حجة من قال من أهل العلم بأنها عقد لازم:
حجتهم في ذلك أمران:
الأمر الأول: أنها معاوضة؛ عوض مقابل عوض، فتكون عقدًا لازمًا، قياسًا على الإجارة؛ لأن الإجارة مبادلة عوض بعوض، تسلمه دارًا ويعطيك عوضها، وهنا أيضًا إنسان يعمل في هذه الأشجار أو في هذا البستان، ولأخذ مقابل عمله جزءًا من الثمرة، فهو إذن عوض يقابله عوض، هذا تعليل أول للذين قالوا بأنها عقد لازم، فقاسوه على الإجارة.
الأمر الثاتي: أنهم قالوا: لو كانت عقدًا جائزًا لجاز لرب المال أن يفسخها عند صلاح الثمر، فحينئذ يتضرر العامل، فينبغي أن يكون عقدًا لازمًا.
حجة من قال من أهل العلم باتها عقد جائز:
القول بأنها عقد جائز هو المشهور في مذهب أحمد (١)، ومن قالوا من أهل العلم بهذا القول، فحجتهم الحديث الذي أوردناه قبل، وهو أن أهل خيبر سألوا رسول الله ﷺ أن يقرهم على خيبر - أي: على تلك المزارع أن تبقى بأيديهم - على أن يعطوا رسول الله ﷺ شطرًا مما يخرج منها من زرع أو ثمر، ووجه الدلالة من هذا أن الرسول ﷺ أجابهم بقوله في آخر الحديث: "نقركم على ذلك ما شئنا". وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢).
فالرسول لم يحدد وقتًا، ولم ينقل عنه ﷺ أنه جعل وقتًا، ولو جعل تحديدًا ووقتًا لذلك لنُقِل؛ لأن ذلك قد اشتهر بين الناس، وكون الرسول ﷺ لم يبين ذلك فيه دليل على أن التوقيت ليس شرطًا؛ لأن هذا
стр. 7947
بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما عرف ذلك في أصول الفقه (١).
فالخلاصة إذن أن العلماء انقسموا إلى قسمين؛ فقال بعضهم: إنها عقد لازم، وهي رواية للحنابلة، وبعضهم - وهم قلة - قالوا: إنها عقد جائز.
• قوله: (بِخِلَافِ الْقِرَاضِ عِنْدَهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِالْعَمَلِ لَا بِاللَّفْظِ، وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ عَقْدٌ مَوْرُوثٌ) (٢).
سبق القول بأن القراض جائز (٣)، وسيأتي - أيضًا - أن الشركة جائزة.
وإذا كان عقد المساقاة لازمًا فينبغي أن يكون موروثًا؛ أي: إذا مات العامل انتقل إلى ورثته، ولو مات رب العمل أيضًا انتقل العمل إلى ورثة العامل، والمسألة فيها خلاف (٤).
стр. 7948
• قوله: (وَلِوَرَثَةِ الْمُسَاقِي أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ يَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ).
هذا عند مالك في حالة خيانة العامل، وعند الإمامين الشافعي (١) وأحمد (٢) يوضع من يشرف عليه، فإن لم يجد ذلك استؤجر إنسان ليعمل، على أن يكون على حسابه هو.
• قوله: (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ إِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ) (٣).
يعني هؤلاء الذين انتقل إليهم إن لم يكونوا أمناء فحينئذ يتخذ الأجراء، فالمؤلف يتكلم عن الورثة لكن العامل نفسه قد لا يكون أمينًا.
стр. 7949
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكلة سَلَّمَ إِلَى الْوَرَثَةِ رَبُّ الْمَالِ أُجْرَةَ مَا عَمِلَ، وَفَسَدَ الْعَقْدُ).
معنى هذا أنها تفسخ، ويأخذ أجرة العمل على أنها نوع من الإجارة، فينزل منزلة الإجارة.
• قوله: (وَإِنْ كانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ لَزِمَتْهُ الْمُسَاقَاةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ بِالْعَجْزِ، وَلَمْ يُفَصِّلْ (٢). وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا عَجَزَ وَقَدْ حَلَّ بَيْعُ الثَّمَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُ).
هذه المسألة فيها تفصيل في مذهب الإمامين الشافعي وأحمد (٣)؛ لأن عجز العامل لا يخلو أن يكون واحدًا من أمرين؛ إمَّا أن يكون ضعفًا، وإمَّا أن يكون عجزًا كليًّا؛ يعني أن يحل الضعف في بدن الإنسان فلا يستطيع أن ينهض، فعليه أن يستأجر من يعينه على ذلك، وإن كان عجزًا كليًّا فعليه أيضًا أن يستأجر من يقوم برعاية وخدمة مزرعته؛ لأنه مطالب بتوفية ذلك؛ لأن هذا عقد قد التزم به، وعليه توفيته، فهذا أمر لازم له.
стр. 7950
وأما في حالة ما إذا حصل خيانة من هذا العامل أو شك في أمانته، فإنه يتخذ إنسانًا من قبل رب المال ليشرف عليه، فإن لم ينفع ذلك استأجر إنسانًا على حسابه، وقام مقامه في ذلك؛ لأن وضع يديه على هذه المزرعة أصبح غير صالح؛ إذ إنه لا يتحلى بالأمانة، فهذا هو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد.
* قولُهُ: (وَإِنْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اسْتُؤْجِرَ مِنْ حَظِّهِ مِنَ الثَّمَرِ) (١).
ومالك يرى أنها لا تؤخذ من يده، لكن يستأجر ويبقى هو المسؤول مطلقًا، حتى ولو شك في أمره وفي أمانته.
* قولُهُ: (وَإِذا كَانَ الْعَامِلُ لِصًّا أَوْ ظَالِمًا لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ (٢). وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ لِلْعَمَلِ (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ اسْتَأْجَرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَهُ) (٤).
стр. 7951
وقريب من ذلك قول أحمد (١).
