو ليس قول الجمهور، بل العكس هو قوله الجمهور؛ فإن الجمهور يمنع ذلك.
• قوله: (وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (١). وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْبَقْلِ (٢)).
هذا الذي قال به الليث هو رأي الجمهور، وسيذكر علة مذهب الجمهور.
• قوله: (وَإِنَّمَا أَجَازَهَا الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا سَقْيٌ فَيَبْقَى عَلَيْهِ أَعْمَالٌ أُخَرُ، مِثْلُ الإِبَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا اللَّيْثُ فَيَرَى السَّقْيَ بِالْمَاءِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْمُسَاقَاةُ، وَلمَكَانِهِ وَرَدَتِ الرُّخْصَةُ فِيها).
أهم شيء في ذلك هو السقي، ولذلك سميت بالمساقاة، ويتبع ذلك كل ما يحتاج إليه من العمل، وكذلك الجذاذ والحصد وغير ذلك، وسيذكر المؤلف ذلك بعد.
• قوله: (الرُّكْنُ الثَّانِي:
وَأَمَّا الرُّكْنُ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ).
وهذا مهم جدًّا؛ لأن هذا الركن يحدد فيه واجب العامل، وواجب المالك؛ المساقي والمساقى له، فما الذي يجب على هذا؟ وما الذي يجب على ذاك؟
стр. 7913
هل هناك أمور محددة يلزم أن يقوم بها المالك وأخرى لا بد أن يأتي بها العامل؟ وهل للشرط تأثير في ذلك؟
هل للمالك أن يشترط بعض الأمور؛ ليقوم بها العامل، وهي أصلًا مما يقوم به المالك؟ وهل يصح عكس ذلك؟ هذه مسائل مهمة جدًّا، وسيذكرها المؤلف بشيءٍ من التفصيل.
• قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ بِالْجُمْلَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ هُوَ السَّقْيُ وَالْإِبَارُ) (١)).
стр. 7914
بدأ بالعامل هنا؛ لأن العامل هو الذي يتسلم المزرعة، وهو الذي يسأل عن سقيها، فما الذي يضاف إلى ذلك؟
هناك أمور مسلمة، وأمور مختلف فيها، ثم هذه الأشجار وكذلك الزروع، تحتاج إلى عناية، وليس الأمر أن يرسل الماء فقط، فهناك أشواك تحتاج إلى إزالة، وهناك أشجار تحتاج إلى إزالة، وهناك أيضًا أغصان رديئة تحتاج إلى أن تقص وأن تبعد، وهناك أيضًا أوساخ وأتربة يجب أن تزال، وهناك أيضًا ما يؤدي إلى حفظ هذه الأشجار، ولذلك فقد أوجز بعض العلماء القول في ذلك، وهو بمثابة قاعدة، وهو قول دقيق، حيث قال بعض العلماء: كل ما كان فيه صلاح للثمرة وزيادة، فهو من اختصاص العامل. يعني كل ما يسهم ويعين على إصلاح الثمر ونمائه، فإنه يكون على العامل، وكل ما فيه حفظ للأصل فهو من اختصاص رب المال.
فتحويط المزرعة مثلًا، ووضع الأسلاك الشائكة - كما نقول الآن - وحفر الآبار، وإيصال الماء إليها والكهرباء، وإقامة الماكينات والغطاسات التي جدت الآن، هذه تعتبر أصولًا لا بدَّ منها، فمن يقوم بها هو رب المال.
وهناك أمور يكون هناك فيها صلاح للثمرة، وزيادة نماء، وفي مقدمتها سقي الأشجار، كذلك الجذاذ، والحصاد، ولقط الثمار، وتنظيف الطرق، وإخراج الماء، وحفر شراج الماء، وإزالة الأشواك، وإزالة الأغصان الرديئة من العنب، وهو ما يعبر عنه المؤلف وغيره من الفقهاء بالزبار (١)، وهو زَبر الكرم، ولا يختص بالأغصان الرديئة، فربما تدخل في
стр. 7915
ذلك الجيدة؛ لأنه إذا قل وخفف طلع النخل، وفي الكرم يؤدي إلى جودته، ومعلوم أن النخلة التي تكثر عروقها يصغر رطبها جدًّا، وربما يكون رديئًا، وكلما قلت الأعراق وزادت العناية أدى ذلك إلى كبر الحجم ونضارته، وهذا يعرفه الذين يشتغلون بأمور الزراعة.
إذًا هناك شيء يخص العامل، وآخر يخص رب العمل، فهذا يقوم بواجبه، وهذا بواجبه.
• قوله: (هُوَ السَّقْيُ … ).
السقي معروف؛ وهو أن توصل الماء إلى النخل وإلى الشجر أيضًا، فالعامل مسؤول عن الأحواض التي تحيط بالنخلة، وهي التي تحفر على شكل دائرة، فإنه ينقيها ويحفظها، وكلما تراكم عليها الطين والتراب والحجارة نظفها، حتى تأخذ ماء أكثر، هذا أيضًا يساعد حتى ترتوي هذه النخلة، أو هذه الشجرة.
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْجِذَاذِ عَلَى مَنْ هُوَ؟) (١).
стр. 7916
الجذاذ معروف، وهو أخذ الثمرة فقط، ويعبر عنه بالصرم أيضًا (١)، وهو مختلف فيمن يقوم به، هل الذي يقوم به هو المالك أم العامل؟ لا شك أن ظاهره أنه من اختصاص العامل.
• قوله: (وَفِي سَدِّ الْحِظَارِ، وَتَنْقِيَةِ الْعَيْنِ وَالسَّانِيَةِ).
الحظار (٢) هو الذي يبنى من جريد النخل وسعفه، وليس المراد بذلك البيوت، ففرق بين الحظار وسد الحائط؛ يعني إقامة سور عليه؛ إمَّا من اللبن أو الحجارة أو الأسلاك أو غير ذلك، المهم أنه يحفظ عن الدواب حتى لا يتعدى عليه، فتكون المزرعة عرضة لأن تسلب ثمارها.
• قوله: (أَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ فِي "الْموطأ" (٣): السُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ سَدُّ الْحِظَارِ، وَخَمُّ الْعَيْنِ).