* قولُهُ: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَشْتَرِطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ الزَّكَاةَ بِخِلَافِ الْقِرَاضِ) (٢).
عرفنا قبل حكم اشتراط ذلك في القراض، فهل لرب المال أن يشترط على العامل الزكاة أو العكس؟
رأْيُنا أن ذلك لا يجوز (٣).
стр. 7952
* قولُهُ: (بِخِلَافِ الْقِرَاضِ، وَنِصَابُهُمَا عِنْدَهُ نِصَابُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الشُّرَكَاءِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَالِ، وَالْعَامِلُ فِي مِقْدَارِ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الثَّمَرِ).
معلوم الآن شأن العقود، فهي قد لا تخلو من خلاف، نعم ربما تسير حتى نهايتها دون أن يحصل خلاف، لكن ربما يحصل تقصير أو عدم فهم أو نسيان، فيدعي أحد العاقدين شيئًا لا يوافقه عليه الآخر؛ كاختلافهم في قدر ما اتفقا عليه: هل هو على النصف أو الثلث أو الربع؟
فإذا اختلفا فالقول قول من؟ هل هو قول رب المال؟ أم هو قول المساقي، العامل؟
هذه فيها خلاف، هل يتحالفان؟ كل ذلك مر بنا ما يشبهه في المضاربة، وفي القراض، وسبب الخلاف تحديد المدعي والمدعى عليه، فسبب الخلاف هنا هو سبب الخلاف الذي كان هناك في القراض.
* قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ) (١).
قراءتك كلها صحيحة سواء كنت تذهب إلى الجر على تقدير مع، أو إلى الرفع على أنه معطوف على رب.
ويرى الك أن القول قول العامل؛ لأنه هو المنكر، ويرى الإمام
стр. 7953
أحمد (١) أن القول قول رب المال، أي: المالك، والشافعي يقول: يتحالفان ويتفاسخان، فأقوال العلماء ثلاثة.
* قولُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَتَكُونُ لِلْعَامِلِ الْأُجْرَةُ، شَبَّهَهُ بِالْبَيْعِ) (٢).
يعني: تكون له أجرة المثل.
* قولُهُ: (وَأَوْجَبَ مَالِكٌ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْيَمِينَ تجِبُ عَلَى أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ شُبْهَةً).
الرسول ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء ناس وأموالهم "، أو "لادعى ناس دماء رجال وأموالهم؛ لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٣) أي: المنكر.
رأينا في مسائل كثيرة مرت أن الإمام مالكًا أحيانًا يقلب المسألة، فالأصل أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فنجد مالكًا أحيانًا يعكس، يقول: لوجود شبهة، أي: قرينة بجانب الطرف الآخر تقوي
стр. 7954
رأيه، فيرى أنه يكون القول قولُهُ، وهذا هو سر الخلاف بين الإمامين أحمد ومالك في هذه المسألة.
* قولُهُ: (وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ الَّتِي اشْتُهِرَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ هِيَ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا).
مثل أن يساقي عدة مزارع، أو يعني أن هناك مسائل كثيرة تأتي في المساقاة، أو يشترط أحدهما مثلًا شروطًا، وهذه فيها جهالة، وربما يشير إليها في المسألة الأخرى إشارة أو يذكر أمثلة لها.
* قول: ([لقول في] أحكام المساقاة الفاسدة).
المساقاة الفاسدة هي التي تتطرق إليها الجهالة، أي: التي يكون فيها جهالة بنصيب كل واحد من الطرفين، وبيان ذلك يحتاج إلى أمثلة، وهذه من الأمثلة التي لم يعرض لها المؤلف، وهي كما يلي:
المثال الأول:
أن يشترط أحدهما -مثلًا- أن يكون نصيبه في ناحية، وهذا في ناحية أخرى، كأن يكون مثلًا العامل نصيبه -أي: زرعه- في الناحية الشمالية، وهذا زرعه في الناحية الجنوبية، أو هذا في الشرقية، وهذا في الغربية، إذا حدد كل منهما مكانًا فهذا لا يجوز، وتعد إجارة فاسدة؛ لأن فيها جهالة، وهذه الجهالة تضر بكل واحد منهما، وإن كان الضرر في النهاية سيقع على أحدهما؛ لأن إحدى الناحيتين ربما تخرج، والأخرى لا تخرج، فيكون قد غبن أحدهما ولحق به الضرر، والآخر هو الذي ظفر بالثمرة (١).
стр. 7955
وبعض الروايات التي جاءت في حديث رافع، تأولها العلماء بأن الرسول ﷺ إنما نهى عن ذلك في حديث رافع حينما قال: كنا نكرم المزارع فيزرع العامل هنا ونزرع هنا، فقال رسول الله ﷺ : "لا". ثم بين العلة؛ لأنها ربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه (١)، فهذا هو الضرر، فالجهالة التي تسري إلى نصيب كل واحد منهما تكون سببًا في فساد المساقاة.
المثال الثاني:
لو أن أحدهما اشترط -مثلًا- أن يكون ما ينبت على السواقي، على الجداول، يكون من حقه، ومعلوم أن هذه السواقي، وهذه الجداول، يمر عليها الماء كثيرًا فما يكون عليها يأخذ نصيبًا أكثر مما يأخذه غيره، فربما كانت ثمرتها أكثر وأجود، ولذلك قالوا أيضًا: هذا لا يجوز، سواء شرطه أحدهما منفردًا فقال: نصيبي ما يكون على الجداول وعلى الأنهار، وعلى مواضع تجمع الماء، أو غير منفرد كقوله: يضاف ما يكون على
стр. 7956
الجداول إلى نصيبي، نصيبي كذا ويضاف إليه كذا، فهذا أيضًا لا يجوز (١).
المثال الثالث:
إذا اشترط أحدهما -كما مر- إلى جانب نصيبه أن يأخذ مبلغًا من الدراهم أو الدنانير، فقد بينا العلة في ذلك سلفًا، وأن العلماء قالوا ببطلان هذ! الشرط؛ لأنه ربما يكون ما يحصل من الثمر أقل مما اشترطه العامل أو رب المال، فكل ما يؤدي إلى جهالة نصيب كل واحد منهما، أو ما فيه غرر فإنه لا يجوز، هذا هو الذي أشار إليه المؤلف (٢).
стр. 7957
* قولُهُ: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي جَوَّزَهَا الشَّرْعُ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ مَا لَمْ تَفُتْ بِالْعَمَلِ) (١).
ما لم تفت يعني: ما لم يكن قطع شوطًا في العمل، يعني المساقاة إذا كانت في أولها تفسد، لكن فأتت بالعمل.
(وَاخْتَلَفُوا إِذَا فَاتَتْ بِالْعَمَلِ مَاذَا يَجِبُ فِيهَا؟ فَقِيلَ: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى إِجَارَةِ الْمِثْلِ فِي كلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيُّ) (٢).
стр. 7958
وكذلك الإمام أحمد (١).
* قولُهُ: (وَقِيَاسُ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ (٢). وَقِيلَ: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجشُونِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ (٣). وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ فِي بَعْضِهَا: تُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةٍ مِثْلِهَا، وَفِي بَعْضِهَا: إِلَى إِجَارَةِ الْمِثْلِ (٤). وَاخْتَلَفَ التَّأْوِيلُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ).
سيسرد المؤلف قول ابن القاسم تفصيلًا لعدم وجود دليل، لكن نحن عندنا أصول، نحن ننظر إلى الجهالة فما يحصل من جهالة نرى أنه يؤثر في العقد، لكن بعد أن التزم كل منهما وصار العقد، وانقطع العمل وبدأت الثمرة وإن لم يحصل نضج، فإن العامل لا يتركها لهذا هو السبب، وهو أنه قطع مرحلة في العمل.
стр. 7959
وأما ابن القاسم فقال في بعضها ترد إلى مساقاة مثلها، وفي بعضها إلى إجارة المثل، واختلف التأويل عنه في ذلك، وقيل في مذهبه أنها ترد إلى إجارة المثل، إلا في أربع مسائل، وابن القاسم -كما هو معلوم- هو تلميذ للإمام مالك، وهو من أصحابه، وهو أيضًا راوي "المدونة" عنه، وكان إذا توقف الإمام في مسألة أجاب، وربما وجدت مسائل لم يجب عليها مالك فيجيبها هو، وهذه هي رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك، فليس كل ما في "المدونة" من قول مالك، فكثير منه من قول ابن القاسم.
* قولُهُ: (فَقِيلَ فِي مَذْهَبِهِ: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى إِجَارَةِ الْمِثْلِ إِلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهَا: إِحْدَاهَا: الْمُسَاقَاةُ فِي حَائِطٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْ أَطْعَمَ) (١).
" أطعم "، يعني: بدت ثمرته.
* قولُهُ: (وَالثَّانِيَةُ: إِذَا اشْتَرَطَ الْمُسَاقِي عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ) (٢).
إذا اشترط على رب المال أن يعمل معه أو أن يعمل معه غلامه، فهذا الشرط صحيح، وقد سبق في المقارضة.
стр. 7960
* قولُهُ: (وَالثَّالِثَةُ: الْمُسَاقَاةُ مَعَ الْبَيْعِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ) (١).
المساقاة مع البيع في صفقة واحدة جرت منفعة، فهنا يأتي الخلاف في ذلك.
* قولُهُ: (وَالرَّابِعَةُ: إِذَا سَاقَاهُ فِي حَائِطٍ سَنَةً عَلَى الثّلثِ وَسَنَةً عَلَى النِّصْفِ (٢). وَقِيلَ: إِنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إِذَا لَحِقَهَا الْفَسَادُ مِنْ قِبَلِ مَا دَخَلَهَا مِنَ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، أَوْ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ مِنْ قِبَلِ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِطُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ زِيَادَةٍ رُدَّ فِيهَا إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ).
يعني: يشترط أحدهما بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وهذا يعتبر من العيوب؛ لأن الثمرة تباع بعد بدو الصلاح حتى يعرف كل واحد منهما نصيبه منها.
* قولُهُ: (مِثْلَ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ (٣)).
هذا من الأمثلة التي ذكرنا، وقد مرت، يعني يشترط زيادة دراهم أو دنانير، أو يشترط موقعًا معينًا في البستان يكون له.
стр. 7961
* قولُهُ: (وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إِنْ كَانَتْ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ كَانَتْ إِجَارَةً فَاسِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْعَامِلِ كَانَتْ بَيْعَ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ. وَأَمَّا فَسَادُهُ مِنْ قِبَلِ الْغَرَرِ مِثْلُ الْمُسَاقَاةِ عَلَى حَوَائِطَ مُخْتَلِفَةٍ فَيُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ (١)).
يعني: أن يأخذ رجل عدة مزارع يساقي عليها.
* قولُهُ: (وَهَذَا كلُّهُ اسْتِحْسَانٌ جَارٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ).
استحسان جاري على غير قياس؛ لأن القياس له أصول، وله علة، فهو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما (٢)، لكن قد تستحسن مسائل على غير قياس، ورأْيُنا أن الاستحسان ما لم يخالف نصّا صحيحًا فهو مقبول، وعمل به علماء (٣)، وحتى من قيل بأنه أنكره -وهو الإمام الشافعي- قد عمل به، لكن الاستحسان الذي يبنى على الهوى أو على الرغبات أو نحو ذلك هو هذا الذي نبذه العلماء وحاربوه.
* قولُهُ: (وَفِي الْمَسْاَلَةِ قَوْلٌ رَابعٌ، وَهُوَ: أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَكثَرَ مِنَ الْجُزْءِ الَّذِي شَرَطَ عَلَيْهِ إِنْ كانَ لِلْمُسَاقِي، أَوْ أَقَلَّ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ لِلْمُسَاقِي (٤)، وَهَذَا كَافٍ بِحَسَبِ غَرَضِنَا).