معنى خم العين: كنسها (٤)، وهي لغة معروفة، ففي بعض المناطق في المملكة يقولون: خم القمامة أو خم الدار أو خم البيت بمعنى كنسه ونظفه، فإذا كان لديك فرالش عليه أتربة أو حوش أو نحو ذلك، فتنظيفه هو خمه، ومعلوم أن العيون والآبار تتراكم فيها الأتربة، فمن فترة إلى فترة تحتاج إلى تنظيف، وهذا معروف عند من يشتغلون بالزراعة، وحتى الآبار التي ليست للزراعة، فإنها تحتاج إلى تنقية، إلى تنظيف وإخراج لما فيها؛
стр. 7917
لأنه ربما تتساقط على الحجارة، وربما تصل إليها بعض الأتربة وغيرها من الرياح، فهي تحتاج إلى تنظيف.
• قوله: (وَشُرْبُ الشَّرَابِ).
أي: إيصال الشراب - وهو الماء - إلى ما يحتاج إلى أن يشرب.
• قوله: (وَإِبَارُ النَّخْلِ، وَقَطْعُ الْجَرِيدِ).
إبار النخل هو ما يعرف بالتلقيح (١)، يؤخذ من الذكر ثم يمرر على غير الذكر، وهذا التلقيح لا بد منه والذي يقوم به هو العامل.
• قوله: (وَقَطْعُ الْجَرِيدِ).
معلوم أن الجريد أحيانًا يكون فيه غير الجيد، مصفرًّا أو يابسًا، فهذا يحتاج إلى إزالة؛ لأن إزالة الرديء منه فيها إعانة للنخلة أو الشجرة؛ لأن هذا - أيضًا - من باب ما يصلح الثمرة ويزيد في نمائها.
• قوله: (وَجَذُّ الثَّمَرِ، هَذَا وَأَشْبَاهُهُ هُوَ عَلَى الْعَامِلِ).
وجذ الثمر يعني قطعه (٢)، وبعضهم يقول: التقاط الثمر. يعني أخْذَهُ.
• قوله: (وَهَذَا الْكَلَامُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ دُخُولُ هَذِهِ فِي الْمُسَاقَاةِ بِالشَّرْطِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ دُخُولُهَا فِيهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ).
أكثر العلماء على أن هذا حق ثابت على العامل، كما قلنا؛ السقي، الجذاذ، اللقاح، تعبيد الطرق التي تمر بها المياه، تنظيف الساقية، أخذ الأشواك التي تقع على الأشجار، إلى غير ذلك من مثل إزالة الأغصان
стр. 7918
الرديئة التي ينبغي أن تزال، وكل ما يعين الثمرة أو الشجرة على الصلاح، فإن هذا يقوم به العامل.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ سَدُّ الْحِظَارِ) (١).
الحظار يرى الإمام الشافعي أنه لا علاقة له بصلاح الثمر؛ يعني موضوع الحظار وما يجلس فيه، هذا يختلف عن المكان الذي يعد للثمرة، إذا كان هذا الحظار قد أعد لتجمع فيه الثمرة وتنقى وتنظف أيضًا هذا مطلوب، وأيضًا إذا كانت هذه الثمرة تحتاج إلى تشميس حتى تجف كما هي الحال بالنسبة للعنب لمن أراد أن يجففه أو الرطب، فهذا أيضًا من اختصاص العامل.
• قوله: (لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَةِ الثَّمَرَةِ مِثْلَ الْإِبَارِ وَالسَّقْيِ).
أما سد الحظار فهذا أمر داخل البستان، وأما سد الحائط أو بناء الحائط أو صيانة الحائط، فهذا المراد به ما يحفظ البستان، فهذا من اختصاص رب المال؛ أي: المالك.
• قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَيْسَ عَلَيْهِ تَنْقِيَةُ السَّوَانِي وَالْأَنْهَارِ (٢). وَأَمَّا الْجِذَاذُ، فَقَالَ مَالِكٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤): هُوَ عَلَى الْعَامِلِ؛
стр. 7919
إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إِن اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ جَازَ).
وهذه أيضًا رواية للإمام أحمد (١).
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ شَرْطُهُ وَتَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ إِنْ وَقَعَ) (٢).
لماذا قال الإمام الشافعي: لا يجوز؟ لأن هذا من اختصاص العامل، فكيف يشترطه على رب المال؟ هذا جزء من عمله، فينبغي أن يقوم به، وعليه أن يلتزم به.
• قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْجِذَاذُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ (٣). وَقَالَ الْمُحَصِّلُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ)
يعني المحصلين في العلم، الذين وصلوا إلى رتبة في العلم والمعرفة، وليس قصده المحصلين في المزارع، بل المقصود بهم الذين لديهم دراية وفهم للعلم، وبخاصة الفهم في الفقه.
стр. 7920
• قوله: (إِنَّ الْعَمَلَ فِي الْحَائِطِ عَلَى وَجْهَيْنِ).
وهذا القول الذي سيذكر هو الذي جاء أيضًا ما يشبهه تفصيلًا في مذهب أحمد. إن العمل في الحائط على وجهين؛ عمل ليس له تأثير في إصلاح الثمرة، وعمل له تأثير في إصلاحها.
• قوله: (عَمَلٌ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ، وَعَمَلٌ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِصْلَاحِهَا. وَالَّذِي لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِصْلَاحِهَا مِنْهُ مَا يَتَأَبَّدُ وَيَبْقَى بَعْدَ الثَّمَرِ).
نعم، مثل حفر الآبار، وتوصيل المياه والكهرباء، فهذه أمور تستمر، وهناك أمور تزول، فإن السقي ينتهي بانتهاء هذه الأشجار، وهذا إذا انتهت المساقاة.
• قوله: (وَمِنْهُ مَا لَا يَبْقَى بَعْدَ الثَّمَرِ. فَأَمَّا الَّذِي لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِصْلَاحِ الثَّمَرِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمُسَاقَاةِ لَا بِنَفْسرِ الْعَقْدِ، وَلَا بِالشَّرْطِ إِلَّا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ. وَأَمَّا مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِصْلَاحِ الثَّمَرِ وَيَبْقَى بَعْدَ الثَّمَرِ فَيَدْخُلُ عِنْدَهُ بِالشَّرْطِ فِي الْمُسَاقَاةِ لَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، مِثْلُ إِنْشَاءِ حَفْرِ بِئْرٍ، أَوْ إِنْشَاءِ ظَفِيرَةٍ لِلْمَاءِ).