стр. 7962
يقصد أنه كاف في مباحث المساقاة، ففي غرضه أن يقتصر على أمهات المسائل، والحقيقة أنه في البيوع بدأ يدخل بعض الفروع، ويفصل في مذهب مالك.
* * *
стр. 7963
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
قال المصنف رحمه الله تعالى
[كِتَاب الشَّرِكَةِ]
[الرُكنُ الْأَوَلُ: مَحِل شركة العنان مِنَ الْأَمْوَالِ]
* قولُهُ: (وَالنَّظَرُ فِي الشَّرِكةِ: فِي أَنْوَاعِهَا، وَفِي أَرْكَانِهَا الْمُوجِبَةِ لِلصِّحَّةِ فِي الْأَحْكَامِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمَا اشْتَهَرَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا قَصَدْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَالشَّرِكَةُ بِالْجُمْلَةِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: شَرِكَةُ الْعِنَانِ، وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ، وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ، وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ).
الآن بعد أن أجمل المؤلف وعدد لنا أنواع الشركات الأربعة، ولا حاجة لأن نذكر الخامسة؛ لأنه قدمها، أخذناها في بحث مستقل، وهي شركة المضاربة، والتي عبر عنها هو بالقراض (١).
стр. 7964
شركة العنان: سميت شركة العنان لتساوي الشريكين في المال والتصرف؛ من هنا سميت شركة عنان؛ لأن كل واحد منهما دفع مالًا، وكل واحد منهما يتصرف في هذه الشركة، فهما تساويا في التصرف وفي المال؛ كالفارسين إذا سويا عنان فرسيهما، أي: سارا جميعًا، هذا يأتي فيضع فرسه بجوار هذا، كأن عنان هذا مع عنان هذا، فيسيران سويًّا.
فالمراد بذلك التساوي، فهذه هي شركة العنان، وبعضهم قال: مشتقة من عانن، وبعضهم: من عن له الشيء، بمعنى عن له أن يشارك أخاه، إلى غير ذلك، والأشهر أنها من عنان الفرس (١).
* قولُهُ: (وَاحِدَةٌ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ شَرِكَةُ الْعِنَان (٢)، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَعْرِفْ هَذَا اللَّفْظَ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ. وَالثَّلَاثَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا عِنْدَ مَنِ اتَّفَقَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا).
هذه الأصول أو الأركان التي سيبحثها المؤلف، كعادته يقدم ويعطي كشافًا لما سيتكلم عنه، فهو أعطانا الآن تصورًا مجملًا عما سيتحدث عنه بعد ذلك، وسيأخذها واحدًا واحدًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 7965
(الْقَوْلُ فِي شَرِكةِ الْعِنَانِ)
* قولُهُ: (وَأَرْكَانُ هَذِهِ الشَّرِكَةِ ثَلَاثَةٌ؛ الْأَوَّلُ: مَحِلُّهَا مِنَ الْأَمْوَالِ. وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الرِّبْحِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ. الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ.
الرُكنُ الْأَوَلُ: فَأَمَّا مَحِلُّ الشَّرِكةِ).
محلها: هو الشيء الذي تجوز فيه، ومعلوم أن هناك نقودًا، يعني دراهم ودنانير، وريالات ودولارات في وقتنا الحاضر، الأصل العملة المعروفة مهما اختلفت، وهناك عروض تجارة، وعروض التجارة هل تصلح أن تكون رأس مال؟ وإن قلنا بصلاحيتها فهل لا بد من تقويمها أو أن التقويم لا يجوز ولا بدَّ من بيعها وجعل ثمنها هو رأس المال؟
* قولُهُ: (فَمِنْهُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَجُوزُ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الْعَيْنِ؛ أَعْنِي: الدَّنَانِيرَ، وَالدَّرَاهِمَ) (١).
стр. 7966
يقصد بالعين النقدان، فإنه يعبر عنهما بذلك، ونحن نتحدث عن الدراهم والدنانير لأن هذه لغة الفقهاء، وما كان يعرف إلا الدينار والدرهم، وبهما قدرت الزكاة كما عرفنا، وفي قطع يد السارق لا قطع إلا في ربع دينار، والخلاف في ذلك قائم (١).
والمعتبر الآن عندنا هو الريالات، وهناك الدولار، وهناك اليمن، إلى غير ذلك من المعاملات المعتبرة؛ لأن هذه وإن كنا نراها ورقًا لكن لها
стр. 7967
أصول محفوظة، فحلت محل النقد، فالدراهم والدنانير لا خلاف فيها؛ لأنها رأس الأثمان، وهي قيمة المتلفات، فهي التي يرجع إليها في كل أمر، بهما يباع ويشترى، وكذلك الريالات والجنيهات والدولارات؛ إذًا هي قيمة الأثمان، وهي رؤوس الأموال، وهي أيضًا قيمة المتلفات، فهذه ليس فيها خلاف، وهي لا تتغير، بل هي ثابتة وأسعارها محفوظة.
* قولُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْعًا لَا تَقَعُ فِيهِ مُنَاجَزَةٌ، وَمِنْ شَرْطِ الْبَيْعِ فِي الذَّهَبِ وَفِي الدَّرَاهِمِ الْمُنَاجَزَةُ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ خَصَّصَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الشَّرِكَةِ).
يعني شبه هذا بالبيع، فهذا يضع وهذا يضع كأنه بيع، لكن هذه استثنيت كما ذكر المؤلف، وكم من الأحكام التي رأينا أنها استثنيت من المنع! كما سبق -مثلًا- أن العرايا استثنيت من المزابنة، وكما استثنيت بعض أنواع من البيوع، وكذلك الجعالة استثنيت أيضًا مسائلها، وأحكام الإجارة، ولذلك جعل الفقهاء لها مباحث مستقلة.
* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى الشَّرِكَةِ بِالْعَرْضَيْنِ يَكُونَانِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ) (١).
هكذا قال فيما علم، وأحسن ﵀ في هذا القول؛ لأن أكثر الفقهاء قال بذلك، لكن قد يكون ثمة من يخالف.
وهذا نص عليه الشافعي، يعني في العرضين إذا اتحدا وتماثلا.
* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّرِكةِ بِالْعَرْضَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَبِالْعُيُونِ الْمُخْتَلِفَةِ).
في العرضين المختلفين يعني من أجناس مختلفة ثياب أطعمة وغير ذلك.
* قولُهُ: (وَبِالْعُيُونِ الْمُخْتَلِفَةِ، مِثْلَ الشَّرِكةِ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ أَحَدِهمَا وَالدَّرَاهِمِ مِنَ الآخَرِ).
стр. 7968
إذا كان هذا يقدم دراهم، وهذا يقدم دنانير، وهذا يقدم ريالات، وهذا يقدم دولارات، فهل هذا جائز أو لا؟ سيأتي الكلام في كلٍّ؛ سيبحثه المؤلف إن شاء الله وسنعلق عليه.
* قولُهُ: (وَبِالطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ إِذَا كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا، فَهَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ) (١).
عرفنا الطعام الربوي وتكرر؛ البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، وما أُلحق بذلك، ذلك أيضًا مما مر ذكره قبل.
* قولُهُ: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى).
الآن سيدخل في تفصيل ما أجمله.
* قولُهُ: (فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَا فِي صِنْفَيْنِ مِنَ الْعُرُوضِ، أَوْ فِي عُرُوضٍ وَدَرَاهِمَ أوْ دَنَانِيرَ، فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) (٢).
وأحمد (٣)، لكن مذهب أحمد بالنسبة للدراهم والدنانير، أما العروض فسيأتي الكلام فيها من حيث جوازها وعدمه.
* قولُهُ: (وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ إِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ (٤). وَسَبَبُ الْكَرَاهِيَةِ: اجْتِمَاعُ
стр. 7969
الشَّرِكَةِ فِيهَا وَالْبَيْعُ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضَانِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاعَ جُزءًا مِنْ عَرَضِهِ بِجُزْءٍ مِنَ الْعَرَضِ الْآخَرِ. وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي الْعُرُوضِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهَا الشَّرِكَةُ الْقِيَمَ).
وأحمد أيضًا (١).
* قولُهُ: (وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: لَا تَنْعَقِدُ الشَّرِكَةُ إِلَّا عَلَى أَثْمَانِ الْعُرُوضِ) (٢).
عرفنا الآن أن مالكًا يقول في العروض بأنها تجوز، لكن الجواز يكون على قيمتها، تقدر قيمتها فتجعل رأس المال، وهذا هو مذهب أحمد، لكن الإمام أحمد له روايتان (٣)؛ الرواية الأولى: أنه لا تجوز الشركة في عروض التجارة، والرواية الأخرى: أن الشركة تجوز في عروض التجارة، فنأخذ هذا القول الأخير الذي يلتقي به مع مالك، فيلتقي به مع مالك حكمًا وتقديرًا، فالإمامان مالك وأحمد يريان أن هذه العروض تقدر قيمتها.
стр. 7970
فما معنى تقدير القيمة؟
يعني -مثلًا- تقدر هذه العروض بما تساويه من ريالات، فيقال مثلًا: تساوي عشرة آلاف ريال، فيكون رأس المال هو العشرة آلاف، التي هي قيمة هذه العروض.
والإمام الشافعي يخالف في ذلك ويقول: هذا لا يغير من المعنى شيئًا؛ لأن هذه العروض تتغير،" فربما قلت قيمتها وربما زادت، وربما قلت قيمة بعضها وزادت قيمة البعض الآخر، فهي إذن غير منضبطة، فقال: تكون بالأثمان، تباع وثمن هذه العروض يكون أصل المال، هذا هو الفرق.
فالمؤلف يشير إشارات دقيقة ينبغي أن ننتبه لها وهي تؤدي المعنى، فعند مالك وأحمد تجوز الشركة بالعروض على أن يكون رأس المال هو قيمة هذه العروض، فتقدر عند بدء الشركة، عند العرض، فتكون هي رأس المال، وعند الإمام الشافعي لا بد من الثمن، أي: تباع بثمن، وثمن العروض يكون هو رأس مال الشركة.
* قولُهُ: (وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَب اِلشَّافِعِيِّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ مِثْلَ الْقِرَاضِ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ).
لأول مرة يذكر أبا حامد، لم يذكره في الكتاب قبل، فمنذ أن بدأنا ما أذكر أنه عرض له، وهو من الشافعية، ومن العلماء المعروفين، وهو محمد بن محمد الغزالي الطوسي، صاحب كتاب "البسيط " و"الوسيط" و"الوجيز" في فقه الشافعية، وصاحب كتاب "إحياء علوم الدين "، وهو من العلماء الذين يعدون بحرًا في العلوم؛ لكن عليه مآخذ معروفة، وبخاصة في كتاب الإحياء، ومعلوم أثر الفلسفة في كثير من العلماء، والغزالي قد تأثر بالفلسفة هو ومجموعة من العلماء، ومن العلماء من يقول بأنه تغير آخر حياته، فنسأل الله لنا وله الرحمة.
стр. 7971
* قولُهُ: (قَالَ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْإِشَاعَةَ فِيهَا تَقُومُ مَقَامَ الْخَلْطِ) (١).
الإشاعة من شاع؛ يعني: انتشر (٢).
* قولُهُ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا إِنْ كانَ الصِّنْفَانِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّسَاءُ مِثْلَ الشَّرِكةِ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ الآخَرِ، أَوْ بِالطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ).