" الظفيرة": هي المكان الذي يجتمع فيه الماء، وهو سيفسرها بعد قليل، والظفيرة والضفيرة تطلق على عدة معان، والمراد بهما الشيء الذي يجتمع عنده (١)، ومعلومة ضفيرة المرأة وكيف كانت تغتسل، في حديث أم سلمة: "تجمع ضفائرها" (٢)، وسميت ضفيرة لأنها جمعت جملة من
стр. 7921
الشعر، فصار يطلق عليها ضفيرة. وكذلك في الحج تأخذ قدر أنملة من كل ضفيرة (١)، والقصد هنا: الجمع، فهذا المكان يوضع على شكل بركة أو حفرة يجتمع فيها الماء، وهو المكان الذي يجتمع عنده الماء فيصب فيه.
• قوله: (أَوْ إِنْشَاءِ غَرْسٍ، أَوْ إِنْشَاءِ بَيْتٍ يُجْنَى فِيهِ الثَّمَرُ. وَأَمَّا مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِصْلَاحِ الثَّمَرِ، وَلَا يَتَأَبَّدُ، فَهُوَ لَازِمٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْحَفْرِ، وَالسَّقْيِ، وَزَبْرِ الْكَرْمِ، وَتَقْلِيمِ الشَّجَرِ (٢)).
لقد نبهت مرات إلى أن من مزايا الكتب القديمة أنها تحفظ لنا أصول اللغة، فتجد أن الفقهاء في تعبيراتهم لا يختارون الألفاظ السهلة القريبة إلى الأذهان دائمًا، كما نفعل الآن في كتاباتنا، نتخير الألفاظ التي يعرفها المبتدئ، وإن وصل إلى درجة أعلى، أو حتى إلى القمة.
لكن الفقهاء المتقدمين يأتون بالألفاظ التي لا يفهمها أكثر الناس إلا بالرجوع إلى القواميس، كزبر الكرم، وكلمة ضفيرة، فما علاقة ضفيرة بالماء؟ فالضفيرة تنصرف أكثر إلى ضفيرة الشعر، فيأتون بمثل هذه العبارات التي تحتاج منا إلى وقفة، فنحن نحاول أن نفهم معناها ولفظها، وكلما أعملت فكرك وبذلت جهدك وكددت في إعمال ذهنك، فإن هذا يعينك أكثر، فيصبح العلم الذي تتعلمه سهلًا بعد ذلك، لكن إذا عودت نفسك على المسائل اليسيرة والمسهلة تعود ذهنك على هذا فأصابه الخمول والكسل، فيصعب على الإنسان أن يفهم مثل هذه العبارات.
ومن هنا يأتي الفرق بيننا وبين العلماء السابقين، فعندما تقرأ كتابات العلماء السابقين تجد فيها جزالة اللفظ، وقوة المعاني، وأما الآن فتجد الألفاظ سهلة، وربما تجد التأثر بعبارات دخيلة على اللغة العربية، فالقراءة
стр. 7922
في الكتب القديمة لها فوائد عدة؛ ففيها كد للذهن، وإعمال للفكر، وهذا مما يعين طالب العلم على أن يتعود فهم دقائق المسائل.
• قوله: (وَزَبْرِ الْكَرْمِ).
المراد بالزبار تخفيف الأغصان الرديئة (١)، إذا جئت إلى شجرة العنب الكبيرة، أو النخلة، فوجدت فيها أغصانًا رديئة فإنك تزيلها، وقد تحتاج إلى إزالة الجيد؛ لتخفف حتى تنمو هذه الشجرة وتكون أحسن مما لو كانت قد حملت حملًا ثقيلًا، فكلما خففت وجدت أن الثمرة أقوى وأنفع، سواء في العنب أو في النخل.
• قوله: (وَتَقْلِيمِ الشَّجَرِ وَالتَّذْكِيرِ، وَالْجِذَاذِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ).
الأشجار تحتاج إلى عناية وتحتاج إلى قص، والمقصود بالتقليم قطعها وقطع ما لا ينفع منها، وبالنسبة لزبر الكرم فهو قطع الأغصان بمنجل أو نحوه من الآلات التي تزال بها هذه الأشياء التي تؤثر على نمو الشجرة.
فانظر إلى دقة الفقهاء ﵏، فهم في الغالب ليسوا ممن يشتغلون في الزراعة؛ لأنهم تفرغوا للعلم، لكنك تجد أنهم يدققون ويتعرفون، وهم يختلفون عنا، فلا تجد أن أحدهم يصدر حكمه على قضية إلا بعد أن يعرفها ويتعلق بها، فهو يريد أن يعرف كل شيء، ولذلك ترون أنهم كانوا - كما مر في أحكام الطهارة؛ في الحيض ومسائله الدقيقة، والنفاس - يسألون النساء لخبرتهنَّ في ذلك، وفي مجال الصناعة يسألون أهل الصنعة، وفي مجال الطب يسألون أولئك أيضًا، فيأخذون رأي أهل الخبرة ممن يوثق به، فالفقيه يحتاج إلى أن يعرف ما عند أرباب الصناعات حتى يطبقها على ما عنده من العلم، فانظر كيف كان الفقهاء يدققون ويشتغلون بهذه المسائل؟!
стр. 7923
والخلاصة أنه - كما قلت في المقدمة - كل ما كان فيه صلاح للثمرة وزيادة في نمائها فهذا من اختصاص العامل، وكل ما كان فيه حفظ للأصل فإن هذا من اختصاص رب المال، يحفر الآبار، ويوصل المياه، ويقيم السور على مزرعته، هذا من اختصاصه، والبذر على الرأي الصحيح من اختصاص صاحب المزرعة، إلا إذا اشترط ذلك.
• قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَالْعَبِيدِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعَامِلِ (١). وَاخْتَلَفُوا فِي شَرْطِ الْعَامِلِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسَاقِي).
إذا كان ما في الحظائر مما له علاقة بالعمل، كالبقر أو الثيران التي تقوم بالحرث، فيرى أكثر الفقهاء أن هذا أيضًا من اختصاص العامل؛ لأن له علاقة بالحرث، والحرث من اختصاص العامل، فهو يحرث الأرض وينقيها ويصفيها، ويخرج ما فيها من الحجارة، وكل ما يعوق نمو الأشجار.
• قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢): يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْحَائِطِ
стр. 7924
قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ. وَأَمَّا إِن اشْتَرَطَ فِيهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَائِطِ فَلَا يَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَائِطِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٢)).
وهو قول أحمد أيضًا (٣).
• قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (٤): لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَلَوِ اشْتَرَطَهُ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ جَازَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ كَرَاهِيَتِهِ ذَلِكَ).
المعروف أن محمد بن الحسن لا يرى ذلك، حتى وإن اشترطه؛ لأنه يرى أن ذلك شرط ينافي مقتضى العقد، وكل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه لا يعتد به ولا يعتبر، هذا نقل عن محمد بن الحسن، وربما كان له هذا الرأي الذي ذكره المؤلف، والله أعلم.
* * *
стр. 7925
• قوله: (مَا يَلْحَقُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْجَهْلِ بِنَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ، وَمَنْ أَجَازَهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ تَافِهٌ وَيَسِيرٌ. وَلتَرَدُّدِ الْحُكْمِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ اسْتَحْسَنَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الرَّقِيقِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْحَائِطِ فِي وَقْتِ الْمُسَاقَاةِ وَمَنَعَهُ فِي غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْمَنْفَعَةِ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمَا عَلَى الْعَامِلِ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسَاقَاةِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِيَدِهِ).
هناك مسألة لا أدري عرض لها المؤلف أو لا (١)، وهي: لو شرط العامل - كما مر في المضاربة - على رب المال أن يقدم له غلامًا من غلمانه، أو عبدًا من عبيده ليعمل معه، هل هذا جائز؟
نعم، أجاز الفقهاء ذلك.
• قوله: (وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْمُسَاقَاةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ النَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ وَلَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ إِلَّا مَا يَعْمَلُ بِيَدِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ (٢)؛ لأنَّهَا إِجَارَةٌ بِمَا لَمْ يُخْلَقْ، فَهَذِهِ هِيَ صِفَاتُ هَذَا الرُّكْنِ، وَالشُّرُوطُ الْجَائِزَةُ فِيهِ وغَيْر الْجَائِزَةِ).
стр. 7926
هذا من أهم الأركان في المساقاة والمزارعة؛ لأنه يحدد ما يخص العامل وما يخص رب المال.
• قوله:
(الرُّكْنُ الثَّالِثُ:
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَجُوزُ بِكُلِّ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ أَجْزَاءِ الثَّمَرِ، فَأَجَازَ مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ كَمَا فَعَلَ فِي الْقِرَاضِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْحَةٌ لَا مُسَاقَاةٌ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ) (١).
стр. 7927
وهذا هو الأظهر، أنها تكون منحة، كما مر في (القراض)، وعرفنا رأي أبي حنيفة (١)، ورأي الإمام أحمد (٢) أنه إذا جعل الربح كله
стр. 7928
للمضارب، وهو العامل، فإن ذلك يكون قرضًا لا قراضًا، وهنا يكون منحة.
• قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةٍ زَائِدَةٍ).
هذا معروف؛ لأن أي قرض أو مصلحة جرت نفعًا فإنها ينبغي أن تطرح (١)، وقد مر ذلك في البيع والإجارة ومسائل كثيرة.
• قوله: (مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبهِ زِيَادَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، وَلَا شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمُسَاقَاةِ) (٢).
стр. 7929
لا يجوز ذلك؛ لأن هذه الثمرة لم تخلق بعد، ولم تقدر، وربما كان هذا الشرط، هذه الدراهم والدنانير تزيد عن التمرة، أي: تكون أكثر مقارنة بالثمرة، فيكون في ذلك ضرر والضرر مطروح، والرسول ﷺ يقول: "لا ضَرَر ولا ضِرَار" (١).
فهذه ثمرة لم تخلق بعد، وهي غير موجودة، ولم يعرف قدرها، فكيف يضاف إليها شرط آخر من أحد الطرفين؟
ربما يكون هذا الشرط المضاف؛ من دراهم أو دنانير، مساويًا لما تخرجه هذه الأرض من الثمر، وربما يكون زائدًا عليها، وقد تكررت فيما سبق قصة القلادة، وهي في صحيح مسلم (٢) وعند أبي داود (٣) وغيرهما (٤)، وفيها أن قلادة بيعت بسبعة دنانير وتسعة، فأمر الرسول ﷺ بفصلها وإخراج ما فيها من الذهب وإفرازها عما فيها من الخرز، وقد وجد أن الذهب الموجود فيها أكثر من الدنانير التي اشتريت بها، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك.
• قوله: (إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ عِنْدَ مَالِكٍ مِثْلَ سَدِّ الْحِظَارِ، وَإِصْلَاحِ الظَّفِيرَةِ وَهِيَ مُجْتَمَعُ الْمَاءِ) (٥)).
стр. 7930
الظفيرة: هي مجتمع الماء وملتقاه؛ يعني المكان الذي يتجمع فيه الماء، وهي التي نسميها الآن: البركة (١).
• قوله: (وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يُسَاقِيَ عَلَى حَائِطَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى جُزْءٍ، وَالْآخَرُ عَلَى جُزْءٍ آخَرَ (٢)، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِهِ ﵊ فِي خَيْبَرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ سَاقَى عَلَى حَوَائِطَ مُخْتَلِفَةٍ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ (٣)، وَفِيهِ خِلَافٌ).
المسألة فيها خلاف بين العلماء (٤)، وليس الخلاف في مذهب مالك.
стр. 7931
• قوله: (وَأكثر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْقِسْمَة بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمُسَاقِي فِي الثَّمَرِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْكَيْلِ، وَكَذَلِكَ فِي الشَّرِكةِ) (١)).
هذا هو رأي أكثر العلماء؛ حتى تتجنب الجهالة، وبعضهم أجاز الخرص؛ لأن ذلك مما يجوز فيه قياسًا على خرص الثمار، وقد رخص رسول الله ﷺ في العرايا تُباع بالتمر خرصًا (٢)، فالتمر الذي على الأرض يكال، لكن الذي على النخل يخرص، هذا الذي في الأرض بين أيدينا نكيله، وأما المعلق فهذا يخرص خرصًا.
стр. 7932
ولا شك أن الخرص حكم شرعي، وأن رسول الله ﷺ أقره، لكن له أهله، وهم أهل الخبرة؛ لأن الذي يخرص ينبغي أن يكون قد مارس ذلك العمل وتعوده، ولذلك من تعود الخرص لا تجد إلا فرقًا يسيرًا بين تقديره وبين الكيل والميزان حقيقة؛ فلو أخذت إنسانًا يعمل في عمل في الميزان فتجد أنه لكثرة الممارسة لو أحضرت له فاكهة أو أرز أو غيره ليزنه، فستجده يقرب لك، يقول لك: هذا كيلو أو أكثر أو نحو ذلك، فتجد أنه يصيب في الغالب، وإن زاد فهو قليل، وإن قلَّ فهو كذلك؛ لشهرته في ذلك من كثرة ما يحمل في يده ويضع ويقيس، فأصبح عنده خبرة ودراية. كذلك الخارص، ولذلك اختار رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة؛ لمهارته في ذلك وخبرته (١).