عرفنا أن هذا لا يجوز، يعني إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٣)، وإذا لم يكن يدًا بيد فمعناه التأجيل وهو النساء، وهو معنى قول المؤلف؛ لأن هذه حتى وإن اختلفت دراهم ودنانير لا يجوز فيها النَّسْءُ؛ أي التأجيل؛ لأن في الحديث: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فييعوا كيف شئتم" ثم جاء القيد -الشرط- "إذا كان يدًا بيد" أي: غير مؤجل.
* قولُهُ: (أَوْ بِالطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ).
أو بالطعامين المختلفين أيضًا، قمح مع تمر مثلًا، وهذه أيضًا من الأطعمة الربوية، فيجوز ذلك لكن شريطة أن يكون يدًا بيد.
* قولُهُ: (فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَأَجَازَهُ مَرَّةً (٤)، وَمَنَعَهُ
стр. 7972
مَرَّةً (١). وَذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ الشَّرِكَةَ بِالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ الآخَرِ).
أنا أعتقد أن ما ذكره المؤلف في هذه المسألة جيد وكاف.
* قولُهُ: (مِنَ الشَّرِكَةِ وَالصَّرْفِ مَعًا، وَعَدَمِ التّناجُزِ، وَلِمَا يَدْخُلُ الطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الشَّرِكَةِ، وَعَدَمِ التَّنَاجُزِ؛ وَبِالْمَنْعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (٢)، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الْعِلَلَ أَجَازَهَا) (٣).
هذه تعليلات ذكرها المؤلف، لكن هل يسلم لها الآخرون؟ سنرى.
стр. 7973
* قولُهُ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ).
وهؤلاء العلماء الذين أجازوا الدراهم بالدنانير هم الحنفية (١) والحنابلة (٢)، وأمَّا الشركة في الطعام من صنفٍ واحدٍ.
* قولُهُ: (فَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِهَا فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (٣)، وَمَنَعَهَا مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ -وَهُوَ الْمَشْهُورُ- (٤) بِعَدَمِ الْمُنَاجَزَةِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ؛ إِذْ رَأَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَلَّا يُقَاسَ عَلَى مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَجْهَ كَرَاهِيَةِ مَالِكٍ لِذَلِكَ أَنَّ الشَّرِكَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْقِيمَةِ، وَالْبَيْعُ يَفْتَقِرُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْكَيْلِ، فَافْتَقَرَتِ الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامَيْنِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ إِلَى اسْتِوَاءِ الْقِيمَة، وَالْكَيْلِ، وَذَلِكَ لَا يَكَادُ يُوجَدُ، فَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي جِنْسِ مَحِلِّ الشَّرِكةِ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شَرْطِ مَالِ الشَّرِكةِ أن يختلط أو لا يختلط؟ فقال مَالِكٌ: إن من شرط الشركة أَنْ يَخْتَلِطَا إِمَّا حِسًّا، وَإِمَّا حُكْمًا) (٥).
стр. 7974
معنى أن يختلطا حسًّا وحكمًا، أي: أن يذوب مال كل واحد منهما في الآخر، أو يبقى مال كل واحد منهما بيده شريطة أن يحضره، وأن يعرف قدره، وهذه المسألة فيها خلاف أيضًا (١).
* قولُهُ: (مِثْلَ أَنْ يَكُونَا فِي صُنْدُوقٍ وَاحِدٍ وَأَيْدِيهُمَا مُطْلَقَةً عَلَيْهِمَا).
يعني يؤتى بمال هذا ومال هذا فيخلطان خلطًا كاملًا، فيوضعان في مكانٍ واحد، في صندوق معين أو في مكان، أو في خزينة، في مكان ما، يعني يجاء بالمال ويجمع.
* قولُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ حَتَّى يَخْلِطَا مَالَيْهِمَا خَلْطًا).
الإمام الشافعي يرى الخلط أيضًا كالإمام مالك، لا بد من خلط ماليهما، وإذا لم يخلطا فلا يجوز.
* قولُهُ: (لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مَالُ أَحَدِهِمَا مِنْ مَالِ الآخَرِ) (٢).
أي: خلطًا لا تستطيع معه أن تميز هذا من هذا، أصبح مالًا واحدًا، لا يستطيع أحد أن يقول: هذا مالي وهذا مالك.
стр. 7975
" قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (١)
وأحمد كذلك (٢).
قولُهُ: (تَصِحُّ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ كَانَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدِهِ).
لكن يشترط الإمامان أن يحضر كل واحد منهما ماله، وأن يعرف قدره، ولا مانع أن يبقى مال كل بيده يشتغل به، لكن رأس مال الشركة قد عرف، ويعملان معًا بهذا المال، أما عند الشافعية والمالكية فلا بد من الخلط كما سبق.
لكن الشافعية يشددون أكثر، فلا بد عندهم من الخلط بحيث لا يعرف مال أحدهما من مال الآخر، كأنهما مال رجل واحد.
وأبو حنيفة وأحمد يقولان: يجوز أن يكون مال كل بيده، والقصد من ذلك هو البيع والشراء، والبحث عن الكسب والرزق، فلا يمنع أن يبقى مال كل واحد منهما بيده؛ لأنهما لم يشتركا إلا وكل منهما يثق بالآخر ويراه أمينًا، فلا شبهة في ذلك.
* قولُهُ: (فَأَبُو حَنِيفَةَ اكْتَفَى فِي انْعِقَادِ الشَّرِكةِ بِالْقَوْلِ (٣). وَمَالِكٌ اشْتَرَطَ إِلَى ذَلِكَ اشْتِرَاكَ التَّصرُّفِ فِي الْمَالِ (٤)؛ وَالشَّافِعِيُّ اشْتَرَطَ إِلَى
стр. 7976
هَذَيْنِ الِاخْتِلَاطَ (١). وَالْفِقْهُ أَنَّ بِالِاخْتِلَاطِ يَكُونُ عَمَلُ الشَّرِيكَيْنِ أَفْضَلَ وَأَتَمَ).
يعني عندما تدقق في الفقه وفي المسائل، تجد أنك إذا خلطت المالين فإن ذلك يكون أحرى وأولى؛ بخلاف ما إذا فصلتهما.
* قولُهُ: (لِأَنَّ النُّصْحَ يُوجَدُ مِنْهُ لِشَرِيكِهِ كَمَا يُوجَدُ لِنَفْسِهِ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الرُّكْنِ وَفِي شُرُوطِهِ).
والنصح موجود ما دام الربح بينهما شركة، وما داما قد تساويا في التصرف، وفي المال.
* * *
[الرُّكنُ الثَّانِي: كيْفِيَّةُ اقْتِسَامِ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا في شركة العنان (٢)]
* قولُهُ: (فَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي (وَهُوَ وَجْهُ اقْتِسَامِهِمَا الرِّبْحَ): فَإِنَّهُمُ
стр. 7977
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الرِّبْحُ تَابِعًا لِرُؤُوسِ الْأَمْوَالِ).
سبق بيان المراد بشركة العنان، وهنا الحديث عن الربح وحالاته، وأوجه اقتسامه.
فللربح إذا كان تابعًا لرؤوس الأموال حالتان:
- حالة تساوي المالين.
- حالة اختلاف المالين.
* قولُهُ: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الرِّبْحُ تَابِعًا لِرُءُوسِ الْأَمْوَالِ، أَعْنِي: إِنْ كَانَ أَصْلُ مَالِ الشَّرِكَةِ مُتَسَاوِييْنِ، كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) (١).
ففي حالة تساوي المالين اتفقوا على أنَّ الربح يكون بينهما نصفين؛
стр. 7978
مثاله: إذا كان مال أحدهما عشرة آلاف والآخر يساويه؛ فالربح بينهما نصفين.
ولا خلاف في اشتراط كون رأس المال متساويًا، ويجوز -على الصحيح- أن يكون ربح أحدهما أكثر من الآخر؛ لاختلاف الناس في الإنتاج بحسب العمل وما وهبهم الله تعالى من خبرة ودراية ومعرفة بأمور التجارة والضرب في الأرض.
* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ رُؤُوسُ أَمْوَالِهِمَا وَيَسْتَوِيَانِ فِي الرِّبْحِ؟).
واختلفوا كذلك في جواز أن يكون رأس مال أحدهما أكثر من الآخر، مع تساوي الربح بينهما.
* قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢): "ذَلِكَ لَا يَجُوزُ". وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: "يَجُوزُ ذَلِكَ" (٣)).
منع مالك والشافعي جواز اختلاف رؤوس الأموال مع تساوي الربح بينهما. وأجازه أبو حنيفة (٤) وأحمد (٥) وأهل العراق عامة، وقولهم هذا
стр. 7979
أقرب لروح الشريعة؛ لأنه مع جواز اختلاف المال، قد يختلف الإنتاج بحسب عملهم وما وهبهم الله من الخبرة- كما سبق.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ أَنَّ تَشْبِيهَ الرِّبْحِ بِالْخُسْرَانِ).
الصواب أن يقال: أنَّهُ تَشْبيهُ -بإثبات ضمير الحال- أو: أنَّ تشبيهَ -على حذف الضمير، أو تحذف "أن" فيكون الكلام: وعُمْدةُ مَن منَعَ ذلك تشبيهُ الرِّبحِ بالخُسْرانِ.
قوله: (فَكَمَا أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنَ الْخُسْرَانِ لَمْ يَجُزْ كَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَطَ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ خَارِجًا عَنْ مَالِهِ. وَرُبَّمَا شَبَّهُوا الرِّبْحَ بِمَنْفَعَةِ الْعَقَارِ الَّذِي بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ؛ أَعْنِي: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ بَيْنَهُمَا تَكُونُ عَلَى نِسْبَةِ أَصْلِ الشَّرِكَةِ).
القراض أو المضاربة: هو أن يدفع رجل ماله إلى آخر؛ ليَتَّجِرَ فيه، والربح بينهما على ما اصطلحا عليه؛ فقد يتساوى نصيب كل منهما، وقد يقل أحدهما (١).
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: تَشْبِيهُ الشَّرِكَةِ بِالْقِرَاضِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ (٢)، وَالْعَامِلُ لَيْسَ يَجْعَلُ مُقَابِلَهُ إِلَّا عَمَلًا فَقَطْ).
هذه المضاربة أو القراض شركة عند كل من أهل العراق وأهل الحجاز، مع اختلاف التسمية؛ فهي عند أهل العراق (الحنفية والحنابلة)
стр. 7980
مضاربة (١)؛ وسماها أهل الحجاز (المالكية والشافعية) قراضًا (٢).
* قولُهُ: (كانَ فِي الشَّرِكةِ أَحْرَى أَنْ يجْعَلَ لِلْعَمَلِ جُزْءًا مِنَ الْمَالِ إِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ مَالًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَمَلًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ الرِّبْحِ مُقَابِلًا لِفَضْلِ عَمَلِهِ عَلَى عَمَلِ صَاحِبِهِ).
لما شبه أهل العراق الشركة بالقراض، وجاز في القراض احتساب جزء من الربح في مقابل العمل؛ كان ذلك أحرى عندهم أن يكون للعمل في الشركة جزء من الربح في مقابله. فإن عمل الشريكين يتفاضل بحسب الخبرة -كما مر، وهذه هي العلة التي شرطها المؤلف؛ قال:
* قولُهُ: (فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعَمَلِ كَمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ).
فإنك إذا راقبتَ ما يقوم به عاملان في مصنع، ربما تجد أحدَهما يزيد على الآخر في الإنتاج، وما يكلف به من عمل؛ مما يدل على تحقق التفاوت في أعمال التجارة من باب أولى.