• قوله: (وَأَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِالْخَرْصِ. وَأَجَازَ قَوْمٌ قِسْمَتَهَا بِالْخَرْصِ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، فَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ مِنَ الثِّمَارِ فِي الرِّبَوِيَّةِ، وَبَجُوزُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ (٢)، وَقِيلَ: يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ إِذِ اخْتَلَفَت حَاجَةُ الشَّرِيكَيْنِ).
لا شك أن الأحوط هو الكيل؛ فالكيل يرفع الخلاف ويزيل محل الشك، ودعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك (٣).
• قوله: (وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُهُ الْفَسَادُ مِنْ جِهَةِ الْمُزَابَنَةِ، وَبَدْخُلُهُ بَيْعُ الرُّطَب بِالتَّمْرِ، وَبَيْعُ الطَّعَام بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً. وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ قِسْمَتَهَا بِالْخَرْصِ تَشْبِيهُهَا بِالْعَرِيَّةِ، وَبِالخَرْصِ فِي الزَّكاةِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَأَقْوَى مَا اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنَ الْخَرْصِ فِي مُسَاقَاةِ خَيْبَرَ مِنْ
стр. 7933
مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) (١).
مرسل سعيد بن المسيب مر قبل، وقلنا: رواه مالك في "الموطأ"، وكذلك رواه غيره، وهو مرسل صحيح، ومن العلماء من وصله.
وأما الثاني فهو ليس عطاء، وإنما هو سليمان بن يسار، وقد مر أيضًا قبل، وقلنا: هو مرسل صحيح، وهناك من وصله؛ فجاء عند البيهقي وعند غيره موصولًا، فهما مرسلان حجة.
• قوله: (الرُّكْنُ الرَابعُ:
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْوَقْتِ فِي الْمُسَاقَاةِ: فَهُوَ صِنْفَانِ: وَقْتٌ هُوَ مُشْتَرَطٌ فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ).
هذا التقسيم الذي يسلكه المؤلف يقرب المعلومات إلى ذهن الدارس؛ لأن هذا فيه تقريب للمسائل؛ لأنك لو خلطت بعضها ببعض لاحتجت إلى عناية أكثر؛ لتميز بعضها من بعض، لكن كونه يقسمها ويرتبها، يجعله سهل المأتى، من غير صعوبة، وكلامه هنا يتعلق بقضية: هل هناك وقت محدد للمساقة أو لا؟
الرسول ﷺ عامل أهل خيبر على شطر مما يخرج منها، فهل حدد لهم رسول الله ﷺ وقتًا معينًا ينتهي إليه؛ أو أنه ترك الأمر؛ هناك اختلاف بين العلماء في التوقيت، والتوقيت له علاقة وثيقة بحكم المساقاة، ونحن بعد لم نأخذ حكمها من حيث العقد، هل هي عقد لازم أو هي عقد جائز؟ هل هي عقد لازم كالإجارة؛ لأنها مقابلة عوض بعوض؟ أو هي عقد جائز كالمضاربة والشركة والقراض؟
هذه المسألة التي سيتعرض لها المؤلف؛ لما لها من علاقة بالحكم، لكنه قدم الوقت، ثم بعد ذلك يعقبه بما يتعلق بالحكم.
стр. 7934
• قوله: (وَوَقْتٌ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمُحَدِّدُ لِمُدَّتِهَا).
هناك وقت يتعلق بحكم العقد؛ هل هو جائز أو لازم؟ ووقت يتعلق بتحديد المدة: هل هناك مدة أو لا؟
• قوله: (فَأَمَّا الْوَقْتُ الْمُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ عَقْدِهَا: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجُوزُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ) (١).
كان الأولى بالمؤلف ألا يقول: قبل بدو الصلاح. وأن يقول: قبل الثمر، يعني: قبل أن تثمر؛ لأن عندنا الآن طرفًا يقابل طرفًا، هذه الأشجار قدمت؛ لأنها لم تثمر بعد، وقولنا: قبل بدو الصلاح؛ يعني: أنها أثمرت؛ لكن الثمرة لم تصفر بعد ولم تحمر، يعني: ما بدت العلامة، وقوله وإن كان له وجه من النظر، لكن الأسلم أن يقال: ثمرة، يقابلها عدم ثمرة؛ لأنه كان يتكلم عن المساقاة، والمساقاة أن تقدم أشجارًا غير مثمرة لم تخلق فيها الثمرة، فكيف نقول بأنه لم يبد صلاحها؟ هذا هو وجه الملاحظة.
ومراد المؤلف هنا أن العلماء متفقون على جواز المساقاة قبل الثمرة.
ومعلوم أن أبا حنيفة لا يرى المساقاة مطلقًا.
стр. 7935
فالمقصود: أن الذين أجازوا المساقاة أجازوها قبل أن تثمر، لكن بعد أن تثمر اختلفوا. فما وجهة هؤلاء ووجهة هؤلاء؟
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمُسَاقَاةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْدَ بدو الصَّلَاحِ) (١).
الجمهور - وهو كما ذكر المؤلف أكثر العلماء - يرون أنه لا يجوز.
فمذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه أن ذلك لا يجوز، لكن عندما ننظر نظرة فقهية إلى ما بعد وجود الثمرة نجد أن الجهالة قد خفيت؛ لأنه بعد أن تظهر الثمرة تكون الجهالة أوشكت على الزوال؛ لأن الثمرة تكون قد بدت، والعلة التي ذكرها أبو حنيفة أن الثمرة لم تخلق ولم توجد، قد زالت بوجود الثمرة، فكيف يقول الجمهور بذلك؟
لا شك أنَّ للجمهور وجهة نظر في هذا؛ لأن القصد من ذلك أن العامل ماذا يقدم إذا كانت قد أسقيت ونمت وظهرت الثمرة؟ هذه هي ملاحظة جمهور العلماء، وسيبين المؤلف هذا.
• قوله: (وَقَالَ سَحْنُونٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ).
وهي أيضًا رواية للإمام أحمد، فمذهب الأئمة مالك (٢) والشافعي، وأحمد في المشهور (٣): أن ذلك لا يجوز، وأما قبل وجود الثمر فنعم.
стр. 7936
• قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ؛ فَمَرَّةً قَالَ: لَا يَجُوزُ، وَمَرَّةً قَالَ: يَجُوزُ) (١).