* * *
[الرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ في شركة العنان]
* قولُهُ: (وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّالِثُ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ: فَإِنَّهُ تَابعٌ كمَا قُلْنَا
стр. 7981
عِنْدَ مَالِكٍ لِلْمَالِ (١)، فَلَا يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ. وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ مَعَ الْمَالِ (٢). وَأَظُنُّ أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يُجِيزُ الشَّرِكَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَالَاهُمَا مُتَسَاوِبَيْنِ الْتِفَاتًا إِلَى الْعَمَلِ).
جمهور العلماء -وفيهم الأئمة الأربعة- لا يشترطون أن يكون مال الشريكين متساويًا، وخالفهم بعض الشافعية -وهم مَن قصدهم بقوله: وأظن أن من العلماء- فقالوا باشتراط ذلك؛ التفاتًا إلى العمل.
* قولُهُ: (فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْغَالِبِ مُسْتَوٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّسَاوِي كَانَ هُنَالِك غبن على أحدهما في العمل).
يوضح بذلك علة بعض الشافعية في اشترط تساوي المالين في الشركة، ومخالفتهم لإمامهم الشافعي الذي وافق الجمهور في عدم اشتراط ذلك.
* قولُهُ: (وَلهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الشَّرِكةِ الَّتِي يُخْرِجُ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مَالًا مِثْلَ مَالِ صَاحِبِهِ مِنْ نَوْعِهِ (أَعْنِي: دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ)، ثُمَّ يَخْلِطَانِهِمَا حَتَّى يَصِيرَا مَالًا وَاحِدًا لَا يَتَمَيَّزُ) (٣).
فعند تساوي المالين لا خلاف في جواز الشركة.
стр. 7982
* قولُهُ: (عَلَى أَنْ يَبِيعَا وَيَشْتَرِيَا مَا رَأَيَا مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، وَعَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْن، وَمَا كَان مِنْ خَسَارَةٍ فَهُوَ كذَلِكَ).
فما كان من فضل ربح، أو خسارة؛ فهو بينهما بنصفين.
* قولُهُ: (وذَلِكَ إِذَا بَاعَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ، وَاشْتِرَاطُهُ هَذَا الشَّرْطَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا).
يبين بهذا الشرط الخلافَ عند الشافعية -ممن قال باشتراط تساوي المالين- عند عدم تساوي المالين. وهو خلاف يسير داخل المذهب (١)؛ ولكن الصحيح هو قول جمهور العلماء من عدم منع التساوي في الربح مع اختلاف رأس المال من حيث القدر.
* قولُهُ: (وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ) (٢).
أصل الشركة قائم على الأمانة في المال الذي قامت عليه الشركة، فكل من الشريكين كأنه وكيل عن الآخر في التصرف في المال؛ لأن الإنسان لا يشارك خائنًا أو معروفًا بالتفريط أو الغش؛ وذلك ما جعل الجمهور لا يشترطون أن يبيع كل واحد منهما بحضرة صاحبه؛ لما فيه من تضييق.
стр. 7983
وإذا ما اشترط أحدهما حدًّا في التصرف، كأن يبيع نوعًا معينًا من البضائع في بلدٍ معين، فعلى الآخر أن يلتزم به. وإذا أذن له في التصرف مطلقًا، جاز له ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْقَوْلُ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ) (١)
المفاوضة: أن يفوض كل واحد من الشريكين صاحبه في التصرف، وهذه تدخل فيها أنواع الشركات: شركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه.
стр. 7984
* قولُهُ: (وَاخْتَلَفا فِي شَرِكةِ الْمُفَاوَضَةِ: فَاتَّفَقَ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) بِالْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِهَا؛ وَإِنْ كَانَ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ (٣)).
اختلفت أقوال العلماء في جواز شركة المفاوضة:
- أبو حنيفة وأحمد (٤) يجيزان أنواع الشركات الخمس.
- مالك يجيز شركة المفاوضة على اعتبار كونها بيعًا، ولا يشترط تساوي المالين.
- الشافعي لا يجيز شركة المفاوضة، ولا شركة الأبدان، ولا شركة الوجوه؛ وإنما يجيز من الشركات شركتين فقط: شركة المضاربة، وشركة العنان.
* قولُهُ: (وَمَعْنَى شَرِكةِ الْمُفَاوَضَةِ: أَنْ يُفَوِّضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ وَحُضُورِهِ، وَذَلِكَ وَاقِعٌ عِنْدَهُمْ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُمْتَلَكَاتِ).
стр. 7985
"شركة المفاوضة": أن يفوض كل واحد من الشريكين صاحبه في التصرف في ماله مع غيبتة وحضوره، وهو عندهم في جميع أنواع الممتلكات من عقار وغيره.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيُّ: أَنَّ اسْمَ الشَّرِكَةِ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى اخْتِلَاطِ الْأَمْوَالِ (١)، فَإِنَّ الْأَرْبَاحَ فُرُوعٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفُرُوعُ مُشْتَرَكَةً إِلَّا بِاشْتِرَاكِ أُصُولِهَا).
يحتج الشافعي في قولُهُ بعدم جواز شركة المفاوضة إلى اشتراط تحقق اختلاط المالين بحيث يصيرًا مالًا واحدًا، ثم يستدل بأن الأرباح فروع عن هذه الشركة؛ ولا بد من اشتراك أصول الشركة؛ حتى يجوز أن تكون الفروع مشتركة.
مالكٌ يرى أن يوضع المالان في صندوق واحد في حانوت واحد بيد وكيل (٢)؛ فمذهبه قريب جدًّا من مذهب الحنفية والحنابلة.
* قولُهُ: (وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِبْحًا لِصَاحِبِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ وَمِمَّا لَا يَجُوزُ).
فلم تصح شركة المفاوضة عند الشافعية؛ لعدم تحقق الخلط بين المالين.
* قولُهُ: (وَهَذِهِ صِفَةُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَيَرَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ بَاعَ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ وَكَّلَ وَاحِدٌ