وهذا هو الأشهر أيضًا، فالشافعي له قولان؛ لكن المشهور في مذهبه والمعتبر هو أنه لا يجوز، إذن هو قول لمالك وقول مشهور للإمامين الشافعي وأحمد.
• قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهَا لَا تَجُوزُ إِذَا خُلِقَ الثَّمَرُ).
ما الذي سيعمله العامل وقد انتهت وبدا نضجها، وأصبحت مهيأة على سوقها؟
لم تبق إلا أشياء يسيرة، كأن يقوم - مثلًا - بجذاذ أو التقاط أو نحو ذلك، وهذا عمل يسير، لكن المهم فيه السقي، والعناية، والتنظيف، وخم العين، وإزالة الأشواك، وغير ذلك، فهذا هو أكثر العمل وقد ذهب وانقضى، ولم يبق إلا النزر اليسير.
• قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ مُسَاقَاةَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ مِنَ الثَّمَرِ لَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ، وَلَا ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إِلَى الْمُسَاقَاةِ؛ إِذْ كَانَ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ).
يعني بإمكان صاحب هذه المزرعة أن يبيع على غيره جملة، وهذا معروف، ومر نهي الرسول ﷺ عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها (٢)، أما وقد بدا صلاحها، فله أن يبيعها، ولا حاجة بأن يأتي بمن يساقيه طيها.
стр. 7937
• قوله: (قَالُوا: وَإِنَّمَا هِيَ إِجَارَةٌ إِنْ وَقَعَتْ).
كأن جمهور العلماء يقولون: إن هذه المساقاة إنما هي للحاجة، ولا شك أن الحاجة ملاحظة فيها بالنسبة للطرفين كما أشرنا سابقًا، فصاحب المزرعة، وصاحب العمل، قد لا يستطيع أن يقوم بنفسه وربما لا يستطيع أن يأتي بالأجرة، ولو جاء بالأجرة ربما لا يحسن المستأجر كما يحسن الذي يتولاها ويأخذ جزءًا من ثمرها، والعامل أيضًا بحاجة إلى أن يأكل ويشرب وينفق على أولاده، فهو يأخذ هذه المزرعة؛ ليستفيد من ثمرها مقابل عمل.
• قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهَا: أَنَّهُ إِذَا جَازَتْ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الثَّمَرُ فَهِيَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَجْوَزُ).
يعني: إذا جازت قبل بدو الصلاح فمن باب أولى أن تجوز بعد بدوه، هذا هو معنى كلام المؤلف.
ونحن نقول: قبل أن تخلق وأن تولد؛ إذ هي معدومة ولا نعرف هل ستثمر أو لا؟ فهناك جهالة، وإن أثمرت فما مقدارها؟ وما نوعها من حيث الصحة والفساد؟ وأقصد بذلك هل ستثمر ثمرة طيبة أو رديئة؟ بينما الكلام عنها هنا في حال كونها قد أثمرت وأصبحت بادية.
• قوله: (وَمِنْ هُنَا لَمْ تَجُزْ عِنْدَهُمْ مُسَاقَاةُ الْبُقُولِ) (١).
نرى أن المؤلف هنا مضطرب فيما يتعلق بالبقول، إلا إذا كان في ذهنه شيء لم يظهر، فالله أعلم. فربما يكون قصده أنها بقول تقوم على السيل، يعني الماء الجاري.
стр. 7938
• قوله: (لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا (أَعْنِي: عِنْدَ الْجُمْهُورِ). وَأَمَّا الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي مدة الْمُسَاقَاةِ).
هذا هو الجزء الثاني من الوقت؛ فالوقت الأول في حكم الجواز وتكلمنا على ما قبل وجود الثمرة وما بعدها، والآن يتكلم عن الجزء الثاني وهو الوقت الذي هو شرط في مدة المساقاة، فما حكم ذلك؟
• قوله: (فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أن يَكُونُ مَجْهُولًا (أَعْنِي: مُدَّةً غيْرَ مُؤَقَّتَةٍ) (١)، وَأَجَازَ طَائِفَة أَنْ يَكُونَ إِلَى مُدَّةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ مِنْهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ) (٢).
стр. 7939
وهو مذهب أحمد (١) لا مذهب أهل الظاهر، وسيأتي دليل ذلك.
والجمهور على أنه لا يجوز أن يكون مجهولًا؛ أعني: مدة غير مؤقتة، التفسير لكلمة مجهول، فمعنى هذا أنه لا بد من أن تكون مدة محددة.
• قوله: (إِلَى مُدَّةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ)، أي: مطلقة غير محددة.
• قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ: مَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ قِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ. وَعُمْدَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مَا وَقَعَ فِي مُرْسَلِ مَالِكٍ).
قلت قبل: إن مشكلة المؤلف أنه لا يعرف مذهب أحمد استقلالًا، فجعله مذهب أهل الظاهر، وهو يعتمد على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، ولكن هذا في الحقيقة هو مذهب أحمد، ودليله قوي، وليس هو المرسل الذي ذكره، بل هو حديث في صحيح مسلم (٢).
ومرسل مالك الذي يعنيه المؤلف هو ما رواه مالك عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب وقد تكلمنا عنه قبل، فهذا هو الدليل الذي أشار إليه المؤلف هنا، لكن الواقع أنه لو وقف على مذهب الحنابلة ورأى دليلهم لوقف على غير ذلك، وهم يستدلون بما في صحيح مسلم (٣) من أن
стр. 7940
أهل خيبر عرضوا على رسول الله ﷺ أن تبقى المزارع بأيديهم، على أن يعطوه أو يعطوا المسلمين شطرًا مما يخرج منها، فقال لهم رسول الله ﷺ : "نُقِرُّكم على ذلك ما شئنا".
إذًا نحن الذين نحدد أو لا نحدد، فالوقت هنا غير محدد، "نقركم على ذلك ما شئنا".
هذا هو الدليل الذي يتمسك به أصحاب هذا القول، فهم قالوا: هذا غير محدد؛ لأن الرسول ﷺ ما أقرهم وسكت، بل قال: "نقركم على ذلك ما شئنا" أي: وقتًا، نحن الذين نريده دون قيد، ولذلك أخذوا من هذا الحديث أنه دليل على أن المدة لا تحدد؛ لأن الرسول ﷺ لم يحدد لهم، ولو كان التحديد واجبًا ومتعينًا لبينه الرسول ﷺ ؛ إذ إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١)، فكان إطلاقه دليلًا على جوازه.
• قوله: (مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "أُقِرُّكُمْ على مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ" (٢)).
هذا كلام مجمل؛ لكن الحديث الاخر أكثر دلالة من هذا وأقوى، إضافة إلى أن هذا مرسل، ومهما قلنا بأنه صحيح ووصل عند البعض، فإنه محل خلاف، أما ذاك فهو في صحيح مسلم (٣).
стр. 7941
• قوله: (وَكرِهَ مَالِكٌ الْمُسَاقَاةَ فِيمَا طَالَ مِنَ السِّنِينَ، وَانْقِضَاءُ السِّنِينَ فِيهَا هُوَ بِالْجَذِّ لَا بِالْأَهِلَّةِ (١). وَأَمَّا هَلِ اللَّفْظُ شَرْطٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ).
لا شك أن هذا استحسان من الإمام مالك، فهو لا يرى إطالتها، وإنما ينبغي أن تكون إلى حد، فإذا حددت فلا ينبغي أن يكون الوقت سنين طويلة.
ورأينا ما يتعلق بالإجارة، ومر بنا ما يشبه هذا، ورأينا أن الإمام الشافعي خالف في ذلك، وأنه لا ينبغي أن تزيد على السنة في روايته المشهورة، وفي رواية أخرى أن الإجارة لا ينبغي أن تزيد عن أكثر من ثلاثين عامًا (٢)، وذكر العلة في ذلك، وهي أن العين المؤجرة يندر أن تبقى أكثر من ذلك، فإن كانت دارًا أو حانوتًا تهدمت، لكن الوضع تغير الآن، كما هو معلوم، فربما تبقى الدار أكثر من مائة سنة؛ لأنها الآن أصبحت تبنى بالمسلح، أما فيما مضى فكانت تبنى بالطين وجريد النخل وسعفه، وربما توضع على السقف جذوع النخل، فمثل هذه تتهدم، مع أنه قد يمضي عليها سنين طويلة، وهذا أمر مشاهد.
стр. 7942
• قوله: (فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ (١): فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ).
هذه المسألة مهمة، وهذا الكتاب فيه نوع من الإجمال، لكن إذا دققت النظر فيه تجد أن فيه وضوحًا، هل نقف عند لفظ المساقاة، فنقول: ساقيتك على هذه المزرعة؟ أو نأتي بأي لفظ يؤدي المعنى فيقول القائل: عاملتك على مزرعتي؟ أو أن يقول له: فالحتك؟ لأنه معلوم أن من يشتغل في الزراعة يسمى فلاحًا، والذي يشتغل في البناء يسمى بناء، والصانع يسمى صانعًا، وهكذا.
هل نقف عند اللفظ؟ أو نأتي بلفظ إجارة: أجرتك أو آجرتك هذه المزرعة فتؤدي معنى المساقاة؟ أو يقول القائل: عاملتك؟ أو يقول: فالحتك؟ أو يقول: استأجرتك؟ أو: أريدك أن تعمل في مزرعتي هذه حتى يكتمل نموها؟
هذا كله يتكلم عنه العلماء؛ فالحنابلة يجيزون ذلك ما عدا لفظ الإجارة الذي يشير إليه المؤلف فهناك رأيان في المذهب؛ رأي يمنع ورأي يجيز، والمؤلف اقتصر على كلمة الإجارة، يعني هل تحل الإجارة محل المساقاة؟
المساقاة فيها خلاف من حيث كونها عقدًا لازمًا أو غير لازم، والإجارة عقد لازم، ومن قال من أهل العلم بأن المساقاة عقد لازم يقيسون على الإجارة؛ لأنه عوض مقابل عوض، والإجارة مبادلة عوض بعوض أيضًا.
فلو نظرنا في مسائل المعاملات لوجدنا أن ثمة روابط تربطها، فلا ينفصل بعضها عن بعض ولا يبتعد.
نعم، قد لا تلتقي من كل وجه، لكن الروابط تصل بعضها ببعض، وهذا ينبغي أن يكون دافعًا لطالب العلم ألا ينسى ما مضى، ونحن الآن
стр. 7943
نعاني من مشكلة، ويشكو منها طلاب العلم، وهي أنه إذا قرأ مبحثًا فإنه يقول بعد فترة: نسيته، فمن فعل ذلك فما استفاد من العلم، ينبغي أن أربط العلم بعضه ببعض كي يبقى في ذهني، وثمة مشكلة اليوم، وهي مشكلة الجزئية التي تنافي الشمولية.
والخلاصة: أن الإخلاص هو أساس كل شيء؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فإذا ما اتقيت الله وأخلصت في طلب العلم فلا بد - أيضًا - من مثابرة وجد وطول زمان، لن تنال العلم إلا بستة، كما قال ابن القيم ﵀ (١)، وهو قد جرَّب ذلك، وخير دليل على ذلك النظر إلى كتابه العظيم "زاد المعاد"، وقد كتبه في سفرٍ، فلم يكن عنده كتب، كان في رحلة، مشغول البال وكتب ذلكم الكتاب العظيم "زاد المعاد"، وشيخ الإسلام كتبه دائمًا يحررها بقلمه دون أن يرجع إلا في النادر، ربما في شرح "عمدة الأحكام" رجع فطلب "المغني" وهو في مصر، وكذلك في غيره؛ لكن كثيرًا من كتبه كان يكتبها دون الرجوع، وانظر: هل يستطيع أحدنا أن يكتب مثلها وأمامه الكتب والمراجع؟
• قوله: (وَأَمَّا هَلِ اللَّفْظُ شَرْطٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ … ).
هذه تكلمنا عنها، والمقصود: هل لا بد من الوقوف عند لفظ المساقاة فيقول: ساقيتك، أو يجوز أن ينوب عنها؟ أشرنا إلى أن بعض العلماء كالحنابلة يقولون: يجوز أن يحل محلها غيرها، كأن يقول:
стр. 7944
عاملتك أو فالحتك أو اعمل في مزرعتي هذه حتى تتم، ولهم رواية في إجازتها بلفظ الإجارة.
• قوله: (فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ لَا تَنْعَقِدَ إِلَّا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ تَنْعَقِد بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ (١)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ سَحْنُونٍ) (٣).
جاء لفظ المساقاة في حديث ابن عمر أن الرسول ﷺ عامل على خيبر
стр. 7945
بشطر مما يخرج منها، وجاء في بعض روايات الصحيحين: "ساقاهم" (١)، وأعتقد أن ما يؤدي المعنى كاف في ذلك، إلا أن توجد شبهة أو لبس، فينبغي أن يتجه إلى اللفظ الذي لا يتطرق إليه شك أو شبهة.
• قوله: (الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الصِّحَّةِ:
وَالْمُسَاقَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ بِاللَّفْظِ لَا بِالْعَمَلِ) (٢).
وهي كذلك عند الإمام الشافعي (٣)، وقد عرفتم مذهب أبي حنيفة، وهو عدم جواز المساقاة ولا المزارعة، فلا يرد قوله هنا، أمَّا الإمامان مالك والشافعي فيريان أنها عقد لازم، وهي رواية ليست بالمشهورة في مذهب أحمد (٤)، وأمَّا المشهور في المذهب فهي عقد جائز (٥).
стр. 7946
حجة من قال من أهل العلم بأنها عقد لازم:
حجتهم في ذلك أمران:
الأمر الأول: أنها معاوضة؛ عوض مقابل عوض، فتكون عقدًا لازمًا، قياسًا على الإجارة؛ لأن الإجارة مبادلة عوض بعوض، تسلمه دارًا ويعطيك عوضها، وهنا أيضًا إنسان يعمل في هذه الأشجار أو في هذا البستان، ولأخذ مقابل عمله جزءًا من الثمرة، فهو إذن عوض يقابله عوض، هذا تعليل أول للذين قالوا بأنها عقد لازم، فقاسوه على الإجارة.
الأمر الثاتي: أنهم قالوا: لو كانت عقدًا جائزًا لجاز لرب المال أن يفسخها عند صلاح الثمر، فحينئذ يتضرر العامل، فينبغي أن يكون عقدًا لازمًا.
حجة من قال من أهل العلم باتها عقد جائز:
القول بأنها عقد جائز هو المشهور في مذهب أحمد (١)، ومن قالوا من أهل العلم بهذا القول، فحجتهم الحديث الذي أوردناه قبل، وهو أن أهل خيبر سألوا رسول الله ﷺ أن يقرهم على خيبر - أي: على تلك المزارع أن تبقى بأيديهم - على أن يعطوا رسول الله ﷺ شطرًا مما يخرج منها من زرع أو ثمر، ووجه الدلالة من هذا أن الرسول ﷺ أجابهم بقوله في آخر الحديث: "نقركم على ذلك ما شئنا". وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢).
فالرسول لم يحدد وقتًا، ولم ينقل عنه ﷺ أنه جعل وقتًا، ولو جعل تحديدًا ووقتًا لذلك لنُقِل؛ لأن ذلك قد اشتهر بين الناس، وكون الرسول ﷺ لم يبين ذلك فيه دليل على أن التوقيت ليس شرطًا؛ لأن هذا
стр. 7947
بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما عرف ذلك في أصول الفقه (١).
فالخلاصة إذن أن العلماء انقسموا إلى قسمين؛ فقال بعضهم: إنها عقد لازم، وهي رواية للحنابلة، وبعضهم - وهم قلة - قالوا: إنها عقد جائز.
• قوله: (بِخِلَافِ الْقِرَاضِ عِنْدَهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِالْعَمَلِ لَا بِاللَّفْظِ، وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ عَقْدٌ مَوْرُوثٌ) (٢).
سبق القول بأن القراض جائز (٣)، وسيأتي - أيضًا - أن الشركة جائزة.
وإذا كان عقد المساقاة لازمًا فينبغي أن يكون موروثًا؛ أي: إذا مات العامل انتقل إلى ورثته، ولو مات رب العمل أيضًا انتقل العمل إلى ورثة العامل، والمسألة فيها خلاف (٤).
стр. 7948
• قوله: (وَلِوَرَثَةِ الْمُسَاقِي أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ يَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ).
هذا عند مالك في حالة خيانة العامل، وعند الإمامين الشافعي (١) وأحمد (٢) يوضع من يشرف عليه، فإن لم يجد ذلك استؤجر إنسان ليعمل، على أن يكون على حسابه هو.
• قوله: (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ إِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ) (٣).
يعني هؤلاء الذين انتقل إليهم إن لم يكونوا أمناء فحينئذ يتخذ الأجراء، فالمؤلف يتكلم عن الورثة لكن العامل نفسه قد لا يكون أمينًا.
стр. 7949
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكلة سَلَّمَ إِلَى الْوَرَثَةِ رَبُّ الْمَالِ أُجْرَةَ مَا عَمِلَ، وَفَسَدَ الْعَقْدُ).
معنى هذا أنها تفسخ، ويأخذ أجرة العمل على أنها نوع من الإجارة، فينزل منزلة الإجارة.
• قوله: (وَإِنْ كانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ لَزِمَتْهُ الْمُسَاقَاةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ بِالْعَجْزِ، وَلَمْ يُفَصِّلْ (٢). وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا عَجَزَ وَقَدْ حَلَّ بَيْعُ الثَّمَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُ).
هذه المسألة فيها تفصيل في مذهب الإمامين الشافعي وأحمد (٣)؛ لأن عجز العامل لا يخلو أن يكون واحدًا من أمرين؛ إمَّا أن يكون ضعفًا، وإمَّا أن يكون عجزًا كليًّا؛ يعني أن يحل الضعف في بدن الإنسان فلا يستطيع أن ينهض، فعليه أن يستأجر من يعينه على ذلك، وإن كان عجزًا كليًّا فعليه أيضًا أن يستأجر من يقوم برعاية وخدمة مزرعته؛ لأنه مطالب بتوفية ذلك؛ لأن هذا عقد قد التزم به، وعليه توفيته، فهذا أمر لازم له.
стр. 7950
وأما في حالة ما إذا حصل خيانة من هذا العامل أو شك في أمانته، فإنه يتخذ إنسانًا من قبل رب المال ليشرف عليه، فإن لم ينفع ذلك استأجر إنسانًا على حسابه، وقام مقامه في ذلك؛ لأن وضع يديه على هذه المزرعة أصبح غير صالح؛ إذ إنه لا يتحلى بالأمانة، فهذا هو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد.
* قولُهُ: (وَإِنْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اسْتُؤْجِرَ مِنْ حَظِّهِ مِنَ الثَّمَرِ) (١).
ومالك يرى أنها لا تؤخذ من يده، لكن يستأجر ويبقى هو المسؤول مطلقًا، حتى ولو شك في أمره وفي أمانته.
* قولُهُ: (وَإِذا كَانَ الْعَامِلُ لِصًّا أَوْ ظَالِمًا لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ (٢). وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ لِلْعَمَلِ (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ اسْتَأْجَرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَهُ) (٤).